النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦٠
وهو يدل على أنه إنما يلزم إتيان المدينة؛ إذا سَمّى مسجدها، أو نَوى
الصلاة فيه، فما عدا هذا لا يلزم بالنذر، وإن كان قُربةً.
الثالث: أنّا قدّمنا أنَّ زيارة قبر النبي وَّهِ مطلوبةٌ بالخصوص،
للأحاديث التي صدّرنا بها هذا الكتاب، ولعمل السَّلف والخلف،
ومطلوبةٌ بالعموم لاندراجها تحت الأحاديث الصحيحة المشهورة في زيارة
القبور، واللزوم بالنّذر ظاهرٌ من الجهة الأولىُ.
وأما من الجهة الثانية : فقد قدّمنا أنَّ مقاصد الزيارة متعددة، وزيارة
القبور من حيث الجملة كزيارة القادمين، وقدّمنا في لزوم زيارة القادمين
بالنذر خلافاً؛ مع القطع بكونها قُربة
وزيارة القبور من حيث الجملة مثله، وزيارة قبر مُعَيّن إن قصد بها
الدعاء له، أو أداء حقه؛ ظهر اللزوم لحق الميت، وإن قصد التبرك، ظهر
اللزوم أيضاً في قبر النبي وَّ ر، وتعينه دون غيره، وإن قصد الاتعاظ لم
يتعين، وكان لزوم أصل الزيارة على الخلاف، وإن لم يقصد شيئاً فَأبعدُ
عن اللزوم.
والسائل لمالك رحمه الله، إنما ذكر مجرد الإتيان، فلعل مالكاً لم
يُلزِمهُ لذلك، ولعل مالكاً رحمه الله لم تبلغه الأحاديث الخاصة الواردة في
زيارة قبر النبي ◌َّر على الخصوص، وإنما يُدْرجهُ تحت الأحاديث الواردة
في زيارة القبور، وإن كان هو أشرفها وأحقًّها بالزيارة، ولا يلزمه بالنذر
لذلك في حقه، ولا في حق غيره.
الرابع : أنَّ إتيان القبر قد يُقصد زيارة من فيه، وهو الذي نقول بأنه
قُربة، وهو الذي تقصِدهُ الناس غالباً، وقد يُقْصَد زيارة المكان في نفسه
لشرفه، وهذا لا نقول بأنه قُربة؛ إلاَّ فيما شَهدَ الشرع به، فلعل مالكاً
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٦١
رحمه الله أجاب على ذلك.
ويدل على أنَّ هذا مُرادهُ: استدلاله بالحديث الذي جاء ((لا تُعمل
المَطِيُّ إلاَّ إلى ثلاثة مساجد)).
وَسنبيّن بياناً واضحاً أنَّ الحديث إنما هو في السفر للأمكنة، لا
للمقاصد التي فيها، وَمَالكُ رحمه الله تعالى أَجلَّ وأعلمُ، وأوسعُ باعاً،
وأعلى كعباً من أن يَخفى عليه ذلك، فاستدلاله به؛ يَدلّ على أنه أراد
المكان، فيكون مراده : أنَّ زيارة القبر من حيث هو تلك البقعة، ليس
بقُربة، وهو يُوافق ماحمل القاضي عياض عليه قوله: ((زُرت قبر النبي
وَل(*))، وحينئذ؛ فإمّا أن نوافق مالكاً رحمه الله تعالى على ذلك عملاً بقوله
وَلَى: ((لا تُشدّ الرِّحَال إلاَّ إلى ثلاثة مساجد»، ونحمل قوله: ((من زار
قبري))، على أنَّ المراد: من زارني في قبري، كما هو الظاهر المتبادر إلى
الفهم، وإما أن يقال: إنَّ زيارة قبره أيضاً قُربةٌ لقوله: ((من زار قبري))،
وهذا أَخصّ من قوله: ((لا تشد الرحال)) فَيُخَصَّصُ به. إلاَّ أنَّ كُلاَّ منهما أعمُّ
وأخصُّ من وجه، فلا يُقضى بتخصيص أحدهما للآخر. والأولى أنَّ المراد
بقوله: ((من زار قبري)): من زارني في قبري، ويكون قَصدُ البقعة نفسه ليس
بِقُربة، كما اقتضاه كلام مالك رحمه الله تعالى.
فقد بَانَ بهذا: معنى كلام مالك رحمه الله تعالى، وأنه ليس فيه
ء
ما يقتضي أنَّ الزيارة ليست بِقُربَةٍ، ولا أنَّ السفر إليها ليس بِقُربةٍ، بل هي
قُربةٌ عند جميع العلماء، ولهذا لو نذر الاتيان إلى مسجد رسول الله وَالاله
فقط بأنه يلزمه، وإنه يشترط ضَمّ قُربة إلى الإتيان.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٦٢
قال الشيخ أبو علي السِّنجي(١) من أصحابنا: إنه يُكتَفَى بالزيارة.
وقال الرافعي(٢): إنه الظاهر.
وتَوقّفَ فيه الإمام(٣) من جهة أنَّ الزيارة لا تتعلق بالمسجد وتعظيمه،
وليس تَوقّفه لكون الزيارة ليست قُربةً، هذا لم يَقُلُه أحد.
وقد قدّمنا في ((الباب الرابع)) من كلام العبدي المالكي، النَّصريحُ بأنَّ
المشي إلى المدينة للزيارة؛ أفضل من الكعبة، ومن بيت المقدس.
(١) هو: الإمام الجليل، أبو علي الحسين بن شعيب السِّنجي، قال عنه الإمام
السبكي، ((الطبقات الكبرى)) ٤: ٣٤٤: ((فقيه العصر، وعالم خراسان))، تُوفِيَ سنة
٤٣٠ هـ .
(٢) هو: إمام الدِّين، وناصر السُّنَة عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم الرافعي
القزويني، كان متضلعاً من علوم الشريعة تفسيراً وحديثاً وأصولاً. تُوفِّيَ سنة ٦٢٣ هـ.
(طبقات الشافعية الكبرى) ٨: ٢٨١ (١١٩٢).
(٣) يعني به: الإمام أبا محمد عبد الملك الجويني.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٦٣
الباب السادس
في كَونِ السفر إليها قُربةً
وذلك من وجوه :
أحدها: الكتاب العزيز في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَلَمُواْ
أَنْفُسَهُمْ جَآءُولَ﴾، الآية، وقد تقدّم تقريرها في ((الباب الخامس)).
والمجيءُ صادق على المجيء من قُربٍ ومن بُعد، بسفرٍ وبغير سفر، ولا
يقال: إنَّ ﴿حَاءُوَ﴾ مُطلق، والمطلق لا دِلاَلَةَ له على كُلّ فرد؛ وإن كان
صالحاً لها، لأنّا نقُول: هو في سياق الشرط، فيعُمّ، فمن حصل منه
الوصف المذكور؛ وَجَد الله تواباً رحيماً.
الثاني: السُّنّة من عموم قوله وَّهِ ((من زار قبري))، فإنه يَشملُ القريب
والبعيد، والزائر عن سفر وعن غير سفر، كلهم يَدخُلون تحت هذا
العموم، لاسيما قوله في الحديث الذي صَحّحه ابن السَّكن: ((من جاءني
زائراً لا تعملهُ حاجة إلَّ زيارتي))، فإنَّ هذا ظَاهرٌ في السفر، بل في
تمحیض القصد إليه، وتجريده عما سواه.
وقد تَقدَّم أنَّ حالة الموت مُرادةٌ منه، إما بالعموم، وإما أنها هي
المقصود.
والثالث : من السُّنة أيضاً لنَصّها على الزيارة ولفظ: ((الزيارة)) يستدعي
الانتقال من مكان الزائر إلى مكان المَزُورِ كلفظ: ((المجيء)) الذي نَصّت عليه
الآية الكريمة، فالزيارة إما نَفسُ الانتقال من مكان إلى مكان بقصدها،
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٦٤
وإما الحضور عند المَزُور من مكان آخر.
على كُلٌّ حَال؛ لابُدّ في تحقيق معناها من الانتقال، ولهذا أنَّ من كان
عند الشخص دائماً لا يحصل الزيارة منه، ولهذا تَقُول: زُرت فُلاناً من
المكان الفلاني، وتقول: زُرَنا النبي ◌َّهَ من مِصرَ، أو من الشام. فتجعل
ابتداء زيارتك من ذلك المكان، فالسفر داخل تحت اسم الزيارة من هذا
الوجه.
فإذا كانت كُلّ زيارة قُربة، كان كل سفر إليها قربة، وأيضاً فقد ثبت
خروج النبي ◌َّر من المدينة لزيارة القبور، وإذا جاز الخروج إلى القريب،
جاز إلى البعيد، فمما وَرد في ذلك: خُروجه إلى البقيع كما هو ثابتٌ في
الصحيح، وقد ذكرته في ((الباب السابع)) [ص٣٠٠] من هذا الكتاب.
وخروجه ◌َّ القبور الشهداء، روى أبو داود في («سننه»(١) عن طلحة
ابن عبيد الله قال: خرجنا مع رسول الله وَلا تُريد قبور الشهداء، حتى إذا
أشرفنا على حَرّةٍ واقم، فلما تَدلَّينا منها؛ فإذا قبور بمَجْنَبةٍ(٢).
قال: قلنا: يارسول الله: أقبور إخواننا هذه؟ قال: ((قبور أصحابنا)).
فلما جئنا قبور الشهداء قال: «هذه قبور إخواننا)).
وإذا ثبت مشروعية الانتقال إلى قبر غيره، فقبره وي لل أولى.
الرابع : الإجماعُ لإطباق السلف والخلف، فإنَّ الناس لم يزالوا في كُلِّ
(١) ((باب في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وزيارة قبره)) ٢: ٥٤٠
حدیث (٢٠٣٦).
(٢) في مطبوعة ((السنن)): ((بِمَحْنِية)).
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٦٥
عام إذا قضوا الحج، يتوجهون إلى زيارته وَاللّ، ومنهم من يفعل ذلك قبل
الحج.
هكذا شاهدناه وشاهده من قبلنا، وحكاهُ العلماء عن الأعصار القديمة،
كما ذكرناه في ((الباب الثالث))، وذلك أمرٌ لا يُرتابُ فيه، وكلهم يقصدون
ذلك وَيُعرِّجُون إليه، وإن لم يكن طريقهم، ويقطعون فيه مسافة بعيدة،
وينفقون فيه الأموال، ويبذلون فيه المُهجَ؛ معتقدين أنَّ ذلك قُربةٌ وطاعة.
وإطباق هذا الجَمعِ العظيم من مشارق الأرض ومغاربها على مَرٍّ
السنين - وفيهم العلماء والصلحاء وغيرهم -، يستَحيلُ أن يكون خطأً،
وكلهم يفعلون ذلك على وجه التقرب به إلى الله تعالى، ومن تأخّرَ عنه من
المسلمين؛ فإنما يتأخَّرُ بعجزٍ، أو تعويق المقادير، مع تأسفه عليه وَوُدّهِ؛
لو تَيسّر له، ومن ادّعى أنَّ هذا الجمع العظيم مُجْمِعُون على خطٍ؛ فهو
المُخطئ.
فإن قُلتَ : إنَّ هذا ليس مما يُسلِّمهُ الخصم، لجواز أن يكون سفرهم
ضُمَّ فيه قصد عبادة أُخرى إلى الزيارة، بل هو الظاهر كما ذكر كثيرٌ من
المُصَنّفين في المناسك: أنه ينبغي أن ينوي مع زيارته، التقرُّبَ بالتَوجُّهِ إلى
مسجده ◌َالخير، والصلاة فيه.
والخَصمُ ما أنكر أصل الزيارة، إنما أراد أن يُبيّنَ كيفية الزيارة
المستحبة، وهي أن يُضَمَّ إليها قصد المسجد، كما قاله غيره.
قُلتُ: أما المُنازعةُ فيما يقصده الناس، فمن أنصف من نفسه وعرف
ما الناس عليه؛ عَلمَ أنهم إنما يقصدون بسفرهم الزيارة من حين يُعَرِّجُونَ
إلى طريق المدينة، ولا يخطر غير الزيارة من القربات؛ إلاَّ ببال قليل
منهم، ثم مع ذلك هو مَغمورٌ بالنسبة إلى الزيارة في حَقِّ هذا القليل،
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٦٦
وغرضهم الأعظم هو الزيارة، حتى لو لم يكن ربما لم يسافروا.
ولهذا؛ قَلَّ القاصدون إلى بيت المقدس مع تيسُر إتيانه، وإن كان في
الصلاة فيه من الفضل ماقد عُرف.
فالمقصود الأعظم في المدينة الزيارة، كما أنَّ المقصود الأعظم في
مكة الحج أو العمرة، وهو المقصود، أو معظم المقصود من التَّوجهِ
إليها، وإنكار هذا مُكَابرةٌ، ودعوى كَون هذا الظاهر؛ أشدُّ.
وصاحب هذا السؤال؛ إن شَكّ في نفسه، فليسأل من كُلِّ من تَوجّه
إلى المدينة ماقصد بذلك؟.
وأما ماذَكرهُ المُصَنِفُون في المناسك، فإنهم لم يريدوا به أنه شَرطٌ في
كون السفر للزيارة قُربةً، ماقال هذا أَحدٌ منهم، ولا تَوهمهُ ولا اقتضاه
كلامه، وإنما أرادوا أنه ينبغي أن يقصد قُربةً أُخرى ليكون سفراً إلى
قُربَتين، فيكثر الأجر بزيادة القُرب، حتى لو زاد من قصد القُربات؛ زادت
الأجور، كأن يقصد مع ذلك زيارة شهداء أُحدٍ، وغير ذلك من القُرب
التي هناك.
وأرادوا بالتنبيه على ذلك : أنه قد يُتَوهّمُ أنَّ قصد قُربةِ أُخرى قادحٌ في
الإخلاص في نية الزيارة، فَنبّهوا بذلك على هذا المعنى.
ولهذا قال أبو عمرو ابن الصلاح(١): ((ولا يلزم من هذا خَللٌ في
(١) هو: الإمام العلامة، الفقيه المحدّث عثمان بن عبد الرحمن بن موسى
الشهرزوري، عرف بـ: ابن الصلاح. قال عنه ابن خلكان: كان أحد فضلاء عصره في
التفسير والحديث والفقه. تُوفِّيَ سنة ٦٤٣هــ. ((طبقات الشافعية الكبرى)) ٣٢٦:٨
(١٢٢٩). والنصّ في كتابه: ((صلة الناسك في صفة المناسك)) ص٢٢٣.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٦٧
زيارته على ما لا يخفى)). فمن تَخيّل أنَّ مُرادهم: أنَّ شرط كون سفر الزيارة
قُربة ضَمّ قصد قُربةٍ أخرى إليه، فقد أخطأ خطأً لا يخفى على أحدٍ ممن له
فَهمٌ.
وقولك : إنَّ الخصم إنما أراد أن يُبَيّن كيفية الزيارة المستحبة، وهي
أن يَضُمّ إليها قصد المسجد كما قاله غيره؛ قد بَينًا أنَّ غيره لم يَقُل ذلك،
ولا دَلّ عليه كلامه، ولا أرادهُ.
الخامس : أنَّ وسيلة القُربةِ قُربة، فإنَّ قواعد الشرع كلها تشهدُ بأنَّ
الوسائل مُعتبرةٌ بالمقاصد.
قال ◌َله: ((ألا أدلكم على ما يمَحُو الله به الخطايا، ويرفع به
الدرجات))، قالوا: بلى يا رسول الله.
قال: ((إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرةُ الخُطا إلى المساجد،
وانتظارُ الصلاة بعد الصلاة، فَذلِكُمْ الرِّبَاط، فَذلِكُمْ الرِّبَاط)).
رواه ((مسلم))(١).
وَالخُطَا إلى المساجد إنما شرفت؛ لكونها وسيلة إلى عبادة.
وقال ◌َ له: ((إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد
لاتُخْرِجه إلاَّ الصلاة، لم يَخطُ خطوةً إلاَّ رُفعت له بها درجة، وحُطَّ عنه بها
خطيئة))، رواه: ((البخاري))، و((مسلم))(٢).
(١) (كتاب الطهارة) ((باب فضل إسباغ الوضوء على المكاره)) ١: ٢١٩ حديث
(٤١).
(٢) (البخاري)) (كتاب الأذان) ((باب فضل صلاة الجماعة)) ١: ٢١٦ حديث
=
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٦٨
وقال وَلّ: ((أعظم الناس أجراً في الصلاة، أبعدهُم فأبعدهم مَمْشَىْ))،
رواه ((البخاري))، و((مسلم))(١).
وقال رجل: مَايَسُرني أنَّ منزلي إلى جنب المسجد، إني أريد أن يُكتب
لي مَمشايَ إلى المسجد، ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي.
فقال رسول الله وَلَهُ: ((قد جَمعَ الله لك ذلك كُلُه))، رواه (مسلم))(٢).
وقال جابر رضي الله عنه: كانت دِيَارُنا نائيةً عن المسجد، فأردنا أن
نبيع بيوتنا فَتَقْرُبَ من المسجد، فنهانا رسول الله وَّه فقال: ((إنَّ لكم بِكُلِّ
خَطوة درجة))، رواه ((مسلم))(٣).
وقال وَلّ: ((من تَطْهَّر في بيته، ثم مشى إلى بيتٍ من بيوت الله ليقضي
فريضة من فرائض الله، كانت خُطوتَاه إحداهما تَحطُّ خَطيئةً، والأُخرى
ترفع درجة))، رواه ((مسلم))(٤).
= (٦٤٧)، ((مسلم)) (كتاب المساجد ومواضع الصلاة) ((باب فضل صلاة الجماعة)) ١ :
٤٥٩ حدیث (٢٧٢).
(١) ((البخاري)) (كتاب الأذان) ((باب فضل صلاة الفجر في جماعة)) ١: ٢١٧
حديث (٦٥١)، ((مسلم)) (كتاب المساجد ومواضع الصلاة) ((باب فضل كثرة الخطا
إلى المساجد)) ١ : ٤٦٠ حديث (٢٧٧).
(٢) (كتاب المساجد ومواضع الصلاة) ((باب فضل كثرة الخطا إلى المساجد)) ١ :
٤٦٠ حديث (٢٧٨).
(٣) الباب السابق ص ٤٦١ حديث (٢٧٩).
(٤) ((باب المشي إلى الصلاة تمحى به الخطايا وترفع به الدرجات)) ١: ٤٦٢
حديث (٢٨٢).
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٦٩
وقال ◌َله: ((من غدا إلى المسجد أو رَاح؛ أَعدّ الله له نُزُلاً كلما غَدا أو
راح))، رواه ((البخاري))، و((مسلم))(١).
وقال وَلجر: ((من خرج من بيته مُتَطهراً إلى صلاة مكتوبة؛ فَأجره كأجر
الحاج المُحْرم، ومن خرج إلى تسبيح الضُحى لا يُنصبهُ إلاَّ إياه؛ فَأجرهُ
كأجر المُعتمر))، رواه ((أبو داود))(٢).
وقال ◌َّ: ((بشر المشائِينَ في الظُّلمِ إلى المساجد؛ بالنُّور التَّام يوم
القيامة)) .
رواه: ((أبو داود))، و((الترمذي))، و((ابن ماجه))(٣).
وفي روايةٍ: ((أولئك الخَوّاضُونَ في رحمة الله)) (٤).
وقال بَّه: ((من غَسّل واغتسل، وغدا وابتكر، ودنا من الإمام ولم
(١) ((البخاري)) (كتاب الأذان) ((باب فضل من غدا إلى المسجد ومن راح)) ١ :
٢٢٠ حديث (٦٦٢).
((مسلم)) (كتاب المساجد ومواضع الصلاة) ((باب المشي إلى الصلاة تمحى به
الخطايا وترفع به الدرجات)) ١: ٤٦٢ حديث (٢٨٥).
(٢) ((باب فضل المشي إلى الصلاة)) ١ : ٤١٦ حديث (٥٥٩).
(٣) ((سنن أبي داود)) ((باب ما جاء في المشي إلى الصلاة في الظلم)) ١: ٤١٨
حديث (٥٦٢)، ((سنن الترمذي)) (أبواب الصلاة) ((باب ما جاء في فضل العشاء
والفجر في الجماعة)) ١: ٤٣٥ حديث (٢٢٣)، ((سنن ابن ماجه)) (كتاب المساجد
والجماعات) ((باب المشي إلى الصلاة)) ١: ٢٥٧ حديث (٧٨١).
(٤) ((سنن ابن ماجه)) الباب السابق ص٢٥٦ حديث (٧٧٩).
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٧٠
يَلْغُ، كان له بكُلّ خَطوة عَملُ سَنةٍ؛ صيامها وقيامها))، رواه ((أبو داود)(١).
وفي رواية: ((ومشى ولم يركب))(٢).
وقال ◌َلهُ: ((من أتى أخاه المريض عائداً؛ مَشى في خَرَافةِ الجنة حتى
يجلس، فإذا جلس غَمرته الرحمة))(٣).
وقال وَّهُ: ((من عاد مريضاً، أو زار أخاً له في الله، نَاداهُ مُنادٍ من
السماء : أن طِبِتَ وطاب مَمشاك، وَتبوّأتَ من الجنة مَنزلاً)».
رواه: ((الترمذي))، و((ابن ماجه))، وقال الترمذي: ((حَسنٌ غَريب))(٤).
فهذه الأحاديث كُلُها تَدلُّ على أنَّ وسائل القُربةِ قُربة، وكيف يَتَأتّى
نِزاعٌ في ذلك، والشريعة كلها طافحة به، والقران نَاطقٌ به.
قال تعالى: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ، مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يُدْرِكُهُ المَوْتُ فَقَدْ
وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهُ﴾ [النساء الآية ١٠٠].
وهذه الآية يَحسن أن تكون دليلاً على المقصود، فإنَّ المسافر لزيارة
(١) ((باب في الغسل للجمعة)) ١: ٣٢٠ حديث (٣٤٩).
(٢) ورد هذا اللفظ في الرواية السابقة عند الإمام أبي داود، وكذا هي عند الإمام
ابن ماجه في ((السنن)) (كتاب إقامة الصلاة والسُّنة فيها) ((باب ما جاء في الغسل يوم
الجمعة)) ١ : ٢٤٦ حديث (١٠٨٧).
(٣) ((سنن ابن ماجه)) (كتاب الجنائز) ((باب ما جاء في ثواب من عاد مريضاً)) ١:
٤٦٣ حديث (١٤٤٢).
(٤) ((سنن الترمذي)) (كتاب البر والصلة) ((باب ما جاء في زيارة الإخوان)) ٤:
٣٢٠ حديث (٢٠٠٨)، ((سنن ابن ماجه)) (كتاب الجنائز) («باب ما جاء في ثواب من
عاد مريضاً)) ١: ٤٦٤ حديث (١٤٤٣).
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٧١
رسول الله وَله، خرج من بيته مُهاجراً إلى الله ورسوله.
وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأُ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِى
سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَعُونَ مَوْطِئًا يَغِيُطُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍ ثَّيْلًا إِلَّا
وَلَا يُنفِقُونَ
كُتِبَ لَهُم بِهِ، عَمَلٌ صَلِيحٌ إِنَ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ
نَفَقَةٌ صَغِيرَةٌ وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَاِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ
[التوبة، الآية ١٢٠ - ١٢١].
أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
فَهذهِ الأمور كُلُها؛ إنما كُتبت لهم، وكُتب لهم بها أَجرٌ؛ لأنها وسيلة
إلى الجهاد في سبيل الله، بل الجهاد نفسه إنما شُرِّفَ لكونه سبباً لإعلاء
كلمة الله، ولذلك جَميعُ ماطلبه الشرع مما هو معقول المعنىُ؛ فَهو وسيلة
لذلك المعنى المعقول منه، وبسببه طُلِبَ.
وقد نقل الأصوليون الإجماع على: أنَّ من مَشى من مكان بعيد حتى
حَجّ، كان أفضل ممن حَجّ من مكة.
وفي الحديث عن الله تعالى: ((بعيني مايتحمّلُ المُتُحمِلُون من أجلي))(١).
(١) رواه: الإمام ابن أبي الدنيا في كتابه ((حسن الظن بالله)) حديث (٨٨)،
والإمام أبو نعيم في «حلية الأولياء)) ٤: ٦٠ من قول الإمام وهب بن منبه، وفي ٩:
٢٥٥ ذكره من قول أبي سليمان الداراني أنه قرأه في بعض الكتب، يقول الله عزّ
وجَل، فذكره، وفي ١٠: ٨٠ عن الإمام الحارث المحاسبي أنه حَدّثهُ بعض العلماء
قال: أوحى الله تعالى إلى نبي من الأنبياء، فذكره.
ورواه الإمام ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) ٥١: ١٧٤ عن أبي الحارث الفيض
ابن الخضر: أنّ أحد العُبَّاد قال له: أو ما بلغك أنَّ الله يقول : ... فذكره.
وذكره الإمام ابن الجوزي في ((صفة الصفوة)) ٤: ٣٦٦ عن أبي الحارث أحمد بن
الحارث الأولاشي، عن رجل من العُبَّاد قال: فقد رُوِيَ في بعض الأخبار ... فذكره.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٧٢
ولا شَكَ أنَّ المُتَوسِّلَ إلى قُربةٍ بِمُباحٍ فيه مَشقّةٌ كالسفر وغيره، مُتَحمِلٌ
لتلك المشقّةِ من أجل الله تعالى، فهو بعين الله تعالى، والله ناظرٌ إليه
وجازیه علی سعیه.
بل المُباح الذي لا مَشقّة فيه، وفيه رَاحةُ للنفس إذا قُصِدَ به التوسل
إلى قُربةٍ؛ حصل له به أجر، كمن نام لِيَتَقوّى على قيام الليلِ، أو أكل
ليتقوّى على الطاعة.
ولهذا ورد في الأثر: ((إني أحتسِبُ نومتي، كما أحتسبُ قومتي))(١).
وتَكَلّم العلماء في أنَّ الثّواب في هذا القسم على القصد خاصة، أو
على الفعل؟، والأقرب الثاني.
ويشهدُ له قوله وَّر في الحديث الصحيح(٢): ((إنك لن تُنفقَ نفقةً تبتغي
بها وجه الله، حتى اللقمة ترفعها إلى فِيِّ امرأتك؛ إلاَّ ازددت رِفعةً ودرجة».
(١) هو من قول سيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه، رواه: الإمام البخاري في
((صحيحه)) (كتاب المغازي) ((باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن)) ٣: ١٦٠ حديث
(٤٣٤٢) ص١٦١ حديث (٤٣٤٥). والإمام مسلم في ((صحيحه)) (كتاب الإمارة)
((باب النهي عن طلب الإمارة)» ٣: ١٤٥٦ حديث (١٥)، والإمام أبو داود في («السنن»
(كتاب الحدود) ((باب الحكم فيمن ارتدّ)) ٥: ٦٣ حديث (٤٣٥٤) بلفظ: ((وأرجو في
نومتي ما أرجو في قومتي».
(٢) (البخاري)) (كتاب الوصايا) «باب أن يترك ورثته أغنياء» ٢: ٢٨٧ حديث
(٢٧٤٢)، و(كتاب مناقب الأنصار) ((باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((اللَّهُمَّ أمضٍ
لأصحابي)» ٣: ٧٨ حديث (٣٩٣٦)، و(كتاب المغازي) («باب حجة الوداع» ٣: ١٧٥
حديث (٤٤٠٩)، و(كتاب النفقات) ((باب فضل النفقة على الأهل)) ٣: ٤٢٤ حديث
(٥٣٥٤). ((مسلم)) (كتاب الوصية) («باب الوصية بالثلث)) ٣: ١٢٥ حديث (٥).
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٧٣
فهذا يشهدُ لأنه يُؤجر على المباح إذا اقترن بالنية، وكذلك الحديث
الصحيح(١): ((أنه يضع شهوته في الحلال، وله فيها أجر)).
وحاصله : أنَّ العبادات أربعة أقسام:
أحدها : ما وَضعهُ الشارعُ عبادة، إمّا تعبداً، وإما لمعنى يحصلُ بها
كـ: الصلاة، والصوم، والصدقة، والحج، فهذا مَتَى صَحّ كان قُربةً، ولا
يمكن وُجُوده شرعاً على غير وجه القُربةِ.
وثانيها : ماطلبه الشرع من مكارم الأخلاق، كـ: إفشاء السلام
ونحوه، لما فيه من المصالح، وهذا مقصود الشارع، فإذا وُجِدَ بنية
الامتثال؛ كان قُربةً، وإن وُجدَ بدونها؛ كان من جُملةِ المُباحات.
وثالثها : مالا يستقل بتحصيل مصلحةٍ، ولا يُفعلُ إلاَّ على وجه
التوصل به إلى غيره، كـ: المشي ونحوه، فهذا لا يقع غالباً إلاَّ على وجه
الوسيلة، فيكون بحسب ما يُقْصَد به، إن قصد به حَرامٌ كان حَراماً، أو
مباحٌ كان مُباحاً، أو قُربة كان قُربةً، وإن وقع من المُكلف لا يقصد أصلاً
كان عبثاً، فيكون مكروهاً.
ولا نزاع في هذا القسم أنه إذا قُصد به القُربة كان قربة، وهو القسم
الذي نحن بصدده، وتَصدينا لتقرير كونه قُربةٌ.
ورابعها : ما وضُح مُباحاً مقصوداً لتحصيل المصالح الدنيوية، كـ:
(١) ((مسلم)) (كتاب الزكاة) ((باب بيان أنَّ اسم الصدقة يقع على كل نوع من
المعروف)» ٢: ٦٩٧ حديث (٥٣) ونَصُّ لفظ الحديث: ((أرأيتم لو وضعها في حرام.
أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر)). انتھی منه، وَذِكْرُ
المُؤلِّف للنَّص هنا بالمعنى، ولم يلتزم اللفظ.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٧٤
الأكل، والشرب، والنوم، لمصلحة الأبدان، فهذا إن حصل بغير نية، أو
بنية دنيوية، كان مستوي الطرفين، وإن حصل بنية دينية حصل الأجر، إما
على النية وحدها - كما ذكرهُ بعض العلماء -، وإما على النية مع الفعل،
وهو الحق لما سبق.
وهذا القسم الرابع: أَخفضُ رُتبةٌ من الوسيلة، كما أنَّ الوسيلة أخفضُ
رُتبةً من القسمين الأولين.
فقد تقرر بهذا: أنَّ وسيلة القُربةِ قُربة، والسفر بقصد الزيارة وَسيلةٌ
إليها؛ فيكون قُربةً.
فإن قُلْتَ : قد يقول الخصم: الزيارة قُربةٌ في حقِّ القريب خاصة، أما
البعيد الذي يَحتاج إلى سفر، فلا. وحينئذ؛ لا يكون السفر إليها وسيلة إلى
قُربةٍ في حقه، وإنما تكون الوسيلة قُربة، إذا كانت يُتَوَصِّلُ بها إلى قُربةٍ
مَطلوبةٍ من ذلك الشخص المُتَوسِل.
قُلْتُ: الزيارة قُربة مطلقاً في حَقِّ القريب والبعيد، فإنَّ الأدلة الدَّالة
عليها غير مُفصّلةٍ، ومن ادّعى تخصيص العام بغير دليلٍ، قطعنا بخطئه.
فإن قُلتَ : فالصلاة مُطلقاً قُربةٌ، والسفر إليها ليس بِقُربةٍ؛ إلاَّ إلى
المساجد الثلاثة.
قُلت: قد يكون الشيء قُربةً، وانضمامه إلى غيره ليس بقُربة،
فالصلوة في نفسها قربة، وكونها في مسجدٍ بعينه غير الثلاثة ليس بقُربة،
فالسفر إليه وَسيلة إلى ماليس بِقُربة.
فإن قُلْتَ: لو كانت وسيلة القُربة قُربة مطلقاً، لكان النّذر قُربة، لأنها
وسيلة إلى إيقاع العبادة واجبة، والواجب أفضل من النَّفل، والنذر
مكروه، لأنَّ النبي ◌ََّ نَهى عن النذر وقال: ((إنه لا يأتي بخير، وإنما
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٧٥
يُستَخرج به من البخيل))(١).
قُلْتُ : جَعلُ النّفل فرضاً ليس بِقُربةٍ، بل هو مكروه، لما فيه من
الخطر والتعرض للإثم بتقدير الترك، ووقوع العبادة ممكن بغير النذر، فلم
يحصل بالنذر إلاَّ التعرض للخطر والحرج.
على أنَّا نقول: إنَّ وسيلة القُربة قُربة من حيث هي مُوصلةٌ لذلك
المطلوب، وقد يقترن بها أمرٌ عارضٌ يُخرجُها عن ذلك، كمن مَشى إلى
الصلاة في طريق مغصوب، والمُدّعى أنَّ الفعل إذا كان مُباحاً ولم يقترن به
إلاَّ قصد القُربةِ به كان قُربةً، وهذا لا يُستثنى منه شيء.
فإن قُلت: كيف تَجزمون بهذا، وقد اشتهر خلاف الأصوليين في: أنَّ
الأمر بالشيء، أمرٌ بما لا يتمُّ إلَّ به، أو لا؟ ومقتضى ذلك: أن يجري
خلافٌ في أنّ وسيلة المندوب هل هي: مندوبة، أو لا؟
قُلتُ: سنبين في آخر الكلام أنَّ كون الفعل قربةً، أعمُّ من كونه
مأمُوراً به.
ونبدأ أولاً بالكلام على كون هذا السفر مأموراً به أمرَ ندبٍ، فنقول:
مالا يتم المأمور به إلاَّ به، ينقسم إلى شرطٍ في وُجوده، وإلى ماهو
تابعٌ يُشترطُ للعلم بوجوده، كغسل جزء من الرأس للعلم بغسل الوجه،
والخلاف في القسم الثاني قويٌ، وليس مما نحن فيه.
أما القسم الأول: وهو ما كان شرطاً، أو سبباً لوجود المأمور به
(١) ((البخاري)) (كتاب الأيمان والنذور) ((باب الوفاء بالنذر)) ٤: ٢٢٧ حديث
(٦٦٩٢). ((مسلم)) (كتاب النذر) ((باب النهي عن النذر)) ٣: ١٢٦١ حديث (٤).
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية
٣

٢٧٦
كالذي نحن فيه، ونعبّر عنه بـ((المقدمة))، فالجمهور على أنه مأمورٌ به،
واجبٌ بوجوب المقصد.
وخالف في ذلك فريقان من الأصوليين، فرقة خالفوا في الشرط ولم
يخالفوا في السبب، وفرقةً خالفوا في الشرط والسبب جميعاً.
وربما نُقِلَ الخلاف في ذلك عن الواقفية، وأنهم لم يجزموا في ذلك
بشيء، بل توقفوا على عادتهم، وربما نُقِلَ الجزم بعدم الوجوب، وكلا
القولين إن أُخذَ بالنسبة إلى دلالة اللفظ، وأنَّ دلالة لفظ الأمر بالمقصود
قاصرة عن دلالته عن الأمر بـ((المقدمة))، فيسهل الأمر فيه ولا يمنع عدم
دلالة غيره، ولا ينفي ذلك كون ((مقدمة)) المأمور به مأموراً بها لدليل
عقلي.
وإن أُخذَ بالنسبة إلى أنه إذا تُرِكَ يعاقب على ترك المقصد خاصة، ولا
يعاقب على ترك ((المقدمة))؛ فقريب أيضاً، ولكنه إنما ينفي الوجوب لا
الندب، وكلامنا في الندب.
وإن أُخِذَ بالنسبة إلى أنَّ المشروط الذي ورد الأمر به مطلقاً، لا يجبُ
إلاَّ عند وجود شرطه، كما صرّحَ به بعض متأخري الأصوليين، فهذا قول
باطلٌ لم يتحقق القول به عن أحدٍ من الأئمة المعتمد على كلامهم،
وقواعد الشريعة تقطع ببطلانه، ولاشك أنَّ الأئمة المعتبرين الذين هم أئمةً
الفتیا علی خلافه.
ومُستندُ من فَرّقَ بين السبب والشرط: أنَّ إيجاب المُسَبَب لو كان
مُقيداً بحال وجود السبب، لكان إيجاباً لتحصيل الحاصل، لأنَّ المُسَبَب
حاصلٌ مع السَّب بخلاف الشرط.
وقد أطلنا في ذلك.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٧٧
والمقصود : أنَّ الزيارة إذا كانت مندوبةً في حق البعيد، والسفرُ شرطٌ
لها؛ كان مندوباً، وهذا لم يحصل فيه نزاع بين العلماء.
فإن قُلتَ : هل تقولون: إنَّ كلَّ سفرٍ للزيارة مندوب، أو مطلق السفر
لها؟
قُلْتُ: قد تقرر في أصول الفقه: أنَّ الأمر بالماهية الكُلّية ليس أمراً
بشيء من جزئياتها، ولكنه مأمورٌ بجزئيٌّ من الجزئيات لا بعينه، لأنه لا
يتحقق الإتيان بالكُلّي بدونه، وهو مُخيّر في تعيين ذلك الجزئي، فإذا أتى
بجزئيٌّ معين، خرج عن عهدة الأمر، ونقول: إنه أتى بالمأمور به، وهو
الكُلّي والجزئي لا بعينه، وأما هذا الجزئي المعين، فلا نقول إنه مأمور به،
لأنه مخيرٌ فيه، ولكنه قربةٌ وطاعةٌ، لأنه فُعِلَ لامتثال الأمر. فكل سفر يقع
بقصد الزيارة ولم يقترن به قصد مُحَرّم، أو مكروه؛ فهو قربةٌ لكونه
موصلاً إلى قربة، وبه يحصلُ أداء السفر المأمور به، لأنه حاصل في ضمن
ذلك المُشَخَّص، ولا نقول: إنَّ ذلك المُشخّص هو المأمور به.
لأنَّ الأمر إنما يتعلق بكُلّي وهذا جُزْئي، لكنه قربة، لكونه قصد به
القربة، ووسيلة إليها. فالقُربة تَصدُقُ على الكُلّي والجزئي، والطلب
لا يتعلق إلاَّ بكُلّي، والسفر المعين وسيلة إلى الزيارة، وليس شرطاً فيها،
ومطلق السفر للزيارة وسيلة وشرط، ومطلق السفر شرطٌ، وقد لا يقصد
به التوسل، فلا يُسمی وسيلة.
فإن قُلْتَ: هل ((المقدّمة)) هي ((الوسيلة))، أو غيرها؟
قُلْتُ: المقدمة مايَتوقّفُ عليها الشيء، وقد علمت خلاف الأصوليين
في أنها: هل تجب بوجوب ذلك الشيء، أو لا؟، وذلك خارج عن كونها
قربة أو ليست بقربة، فإنَّ الذي يَتوقَّفُ عليه الفعل قد يُفْعَلُ بقصد القربة
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٧٨
فيكون قربة، وقد يُفْعَلُ لا بقصد القربة فلا يكون قربة. فمن مَشى إلى مكة
لمقصد غير صالح ثم حَجَّ؛ لم يكن سفره قربة، ولكن سقط عنه الأمر
بالمقدمة لزوال السبب المقتضي لوجوبها.
وأما الوسيلة: فقال الجوهري: ((الوسيلة مايُتقرَّبُ به إلى الغير،
والجمع: الوَسِيلُ والوسائل، والتَّوسِيلُ والتَّوسُّلُ واحد، يقال: وَسَّلَ فلان
إلى ربه وسيلة، وتوسَّل إليه بوسيلةٍ: إذا تَقرّب إليه بعمل)).
انتهى كلام الجوهري(١).
فاسم (الوسيلة)) إذا أُطلق على ((المقدمة))، فهو من حيث كونها يُتَقرّبُ
بها، لامن حيث كونها مُتَوقّفاً عليها، بل قد يكون المقصد مُتوقّفاً على
الوسيلة بعينها، فيجري في وجوبها الخلاف السابق.
وقد لا يتوقّفُ المقصد عليها بعينها، بل على ما هو أعمُّ منها،
ويختارها العبد للتوسل بها، وقد لا يتوقف المقصد عليها أصلاً في نفس
الأمر، ولكن يعتقد العبد أو يتوهم توقفه، أو خطر بباله أنها مُوصلةٌ إليه،
ولم يخطر بباله أمرٌ آخر.
ففي كلِّ هذه الأحوال، تُسمّى: وسيلةً، وقربةً، لا يجري فيها الخلاف
الأصولي، ((فالوسيلة)) لا تطلق على ((المقدمة)) حتى يقصد بها التقرُّب إلى
المقصود، ولا تُسمى: ((وسيلة))، بدون هذا القصد؛ إلاَّ على سبيل
المجاز، بمعنى أنها صَالِحَة للتَّوسُّل.
ومرادُ الأصوليين ((بالمقدمة)»: ما يَتوقّفُ عليها الشيء، سواءٌ قُصدَ بها
التوصل إليه أم لا، فبينهما عُمومٌ وخصوص من وجه.
(١) ((الصحاح)) للجوهري ٢: ١٣٦٨.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٧٩
ولو سَلّمنا أنَّ ((الوسيلة)) مُرادفةٌ لـ ((المقدمة))، فلا شكَّ أنها لا تَكون
قربةً حتى يُقصد بها التَّقرب إلى قربة.
فمرادنا بقولنا: ((وسيلة القربة قربة))، هذا المعنى، ومن هاهنا
يظهر أنَّ كون الشيء قربة، غير كونه واجباً ومندوباً، فإنَّ الحُكم
بالإيجاب أو الندب؛ إنما هو على الماهية الكُلّية، وكُلّ ماوجدَ في
الخارج مُشخصٌ لا يَتعلّق الطلب به بخصوصه، فلا يُحكم عليه
بخصوصه بأنه واجب، لكنه مُؤدِّ للواجب في ضِمنه، والحكم بكون
الشيء قربةً تارة يكون باعتبار حقيقته، وهو ماوضع لأن يُتَقرّبَ به،
فيكون كذلك، وتارة يكون باعتبار ماقُصِد به التقرب، فيطلق على
الفعل بعد تشخُصِه.
إذا عُرفَ ذلك؛ فهاهنا اعتبارات:
أحدها : مُطلق السفر.
والثاني : السَّفر إلى المدينة.
والثالث : السَّفْرُ إلى المدينة بقصدِ القُربة.
وكُلُّ واحدٍ من القسمين الأولين ليس مطلوباً، ولا قُربةً من حيث هو
هو، وإنما قد تطلب طلب الوسائل لغيره، والقسم الثالث مَطلوبٌ وقربةٌ،
وتتفاوت مَراتبه بحسب تفاوت القربة المقصودة به، فإنها قد تكون
الزيارة، وقد تكون قربةً أخرى كالصلاة في المسجد ونحوها، وقد تكون
مجموع ذلك، أو القدر المشترك بينها؛ وهو مُطلق القربة.
وكلٌّ من هذه الأربعة قربةٌ لما قررناه، ولأنَّ السفر إلى المدينة لم يكن
قُربةً لمطلق كونه سفراً، ولا سفراً إلى المدينة، وإنما كان لِعلةٍ وهي قصدُ
القربةِ، وحيث وجدت العِلّة وُجدَ المَعلُول، ولا فرق في الحُكم بالقُربة
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية