النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠٠
ولو سَلّمنا اندراجه في مَدْلُولِ كلامه؛ فيجب تخصيصه وحَملُ كلامه
على ما سواه، وإذا كُنّا نُخصِص كلام الله، وكلام رسوله وَّله بالأدلة، فَأَيُّ
شيءٍ كلام ابن عقيل حتى لا نُخَصصَ إذا حَسنًا الظّنَ به.
والمُوجبُ لتخصيص هذا القبر الشريف عن سائر القبور، الأدلة
الواردة في زيارته على الخصوص، وإطباق الناس على السفر إليه، فإن لم
يَعتبر ابن عقيل هذه الأدلة، تَفوّقت سِهامُ التخطئة إليه، وَرُدّ كلامه علیه،
ولكنه بحمد الله عندنا لم يثبت ذلك عنه.
فإن قُلْتَ : قد أكثرت من التفرقة بين قصد البقعة، وقصد من فيها، وسلّمت
أنَّ قصد البقعة داخلٌ تحت الحديث، والزيارة لابُدَّ فيها من قصد البقعة، فإنَّ
السلام والدعاء يحصلُ من بُعْدٍ، كما يَحصُل من قُربٍ، وهو مقصود الزيارة.
قُلْتُ: قصد البقعة لِمَا اشتملت عليه ليس بمحذور، ولا نَقول بنفي الفضيلة
عنه، وإنما قلنا ذلك في قصد البقعة لعينها، أو لتعظيم لم يشهد به الشرع.
على أنَّا نقُول: لا يلزمه من الزيارة أن يكون للبقعة مَدخلٌ في القصد
الباعث، بل تارةً يكون ذلك مقصوداً، وتارةً يُجرّدُ قصد الشخص المَزُور
من غير شُعورٍ بما سواه.
وقوله: ((إنَّ مقصود الزيارة يَحصُل من بُعدِ))، ممنوعٌ، فإنَّ الميت
يُعاملُ معاملة الحي، فالحضور عنده مقصود.
ألا ترى أنَّ النبي وَليه لما خرج في ليلة عائشة رضي الله عنها إلى
البقيع، فقام فأطال القیام، ثم رفع يديه ثلاث مرات - الحديث المشهور-،
وفيه: أنَّ عائشة رضي الله عنها سألته فقال:
((إنَّ جبريل أتاني فقال: إنَّ ربك عزّ وجل يأمرك أن تأتي أهل البقيع
وتستغفر لهم)).
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٠١
قالت: فَقُلت: كيف أقول لهم يارسول الله؟
قال: ((قولي : السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، يَرحمُ
الله المُستقدِمين مِنَّا والمُستَأخرين، وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون)).
رَوَاهُ ((مسلم))(١).
فانظر كيف خرج النبي ◌َّ إلى البقيع بأمر الله تعالى يستغفر لأهله؛
ولم يكتف بذلك من الغيبة، وهذا أصل في الإتيان إلى القبور لزيارة أهلها
للاستغفار لهم.
وقد سألت عائشة رضي الله عنها النبي وسلّ كيف تقول - تعني إذا
فعلت كفعله - وعلَّمها، وفي ذلك دليلٌ على أنه يجوز لها وللنساء الإتيان
إلى القبور لهذا الغرض، لأنَّ سؤالها ذلك كان بعد رجوعهما إلى البيت،
فلم يكن المقصود منه: كيف أقول الآن؟ وإنما معناه: كيف أقول مرةً
أخرى؟، فلو كان لا يجوز لها ذلك؛ لبيّنه لها، وليس هذا المقصود هنا،
فإنّا نذكره إن شاء الله تعالى في موضع آخر.
وإنما المقصود هنا : أنَّ الحضور عند القبر لسبب زيارة من فيه،
والدعاء مطلوب، وليس ذلك من باب قصد الأمكنة، ولا دَلَّ الحديث
على امتناعه، ولا قال به أحد من العلماء.
وقد أحضر إليَّ بعض الناس صورة فتاوى منسوبةٍ لبعض علماء بغداد
في هذا الزمان، لا أدري هل هي مُختَلَقةٌ من بعض الشياطين الذين
لايُحسِنُون؛ أو هي صادرةٌ ممن هو متَّسمٌ بِسِمَة العلم؛ وليس من أهله.
(١) (كتاب الجنائز) ((باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها)) ٢: ٦٦٩
حديث (١٠٣).
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٠٢
فأَوَّلُها: فُتيا مالكي، قال فيها: ((قد نصَّ الشيخ أبو محمد الجويني
في كُتُبه على تحريم السفر لزيارة القبور))، وهو اختيار القاضي الإمام
عیاض في «إکماله)).
ولقد كَذب في هذا النقل عن الشيخ أبي محمد، والقاضي عياض
جميعاً (١). ثم أطال الكلام بمالا فائدة فيه.
وثانيها: فُتيا شافعي، قال فيها: ((إنَّ المفهوم من كلام العلماء ونُظَّار
العقلاء، أنَّ الزيارة ليست عبادة وطاعة بمجردها)).
فإن أراد المفهوم عنده؛ فلا علينا منه، ونقول له: المفهوم عند العلماء
خلافه.
ثم قال: إنَّ من اعتقد جواز الشدّ إلى غير ما ذُكرَ، أو وُجُوبه، أو
ندبِيَّتَهُ؛ كان مُخالفاً لصريح النهي، ومُخالفةُ النَّهي معصية، إمَّا كفرٌ، أو
غيره، على قدر المنهي عنه، ووجوبه وتحريمه.
ويكفي هذا الكلام ضُحكةً على من قاله؛ أن يجعل المنهي عنه
مُنقَسماً إلى وجوب وتحريم، دع سُوء فهمه للحديث.
وثالثها : فُتيا آخر شارك فيها الأول في النقل عن الشيخ أبي محمد والقاضي
عياض، وقد تَقدّم جوابه، وأساء الفهم في الحديث، كما أساءه غيره.
ورابعها: فُتيا آخر ليس فيها طَائلٌ، وكلهم خَلطَ مع ذلك مالا طَائل
تحته، والأقرب أنها مُختَلفَة، وأنّ مثلها لا تَصدُر عن عالم، وإنما ذكرتها
(١) تقدم ص ٢٩٥ بيان عدم صحة هذا القول عن الإمام الجويني، ومنشأ هذا
نسبة هذا القول له.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٠٣
هنا لتضمنها النقل عن الشيخ أبي محمد، والقاضي عياض الذي تعرّضتُ
هنا لإفساده.
تنبيه : قد يُتَوهَّم من استدلال الخصم بهذا الحديث، أنّ نِزاعه قاصرٌ
على السفر للزيارة دون أصل الزيارة، وليس كذلك، بل نزاعهُ في الزيارة
أيضاً، لما سنذكره في الشبهتين ((الثانية)) و ((الثالثة))، وهما كونُ الزيارة على
هذا الوجه المخصوص بدعة، وكونها من تعظيم غير الله المُفضي إلى
الشرك، وما كان كذلك؛ كان ممنوعاً، وعلى هاتين الشبهتين بَنى كلامه،
وأصل الخيال الذي سَرى إليه منهما لاغير، وهو عام في الزيارة والسفر
إليها، ولهذا يَدَّعي هو: أنَّ الأحاديث الواردة في زيارة قبر النبي ◌َّ؛ كلها
ضعيفةٌ، بل موضوعةٌ، ويستدل بقوله: ((لا تتخذوا قبري عيداً)). وبقوله:
«لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)».
وبأنَّ هذا كله محافظةً على التوحيد، وأنَّ أصول الشرك بالله؛ اتخاذ
القبور مساجد، كما سنذكر ذلك في نصّ كلامه المنقول عنه.
وقد رأيت أيضاً فُتيا بخطه، ونقلتُ منه ما أنا ذاكره، قال فيها : - ومن
خطه نقلت -: ((وأما السفر للتعريف عند بعض القبور، فهذا أعظمُ من
ذلك، فإنَّ هذا بدعة وشركٌ، فإنَّ أصل السفر لزيارة القبور ليس مشروعاً
ولا استحبه أحدٌ من العلماء، ولهذا لو نذر ذلك؛ لم يجب عليه الوفاء به
بلا نزاع بين الأئمة.
ثم قال: ولهذا لم يكن أحدٌ من الصحابة والتابعين بعد أن فتحوا
الشام، ولا قبل ذلك، يسافرون إلى زيارة قبر الخليل عليه السلام، ولا
غيره من قبور الأنبياء التي بالشام. ولا زار النبي وَله شيئاً من ذلك ليلة
الإسراء به، والحديث الذي فيه: «هذا قبر أبيك إبراهيم؛ فانزل فَصَلٌّ فيه
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٠٤
وهذا بيت لحم مولد أخيك عيسى؛ انزل فَصَلُّ فيه))، كذبٌ لاحقيقة له(١)
وأصحاب رسول الله﴿ الذين سكنوا الشام أو دخلوا إليه، ولم يسكنوه
مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه وغيره؛ لم يكونوا يزورون شيئاً من هذه
البقاع والآثار المُضافة إلى الأنبياء.
ثم قال: ولم يَتَّخِذ الصحابة شيئاً من آثاره مسجداً ولا مزاراً، غير ما
بیَّناهُ من المساجد، ولم یکونوا يزورون غار حراء، ولا غار ثور.
ثم قال: حتى إنَّ قبر النبيِّه لم يثبت عن النبي ◌َّهُ لَفْظُ بزيارته،
وإنما صح عنه الصلاة عليه والسلام، موافقة لقوله تعالى ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَمَنُواْ صَلُواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا
ثم قال: ولهذا لم يكن على عهد الصحابة والتابعين مشهد يُزَار، لا
على قبر نبي ولا غير نبي، فضلاً عن أن يسافر إليه، لا بالحجاز، ولا
بالشام، ولا اليمن، ولا العراق، ولا مصر، ولا المشرق.
ثم قال: ولهذا كانت زيارة القبور على وجهين: زيارة شرعية، وزيارة
بدعية.
فالزيارة الشرعية: مقصودها السلام على الميت والدعاء له، إن كان
مؤمناً، وتذكر الموت سواء كان الميت مؤمناً، أم كافراً.
وقال بعد ذلك: فالزيارة لقبر المؤمن نبياً كان، أو غير نبي، من جنس
الصلاة على جنازته، يُدعَى له، كما يُدعىُ إذا صُلَّ على جنازته.
وأما الزيارة البدعية: فمن جنس زيارة النصارى، مقصودها الإشراك
(١) سيأتي تخريج هذا الحديث ص٣١٨.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٠٥
بالميت، مثل طلب الحوائج منه، أو التمسح بقبره وتقبيله، أو السجود له
ونحو ذلك(١)، فهذا كله لم يأمر الله به ورسوله، ولا استحبه أحد من أئمة
(١) لقد حصل من أئمة الدّين وَجُلّة علمائه، طلب حاجات من رسول الله
صلى الله عليه وسلم، مما يعلمون ويعتقدون أنَّ طلبها منه؛ يقصد به حصولها من الله
عز وجل بسبب المصطفى صلى الله عليه وسلم، فقد ثبت ردُّه صلى الله عليه وسلم
السلام علی من سَلَّمَ علیه، فهو يقضي حاجة سائله، والمستشفع به إلى الله في حال
حياته البرزخية.
٠
فممن طلب حوائج منه صلى الله عليه وسلم: الإمام أبو القاسم سليمان بن
أحمد الطبراني - صاحب المعاجم الثلاثة - المتوفّى سنة ٣٦٠هـ، والإمام أبو محمد
عبد الله بن محمد الأصبهاني المعروف بـ: أبي الشيخ - صاحب كتاب ((أخلاق النبي
صلى الله عليه وسلم وآدابه)) - المتوفَّى سنة ٣٦٩هـ، والإمام أبو بكر محمد بن
إبراهيم المقرئ - صاحب ((المعجم)) - المتوفّى سنة ٣٨١هــ، حيث ضمت الرحلة
هؤلاء الأئمة الحفّاظ للسُّنّة النبوية إلى المدينة المنورة.
قال الإمام ابن المقرئ رحمه الله تعالى: ((كنت أنا، والطبراني، وأبو الشيخ في حرم
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكنا على حالة، وأَر فينا الجوع، ووصلنا ذلك اليوم.
فلما كانت وقت العشاء؛ حضرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا
رسول الله، الجُوعَ، وانصرفت.
فقال لي أبو القاسم - يعني الطبراني -: اجلس، فإما أن يكون الرزق، أو الموت.
فقال أبو بكر - يعني المقرئ -: فَنِمتُ أنا وأبو الشيخ، والطبراني جالسٌ ينظر في
شيء، فحضر بالباب عَلَويُّ - يعني من نسل سيدنا علي كرم الله وجهه - فَدَقّ، ففتحنا
له، فإذا معه غلامان، مع كل واحدٍ منهما زنبيل فيه شيء كثير، فجلسنا وأكلنا، وظننا
أنَّ الباقي يأخذه الغلام، فولَّى وترك عندنا الباقي.
فلما فرغنا من الطعام، قال العلوي: يا قوم، أشكوتم إلى رسول الله صلى الله
عليه وسلم؟ فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، فأمرني أن أحمل
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٠٦
= بشيءٍ لكم». انتهى.
ذكر هذه القصة: الإمام أبو عبد الله محمد بن موسى المراكشي في ((مصباح الظلام
في المستغيثين بخير الأنام عليه الصلاة والسلام في اليقظة والمنام)) ص٦١، والإمام ابن
السبكي في ((طبقات الشافعية الكبرى)) ٢: ٢٥١، والإمام الذهبي - تلميذ ابن تيمية - في
(سير أعلام النبلاء)» ١٦: ٤٠٠، ولم يعقب بشيء من الطعن كما يفعل غيره.
وفي كتاب ((مصباح الظلام)) ذكر حالات كثيرة حصل فيها من أئمة الدِّين رضوان
الله عليهم طلب الحاجات عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يقل أحد أنَّ فعلهم
هذا شرك، أو من أفعال النصارى، والعياذ بالله.
وأما التمسح بالقبر، فيكفي فيه أن نذكر ما رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في كتابه
(«العلل ومعرفة الرجال)» ٢: ٢٩٤ (٣٢٤٣) ما نصه: ((وسألته عن الرجل يمسُّ منبر
النبي صلى الله عليه وسلم ويتبرك بمسه وَيُقَبِّلُه، ويفعل بالقبر مثل ذلك، أو نحو هذا،
یرید بذلك التقرب إلى الله عزوجل؟ فقال: لا بأس بذلك)). انتهى منه.
قال الإمام الذهبي - تلميذ ابن تيمية - في ((سير أعلام النبلاء)) ١١ : ٢١٢: ((قلت:
أين المتنطع المُنكِرُ على أحمد، وقد ثبت أنَّ عبد الله سأل أباه عمن يلمس رمانة منبر
النبي صلى الله عليه وسلم، ويمس الحجرة النبوية. فقال: لا أرى بذلك بأساً. أعاذنا
الله وإیاکم من رأي الخوارج والبدع»، انتهى منه.
وقال أيضاً في ((معجم الشيوخ)) ١ : ٧٣ بعد ذكره لما كان يفعله الصحابة رضوان
الله علیهم من تقبيل يدي النبي صلی الله عليه وسلم، واقتسام وضوئه وشعره ونخامته:
((ونحن، فلما لم يصح لنا مثل هذا النصيب الأوفر، ترامينا على قبره بالالتزام
والتبجيل، والاستلام والتقبيل ... إلخ))، انتهى منه.
ونقل الإمام منصور البُهُوتي الحنبلي عن الإمام إبراهيم الحربي - أحد أجلاء
تلامذة الإمام أحمد، وكان يُشبَّه به - في ((حواشي الإقناع)) ١: ٣٢٥ و((كشاف القناع))
٢: ١٥١ قوله: ((ويستحب تقبيل حجرة النبي ◌َّ)).
وأما الاستشفاء بقبره صلى الله عليه وسلم، فقد روى الإمام ابن أبي خيثمة في
=
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٠٧
المسلمين، ولا كان أحد من السلف يفعله، لا عند قبر النبي بَّر، ولا
غيره(١).
= ((تاريخه)) ٢: ٢٥٨ (٢٧٧٧) بسنده قال: ((كان محمد بن المنكدر يجلس مع
أصحابه، فكان يصيبه الصُّمَاتُ - اعتقال اللسان -، فكان يقوم كما هو يضع خدّه على
قبر النبي ◌َّ ثم يرجع. فعوتب في ذلك، فقال: إنه يصيبني خطرةٌ، فإذا وجدت ذلك
استغنت - ولفظه عند الإمام السمهودي في ((وفاء الوفا)): ((استشفيت - بقبر النبي
ێ)"، إلخ.
وكذا رواه الإمام ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) بسنده ٥٦: ٥٠/ ٥١. وذكره
الإمام الذهبي - تلميذ ابن تيمية - في كتابه ((سير أعلام النبلاء)) ٥: ٣٥٨/ ٣٥٩، ولم
يعقب عليه بشيء. وقد قال عنه في أول الترجمة ص ٣٥٣ (١٦٣): ((الإمام الحافظ
القدوة، شيخ الإسلام ... ))، انتھی.
وأما السجود للقبر - ونحن لا نقول به، ولا ندعو إليه، وننهى عنه أشد النهي -
لكن لو حصل بجهل، فنقول فيه كما قال الإمام الذهبي في (سير أعلام النبلاء)» ٤:
٤٨٤: (( ... ولكن من زاره - صلوات الله عليه - وأساء أدب الزيارة، أو سجد للقبر، أو
فعل مالا يشرع، فهذا فَعَلَ حسناً وسيئاً، فيعلَّم برفق، والله غفورٌ رحيم))، انتهى منه.
فهل يجوز أن يُطلقَ ابن تيمية على الفعل الذي بَدَرَ من محبٌّ؛ أنه إشراك بالله
ومن فعل النصارى؟! ﴿كَبِرَتْ كَلِمَةٌ تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَمِهِمْ﴾.
(١) أقول: بل قد فعله أئمة السلف عند غير قبر النبي وَلّر، فمن ذلك: روى
الإمام الخطيب في ((تاريخ بغداد)) ١: ١٢٠ بسنده إلى الإمام القطيعي - راوي ((مسند
الإمام أحمد)) و((كتاب الزهد)) - قال: سمعت الحسن بن إبراهيم، أبا علي الخلال -
وهو شيخ الحنابلة وجامع مسائل الإمام أحمد - يقول: ((ما هَمّني أمرٌ فقصدت قبر
موسى بن جعفر فتوسلت به؛ إلاَّ سهل الله تعالی لي ما أُحِب))، انتهى منه.
وقال الإمام أبو حاتم محمد بن حِبّان في كتابه ((الثقات)) ٨: ٤٥٧ في ترجمة
=
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٠٨
ثم قال: ولم يكونوا يقسمون على الله بأحد من خلقه، لا نبي ولا
غيره(١)، ولا يسألون ميتاً ولا غائباً، ولا يستغيثون بميت ولا غائب، سواء
= الإمام علي الرضا بن موسى الكاظم رضي الله عنهما: (( ... وماحلّت بي شِدَّةٌ في
وقت مقامي بطوس، فزرت قبر علي الرضا بن موسى صلوات الله على جدّه وعليه،
ودعوت الله إزالتها عني؛ إلاَّ استجيب لي، وزالت عني تلك الشدّة، وهذا شيئ جرّبّته
مراراً، فوجدته کذلك ... ))، انتهى منه.
ونقل الحافظ ابن حجر العسقلاني في (تهذيب التهذيب)) ٣: ١٩٥ عن الإمام
الحاكم قوله: ((وسمعت أبا بكر محمد بن مؤمل بن الحسن بن عيسى يقول: خرجنا
مع إمام أهل الحديث أبي بكر بن خزيمة، وعَدِيلِه أبي علي الثقفي - من كبار فقهاء
الشافعية - مع جماعة من مشايخنا - وهم إذ ذاك متوافرون - إلى زيارة قبر علي بن
موسى الرضا بطوس. قال: فرأيت من تعظيمه - يعني ابن خزيمة - لتلك البقعة
وتواضعه لها، وتضرعه عندها؛ ما تحیرنا»، انتهى منه.
فانظر رحمك الله إلى فعل السلف في الزيارة والتوسل، وطلب قضاء حاجات،
وتعظيم تلك البقاع؛ ما يجعل المُنْصِفَ يتحيّر في تهويلات ابن تيمية وإنكاراته، وشدّة
نفيه، وزعمه الاتفاق والإجماع؟ !!.
(١) قول ابن تيمية - هذا بما بالغ فيه من النّفي وتكثير الكلام وحشوه -، يَرُدّهُ ما ثبت
أنَّ النبي ◌َّل قد أقسم على الله بحقه، وحقِّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ففي ((المعجم
الكبير)» ٢٤: ٣٥١ حديث (٨٧١)، و((المعجم الأوسط)) ١: ١٥٢ حديث (١٩١) كلاهما
للإمام الطبراني رحمه الله تعالی، روی بسنده إلی سیدنا أنس بن مالك رضي الله عنه قال:
((لما ماتت فاطمة بنت أسد بن هاشم، أمُ عليّ، دخل عليها رسول اللهَ وَّ فجلس عند
رأسها فقال: ((رحمك الله يا أمي)) .... إلى أن قال: ((الله الذي يحي ويميت، وهو حيٌّ لا
يموت، اغفر لأمي فاطمة بنت أسد، ولقنها حُجتها، ووسع عليها مدخلها. بحقِّ نبيك
والأنبياء الذين من قبلي، فإنك أرحم الراحمين ... ))، الحديث.
ورواه من طريق الإمام الطبراني، الإمام أبو نعيم في ((حلية الأولياء)» ٣: ١٢١.
=
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٠٩
= قال الإمام الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) ٩: ٢٥٦ عقب ذكره للحديث: ((وفيه
روح بن الصلاح، وثقة ابن حِبّان، والحاكم وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال
الصحيح))، انتهى، وذكر الإمام السمهودي في «وفاء الوفا) أنَّ الإمام البيهقي حسنه،
وفي ((خلاصة الوفا)) ١: ١٢٩ قال: وسنده جيد.
ومما ورد أيضاً في القَسَمِ على الله مما نفاه ابن تيمية، ما رواه الأئمة : ابن خزيمة في
كتاب ((التوحيد)) ص١٧، وابن ماجه في ((السنن)) ١ : ٥٦ حديث (٧٧٨)، وأبو القاسم
البغوي في ((الجعديات)) ٢: ٧٣ حديث (٢٠٤٧)، وأحمد في («المسند» ٣: ٣٩٨ حديث
(١٠٧٧٢)، والطبراني في (الدعاء)) ص١٤٩ حديث (٤٢١)، وابن السُّنِّي في ((عمل اليوم
والليلة)) ص٧٦ حديث (٨٥)، والبيهقي في ((الدعوات الكبير)) ١: ٤٧ حديث (٦٥)،
والدارقطني في ((الأفراد)» - كما ذكره الحافظ ابن حجر في ((نتائج الأفكار)) ١ : ٢٦٧ - وقد
رواه الحافظ بسنده من طریق الإمام أحمد وقال: «هذا حديث حسن)).
وذكره من الأئمة: الدمياطي في ((المتجر الرابح)) ص٤٧١ حديث (١٧٤) من
رواية الإمام ابن ماجه، وقال: ((وإسناده حسنٌ إن شاء الله)).
وقال الإمام البوصيري في ((زوائد ابن ماجه)) ص١٣٣ عقب ذكره أنَّ سند
الحديث فيه ضعف: «لكن رواه ابن خزيمة في ((صحيحه)) من طريق فضيل بن
مرزوق، فهو صحیح عنده)).
وقال الإمام المنذري في ((الترغيب والترهيب)) ٢: ٤٥٧: ((وحسنه شيخنا أبو
الحسن رحمه الله))، وشيخه أبو الحسن هو: الحافظ الكبير المتقن، علي بن المفضّل
المقدسي المالكي، وتوفي سنة ٦١١هـ، ((سير أعلام النبلاء)) ٢٢: ٦٦ (٤٩).
وذكره محمد بن عبد الوهاب في أوّل كتاب ((آداب المشي للصلاة)).
وهو حديث: ((اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحقِّ ممشاي هذا
إليك ... )) الحديث.
=
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣١٠
كان نبياً أو غير نبي، بل كان فضلاؤهم لا يسألون غير الله شيئاً.
انتهى ما أردت نقله من كلام ابن تيمية من خطه - أنا عارف بخطه -، وهو يدل
على ماذكرناه من أنَّ نزاعه في السفر والزيارة جميعاً، غير أنه كَلامُ مُتَخبط، في
صدره ما يقتضي منع الزيارة مطلقاً، وفي آخره ما يقتضي أنها إن كانت للسلام
عليه والدعاء له جازت، وإن كانت على النوع الآخر الذي ذكره لم يجز، وبقي
قسم لم يذكره، وهو: أن يكون للتبرك به من غير إشراك به.
فهذه ثلاثة أقسام، أولها: السلام والدعاء له، وقد سَلّمَ جوازه، وأنه
شرعي، ويلزمه أن يُسَلّمَ جواز السفر له، فإن فَرّق في هذا القسم بين أصل
الزيارة وبين السفر مُحتَجّاً بالحديث المذكور؛ فقد سبق جَوابَهُ.
والقسم الثاني : التبرك به، والدعاء عنده للزائر، وهذا القسم يظهر من
فَحوى كلام ابن تيمية أنه يُلحِقهُ بالقسم الثالث، ولا دليل له على ذلك،
= قال الإمام ابن عَلاَّن في ((الفتوحات الربانية)) ٢: ٣٩ في معرض شرحه لألفاظ
هذه الحديث: قوله: ((بحِّق السائلين عليك)): ((أي: بالحق الذي جعلته لهم عليك من
مَحضٍ فضلك، بوعدك الذي لا يُخلَف. وفيه: التوسل بحقِّ أرباب الخير على سبيل
العموم من السائلین، ومثلهم بالأولى الأنبياء والمرسلون ... إلخ))، انتهى منه.
فهذا فِعْلُ وقول سيد المرسلين، وإمام الموحدين وَه، فهل نُصدِّقُه ونعمل بقوله
وعمله، أم نُصدِّق من يَدّعي نفيهُ مُكابرة ومجازفة رعناء.
نسألك اللهم علماً نافعاً، ولساناً صادقاً.
وسيورد المؤلف رحمه الله رحمةً واسعةً ما أقسمت به السيدة عائشة رضي الله
عنها على السيدة فاطمة صلى الله عليه وعلى أبيها وسلم.
فهذه عقيدتنا واعتقادنا، ونسأل الله الثبات على الحق بجاه نبيه وَله .
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣١١
بل نحن نَقطع ببطلان كلامه فيه، وأنَّ المعلوم من الدِّين وَسير السلف
الصالحين: التبرك ببعض الموتى من الصالحين(١)، فكيف بالأنبياء
والمرسلين، ومن ادّعى أنَّ قبور الأنبياء وغيرهم من أموات المسلمين
سَواءٌ؛ فقد أتى أمراً عظيماً نقطع ببطلانه وخطئه فيه، وفيه حَطٌّ لرتبة
النبي ◌َّه إلى درجة من سواه من المؤمنين. وذلك كُفْرٌ بيقين، فإنَّ من حَطَّ
رُتْبَةَ النّبِي وَلِّ عما يَجِبُ له؛ فقد كفر.
فإن قال: إنَّ هذا ليس بحَطُّ، ولكنه مَنعٌ من التعظيم فوق مایجب له.
قُلْتُ: هذا جَهلٌ، وَسوءُ أَدبِ.
وقد تَقدم في أول ((الباب الخامس)) الكلام في ذلك، ونحن نَقطعُ بأنَّ
النبي ◌َ﴿ يَستحِقُ من التعظيم أكثر من هذا المقدار في حياته، وبعد موته،
ولا يرتابُ في ذلك من كان في قلبه شيء من الإيمان.
(١) من ذلك: ما ورد في كتاب ((طبقات الحنابلة)) لأبي يعلى الحنبلي ٢: ٤٩ في
ترجمة أبي الحسن الزاهد حيث قال المؤلف: ((وقبره الآن ظاهر يتبرك الناس بزيارته)).
وذكر ص١٥٨ أنّ رزق الله - هو ابن عبد الوهاب التميمي - زار قبر الإمام أحمد
مع القاضي الشريف أبي علي، فجعل القاضي يُقَبِّلُ رجل القبر. فقال له: في هذا أثر؟
فقال له القاضي: أحمد في نفسي شيء عظيم، وما أظنُّ أنَّ الله تعالى يُؤَاخِذُني بهذا،
أو کما قال»، انتھی.
وقد ورد مثل ذلك في جميع كتب التراجم لجميع رجال المذاهب الأربعة، أو
التراجم العامة، مثل ((سير أعلام النبلاء))، و((تاريخ الإسلام)» للإمام الذهبي، و((وفيات
الأعيان)) للإمام ابن خلكان، و((الوافي بالوفيات)) للإمام الصفدي، و((الدرر الكامنة))
للحافظ ابن حجر، وغيرها من كتب التراجم والطبقات مما لا يَخفى على مُطَّلِعٍ.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣١٢
وأما القسم الثالث وهو: أن يقصد بالزيارة الإشراك بالله تعالى، فنعوذُ
بالله منها؛ وممن يفعلها، ونحن لا نعتقد في أحدٍ من المسلمين - إن شاء
الله - ذلك، وقد قال ◌َله: ((اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد))، ودعاؤه صلى
الله عليه وسلم مستجاب، وقد أيس الشيطان أن يُعبدَ في جزيرة العرب،
فهذا شيء لا نعتقده إن شاء الله في أحد ممن يَقصدُ زيارة قبر النبي ◌ِّر.
وأما التمسح بالقبر وتقبيله، والسجود فيه، ونحو ذلك، فإنَّما يَفعلُه
بعض الجُهَّال، ومن فعل ذلك، يُنكَرُ عليه فِعْلُه ذلك، وَيُعلَّمُ آداب
الزيارة (١)، ولا ينكر عليه أصل الزيارة، ولا السفر إليها، بل هو مع ماصَدر
منه من الجهل، مَحمودٌ على زيارته وسفره، مذمومٌ على جهله وبدعته.
وأما طلب الحوائج عند قبره وَ لَه فَسنذكرهُ في ((باب الاستغاثة
)(٢)
بالنبي ◌َّل®))(٢).
ولنتكلم على الشُّبهةِ ((الثانية)) و((الثالثة)) اللتين بنى ابن تيمية كلامه عليهما.
أما الشبهة الثانية وهي: كون هذا ليس مشروعاً، وأنه من البدع التي لم
يَستَحبّها أَحدٌ من العلماء، لا من الصحابة، ولا من التابعين، ولا ممن
بعدهم، فقد قدّمنا سفر بلال رضي الله عنه من الشام إلى المدينة لقصد
الزيارة، وأنَّ عمر بن عبد العزيز كان يُجَهِّز البريد من الشام إلى المدينة
للسلام على النبي وَلّ، وأنَّ ابن عمر رضي الله عنهما كان يأتي قبر النبي
(١) تَقدّم حاشية ص٣٠٦، ذكر نحو هذا الكلام عن الإمام الذهبي عَصريِّ ابن
تيمية وتلميذه. وقوله بجهل من يفعله وبدعيته؛ يُحمل على باب سدِّ الذرائع، وليس
من باب التشريك والتكفير.
(٢) وقد تَقدّم حاشية ص٣٠٥، ذكر فعله من أئمة الدِّين.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣١٣
صلى الله عليه وآله وسلم فَيُسلّمُ عليه، وعلى أبي بكر، وعمر رضي الله
عنهما.
وكُلّ ذلك يُكَذِّبُ دَعوى: أنَّ الزيارة، والسفر إليها بدعةٌ، ولو طُولِب
ابن تيمية بإثبات هذا النفي العام، وإقامة الدليل على صحته؛ لم يجد إليه
سبيلاً، فكيف يَحِلُّ لذي علم أن يُقْدِمَ على هذا الأمر العظيم بمثل هذه
الظنون التي مُستَنده فيها: أنه لم يبلغه، وَيُنكِرُ به ما أطبق عليه جميع
المسلمين شرقاً وغرباً في سائر الأعصار، مما هو مَحسوسٌ خَلفاً عن
سلف، ويَجعلهُ من البدع.
فإن قال: إنَّ الذي يَفعلُه السلف من ((النوع الأول))، وهو: السلام
والدعاء له، دون ((النوع الثاني))، و((الثالث)).
قلنا: أما ((الثالث)) فلا استرواح إليه، لأَنَّا نُعِيذُ كُلّ مُسلمٍ منه، وأما
(النوع الأول)) و((الثاني))، فَدعوىُ كَونِ السلف كلهم كانوا مُطبقينَ على
((النوع الأول)) وأنه شَرعي، وكون الخَلفِ كلهم مَطبقينَ على ((الثاني)) وأنه
بدعة؛ من التَّخرُصِ الذي لا يَقدِرُ على إثباته، فإنَّ القُصُودَ الباطنة لا يَطّلِعُ
عليها إلاَّ الله تعالى.
فمن أين له أنَّ جميع السلف لم يكن أحدٌ منهم يقصد التبرك، أو أنَّ
جميع الخلف لا يقصدون إلاَّ ذلك؟ !.
ثم إنه قال: ـ فيما سَنحِكيه من كلامه -: إنَّ أحداً لا يُسافر إليها إلاَّ
لذلك - يعني لاعتقاده أنها قُربة -، وأنه متى كان كذلك كان حراماً، ولا
شك أنَّ بلالاً رضي الله عنه وغيره من السلف - وإن سَلّمنا أنهم ماقصدوا
إلاَّ السلام -، فإنهم يعتقدون أنَّ ذلك قُربة، فلو شعر ابن تيمية أنَّ بلالاً
رضي الله عنه وغيره من السلف فعل ذلك؛ لم يَنطِق بما قال، ولكنه قام
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣١٤
عنده خَيالٌ أنَّ هذه الزيارة فيها نَوعٌ من الشرك، ولم يستحضر أنَّ أحداً
فعلها من السلف، فقال ما قال، وغلط فيما حصل له من الخيال، وفي
عدم الاستحضار.
ودَعواه : أنه لو نذر ذلك، لم يجب عليه الوفاء به بلا نزاع من الأئمة؛
نحن نُطالبه بنقل هذا عن الأئمة، وتحقيق أنه لانزاع بينهم فيه، ثم بتقرير
كون ذلك عاماً في قبر النبي والتر وغيره، ليحصل مقصوده في هذه المسألة
التي تَصدّينا لها، ومتى لم تحصل هذه الأمور الثلاثة؛ لا يحصل
مقصوده، ولیس إلی حصولها سبیل.
ونحن قد نقلنا: أنَّ زيارة قبر النبي وَ ه تَلزمُ بالنذر؛ وعلى مقتضاه
يَلزمُ السفر إليها أيضاً بالنذر، على الضِدّ مما قال.
وأما قوله: ((إنَّ الصحابة لما فتحوا الشام، لم يكونوا يُسَافرون إلى
زيارة قبر الخليل عليه السلام، وغيره من قبور الأنبياء التي بالشام)).
فلعله لأنه لم يثبت عندهم موضعها، فإنه ليس لنا قبر مقطوعٌ به؛ إلاَّ
قبر النبي گێ.
وأما قوله: (ولا زار النبي ◌َّ﴿ شيئاً من ذلك ليلة أُسرِيَ به)).
فلعله لاشتغاله بما هو أهم، وقد تَحقّقنا زيارته # للقبور بالمدينة
وغيرها في غير تلك الليلة، فليس تَركُ زيارته في تلك الليلة؛ دليلاً على
أنَّ الزيارة ليست بِسُنَّةٍ، فالتشاغل بالاستدلال بذلك؛ تَشاغلٌ بما لا يُجدِي
نفعاً.
وأما قوله: ((إنّ الحديث الذي فيه: «هذا قبر أبيك إبراهيم؛ فانزل
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣١٥
فَصَلٌّ فيه، وهذا بيت لحم مَولِدُ أخيك عيسىُ؛ انزل فَصلُّ فيه))، كذبٌ لا
حقيقه له؛ فَصدقَ فيما قال(١)، وهذا الحديث يرويه بكر بن زياد الباهلي،
قال ابن حِبّان: ((شيخٌ دَجّال يَضِعُ الحديث على الثقات، لا يَحِلّ ذِكرُهُ في
الكُتُب إلاَّ علی سبیل القدح فیه)).
وذكر ابن حِبّان من طريقه الحديث المذكور، وفيه: (( ثم أتى بي إلى
الصخرة، فقال: يا محمد، من هاهنا عَرج ربك إلى السماء)»، وذكر كلاماً
طويلاً كَرِهِ ابن حِبّان ذِكْرَهُ.
قال ابن حبان: ((وهذا شيء لا يَشُكُّ عَوام أصحاب الحديث أنه
موضوع، فكيف البُزَّل في هذا الشأن)»، هذا كلام ابن حِبّان(٢).
(١) أي: صدق في القول في هذه الطريق التي فيها الألفاظ المنكرة. ثم اعلم: أنه
لم يقع في كلام ابن تيمية نسبة الرواية إلى مُخَرِّجِيها، فهو أطلق القول فقال: ((إنَّ
الحديث الذي فيه: ((هذا قبر أبيك .... إلخ))، كذب لا حقيقة له)). وكذا تلميذه ابن
القيم في ((زاد المعاد)) ٣: ٣١ حيث قال: ((وقد قيل: إنه نزل ببيت لحم وصلّى فيه،
ولم يصح ذلك عنه ألبته».
فهما نفيا الصلاة في بيت لحم وغيره كليةً. وهذه الجراءة لا تستغرب من ابن
تيمية وتلميذه، فمثلها منهما كثير، ولا يخفى عليهما ما رواه الإمام النسائي، وغيره
بأسانید صحیحة کما سنذكرها ص٣١٨.
(٢) ((المجروحين)) ١: ٢٢٥. وقال الحافظ العسقلاني في ((لسان الميزان)) ٢:
٣٤٣ بعد نقله قول الإمام الذهبي: ((قلت: صَدَق ابن حبان)). انتهى.
قال الحافظ ابن حجر: ((والموضوع منه من قوله: ((ثم أتى بي الصخرة ... ))؛ وأما
باقيه؛ فقد جاء في طرقٍ أُخرى فيها الصلاة في بيت لحم، وردت من حدیث شداد بن
أوس رضي الله عنه.
=
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣١٦
وقد ذكر هذا الحديث أبو القاسم مكي بن عبدالسلام بن الحسين بن
القاسم المقدسي الرُّميلي في كتابٍ صَنَّهُ في ((فضائل زيارة قبر إبراهيم
الخليل عليه الصلاة والسلام))، والرُّميلي هذا - بضم الراء وفتح الميم
وسكون الياء - نِسبَةً إلى ((الرُّميلة)) من الأرض المقدسة، ذكرهُ أبو سعد
عبد الكريم بن محمد بن منصور بن السمعاني في كتاب ((الأنساب)) فقال:
(كان حافظاً مُكثراً، رَحلَ إلى مصر والشام والعراق والبصرة)).
قال ابن ناصر: ((وصنّفَ كتاباً في ((تاريخ بيت المقدس)) وسمع من
الخطيب بالشام وبغداد، وكان فاضلاً صالحاً ثبتاً، وعاد إلى بيت المقدس
وأقام بها يُدرِّس الفقه على مذهب الشافعي، ويروي الحديث إلى أن
غلبت الفرنج على بيت المقدس، ثم قُتْلَ شهيداً».
قال ابن السمعاني: روى عن مكي بن عبد السلام: محمد بن علي
الإسفراييني، وأبو سعيد عمار التاجر، ولم يُحدِّث عنه سواهما.
وقال ابن النجار: ((عزم على أن يَعمل تاريخاً لبيت المقدس، فحالت
دونه مَنِيّتْهُ، قتلته الفرنج بالحجارة في اليوم الثاني عشر من شوال سنة
= ويؤيد كلام الحافظ أنَّ الموضوع هو من قوله: ((ثم أتى بي ... إلخ))، أنَّ الإمام ابن
الجوزي ذكره في ((الموضوعات)) في ((باب ما رُوِي أنَّ الله تعالى عرج إلى السماء،
تعالى الله عن ذلك)) ١ : ١٦٢ حديث (٢٤٣).
ثم قال في آخر الباب: ((قلت: وقد سمع بعض المُشَبّهة هذا الحديث مع قول
النبي صلى الله عليه وسلم ((آخر وطئة وطأها الله بــ وَجّ))، فتوهم في نفسه من التشبيه
أنها وطئة قَدَمٍ، وإنما المراد بها الوقعة بين المسلمين والمشركين، وقد أتممت شرح
هذا في كتابي المُسمّى: «منهاج الأصول إلى علم الأصول)).))، انتهى منه.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣١٧
اثنتين وتسعين وأربع مئة)).
وذكر أبو القاسم عمر بن أبي جَرادة في ((تاريخ حلب)): أَنه وُلدَ في
المحرم يوم عاشوراء سنة اثنتين وثلاثين وأربع مئة ببيت المقدس.
قُلتُ: وذكر في هذا التصنيف آثاراً في زيارة قبر إبراهيم الخليل عليه
الصلاة والسلام، منها الحديث المذكور (١).
قال: أنا الشيخ الصالح الثقة أبو محمد عبد العزيز بن أحمد بن عمر
ابن إبراهيم المقدسي قراءة عليه رحمه الله، أنا أبو بكر محمد بن أحمد بن
محمد الواسطي الخطيب قِراءةً عليه، ثنا أبو القاسم عيسى بن عبيد الله بن
عبد العزيز الموصلي المعروف بالمصاحفي، ثنا أبو الحسن علي بن جعفر
ابن محمد الرازي وكيل المسجد الأقصى، ثنا العباس بن أحمد بن عبدالله
- وأنا سألته -، ثنا عبدالله ابن عميرة المقدسي، ثنا بكر بن زياد الباهلي،
عن عبد الله بن المبارك، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن زرارة
ابن أوفى، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
قال رسول الله وَله: ((لما أُسريَ بي إلى بيت المقدس، مرَّ بي جبريل
إلى قبر إبراهيم عليه الصلاة والسلام. فقال : انزل صَلُّ هاهنا ركعتين، فإنَّ
هاهنا قبر أبيك إبراهيم عليه السلام، ثم مَرَّ بي إلى بيت لحم فقال : انزل
صَلِّ هاهنا ركعتين، فإنَّ هاهنا وُلِدَ أخوك عيسى عليه السلام، ثم أتى بي
إلى الصخرة قال : ... ))، - وذكر الحديث ۔۔
(١) وكذلك رواه بسنده الإمام الضياء المقدسي الحنبلي، المتوفى سنة ٦٤٣ هـ
في ((فضائل بيت المقدس)) ص٥٨ حديث (٣٠)، وفيه الألفاظ المنكرة.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣١٨
ورواه ابن حبّان عن محمد بن أحمد بن إبراهيم، ثنا عبد الله بن
سلیمان بن عميرة، ثنا بکر بن زیاد.
وإنما تكلّمنا على هذا الحديث للتنبيه على الفائدة فيه، وليس بنا
ضرورة إلى إثباته، أو نفيه في تحقيق المقصود (١)، لما سبق أنَّ عدم الزيارة
-
(١) قد ورد الحديث الذي فيه صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة الإسراء
في مُهَاجَرِهِ، وفي بيت لحم، وفي طور سيناء؛ عن ساداتنا الصحابة: أنس بن مالك،
وشداد بن أوس، وأبي هريرة رضي الله عنهم.
فأما رواية سيدنا أنس رضي الله عنه فأخرجها الإمامان : النسائي، وابن مردويه
- كما في ((تفسير)) الإمام ابن كثير ٥: ٢٧. و((الدر المنثور)» للإمام السيوطي ٤:
٢٦٠ -، من طريق يزيد بن أبي مالك، عنه.
قال الإمام النسائي في ((المجتبى)) ١: ٢٢١ حديث (٤٥٠) بسنده قال: حدثنا أنس
ابن مالك رضي الله عنه: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أُتِيتُ بدابة فوق الحمار
ودون البغل، خطوها عند منتهىْ طَرْفِها، فركبت ومعي جبريل عليه السلام فَسِرتُ قال :
إنزل فَصلِّ، ففعلت قال: أتدري أين صليت؟ صليت بطيبة وإليها المُهَاجَرة، ثم قال:
إنزل فَصلِّ، فقال: أتدري أين صليت؟ صليت بطور سيناء حيث كَلّمَ الله عزوجل موسى
علیه السلام، ثم قال : إنزل فَصلّ، فصلیت، أتدري أین صليت؟ صلیت ببيت لحم حيث
وُلِدَ عيسى عليه السلام، ثم دخلت بيت المقدس ... الحديث)).
والحديث صحيح، رواته كلهم ثقات. وصحح إسناده أيضاً الكمال بن أبي
شريف في كتاب («إتحاف الأخصا بفضائل المسجد الأقصى)) ١: ١٦٧.
وأما رواية سيدنا شداد بن أوس رضي الله عنه، فقد رواها: الإمام البزار في
(البحر الزخار)) ٨: ٤٠٩ حديث (٣٤٨٤)، والإمام الطبراني في ((المعجم الكبير)) ٧:
٢٨٢ حديث (٧١٤٢) من طريقين، وفي ((مسند الشاميين)) ٣: ١١٠ حديث (١٨٩٤)،
وابن أبي حاتم، وابن مردويه كما في (الدر المنثور» للإمام السيوطي ٤: ٢٦٣، ومن
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣١٩
في وقت خاص؛ لا يَدلُّ على عدم الاستحباب.
وقوله: ((إنَّ الصحابة لم يكونوا يزورون شيئاً من هذه البقاع والآثار))،
فكلامنا إنما هو في زيارة ساكن البقعة، لا في زيارة البقعة، وقد تَقدّم
التنبيه على الفرق بينهما، ثم إنَّ هذه شهادةٌ على نَفيٍ يَصعُب إثباتها؛ وإن
كُنّا مستغنين عن منعها، أو تسليمها.
وقوله: ((حتى أنَّ قبر النبي وَّ))، هذا هو المقصود في هذه المسألة.
وقوله: (لم يثبت عن النبي ◌َّ لَفظٌ بزيارته)). وقد تَقدَّم إبطال هذه
الدعوى، وتحقيق ثبوت الحديث فيها.
وقوله: ((ولهذا لم يكن على عهد الصحابة والتابعين مشهد يزار، لا على
قبر نبي، ولا غير قبر نبي، فضلاً عن أن يُسافر إليه))، إلى آخر كلامه (١).
= طريقي الطبراني، الإمام الضياء المقدسي في ((فضائل بيت المقدس)» ص٨٣ حديث
(٥٤)، والإمام البيهقي من طريقين في ((دلائل النبوة)) ٢: ٣٥٥ عن أبي إسماعيل
الترمذي، وقال عقبه: «هذا إسناد صحیح)».
وأما رواية سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه التي فيها ذِكْرُ الصلاة، فقد رواها:
الإمام ابن حِبّان في ((المجروحين)) ١: ٢٢٥ في ترجمة بكر بن زياد، والإمام الضياء
المقدسي في ((فضائل بيت المقدس)) ٥٨ حديث (٣٠) وفيها ذِكرُ بعض الألفاظ
المنكرة، وقد مرّ في حاشية ص٣١١ في كلام الحافظ العسقلاني ما هو الصحيح
منها، وما هو المنكر.
(١) قال الإمام ابن مفلح في كتابه ((الفروع)) ٢: ٩٩: ((ونقل ابن القاسم وشندي
أنّ أحمد سئل عن الرجل يأتي المشاهد، ويذهب إليها، ترى ذلك؟
قال: أما على حديث ابن أم مكتوم أنه سأل النبي وَ لّ أن يُصلّي في بيته حتى
=
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية