النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢٠
وهو قائمٌ يُصلي في قبره))(١). كأنَّهُ قصد بذلك رَدَّ ما رُويَ عن ابن المسيب
رحمه الله تعالى، وهو رَدٌّ صحيح، وما ورد عن ابن المسيب رحمه الله
تعالی، ورد فيه حدیث نذكره في «باب حياة الأنبياء)).
وقد رُويَ عن عثمان بن عفان رضي الله عنه: ((أنه لمّا حُصِرَ، أشار
بعض الصحابة عليه بأن يلحق بالشام، فقال: لن أفارق دار هجرتي،
ومُجاورة رسول الله وَّ فيها)).
وهو مُخالفٌ لما قال ابن المسيب رحمه الله تعالى، وهو الصحيح،
وکذلك ما ذكرناه عن ابن عمر رضي الله عنهما.
ثم لو صحَّ قول ابن المسيب رحمه الله تعالى؛ لم يمنع من استحباب
زيارة القبر، لشرفه بحلوله فيه، ونسبته إليه، كما قال الشاعر:
أُقْبِلُ ذا الجِدارَ وذا الجِدارًا
أمرُّ على الدِّیار دِیار ليلى
ولكن حُبُّ من سَكن الدِّيارَا
وما حبُّ الديار شَغفنَ قلبي
وابن المسيب رحمه الله تعالى لم يُنكر التسليم، وإنما ذكر عنده هذه
الفائدة.
وقال القاضي عياض في ((الشفا))(٢): ((قال بعضهم: رأيت أنس بن
مالك رضي الله عنه أَتى قبر النبي ◌َّ فوقف، فرفع يديه حتى ظننتُ أنه
افتتح الصلاة، فَسلّم على النبي ◌ِّ ثم انصرف)).
(١) المصدر السابق ٣: ٥٧٧ (٦٧٢٧).
(٢) ٢: ٨٥. ورواه بسنده إلى أبي أمامة رضي الله عنه قال: رأيت أنس ... إلخ
الإمام البيهقي في ((شعب الإيمان)) ٣: ٤٩١ (٤١٦٤).
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٢١
وفي ((مسند الإمام أبي حنيفة)) رحمه الله تعالى، تَصنيف أبي القاسم
طلحة بن محمد بن جعفر الشاهد العدل قال: ((حدثنا محمد بن مخلد،
حَدَّثني محمد بن يعقوب بن إسحاق بن حكيم، حَدَّثني أحمد بن الخليل،
حَدَّثني الحسن، حدثنا ابن المبارك، حدثنا وهب، عن أبي حنيفة رحمه
الله تعالی قال:
جاء أيوب السّختياني فَدَنا من قبر النبي ◌َّ، فاستدبر القبلة، وأقبل
بوجهه إلى القبر، وبكىُ بُكاءً غيرَ مُتُباكٍ))(١).
وقال إبراهيم الحربي في ((مناسكه))(٢): ((تُولي ظهرك القبلة وتستقبل
وسطه ـ يعني القبر - وتقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته)).
وقال ابن بَطال في ((شرح البخاري)) (٣): في قوله ◌َّ: ((ما بين بيتي
(١) ((جامع المسانيد)) للإمام الخوارزمي ١: ٤٤٦. وذكر الإمام السمهودي في
((وفاء الوفا)) ٤: ١٣٥٨ أنَّ أبا حنيفة رحمه الله تعالى قد روى عن سيدنا عبد الله بن
عمر رضي الله عنهما قوله: من السُّنّة أن تأتي قبر النبي ◌َّه من قِبَل القبلة، وتجعل
ظهرك إلى القبلة، وتستقبل القبر بوجهك ثم تقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله
وبر كاته.
وعزاه الإمام السمهودي إلى ((مسند)) طلحة بن محمد، وذكر سنده. وقال:
((قلت: وقد تقرر أنَّ قول الصحابي: ((من السُّنَّة كذا)»، محمول على سنته ◌َّ، فله
حُكْمُ المرفوع))، انتهى منه.
(٢) لم أجد النصّ في مطبوعة ((المناسك))، طبعة حمد الجاسر. وقد أشار رحمه
الله ص٢٧١ إلى أنّ بالنسخة نقصاً، ولعل ما أورده المؤلف هنا من ذاك السقط. والله
أعلم. وقد نقله وعزاه إليه أيضاً الإمام الآجُرِّي في ((كتاب الشريعة)) ٣: ٤٦٦.
(٣) لم أجده في مطبوعة الشرح المذكور.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٢٢
ومنبري روضة من رياض الجنة)) - بعد أن حكى القولين المشهورين - قال:
((واستدلّ الثاني بقوله: ((ارتعوا في رياض الجنة)) يعني: حِلَقَ الذِّكر والعلم،
قال: ويكون معناه التّحريضُ على زيارة قبر النبي وَلّر، والصلاة في
مسجده))، انتھی.
ولو استوعبنا الآثار وأقاويل العلماء في ذلك؛ لخرجنا إلى حَدِّ الطُولِ
والمَلَلِ.
فإن قُلتَ: قد كَرِهَ مالك رحمه الله أن يُقال: زُرْنَا قبر النبي ◌ِّ.
قُلتُ: قال القاضي عياض: (١) قد اختُلِفَ في معنى ذلك، فقيل:
كراهية الاسم، لما ورد من قوله وَ له: ((لعن الله زوّارات القبور)) وهذا يَردّه
قوله: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها»، وقوله: ((من زار قبري»،
فقد أطلق اسم الزيارة، وقيل: لأنّ ذلك لما قيلَ: إنّ الزائر أفضل من
المَزور، وهذا أيضاً ليس بشيء، إذ ليس كلّ زائرٍ بهذه الصّفة، وليس
عموماً، وقد ورد في حديث أهل الجنة زيارتهم لربّهم، ولم يُمنع هذا
اللفظ في حقه .....
والأولىُ عندي : أنّ مَنعه وكراهة مَالكٍ رحمه الله تعالى له؛ لإضافته
إلى قبر النبي وَله، وأنه لو قال: زُرنا النبي وَله؛ لم يكرهه، لقوله وَله:
((اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور
أنبيائهم مساجد)»، فَحَمَى إضافة هذا اللفظ إلى القبر، والتّشبّه بفعل
أولئك؛ قطعاً للذريعة، وحسماً للباب، والله أعلم)).
(١) ((الشفا)) ٢: ٨٤.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٢٣
هذا كلام القاضي؛ وما اختاره يُشكل عليه قوله: ((من زار قبري))، فقد
أضاف الزيارة إلى القبر، إلاّ أن يكون هذا الحديث لم يبلغ مالكاً رحمه الله
تعالى، فحينئذٍ يَحسُن ما قاله القاضي في الاعتذار عنه؛ لا في إثبات هذا
الحكم في نفس الأمر، ولعلّه يقول: إنّ ذلك من قول النبي ◌َّ و لا محذور
فيه، والمحذور إنما هو في قول غيره.
وقد قال عبد الحق الصقلي، عن أبي عمران المالكي إنه قال: ((إنما
كَرِهِ مَالكُ أن يُقال: زُرنا قبر النبي ◌ََّ، لأنّ الزيارة من شاء فعلها، ومن
شاء تركها، وزيارة قبر النبي ◌َ ◌ّر واجبة(١).
قال عبد الحق: يعني من السنن الواجبة، ينبغي أن لا تُذكر الزيارة فيه
(١) نقل نحوه القاضي عياض في ((الشفا)) ٢: ٨٤، ونصّه: ((وقال أبو عمران
رحمه الله: إنما كره مالك أن يقال: طواف الزيارة، وزرنا قبر النبي ◌َّو؛ لاستعمال
الناس ذلك بينهم بعضهم لبعض، وكره تسوية النبي ولا مع الناس بهذا اللفظ، وأحبّ
أن يخص بأن يقال: سَلَّمِنَا على النبيِ نَّه. وأيضاً، فإنَّ الزيارة مباحة بين الناس،
وواجب شدُّ المَطِي إلى قبره وَل ه ـ يريد بالوجوب هنا: وجوب ندب وترغيب وتأكيد،
لا وجوب فرض ۔ہ، انتھی منه.
ونقل الإمام الشُّمُّني في حاشيته على ((الشفا)) المسماة: «مزيل الخفا عن ألفاظ
الشفا)) (حاشية) ((الشفا)) ٢: ٨٤ عن ابن عبد البر ما نصّه: ((قال أبو عمر ابن عبد البر:
إنما كره مالك أن يقال: طواف الزيارة، وزيارة النبي ◌َّار؛ لاستعمال الناس ذلك
بعضهم لبعض، فكره تسوية النبي ◌َّ ه بهذا اللفظ مع الناس، وأحب أن يُخَصَّ بأن
يقال: سَلَّمنا على النبي ◌ِّ.
وقال أيضاً: الزيارة مباحة بين الناس، وواجب شدُّ المَطِي إلى قبره وَّر؛ يريد
وجوب التبرع لا وجوب الفرائض)، انتهى منه.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٢٤
كما تذكر في زيارة الأحياء الذين من شاء زارهم ومن شاء ترك، والنبي وَل
أشرفُ وأعلى من أن يُسمّى أنه يُزار)).
وهذا الجواب بينه وبين جواب القاضي بَونٌ في شيئين؛ أحدهما: أنه
يقتضي تأكد نسبة معنى الزيارة إلى القبر وإن تُجِّبَ لفظها، وجَوابُ
القاضي يقتضي عدم نسبتها إلى القبر. والثاني : أنه يقتضي التسوية في
كراهية اللفظ بين قوله: زُرت القبر، وقوله: زُرت النبي ◌َّه وجواب
القاضي يقتضي الفرق بينهما.
وقد قال أبو الوليد محمّد بن رُشْد في ((البيان والتحصيل))(١): ((قال
مَالكٌ: أَكرهُ أن يقال: الزّيارة؛ لزيارة البيت الحرام، وأكرهُ ما يقول الناس:
زُرتُ النبي عليه السلام، وَأُعْظِمُ ذلك أن يكون النبي ◌َالآ يُزار.
قال محمّد بن رُشْد: ما كَرِهِ مالكٌ هذا - والله أعلم - إلّ من وجه أنّ
كلمةً أعلى من كلمة، فلمّا كانت الزيارة تُستعمل في الموتى، وقد وقع
فيها من الكراهة ما وقع، كَرِهَ أن يُذكر مثل هذه العبارة في النبي وَّ، كما
كره أن يُقال: أيام التشريق، واستحب أن يُقال: الأيام المعدودات، كما
قال الله تعالى، وكما كرهَ أن يقال: العَّمة، ويُقال: العشاء الآخرة، ونحو
هذا. وكذلك طواف الزيارة، كأنه استحبّ أن يُسمّى بـ ((الإفاضة)»، كما
قال الله تعالى في كتابه: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ﴾، فاستحبّ أن
يُشتَقّ له الاسم من هذا.
وقيل: إنه كره لفظ الزيارة في الطواف بالبيت، والمُضِي إلى قبر
النبيِ وَ﴿ه، لأنّ المَضِيَّ إلى قبره عليه السلام؛ ليس لِيَصلَهُ بذلك، ولا
(١) ١٨ :١١٨ / ١١٩.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٢٥
لينفعه به، وكذلك الطواف بالبيت، وإنما يَفعلُ تأديةً لما يلزمه من فعله،
ورغبته في الثواب على ذلك من عند الله عزّ وجل، وبالله التوفيق)).
انتھی کلام ابن رُشْد.
وقد وقع فيه كراهية مَالكِ رحمه الله قول الناس: زُرت النبي ◌َِّ،
وهو يردّ ما قاله القاضي عياض.
فأما كراهية إسناد الزيارة إلى القبر؛ فيحتمل أن تكون العلّة فيه ما قاله
القاضي عياض، ويحتمل أن تكون العلة ما قاله أبو عمران، وابن رُشد،
وأما إضافة الزيارة إلى النبي وثلوــ إن ثبت عن مالك رحمه الله تعالى -،
فَیتعیَّنُ أن تكون العلة فیه؛ ما قاله أبو عمران، وابن رشد.
والمُختار في تأويل كلام مالك رحمه الله تعالى، ما قاله ابن رُشدٍ دون
ما قاله القاضي عياض، لأنّ ابن المَوّاز حکی في كتابه في (كتاب الحج)
في ((باب ما جاء في الوداع)) قال أشهب: «قيل لمالك فيمن قَدِمَ مُعتمِراً، ثم
أراد أن يخرج إلى رباط، أعليه أن يودّع؟.
قال: هو من ذلك في سَعةٍ، ثم قال: إنه لا يعجبني أن يَقُول
أحدٌ: الوداع، وليس هو من الصواب، وإنما هو: الطواف، قال الله
تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُواْ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ قال: وأكرهُ أن يقال: الزيارة.
وأكره ما يقول الناس: زُرت النبي ◌َِّ، وَأُعْظِمُ ذلك أن يكون النبي
﴿ل* يُزار.
وقال مَالكٌ رحمه الله تعالى في وداع البيت: ما يُعرَفُ في كتاب الله
ولا سُنّة نبيّه عليه السلام الوداع، إنما هو: الطّوافُ بالبيت.
قُلت لمالك: أَفترى هذا الطواف الذي يُودَّع به، أهو الالتزام؟.
قال: بل الطواف، وإنما قال فيه عمر رضي الله عنه: آخر النُّسكِ؛
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٢٦
الطواف بالبيت.
قيل لمالك: فالذي يَلتزمُ، أترى له أن يَتعلّق بأستار الكعبة عند
الوداع؟.
قال: لا، ولکن یقِفُ ويدعو.
قیل له: وکذلك عند قبر النبي ◌َّآر؟. قال: نعم)».
انتهى ما أردتُ نقله من ((الموازية))، وهي من أجلّ كُتبِ المالكية
القديمة المعتمد عليها.
وسياقة حكاية أشهب، عن مَالكِ رحمه الله تعالى، تُرشِدُ إلى المراد،
وأنّ مالكاً رحمه الله تعالى إنما كره اللفظ، كما كره في طواف الوداع،
أفترىُ يَتَوهَّمُ مُسلمٌ أو عاقل أنَّ مالكاً رحمه الله تعالى كره طواف الوداع؟.
وانظر في آخر كلام مالك رحمه الله تعالى، كيف اقتضى أنه
يقف ويدعو عند قبر النبي وستر، كما يقف ويدعو عند الكعبة في
طواف الوداع، فأيُّ دليل أبينُ من هذا في أنَّ إتيان قبر النبي ◌ِّ،
والوقوف والدعاء عنده(١)؛ من الأمور المعلومة التي لم تزل قبل
مالك وبعده، ولو عَرف مَالِكٌ رحمه الله تعالى أنّ أحداً يُتوهّمُ عليه
ذلك من هذا اللفظ ؛ لما نطق به.
ولا لَومَ على مالكٍ رحمه الله تعالى، فإنَّ لفظه لا إيهام فيه، وإنما
(١) نقل الإمام ابن رشد في ((البيان والتحصيل)) ١٨: ٦٠١ في (صفة السلام على
القبر) عن الإمام مالك رحمه الله تعالى أنه سئل: كيف يُسلَّمُ على القبر؟
«قال: تأتیه مِن قِبل القبلة، حتى إذا دنوت منه؛ سَلّمت وصلّيت عليه، ودعوت
لنفسك، ثم انصرفت ... إلخ))، انتھی منه.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٢٧
يَتَلَّسُ على جاهلٍ، أو مُتْجاهل.
والمختار عندنا: أنه لا يُكره إطلاق هذا اللفظ أيضاً، لقوله وَلخير: ((من
زار قبري»، وقد تقدّم الاعتذار عن مالك رحمه الله تعالى فيه، ولا يَرِد
عليه قوله: ((زُورُوا القبور))، لأنَّ زيارة قبور غير الأنبياء عليهم السلام
لينفعهم ويصلهم بها؛ وبالدعاء والاستغفار، ولهذا قال أبو محمد عبد الله
بن عبد الرحمن بن عمر المالكي المعروف بالشارمساحي في كتاب
(تلخيص محصول المدونة)) من الأحكام، المُلَقّب بـ ((نظم الدرر(١)) في
(كتاب الجامع) في ((الباب الحادي عشر في السَّفَر)): ((إنّ قصد الانتفاع
بالميت بدعة؛ إلاّ في زيارة قبر المصطفى وَلير، وقبور المرسلين صلوات
الله عليهم أجمعين)).
وهذا الذي ذكره في الانتفاع بقبور المرسلین صحیحٌ، وكذلك سائر
الأنبياء عليهم السلام. وأما ما ذكره في غير الأنبياء؛ فَسنتكلّمُ عليه إن شاء
الله تعالى في زيارة قُبُور غير الأنبياء(٢).
وأما زيارة أهل الجنة لله تعالى، فإن صحّ الحديث فيها؛ فلا تَرِدُ
(١) قال عنه في ((شجرة النور الزكية)) ص ١٨٧ في ترجمته (٦٢٢): «ألّف كتاب
(نظم الدرر)) في اختصار ((المدونة)) اختصرها على وجه غريب وأسلوب عجيب من
النظم والترتیب، وشرحه بشرحین ... ))، إلخ.
وقال عن الإمام الشار مساحي: كان إماماً في مذهب مالك، عالماً بحراً لا تدركه
الدَّلاَء، ... ألقى عليه بعض العلماء مسألة بيوع الآجال، فقال: أذكر فيها ثمانين ألف
وجه، فاستغرب فقهاء بغداد ذلك، فشرع بسردها عليهم، إلى أن انتهى إلى مئتي
وجه، ما استطاعوا واعترفوا بفضله)»، انتهى منه.
(٢) ص ٢٨٥ - ٢٨٦.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٢٨
على شيءٍ من المعاني التي قالها عبد الحق، وابن رُشد، لأنها ليست
واجبة، فإنّ الآخرة ليست دار تكليف، وقد انقطع الإلحاق بزيارة
الموتى في توهُمِ الكراهة.
فقد بَانَ لك بهذا؛ وجهُ كلام مالك رحمه الله تعالى، وأنه على جواب
القاضي عياض: إنما كَرِه زيارة القبر، لا زيارة النبي ◌َّ.
وعلى جواب غيره: إنما كره اللفظ فيهما دون المعنى، ولذلك أكثرُ
ما حكيناه من كلام أصحابه، أتوا فيه بمعنى الزيارة دون لفظها، فمن نقل
عن مالك رحمه الله تعالى أنّ الحضور عند قبر النبي وَلو لزيارة المصطفى
وَّ والسلام عليه والدعاء عنده ليس بِقربةٍ؛ فقد كَذبَ عليه(١)، ومن فَهِمَ
عنه ذلك؛ فقد أخطأ في فهمه وضلٌ، وحاشا مالكاً وسائر علماء الإسلام،
بل وعوامهم ممن وقَر الإیمان في قلبه.
فإن قُلتَ: فقد رَوى عبد الرزاق في ((مُصَنَّفهِ)) (٢) بسنده إلى الحسن بن
(١) ومما كُذبَ عليه أيضاً: قول ابن تيمية فيما ذكره في كتاب ((الزيارة)) ص١٣ :
ما نصّه: ((ولم يكن أحد منهم يقف على قبره ليدعو لنفسه، ولهذا كره مالك وغيره
ذلك، وقالوا: إنه من البدع المُحْدَثة)). وقد تقدم حاشية ص٢٢٦ النقل عن ابن رشد
قول الإمام مالك رحمه الله تعالى، بأنه صرح أنه بعد السلام والصلاة عليه، يدعو
لنفسه ... إلخ. وأين يوجد هذا النص عن الإمام مالك رحمه الله تعالى المفترى عليه
به؟؟؟
(٢) ((المُصَنّف)) ٣: ٥٧٧ (٦٧٢٦)، ورواه: ابن أبي شيبة في ((المُصنَّف)) ٢:
١٥٢ (٧٥٤٢)، والحافظ ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)» ٣: ٢٦٦١. وهو عند
=
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٢٩
الحسن بن علي رضي الله عنهما: أنه رأى قوماً عند القبر فنهاهم، وقال:
إنّ النبي ◌َّ قال: ((لا تتّخذوا قبري عيداً، ولا تتخذوا بيوتكم قبوراً،
وصلّوا عَليَّ حیث ما كنتم، فإنّ صلاتكم تبلغني».
قُلت : قد رَوى القاضي إسماعيل في كتاب ((فضل الصلاة على
النبي ◌َّليو))(١) بسنده إلى علي بن الحسين بن علي - وهو زين العابدين -: أنّ
رجلاً كان يأتي كُلّ غداةٍ فيزور قبر النبي ◌ِّهِ ويصلّي عليه، ويصنع من
ذلك ما شَهَرهُ عليه علي بن الحسين.
فقال له علي بن الحسين: ما يَحمِلك على هذا؟.
قال: أحِبُّ الَّسليمَ على النبي ◌َّ.
= القاضي إسماعيل بسنده إلى سهيل بلفظ: ((قال: جئت أُسَلِّمُ على النبي ◌َّر وحسن
ابن حسن يتعشّى في بيت عند بيت النبي ◌َ ﴿ فدعاني، فجئته، فقال: أدن فَتَعشّ،
قال: قلت: لا أريد. قال: ما لي رأيتك وقفت؟، قال: وقفت أسلم على النبي ◌َّ.
قال: إذا دخلت المسجد، فسلّم عليه، ثم قال: إنّ رسول الله وَ لَّه قال :... وذكر نحو
حديث عبد الرزاق بزيادة بعض ألفاظ فيه.
قال الإمام الذهبي في (سير أعلام النبلاء)» ٤: ٤٨٤ بعد ذكره لهذه القصة
والحديث: ((هذا مرسل؛ وما استدل حسنٌ في فتواه بطائل من الدِّلالة، فمن وقف عند
الحجرة المقدسة ذليلاً مُسَلِّماً، مُصَلِّياً على نبيه، فياطوبى له، فقد أحسن الزيارة،
وأجمل في التذلل والحُب، بعبادة زائدة على من صلى عليه في أرضه أو في صلاته،
إذ الزائر له أجر الزيارة وأجر الصلاة عليه، والمُصلّ عليه في سائر البلاد له أجر
الصلاة فقط. إلى أن قال: فزيارة قبره من أفضل القُرَبِ ... إلخ))، انتهى منه.
(١) ص٣٤ (٢٠). ورواه أيضاً: الإمام البزار في ((البحر الزخار)) ٢: ١٤٧.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٣٠
فقال له علي بن الحسين: هل لك أن أُحَدَثك حديثاً عن أبي؟.
قال: نعم.
فقال له علي بن الحسين رضي الله عنهما: أخبرني أبي، عن جَدِّي أنه
قال: قال رسول الله وَ له: ((لا تجعلوا قبري عيداً، ولا تجعلوا بيوتكم
قبوراً، وصلّوا عَليَّ وسلّموا حيث ما كنتم، فسيبلغني سَلامُكم
وصَلاتُكم)).
وهذا الأثر يُبيّن لنا: أنَّ ذلك الرجل زاد في الحدِّ، وخرج عن الأمرِ
المسنون، فيكون كلام علي بن الحسين مُوافِقاً لما تقدّم عن مالك، ولیس
إنكاراً لأصل الزيارة. أو يكون أراد تعليمه أنّ السّلام يبلُغُ من الغيبة؛ لما
رآهُ يتكلّف الإكثار من الحضور.
وعلى ذلك يُحْمَلُ ما ورد عن حسن بن حسن رضي الله عنهما، وغيره
من ذلك، ولم يذكر هذا الأثر ليحتجّ به، بل للتأنيس بأمر محتملٍ في ذلك
الأثر المطلق، وإبداء وَجهٍ من وُجوهِ التأويل.
وكيف يُتَخيّلُ في أحدٍ من السلف منعهم من زيارة المصطفى وَلّه؛
وهم مُجمِعُونَ على زيارة سائر الموتى؟.
وسنذكر ذلك، وما ورد من الأحاديث والآثار في زيارتهم،
فالنبي ◌َّ، وسائر الأنبياء عليهم السلام الذين ورد فيهم أنهم أحياء، كيف
يقال فيهم هذه المقالة؟ !.
وأما قوله بَله: ((لا تجعلوا قبري عيداً))، فَرواهُ: أبو داود
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٣١
السجستاني(١)، وفي سنده: عبد الله بن نافع الصائغ، رَوى له الأربعة،
ومسلم.
قال البخاري: ((يُعرَفُ حفظه وَیُنكر)).
وقال أحمد بن حنبل: «لم یکن صاحب حدیث، كان ضعيفاً فيه، ولم
یکن في الحدیث بذاك)».
وقال أبو حاتم الرازي: ((ليس بالحافظ، هو لَيْنٌ تَعرفُ حفظه وَتُنكر،
وثقه يحيى بن معين)).
وقال أبو زرعة: «لا بأس به)).
وقال ابن عَدي: ((رَوى عن مَالك غرائب، وهو في رواياته مُستقيم
الحدیث)).
فإن لم يثبت هذا الحديث؛ فلا كلام، وإن ثبت - وهو الأقرب -،
فقال الشيخ زكي الدِّين المُنذري: ((يَحمِلُ أن يكون المراد به: الحَثَّ على
كثرة زيارة قبره وَلخر، وأن لا يُهملَ حتى لا يُزار إلّ في بعض الأوقات،
کالعيد الذي لا يأتي في العام إلّ مرتين.
قال: وَيُؤيِّد هذا التأويل: ما جاء في الحديث نفسه: ((لا تجعلوا بيوتكم
قبوراً)) أي: لا تتركوا الصلاة في بيوتكم، حتى تجعلوها كالقبور التي لا
يُصلّى فيها.))
قُلْتُ: وَيَحتملُ أن يكون المراد: ((لا تتخذوا)) له وقتاً مَخصوصاً لا
(١) ((السنن)) ٢: ٥٤٠ (٢٠٣٥).
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٣٢
تكون الزيارة إلاّ فيه، كما ترى كثيراً من المشاهد لزيارتها يوم معين
کالعید، وزيارة قبره پے ليس فيها يوم بعينه؛ بل أي يوم كان.
وَيحتمِلُ أيضاً أن يُراد : أن يُجعلَ كالعيد في العُكوفِ عليه، وإظهار
الزينة والاجتماع، وغير ذلك مما يُعمَلُ في الأعياد، بل لا يُؤتى إلّ للزيارة
والسلام والدعاء، ثم يُنصَرف عنه.
والله أعلم بمراد نبيه صلّى الله عليه وسلّم(١).
*
(١) نقل الإمام القسطلاني في ((مسالك الحنفا)) ص١٩٨ عن الإمام أبي عبد الله
التوربشتي قوله على حديث: ((لا تجعلوا قبري عيداً) ما نصه: ((يحتمل أن يراد به: ولا
تجعلوا قبري مظهر عيد، والمعنى: لا تجتمعوا للزيارة اجتماعكم للعيد، فإنه يوم لَهْوٍ
وسرور وزينة، وحالة الزيارة مخالفة لتلك الحالة ... إلخ))، انتهى منه.
وقال ابن الإمام في ((سلاح المؤمن)» ص٤٥: ((قوله ◌َلي: «ولا تجعلوا قبري
عيداً، وصلّوا عليّ فإنّ صلاتكم ... ))، وقيل: يحتمل أن يكون المراد الحث على
کثرة زيارته، ولا یجعل قبره کالعید الذي لا يأتي في العام إلاّ مرتین ... »، انتھی منه.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٣٣
الباب الخامس
في تقرير كَونِ الزيارة قُربةً
وذلك بالكتاب، والسُّنة، والإجماع، والقياس.
أما الكتاب : فقوله تعالى:
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ◌َظَلَمُوْ أَنفُسَهُمْ جَاءُوَكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ وَأَسْتَغْفَرَ لَهُمُ
الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوَابًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤].
دَلّت الآية على الحَثُّ على المجيء إلى الرسولِ وَلِّ والاستغفار
عنده، واستغفاره لهم، وذلك وإن كان ورد في حال الحياة؛ فهي رُتبةٌ له
صلى الله عليه وسلم لا تنقطع بموته تعظيماً له.
فإن قلت: المجيءُ إليه في حال الحياة ليستغفر لهم، وبعد الموت
لیس کذلك.
قلت: دلّت الآية على تعليق وِجْدَانِهم الله تعالى تواباً رحيماً بثلاثة
أمور: المجيءَ، واستغفارهم، واستغفار الرسول صلى الله عليه وسلم(١).
و
(١) هذه الآية دالةٌ على فضيلة خُصّ بها النبي ◌َّ ر دون غيره من الأنبياء عليهم
الصلاة والسلام، وفضائله لا يجوز القول فيها بالنسخ، ولا الاستثناء، ولا التبديل.
قال الإمام ابن عبد البر في ((التمهيد)) ١: ١٦٨ عند ذكره معارضة حديث:
((جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)) لحديث: ((إنَّ شرار الناس الذين يتخذون القبور
مساجد))، وحديث: ((صلوا في بيوتكم ولا تجعلوها قبوراً)) ما نصّه: ((لا يجوز على
=
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٣٤
فأما استغفار الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم: فإنه حاصل لجميع
المؤمنين، لأنّ رسول الله و لل استغفر للمؤمنين والمؤمنات، لقوله تعالى:
﴿وَأَسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ [محمد: ١٩].
ولهذا قال عاصم بن سليمان - وهو تابعي - لعبد الله بن سَرْجِس
الصّحابيّ رضي الله عنه: استغفرَ لك رسول الله وَليه؟ .
فقال: نعم، ولك. ثم تلا هذه الآية، رواهُ ((مسلم(١)).
فقد ثَبت أحدُ الأمور الثلاثة، وهو استغفار رسول الله وَّ لكلّ مُؤمنٍ
ومُؤمنة، فإذا وُجِدَ مجيئهم واستغفارهم؛ تكمّلت الأمور الثلاثة الموجبة
لتوبة الله ورحمته، وليس في الآية ما يُعيّن أن يكون استغفار الرسول والهل
بعد استغفارهم، بل هي مُجْملةٌ، والمعنى يقتضي بالنسبة إلى استغفار
= فضائله ** النسخ، ولا الخصوص، ولا الاستثناء، وذلك جائز في غير فضائله ... )».
وقال أيضاً ٥: ٢١٨ عقب ذكره لحديث: ((جعلت لي الأرض كلها مسجداً
وطهوراً)) ما نصّه: ((وقوله هذا ◌َِّ مخبراً أنَّ ذلك من فضائله، ومما خصَّ به. وفضائله
عند أهل العلم لا يجوز عليها النسخ، ولا التبديل، ولا النقص ... )).
وقال ص٢١٩: ((وجائز على فضائله الزيادة، وغير جائز فيها النقصان ... )).
وقال ص ٢٢٠: ((ففضائله وَ ل﴿ لم تزل تزداد إلى أن قبضه الله، فمن هاهنا قلنا: إنه
لا يجوز عليها النسخ، ولا الاستثناء، ولا النقصان، وجائزٌ فيها الزيادة ... ))، انتهى
منه.
فهل يقال: إنَّ المجيء إليه وَّ لا يُراد في الآية إلاَّ حال الحياة الدنيوية، دون
حياة البرزخ؟! إنها دعوى بلا دليل، ومخالفة لفهوم جماهير علماء الملة الإسلامية،
إلاَّ عند شواذ لا يُؤْبَهُ بهم لقصر فهمهم.
(١) (كتاب الفضائل) ((باب إثبات خاتم النبوة)) ٤: ١٨٢٣ حديث (١١٢).
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٣٥
الرسول وَ* أنه سواء تقدّم، أم تأخّر، فإنّ المقصود إدخالهم لمجيئهم
واستغفارهم تحت من يَشْملُهُ استغفار النبيِ وَّه، وإنما يحتاجُ إلى المعنى
المذكور إذا جعلنا: ﴿وَأُسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾. معطوفاً على:
﴿فَأَسْتَغْفَرُواْ اللّهَ﴾. أمّا إن جعلناه معطوفاً على ﴿جَآءُوكَ﴾، لم يحتج
إليه؛ هذا كله إن سلّمنا أنّ النبي ◌ََّ لا يَستغفِرُ بعد الموت، ونحن لا
نُسلِّمُ ذلك، لما سنذكر من حياته وَ لَّ، واستغفاره لأُمّتْهِ بعد موته(١).
وإذا أمكن استغفاره - وقد عُلِمَ كمال رحمته وشفقته على أمته؛ فَيُعلَمُ
أنه لا يترك ذلك لمن جاءه مُستغفراً ربه تعالى -، فقد ثَبت على كلِّ
تقدير: أنَّ الأمور الثلاثة المذكورة في الآية حاصلةٌ لمن يَجيء إليه صلّى
الله عليه وسلّم مُستغفراً في حياته، وبعد مماته.
والآية وإن وَرَدت في أقوام مُعَيّنين في حالة الحياة؛ فتعُمُّ بعموم العِلّة
كُلَّ من وُجِدَ فيه ذلك الوصف في الحياة وبعد الموت، ولذلك فَهِمَ
العلماء من الآية العموم في الحالتين، واستحبّوا لمن أتى إلى قبره صلّى الله
عليه وسلّم؛ أن يتلو هذه الآية، ويستغفر الله تعالى.
وحكاية العُتبي في ذلك مشهورة، وقد حكاها المصنِّقون في
((المناسك)) من جميع المذاهب، والمؤرخون، وكلهم استحسنوها،
(١) روى الحكيم الترمذي في ((نوادر الأصول)) ٢: ٦١٢ عن سيدنا أنس رضي
الله عنه قال: قال رسول الله وَّ ر: ((ألا إني لكم بمكان صدق حياتي وإذا مِتُّ).
فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله! إذا مِتَّ؟.
قال ◌َله: ((لا أزال أنادي في قبري: رَبِّ أمتي أُمتي، حتى ينفخ في الصور النفخة
الأولى، ثم لا تزال لي دعوة مجابة حتى ينفخ في الصور النفخة الثانية»، انتهى منه.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٣٦
ورأوها من آداب الزائر، وما ينبغي له أن يفعله، وقد ذكرناها في آخر
((الباب الثالث))(١).
وأما السُّنَّة: فما ذكرناه في ((الباب الأول)) و((الثاني)) من الأحاديث،
وهي أَدِلّةٌ على زيارة قبره ◌َّهِ بخصوصه، وفي السُّنّة الصحيحة المتفقِ
عليها الأمر بزيارة القبور، وقال صلّى الله عليه وسلّم: ((كنت نَهيتُكم عن
زيارة القبور، فزوروها))، وقال صلّى الله عليه وسلّم: «زوروا القبور، فإنها
تُذكِّرْكُم الآخرة».
وقال الحافظ أبو موسى الأصبهاني(٢) في كتابه «آداب زيارة القبور)):
((ورد الأمر بزيارة القبور من حديث: بريدةً، وأنسٍ، وعليٍّ، وابن عباس،
وابن مسعود، وأبي هريرة، وعائشة، وأُبَيّ بن كعب، وأبي ذر رضي الله
عنهم))، انتهى كلام أبي موسى الأصبهاني.
فقبر النبي وي لي سيد القبور، وداخل في عموم القبور المأمور بزيارتها.
أما الإجماع: فقد حكاهُ القاضي عياض على ما سبق في ((الباب
الرابع)».
واعلم: أنّ العلماء مُجمِعونَ على أنّه يُستحبّ للرجال زيارة القبور،
بل قال بعض الظاهرية بوجوبها للحديث المذكور.
(١) تَقدَّم تخريجها ص١٩٩.
(٢) هو: الإمام العلامة، الحافظ الكبير، شيخ المحدثين، أبو موسى محمد بن
أبي بكر عمر بن أبي عيسى أحمد المديني الأصبهاني، ولد سنة ٥٠١هـ. قال ابن
الدبيئي عنه: عاش أبو موسى حتى صار أوحد زمانه، وشيخ زمانه إسناداً وحفظاً.
توفي سنة ٥٨١هـ. ترجمته في ((سير أعلام النبلاء)) ٢١: ١٥٢ (٧٨).
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٣٧
وممّن حكى إجماع المسلمين على الاستحباب: أبو زكريا النووي،
وقد رأيت في ((مُصَنَّفٍ)) ابن أبي شيبة(١)، عن الشَّعبي قال: ((لولا أنّ رسول
الله ◌َّ نَهى عن زيارة القبور؛ لزرت قبر بنتي)).
وهذا - إن صَحّ - يُحمَلُ على أنَّ الشَّعبي لم يَبلغهُ النّاسخ، مع أنَّ
الشعبي لم يُصرِّح بقول له، ومثل هذا لا يقدح.
وكذلك رأيت فيه عن إبراهيم قال: «كانوا يكرهون زيارة القبور))(٢).
وهذا لم يثبت عندنا، ولم يُبِّن إبراهيم الكراهة عمّن، ولا كيف هي،
فقد تكون محمولةً على نوع من الزيارة مكروهة، ولم أجد شيئاً يمكن أن
يَتعلقَ به الخصم غير هذين الأثرين، ومثلهما لا يُعارِضُ الأحاديث
الصريحة الصحيحة، والسَّن المستفيضة المعلومة من سير الصحابة
والتابعین، ومن بعدهم.
بل لو صحّ عن الشَّعَبي، والنَّخَعي، التَّصريح بالكراهة؛ لكان ذلك
من الأقوال الشاذة التي لا يجوز اتّباعها والتعويل عليها(٣)، فإنّا نَقطعُ
(١) ٣٢:٣ (١١٨٢٣). وفي سند هذا الأثر: مُجالد، وهو ليس بالقوي، وقد
تغيّر. وفي (الصارم المنكي)) ص ٣٣٠ قال ابن عبد الهادي: ((وفيه مقال لبعض أهل
العلم))، والبعض هذا الذين لم يستطع ذكرهم، قد بَيَّنْهُمْ مُخَرّج طبعة دار الريان،
وهم: الإمام البخاري، ويحيى بن سعيد القطان، وابن مهدي، وأحمد بن حنبل،
والنسائي، وابن عدي، والدارقطني، وغيرهم، فانظر رحمك الله إلى التدليس بالقول:
بعض أهل العلم، وهل هؤلاء إلاَّ كبار أهل العلم، وأهل هذا الشأن. سبحانك
اللهم؟ !!.
(٢) ((المُصنّف)) لابن أبي شيبة ٣: ٣٢ (١١٨٢١).
(٣) وممن قال أيضاً بشذوذ هذا القول من الإمام الشعبي، الحافظ الذهبي تلميذ
=
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٣٨
ونَتحقَّقُ من الشريعة بجواز زيارة القبور للرّجال، وقبر النبي ◌َّر داخل في
هذا العموم، ولكن مقصودنا إثبات الاستحباب له بِخُصوصه، للأدلة
الخاصة، بخلاف غيره ممن لا يُستحَبُّ زيارة قبره لخصوصه، بل لعموم
زيارة القبور. وبينَ المعنيين فرقٌ كما لا يخفى، فزيارته صلّى الله عليه
وسلّم مطلوبةٌ بالعموم والخصوص.
بل أقول: إنه لو ثبت خِلاَفٌ في زيارة قبر غير النبي ◌ِّ؛ لم يلزم من
ذلك إثبات خِلافٍ في زيارته، لأنّ زيارة القبر تعظيم، وتعظيم النبي ◌َّ
واجب، وأما غيره فلیس کذلك.
ولهذا المعنى أقول - والله أعلم -: إنه لا فرق في زيارته صلّى الله عليه
وسلّم بين الرجال والنساء لذلك، ولعدم المحذور في خروج النساء إليه،
وأمّا سائر القبور؛ فَمحلّ الإجماع على استحباب زيارتها للرجال.
وأما النساء؛ ففي زيارتِهِنَّ للقبور أربعةُ أَوجهٍ في مَذْهَبِنَا (١):
أشهرها: أنها مكروهةٌ، جزم به: الشيخ أبو حامد، والمحاملي، وابن
الصَّباغ، والجُرجاني، ونصر المقدسي، وابن أبي عَصرون، وغيرهم.
= ابن تيمية، حيث قال في ((سير أعلام النبلاء)) ٩: ٣٦٨: (( ... أما من سار إلى زيارة
قبر فاضل من غير شدّ رحلٍ، فقربةٌ بالإجماع بلا تردد، سوى ما شذّ به الشعبي
ونحوه، فكأنه بلغهم النهي عن زيارة القبور، وما علموا بأنه نُسِخَ ذلك، والله أعلم»،
انتھی منه. وتقدّم بیان عِلَّ الإسناد.
(١) يعني به: مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه. وقد تكلّم الإمام ابن عبد
البر في «التمهيد)» ٣: ٢٣٠ / ٢٣٥ على هذه المسألة، وعرض اختلاف العلماء في
ذلك، ودليل كلٌّ منهم، ينظر لمزيد الفائدة.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٣٩
وقال الرافعي: إنّ الأكثرين لم يذكروا سواه.
وقال النووي: قطع به الجمهور، وَصرّح بأنها كراهة تنزيه(١).
والثاني: أنها لا تجوز، قاله صاحب ((المُهَذَّب))، وصاحب ((البيان))(٢).
والثالث: لا تُستَحبُّ ولا تُكْرَه، بل تُباح. قاله الرُّوَيَاني(٣).
والرابع: إن كانت لتجديد الحزن، والبكاء بالتعديد والنَّوح على ما
جرت به عادتهن؛ فهو حرام، وعليه يُحمل الخبر.
وإن كانت للاعتبار بغير تعديد ولا نياحة؛ كُرِهَ، إلاّ أن تكون عجوزاً
لا تُشتهى، فلا تُكْره، كحضور الجماعة في المساجد، قاله الشّاشي(٤).
(١) ((المجموع شرح المهذب)) ٦: ٤٣٨. وفي ((النجم الوهاج)) للإمام الدّميري
٣: ١١٣ عَقّب قوله بعد شرح قول صاحب ((المنهاج)): ((وتكره للنساء)) بقوله: ((نعم؛
يستثنى من ذلك قبر سيد المرسلين وَل*، فزيارته من أعظم القربات للرجال والنساء،
واستثنى بعض المتأخرين قبور الأنبياء والأولياء والصالحين والشهداء رضي الله
عنهم))، انتھی منه.
(٢) قال الإمام النووي في ((المجموع شرح المهذب)) ٦: ٤٣٨ عقب ذكر قول
صاحبي ((المهذب))، و((البيان)» بعدم جواز زيارة النساء للقبور: ((وهو ظاهر هذا
الحدیث، ولکنه شاذٌ في المذهب»، انتھی منه.
(٣) ((بحر المذهب)) للإمام الروياني. وقال الإمام الدّميري في ((النجم
الوهاج)) ٣: ١١٣: ((جزم به في ((الإحياء))، وصححه الروياني إذا أمن الافتتان))،
انتھی منه.
وكذا قال الإمام النووي في ((المجموع شرح المهذب)) ٦: ٤٣٨.
(٤) ذكره أيضاً الإمام الدّميري في ((النجم الوهاج)) ٣: ١١٤. ونقل الإمام النووي
.....
في ((المجموع)) ٦: ٤٣٩ ذلك ونسبه إلى صاحب «المستظهري)).
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية