النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤٠
وَفَرّقَ بين الرجل والمرأة، بأنَّ الرجل معه من الضَّبط والقُوة بحيث لا
يبكي ولا يجزع، بخلاف المرأة.
واحتج المانعون بقوله صلّى الله عليه وسلم: ((لعن الله زَوَّارَاتٍ
القبور))، رواه الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وقال: ((حسن
صحیح))(١)، ورواه ابن ماجه من حديث حسان بن ثابت رضي الله عنه (٢).
واحتج المُجَوِّزُون بأحاديث، منها: قوله ◌َّهِ: ((كنت نهيتكم عن زيارة
والإمام الشاشي هو: محمد بن إسماعيل القفال الكبير الشاشي، قال عنه الإمام
=
ابن الصلاح: ((علم من أعلام المذهب))، توفي سنة ٣٦٥هـ. ترجمته في ((طبقات
الشافعية الكبرى)) للإمام السبكي ٣: ٢٠٠ (١٥٩).
(١) (كتاب الجنائز) ((باب ما جاء في كراهية زيارة القبور للنساء)) ٣: ٣٧١
حديث (١٠٥٦). ولكن قال عقبه الإمام الترمذي: ((وقد قال بعض أهل العلم إنّ هذا
كله كان قبل أن يُرخِّصَ النبي ◌َّ في زيارة القبور، فلما رَخّصَ، دخل في رخصته
الرجال والنساء)» انتهى منه.
(٢) ((السنن)) لابن ماجه (كتاب الجنائز) ((باب ما جاء في النهي عن زيارة النساء
القبور)) ١: ٥٠٢ حدیث (١٥٧٤).
قال الإمام القرطبي في ((المُفْهِم)) ٢: ٦٣٣: (( ... إنّ هذا اللعن إنما هو للمكثرات
من الزيارة لأنَّ: ((زوّارات)) للمبالغة، ويمكن أن يقال: إنّ النساء إنما يمنعن من إكثار
الزيارة، لما يؤدي إلى الإكثار من تضييع حقوق الزوج، والتبرج، والشهرة، والتّشبُّه
بمن يلازم القبور لتعظيمها، ولما يخاف عليها من الصراخ، وغير ذلك من المفاسد،
وعلى هذا يُفرّق بين الزائرات والزوّارات، والصحيح نسخ المنع عن الرجال والنساء
كما تقدم، والله أعلم»، انتھی منه.
وقد قدّم أول شرح الباب بقوله ص ٦٣٢: ((قوله: ((فزوروها))، نصٌّ في النسخ
للمنع المتقدّم»، انتھی.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٤١
القبور، فَزُورُوهَا)).
وأجاب المانعون : بأنّ هذا خطاب للذكور.
ومنها: قوله وغير للمرأة التي رآها عند قبر تبكي: ((اتقي الله واصبري))،
ولم ينهها عن الزيارة، وهو استدلال صحيح.
ومنها : قول عائشة رضي الله عنها: كيف أقول يا رسول الله؟.
قال: ((قُولي السلام على أهل الديار من المؤمنين)).
وسنذكره في خروج النبي ◌َّ للبقيع، وهو استدلالٌ صَحيح.
وقد خَرجنا عن المقصود فَترجعُ إلى غَرضِنا، وهو الاستدلال على أنَّ
زيارة قبر النبي وَّهِ قُربَةٌ.
ومما يدلّ على ذلك: القياس، وذلك على زيارة النبي ◌َّر البقيع،
وشهداء أُحُد، وسُنَبِيِّن أنَّ ذلك غير خاصٌّ به صلى الله عليه وسلم، بل
مُستحبٌ لغيره، وإذا استُحبَّ زيارة قبر غيره صلى الله عليه وسلم؛ فقبره
أولى لما له من الحق، ووجوب التعظيم.
فإن قلت: الفَرقُ أنَّ غيره يُزَار للاستغفار له؛ لاحتياجه إلى ذلك، كما
فعل النبي وقال في زيارته أهل البقيع، والنبي ◌َّ مُستغن عن ذلك؟.
قُلْتُ: زيارته وَ له إنما هي لتعظيمه، والتَّبرك به، ولتنالنا الرحمة
بصلاتنا وسَلامِنا عليه، كما أنّا مأمورون بالصلاة عليه والتسليم، وسؤال
الوسيلة، وغير ذلك مما يُعلَمُ أنه حاصلٌ له صلى الله عليه وسلم بغير
سؤالنا، ولكن النبي ◌َ﴿ أرشدنا إلى ذلك؛ لنكون بدعائنا له مُتُعرِّضين
للرحمة التي رتّبها الله تعالى على ذلك.
فإن قُلتَ: الفَرقُ أيضاً: أنَّ غيره لا يُخشى فيه محذور، وقبره صلى الله
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٤٢
عليه وسلم يُخشى الإفراط في تعظيمه؛ أن يُعبدَ.
قُلْتَ: هذا كلام تَقشعِرُ منه الجلود، ولولا خشية اغترار الجهال به؛
لما ذكرته، فإنَّ فيه تركاً لما دلّت عليه الأدلة الشرعيّة، بالآراء الفاسدة
الخيالية، وكيف يُقدَمُ على تخصيص قوله وَّ: ((زوروا القبور))، وعلى
ترك قوله ويلي: ((من زار قبري وجبت له شفاعتي)). وعلى مخالفة إجماع
السَّلْفِ والخَلف؛ بمثل هذا الخيال الذي لم يشهد به كتابٌ ولا سُّنة،
بخلاف النَّهي عن اتخاذه مسجداً، وكون الصحابة احترزوا عن ذلك
للمعنى المذكور، لأنَّ ذلك قد ورد النّهي فيه، وليس لنا نحن أن نُشَرِّعَ
أحكامنا من قِبَلْنَا، ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَؤُّ شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ الِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنَّ بِهِ
اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١].
فمن منع زيارة قبر النبي ◌َّ*؛ فقد شرع من الدِّين ما لم يَأذن به الله،
وقوله مَرَدُودٌ عليه، ولو فتحنا باب هذا الخيال الفاسد؛ لتركنا كثيراً من
السنن؛ بل ومن الواجبات.
والقرآن كلّه، والإجماع المعلوم من الدّين بالضرورة، وَسِير الصّحابة
والتابعين، وجميع علماء المسلمين والسلف الصالحين؛ على وُجوبٍ
تعظيم النبي وَّ والمبالغة في ذلك.
ومن تأمل القرآن العزيز، وما تضمنه من التصريح، والإيحاء إلى
وُجُوبِ المبالغة في تعظيمه وتوقيره، والأدب معه(١)، وما كانت الصحابة
(١) من ذلك قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَكَ .... ﴾، ﴿ .. لِتُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ
وَرَسُولِهِ، وَتُعَزِّرُؤُهُ وَتُوَقِّرُوهُ .. ﴾، الآية.
قال الإمام ابن كثير في «تفسيره» ٧: ٣٢٩: ﴿وَتُعَزِّرُرُهُ﴾ قال ابن عباس رضي الله
=
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٤٣
يعاملونه من ذلك؛ امتلأ قلبه إيماناً واحتقر هذا الخيال الفاسد، واستنكف
أن يُصغي إليه، والله تعالى هو الحافظ لدينه ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ اَلْمُهْتَدِىّ﴾،
و﴿ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِىَ لَّمِّ﴾.
وعلماء المسلمين مُكلَّفون بأن يُبيِّنوا للناس ما يَجبُ من الأدب
والتعظيم، والوقوف عند الحدِّ الذي لا يَجوز مُجَاوزته بالأدلة الشرعية،
وبذلك يحصل الأمن من عبادة غير الله تعالى، ومن أراد الله ضلالَهُ من
أفراد من الجهال؛ فلن يستطيع أحدٌ هدایته.
فمن ترك شيئاً من التعظيم المشروع لمنصب النبوة زاعماً بذلك الأدب
مع الربوبية؛ فقد كَذَبَ على الله تعالى، وَضيّع ما أُمِرَ به في حقِّ رُسُلِه.
كما أنَّ من أفرط وجاوز الحَدّ إلى جانب الربوبيّة؛ فقد كَذَبَ على
= عنهما، وغير واحد: يعظموه، و﴿وَتُوَفِّرُرُهُ﴾: من التوقير، وهو الاحترام والإجلال
والإعظام)). انتھی منه.
وروى الإمام الخطيب البغدادي في ((تاريخ بغداد)) ١١: ٢٥٢ بسنده إلى سيدنا
جابر رضي الله عنه قال: ((لما أنزل الله على النبي ◌َّى: (لتعزروه) قال: قال لنا: ((وما
ذاكم))؟، قلنا: الله ورسوله أعلم.
قال: «لتنصروه» إلخ، انتھی منه.
وقال السيد عبد الله الغماري رحمه الله تعالى في ((دلالات القرآن)) ص١٣٢ :
((ويفيد أيضاً: أنَّ نصر رسول الله وَّه وتعظيمه؛ واجبان كالإيمان به))، انتهى منه.
قال ابن حزم رحمه الله تعالى في ((الدرة فيما يجب اعتقاده)) ص٢٠٢: ((فصل:
وأنّ محمداً عليه السلام، رسول الله إلى اليوم، وإلى أبد الأبد، روحه عند الله تعالى،
حيٌّ، عالمٌ، مُعظّمٌ، وكذلك سائر النبيين، ومن قال غير هذا؛ فقد انسلخ عن إجماع
أهل الإسلام»، انتھی منه.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٤٤
رُسُلِ الله، وضيّعَ ما أُمِرُوا به في حَقِّ ربهم سبحانه وتعالى.
والعَدْلُ حفظ ما أمَرَ الله به في الجانبين، وليس في الزيارة المشروعة
من التعظيم ما يُفضي إلى محذور.
واعلم: أنَّ زيارة القبور على أقسام:
أحدها: أن تكون لمجرد تَذكُّر الموت والآخرة، وهذا يكفي فيه رُؤية
القبور من غير مَعرفةٍ بأصحابها، ولا قصد أمرٍ آخر من الاستغفار لهم،
ولا من التبرُّك بهم، ولا من أداء حقوقهم، وهو مُستحبٌّ لقوله ◌َّ:
((زوروا القبور؛ فإنها تُذكِّركُم الآخرة)).
وذلك لأنَّ الإنسان إذا شاهد القبر، تذكّر الموت وما بعده، وفي ذلك
عظةٌ واعتبار، وهذا المعنىُ ثابتٌ في جميع القبور، ودلالة القبور على
ذلك متساوية، كما أنَّ المساجد - غير المساجد الثلاثة - متساوية، لا
يَتَعيّنُ شيء منها بالتعيين بالنسبة إلى هذا الغرض.
القسم الثاني: زيَارتُها للدعاء لأهلها، كما ثبت من زيارة النبي ◌َّل
لأهل البقيع، وهذا مُستحبٌ في حقّ كلٌّ ميت من المسلمين.
الثالث: للتبرك بأهلها؛ إذا كانوا من أهل الصلاح والخير، وقد قال
أبو محمد الشارمساحي المالكي: ((إنّ قصد الانتفاع بالميت بدعة، إلاّ
في زيارة قبر المصطفى وَل*، وقبور المرسلين صلوات الله عليهم
أجمعین)).
وهذا الذي استثناهُ من قبور الأنبياء والمرسلين عليهم السلام صحيح،
وأما حُكمه في غيرهم بالبدعة؛ ففيه نظر، ولا ضرورة بنا هنا إلى تحقيق
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٤٥
الكلام فيه (١)، لأنَّ مقصودنا أنّ زيارة قبر النبي وَّه وغيره من الأنبياء
والمرسلين للتبرك بهم مشروعةٌ، وقد صُرِّح به.
القسم الرابع: لأداء حقّهم، فإنَّ من كان له حقٌّ على الشخص؛ فينبغي
له بِرُهُ في حياته وبعد موته، والزيارة من جُملةِ البرِّ، لما فيها من الإكرام.
ويشبهُ أن تكون زيارة النبي وَِّ قبر أُمّه من هذا القبيل، كما رُوِي عنه
صلى الله عليه وسلم أنه زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال:
(استأذنت ربي في أن أستغفر لها، فلم يُؤذن لي. واستأذنته في أن أزور
قبرها، فأذن لي. فزوروا القبور، فإنها تُذكركم الموت))، ((رواه مسلم))(٢).
ويدخل في هذا المعنى: الزيارة رَحمةٌ للميت، وَرِقّةً له وتأنيساً، فقد
رُويَ عن النبي ◌َِّ أنه قال: ((آنسُ ما يكون الميت في قبره؛ إذا زَاره من
کان یُحبُّهُ في دار الدنيا)»(٣).
(١) سيأتي ص ٢٨٦/٢٨٥ تعقيب للإمام السبكي على هذا القول من الإمام
الشارمساحي.
(٢) (كتاب الجنائز) (باب استئذان النبي وَ ل ربه عز وجل في زيارة قبر أمه)) ٢:
٦٧١ حديث (١٠٨).
(٣) ذكره الإمام أبو الفتوح الطائي المتوفّى سنة ٥٥٥هـ في كتابه ((الأربعين
الطائية)» ص١٢٩. وذكر الإمام المتقي الهندي في ((كنز العمال)) ١٥ : ٦٥٦ (٤٢٦٠١)
عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: ((ما من رجل يزور قبر حميمه فَيُسلّمَ عليه ويقعد
عنده، إلاَّ ردّ عليه السلام، وأنس به حتى يقوم من عنده))، وعزاه للإمامين أبي
الشيخ، والديلمي.
وهو في ((الفردوس)) للإمام الديلمي ٤: ١٩ (٦٠٥٥) من حديث السيدة عائشة
رضي الله عنها، وذكر في الحاشية إسناد هذا الحديث من ((زهر الفردوس)) إلى سيدنا
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٤٦
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله وَليقول: ((ما من
أحد يَمُرُّ بقبر أخيه المؤمن يَعرفُه في الدنيا فَيُسلِّمَ عليه؛ إلاّ عرفه، وردّ
عليه السلام)»(١)، ذكرهُ جماعة.
وقال القرطبي في ((التذكرة))(٢): ((إنّ عبد الحق صحَّحَهُ، ورُوِّيناه في
((الخِلَعَيّات)) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أيضاً)(٣).
والآثار في انتفاع الموتى بزيارة الأحياء، وما يَصِلَ إليهم منهم
وإدراکهم لذلك، لا تحصر.
و
= أبي هريرة رضي الله عنه. وعزاه ابن رجب الحنبلي في ((أهوال القبور)) ص١٨٧ إلى
ابن أبي الدنيا في كتاب «القبور)».
(١) رواه من حديث سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: الإمام ابن عبد
البر في ((الاستذكار)) ١: ١٨٥، وعزاه له أيضاً في ((التمهيد)) و((الاستذكار)) الإمام عبد
الحق الإشبيلي في ((الأحكام الشرعية الصغرى)) ١: ٣٤٥ وقال: ((إسناده صحيح)).
وذكره الإمام ابن رجب الحنبلي في ((أهوال القبور)) ص١٨٥ من طريق ابن عبد
البر. وكذا الإمام السيوطي في ((شرح الصدور)) ص٢٧٣، والإمام ابن طولون في
((التحرير المرسخ)) ص٢٥٧ حديث (٢٦٤).
(٢) ١ : ٣٨.
(٣) رواه من حديث سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه: الإمام تمام الرازي في
((فوائده)) ١ : ٦٣ حديث (١٣٩)، والإمام الخطيب البغدادي في ((تاريخ بغداد)) ٦:
١٣٧، والإمام ابن أبي الدنيا في كتاب ((القبور))، والإمام الصابوني في ((المئتين))، كذا
ذكره الإمام السيوطي في ((شرح الصدور)) ص٢٧٣، وعزاه إليهما.
وعزاه المتقي الهندي في ((كنز العمال)) ١٥: ٦٥٧ حديث (٤٢٦٠٢) إلى تمام،
والخطيب، وابن عساكر، وابن النجار، وقال: ((وسنده جید)).
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٤٧
وإذا عُرفَ هذا، فنقول: زيارة قبر النبي ◌َّ ثبت فيها هذه المعاني
الأربعة، أما الأول: فظاهر، وأمّا الثاني: فلأنّا مَأمورونَ بالدعاء له صلى
الله عليه وسلم، وإن كان هو غَنِيّاً بفضل الله تعالى عن دعائنا.
وأما الثالث، والرابع: فلأنَّهُ لا أحدَ من الخَلْقِ أعظم بركة منه، ولا
أوجب حقاً علينا منه. فالمعنى الذي في زيارة قبره، لا يُوجد في غيره،
ولا يقوم غيره مقامه، كما أنَّ المسجد الحرام لا يقوم غيره مقامه، ومن
هاهنا شُرعَ قصده بخصوصه ويتعين؛ بخلاف غيره من القبور.
هذا لو لم يرد في زيارته دليلٌ خاصٌ، فكيف وقد وَرَد في زيارته
بخصوصه ما سبق من الأحاديث، وغيره لم يَرِدِ فيه إلاّ الأدلة العامة.
فزيارة قبره و ◌ّل﴿ مُستَحبةٌ بعينها، لما ثبت فيها من الأدلة الخاصة،
ولما فيها من المعاني العامة التي لا تجتمع في غيره.
وأما زيارة قبر غيره؛ فهي مستحبةٌ بالإطلاق، وقد تقدّمت النصوص
الدّالة على استحباب زيارة القبور، وحكاية الإجماع على ذلك، وأنَّ من
الناس من قال بِوُجُوبها.
وفي كتاب ((النوادر))(١) لابن أبي زيد من (كتاب ابن حبيب): ((ولا
بأس بزيارة القبور، والجلوس إليها، والسلام عليها عند المرور بها، وقد
فعل ذلك النبي ◌َّ، وقد قَدِمَ ابن عمر رضي الله عنه من سفر وقد مات
أخوه عاصم، فذهب إلى قبره فدعا له واستغفر. وفي غير (كتاب ابن
حبیب): وَرثاهُ، فقال:
(١) ١ : ٦٥٤.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٤٨
جَرِينَ دماً من داخل الجَوف مُنُقعا
فإن تَكُ أحزانٌ وفائض دَمعةٍ
فَأعظم منها ما احتسبا وتجرّعا
تَجرَّعتُها من عاصم واحتسبتها
فَعِشنا جميعاً، أو ذَهبنَ بنا معا
فليتَ المنايا كُنَّ خَلَّفنَ عاصماً
تُريدك لم نَسطع لها عنك مدفعا
دَفعنا بك الأيام حتى إذا أتت
قال ابن حبيب: وفعلته عائشة رضي الله عنها لما مات أخوها عبد
الرحمن وهي غائبة، فلمّا قَدِمت؛ أتت قبره، فدعت له واستغفرت.
قال: وقد خرج النبي ◌َّ إلى البقيع يستغفر لهم، وكان ◌َّ إذا سلّم
على أهل القبور يقول: ((السلام عليكم يا أهل الديار من المؤمنين
والمسلمين، يرحم الله المُستقدمين مِنّ والمستأخرين، وإنّا إن شاء الله بكم
لاحقون، اللهم ارزقنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم»، والقول في ذلك واسع
بقدر ما یحضر منه.
ويدل على التّسليم على أهل القبور: ما جاء من السّنّة في التسليم على
النبي وَله، وأبي بكر، وعمر رضي الله عنهما مقبورين، وقد أتى النبي وَله
قبور شهداء أُحدٍ؛ فسلَّم عليهم ودعا لهم.
ومن ((المجموعة)) عن مالك: أنه سُئل عن زيارة القبور؟ فقال: قد كان
النبي ◌َّ نَهى عنها، ثم أذِن فيه، فلو فعله إنسان ولم يقل إلاَّ خيراً؛ لم أر
به بأساً، وليس من عمل الناس، وَرُوي عنه أنه كان يُضعِّفُ زيارتها.
قال ابن القُرْطِي: وإنما أذِنَ في ذلك ليعتبر بها؛ إلاَّ لقادمٍ من سفر وقد
مات وليُّه في غيبته، فليدعُ له ويترحّم عليه، ويأتي قبور الشهداء بأُحد
وَيُسلِّم عليهم؛ كما يُسَلِّم على قبره صلّى الله عليه وسلّم، وعلى
ضجیعیه)). انتهى كلام ابن أبي زيد في ((النوادر)).
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٤٩
وما وقع في كلام ابن حبيب من قوله: ((ولا بأس))، قد يُوهِمُ أنه
مُبَاحٌ، ولكن ذلك لا ينافي كونه سُنَّة، ولعلّ زيارة القبور عنده من قبيل
عيادة المرضى، ونحوها من القُربات التي لم تُوضع بأصلها عبادةٌ، على ما
سيأتي عند الكلام في (نذر الزيارة).
وإذا أريد هذا المعنى: فلا يَبَعُدُ الموافقة عليه، فإنّ زيارة الموتى
كزيارة الأحياء، وزيارة الأحياء لا نقول بأنها وُضِعت عبادةٌ، بل تُفعلُ على
قصد التَّقرّب تارة؛ فيُئاب عليها، وعلى غير قصد التقرب تارة؛ فلا يُئاب،
وتكون إما مباحة، أو غير مباحةٍ بحسب قصده.
وهكذا زيارة القبور، وجهَةُ القُربة فيها على أنواع، منها: الاعتبار،
وهو مُستحبٌ لكلّ أحد، ومنها: التّرحم والدّعاء، وهو متأكّد لمن مات
قريبه في غيبته، كما فعل ابن عمر رضي الله عنهما حين قَدِمَ بعد موت
أخيه عاصم، وكان ابن عمر رضي الله عنهما إذا قَدِمَ وقد مات بعض
ولده، قال: ((دلّوني على قبره))، فيدلونه عليه، فينطلق فيقوم عليه، ويدعو
له، رواه ابن أبي شيبة (١).
وكما فعلته عائشة رضي الله عنها حين مات أخوها عبد الرحمن،
وكان قد مات بالحُبشي، والحُبْشِي على اثني عشر ميلاً من مكة(٢)،
- هكذا في كتاب ابن أبي شيبة، عن ابن جريج - فَحُمِلَ حتى دُفنَ
بمكة، فقدمت عائشة رضي الله عنها من المدينة فأتت قبره، فوقفت
(١) («المصنَّف)) لابن أبي شيبة ٣: ٣١ (١١٨٠٩)/(١١٨١١).
(٢) ينظر ضبطه وموضعه في: ((معجم معالم الحجاز)) عاتق بن غيث البلادي ٢:
٢١١.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٥٠
عليه، فتَمثَّلت بهذين البيتين:
من الدهر حتى قِيلَ: لن يتصدّعا
وكنّا كنّدماني جُذيمة حِقبةٌ
لطول اجتماع لم نَّبت ليلةً معا
فلما تَفرّقنا كَأنيّ ومالكاً
أما والله لو شهدتُك؛ ما زُرتك، ولو شهدتُكَ؛ ما دَفتُكَ إلاَّ في
مكانك الذي مِتَّ فيه (١).
وَرَوى ابن سعد في ((الطبقات))(٢) بسنده إلى ابن أبي مليكة قال: رحتُ
من منزلي وأنا أريد منزل عائشة رضي الله عنها، فتلقتني على حمار،
فسألتُ بعض من كان معها، قال: زارت قبر أخيها عبد الرحمن.
وفي [شرح] ((السير الكبير)) (٢) لمحمد بن الحسن، تصنيف شمس
الأئمة السّرّخسي الحنفي: ((إنما جاءت من المدينة حاجّةً أو مُعتمرةً،
فزارت قبره)».
وقال في قولها: ((لو شَهِدتُكَ مازرتك)): ((إنما قالت ذلك لإظهار
التأسّفِ عليه حين مات في الغُربة، ولإظهار عُذرها في زيارته. فإنّ ظاهر
قوله وَلّى: (لعن الله زوَّارات القبور))، يَمنعُ النساء من زيارة القبور.
قال: والحديث وإن كان مُتْأوّلاً، فلحشمة ظاهرة؛ قالت ما قالت)).
انتھی.
ومقصودنا: أنّ زيارة ما عدا قبر النبي ◌ِّ مما يُثَاب الشخص على
(١) ((المُصنَّف)) لابن أبي شيبة ٣: ٣١ (١١٨١٠) ((الطبقات)) لابن سعد ٥: ٢٢.
(٢) ورواه بسنده الإمام ابن عبد البر في ((التمهيد)) ٣: ٢٣٣.
(٣) ٥: ٢٤.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٥١
فعله، وقد يتأكّدُ بحسب بعض الأحوال. فزيارة القريب آكد من غيره،
وَيُطلب لمعنىّ فيه مُختصِّ به وهو القَرابة، وزيارة غير القريب أيضاً
مُستحبّةٌ للاعتبار والتّرحّم والدّعاء، وذلك عامٌ في كلّ المسلمين.
وسيأتي من نصوص المالكية في زيارة قبر النبي ◌َّ، جملة أخرى في
((الباب السابع».
وإذا زار قبراً مُعيّناً؛ يكون مُؤدّياً للسُّنَة بما تَضمّنْهُ من زيارة جنس
القبور، ولا نقول: إنّ زيارة ذلك القبر المُعيّن بخصوصه سُنّة؛ حتى يَرد
فيه فَضلٌ خاص، أو يعرف صَلاحه، فإنَّ زيارة جميع الصالحين قُربةٌ، كما
يقولون: إنّ الصلاة في المسجد مطلوبة، ولا نقول: الصلاة في مسجد
بعينه مطلوبة؛ إلاّ في الثلاثة التي شهد الشرع بها، وَيَقومُ ماهو الأفضل
منها - كالمسجد الحرام - عن غيره.
وإذا ظهر لك تَنظيرُ زيارة القبور بإتيان المساجد، فمتى كان المقصود
بالزيارة تذكَّر الموت، لا يُشرَعُ فيها قصدُ قبر بعينه، وإن صَحَّ عن أحد من
العلماء أنه يَمنعُ من شَدِّ الرِّحالِ إلى زيارة القبور - كما نُقِلَ عن ابن عقيل،
وكما وقع في ((شرح مسلم))(١) -، فليُحملَ على هذا القسم.
وكذلك إذا كان المقصود التبرك بمن لا يُقطَع له بذلك، وإن كُنّا
نَستحِبُّ زيارة قبور الصالحين من حيث الجملة، ونرجوا البركة بزيارتها
(١) نقل الإمام النووي في ((شرح صحيح مسلم)) جـ ٩: ١٠٦ عن الإمام أبي
محمد الجويني أنه حرام، وقال عقبه: ((والصحيح عند أصحابنا، وهو الذي اختاره
إمام الحرمين والمحققون، أنه لا يحرم ولا يكره ... إلخ))، انتهى منه. وينظر
ص٢٩٧/٢٩٥ ففيها مزيد بيان وتوضيح.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٥٢
أكثر بمن نَستحِبُ زيارة مطلق القبور.
وأما من يُقْطَعُ ببركته كقبور الأنبياء عليهم السلام، ومن شهد الشرع له
بالجنة كأبي بكر، وعمر رضي الله عنهما؛ فُيُستَحُّ قصده.
ثم هُم في ذلك على مراتب؛ أعظمهم النبي ◌َّ، كما أنّ المساجد
المشهود لها بالفضل على مراتب؛ أعظمها المسجد الحرام، لا تشدُّ
الرِّحَالُ في هذا القسم إلى قبر أحدٍ غير الأنبياء عليهم السلام.
وإذا كان المقصود الدّعاء من غير حَقِّ خاصٍ لذلك الميت؛ فلا يَتعيّنُ
أيضاً.
نعم، لو نَذرهُ لميت بعينه ممن يجوز الدعاء له، وَجَب الوفاء بالدّعاء
لتعلّق حقّه به، ولا يَقُوم غيره مقامه، كما لو نذر الصدقة على فقيرٍ بعينه.
وفي وجوب الوفاء بالزيارة مع الدعاء كما نذرَهُ، نَظَرٌ، والأقربُ
وُجُوبُ الوفاء، لأنّ الدعاء عند القبر مقصود، كما في الدعاء لأهل البقيع.
وحينئذ يَجُوز شدّ الرَّحلِ لأداء هذا الواجب بعد لُزُومِه بالنّذر، ولا
يُستحبُّ شدُّ الرَّحلِ لهذا الغرض قبل النذر، فإنّ الدعاء لذلك الميت بعينه
عند قبره؛ لم يَطلبُهُ الشّارع، ولا تعلّقَ به حقُّ الميت.
وأمّا الزيارة لأداء الحقّ كزيارة قبر الوالدين، فَيظهرُ أنَّ قصد ذلك
بعينه مشروع، ويجوز، بل يُستحبُّ شدُّ الرِّحال إليه تأديةً لهذا الحَق،
وأعظم الحقوق حَقُّ النبي ◌ََّ على كلّ مُسلم، فُيُستحبّ شدّ الرِّحال إليه
لذلك.
هذا لو لم يَرد فيه دليل خَاصٌّ، فكيف وقد قَام الإجماع على فعله
خلفاً عن سلف.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٥٣
فإن قُلت: ما قولكم فيمن نذر زيارة قبر النبي وَّ، هل ينعقد نَذرهُ
ويلزمه ذلك، أم لا؟. فإنّ مُقتضى قولكم باستحبابها؛ أن يلزم بالنذر؟
قُلْتُ: نعم، نقول بانعقاد نذره، ولزوم الزيارة به، وبه صرّح القاضي
ابن كَج(١) من أصحابنا، ولم نر لغيره من الأصحاب خلافه، وقد قدّمنا في
((الباب الرابع)) عن العبدي المالكي لُزُومَه، على أنه لا يلزم أنَّ كلّ
مستحبٍ أو قُربةٍ يَلزمُ بالنذر، فإنّ القُربات نوعان: أحدهما: قُربة لم
تُوضَع لتكون عبادة، وإنما هي أعمال وأخلاق مستحسنة رَغّبَ الشارع
فيها لعموم فائدتها، وقد يبتغي بها وجه الله تعالى فينال الثواب، كـ: عيادة
المرضى، وزيارة القادمين، وإفشاء السلام، وما أشبه ذلك.
فهذا النوع في لزومه بالنذر وجهان، أصحهما: اللزوم، لقوله وَلاتر:
((من نذر أن يُطِيعَ الله، فليطعه))(٢). ومن هذا النوع: تَشييعُ الجنائز،
وتشميت العاطس.
والنوع الثاني: العبادات المقصودة، وهي التي وُضِعت للتقرُّبِ بها،
وَعُرف من الشرع الاهتمام بتكليف الخلق بإيقاعها عبادةً، كـ: الصلاة،
(١) هو: القاضي الإمام، أحد أركان المذهب الشافعي، يوسف بن أحمد بن
حَجْ، توفي سنة ٤٠٥هـ.
وقوله في هذه المسألة كما ذكره الإمام الفيروز أبادي في ((الصِّلات والبُشَر)»
ص١٤٧ نقلاً عن الإمام الرافعي: ((إذا نذر أن يزور قبر النبي صلى الله عليه وسلم،
فعندي أنه يلزمه الوفاء وجهاً واحداً، ولو نذر أن يزور قبر غيره، ففيه وجهان عندي،
وقد عُلِمَ أنه لا يلزمه بالنذر إلاَّ العبادات»، انتهى منه.
(٢) ((البخاري)) (كتاب الأيمان والنذور) ((باب النذر في الطاعة)) ٤: ٢٢٨ حديث
(٦٦٩٦).
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٥٤
والصوم، والصدقة، والحج، فهذا النّوع يلزم بالنذر بالإجماع، إلاّ فيما
يُستثنى، ومنهم من يُعبِّر عن النوع الأول بما لم يُوجِبهُ الشرع ابتداءً، وعن
الثاني بما أوجبه، وأدرجوا الاعتكاف في النوع الثاني، وإن كان لم يجب
ابتداءً، وقالوا: الاعتكاف لُبْثٌ في مكان مخصوص، ومن جنسه ما هو
واجبٌ شرعاً، وهو: الوقوف بعرفات، وجعلوا من النوع الأول: تجديد
الوضوء، فإنه ليس في الشرع وُضوءٌ واجب بغير حَدَثٍ، وليس الوضوء
مقصوداً لنفسه؛ بل للصلاة، والأصح لزوم تجديده بالنذر.
والمُستثنى مما أُجمعَ عليه صُورٌ، منها: ما إذا أفرد صفة الواجب
بالإلزام، كـ: تطويل القراءة، وإقامة الفرائض في جماعة، ففي لُزومهِ
بالنذر وجهان، أصحهما: اللزوم.
ومنها: ما فيه إبطال رُخصةٍ شَرعيةٍ، كـ: نذر صوم رمضان في السفر،
ففي لُزومهِ وجهان، أصحهما: المنع، وكذلك نذر المريض القيام بتكلف
المشقة في الصلاة، ونذر صومٍ بشرط أن لا يُفطر في المرض، فلا يَلزمُ
بالشرط على الأصح، وأجرى الرافعي الوجهين فيمن نذر القيام في
النوافل، أو استيعاب الرأس بالمسح، أو التثليث في الوضوء، أو أن
يسجد للتلاوة والشكر، ونحو ذلك، وجعل نَذْر فِعل السُّنّة الراتبة كالوتر
وسُّنّةِ الفجر على الوجهين؛ فيما إذا أُفردَت الصفة بالنذر، والذي يَتَّجهُ:
التسوية بين هذا، وبين استيعاب الرأس بالمسح، ونحوه.
وإذا نَذر التيمم لا ينعقد نَذرهُ على المذهب، لأنه إنما يُؤتى به عند
الضرورة، ولو نذر الصلاة في مَوضعٍ؛ لَزمه الصلاة قطعاً.
وهل يَتَعيّنُ ذلك الموضع؟
إن كان المسجد الحرامَ: تعيّن، وإن كان مسجد المدينة: تَعيّن على
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٥٥
الأصح، هو أو المسجد الحرام، وإن كان المسجد الأقصى تَعيّن على
الأصح، هو أو المسجدان، وإن كان ما سواها من المساجد والمواضع لم
يَتعيّن، ولو نذر إتيان المسجد الحرام لزمه؛ إلاَّ على وجه ضعيف، ولو
نذر إتيان مسجد المدينة، أو المسجد الأقصى، ففيه قولان للشافعي،
أَظهرهُما عند الشافعية: عَدمُ اللزوم.
قال الشافعي في ((الأم)) (١): ((لأنَّ البّر لإتيان بيت الله فرضٌ، والبّرُ
بإتیان هذین نافلة».
واستدلوا لهذا القول، بما رَوى أبو داود في ((سننه))(٢)، عن جابر بن
عبد الله رضي الله عنهما: أنَّ رجلاً قام يوم الفتح فقال: يا رسول الله، إني
نَذرتُ لله إن فتح الله عليك مكة، أن أُصلي في بيت المقدس ركعتين، قال
صلى الله عليه وسلم: ((صَلُّ هاهنا))، ثم أعاد، قال: ((صَلِّ هاهنا))، ثم أعاد
عليه فقال: ((صَلُّ هاهنا))، ثم أعاد عليه فقال: ((شأنك إذاً).
وعن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، عن رجال من أصحاب
النبي ◌َّ بهذا الخبر، زاد فقال النبي ◌َلي: ((والذي بعث محمداً بالحق، لو
صَلّيت هاهنا؛ لأجزا عنك صلاتَك في بيت المقدس))(٣).
واعلم: أنَّ الصلاة في مكة تُجزئُ عن الصلاة في بيت المقدس، كما
قدّمناهُ بلا خلاف. وإن قلنا بتعيينه، فقد يقال: إنَّ الحديث محمولٌ على
ذلك، وأنه لا دلالة له فيه على المُدّعى من عدم لزوم الإتيان.
(١) ص٤٣٤ (طبعة بيت الأفكار الدولية).
(٢) ((السنن)) لأبي داود ٤: ٩٨ حديث (٣٢٩٨).
(٣) المصدر السابق ٤: ٩٨ حديث (٣٢٩٩).
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٥٦
وَوَجْهُ الدِّلالةِ : أنَّ الصلاة في مكة تقومُ مقام الصلاة في بيت
المقدس، لأنهما جنس واحد، والصلاة بمكة أفضل، فالتضعيف الذي
التزمه في بيت المقدس، يحصلُ له في مكة وزيادة، وأما المشي فأمرٌ زائد
على الصلاة وهو عبادة أخرى، فلو لزم؛ لما قامت الصلاة بمكة مقامه،
فمن لزمه الصلاة ببيت المقدس من غير مشي، بأن كان وقت النذر ببيت
المقدس، فلا شك أنّ الصلاة بمكة تجزئه، ومن نذر المشي إلى بيت
المقدس والصلاة فيه؛ فهما عبادتان.
فإن قلنا بعدم لزوم إتيانه، لم يبق عليه إلاَّ الصلاة؛ فيجزئه الصلاة
بمكة، وإن قلنا: يجب إتيانه؛ فيظهر أنَّ الصلاة لا تقوم مقامه، وأنه لو
مَشىء إلى مكة مثل المسافة التي بينه وبين بيت المقدس أجزأه. وصيغة
الحديث كما رُوِّيْنَاهُ؛ لم يُصَرَّح فيه إتيان بيت المقدس، فيحتملُ أن يقال:
إنما التزم الصلاة، فلذلك قامت الصلاة في مكة مقامها، ويحتملُ أن يُقَال:
إنَّ الناذر لما لم يكن في بيت المقدس، فهو بنذره للصلاة فيه ملتزمٌ إتيانه
بناءَ على أنَّ: «ما لا يتم الواجب إلاَّ به؛ فهو واجب)). وحينئذ يكون الإتيان
ملتزماً كما لو صَرّح به، فلما أفتاهُ النبي وَ ر بالصلاة في مكة؛ دَلَّ على
عدم لزوم الإتيان بالنذر، كما استدل به الشافعي والأصحاب.
وقد أطلنا في هذا الفصل أكثر مما يحتملهُ هذا المكان، وظهر لك منه
أنَّ القربات منها: ما يلزمُ بالنذر بلا خلاف، ومنها: ما يلزم على الصحيح،
ومنها : مالا يَلزمُ على الصحيح، وظهر لك مأخذ كُلِّ قسم منها.
والصحيح عندنا: أنه لا يُشترط في المَنذُور أن يكون جنسه واجباً،
وهو مذهب مالك رحمه الله تعالى، والوجه الثاني لأصحابنا: اشتراطه،
وَيُنقَلُ عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٥٧
إذا عرفت هذا: فزيارة قبر النبي وَل﴿ قُربةٌ؛ لحثُّ الشرع عليها وترغيبه
فيها، وقد قدّمنا أنَّ فيها جهتين : جهة عموم، وجهة خصوص.
فأما من جهة الخصوص، وكون الأدلة الخاصة وردت فيها بعينها؛
فيظهرِ القَطعُ بلزومها بالنذر، إلحاقاً لها بالعبادات المقصودة التي لا يؤتى
بها إلاَّ على وجه العبادة، كـ: الصلاة، والصدقة، والصوم، والاعتكاف،
ولهذا المعنی۔۔ والله أعلم - قال القاضي ابن گچ رحمه الله تعالی: «إذا نذر
أن يَزُورَ قبر النبيِ وَلَّ، فعندي أنه يَلزمهُ الوفاء وجهاً واحداً. ولو نذر أن
يزور قبر غيره، ففیه وجهان».
قُلْتُ: وما قاله من القطع بلزوم الوفاء بها هو الحق، لما قدّمناهُ من
الأدلة الخاصة عليها. وتَردُده في قبر غيره؛ يَحتملُ أن يكون محله عند
الإطلاق، أو سواء لو عُيّن أم لا، تشبيهاً لذلك بزيارة القادمين، وإفشاء
السلام، ونحو ذلك مما لم يوضع قُربةً مقصودةٌ، وإن كان قُربة.
وعلى هذا يكون الأصح: لزومه بالنذر، كما في تلك المسائل.
ويَحتملُ أن يكون مَحلّه عند التعيين، فإنَّ زيارة قبر مُعيّن من غير
الأنبياء عليهم السلام، لا قُربة فيها بخصوصها، كما سبق عند الكلام في
أغراض الزيارة.
وأما إذا نظرنا إلى زيارة قبر النبي ◌َّر من جهة العموم خاصة،
واجتماع المعاني التي تقصد بالزيارة فيه، فيظهر أن يقال أيضاً: إنه يَلزمُ
بالنذر قولاً واحداً.
وَيَحتمِلُ - على بُعْدٍ - أن يقال: إنه كما لو نذر زيارة القادمين، وإفشاء
السلام، فَيُجزئ في لزومها بالنذر ذلك الخلاف، مع كونها قُربة في نفسها
قبل النذر وبعده.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٥٨
وقد بَانَ لك بهذا: أنها تَلزمُ بالنذر، وأنه على تقدير أن يقال: لا يلزم
بالنذر، لا يُخْرِجُها ذلك عن كونها قُربة، ومن يشترطُ في المنذور أن
يكون مما وَجب جنسه بالشرع، ويقول: إنَّ الاعتكاف كذلك، لوجوب
الوقوف، فقد نقول: إِنّ زيارة النبي وَّهُ وَجب جنسها، وهي الهجرة إليه
في حياته.
فقد ظهر بهذا: أنَّ كُلّ ما يلزم بالنذر قُربة، وليس كُلّ قُربةٍ تَلزمُ،
وزيارة قبر النبي ونَ﴿ من القُربِ التي تَلزمُ بالنذر.
ولو ثَبت عن أَحدٍ من العلماء أنه يقول: لا تلزم بالنذر، لم يكن في
ذلك ما يقتضي أنه يقول: إنها ليست بِقُربَةٍ.
وقد وقفت على كلام بعض المُتُعصِّين للباطل، قال فيه: إنَّ القاضي
إسماعيل قال في ((المبسوط)): إنه رُويَ عن مَالك أنه سُئل عمَّن نذر أن
يأتي قبر النبي وَّه؟، فقال: إن كان أراد مسجد رسول الله وَّر، فليأته
وليُصلِّ فيه، وإن كان إنما أراد القبر، فلا يفعل، للحديث الذي جاء: ((لا
تُعمَل المَطِي إلاَّ إلى ثلاثة مساجد)).
وهذه الرواية إن صَحّت عن مَالكِ رحمه الله تعالى، يَجبُ تأويلها
على وجهٍ لا يمنع كون الزيارة قُربة، جمعاً بينها وبين ما ثبت عنه، وعن
جميع العلماء، وعن جميع المسلمين، وهذه الرواية تَحتَمِلُ وُجُوهاً :
أحدها : أن تكون من القُرب التي لا تَلزمُ بالنذر، كما أنَّ إتيان مسجد
قباء لمن كان في المدينة، أو قريباً منها؛ قُربةٌ عند جميع العلماء، ولا يلزم
بالنذر عند جمهور العلماء، إلاَّ ما رُوي عن محمد بن مسلمة المالكي(١)
(١) هو: أحد فقهاء المدينة من أصحاب الإمام مالك، وكان أفقههم، وهو ثقة
=
والمكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٥٩
أنه قال بلزومه بالنذر.
الثاني: الجواب المذكور، ولكن بالنسبة إلى البعيد خاصة، كما دَلَّ
عليه بقية الكلام من الاستدلال بالحديث الذي جاء: ((لا تُعْمَلُ المَطِي إلاَّ
إلى ثلاثة مساجد)) فيكون المراد : أنه إذا نذر السفر إليه لا يلزم، ولا يمنع
ذلك كون السفر إليه قُربة بغير النذر، كمسجد قباء في حَقِّ القريب عند
غير محمد بن مسلمة، ولا يمنع أيضاً من لزوم الزيارة في حَقِّ القريب كما
قاله محمد بن مسلمة في مسجد قباء، وهذا الوجه هو أقربُ التأويلات
على قواعد مالك رحمه الله تعالی.
قال في ((التهذيب لمسائل المُدوَّنة)): ((من قال: لله عَليَّ أن آتي
المدينة، أو بيت المقدس، أو المشي إلى المدينة، أو بيت المقدس، فلا
يأتيهما حتى ينوي الصلاة في مسجديهما، أو يُسمِّيهما فيقول: إلى مسجد
الرسول - *، أو مسجد إيلياء، وإن لم يَنْوِ الصلاة فيهما؛ فليأتهما راكباً،
ولا هدي عليه، وكأنه لما سَمّاهُما قال: لله عَليَّ أن أُصلِّي فيهما، ولو نذر
الصلاة في غيرهما من مساجد الأمصار، صَلَّى بموضعه ولم يأته.
ومن نذر أن يُرابط، أو يصوم بموضع يَتَقَرّبُ بإتيانه إلى الله تعالى، كـ:
عسقلان، والإسكندرية؛ لزمه ذلك، وإن كان من أهل مكة والمدينة، ولا
يلزم المشي إلاَّ من قَالَ: عَليَّ المشي إلى مكة، أو بيت الله، أو المسجد
الحرام، أو الكعبة، أو الحجر، أو الركن)). انتهى كلام ((التهذيب)) (١).
= مأمون حُجّة. توفي سنة ٢٠٦ هـ. ((الديباج المذهب)) ص٢٢٧.
(١) ((التهذيب في اختصار المدونة)) ٢: ٨٦/٨٥ للإمام أبي سعيد خلف بن محمد
الأزدي القيرواني، من علماء القرن الرابع. وأصل المسألة في «المدونة» ٣: ١٥٩.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية