النص المفهرس

صفحات 41-60

٤٠
ترجمة شيخ الإسلام
تقي الدين السُبكي (١)
اسمه ونسبه :
هو الشيخ الإمام البارعُ المحقِّقُ المتفنِّن، الحافظُ المفسِّرُ الفقيه
(١) هذه الترجمة مما عمله الأخ إياد الغوج أثابه الله تعالى في تحقيقه لكتاب
الإمام السبكي ((السيف المسلول على من سبّ الرسول صلى الله عليه وسلم)) نقلتها
بتصرف وقد بيَّن جزاه الله خيراً مصادر الترجمة فقال:
انظر ترجمته في: ((طبقات الشافعية الكبرى)) لولده تاج الدين (١٠: ١٣٩ -٣٣٩)، و
((معجم شيوخ التاج السبكي)) تخريج ابن سعد الحنبلي (و ٢٣٢ - نسخة دار الكتب
المصرية)، و ((طبقات الشافعية)) للإسنوي (٢: ٧٥)، ولابن قاضي شُهْبة (٣: ٣٧)، و
(تاريخه)) (و١٣٧ نسخة باريس)، و((المعجم الكبير)) للذهبي (٢: ٣٤)، و ((المختص)) له
ص ١١٦، و((تذكرة الحفاظ)) له (٤: ١٥٠٧)، ((وذيلها)) للحسيني ص ٣٩، وللسيوطي
ص ٣٥٢، و ((طبقات المفسِّرِين)) للداوودي (١: ٤١٦)، و ((غاية النهاية في طبقات
القُرّاء» لابن الجزري (١: ٥٥١)، و((الفتح المبين في طبقات الأصوليين)) للمراغي (٢:
١٦٨)، و((بغية الوُعاة)) للسيوطي (٢: ١٧٦)، و ((حسن المحاضرة)) له (١:
٢٧٦-٢٨٢)، و ((قضاة الشام)) لابن طولون ص ١٠١، و((الوافي بالوفيات)) للصفدي
(٢١: ٢٥٣)، و((أعيان العصر)) له (٣: ٤١٧)، و((ألحان السواجع)) له (و١٢٦ - ١٣١
نسخة باريس)، و ((ذيل العِبَر)) للحسيني ص ٣٠٤، و((تذكرة النبيه)) لابن حبيب (٣:
١٨٨)، و ((الوفيات)) لابن رافع (٢: ١٨٥)، و((البداية والنهاية)) لابن كثير (وفيات
٧٥٦هـ)، و ((تعريف ذوي العُلا)) للتقي الفاسي ص ١٠١، و ((الدرر الكامنة)) لابن حجر
(٦٣:٣)، و ((وجيز الكلام)) للسخاوي (١: ٨٢)، و ((تاج المَفْرق)) للبَلوي (١: ٢٣٧)، و
((النجوم الزاهرة)) لابن تغري بَرْدي (٣١٨:١٠)، و ((مفتاح السعادة)» لطاشكُبْري زاده (٢:
٣٦٣)، و ((فهرس الفهارس)) للكتاني (٢: ١٠٣٣).
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٤١
المقرئ، المتكلِّمُ الأصوليُّ النحويُّ النظَّار المجتهد، قاضي القضاة، شيخ
الإسلام، أوحدُ عصره، تقيُّ الدِّين أبو الحسن عليُّ بن عبد الكافي(١) بن
علي بن تمّام بن يوسف بن موسى بن تمّام الأنصاري الخزرجي السُّبكي(٢)
الشافعي الأشعري.
نشأته وسِیرتُه :
ولد رحمه الله بقرية سُبك العَبيد في أول يومٍ من صَفَر سنة ٦٨٣، فقرأ
القرآن العظيم، وتفقّه على والده، واعتنى به غاية العناية ليفرُغَ للطلب.
ثم دخلَ القاهرةَ مع والده، فعرض بعض محفوظاته كـ ((التنبيه)) وغيره
على الإمام ابن بنتِ الأعَزّ، ودخل به والده إلى شيخ الإسلام ابن دقيق
العيد فعرض عليه ((التنبيه)) أيضاً، فرأى الإمامُ ابن دقيق العيد أن يعود به
والدُّه إلى البلد حتى يصيرَ فاضلاً فيعود به إلى القاهرة. فما عاد إليها إلاَّ
(١) والد المصنف القاضي زین الدین أبو محمد عبد الكافي (٦٥٩-٧٣٥هـ)، کان
فقيهاً صالحاً ديّناً كثير الذِّكر، قرأ الأصولَ على الإمام القرافي، والفروع على الإمامين
سَدِيدُ الدِّين وظهير الدِّين التِّزْمَتِين، وكان من نُواب شيخ الإسلام ابن دقيق العيد في
القضاء. سمع الحديث من غير واحد وحدَّث بالقاهرة والحرمين، وله نظمٌ. تولى قضاء
الشرقية وأعمالها، ثم الغربية وأعمالها، من الديار المصرية، وأقام بها حتى وفاته. انظر
ترجمته في ((معجم شيوخ التاج السبكي)) و ((الطبقات الكبرى)) له (١٠: ٨٩).
(٢) نسبة إلى سُبْك العبيد، قريةٌ من أعمال المنوفية، وعُرفت بسُبك الحد (أي:
الأحد)، وُلِدَ بسُبْك العُويضات. قال: علي باشا مبارك في ((الخطط التوفيقية)) (١٢ :
٧): ((وقد اطلعَ اللهُ سعدَ هذه البلدة بين البلدان وانتشر ذكرُها في جميع الأزمان بأن
أوجدَ منها الإمام تقيَّ الدين السبكي وابنه عبد الوهاب)).
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٤٢
بعد وفاة ابن دقيق العيد.
ثم لما دخل القاهرةَ تفقّه على شيخ الشافعية في وقته الإمام نجم الدِّين
ابن الرِّفعة، وقرأ الأصلين، وسائر المعقولات على الإمام النظّار علاء
الدِّين الباجي، وقرأ علم الكلام كذلك على العلامة شمس الدِّين محمد
بن يوسف الجَزَري، والمنطِقَ والخلافَ على سيف الدين البغدادي،
والتفسيرَ على الشيخ علم الدِّين العراقي، والقراءات على التقي ابن
الصائغ، والفرائض على الشيخ عبد الله الغُماري المالكي.
وأخذ الحديث عن الإمام الحافظ شرف الدِّين الدِّمياطي، ولازمه
كثيراً حتى وفاته، ثم لازم بعده - وهو كبيرٌ - الحافظَ سعد الدِّين الحارثي
الحنبلي. وأخذ النحوَ عن الإمام الشهير أبي حيّان الأندلسي، وصحبَ في
التصوف الإمام ابن عطاء الله السكندري، المرشد الشاذلي الكبير.
وطلب الحديث بنفسه، فسمع بالقاهرة، ورحل إلى الإسكندرية،
والشام سنة ٧٠٦هـ، ثم عاد للقاهرة سنة ٧٠٧ هـ، والحجاز حيث حجَّ
سنةَ ٧١٦ هـ، فسمع من: يحيى الصوّاف، وابن المَوارِيني، وابن مُشَرَّف،
وأبا عيسى ابن القيِّم المصري، وعيسى المطعِّم، وسليمان بن حمزة
القاضي، وخَلْقٍ، وأجاز له من بغداد الرشيدُ ابن أبي القاسم، وإسماعيل
ابن الطبّال، وغيرهما.
وكتب بخطُّه، وقرأ الكثيرَ بنفسه، وحصَّل الأجزاء، وسمعَ الكتبَ
والمسانيد، وخرَّج وانتقى على كثيرٍ من شيوخه، وحدَّثَ بالقاهرة
والشام، وسمع منه الحفّاظ، وخرَّج له الحافظ ابنُ أَيْبَك الحُساميّ
معجماً حَوى الجمَّ الغفيرَ والعددَ الكثيرَ من شيوخه، لكن هذا المعجم
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٤٣
- على سَعَتِهِ - لم يستوعب شيوخه كما قال الحافظ الحسيني (1) وانتهت
إليه رياسة المذهب بمصر ..
وفي هذه المدّة ردًّ على ابن تيميّة في مسألتي الطلاق، والزيارة،
وألَّف غالب مؤلفاته المشهورة، كالتفسير، وتكملةٍ شرح ((المهذَّب))،
وشرح ((المنهاج)) للنووي، وغير ذلك من مبسوط ومختصر، وطار اسمُه
فملأ الأقطار، وذاعت شهرتهُ فطَبَّقت الآفاق.
قال الصلاح الصفدي: ((ولقد كان عمره بالديار المصرية وجيهاً في
الدولة الناصرية، يعرفه السلطانُ الأعظم الملك الناصر، ويولِّيه المناصب
الكبار، مثل تدريس المنصورية، وجامع الحاكم والكَهّارية. والأمير سيفُ
الدين أرغون النائب يُعظَّمُه، والقاضي كريم الدين الكبير يُقَرِّبه ويقضي
أشغاله، والأمير سيف الدين قجليس. وأما الأمير سيف الدين ألجاي الدَّوادار
فكان لا يفارقه، ويبيت عنده في القلعة غالبَ الليالي، ونائب الكرك، والأمير
بدر الدين جنكلي بن البابا، والجاولي والخَطيري، وغيرهم، جميعهم
يعظِّمونه ويحترمونه ويشفعُ عندهم، ويقضي الأشغالَ للناس)) (٢).
تولِّيه القضاء :
في سنة ٧٣٩ هـ طلبه السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون،
وذكر له أنَّ قضاء الشام قد شَغَرَ بوفاة الإمام جلال الدين القزويني، وأراده
على ولايته، فأبى، فما زال السلطان إلى أن ألزمه بذلك، بعدَ مُمانعةٍ
(١) في ((ذيل تذكرة الحفاظ)» ص٥٥.
(٢) ((أعيان العصر)) (٣:٤٢٦).
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٤٤
طويلة، فقَبِلَ الولاية، وكان تولّيه لها في ١٩ جمادى الآخرة، فتوجَّه إليها
مع نائبها الأمير سيف الدين تنكز.
قال الإمام الذهبي في ((ذيل العِبَر)) (ص ٢٠٤ حوادث سنة ٧٣٩):
((وفيه - رجب - قَدِمَ العلامة شيخُ الإسلام تقي الدين السُّبكي على
قضاء الشافعية بالشام، وفرحَ المسلمون به)).
وباشرَ الإمامُ القضاءَ بهمّةٍ وصرامة، وعِفّةٍ وديانة، غير ملتفتٍ إلى
الأكابر والملوك، ولا يُحابي في الحقِّ أحداً، ولم يُعارضه أحدٌ من نوّاب
الشام، إلاَّ قَصَمَه الله.
وكان طُلِبَ في جمادى الأولى سنة ٧٤٣ إلى الديار المصرية ليُقَرَّرَ
قاضي القضاة فيها، فتوجَّه إليها وأقام قليلاً، ولم يتم الأمرُ فعادَ إلى دمشقَ
على منصبه ووظائفه.
ووقع الطاعونُ في سنة ٧٤٩، فما حُفِظَ عنه في التَّرِكات ولا في
الوظائف ما يُعاب عليه، وكان متقشّفاً في أموره، متقلَّلاً في الملابس،
حتى كانت ثيابُه في غير الموكب تُقَوَّمُ بدون الثلاثين درهماً.
ومن أبرز الأحداث التي وقعت في زمن ولايته للقضاء؛ تولِّي أحمد
ابن السلطان الناصر محمد بن قلاوون للسلطنة وتلقّبه بـ ((الناصر)) كأبيه،
حيث عَقَدَ الإمام السُّبكي سنة ٧٤٢ المبايعةَ بين الناصر أحمد والخليفة
العبّاسي الحاكم بأمر الله أبي العباس أحمد ابن المستكفي (١).
(١) ((دول الإسلام)) للذهبي (٢٤٩: ٢)، ((تاريخ الخلفاء)» للسيوطي ص ٥٨٧، وغيرها.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٤٥
مناصِبُه العلمية :
تولَّى الإمام السبكي في حياته التدريسَ في كبريات المدارس
والمعاهد العلمية في عصره، فولاه الملكُ الناصر بمصرَ تدريسَ
المنصورية وجامع الحاكم والكَهّارية. أما في الشام بعد تولِّيه القضاءَ بها
فوَلِيَ مشيخة دار الحديث الأشرفية بعدَ وفاة الحافظ الكبير جمال الدين
المِزّي، ودارُ الحديث هذه هي التي كان يدرِّس فيها الإمام الرّباني محيي
الدِّين النووي.
ثم وَلَيَ التدريس بالشامية البَرّانية بعدَ وفاة مدرِّسها الإمام شمس الدين
ابن النقيب، ودرّس كذلك بالمدرسة المسرورية والغزالية، والعادلية
الكبرى، والأتابكية. وأُضيفت إليه الخطابةُ بالجامع الأموي، وباشرها مدةً
لطيفة، وأنشدَ الحافظُ الذهبي في ذلك:
علاهُ الحاكم البحرُ التقيُّ
لَيَهْنَ المِنْبَرُ الأُمَويُّ لمّا
وأخطبُهم واقضاهم عَلِيُّ
شيوخُ العَصْرِ أحفَظُهم جميعاً
وقال: ماصَعِدَ هذا المنبرَ بعدَ ابنِ عبدِ السلام أعظم منه.
وجلسَ للتحديث بالكلاسة بجوار الأموي، فقُرئ عليه جميعُ
((معجمه)) (١) الذي خرّجه الحافظ أبو الحسين ابن أَيْيَك الحُسامي، وسَمِعَه
(١) ولا يزال هذا المعجم محفوظاً بمنّة الله وفضله بمكتبة آمد بديار بكر جنوب
تركيا، واسمه ((التراجم الجليلة الجلية))، انظر ((نوادر المخطوطات العربية في مكتبات
تر کیا» للدكتور رمضان ششن (٢: ١٤).
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٤٦
عليه خلائق، منهم الحافظان الكبيران: المِزِّي، والذهبي.
حِلْيُهُ وأخلاقه :
كان الإمام أبو الحسن رحمه الله جميل الصُّورة، بَهِيَّ الطَّلعة، عليه
جلالٌ ووقار، ومهابةٌ وافرة، قال في وصفه تلميذه الصفدي: ((فمٌ بسّام،
ووجهٌ بينَ الجمالِ والجلالِ قَسَّام)) (١)، وقال ابن فضل الله: (جَبِينٌ
کالهلال، ووقار علیه سیما الجلال»(٢).
وكان من الدِّين والتقوى والورع والعبادة وسلوك سبيل الأقدمين على
قَدَمٍ عظيمة، مع غاية الكرم والسَّخاء والحِلْم، فلم ينتقم لنفسه قطّ، بل
يصفحُ ويعفو ويرعى الودّ، شديدَ الحياء متواضعاً، ((في غاية الإنصاف
والرجوع إلى الحقِّ في المباحث ولو على لسانِ أحدِ المستفيدين منه)) (٣)،
ولم يُسمَع يَغتاب أحداً قط، من الأعداء ولا غيرهم.
وكان زاهداً في الدنيا، لا يستكثرُ على أحدٍ منها شيئاً، مُقبلاً بكُلِّيته على
الآخرة، قليل الطعام والمنام، زهيد الملبس، مُعرضاً على الخَلْق، متوجهاً
إلى الحقّ، دائم التلاوة والذكر والتهجُّد، كثيرَ المراقبة لدخائل النفس،
صابراً محتسباً عندَ المصائب والآلام، وأمّاراً بالمعروف، نهاءً عن المنكر،
منتصراً للحقَّ لا يُحابي فيه أحداً، وقد لقيَ بسبب ذلك شدائد كثيرة.
(١) ((أعيان العصر)) (٣: ٤١٩).
(٢) ((طبقات الشافعية الكبرى)) (١٠: ١٥٥) نقلاً عن ((مسالك الأبصار)) لابن
فضل الله العمري.
(٣) ((طبقات الشافعية)) للإسنوي (٢: ٧٥).
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٤٧
وكان كثير المحبة للصالحين والأولياء، متأدباً مع العلماء، المتقدِّمين
منهم والمتأخرين، ((كثير التعظيم للصُّوفية والمحبة لهم، ويقول: طريق
الصُّوفي إذا صحَّت هي طريقة الرَّشاد التي كان السَّف عليها .. أما محبته
النبيِّ صلى الله عليه وسلم وتعظيمُهُ له وكونُهُ بينَ عينيه؛ فأمرٌ عُجاب))(١).
هذا مع ما خصّه اللهُ به من الولاية وحقائق الإحسان والمعرفة بالله،
حتى حَلَّهُ السخاوي بـ ((الوَلَيِّ العارف))(٢)، ماعانده أحدٌ إلاَّ وأُخذَ
سريعاً، غَيرة من الله لأوليائه، قال الصفدي: ((لم نر أحداً من النُّواب الذين
هم كانوا ملوك الشام ولا من غيرهم تعرَّض له فأفلحَ بعدها، إمَّا يموتُ
فجأة، أو يغتالُ، أو يُعطَّلُ ويستمر في عطلته إلى أن يموت، جرَّبنا هذا
غيرَ مرّةٍ مع غير واحد، وهذا شاعَ وذاعٍ))(٣).
((وكان لا يحب أن يظهر عليه شيءٌ من الكرامات، ويتأذى كلَّ الأذى
من ظهورها وممّن يُظهِرها، وقد اتفقت له في القاهرة ودمشق عجائب))(٤).
وبالجملة: فقد كان رحمه الله آيةً في مجموعه، فريداً في عصره،
عديمَ النظير فيما جُمِعَ له من الخِصالِ والفضائل.
علومُهُ واجتهاده :
كان الإمامُ السُّبكي رحمه الله نادرةَ العصر في الإحاطة بفنون العلم
(١) ((طبقات الشافعية الكبرى)) (١٠: ٢١٩).
(٢) ((وجيز الكلام)) (١: ٨٢).
(٣) ((أعيان العصر)) (٣: ٤٢٨).
(٤) ((طبقات الشافعية الكبرى)) (١٠: ٢١٠).
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٤٨
وسَعةِ الاطلاع، ضارباً بسهمه في مختلف العلوم الشرعية وفنون الأدب
واللغة والتاريخ والمعقولات والهيئة والحساب وغيرها، مع البراعة
والتحقيق، ((إذا مشى الناسُ في رَفْراقٍ عِلم؛ كان هو خائضَ اللَّجة، وإذا
خَبَطَ الأنامُ عَشْواء؛ سار هو في بياض المَحَجّة))(١).
((أما البحثُ والتحقيقُ وحُسْنُ المناظرة فقد كان أستاذَ زمانه، وفارسَ
ميدانِه، ولا يختلف اثنانِ في أنه البحرُ الذي لا يُساجَلُ في ذلك، كل ذلك
وهو في عُشْرِ الثمانين، وذهنُه في غايةِ الاتقاد، واستحضارُه في غايةٍ
الازدياد))(٢).
قال الإمام الإسنوي في ترجمته: ((كان أنظرَ من رأيناه من أهل العلم
ومن أجمعهم للعلوم، وأحسنهم كلاماً في الأشياء الدقيقة، واجلَدِهم على
ذلك، إن هطل درُّ المَقال فهو سحابه، أو اضطَرَم نار الجَدَلِ فهو شهابُه،
وكان شاعراً أديباً، حسن الخطّ)) (٣).
وقال العلامة الصفدي: ((ولقد شاهدت منه أموراً ما أكاد أقضي
العجبَ منها من تدقيقٍ وتحقيقٍ ومُشاحّةٍ في ألفاظ المصنِّفين وما ينظر فيه
من أقوال الفقهاء وغيرهم)) (٤).
أما الفقه فلا شكَّ في أنه من كبار أعلام المذهب معرفة واطلاعاً
(١) ((الوافي بالوفيات)) (٢١: ٢٥٤).
(٢) ((طبقات الشافعية الكبرى)) (١٠: ٢٠٠).
(٣) ((طبقات الشافعية)) للإسنوي (٢: ٧٥).
(٤) ((الوافي بالوفيات)) (٢١: ٢٥٧).
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٤٩
وتحريراً وتدقيقاً، وقد زخرت كتبُ من جاء بعده بالنقل عنه، وتصانيفه
شاهدة بذلك، كشرح المنهاج، وتكملة ((المجموع شرح المهذب))، حتى
قال التقيُّ الفاسيّ إنّه رأى من يفضِّلُ هذه التكملة للمجموع، على ما كتبه
الإمام النووي نفسُه! (١) وناهيكَ بذلك. هذا فضلاً عن غيرهما من تصانيفه
الفقهية الكثيرة المحرَّرة النفيسة، وبلوغُهُ رُتبةَ الاجتهاد في الفقه متفَقٌ عليه
كما سيأتي، وبه تخرَّج جماعةٌ من كبار أئمة المذهب كالإسنوي والبُلقيني
وابن النقيب المصري وابن الملقّن وغيرهم.
أما معرفته بمذاهب الفقهاء فدونك قول الإمام ابن عابدين خاتمة
محقِّقي الحنفية في بعض أبحاثه: (( .. بل يكفي في ذلك الإمامُ السبكيُّ
وحده، فقد قيل في حقّه: لو دَرَسَت المذاهب الأربعةُ لأملاها من
صدره))(٢).
وقال الإمام البارع أستاذُ متأخِّري الشافعية العلامة ابن حجر الهَيْتَمي
في أثناء كلامٍ له في رسالته ((التحقيق لما يشمله لفظُ العتيق)) (٣: ٣٢٣ من
فتاويه الفقهية الكبرى):
((أهلُ كل مذهبٍ أعرفُ بقواعدِ مذهبهم، فلا يسعُ غيرهم أن يُشنِّعَ
عليهم إلا بعد أن يُطالعَ كتبَ فروعهم وفتاوى أئمتهم، فإذا أحاط بذلك
ساغ له أن يُشنِّعَ على من خالفَ قواعد مذهبه، كما وقع للسبكيِّ رحمه الله
تعالى مع جماعةٍ من الحنابلة والمالكية والحنفية في مواضعَ متعددةٍ أنه
(١) ((ذيل التقييد)) للفاسي (٢: ١٩٩).
(٢) ((مجموعة رسائل ابن عابدين)) (١: ٣٢٤).
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٥٠
يَعترضُ عليهم بكلام أئمتهم وذكر نصوصِهِم مع بيانِ أنهم خالفوها، بل
وقع له مع ابن تيميّةَ في مسألةٍ في الوقف نقلَ فيها كلامَ الشافعية والحنابلة
وغيرهم أنه سَفَّ جميع ما قاله عن الشافعية والحنابلة وغيرهم، وبيَّن سبب
وهمه في كلام الرافعي حتى فَهِمَ منه غيرَ المراد ونقله عن الشافعية، وساق
كلامَ أئمة مذهبه، وساق نصوصهم على خلافِ قوله، وكذا فعلَ مع من
بقي، وأطال في بيان ذلك)).
وفيما يتعلَّق بالتفسير والحديث والتواريخ يقول ولدُه: ((كان آيةً في
استحضارِ التفسير، ومتونِ الأحاديث وعَزْوها، ومعرفةِ العِلَل وأسماءِ
الرجال، وتراجمهم ووفياتِهم، ومعرفةِ العالي والنازل، والصحيح
والسقيم، عجيب الاستحضار للمغازي والسِّيَر والأنساب، والجرح
والتعديل، آية في استحضار مذاهب الصحابة والتابعين وفِرَق العلماء))(١).
وفي القراءاتِ يقولُ تلميذه فيها المقرئُ شمسُ الدين محمد بن عبد
الخالق المقدسي: كنتُ أقرأُ عليه القراءات، وكنتُ لشدّة استحضاره فيها
أتوهَّم أنه لا يدري سواها وأقول: كيف يسعُ عمرُ الإنسان أكثر من هذا
الاستحضار؟! (٢). وقد ترجم له الإمام ابن الجزري - مقرئُ الدنيا - في
(طبقات القرّاء)) وقال: ((قرأ القراءات على الصائغ، وسمحَ الشاطبيةَ
والرائيةَ عن سِبْطِ زيادة، وقدم دمشقَ قاضياً سنةَ ٧٣٩، فقرأ عليه القراءاتِ
محمدُ بن يعقوبَ المقدسي، وأحمد بن الغَزِّي الشهيرُ بالشريف الحسيني.
(١) ((طبقات الشافعية الكبرى)) (١٠: ١٩٧).
(٢) ((طبقات الشافعية الكبرى)) (١٠: ١٩٦).
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٥١
انتهت إليه رياسةُ العلم في وقته، وله كلام في صحّةِ القراءات العشر والردِّ
على من طعنَ فيها أبانَ فيه عن تحقيقٍ وحُسْن اطلاع))(١). انتهى.
أما علومُ العربية فقد كان بارعاً محقِّقاً فيها، شديدَ الاستحضار لأبيات
العرب وأمثالها، حافظاً لشوارد لُغاتِها، ((ولقد كانوا يَقرؤون عليه
((الكشّاف))، فإذا مرَّ بهم بيتٌ من الشعر سَرَدَ القصيدة، غالبها أو عامّها،
من حفظه، وعزاها إلى قائلها، وربما أخذَ في ذكر نظائرها، بحيثُ
يَتَعجّبُ من حضر)) (٢). ويكفيه شاهداً لذلك أن له أكثرَ من عشرين رسالةً
في اللغة والنحو والبلاغة، واختياراتُه في ذلك مشهورةٌ معتنى بها بينَ
العلماء، وتأمّل قولَ السُّيوطي - وهو مَن هو في علوم اللغة تحقيقاً
واطلاعاً: ((أسنَدْنا حديثَهُ في الطبقات الكبرى، وذكرنا فيها من فوائده
النحوية والبيانية نحوَ خمسةٍ كراريس)) (٣). وقال في ((شرح لمعة الإشراق))
(نسخة دار الكتب القطرية - ١٤٩٥): ((وترجمتُهُ في طبقات النحاة من
تأليفي نصفُ مجلَّد!)).
وقال الإمام سيفُ الدِّين الحريري(٤): لم أر في النحو مثله، وهو
(١) ((غاية النهاية في طبقات القرّاء)) (١: ٥٥١).
(٢) ((طبقات الشافعية الكبرى)) (١٠: ١٩٨).
(٣) ((بغية الوعاة)) (٢: ١٧٧).
(٤) ترجم له الإمام الذهبي في ((المعجم المختص)) ص ٢٠٣ فقال: ((الإمام
المحصِّل ذو الفضائل .. سمعَ وكتب وتعب واشتغل وأفاد، سمعَ مني وتلا بالسبع،
ودرّسَ بالظاهرية البرانية)). وولي مشيحةَ النحو بالناصرية كما في ((الدرر الكامنة)) (١:
٤٤٥). توفي سنة ٧٤٧، رحمه الله تعالی.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٥٢
عندي أنحى من أبي حيّان(١).
أما المعقولاتُ كالمنطق والأصلَين فقال شيخهُ في المنطق السيفُ
البغدادي: ((لم أر في العجم ولا وفي العرب من يعرفُ المعقولات مثله)).
وكان أستاذُه العلاءُ الباجي يلقّبُهُ بـ («إمام الأئمة)). وقال الإمام نجمُ الدين
المَلَطي البارعُ في المعقولات وقد سمع الإمام السبكي مرةً يُنَاظِرُ بينَ يدَيه
بعض الحاضرين وهو يصغي إليه إلى أن انتهى، فلمّا فرغ قال: ((شيخي
البديعُ البَنْدَهي ما يعرفُ يبحث مثلَ هذا الشاب)) (٢).
قال الصفدي: ((والذي استقرّ في ذهني منه أنه كان إذا أخذَ أيَّ مسألة
كانت من أي بابٍ كان، من أي علمٍ كان، عمل عليها مجلّداً أو مصنَّفاً
لطيفاً، أعني في علوم الإسلام من الفروع والأصلين والحديث والتفسير
والنحو والمعاني والبيان. وأمَّا العقليات فما كان في آخر وقته فيها مثلُه))(٣).
(«وكان مع صحة الذهن واتِّقاده عظيمَ الحافظة، لا يكادُ يسمعُ شيئاً إلاَّ
حَفظَه، ولا يحفظُ شيئاً فينساه وإن طال بُعدُه عن تذكَّرَه، جُمعت له
الحافظةُ البالغة، والفهمُ الغريب، فما كان إلاَّ نُدْرةً في الناس)) (٤).
أمَّا بلوغُهُ درجةَ الاجتهادِ فكلمةُ اتفاق، قال الإمام ابن النقيب
المصري: ((جلستُ بمكة بين طائفةٍ من العلماء وقعدنا نقول: لو قدَّر الله
(١) ((طبقات الشافعية الكبرى)) (١٠: ١٩٦).
(٢) ((طبقات الشافعية الكبرى)) (١٠: ١٩٦، ١٩٧).
(٣) ((أعيان العصر)) (٣: ٤٢٧)
(٤) ((طبقات الشافعية الكبرى)) (١٠: ٢٠٢).
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٥٣
تعالى بعدَ الأئمة الأربعة في هذا الزمان مجتهداً عارفاً بمذاهبهم المختلفة
كلِّها، لازداد الزمانُ به وانقاد الناس له. فاتفقَ رأينا أن هذه الرُّتبةَ لا تعدُو
الشيخَ تقيَّ الدين السُّبْكي ولا ينتهي لها سواه)) (١).
وقد وصفه الصلاحُ الصفدي بـ ((أوحد المجتهدين)) (٢)، ووصفه
السخاوي بـ ((مجتهد الوقت)) (٣)، ووصفه السيوطيُّ بـ ((بقية المجتهدين
المجتهد المطلق)) (٤)، وتكرَّر في كلام إمام متأخري الشافعية الشهاب ابن
حجر الهيتمي وصفُهُ بـ ((المجتهد)) مراراً، وكثيرٌ غيرهم. وتصانيفُهُ شاهدةٌ
بذلك، لظهور اقتداره التام فيها وملَكَته القوية في التصرُّف في العلوم،
ولما حوته من الاستنباطاتِ الجليلة والقواعدِ المحرَّرة التي لم يُسبق إليها
كما قال الحافظ السيوطي(٥).
قال ولده تاج الدين: ((ولا أعلمُ غيره مكثَ سبعاً وعشرين سنةً لا
يختلف اثنان في أنه أعلمُ أهل الأرض في كل علم ... )) (٦).
(١) نقله الإمام تاج الدين في كتابه ((الترشيح)) الذي جمع فيه اختيارات والده،
وهو مخطوطٌ لم يُطبع بعد، ونقله عن التاج الحافظُ السيوطي في ((حسن المحاضرة))
(١ : ٢٧٦)، وفي كتابه «تقرير الاستناد في تفسیر الاجتهاد)» ص ٥٥.
(٢) ((الوافي بالوفيات)) (٢١: ٢٥٣)، ورأيته بخط الصفدي أيضاً على طرّة بعض
تصانيف الإمام السبكي.
(٣) ((وجيز الكلام)) (١: ٨٢).
(٤) ((حسن المحاضرة)) (١: ٢٧٦).
(٥) ((بغية الوعاة)) (٢: ١٧٧).
(٦) قاله في ترجمته المفردة لوالده كما في هامش ((الطبقات الكبرى)) له (١٠: ١٦٧).
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٥٤
تلاميذه :
لا عجب لمن كان في الرتبةِ السامقة التي بلغها الإمام السبكي في
عصره أن تزدحم على مشاربه الوُرّاد، وتنثال إلى مناهله الأفواج وتزداد:
فريدُ الدهر أسمى من تسامى
إمام الناس جامعُ كلِّ علمٍ
فأقبل عليه أهل العصر، وتخرّج به الفضلاء والأئمة الكبار، وحمل
عنه أممٌ كما يقول الحافظ الحسيني (١)، قال الإمام السيوطي: ((وأنجَبَ
طلبةً فاقت الحصر، وذُريةً [كانوا] أعيان العصر)) (٢). ومن هؤلاء التلامذة:
١- الإمام الكبير جمال الدِّين عبد الرحيم بن الحسن الإسنوي
(٧٠٤-٧٧٢هـ)، أحد أعلام المذهب، قال الإمام أبو زرعة العراقي في
((ذيل العبر)) (٢: ٣١٤): ((الشيخ الإمام العلامة مفتي المسلمين .. برعَ في
الفقه والأصول والعربية حتى صار أوحد زمانه، وشيخَ الشافعية في أوانه،
ودرَّس وأفتى، وصنّف التصانيف النافعة السائرة))(٣).
٢ - شيخُ الإسلام الإمام المجتهد فريدُ العصر سراج الدِّين عمر بن
رَسْلان البُلْقيني (٧٢٤ _٨٠٥هـ)، قال ابن قاضي شُهبة في ((طبقاته)) (٤ :
(١) ((ذيل العبر)) ص ٣٠٥.
(٢) قاله في ((شرح لمعة الإشراق في أمثلة الاشتقاق)) (نسخة دار الكتب القَطَرية
-١٥١ ضمن مجموع)، وهي رسالةٌ لطيفةٌ في شرح منظومةٍ للإمام السبكي في
الاشتقاق.
(٣) وقد ترجم الإسنوي للإمام السبكي في ((طبقاته)) (٢: ٧٥) وقال: ((شيخنا
تقي الدين أبو الحسن .. كان أنظرَ من رأيناه .. )) وتقدّم نقلُ عبارته.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٥٥
٣٩): ((خضع له كلُّ من يُنسبُ إلى علمٍ من العلوم الشرعية وغيرها .. وأثنى
عليه علماء عصره طبقةً بعد طبقة من قبل الخمسين [وسبع مئة] إلى حين
وفاته)). قال الحافظ ابن فهد: ((حضر دروسَ شيخ الإسلام تقي الدين
السبكي في الفقه وبحث معه فيه)) (١)، وقال الحافظ السيوطي: ((أخذ الفقه
عن ابن عَدْلانَ، والتقيِّ السبكي)) (٢).
٣- الإمام اللُّغوي الشهير مجدُ الدِّين الفيرُوزَآبادي (ت ٨١٧هـ)،
صاحبُ ((القاموس))، دخل دمشق سنة ٧٥٥ فسمع من الإمام السبكي
وحمل عنه، قال في ((القاموس)) (سَبَكَ): ((سُبْك العبيد .. منها: شيخُنا علي
ابن عبد الكافي)). وقال في كتابه ((بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب
العزيز)) (٤: ٤٤٨_٤٤٩) في بحث: (لو) الامتناعية:
((وقد أكثر الخائضون القولَ في: (لو) الامتناعية، و .... اضطربت
عباراتهم، وكان أقربَها إلى التحقيق كلامُ شيخنا أبي الحسن بن عبد
الكافي، فإنه قال ... )) وساق كلامه. ومنه تعلمُ كذلك مدى مكانةِ الإمامِ
السبكيِّ في النحو.
٤- حافظ زمانه الإمام الأوحدُ زين الدِّين العراقي (٧٢٥_٨٠٦هـ)،
ذكر الحافظ ابنُ فهد مَن سمع منهم العراقيُّ بدمشق فقال: (( ... وشيخُ
الإسلام تقي الدِّين السُّبْكي، وأخذَ عنه علمَ الحديث)) (٣)، وقد نوّه الإمام
(١) ((لحظ الألحاظ)) لابن فهد ص ٢٠٨.
(٢) ((ذيل طبقات الحفّاظ)) للسيوطي ص ٣٧٠.
(٣) ((لحظ الألحاظ)) لابن فهد ص ٢٢٣.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٥٦
السبكي بمكانة تلميذه العراقي، وبلغ من تعظيمه له أنه ((لمّا قَدِمَ القاهرة
في سنة ٧٥٦ هـ أراد أهلُ الحديث السماع عليه، فامتنع من ذلك وقال: لا
أُسمعُ إلاَّ بحضوره. وكان غائباً في الإسكندرية، فمات قبلَ أن يصل ولم
یحدِّثهم)) (١).
٥- الإمام الحافظ الناقد المؤرِّخ تقي الدِّين ابنُ رافع السَّلاَمي
(٧٠٤-٧٧٤هـ)، كان استيطانُه دمشقَ سنةً ١٣٩هـ، أتاها بصحبة الإمام
تقي الدين السبكي، واقام في كنفه، وكان الإمامُ السُّبكي يُرجِّحُه في معرفة
اصطلاح الحديث على ابن كثير(٢)، قال الحافظ ابن حجر: ((ولمّا توفِّي
المزّي أعطاه السبكي مشيخة الحديث النُّورية، وقدّمه على ابن كثير
وغيره، ولما شَغَرت الفاضليةُ عن الذهبي قدّمه على سواه من المحدِّثين،
وذكر لي شيخُنا العراقي أنّ السبكيَّ كان يقدِّمُهُ لمعرفته بالأجزاء وعنايته
بالرحلة والطلب))(٣). قال الحافظ ابن رافع في ((وفياته)) (٢: ١٨٥): ((وفي
ليلةِ الاثنين ثالثٍ جمادى الآخرة منها - ٧٥٦ هـ ـ توفي شيخُنا العلامة
شيخ الإسلام تقي الدين .. السبكي .. وكان عديمَ النظير)).
٦ - العلامة الحافظ الفقيه المؤرِّخ عبد القادر القُرشي الحنفي
(٦٩٦-٧٧٥ هـ) صاحبُ ((الجواهر المُضِيّة في طبقات الحنفية)) وغيرها.
قال في ((طبقاته)) (١: ١٠) عند ذكر من حثّه وأفاده في تصنيفه لهذه
(١) ((لحظ الألحاظ)) ص ٢٢٣ - ٢٢٤.
(٢) ((الدرر الكامنة)) (٣: ٤٣٩).
(٣) ((إنباء الغمر)) (١: ٦٠)
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٥٧
الطبقات: ((وكذلك شيخُنا الإمام العلامة الحجّة الأستاذ أبو الحسن
السُّبكي، وأمدّني بكتبٍ وفوائد، كـ ((تاريخ نيسابور)) للحاكم، وغيره،
وتلقَّيتُ أشياءَ حسنةً من فِيهِ)). وقال فيها (٣: ٦٣٢) في ترجمة شيخه
يوسُف الخُتُنِي:
«وسمعت علیه - أي: الخُتني - الكثير، وسمعتُ علیه الذي یرویه من
((الشمائل)) شمائل رسول الله صلى الله عليه وسلم للترمذي، بقراءة الإمام
العلامةِ شيخنا الحافظ أبي الحسن عليٍّ السُّبكي ... )).
٧- الإمام الأديبُ المؤرخ البارع القاضي صلاح الدِّين الصَّفَدي (ت
٧٦٤هـ)، وكان شديدَ المحبّة لشيخه الإمام السبكي، و((له به
خصوصية))(١)، وقد صَحِبَه وقرأ عليه كثيراً من تصانيفه، وكاتبه في الأدب
والشعر وكثيرٍ من المسائل العلمية التي كانت تُشكِلُ عليه. وكان كلما قرأ
عليه شيئاً من تصانيفه يكتبُ طبقةَ السَّماع وينظمُ بيتَين أو أكثر في مدحٍ
ذلك التصنيف(٢)، ودونكَ مثالاً لذلك وقفتُ عليه بخط الصلاح
الصفدي، وهو رسالة («نيل العلا في العطف بلا)) للإمام السبكي، كلَّها
بخط الإمام وطُرَّتُها بخط الصفدي.
٨- العلامة الفقيه شهاب الدِّين أحمد بن لؤلؤ المعروف بابن النقيب
المصري (٧٠٢ -٧٦٩هـ)، صاحبُ ((عمدة السالك)) الكتاب المشهور في
فقه الشافعية، قال ابنُ قاضي شُهبة في ((طبقاته)) (٣: ٨٠): ((أخذ الفقه عن
(١) ((طبقات الشافعية الكبرى)) (١٠: ١٦١).
(٢) انظر ما نقله الصفدي من أمثلة ذلك في ((أعيان العصر)) (٣: ٤٢٩ - ٤٣١).
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٥٨
الشيخ تقي الدِّين السبكي والقطب السنباطي وغيرهما ... والنحوَ عن أبي
حيّان، ... وبرَع وشغلَ بالعلم، وانتفع به الناس، وتخرَّج به فُضلاء،
وحدَّث وصنَّف تصانيفَ نافعة .. قال الإسنوي: كان عالماً بالفقه والقراءات
والتفسير والأصول والنحو، أديباً شاعراً، صالحاً وَرِعاً متصوفاً، كثير البرِّ
وافر العقل .. )).
٩- الحافظ المؤرخ شمس الدِّين أبو المحاسن محمد بن علي
الحسيني (٧١٥ - ٧٦٥هـ)، قال ابن فهد: ((كان رَضيَّ النفس حسنَ
الأخلاق، من الثقات الأثبات، إماماً مؤرخاً حافظاً، له قدر كبير)). قال
الحافظ الحسيني في ((ذيل العِبَر)) ص ٢٠٢ في ترجمة المسندِ المقرئ
العابد أبي العباس الجَزَري ثم الصالحي الحنبلي: ((سمعت شيخنا
الحافظ تقيَّ الدِّين السُّبْكيَّ يقول: لم أرَ أجلدَ منه على التلاوة
والصلاة)).
١٠ - القاضي العلم الرّحالة خالد بن عيسى البلوي الأندلسي (ت بعد
٧٦٧هـ، قال في رحلته اللطيفةِ الكثيرةِ الفوائد: ((تاج المَفْرِق في تحليةِ
علماء المشرق)) (١: ٢٣٧):
((وممن سمعتُ عليه وترددتُ إليه، واختلفتُ إلى منزله، واعترفتُ
بفضله وتطوُّلِه: الشيخُ العالمُ الكبير أبو الحسن علي بن عبد الكافي
السُّبكي، إمامٌ من أئمة الشافعية، وعالمٌ من كبار علماء الديار المصرية .. ))
وأطنب في الثناء عليه.
وإلى هنا نقول: تلك عَشرةٌ كاملة، من تراجم تلامذة الإمام، فلنمسِك
خشيةَ الإطالة، وفي مقَيَّداتي أضعافُ هذا العدد من تلامذته.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٥٩
ثناء الأئمة عليه :
وهو بحرٌ زاخرٌ عُباب، فنلتقط من درره نَزْراً يسيراً لهذا الباب:
قال الحافظ أبو المحاسن الحسيني في ذيله على («تذكرة الحفّاظ)»
ص٣٩:
((الشيخ الإمام الحافظ العلامة قاضي القضاة تقي الدِّين بقية
المجتهدين ... وهو من طَبَّقَ الممالك ذكرُهُ، ولم يَخْفَ على أحدٍ عرف
أخبار الناس أمرُه، وسارت بتصانيفه وفتاويه الرُّكبان، في أقطار البلدان،
وكان ممن جمع فنون العلم من الفقه والأدب والنحو واللغة والشعر
والفصاحة والزُّهد والوَرَع، والعبادةِ الكثيرة، والتلاوة والشجاعة والشّدة
في دينه .. وعُنِيَ بالحديث أتمّ عناية، وكتب بخطُّه المليح الصحيح المتقَنِ
شيئاً كثيراً من سائر علوم الإسلام .. تخرَّج به طائفةٌ من العلماء، وحملَ عنه
أمَمُ)).
وقال الحافظ الناقد الإمام أبو عبد الله الذهبي في ترجمته من ((معجمه
المختصّ بمحدِّي العَصْر)) ص١١٦ :
((القاضي الإمام العلامة الفقيه المحدِّث الحافظ فخر العلماء تقي
الدِّين أبو الحسن السُّبكي .. كان صادقاً متثبِّاً خيِّراً ديِّناً متواضعاً، حسنَ
السَّمت، من أوعية العلم، يدري الفقه ويُقرِّرُه، وعلمَ الحديثِ ويُحرِّرِه،
والأصولَ ويُقرئُها، والعربية ويُحقِّقُها .. وصنّف التصانيفَ المتقنة، وقد
بقي في زمانه الملحوظَ إليه بالتحقيق والفَضْلِ. سمعتُ منه وسمع مني،
وحكم بالشام وحُمِدَت أحكامه، والله يؤيِّده ويُسَدِّدُه)).
وله كلامٌ كثيرٌ في تعظيم الإمام السُّبكي.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية