النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢٠
إن أراد مما يسمّى: مشهداً، فموضع قبره صلى الله عليه وسلم لا
يُسمّى مشهداً، وكلامنا إنما هو فيه.
وإن أراد أنه لم يكن في ذلك الزمان زيارة لقبر نبي من الأنبياء، فهذا
باطل لما قدّمناه، وبقية كلامه وتقسيمه الزيارة إلى شرعية وبدعية سبق
الكلام عليه، وفيه اعترافٌ بمطلق الزيارة، ويلزمه الاعتراف بالسفر إليها،
ولا يمنع من ذلك كون نَوعٍ منها يقترن به من بعض الجهال، ماهو مَنھيٌ
عنهُ.
فمن ادّعى أنَّ الزيارة من غير انضمام شيءٍ آخر إليها بدعة؛ فقد كذب
وجهل، ومن حَرّمها؛ فقد حَرّم ما أحله الله تعالى، ومن أطلق التحريم
عليها لأنَّ بعض أنواعها مُحرمٌ، أو يقترن به مُحرمٌ؛ فهو جاهل.
وهكذا من امتنع من إطلاق الاستحباب على الزيارة من حيث هي،
لوقوع بعض أنواعها من بعض الناس على وجه التحريم؛ فهو جاهل
أيضاً، فإنَّ الصلاة قد تقع على وجه مَنهيٌّ عنه، كالصلاة في الدار
المغصوبة، وما أشبه ذلك، ولا يمنع ذلك من إطلاق القول بأنَّ الصلاة
قُربةٌ، أو واجبةٌ.
فهكذا أيضاً الزيارة من حيث هي قربةٌ لقوله ◌ِّله: ((زُوروا القبور))، وإن
= يتخذه مُصلّى، وعلى نحو ما كان يفعل ابن عمر يَتَّبعُ مواضع النبي وَّ وأثره؛ فليس
بذلك بأس، إلاَّ أنَّ الناس أفرطوا في هذا جداً وأكثروا.
قال ابن القاسم: فذكر قبر الحسين وما يفعل الناس عنده. وحكى شيخنا وجهاً:
يجب السفر المنذور إلى المشاهد، ومراده - والله أعلم - اختيار صاحب ((الرعاية)).))
انتھی منه.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٢١
كان بعض أنواعها يقع على وجه مَنهيٌّ عنه، فيكون ذلك الوجه منهياً عنه
وَحَدَهُ، والحكم بالابتداع على هذا النوع؛ لا يَضُرُنا ونحن نُسلمهُ، وَنَمنعُ
من يفعله، والحكم بالابتداع على المطلق؛ عين الابتداع.
وأما الشبهة الثالثة : وهي أنَّ من أصول الشرك بالله تعالى: اتخاذ القبور
مساجد، كما قال طائفة من السلف في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوْ لَا نَذَرُنَّ ءَالِهَتَّكُمُ
وَلَا نَذَرُنَّ وَذَّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣].
قالوا: كان هؤلاء قوماً صالحين في قوم نوح عليه السلام، فلما ماتوا
عكفوا على قبورهم، ثم صَوّروا على صورهم تماثيل، ثم طَالَ عليهم
الأمد؛ فعبدوها.
وتخيَّلَ ابن تيمية أنَّ منع الزيارة والسفر إليها من باب المحافظة على
التوحيد، وأنَّ فعلها مما يُؤدّي إلى الشرك، وهذا تَخيلُ باطل، لأنَّ اتخاذ
القبور مساجد، والعُكوف عليها، وتصوير الصور فيها؛ هو المؤدِّي إلى
الشرك، وهو الممنوع منه، كما ورد في الأحاديث الصحيحة كقوله وله:
((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد))، يُحَذّرُ ماصنعوا،
وقوله وَله لما أُخْبِرَ بكنيسة بأرض الحبشة: ((أولئك إذا مات فيهم الرجل
الصالح؛ بنوا على قبره مسجداً، ثم صَورُوا فيه تلك الصُّور، أولئك شِرَارُ
الخلق عند الله)).
وأما الزيارة والدعاء والسلام، فلا يُؤدِّي إلى ذلك، ولهذا شَرعهُ الله
تعالى على لسان رسول الله وَله، لما ثبت من الأحاديث المتقدمة عنه
صلى الله عليه وسلم قولاً وفعلاً، وَتَواتُر ذلك، وإجماع الأمة عليه.
فلو كانت زيارة القبور من التعظيم المُؤدِّي إلى الشرك كالتصوير
ونحوه؛ لم يشرعها الله تعالى في حَقّ أحدٍ من الصالحين، ولا فعلها
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٢٢
النبي ◌َّ﴿ والصحابة في حَقّ شهداء أُحُدٍ، والبقيع وغيرهم، وليس لنا أن
نُحَرّمَ إلَّ ماحَرَّمَهُ الله تعالى؛ وإنْ تخيلنا أنه يُفْضي إلى مَحذُورٍ، ولا نُبِيحُ
إلاَّ ما أباحه الله تعالى؛ وإن تخيلنا أنه لا يُقْضي إلى مَحذورٍ.
وَلمَّا أباح الله تعالى الزيارة وشرعها، وسنَّها رسوله ◌َل﴾، وحظر اتخاذ
القبور مساجد، وتصوير الصُّورِ عليها، قُلنا بإباحة الزيارة ومشروعيتها،
وتحريم اتخاذ القبور مساجد والتصوير، فمن قاس الزيارة على التصوير في
التحريم؛ كان مُخالِفاً للنَّص، كما أنَّ شخصاً لو قال بإباحة اتخاذ القبور
مساجد إذا لم يُقْضِ إلى الشرك؛ كان مُخَالفاً للنَّص أيضاً.
والوسائل التي لا يتحقق بها المقصود، ليس لنا أن نُجرِيَ حكم
المقصود عليها إلاَّ بنصِّ من الشارع، فإنَّ هذا من باب سَدِّ الذرائع الذي
لم يقم عليه دليل، فالمُفضي إلى الشرك حَرامٌ بلا إشكال.
وأما الأمور التي قد تُؤدي إليه، وقد لا تُؤدي، فما حَرّمهُ الشرع منها
كان حراماً، ومالم يُحرِّمُهُ كان مُباحاً؛ لعدم استلزامه للمحذور، وهذه
الأمور التي نحن فيها من هذا القبيل، حَرّم الشرع منها : اتخاذ القبور
مساجد، والتصوير، والعكوف على القبور. وأباح: الزيارة، والسلام،
والدعاء، وكلّ عاقل يعلمُ الفرق بينهما، ويتحقّقُ أنَّ (النوع الثاني) إذا فُعِلَ
مع المحافظة على آداب الشريعة، لا يُؤدّي إلى محذور، وأنَّ القائل بمنع
ذلك جُملةٌ سداً للذريعة؛ مُتَقوِّلٌ على الله وعلى رسوله وَّةِ، مُنْتقصٌ
ماثبت لذلك المزُورِ من حَقِّ الزيارة.
واعلم: أنَّ هاهنا أمرين لا بُدَّ منهما.
أحدهما: وُجُوب تعظيم النبي ◌َِّ، وَرَفِعُ رُتُبْتِهِ عن سائر الخَلْقِ.
والثاني : إفرادُ الربوبية، واعتقاد أنَّ الربَّ تبارك وتعالى مُنْفَردٌ بذاته
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٢٣
وصفاته وأفعاله عن جميع خلقه.
فمن اعتقد في أَحَدٍ من الخَلْقِ مُشَاركةَ الباري تعالى في ذلك؛ فقد
أشركَ وجنى على جانب الربوبية فيما يَجبُ لها، وعلى الرسول ◌َّ# فيما
أدَّىّ إلى الأُمّةِ من حقها.
ومن قَصَّرَ بالرسولِ بَلِّ عن شيء من رُتبتِهِ؛ فقد جَنى عليه فيما يَجِبُ
لهُ، وعلى الله تعالى بمخالفته فيما أَوجَب لرسوله وَله.
ومن بالغ في تعظيم النبي وَالتّ بأنواع التعظيم؛ ولم يَبلُغ به مايختصُّ
بالباري تعالى، فقد أصاب الحقّ، وحافظ على جانب الربوبية والرسالة
جميعاً، وذلك هو العَدلُ الذي لا إفراط فيه ولا تفريط.
ومن المعلوم : أنَّ الزيارة بقصد التبرك والتعظيم، لا تنتهي في التعظيم
إلى درجة الربوبية، ولا تزيد على ما نُصَّ عليه في القرآن والسُّنة، وفعل
الصحابة رضوان الله عليهم من تعظيمه في حياته وبعد وفاته، وكيف
يُتَخيّل امتناعها، إنَّا لله وإنا إليه راجعون.
وهذا الرجل قد تخيّل أنَّ الناس بزيارتهم مُتَعَرِّضُونَ للإشراك بالله
تعالى، وبنى كلامه كُلُه على ذلك، وكلّ دلیلٍ ورد علیه یَصرِفهُ إِلى غير
هذا الوجه، وكُلّ شُبهةٍ عرضت له يَستعِينُ بها على ذلك، فهذا دَاءَ لا دواء
له؛ إلاَّ بأن يُلهِمهُ الله الحق.
أيَرى هو لما زَار؛ قصد ذلك، وأشرك مع الله غيره؟ .
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٢٤
الفصل الثاني
في تَتُع كلماته
وقد سبق تَتَبُّع ما نقلته من خَطّه، في فُتْيا لم يُسأل فيها عن الزيارة قصداً،
بل جاء ذِكرُها تبعاً للكلام في المشاهد، والذي اتّصلَ عنه بالدولة نُسخَة فُتْيا
نُقلت من خَطّه، وعلى رأسها بخط قاضي القضاة جلال الدِّين ما صُورته :
((قابلت الجواب عن هذا السؤال المكتوب دونه في هذه الورقة على خَطِّ
تقي الدِّين ابن تيمية، فَصحّ سِوى ما عُلِّمَ عليه بالأحمر، فإنَّ مواضعه من
الورقة التي بخطه وجدتها ذاهبة، وليس ذلك بِمُحرِّ، وإنما المُحزُّ جَعلهُ زيارة
النبي ◌َِّ، وقبور سائر الأنبياء عليهم السلام معصيةً بالإجماع، مَقَطُوعاً بها.
وكتب محمد بن عبد الرحمن القزويني الشافعي)).
وقد عُلَّمَ عليها الآن بالأسود في هذه النسخة (١):
(بسم الله الرحمن الرحيم، ما يقول السادة العلماء أئمة الدِّين نفع الله
بهم المسلمين، في رَجُلٍ نَوى زيارة قبر نبيِّ من الأنبياء، مثل نبينا محمد
(١) نَصُّ الفتوى المشار إليه هنا لابن تيمية، قد طبع ضمن كتاب عنوانه: ((كتاب
الزيارة)) من منشورات دار مكتبة الحياة، ببيروت. وتقع الفتوى في ((المسألة الثانية))
ص١٨ من الكتاب المشار إليه. وقد التزمنا إثبات النّصِّ كما ذكره المؤلف، ولم نثبت
اختلاف الألفاظ فيما أورده المؤلف، والنص المطبوع؛ لوجود أخطاءٍ فيه، ولأنَّ نصَّ
المؤلف منقول من أصلٍ خطي معتمد.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٢٥
وَّه وغيره، فهل يَجُوز له في سفره أن يَقصُر الصلاة، وهل هذه الزيارة
شرعيةٌ أم لا؟ وقد رُوِي عن النبي ◌َِّ أنه قال: ((من حَجَّ ولم يَزُرني فقد
جفاني، ومن زارني بعد موتي؛ کمن زارني في حياتي». وقد رُوِي عنه
وَلَّ أنه قال: ((لا تُشدّ الرِّحَالُ إلاَّ إلى: المسجد الحرام، والمسجد
الأقصى، ومسجدي هذا))، أفتونا مأجورين).
صُورَة ما وُجِدَ بخط تقي الدِّين ابن تيمية مكتوباً تحت هذا السؤال
جواباً عنه:
(الحمد لله، أما من سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين، فهل
يَجُوز له قَصْرُ الصلاة؟، على قولين معروفين:
أحدهما: وهو قول مُتُقدِّمي العلماء من الذين لا يُجَوِّزُونَ القصر في
سفر المعصية، كأبي عبد الله بن بَطّة، وأبي الوفاء ابن عقيل، وطوائف
كثيرين من العلماء المُتَقدِّمين: أنه لا يَجوز القَصْرُ في مثل هذا السفر، لأنه
سفرٌ مَنهيٌّ عنه، ومذهب مالك، والشافعي، وأحمد: أنَّ السفر المَنهِيّ عنه
في الشريعة؛ لا يُقْصَرُ فیه.
والقول الثاني: أنه يَقْصُر فيه، وهذا يقوله من يجوِّزُ القَصْرَ في السفر
المُحَرَّم، كأبي حنيفة رحمه الله، ويقوله بعض المتأخرين من أصحاب
الشافعي، وأحمد، ممن يُجَوِّزُ السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين،
كأبي حامد الغزالي، وأبي الحسن بن عبدوس الحَرَّاني، وأبي محمد بن
قُدَامة المقدسي، وهؤلاء يقولون: إنّ هذا السفر ليس بِمُحرَّم، لعموم قوله
عليه الصلاة والسلام: ((زوروا القبور))، وقد يَحتجُّ بعض من لا يَعرفُ
الحديث، بالأحاديث المروية في زيارة قبر النبي ◌َّ كقوله: ((من زارني
بعد مماتي، فكأنما زارني في حياتي" رواه الدارقطني، وابن ماجه.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٢٦
وأما ما يَذكره بعض الناس من قوله عليه الصلاة والسلام: ((من حجَّ
ولم يزرني فقد جفاني)) فهذا لم يَروه أحدٌ من العلماء، وهو مثل قوله: ((من
زارني وزار أبي إبراهيم في عَامِ وَاحدٍ، ضَمِنتُ له على الله الجنة))، فإنَّ هذا
أيضاً باطل باتفاق العلماء، لم يَروِهِ أَحدٌ، ولم يَحتجَّ به أحد، وإنما يَحتجُّ
بعضهم بحديث الدار قطني.
وقد احتجَّ أبو محمد المقدسي على جواز السفر لزيارة قبر النبي وَلّ
وقبور الأنبياء، بأنَّ النبي ◌َّه كان يَزُور مسجد قباء، وأجاب عن حديث:
((لا تُشدّ الرحال)»: بأنَّ ذلك مَحمُولٌ على نفي الاستحباب.
وأما الأولون؛ فإنهم يَحتجُّونَ بما في ((الصحيحين)) عن النبي وَّ أنه
قال: ((لا تُشدُّ الرِحالُ إلَّ إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ، والمسجد
الأقصى، ومسجدي هذا))، وهذا الحديث اتفق الأئمة على صحته،
والعمل به، فلو نذر الرجل أن يُصلَّ في مَسجدٍ، أو مشهدٍ، أو يعتكف
فيه، أو يُسافر إلى غير هذه الثلاثة؛ لم يَجب عليه ذلك باتفاق الأئمة.
ولو نذر أن يأتي المسجد الحرام بحجّ أو عُمرةٍ، وجبَ عليه ذلك
باتفاق العلماء.
ولو نذر أن يأتي مسجد النبي ◌َّر، والمسجد الأقصى لصلاة، أو
اعتكافٍ؛ وجَب عليه الوفاء بهذا النذر عند مالك، والشافعي، وأحمد،
ولم يجب عند أبي حنيفة (١)، لأنه لا يَجبُ عنده بالنذر إلاَّ ما كان من
(١) هذا خلاف المنقول عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله، بل الاعتكاف واجب
بالنذر عنده، كما هو مذكور في كتب السادة الحنفية في المتون والشروح. ينظر:
((القدوري)) (باب الاعتكاف)، وفي ((اللباب)) للإمام الميداني ١ : ١٦٣ ونصه فيه:
=
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٢٧
جِنْسِهِ واجبٌ بالشرع.
وأما الجمهور: فَيُوجبونَ الوفاء بكل طاعةٍ، لما ثبت في ((صحيح
البخاري)) عن عائشة رضي الله عنها: أنَّ النبي وَّر قال: ((من نذر أن يُطيعَ
الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يَعصِهِ))، والسفر إلى المسجدين كذا
طَاعةٌ، فلهذا وجب الوَفاءُ به.
وأما السفر إلى بُقعةٍ غير المساجد الثلاثة، فلم يُوجِب أَحدٌ من العلماء
السفر إليه إذا نذره، حتى نَصَّ العلماء على أنه لا يُسَافر إلى مسجد قباء،
لأنه ليس من الثلاثة، مع أنَّ مسجد قباء يُستَحبُّ زيارته لمن كان في
المدينة، لأنَّ ذلك ليس بشدِّ رَحْلٍ، كما في الحديث الصحيح: ((من تَطهر
في بيته ثم أتى مسجد قباء لا يريد إلاَّ الصلاة فيه؛ كان كَعُمرة)).
قالوا: ولأنَّ السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين بدعةٌ لم يفعلها أحدٌ
من الصحابة والتابعين، ولا أَمر بها رسول الله وَله، ولا استحبَّ ذلك أحدٌ من
= (وفيه أوجب على نفسه اعتكاف أيام لزمه اعتكافها بلياليها))، وفي ((الهداية)) للإمام
المرغيناني ١ : ٢٢٦ وفيها: ((وفيه أوجب على نفسه اعتكاف أيام لزمه اعتكافها بلياليها))
وفي (ردّ المحتار) ((حاشية ابن عابدين)) ٦: ٤١٣ وهو - أي الاعتكاف - واجب بالنذر
..... )) إلخ، وفي ((بدائع الصنائع)) للإمام الكاساني ٢: ١٠٨: ((والاعتكاف في الأصل سُنَّة،
وإنما يصير واجباً بأحد أمرين أحدهما: قول، وهو النذر المطلق بأن يقول: لله عَليَّ أن
اعتكف يوماً أو شهراً، أو نحو ذلك. أو عَلّقَهُ بشرط .... إلخ)). بل الاعتكاف المنذور في
المساجد الثلاثة؛ أفضل من غيرها من المساجد، كما هو مُفَصَّلٌ في كتب السادة الحنفية.
وفي هذا تأييدٌ لما قاله المؤلف في ((الفتاوى)) ٢: ٢١٠: (( ... ثم ظهر لي من حاله ما
يقتضي أنه ليس ممن يعتمد عليه في نقلٍ ينفرد به؛ لمسارعته إلى النقل لفهمه ... ولا في
بحثٍ ينشؤه لخلطه المقصود بغيره، وخروجه عن الحدِّ جداً ... )) إلخ.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية
Er

٣٢٨
أئمة المسلمين. فمن اعتقد ذلك عبادةً وفعلَها؛ فهو مُخالفٌ للسُنة والإجماع
الأُمّة، وهذا مما ذكرهُ أبو عبد الله بن بَطّة في ((إبانته الصُغرى)) من البدع المُخَالفة
للسُنّة والإجماع، وبهذا يظهر ضَعفُ حُجَّ أبي محمد، فإنَّ زيارة النبي نزَل
لمسجد قباء لم تكن بِشدِّ رَحلٍ، وهو يَدُلّهم أنَّ السفر إليه لا يَجبُ بالنذر.
وقوله: إنَّ قوله صلى الله عليه وآله وسلم ((لا تُشدُّ الرِّحَال))، محمول
على نفي الاستحباب، مُحتملٌ على وجهين:
أحدهما: أنَّ هذا تَسليمٌ منه أنَّ هذا السفر ليس بعَمل صَالحِ، ولا
قُربةٍ، ولا طَاعة، ولا هو من الحسنات. فإنَّ من اعتقد في السفر لزيارة
قبور الأنبياء والصالحين أنها قُربةٌ، وعبادةٌ، وطاعة؛ فقد خالف الإجماع،
وإذا سافر لاعتقاده أنها طَاعةٌ، كان ذلك مُحَرّماً بإجماع المسلمين، فصار
التحريم من الأمر المقطوع به.
ومعلومٌ: أنَّ أحداً لا يُسافر إليها إلاَّ لذلك، وأما إذا قُدّرَ أنّ الرجل
يُسافر إليها لغرضٍ مُباحٍ، فهذا جائز، وليس من هذا الباب.
الوجه الثاني : أنَّ النفي يقتضي النّهي، والنَّهيُ يقتضي التحريم، وما
ذكروه من الأحاديث في زيارة قبر النبي وَّر؛ فكلها ضَعيفةٌ باتفاق أهل
العلم بالحديث، بل هي مَوضُوعةٌ، لم يَروِ أحدٌ من أهل السُّنن المعتمدة
شيئاً منها، ولم يَحتجَّ أَحدٌ من الأئمة بشيءٍ منها.
بل مَالكٌ إمام أهل المدينة النبوية - الذين هم أعلمُ الناس بحكم هذه
المسألة - كَرِهَ أن يقول: زُرت قبر النبي ◌َّ ر، ولو كان هذا اللفظ هو
مَعرُوفاً عندهم، أو مشروعاً، أو مأثوراً عن النبي ◌َِّ؛ لم يكرهه عالم
المدينة، والإمام أحمد أَعلمُ الناس في زمانه بالسُّنة، لما سئل عن ذلك،
لم يكن عنده ما يَعتمدُ عليه في ذلك إلاَّ حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنّ
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٢٩
النبيِ وَلَّ قال: ((ما من رَجُلٍ يُسلِّمُ عَلَّي، إلاَّ رَدّ الله عليَّ روحي حتى أَرُدّ
علیه السلام))، وعلى هذا اعتمد أبو داود في «سننه)).
وكذلك مَالِكٌ في ((الموطأ»، روى عن عبد الله بن عمر رضي الله
عنهما أنه كان إذا دخل المسجد قال: السلام عليك يا رسول الله، السلام
عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتِ، ثم ينصرف.
وفي (سنن أبي داود)) عن النبي وَلّ أنه قال: ((لا تتخذوا قبري عيداً
وصلوا عَليَّ، فإنَّ صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم».
وفي (سنن سعيد بن منصور)) أنَّ عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن
أبي طالب رضي الله عنه، رأى رجلاً يختلف إلى قبر النبي وَّ يدعو عنده،
فقال: يا هذا! إنّ رسول الله وَ لّه قال: ((لا تتخذوا قبري عيداً، صَلَّوا عليَّ حيث
ما كنتم، فإنَّ صلانكم تبلغني))، فما أنت وَرجلٌ بالأندلس منه إلاَّ سواء.
وفي ((الصحيحين)) عن النبي ◌َّ أنه قال في مرض موته: ((لعن الله
اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد))، يُحذِّرُ ما فعلوا.
قالت عائشة رضي الله عنهما: ولولا ذلك لأُبرِزَ قبره، ولكن كره أن
يُتّخذَ مسجداً، فهم دفنوه في حجرة عائشة رضي الله عنها، خَلافَ ما
اعتادوه من الدفن في الصحراء، لئلا يُصلّي أَحدٌ عند قبره وَيَتْخذهُ
مسجداً، فَيُّتَّخِذَ قبره وثناً.
وكان الصحابة والتابعون لما كانت الحجرة النبوية مُنفصلةً عن
المسجد إلى زمان الوليد بن عبد الملك، لا يدخُل أحدٌ إلى عنده لا لصلاة
هنالك، ولا يتمسح بالقبر، ولا دعا هناك، بل هذا جميعه إنما يفعلونه في
المسجد، وكان السلف من الصحابة والتابعين إذا سَلّموا عليه، وأرادوا
الدعاء؛ دعوا مستقبلي القبلة، ولم يستقبلوا القبر.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٣٠
وأما وقت السلام عليه: فقال أبو حنيفة رحمه الله يستقبل القبلة أيضاً
ولا يستقبل القبر.
وقال أكثر الأئمة: بل يستقبل القبر عند السلام خاصة، ولم يقل أحدٌ
من الأئمة إنه يستقبل القبر عند الدعاء؛ إلاَّ في حكاية مكذوبةٍ تُروى عن
مالك؛ ومذهبه بخلافها(١).
واتفق الأئمة على أنه لا يتَمَسّحُ بقبر النبي ◌َّرَ، ولا يُقبله، وهذا كله
محافظة على التوحيد (٢)، فإنَّ من أصل الشرك بالله؛ اتخاذ القبور مساجد،
كما قال طائفة من السلف في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوْ لَا نَذَرُنَّ ءَالِهَتَّكُ وَلَا نَذَرُنَّ وَذَّا
وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسَرًّا﴾ قالوا: هؤلاء كانوا قوماً صالحين في قوم
نوح عليه السلام، فلما ماتوا؛ عكفوا على قبورهم، ثم صَوّروا على
صورهم تماثيل، ثم طَالَ عليهم الأمدُ؛ فعبدوها.
وقد ذكر هذا المعنى البخاري في ((صحيحه)) عن ابن عباس رضي الله
عنهما، وذكره ابن جرير الطبري وغيره في («التفسير»، عن غير واحدٍ من
السلف، وذَكرهُ وَئِيمَةُ وغيره في ((قصص الأنبياء)) من عِدّةِ طُرقٍ، وقد
بُسِطَ الكلام على أصول هذه المسائل في غير هذا.
(١) تقدّم تخريج هذه القصة ص ٢١٢، حاشية رقم (٢) وأنها صحيحةٌ، ودعوى
أنها مكذوبة؛ مكذوبة.
(٢) دعوى الاتفاق هذه؛ ينقضها في مسألة التقبيل، ما تقدّم نقله ص٣٠٦ عن الإمام
أحمد، وما نقله الإمام منصور البُهوتي الحنبلي في ((كشاف القناع)) ٢: ١٥١، و((حواشي
الإقناع)) ١: ٣٣٥ عن الإمام إبراهيم الحربي رحمه الله تعالى قوله: ((يستحب تقبيل حجرة
النبي ◌َّ))، انتهى منه. فما يقوله مدّعي الاتفاق في قول الإمام الحافظ العلامة، شيخ
الإسلام إبراهيم الحربي، كما وصفه بذلك الإمام الذهبي ((سير أعلام النبلاء)) ١٣: ٣٥٦؟.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٣١
وَأَوّلُ من وضع الأحاديث في السفر لزيارة المشاهد التي على القبور،
هم أهل البدع من الرافضة ونحوهم، الذين يُعطّلُونَ المساجد، ويعظمون
المشاهد، يَدَعُونَ بيوت الله التي أُمِرَ أن يُذكَر فيها اسمه وَيُعبدَ وَحدهُ لا
شريك له؛ وُيُعظِمُونَ المشاهد التي يُشَرك فيها وَيَكذّبُ فيها، وَيُبتدعُ فيها
دين لم يُنزل الله به سلطاناً، فإنَّ الكتاب والسُّنة إنما فيه ذِكْرُ المساجد دون
المشاهد، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَقٍِ بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ
كُلِّ مَسْجِدٍ وَأَدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّيْنَّ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُدُونَ﴾.
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَّوْمِ الْآَخِرِ
وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ﴾ الآية.
وقال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُواْ مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾.
وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تُبَشِرُوهُرَ وَأَنْتُمْ عَلَكِفُونَ فِىِ الْمَسَجِدِ﴾.
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ◌َّنَعَ مَسَجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ, وَسَعَى
فِي خَابِهَا﴾ الآية.
وقد ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم في ((الصحيح)) أنه كان يقول:
((إنَّ من كان قبلكم، كانوا يَتّخِذُونَ القبور مساجد، ألا فلا تَتّخِذُوا القبور
مساجد، فإني أنهاکم عن ذلك)).
والله سبحانه أعلم، كتبه أحمد بن تيمية.
هذه صورة خَطّهِ من أول الجواب إلى هنا.
قُلْتُ: أما قوله : ((من سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين،
فهل يجوز له قَصرُ الصلاة على قولين معروفين))، فَيَرِدُ عليه فيه أسئلة
أحدهما : أنَّ زيارة قبور الأنبياء والصالحين، إما أن تكون عنده قُربة،
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٣٢
أو مُباحة، أو مَعصية. فإن كانت معصية؛ فلا حاجة إلى قوله: ((مجرد))،
فإنَّ القولين في سفر المعصية، سواء تَجرّد قَصدُ المعصية، أم انضم إليه
قَصدٌ آخر، وإن كانت قُربةً؛ لم يَجْرِ فيها القولان، بل يَقصُر بلا خلاف.
وإن كانت مباحةً؛ فالمسافر كذلك له حالتان :
إحداهما : أن يُسافر مُعتقداً أنَّ ذلك من المباحات المستوية الطرفين،
فيجوز القَصرُ أيضاً بلا خلاف، ولا إشكال في ذلك، كالسفر لسائر الأمور
المباحة.
والثانية : أن يُسافر مُعتقداً أنَّ ذلك قُربة وطاعة، وهذا سيأتي الكلام فيه.
وعلى تقدير أن يُسَلّمَ له ما يقول، يكون كلامه هنا مطلقاً في موضع
التفصيل، فهو على التقديرين الأولين خَطأُ صريح، وعلى التقدير الثالث
خطأٌ بالإطلاق في موضع التفصيل.
السؤال الثاني : أنه بَنى كلامه في ذلك على أنَّ هذا السفر مُختلف في
تحريمه، فقد قَدّمنا إنكار هذا الخلاف، وأنه لم يَتحقّق صِحّته؛ إلاَّ ما وقع
في كلام ابن عقيل، وقَدّمنا الكلام عليه.
وعلى تقدير صحته وعدم تأويله؛ لم يَتعرّض فيه لقبر النبي وَّ،
ولا يجوز أن يُنقلَ عنه فيه بخصوصه شيء؛ مع إطباق الناس على السفر
إليه.
وابن تيمية نقل المنع من القَصرِ فيه عن: ابن بَطّة، وابن عقيل،
وطَوائِف كثيرين من العلماء المُتُقدِمين، وهو مطلوبٌ بتحقيق هذا النقل،
وتبيين هؤلاء الطوائف الكثيرين من المُتَّقدِّمِينَ.
السؤال الثالث : إنه جعل المنع من القصر قَول مُتَقَدِّمي العلماء، كابن
بَطّة، وابن عقيل، فجعل ابن عقيل من المتَقدِّمين، ثم جعل القول بجواز
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٣٣
القصر قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وبعض المتأخرين من أصحاب
الشافعي، وأحمد، کالغزالي، وغيره.
والغزالي في طبقة ابن عقيل، بل تأخّرت وفاته عنه، فإنَّ وفاة الغزالي
في سنة خمس وخمس مئة، ووفاة ابن عقيل في سنة ثلاث عشرة وخمس
مئة، فكيف يجعل ابن عقيل من المتَقدِّمين، والغزالي من المتأخرين؟!،
وليس ابن تيمية ممن يَخفى عنده طبقتهما !!.
فإن كان مُراده بجعل ابن عقيل من المُتقدّمين؛ أن يَنفُقَ قوله عند
العوام لاختياره إياه، وبجعله الغزالي من المتأخرين؛ أن يُضَعَّفَ قوله عند
العوام، فليس ذلك صنيع أهل العلم.
وقوله: إنَّ ((من زارني بعد مماتي، فكأنما زارني في حياتي))، رواه
ابن ماجه، لیس کذلك، لم أُرهُ في ((سنن ابن ماجه)).
وقوله : ((فمن حجَّ ولم يزرني، فقد جفاني)) - لم يَروهِ أحدٌ من
العلماء، ليس بصحيح، وقد قَدّمنا من رَواهُ؛ وإن كان ضعيفاً.
وقوله : «لو نذر الرجل أن يُصلَّ في مَسجدٍ، أو مَشهدٍ، أو يعتكف
فيه، أو يُسافر إليه غير هذه الثلاثة، لم يَجب عليه ذلك باتفاق الأئمة)).
لیس بصحیح، فإنّ في مذهب الشافعي وجهین مشهورین فیما إذا نذر
الاعتكاف في مسجد معين غير المساجد الثلاثة، هل يَتعيّنُ كما يَتَعيَّنُ
المساجد الثلاثة، أو لا؟ (١).
(١) تقدّم نقل المؤلف كلام علماء المالكية في ذلك، فكيف يَدَّعي ابن تيمية
الاتفاق؛ وسيذكر المؤلف قول الأئمة الشافعية، والمالكية، والليث ابن سعد؛ وأنه
بخلافه؟ !. وينظر ما تقدّم نقله عن الأئمة الحنابلة ص٣١٩.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٣٤
وقوله: ((حتى نَصّ العلماء على أنه لا يُسافر إلى مسجد قباء، لأنه
ليس من الثلاثة)).
ليس كذلك عن العلماء كلهم، فإنَّ المنقولَ عن الليث بن سعد: أنه
متىُ نذر مسجداً، لَزمهُ من المساجد الثلاثة وغيرها، والمنقول عن بعض
المالكية: أنه يجوز إعمَالُ المَطي لغير الناذر مطلقاً، وحمل على ذلك إتيان
النبي گ﴾ مسجد قباء، فإنه كان بغير نذر.
فهذان المذهبان يَرُدّانِ قوله : ((إنَّ العلماء نَصُّوا على أنه لا يُسافر إلى
مسجد قباء)».
قوله : ((قالوا: ولأنَّ السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين، بدعةٌ لم
يفعلها أحدٌ من الصحابة، ولا التابعين، ولا أَمَرَ بها رسول الله وَلَه، ولا
استحبّ ذلك أحدٌ من أئمة المسلمين، فمن اعتقد ذلك عبادةٌ وفعلها؛
فهو مُخالفٌ السُّنة ولإجماع الأُمَّة)).
هذا من البُهتِ الصريح، وقد قَدَّمنا من فعل ذلك من الصحابة
والتابعين، ومن استَحبّهُ من علماء المسلمين وأئمتهم، فَجَحدُ ذلك مُباهتةٌ.
وقوله: ((قالوا)) - وجعله ذلك على لسان غيره _(١)، إن كان مُرَادهُ به
أن يَخلُصَ من تَبِعتهِ عند المُخالفة، فليس ذلك من دَأب العلماء، ثم هو
(١) هذه عادات ابن تيمية، فإنه إذا أراد أن يثبت له رأياً، أو يرفضه؛ فإنه يُهَوّلُ
له بعبارات توهم أنّ ما يقوله، ليس رأياً لنفسه، بل هو إجماع، واتفاق لكثيرٍ من
العلماء، والذين غالباً لا يصرح بأسمائهم، أو يخلط فيهم، أو ينسب إليهم ما هم منه
بُرآء.
ومثاله ما قد مرّ، وما سيأتي.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٣٥
مَطلوبٌ بنقل هذا القول برُمّته عن المتقدمين الذين نَسبهُ إليهم، أو عن
بعضهم.
ثم نِسبتهُ ذلك إلى غيره؛ لا يُخَلّصهُ، لأنه إنما حكاهُ حكاية من يَرَتَضِيه
وَيَنتصرُ له، وَيُفتي به العوام وَيُغريهم على اعتقاده، ولا يُفَرّقُ العامي الذي
يسمعُ هذه الفُتیا، بین أن یذکُره عن نفسه، أو حاكياً عن غيره.
قوله: ((وهذا مما ذكرهُ أبو عبد الله بن بَطّة في ((إبانته الصغرى)).
قُلنا: قد ذكرنا عن ابن بَطّة في ((الإبانة)) ما يُخَالفُ هذا في حَقِّ قبر
النبيِ وَّل، ورأيتُ من يذكر لابن بَطّة ((إبانتين))، وأنَّ الذي نقلهُ ابن تيمية
من «الصُغرى))، والذي نقلناه من ((الكُبرى)).
فإن صَحّ ذلك، وصَحّ ما نقله ابن بطة في ((الصُغرى))، فَيُحملُ على
غير قبر النبي ◌َّلر؛ توفيقاً بين الكلامين، وإن قال ابن بَطّة خلاف ذلك؛ لم
يُلتفت إليه(١).
وقد ذكر الخطيب ابن بَطّة في ((تاريخ بغداد))(٢) وحكى كلام المُحدِّثين
فيه من جهة دَعوىُ سَماع ما لم يسمع، وقول أبي القاسم الأزهري فيه:
(١) نَصُّ عبارة ابن بطّة في ((إيانته الصغرى)) ص٢٢١: ((ومن البدع البناء على
القبور وتجصیصها، وشدُ الرِّحال إلی زیارتها))، انتھی منه.
وتهويل ابن تيمية لقول ابن بطة، حيث قال: ((وهذا مما ذكره أبو عبد الله بن بطة
في ((إبانة الصغرى)) من البدع المخالفة للسنّة والإجماع)) وقد ذكرنا نصَّ عبارة ابن
بطة، ونقل المؤلف رحمه الله تعالى عن ((الإبانة الكبرى)) ما يخالف قول ابن تيمية
وتزييفه لمراد ابن بطة، فانظر رحمك الله فعل من يقال عنه: شيخ الإسلام.
(٢) ١٠ : ٣٧١ ترجمة (٥٥٣٦).
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٣٦
((إنه ضعيفٌ ضَعيف، ليس بحُجّةٍ)).
وذكر عنه، عن البغوي، عن مصعب، عن مالك، عن الزهري، عن
أنس رضي الله عنه، عن النبي ◌َّهِ ((طَلبُ العلم فريضةٌ على كُلّ مُسلم))
وقال: إنه باطلٌ من حديث مالك، ومن حديث مصعب عنه، ومن حديث
البغوي، عن مصعب، وهو موضوعٌ بهذا الإسناد؛ والحَملُ فيه على ابن
بَطّة.
هكذا قال في ((التاريخ))، وحكى مع ذلك أيضاً أنه كان شيخاً صالحاً
مُستجاب الدعوة، فالله تعالى يُسَلّمنا من إثمه، وإنما أردنا أن نُبِيِّنَ حاله،
لِيَعْلمَ الناظر أنه على تقدير صِحّة النقل عنه؛ ليس ممن يَبْعُد في كلامه
الخطأ.
قوله : ((إنَّ قول أبي محمد المقدسي إنَّ قوله عليه الصلاة والسلام ((لا
تُشدّ الرِّحال))، مَحمول على نفي الاستحباب، يَحتملُ وجهين، أحدهما:
أنَّ هذا تَسليمٌ منه أنَّ هذا السفر ليس بعَملٍ صَالحٍ، لا قُربةٍ، ولا طَاعةٍ،
ولا هو من الحسنات، فإذاً من اعتقد في السفر لزيارة قبور الأنبياء
والصالحين أنها قُربةٌ، وعبادةٌ، وطَاعةٌ، فقد خالف الإجماع)).
اعلم: أنَّ هذا الكلام في غاية الإيهام والفساد.
أما الإيهام : فلأنَّ بعض من يَراهُ، يَتوهّم أنه استنتج مما سبق انعقاد
الإجماع على أنَّ ذلك ليس بقُربةٍ، ونحن قد قَدّمنا عن الليث بن سعد،
وبعض المالكية ما يقتضي أنَّ السفر إلى غير المساجد الثلاثة قُربة، فبطل
التَّعرضُ لدعوى الإجماع.
وإنما مقصود ابن تيمية إلزام أبي محمد المقدسي على قوله أَنَّ ((لا
تُشدّ الرِّحَال))؛ مَحمولٌ على نفي الاستحباب.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٣٧
وعلى تقدير أنَّ هذا تَسليمٌ منه، لأنَّ هذا السفر ليس بعَملٍ صَالحٍ،
وغاية ما يلزم من هذا: أنَّ هذا السفر ليس بِقُربةٍ، وأنَّ من اعتقد أنه قُربة،
فقد خالف أبا محمد، وأين ذلك من مخالفة الإجماع؟ !.
وأما فساده: فلأنَّ أبا محمد إنما تكلّم في جواز القصر، ومقصوده
إثبات الإباحة، فإنها كافيةٌ فيه، فَنفيُ تَوهُّم التحريم بحَملِ الحديث على
نفي الفضيلة، أي: لا يستَحبّ شَدّ الرِّحَال إلى مكان إلاّ إلى الثلاثة، ومع
هذا؛ لا بُدّ فيه من تأويل، لأنَّ السفر مستحبٌ لطلب العلم وغيره، إلى
غيرها، فالمقصود: لا يستحب، أو الوجوب، ولا مانع أن يكون قَصدُ
زيارة شخصٍ مخصوص أو أشخاص، مما يقتضي الاستحباب، ولم
يَتعرّض أبو محمد لذلك، لأنه لم يتكلّم فيه، وإنما تَكلّم في جواز القصر،
فاقتصر على ما يكفي فيه، وهو إثبات الإباحة.
قوله : ((وإذا سافر لاعتقاده أنها طاعة، كان ذلك مُحَرّماً بإجماع
المسلمين، فصار التحريم من الأمر المقطوع به)).
هذا أيضاً مُوهِمٌ وفَاسد.
أما إيهامه : فَلأنَّ كثيراً ممن يسمعه، يَظُن أنَّ هذا كلامٌ مُبتدأ ادّعى فيه
انعقاد الإجماع على التحريم، وأنَّ ذلك مقطوعٌ به، وكأنَّ ابن تيمية أراد
ذلك، وجعله معطوفاً على إلزام الشيخ أبي محمد، حتى إذا حُوقِقَ فيه؛
تَخلّصَ من دَركهِ بجعله معطوفاً، وليس هذا دَأبُ من يبغي الإرشاد، بل
من يبغي الفساد.
وأما فساده: فلأنّا لو سَلّمنا أنَّ السفر ليس بطاعة بالإجماع، فسافر
شخص معتقداً أنه طاعةٌ، كيف يكون سَفرهُ مُحَرّماً بإجماع المسلمين؟، أو
على قول عالم من علماء المسلمين، فإنَّ من فعل مُباحاً مُعتَقداً أنه قُربة لا
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٣٨
يأثم، ولا يُوصف ذلك بكونه مُحرّماً، بل إن كان اعتقاده ذلك لِمَا ظنه
دليلاً؛ وليس بدليل، وقد بذل وسعه في ذلك، كان مُثاباً عليه بمقتضى
ظنه، وإلاَّ كان جَهلاً، ولا إثم عليه فيه ولا أجر، وَفِعلُهُ مَوصُوفٌ بالإباحة
على حاله، فمن أين يأتي وَصفُه بالتحريم؟ !.
وإنما يأتي هذا الكلام في المباح إذا فعله على وَجهِ العبادة، مع
اعتقاده أنه ليس بعبادة، فهذا يَأثمُ به، ويكون حَراماً، لأنه تَقرّب إلى الله
تعالى بما ليس بِقُربةٍ عند الله تعالى، ولا في ظَنّه.
ومن هنا نشأ الغَلطُ في هذه المسألة، وهكذا سائر البدع، ومن ابتدع
عبادةٌ فَعَليهِ إثمُ ابتداعه - لأنه أدخل في الدِّين ما ليس منه -، وإثم فِعْلهِ،
لأنه تقرّب بما يعتقد أنه ليس من الدِّین.
وأما من قَّدهُ من العوام، فإن كان ذلك مما يَسُوغ فيه التقليد
كالفروع، وفَعلهُ معتقداً أنه عبادة شرعية؛ فلا إثم عليه، وإن كان مما لا
يَسُوغ فيه التقليد کأصول الدِّين؛ فَعليهِ الإثم.
وَمَسألتُنا هذه من الفروع، فلو فرضنا أنه لم يَقُل أحدٌ باستحباب
السفر، وَفَعلهُ شخص على جهة الاستحباب معتقداً ذلك لِشُبهةٍ عرضت
له؛ لم يَحْرُم ولم يأثم، فكيف وكُلّ الناس قائلون باستحبابه؟ !.
قوله: ((ومعلوم أن أحداً لا يُسافر إليها إلاَّ لذلك)).
هذا يقتضي أنَّ كَلامهُ ليس في أمرٍ مفرُوضٍ، بل في الواقع الذي عليه
الناس، وأنَّ الناس كلهم إنما يُسافرون لاعتقادهم أنها طاعة، والأمر
كذلك. ويقتضي على زعمه: أنَّ سفر جميعهم مُحرمٌ بإجماع المسلمين،
فإنّا لله وإنا إليه راجعون، أيكون جميع المسلمين في سائر الأعصار، من
سائر أقطار الأرضين؛ مُرتكبين لأمرٍ مُحَرمٍ، مُجْمِعِينَ عليه؟!، فهذا
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٣٩
الكلام من ابن تيمية يقتضي تضليل الناس كلهم القاصدين لزيارة النبي وله
وتعصيتهم، وهذه عَثرةٌ لا تُقَال، ومصيبة عظيمة، ولا حول ولا قوة إلاّ
بالله العلي العظيم.
قوله : ((وأما إذا قُدِّرَ أنَّ الرجل يُسافر إليها لغَرضٍ مُباح، فهذا جائزٌ
ولیس من هذا الباب)).
مَفهومُ هذا الكلامِ: أنَّ غَرض الزيارة ليس بِمُباحٍ.
قوله: ((الوجه الثاني: أنَّ النفي يقتضي النّهي، والنّهي يقتضي
التحریم».
ظاهر صَدرِ كلامه : أنَّ كلام أبي محمد يَحتَمِلُ وجهين؛ هذا ثانيهما،
وإنما يَتّجِهُ هذا الوجه الثاني على سبيل الرَّد لقول أبي محمد، يعني: أنَّ
حَملُهُ على نفي الاستحباب خِلافُ الظاهر، لأنه نَفيٌ، والنفي يقتضي
النَّهي، والنّهي يقتضي التحريم، وجواب هذا بالدليل المانع من حملهِ على
التحريم، وَتَعيِّن المصير إلى المجاز.
على أنَّ هذه العبارة فَاسدةٌ، لأنَّ النفي لا يقتضي النّهي، وإنما
يستعمل فيه على سبيل المجاز.
نعم، قد يُقَال: بأنَّ النَّهي يقتضي النّفي، على العكس مما قال، أما
كُونُ النفي يقتضي النَّهي، فلا يقول به أحدٌ، وإنما مُرادُه أنه نَفيٌ بمعنى
النَّھي.
وإذا عُرفَ هذا؛ فلأبي محمد أن يقول: لا شكّ أنَّ حقيقة النفي خبرٌ لا
يقتضي تحريماً، ولا كراهة، والنّهي له معنيان: أحدهما: ما هو فيه حقيقة،
وهو التحريم. والآخر: هو فيه مجاز، وهو الكراهة. فإذا صُرفَ النهي عن
حقيقته الخبرية إلى معنى النهي؛ احتمل أن يُستعملَ في التحريم أو الكراهة.
والمكتبة التخصصية للرد على الوهابية