النص المفهرس

صفحات 501-520

٥٠١
ذکر طبه ◌ّ لداء ذات الجنب
[ذكر طبه عَ لِّ لداء ذات الجنب]
في البخاري مرفوعًا: عليكم بهذا العود الهندي، فإن فيه سبعة أشفية، منها
ذات الجنب.
وفي الترمذي من حديث زيد بن أرقم قال: قال عَُّلِ: تداووا من ذات
الجنب بالقسط البحري والزيت.
أئمتنا من تكلف لذلك؛ بأن السموم إنما تقتل لإفراط بردها، فإذا داوم على التصبح بالعجوة،
تحكمت فيه الحرارة، وأعانتها الحرارة الغريزية، فقاوم ذلك برودة السم ما لم يستحكم، لكن
هذا يلزم منه رفع خصوصية عجوة المدينة، بل خصوصية العجوة مطلقًا، بل خصوصية التمر، فإن
في الأدوية الحارة ما هو أولى من التمر، فتخصيص السبع لا يعلمه إلا الله، ومن أطلعه اللَّه عليه.
انتهى. وأيضًا، فإن سلم ذلك في السم لم يفد في السحر.
قال القرطبي: وقد جاء ذلك في مواطن كثيرة، كقوله عَّه في مرضه: صبوا علي من سبع
قرب، وقوله: ((غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا))، وجاء هذا العدد في غير الطب، كقوله تعالى:
﴿سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات﴾ [يوسف: ٤٣] الآية، وحديث سبع،
كسني يوسف، وكذا السبعون والسبعمائة، فما جاء من هذا العدد مجىء التداوي، فذلك
لخاصية لا يعلمها إلا اللّه ومن أطلعه عليها، وما جاء في غيره، فالعرب تضع هذا العدد للكثر، لا
لإرادة عدد بعينه ولا حصر.
قال المصنف: وقول ابن القيم إذا أديم أكل العجوة على الريق، يجفف مادة الدود
ويضعفه، أو يقتله، فيه إشارة إلى أن المراد نوع خاص من السم، لكن سياق الحديث يقتضي
التعميم، لأنه نكرة في سياق النفي؛ ويبقى القول في السحر، فالمصير إلى أن ذلك من سر
دعائه معٍَّ لتمر المدينة، ولكونه غرسه بيده الشريفة أولى.
ذكر طبه عَ لَّه لداء ذات الجنب
(في البخاري) ومسلم، (مرفوعًا) عن أم قيس بنت محصن، قالت: سمعت
رسول اللَّه عَ لِّ يقول: (عليكم بهذا العود الهندي،) أي استعملوه، (فإن فيه سبعة أشفية،) أي
أدوية: جمع شفاء، كدواء وأدوية، وجمع الجمع: أشاف، (منها: ذات الجنب،) وأنه يسعط به
من العذرة، فأخبر بسبعة وذكر ثنتين، إما لأنهما الموجودان حينئذٍ دون غيرهما، أو هو اختصار
من الراوي، كما مر، (وفي الترمذي) والحاكم، وصححه (من حديث زيد بن أرقم، قال:
قال مَّ ت تداووا من ذات الجنب بالقسط،) (بضم القاف)، وفي لغة بالكاف بدل القاف
(البحري).

٥٠٢
ذكر طبه عَ لداء ذات الجنب
واعلم أن ذات الجنب ورم حار يعرض في الغشاء المستبطن للأعضاء، وقد
يطلق على ما يعرض في نواحي الجنب من رياح غليظة تحتقن بين الصفاقات
والعضل التي في الصدر والأضلاع، فتحدث وجعًا.
فالأول هو ذات الجنب الحقيقي، الذي تكلم عليه الأطباء، ويحدث
بسببه خمسة أمراض: الحمى والسعال والنخس وضيق النفس والنبض المنشاري.
قال المازري: القسط صنفان بحري وهندي، والبحري هو القسط الأبيض، ويؤتى به من
بلاد المغرب، وهو أفضل من الهندي وأقل حرارة منه، وقيل: هما حاران يابسان في الدرجة
الثالثة، والهندي أشد حرًّا، وتعقبه القرطبي بأن البحري الأبيض أحد نوعي العود الهندي، فكيف
يؤتى به من بلاد المغرب، والفرض أنه هندي إلا أن يعني بالمغرب المغرب من بلاد الهند.
انتھی.
وبه يعلم أنه لا تنافي بين هذا الحديث وبين قوله في الحديث السابق: يريد الكست،
وهو العود الهندي، وقوله في حديث جابر المار أيضًا، فليأخذ قسطًا هنديًا، لأن المراد به أحد
نوعي الهندي، وهو الأبيض البحري، كما في هذا الحديث؛ لكن في شرح المصنف؛ أن
البحري يجلب من اليمن، ومنه ما يجلب من المغرب، (والزيت) المسخن؛ بأن يدق ناعمًا
ويخلط به، ويدلك به محله، أو يلعق؛ فإنه نافع له محلل لمادته، مقو للأعضاء الباطنة، مفتح
للسدد وغير ذلك.
قال بعض العلماء: على المريض والطبيب أن يعمل على أن اللَّه أنزل الداء والدواء، وأن
المرض ليس بالتخليط وإن كان معه، وأن الشفاء ليس بالدواء، وإن كان عنده، وإنما المرض
بتأديب اللّه والبرء برحمته، حتى لا يكون كافرًا باللّه مؤمنًا بالدواء، كالمنجم إذا قال: مطرنا بنوء
كذا، ومن شهد الحكمة في الأشياء ولم يشهد مجريها، صار بما علم منها أجهل من جاهلها.
(واعلم أن ذات الجنب ورم حار يعرض في الغشاء المستبطن،) أي الداخل
(للأعضاء،) أي فيها بحيث جعل كالبطانة، والمراد: الأعضاء الرئيسة، كالقلب والكبد ونحوهما،
(وقد يطلق على ما يعرض في نواحي الجنب من رياح غليظة تحتقن بين الصفاقات:) بكسر
الصاد وتخفيف الفاء جمع صفاق.
قال في القاموس: ككتاب الجلد الأسفل تحت الجلد الذي عليه الشعر، أو ما بين الجلد
والمصران، أو جلد البطن كله، (والعضل:) جمع عضلة (بفتح المهملة والمعجمة) كل عصبة
معها لحم غليظ، (التي في الصدر والأضلاع، فتحدث وجعًا، فالأول) الذي هو ورم حار إلى
آخره، (هو ذات الجنب الحقيقي، الذي تكلم عليه الأطباء، ويحدث بسببه خمسة أمراض:

٥٠٣
ذكر طبه عَ لداء ذات الجنب
ويقال لذات الجنب أيضًا: وجع الخاصرة، وهو من الأمراض المخوفة، لأنها
تحدث بين القلب والكبد، وهو من سيىء الأسقام. والمراد بذات الجنب هنا
الثاني، لأن القسط وهو العود الهندي هو الذي يداوي به الريح الغليظة.
وقد حكى الإمام ابن القيم عن المسيحي أنه قال: العود حار يابس قابض،
محبس للبطن، ويقوي الأعضاء الباطنة، ويطرد الريح ويفتح السدد، ويذهب فضل
الرطوبة، نافع من ذات الجنب، جيد للدماغ. قال: ويجوز أن ينفع من ذات الجنب
الحقيقية أيضًا إذا كان ناشئة عن مادة بلغمية، ولاسيما في وقت انحطاط العلة.
الحمى والسعال والنخس وضيق النفس والنبض المنشاري،) أي تحرك العروق تحركًا شديدًا
لأعلى وأسفل، حرکة تشبه حركة المنشار.
(ويقال لذات الجنب أيضًا وجع الخاصرة،) مقتضى المقابلة أن يقول: وقد تطلق ذات
الجنب على وجع الخاصرة، (وهو من الأمراض المخوفة، لأنها تحدث بين القلب والكبد،)
تعليل مبني على التفسير الأول، الذي هو المعنى الحقيقي لذات الجنب، (وهو من سيىء
الأسقام،) ولذا قال عّلّ: لما لدوه في مرضه، ظنًا منهم أن به ذات الجنب: ما كان اللّه ليسلطها
علي، أي ما كان اللَّه مريدًا لأن يسلطها علي رحمة بي ورأفة علي.
(والمراد بذات الجنب هنا الثاني،) المذكور بقوله: وقد يطلق على ما يعرض ... الخ،
(لأن القسط، وهو العود الهندي هو الذي يداوى به الريح الغليظة).
(وقد حكى الإمام ابن القيم عن المسيحي،) من فضلاء الأطباء؛ (أنه قال: العود حار،
يابس، قابض، محبس) (بضم، فسكون، فكسر)، أي مانع (للبطن) من الإسهال، وهو عطف
بيان لقابض، (ويقوي الأعضاء الباطنة، ويطرد الريح، ويفتح السدد، ويذهب فضل الرطوبة،)
أي زيادتها، (نافع من ذات الجنب، جيد للدماغ، قال: ويجوز أن ينفع من ذات الجنب
الحقيقية أيضًا إذا كان ناشئة عن مادة بلغمية، ولا سيما في وقت انحطاط العلة،) أي
نقصانھا.
قال المازري: اعترض بعض الملحدة على هذا الحديث، وقال القسط: لا ينفع من ذات
الجنب لشدة حرارته والتداوي به خطر، وهذا باطل؛ فقد ذكر بعض قدماء الأطباء أن ذات
الجنب الحادثة من البلغم، علاجها بالقسط.
وذكر ابن سينا وغيره؛ أن شربه ينفع من وجع الصدر، وقال جالينوس: ينفع من وجع الكبد
والجنبين.
وقال بعض القدماء: إنه يستعمل لإسخان عضو وجلب خلط من باطن الجسد إلى ظاهره،

٥٠٤
ذكر طبه عَ لِ لداء الاستسقاء
[ذكر طبه عَِّ لداء الا
عن أنس قال: قدم رهط من عرينة وعكل على النبي عَّهِ. فاجتووا المدينة
فشكوا ذلك إلى النبي عَّهِ فقال عَّهِ: لو خرجتم إلى إبل الصدقة فشربتم من
ألبانها وأبوالها، فلما صحوا عمدوا إلى الرعاة فقتلوهم واستاقوا الإبل، وحاربوا اللَّه
وبهذا وصفه ابن سينا وهذا كله يبين كذب هؤلاء الملحدة، وقد تطابق الأطباء على أنه يدر البول
والطمث، وينفع من السموم، ويحرك شهوة الجماع، ويقتل الدود وحب القرع في الأمعاء إذا
شرب بعسل، ويذهب الكلف إذا طلي به، وينفع من ضعف الكبد والمعدة وبردهما، ومن حمى
الورد والربع، ومن النافض لطوخًا بالزيت، ومن البرد الكامن والفالج والاسترخاء، فأنت ترى هذه
المنافع التي ذكرها الأطباء، فصار ممدوحًا طًا وشرعًا. انتهى ملخصًا وقدمته بنحوه.
ذكر طبه عَ لّه لداء الاستسقاء
(عن أنس) ين لملك رضي اللَّه عنه، (قال: قدم رهط من عرينة:) (بضم العين وفتح الراء
المهملتين) حي من قحطان، (وعكل:) (بضم العين وسكون الكاف، فلام) حي من تيم الرباب،
وعند أبي عوانة عن أنس: أربعة من عرينة وثلاثة من عكل، ولا يخالف رواية البخاري في الجهاد
والديات عن أنس أن ناسًا من عكل ثمانية، لاحتمال أن الثامن من غير القبيلتين، وكان من
أتباعهم، فلم ينسب (على النبي عَِّ، فاجتووا المدينة) (بجيم وواوين)، أي أصابهم الجوى،
وهو داء الجوف إذا تطاول، أو كرهوا الإقامة بها لما فيها من الوباء، أو لم يوافقهم طعامها،
(فشكوا ذلك إلى النبي عَّهِ)) وفي رواية للبخاري، فقالوا: يا نبي اللَّه إنا كنا أهل ضرع، ولم
نكن أهل ريف؛ وله في أخرى؛ أن ناسًا كان بهم سقم، قالوا: يا رسول اللَّه، آونا وأطعمنا، فلما
صحوا، قالوا: إن المدينة وخمة، والظاهر؛ أنهم قدموا سقامًا من الهزال الشديد والجهد من
الجوع مصفرة ألوانهم، فلما صحوا من السقم أصابهم من حمى المدينة، فكرهوا الإقامة بها،
ولمسلم عن أنس: وقع بالمدينة الموم (بضم الميم وسكون الواو)، وهو ورم الصدر، فعظمت
بطونهم، فقالوا: يا رسول اللَّه إن المدينة وخمة، (فقال عَّ: لو خرجتم إلى إبل الصدقة،
فشربتم من ألبانها وأبوالها،) لزال عنكم هذا المرض، أو لو للتمني، فلا يحتاج للجواب، وفي
رواية: فاشربوا بالأمر الصريح، وأخرى: فرخص لهم أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا، أي لأنهم أبناء
سبيل، وفي رواية: الحقوا يابل رسول اللَّه، وفي أخرى: هذه نعم لنا تخرج فاخرجوا فيها، وجمع
بأن إبل الصدقة كانت ترعى خارج المدينة، وصادف بعثه عليه بلقاحه إلى المرعى، طلب هؤلاء
الخروج، فأمرهم بالخروج مع راعيه، فرخص لهم في الشرب من إبل الصدقة، لأنهم أبناء سبيل
كما علم، وأما لقاحه فيإذنه، (فلما صحوا عمدوا:) (بفتح الميم) قصدوا.

٥٠٥
ذكر طبه سَطِّ لداء الاستسقاء
ورسوله، فبعث رسول اللَّه عَّهِ في آثارهم، فأخذوا فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل
أعينهم وألقاهم في الشمس حتى ماتوا. رواه الشيخان.
وفي رواية للبخاري: فانطلقوا وشربوا، وفي أخرى: وصحوا، وأخرى، وسمنوا ورجعت
إليهم ألوانهم، وكفروا بعد إسلامهم، وعمدوا (إلى الرعاة فقتلوهم) (بضم الراء) جمع راع
كقضاة وقاض.
قال الحافظ: لم تختلف روايات البخاري في أن المقتول راعيه عَّه، وفي ذكره بالأفراد،
وكذا لمسلم، لكن عنده في رواية: ثم مالوا على الرعاة فقتلوهم (بصيغة الجمع)، فيحتمل أن
لإبل الصدقة رعاة، فقتل بعضهم مع راعي اللقاح النبوية، فاقتصر بعض الرواة عليه، وذكر بعضهم
معه غيره، ويحتمل أن بعض الرواة ذكره بالمعنى، فتجوز في الإتيان بصيغة الجمع، وهذا أرجح،
لأن أصحاب المغازي لم يذكر أحد منهم أنهم قتلوا غير يسار راعيه
وفي صحيح أبي عوانة: فقتلوا أحد الراعيين، وجاء الآخر قد جزع، فقال: قد قتلوا صاحبي
وذهبوا بالإبل، ولم أقف على اسم الآخر. انتهى.
(واستاقوا الإبل:) ساقوها من السوق، وهو السير العنيف، (وحاربوا اللَّه ورسوله،) أي
فعلوا فعل المحارب، (فبعث رسول اللَّه عَّةٍ في آثارهم) (بالمد)، أي وراءهم عشرين فارسًا،
أميرهم كرز بن جابر على الصحيح (بضم الكاف وسكون الراء وزاي منقوطة)، ومرت القصة
مبسوطة في المغازي، (فأخذوا،) وللبخاري: فجاء الخبر في أول النهار، فبعث في آثارهم، فلما
ارتفع النهار جىء بهم، (فقطع) (بخفة الطاء) (أيديهم وأرجلهم).
زاد الترمذي والإسمعيلي من خلاف، وبه رد الحافظ قول الدلودي: فقطع يدي كل واحد
ورجليه، (وسمل أعينهم) (بفتح المهملة والميم ولام مخففًا، أي فقأها بحديدة محماة).
قال الحافظ: لم تختلف روايات البخاري في أنه سمر (بالراء وخفة الميم)، وفي رواية
لمسلم: باللام، قال الخطابي: السمل فقء العين بأي شيء كان، وبالراء لغة فيه، ومخرجها
متقارب، وقد يكون من المسمار، يريد أنهم كحلوا بأميال قد أحميت، قلت: وقع التصريح
بالمراد عند البخاري في الجهاد وفي المحاربين، ولفظه: ثم أمر بمسامير فأحميت، ثم كحلهم
بها، فهذا يوضح ما تقدم، ولا يخالف رواية اللام، لأنه فقء العين بأي شيء كان. انتهى.
(وألقاهم في الشمس حتى ماتوا،) وكانوا قطعوا يدي الراعي ورجليه، وغرزوا الشوك في لسانه
وعينيه حتى مات، كما عند ابن سعد، فيكون ما فعل بهم قصاصًا كما أشار إليه أنس، بقوله:
(إنما سمل عَّ أعينهم، لأنهم سملوا أعين الرعاة))، رواه مسلم، ومال إليه جماعة، وإسناد الفعل
في جميع ذلك إلى النبي عَّهِ مجاز، والمراد أمر، كما صرح به في روايات أخر.

٥٠٦
ذكر طبه عَّةِ لداء الاستسقاء
واعلم أن الاستسقاء مرض مادي، سببه مادة غريبة باردة تحلل الأعضاء
فتربو بها، إما الأعضاء الظاهرة كلها، وإما المواضع الخالية من النواحي التي فيها
تدبير الغذاء والأخلاط.
وأقسامه ثلاثة: لحمي، وهو أصعبها، وهو الذي يربو معه لحم جميع البدن
بمادة بلغمية تفشو مع الدم في الأعضاء. وزقي: وهو الذي يجتمع معه في البطن
الأسفل مادة مائية ردية يسمع لها عند الحركة خضخضة كالماء في الزق، وهو
أردأ أنواعه عند أكثر الأطباء. وطبلي: وهو الذي تنتفخ معه البطن بمادة ريحية، إذا
ضربت عليه سمعت له صوتًا كصوت الطبل.
وإنما أمرهم عليه الصلاة والسلام بشرب ذلك، لأن في لبن اللقاح جلاء
وتليينًا وإدرارًا وتلطيفًا وتفتيحًا للسدد، إذا كان أكثر رعيها الشيخ والقيصوم
(رواه الشيخان)) واللفظ لمسلم وزاد في رواية: قال سلام: فبلغني أن الحجاج قال
لأنس: حدثني بأشد عقوبة عاقبه النبي عٍَّ، فحدثه بهذا الحديث، فبلغ الحسن البصري، فقال:
وددت أنه لم يحدثه بهذا، وللإسمعيلي: فوالله ما انتهى الحجاج حتى قام على المنبر، فقال:
حدثنا أنس، فذكر الحديث، وقال: قطع النبي عَّهِ الأيدي والأرجل، وسمر الأعين في
معصية اللَّه، أفلا نفعل مثل ذلك في معصية اللّه؟.
(واعلم أن الاستسقاء مرض مادي،) أي سببه مادة تفسد الجسد، كما قال: (سببه مادة
غريبة باردة تحلل الأعضاء فتربو،) أي تزيد (بها إما الأعضاء الظاهرة كلها،) بأن تنفتح مثلاً
بسبب تلك المادة، (وإما المواضع الخالية من النواحي التي فيها تدبير الغذاء والأخلاط،
وأقسامه ثلاثة: لحمي، وهو أصعبها) من جهة شدته في البدن، (وهو الذي يربو:) يزيد (معه
لحم جميع البدن بمادة بلغمية تفشو،) أي تنتشر (مع الدم في الأعضاء، و) الثاني: (زقي)
(بزاي وقاف)، (وهو الذي يجتمع معه في البطن الأسفل مادة مائية ردية، يسمع لها عند
الحركة خضخضة،) أي تحرك واضطراب، (كالماء في الزق،) والمراد: أثر الخضخضة، وهو
الصوت اللازم للتحرك، الناشىء عن التحريك لأنفسها، لأنها تحريك الماء والسويق، كما في
القاموس، (وهو أردأ أنواعه عند أكثر الأطباء) من حيث تعسر دوائه وعلاجه، (وطبلي: وهو
الذي تنتفخ معه البطن بمادة ريحية إذا ضربت عليه سمعت له صوتًا كصوت الطبل،) وهو
أخفها، (وإنما أمرهم عليه الصلاة والسلام بشرب ذلك) اللبن والبول، (لأن في لبن اللقاح
جلاءً وتليينًا وإدرارًا وتلطيفًا وتفتيحًا للسدد إذا).

٥٠٧
ذكر طبه عبد الداء الاستسقاء
والبابونج والأقحوان والإذخر وغير ذلك من الأدوية النافعة للاستسقاء خصوصًا إذا
استعمل بحرارته التي يخرج بها من الضرع، مع بول الفصيل، وهو حار كما يخرج
من الحيوان، فإن ذلك مما يزيد في ملوحة اللبن وتقطيعه الفضول وإطلاقه البطن.
وأما ضعف المعدة فذكر ابن الحاج في المدخل: أن بعض الناس مرض
بمعدته، فرأى الشيخ الجليل أبو محمد المرجاني النبي عَّه وهو يشير بهذا الدواء،
وهو أن يأخذ كل يوم على الريق وزن درهم من الورد المربى، ويكون ملتوتًا
بالمصطكى بعد دقها ويجعل فيها سبع حبات من الشونيز، يفعل ذلك سبعة أيام
وفي نسخة: إذ (كان أكثر رعيها الشيح) (بالكسر): نبت معروف (والقيصوم:) (فيعول)
من نبات البادية، قال في القاموس: وهو صنفان أنثى وذكر، النافع منه أطرافه، وزهره مر جدًا،
ويدلك البدن به للناقض، فلا يقشعر إلا يسيرًا، ودخانه يطرد الهوام، وشرب سحيقه نبأ نافع لعسر
النفس والبول والطمث ولعرق النساء، وينبت الشعر ويقتل الدود، (والبابونج:) زهرة معروفة كثيرة
النفع، (والأقحوان:) (بالضم) البابونج، كما في القاموس، فالعطف مرادف (والإذخر:) (بكسر
الهمزة والخاء) ثبات معروف ذكي الريح، وإذا جف ابيض، (وغير ذلك من الأدوية النافعة
للاستسقاء، خصوصًا إذا استعمل بحرارته التي يخرج بها من الضرع مع بول الفصيل، وهو
حار، كما يخرج من الحيوان،) أي وقت خروجه قبل أن يبرد، (فإن ذلك،) أي ضم بول
الفصيل إلى اللبن (مما يزيد في ملوحة اللبن وتقطيعه الفضول وإطلاقه البطن،) فيخرج الداء
الذي فیه.
(وأما ضعف المعدة،) مستأنفًا ليس قسيمًا لشيء، وناسب ذكره عقب الاستسقاء، لأنه
قد يكون سببًا في ضعفها إذا برىء، إذ سببه المادة المفسدة للمعدة، (فذكر ابن الحاج في
المدخل؛ أن بعض الناس مرض بمعدته، فرأى الشيخ الجليل أبو محمد) عبد الله بن محمد
القرشي، (المرجاني،) الإمام القدوة، الواعظ المفسر، أحد الأعلام في الفقه والتصوف، قدم
مصر ووعظ بها، واشتهر في البلاد وامتحن، وأفتى العلماء بتكفيره، فلم يؤثروا، فعملوا عليه
الحيلة، فقتل بتونس سنة تسع وسبعين وستمائة، كما في اللواقح، (النبي عَّ) في المنام، (وهو
يشير بهذا الدواء، وهو أن يأخذ كل يوم على الريق وزن درهم من الورد المربى، ويكون
ملتوتًا بالمصطكى) (بالفتح والضم ويمد في الفتح فقط)، علك رومي أبيض نافع، والمقعدة، قاله
القاموس، وفي المصباح: (بضم الميم وتخفيف الكاف)، والقصر أكثر من المد.
وقال ابن خالويه: يشدد فيقصر، ويخفف فيمد، وحكى ابن الأنباري: فتح الميم
والتخفيف والمد، وحكى ابن الجواليقي ذلك، لكنه قال: والقصر، وكذا قال الفارابي، لكنه قال

٥٠٨
ذكر طبه عَ لداء الاستسقاء
ففعله فبریء.
ومرض بعض الناس بيرد المعدة فرأى الشيخ المرجاني أيضًا النبي عَّةٍ وهو
يشير بهذا الدواء: أوقية ونصف أوقية عسل نحل، ودرهمان شونيز، ومثلهما أنيسون،
ونصف أوقية من النعنع الأخضر، ومن القرنفل درهم، ومن القرفا نصف درهم، وشىء من
قشر الليمون، مع قليل من الخل، ويعقد ذلك على النار، فاستعمله فبرىء.
ومرض آخر بسلس الريح، فرأى الشيخ المرجاني النبي عَّهِ وهو يشير بهذا
الدواء: شونيز ثلاثة دراهم، ومن خزامى درهمين ونصف، ومن الكمون الأبيض
ثلاثة دراهم، ومثله من السعتر الشامي ومثله من الغليا، ووزن درهم من البلوط وهو
ثمرة الفؤاد، وأوقية من الزيت المرقي يجعل فيه من عسل النحل ما يعقد به وهو
ربع رطل، ويؤخذ منه غدوة النهار وزن درهمين على الريق، وعند النوم وزن درهم
مصطكي: بالتاء والميم أصلية، وهي رومية معربة (بعد دقها، ويجعل فيها سبع حبات من
الشونيز:) (بفتح الشين) الحبة السوداء على الأشهر، (يفعل ذلك سبعة أيام، ففعله فبرىء) ببركة
المصطفى، (ومرض بعض الناس ببرد المعدة، فرأى الشيخ المرجاني أيضًا النبي عَِّ، وهو
يشير بهذا الدواء، أوقية ونصف عسل نحل ودرهمان شونيز ومثلهما آنيسون، ونصف أوقية
من النعنع) (بزنة جعفر وهدهد)، أو كجعفر، وهم للجوهري بقل معروف أنجع دواء للبواسير،
ضمادًا بورقه، وضماده بملح لعضة الكلب وللسعة العقرب، واحتماله قبل الجماع يمنع الحبل،
ويقال: نعناع أيضًا كما في القاموس (الأخضر، ومن القرنفل درهم، ومن القرفا نصف درهم،
وشيء من قشر الليمون مع قليل من الخل، ويعقد ذلك على النار فاستعمله فبرىء).
(ومرض آخر بسلس الريح، فرأى الشيخ المرجاني النبي عَّه، وهو يشير بهذا الدواء
شونيز) (بالجر بدل من هذا الدواء)، (ثلاثة دراهم، ومن خزامي درهمين ونصف،) بجره أيضًا
عطف على شونيز قدم عليه متعلقة، وهو من خزامى، وهذا ظاهر، فلا وجه لمن قال صوابه
درهمان، (ومن الكمون الأبيض ثلاثة دراهم، ومثله من السعتر الشامي، ومثله من الغليا،) أي
من كل منهما ثلاثة دراهم (ووزن درهم من البلوط) (بفتح الموحدة وضم اللام مشددة)، (وهو
ثمرة الفؤاد،) أي المسمى بذلك، وفي القاموس: البلوط كتنور شجر كانوا يغتذون بثمره قديمًا،
بارد يابس، ثقيل، غليظ، ممسك للبول، وبلوط الأرض: نبات ورقه كالهندباء، مدر، مفتح،
مضمر للطحال، (وأوقية من الزيت المرقي، يجعل فيه من عسل النحل ما يعقد به، وهو ربع
رطل، ويؤخذ منه غدوة النهار،) أي أوله (وزن درهمين على الريق، وعند النوم وزن درهم،

٥٠٩
ذكر طبه عبد لداء الاستسقاء
ونصف، فاستعمله فبرىء. ثم إنه عليه الصلاة والسلام بعد ذلك قال في النوم
لذلك الشخص الذي أخبره بهذا الدواء إنه ينفع لأُدواء وهي: الريح، وسلس الريح،
والمعدة وبرودتها، ووجع الفؤاد وألم الحيض، والنفاس، ولتعقد الرياح.
والزيت المرقي: صفته أن تأخذ شيئًا من الزيت الطيب، وتجعله في إناء
نظيف وتحركه بعود وتقرأ عليه الإخلاص والمعوذتين، و﴿لقد جاءكم رسول من
أنفسكم﴾ إلى آخر السورة ﴿وننزل من القرءان ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين﴾
﴿ولو أنزلنا هذا القرءان﴾ إلى آخر السورة.
وحصل لآخر قولنج، فرأى الشيخ المرجاني النبي عَّهِ فأشار بهذا الدواء:
وهو أن يأخذ ثلاثة دراهم من عسل النحل، ووزن درهم وصف من الزيت المرقي،
وإحدى وعشرين حبة من الشونيز ويخلط الجميع ثم يفطر عليه، ويفعل مثله عند
النوم، يفعل ذلك حتى يبرأ، ويعمل له التلبنية ويستعملها بعد أن يفطر على ذلك،
ونصف فاستعمله فبرىء، ثم إنه عليه الصلاة والسلام بعد ذلك قال في النوم لذلك
الشخص، الذي أخبره بهذا الدواء) على لسان المرجاني: (إنه ينفع لأدواء) أمراض عديدة،
(وهي: الريح وسلس الريح، والمعدة وبرودتها، ووجع الفؤاد، وألم الحيض والنفاس، ولتعقد
الرياح والزيت المرقي، صفته أن تأخذ شيئًا من الزيت الطيب، وتجعله في إناء نظيف
وتحركه بعود، وتقرأ عليه الإخلاص والمعوذتين، ﴿ولقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾ إلى
آخر السورة، ﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين﴾ ﴿لو أنزلنا هذا القرآن﴾ إلى
آخر السورة،) والظاهر أن هذه الصفة معلومة عندهم، إلا أنها علمها النبي عَّه لذلك الشخص
الذي قال له: إنه ينفع لأدواء عديدة، بدليل أنه في وصفه للمرجاني قال: والزيت المرقي، فيفيد
أن صفة رقيته بهذا كانت معلومة عندهم قبل ذلك.
(وحصل لآخر قولنج) (بضم القاف وفتح اللام)، قال في القاموس: وقد تكسر لامه، أو
هو مكسور اللام، (وبفتح القاف وبضم): مرض معوي مؤلم يعسر معه خروج الثقل والريح،
(فرأى الشيخ) المرجاني (النبي عَّةِ، فأشار بهذا الدواء، وهو أن يأخذ ثلاثة دراهم من عسل
النحل، ووزن درهم ونصف من الزيت المرقي، وإحدى وعشرين حبة من الشونيز، ويخلط
الجميع، ثم يفطر عليه، ويفعل مثله عند النوم، يفعل ذلك حتى يبرأ، ويعمل له التلبينة)
(بفتح الفوقية وسكون اللام وكسر الموحدة، وسكون التحتية ونون مفتوحة فهاء)، وقد تحذف،
(ويستعملها بعد أن يفطر على ذلك، والتلبينة حساء) (بفتح الحاء والسين المهملتين والمد)،

٥١٠
ذكر طبه عَ لِ لداء الاستسقاء
والتلبينة حساء يعمل من دقيق أو نخالة، وربما عمل فيها عسل، ويكون غذاؤه
مصلوقة الدجاج أو لحم الضأن، ففعله فبرأ بعد أن أعيا الأطباء.
ومرض آخر بوجع الظهر، فشكا ذلك للشيخ فرأى النبي عَّه وهو يشير بهذا
الدواء، وهو عسل نحل وشونيز ودهن الإلية والزيت المرقي، ورقيق البيضة،
ويخلط ذلك كله، ويمده على الموضع ويدر عليه دقيق العدس بقشرة مع الحرمل
بعدما يدق دقًا ناعمًا حتى يعود مثل الدقيق؛ ففعله فبرىء.
وشكا بعض الناس الدوخة في رأسه فرأى الشيخ النبي عَّه في النوم فأشار
إلى هذا الدواء: قرنفل وزنجبيل وقرفة وجوزة طيب وسنبل، من كل واحد درهم
ونصف، وشونيز درهمين، يدق الجميع ثم يطبخ ويعقد بعسل النحل، فإذا قرب
استواؤه عصر عليه قليل ليمون، فيكون عسل النحل غالبًا عليه، ففعله فبرىء،
انتھی.
(يعمل) أي يطبخ (من دقيق أو نخالة، وربما عمل فيها عسل،) وربما عمل لبن، سميت بذلك
تشبيهًا لها باللبن في بياضها ورقتها، (ويكون غذاؤه مصلوقة الدجاج أو لحم الضأن، ففعله،
فبرأ بعد أن أعيا الأطباء).
وفي الصحيحين، عن عروة، عن عائشة: أنها كانت تأمر بالتلبينة للمريض وللمحزون على
الهالك، وتقول: سمعت رسول اللَّه عَّ يقول: ((إن التلبينة تجم فؤاد المريض وتذهب ببعض
الحزن)) (بضم الفوقية وكسر الجيم وشد الميم، ويفتح الفوقية وضم الجيم)، وفي رواية: ((التلبينة
مجمة لفؤاد المريض)) ... الحديث.
قال القرطبي: روي مجمة (بفتح الميم والجيم، وبضم الميم وكسر الجيم)، أي تريح قلبه
وتسكنه وتقويه، (ومرض أخر بوجع الظهر، فشكا ذلك للشيخ) المرجاني، (فرأى النبي عَّه.
وهو يشير بهذا الدواء، وهو عسل نحل وشونيز ودهن الإلية، والزيت المرقي ورقيق
البيضة،) المسمى عرفًا بياض البيض، (ويخلط ذلك كله ويمده على الموضع) الموجوع،
(ويدر عليه دقيق العدس بقشره مع الحرمل:) نبات بالبادية له حب أسود، وقيل: حب
كالسمسم (بعد ما يدق ناعمًا حتى يعود مثل الدقيق، ففعله فبرىء) (بكسر الراء وفتحها)،
(وشكا بعض الناس الدوخة في رأسه، فرأى الشيخ) المرجاني (النبي عَّةِ في النوم، فأشار
إلى هذا الدواء: قرنفل وزنجبيل وقرفا وجوزة طيب وسنبل، من كل واحد درهم ونصف،
وشونيز درهمين، يدق الجميع ويطبخ، ويعقد بعسل النحل، فإذا قرب استواؤه عصر عليه
قليل ليمون، ويكون عسل النحل غالبًا عليه، ففعله فبرىء. انتهى) كلام المدخل، (وهذا)

٥١١
ذكر طبه عَلَّهِ من داء عرق النسا
وهذا وإن كان منامًا فقد عضدته التجربة مع إرشاد الشيخ المرجاني لذلك.
[ذكر طبه عَّله من داء عرق النسا]
وهو بفتح النون والمهملة، المرض الحال بالعرق، والإضافة فيه من باب
إضافة الشىء إلى محله. قيل: وسمي بذلك لأن ألمه ينسي ما سواه. وهذا العرق
ممتد من مفصل الورك وينتهي إلى آخر القدم وراء الكعب.
وعن أنس أن رسول اللَّه عَ لّه قال: دواء عرق النسا ألية شاة أعرابية تذاب ثم
تجزأ ثلاثة أجزاء، ثم يشرب على الريق في كل يوم جزاء. رواه ابن ماجه.
وهذا الدواء خاص بالعرب وأهل الحجاز ومن جاورهم، وهو أنفعه لهم، لأن
كله (وإن كان منامًا فقد عضدته التجربة مع إرشاد الشيخ المرجاني لذلك،) فلا بأس بالعمل
به بصدق النية.
ذكر طبه عَلَيَّةٍ من داء عرق النسا ، وهو بفتح النون والمهملة
والقصر (المرض الحال بالعرق،) أي عرق الفخذ، (والإضافة فيه من باب إضافة
الشيء إلى محله) المناسب لتفسيره، أن يقول من إضافة المحل إلى الحال فيه، وفي القاموس:
أن النسا اسم للعرق نفسه لا للمرض، إذ قال: النسا عرق من الورك إلى الكعب، ويثنى نسوان
ونسيان، قال الزجاج: لا تقل عرق النسا، لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه. انتهى.
فيؤول إذا أضيف بأنه من إضافة المسمى إلى الاسم، (قيل: وسمي بذلك، لأن ألمه
ينسي ما سواه،) فهو من النسيان، وقيل: من النسء التأخير، لأنه يطول ويتأخر برؤه، (وهذا
العرق ممتد من مفصل الورك، وينتهي إلى آخر القدم وراء الكعب).
(عن أنس) بن ملك (أن رسول اللَّه عٍَّ قال: دواء عرق النسا إلية شاة) (بفتح الهمزة
وإسكان اللام مخففًا).
قال ابن السكيت وجماعة: ولا تكسر الهمزة، ولا يقال ألية بالتشديد، والجمع أليات،
مثل: سجدة وسجدات، والتثنية أليان، (بحذف التاء على غير قياس)، وبإثباتها في لغة على
القياس (أعرابية) (التاء في شاة للوحدة، فيصدق بالذكر والأنثى، لكن في رواية: بألية، كبش
ليس بالعظيم ولا بالصغير، وفي أخرى: كبش أسود، فتحمل رواية شاة على الذكر الأسود الذي
ليس بكبير ولا صغير، لأن المطلق يحمل على المقيد، (تذاب ثم تجزأ ثلاثة أجزاء) متساوية،
(ثم يشرب على الريق في كل يوم جزاء).
(رواه ابن ماجه: وهذا الدواء خاص بالعرب وأهل الحجاز ومن جاورهم) من غيرهم،

٥١٢
ذكر طبه عٍَّ من الورم
هذا المرض يحدث من يبس، وقد يحدث من مادة غليظة لزجة، فعلاجها
بالإسهال. والألية فيها الخاصيتان: الإنضاج والتليين. وهذا المرض يحتاج علاجه
إلى هذين الأمرين. وفي تعيين الشاة الأعرابية، قلة فضولها وصغر مقدارها ولطف
جوهرها، وخاصية مرعاها، لأنها ترعى أعشاب البر الحارة، كالشيح والقيصوم
ونحوهما، وهذه إذا تغذى بها الحيوان صار في لحمه من طبعها، بعد أن تلطفه
تغذية، وتكسبها مزاجًا ألطف منها ولاسيما الآلية.
[ذكر طبه عٍَّ من الورم]
والخراجات بالبط والبزل، يذكر عن علي رضي اللَّه عنه قال: دخلت مع
رسول اللَّه عَّ على رجل يعوده، بظهره ورم، فقالوا: يا رسول اللَّه، بهذه معدة
فقال: بطوا عنه، قال علي: فما برحت حتى بطت، والنبي معَّه شاهد.
لأن للمجاورة تأثيرًا، (وهو أنفعه لهم، لأن هذا المرض يحدث من يبس، وقد يحدث من مادة
غليظة لزجة،) أي متعلقة، (فعلاجها بالإسهال والإلية، فيها الخاصيتان: الإنضاج،) وهو تهيئته
للحالة التي يسهل خروجه بعدها، من أنضجت اللحم إذا سويته بالطبخ (والتليين، وهذا
المرض يحتاج علاجه إلى هذين الأمرين، وفي تعيين الشاة الأعرابية قلة فضولها وصغر
مقدارها ولطف جوهرها وخاصية مرعاها، لأنها ترعى أعشاب البر الحارة، كالشيح والقيصوم
ونحوهما، وهذه) الأعشاب (إذا تغذى بها الحيوان صار في لحمه من طبعها بعد أن تلطفه،)
أي تلطف تلك الأعشاب لحمها (تغذية) (بالرفع اسم صار)، (وتكسبها مزاجًا ألطف منها، ولا
سيما الإلية).
ذكر طبه عالية من الورم
أي الغلظ من المرض، وجمعه أورام، والفعل ورم يرم (بكسر الراء فيهما) (والخراجات)
(بخاء معجمة وجيم)، مخففًا: جمع خراج كغراب (بالبطء) أي الشق (والبزل) (بموحدة، وزاي
عطف مرادف)، يقال: بزل الشيء إذا ثقبه وأخرج ما فيه، (يذكر عن علي رضي الله عنه، قال:
دخلت مع رسول اللَّه عَلّ على رجل يعوده بظهره ورم، فقالوا: يا رسول اللّه بهذه معدة:)
(بكسر الميم) قيح غليظ، (فقال: بطوا،) أي شقوا (عنه) أي عما احتبس فيه، (قال علي: فما
برحت،) أي زلت من مكاني (حتى بطت والنبي عَّ﴾. شاهد،) أي حاضر.

٥١٣
ذكر طبه عليه الصلاة والسلام بقطع العروق والكي جميعًا
[ذكر طبه عليه الصلاة والسلام بقطع العروق والكي جميعًا]
روى البخاري ومسلم من حديث جابر بن عبد اللَّه أن النبي عَّه بعث إلى
أبي بن كعب طبيبًا، فقطع له عرقًا وكواه عليه.
وأخرج مسلم عن جابر: لما رمي سعد بن معاذ في أكحله، جسمه
صَلى الله
النبي عَّ﴾.
وروى الطحاوي، وصححه الحاكم عن أنس قال: كواني أبو طلحة في
ذكر طبه عليه الصلاة والسلام بقطع العروق والكي جميعًا
كما في الحديث الأول، وبالكي وحده كما في بقية الأحاديث التي ساقها، ولم يذكر
الطب بقطع العرق وحده، وسواء كان ذلك في نفسه بناءً على تسليم أنه اكتوى، أو لغيره
بإرشاده لمن يفعله في نفسه أو غيره.
(روى البخاري ومسلم من حديث جابر بن عبد اللَّه أن النبي عٍَّ بعث إلى أبي بن
كعب) بن قيس الأنصاري، النجاري، سيد القراء، من فضلاء الصحابة، (طبيبًا فقطع له عرقًا،)
أي قصده (وكواه عليه).
وفي رواية لمسلم أيضًا، عن جابر، قال: رمى أبي يوم الأحزاب على أكحله، فكواه
رسول اللَّه ◌َّ، أي أمر بکیه.
قال القرطبي: فيه دلالة على أنه لا يلي عمل الشيء إلا من يغرفه، وعلى جواز الكي إذا
صحت منفعته أو دعت إليه حاجة، والنهي عنه إنما هو إذا وجد عنه غنى، ولذا لا يقال أن أبيا
المشهود؛ بأنه اقرأ الأمة، وسعد بن معاذ الذي اهتز عرش الرحمن لموته ليسا من السبعين ألفًا
الذين لا يكتوون.
(وأخرج مسلم عن جابر: لما رمي) (بضم الراء مبني للمجهول) (سعد بن معاذ) يوم
الخندق (في أكحله:) (بفتح الهمزة وسكون الكاف وفتح الحاء المهملة) عرق في الذراع
يفصد، قال الخليل: هو عرق الحياة، ويقال له نهر الحياة، في كل عضو منه شعبة، له اسم آخر،
وإذا قطع في اليد لم يرقا الدم.
قال أبو حاتم: يقال له في اليد الأكحل، وفي الفخد النساء وفي الظهر الأبهر (جسمه،)
أي قطع دمه بالكي (النبي عَّه) بيده بمشقص، ثم ورمت الثانية فحسمه، هذا بقية الحديث في
مسلم: (بميم مكسورة ومعجمة ساكنة، فقاف، فمهملة) نصل السهم الطويل.
(وروى الطحاوي، وصححه الحاكم عن أنس قال: كواني أبو طلحة) زيد بن سهل

٥١٤
ذكر طبه عليه الصلاة والسلام بقطع العروق والكي جميعًا
زمن النبي عَّه.
وعند الترمذي: أنه معَّه كوى أسعد بن زرارة من الشوكة.
وروى مسلم عن عمران بن حصين قال: كان يُسلّم علي حتى اكتويت
فتُّرِكت، ثم تركت فعاد. وفي رواية: إن الذي كان انقطع عني رجع إلي، يعني
تسليم الملائكة.
وروى أحمد وأبو داود والترمذي عن عمران: نهى رسول اللَّه عَ لّه عن الكي،
فاكتوينا فما أفلحنا ولا أنحجنا، الحديث.
الأنصاري زوج أم أنس (في زمن النبي عَّة) لمرض اقتضى العلاج بالكي.
(وعند الترمذي؛ أنه عَّ كوى أسعد بن زرارة) الأنصاري، الخزرجي، قديم الإسلام،
شهد العقبات الثلاثة، ومات قبل بدر باتفاق، قال الواقدي: في شوال على رأس تسعة أشهر من
الهجرة، وصلى عليه النبي عَِّ ودفن بالبقيع، (من الشوكة،) هي حمرة تعلو الوجه، بلفظ:
واحدة الشوك.
(وروى مسلم عن عمران بن حصين) (بمهملتين)، مصغر ابن عبيدالخزاعي أبي نجيد
(بنون وجيم)، مصغر من فضلاء الصحابة وفقهائهم، وكان مجاب الدعوة، بعثه عمر إلى البصرة
ليفقه أهلها، فأقام إلى أن مات بها سنة اثنتين وخمسين. وقيل: سنة ثلاث وأبوه صحابي، (قال:
كان يسلم علي) (بالبناء للمفعول، أي كانت الملائكة تسلم علي (حتى اكتويت) قبل وفاته
بسنتين، كما رواه الحرث بن أبي أسامة، (ثم تركت الكي، فعاد:) رجع إليَّ تسليم الملائكة.
وعند الدارمي عن مطرف، قال عمران بن حصين: إني محدثك بحديث؛ أنه كان يسلم
علي، وأن ابن زياد أمرني فاكتويت، فاحتبس عني حتى ذهب أثر الكي.
(وفي رواية) لمسلم، أيضًا عن عمران: (إن الذي كان انقطع عني) بسبب الكي (رجع
إلي، يعني تسليم الملائكة،) أي الحفظة، قال أبو عمر: يقول عنه أهل البصرة؛ أنه كان يرى
الحفظة، و کانت تكلمه حتى اكتوى، ففقده ثم عاد إليه؛ ومراد المصنف من سياق هذا معارضته
للأحاديث قبله، الدالة على الجواز، ويأتي له الجمع قريبًا، وليس مراده الاستدلال به على
الترجمة، وترجى أن وجه الدلالة إقراره عَّلّه له بعد فعله فاسد، لأن عمران إنما اكتوى قبل موته
بسنتين، كما رواه الحرث، وذلك بعد النبي عَِّ بأربعين سنة.
(وروى أحمد وأبو داود والترمذي) بسند قوي، (عن عمران) رضي اللّه عنه: (نهى
رسول اللَّه عَّم عن الكي، فاكتوينا، فما أفلحنا ولا أنحجناء) أي ما ظفرنا بمطلوبنا، وإنما اكتووا
مع النهي، لأنهم فهموه على الكراهة، أو على خلاف الأولى، كما قاله المتن بعد أسطر. وفي

٥١٥
ذكر طبه عليه الصلاة والسلام بقطع العروق والكي جميعًا
وإنما يستعمل الكي في الخلط الباغي الذي لا تنقطع مادته إلا به، ولهذا
وصفه عَّهِ ثم نهى عنه، وإنما كرهه لما فيه من الألم الشديد والخطر العظيم، ولذا
كانت العرب تقول في أمثلتها: آخر الدواء الكي.
والنهي فيه محمول على الكراهة أو على خلاف الأولى، لما يقتضيه
مجموع الأحاديث، وقيل: إنه خاص بعمران لأنه كان به الباسور، وكان موضعه
خطرًا فنهاه عن كيه، فلما اشتد عليه كواه فلم ينجح
وقال ابن قتيبة: الكي نوعان: كي الصحيح لئلا يعتل، فهذا الذي قيل فيه:
لم يتوكل من اكتوى. لأنه يريد أن يدفع القدر، والقدر لا يدافع، والثاني: كي
لفظ: فلم تفلحن ولم تنجحن، أي الكيات، ونجح كمنع ... (الحديث،) كذا في النسخ:
فيقتضي أن له بقية مع أنه ليس له بقية، وقد أحسن في شرحه تبعًا للحافظ، فلم يقل الحديث،
(وإنما يستعمل الكي في الخلط الباغي،) أي المتجاوز في خروج الدم، يقال: بغى الجرح إذا
تراخى إلى الفساد، ومنه البغي الظلم والاعتداء والفساد، (الذي لا تنقطع مادته إلا به،) أي
الكي، (ولذا وصفه عَّله، ثم نهى عنه،) فقال الشفاء في ثلاثة: شربة عسل وشرطة محجم وكية
نار، وأنهى أمتي عن الكي، رواه البخاري عن ابن عباس: (وإنما كرهه لما فيه من الألم الشديد
والخطر العظيم) (بفتح الخاء المعجمة والطاء المهملة) الإشراف على الهلاك وخوف التلف،
(ولذا كانت العرب تقول في أمثلتها: آخر الدواء الكي،) وآخر الطب الكي.
قال السخاوي: كلام معناه أنه بعد انقطاع معرفة الشفاء يعالج به، ولذا كان أحد ما حمل
عليه النهي عن الكي وجود طريق مرجو للشفاء سواه، (والنهي فيه محمول على الكراهة، أو
على خلاف الأولى لما يقتضيه مجموع الأحاديث) السابقة وغيرها من جوازه والنهي عنه،
فيجمع بينها بذلك.
(وقيل: إنه)) أي النهي (خاص بعمران،) يعني: ومن شابهه في مرضه، بدليل قوله: وأنهى
أمتي عن الكي، (لأنه كان به الباسور، وكان موضعه خطرًا، فنهاه عن كيه، فلما اشتد عليه
كواه) حملاً له على التنزيه؛ (فلم ينجح:) لم يظفر بزوال الباسور ولا ينافي ذلك ما رواه
الحرث في مسنده عن الحسن عن عمران أنه شكا بطنه، فلبث زمانًا طويلاً، فدخل عليه رجل،
فأمره بالكي، فاكتوى قبل وفاته بسنتين، وكان يسلم عليه، فلما اكتوى فقده، ثم عاد إليه، لأن
وجع بطنه نشأ من اشتداد الباسور، لأنه يحبس الريح والغائط.
(وقال ابن قتيبة: الكي نوعان: كي الصحيح لئلا يعتل، فهذا الذي قيل فيه: لم يتوكل

٥١٦
-
ذكر طبه عليه الصلاة والسلام بقطع العروق والكي جميعًا
الجرح إذا فسد، والعضو إذا قطع، فهو الذي شرع التداوي له، فإن كان الكي لأمر
محتمل فهو خلاف الأولى لما فيه من تعجيل التعذيب بالنار لأمر غير محقق.
وحاصل الجمع: أن الفعل يدل على الجواز، وعدم الفعل لا يدل على
المنع بل يدل على أن تركه أرجح من فعله، ولهذا وقع الثناء على تاركه، وأما
النهي عنه فإما على سبيل الاختيار والتنزيه، وإما عما لا يتعين طريقًا إلى الشفاء.
وقال بعضهم: إنما نهى عَّه عنه مع إثباته الشفاء فيه إما لكونهم كانوا يرون أنه
يحسم الداء بطبعه فكرهه لذلك، ولذلك كانوا يبادرون إليه قبل حصول الداء
لظنهم أنه يحسم الداء، فيتعجل الذي يكتوى التعذيب بالنار لأمر مظنون.
من اکتوی لأنه یرید أن يدفع القدر، والقدر لا يدافع،) إذ لا بد من وقوعه.
(والثاني: كي الجرح إذا فسد، والعضو إذا قطع، فهو الذي شرع التداوي له،) أي
بالكي، (فإن كان الكي لأمر محتمل، فهو خلاف الأولى، لما فيه من تعجيل التعذيب بالنار
لأمر غير محقق،) إذ الشفاء بالدواء محتمل، فلا ينبغي فعله.
(وحاصل الجمع) بين الأحاديث (أن الفعل يدل على الجواز، وعدم الفعل لا يدل
على المنع،) لجواز إن تركه خوفًا من الألم لا لمنع الفعل، (بل يدل على أن تركه أرجح من
فعله،) لأن تركه مع الإخبار بأن فيه شفاء، وحرص النفس على الخلاص من المرض دليل على
أن الترك لمرجح عنده، (ولهذا وقع الثناء على تاركه) في حديث الذين يدخلون الجنة بغير
حساب، لقوله عَّله: (هم الذين لا يرقون ولا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم
یتو کلون».
(وأما النهي عنه، فإما على سبيل الاختيار والتنزيه، وإما عما،) أي عن كي (لا يتعين
طريقًا إلى الشفاء،) فما نكرة موصوفة.
(وقال بعضهم: إنما نهى عَِّ عنه مع إثباته الشفاء فيه،) بقوله: الشفاء في ثلاث ...
الحديث المار قريبًا.
ورواه البخاري أيضًا ومسلم من حديث جابر بلفظ: إن كان في شيء من أدويتكم شفاء،
ففي شرطة محجم، أو شربة عسل، أو لذعة بنار، وما أحب أن أكتوي، (إما لكونهم كانوا يرون
أنه يحسم،) أي يقطع (الداء بطبعه، فكرهه لذلك،) لأنه اعتقاد باطل، فالشافي إنما هو اللَّه
تعالى، فهو الذي يحسمه، (ولذلك كانوا يبادرون إليه قبل حصول الداء لظنهم أنه يحسم
الداء، فيتعجل الذي يكتوي التعذيب بالنار لأمر مظنون،) فهو مكروه، أو خلاف الأولى.

٥١٧
ذكر عَ لَّ طبه من الطاعون
قال في فتح الباري: ولم أر في أثر صحيح أن النبي مَّ اكتوى، إلا أن
القرطبي نسب إلى كتاب آداب النفوس للطبري أن النبي عَّ اكتوى، وذكره
الحليمي بلفظ: روي أنه اكتوى للجرح الذي أصابه بأحد. قال الحافظ ابن حجر:
والثابت في الصحيح في غزوة أحد أن فاطمة أحرقت حصيرًا فحشت به جرحه،
وليس هذا الكي المعهود. انتهى.
ذكر طبه عَ لَّهِ من الطاعون
قال الخليل بن أحمد: الطاعون الوباء، وقال ابن الأثير: الطاعون المرض
العام والوباء الذي يفسد له الهواء فتفسد به الأمزجة، وقال القاضي أبو
(قال في فتح الباري: ولم أر في أثر صحيح أن النبي عَِّ اكتوى، إلا أن القرطبي
نسب إلى كتاب آداب النفوس للسبري) محمد بن جرير (أن النبي عَ ل اكتوى، وذكره
الحليمي بلفظ: روى أنه اكتوى للجرح الذي أصابه بأحد، قال الحافظ ابن حجر) تعقبًا
عليهما: (والثابت في الصحيح) البخاري (في غزوة أحد) وفي غيرها، ومنه في الطب، وبوب
عليه باب حرق الحصير ليسد به الدم، (أن فاطمة أحرقت حصيرًا، فحشت به جرحه، وليس
هذا الكي المعهود. انتهى).
يعني فإن كان ذلك مراد من قال: اكتوى، لم يصح إلا بتأويل؛ أنه أطلق الكي على الحشو برماد
الحصير مجازًا، وقد جزم ابن التين؛ بأنه اكتوى، وابن القيم بأنه لم يكتو، ولفظ الصحيح عن
سهل بن سعد: لما كسرت على رأس رسول اللَّه عَّة البيضة، وأدمي وجهه، وكسرت رباعيته،
كان علي يختلف بالماء في المجن، وجاءت فاطمة تغسل عن وجهه الدم، فلما رأت الدم يزيد
على الماء كثرة، عمدت إلى حصير، فأحرقتها وألصقتها على جرحه، فرقا الدم.
ذكر طبه عدّ من الطاعون
بوزن فاعول من الطعن، عدلوا به عن أصله ووضعوه دالاً على الموت العام، كالوباء،
ويقال: طعن، فهو مطعون، وطعين إذا أصابه الطاعون، وإذا أصابه الطعن بالرمح، هذا كلام
الجوهري، (قال الخليل بن أحمد) الأزدي الفراهيدي أبو عبد الرحمن البصري، اللغوي،
صاحب العروض والنحو، صدوق، عالم، عابد، مات بعد العتين ومائة، وقيل: سنة سبعين أو
بعدها، (الطاعون: الوباء).
(وقال ابن الأثير) في النهاية: في طعن (الطاعون المرض العام والوباء الذي يفسد له
الهواء، فتفسد به الأمزجة،) فمفهوم هذا تغايرهما، وقال في وبأ الوباء: (بالقصر والمد والهمزة)
الطاعون والمرض العام، فجعلهما جزئين من جزئيات الوباء، فمفهومه تساويهما.

٥١٨
ذكر طبه معَّ له من الطاعون
بكر بن العربي: الطاعون المرض الغالب الذي يطفىء الروح، سمي بذلك لعموم
مصابه وسرعة قتله، وقال أبو الوليد الباجي: هو مرض يعم الكثير من الناس في
جهة من الجهات، بخلاف المعتاد من أمراض الناس. وقال القاضي عياض: أصل
الطاعون القروح الخارجة في الجسد، والوباء عموم الأمراض فسميت طاعونًا
لشبهها بها في الهلاك. وقال النووي في تهذيبه: هو بثر وورم مؤلم جدًا يخرج
مع لهب، ويسود ما حوله أو يخضر أو يحمر حمرة شديدة بنفسجية كدرة،
ويحصل معه خفقان وقيء، ويخرج غالبًا في مراق البدن والآباط، وقد يخرج في
الأيدي والأصابع وسائر الجسد.
وقال ابن سينا: الطاعون مادة سمية تحدث مرضًا قتالاً يحدث في المواضع
الرخوة والمغابن من البدن، وأغلب ما يكون تحت الإبط، أو خلف الآذان، أو عند
الأربية، وسببه ورم رديء: يستحيل إلى جوهر سمي يفسد العضو، ويغير ما يليه،
(وقال القاضي أبو بكر) محمد (بن العربي) الفقيه الحافظ: (الطاعون المرض الغالب
الذي يطفىء الروح،) أي يزيل قوته، وهو مجاز عن قتله، (سمي بذلك لعموم مصابه وسرعة
قتله).
(وقال أبو الوليد) سليمن (الباجي،) الحافظ الفقيه: (هو مرض يعم الكثير من الناس
في جهة من الجهات، بخلاف المعتاد من أمراض الناس،) فلا يعم ولا يختص بجهة.
(وقال القاضي عياض: أصل الطاعون القروح:) جمع قرح (الخارجة في الجسد،
والوبناء عموم الأمراض، فسميت) عموم الأمراض (طاعونًا لشبهها بها،) أي القروح (في
الهلاك) لمن حلت به، (وقال النووي في تهذيبه،) أي كتاب تهذيب الأسماء واللغات: (هو
بثر) (بموحدة، فمثلثة، فراء)، أي خراج صغير (وورم مؤلم جدًا، يخرج مع لهب، ويسود ما
حوله، أو يخضر، أو يحمر حمرة شديدة بنفسجية:) نسبة إلى البنفسج، كسفرجل، والمكرر منه
اللامان، ووزنه فعلل، كما في المصباح: (كدرة) متغيرة، (ويحصل معه خفقان) اضطراب قلب
(وقيء، ويخرج غالبًا في مراق البدن)) أي ما لان منه، (والآباط، وقد يخرج في الأيدي
والأصابع وسائر الجسد،) أي باقيه قسيم قوله غالبًا.
(وقال ابن سيناء: الطاعون مادة سمية تحدث مرضًا قتالاً يُحدث في المواضع الرخوة
والمغابن) (بمعجمة وموحدة ونون) وهي الارفاغ والآباط (من البدن) الواحد، مغبن كمسجد،
(وأغلب ما يكون تحت الإبط، أو خلف الآذان، أو عند الاربية) (بضم الهمزة وإسكان الراء
وكسر الموحدة وتحتية مشددة).

٥١٩
ذكر طبه عَلَّهِ من الطاعون
ويؤدي إلى القلب كيفية ردية فيحصل القيء والغثيان والغشي والخفقان، وهو
الرداءته لا يقبل من الأعضاء إلا ما كان أضعف بالطبع، وأردؤه ما يقع في الأعضاء
الرئيسة، والأسود منه قلَّ من يسلم منه، وأسلمه الأحمر ثم الأصفر، والطواعين تكثر
عند الوباء في البلاد الوبئة، ومن ثم أطلق على الطاعون وباء وبالعكس، وأما الوباء:
فهو فساد جواهر الهواء الذي هو مادة الروح ومدده.
والحاصل: أن حقيقته ورم ينشأ عن هيجان الدم وانصباب الدم إلى عضو
فيفسده، وأن غير ذلك من الأمراض العامة الناشئة عن فساد الهواء، يسمى طاعونًا
بطريق المجاز، لاشتراكهما في عموم المرض به أو كثرة الموت.
والدليل على أن الطاعون يغاير الوباء، أن الطاعون لم يدخل المدينة النبوية،
وقد قالت عائشة: دخلنا المدينة وهي أوبأ أرض اللَّه، وقال بلال: أخرجونا إلى
قال الجوهري: أصل الفخذ، وأصله اربوة، فاستثقلوا التشديد على الواو، أي: فقلبوها ياء،
(وسببه ورم رديء يستحيل إلى جوهر سمي يفسد العضو ويغير ما يليه) إلى سواد أو خضرة
أو حمرة كدرة، (ويؤدي إلى القلب كيفية ردية، فيحصل القيء والغثيان والغشي
والخفقان، وهو لرداءته لا يقبل من الأعضاء إلا ما كان أضعف بالطبع، وأردؤه ما يقع في
الأعضاء الرئيسة، والأسود منه قل من يسلم منه) من الموت، (وأسلمه الأحمر، ثم الأصفر،
والطواعين تكثر عند الوباء في البلاد الوبئة)، بالواو والهمز، وتقلب الهمزة ياءً، (ومن ثم أطلق على
الطاعون وباءً، وبالعكس، وأما الوباء، فهو فساد جوهر الهواء الذي هو مادة الروح ومدده)، أي
زيادته وقوته، (والحاصل،) أي حاصل المقام لا حاصل كلام ابن سينا (أن حقيقته ورم ينشأ
عن هيجان الدم وانصباب الدم إلى عضو، فيفسده،) ولا ينافيه أنه وخز الجن، لجواز أن ذلك
يحدث عن الطعنة الباطنة، فتحدث منها المادة السمية، ويهيج الدم بسببها أو ينصب.
وقال الكلاباذي: يحتمل أن الطاعون قسمان: قسم يحصل من غلبة بعض الأخلاط من دم
أو صفراء محترقة، أو غير ذلك من غير سبب يكون من الجن، وقسم يكون من وخز الجن، كما
تقع الجراحات من القروح التي تخرج في البدن من غلبة بعض الأخلاط، وإن لم يكن هناك
طعن، وتقع الجراحات أيضًا من طعن الإنس، (وإن غير ذلك من الأمراض العامة الناشئة عن
فساد الهواء يسمى طاعونًا بطريق المجاز، لاشتراكهما في عموم المرض به، أو كثرة
الموت،) كما أشار إليه عياض، وإن كانا متغايرين، (والدليل على أن الطاعون يغاير الوباء أن
الطاعون لم يدخل المدينة النبوية) قط.
(وقد قالت عائشة: دخلنا،) وفي رواية: قدمنا (المدينة، وهي أوباً أرض اللَّه، وقال

٥٢٠
ذكر طبه مَِّ من الطاعون
أرض الوباء.
والطاعون: من طعن الجن، وإنما لم تتعرض له الأطباء لكونه من طعن الجن،
لأنه أمر لا يدرك بالعقل، وإنما عرف من الشارع، فتكلموا في ذلك على ما اقتضته
قواعدهم، ومما يؤيد أن الطاعون إنما يكون من طعن الجن وقوعه غالبًا في أعدل
الفصول، وفي أصح البلاد هواء، وأطيبها ماء، ولأنه لو كان بسبب فساد الهواء لدام
في الأرض لأن الهواء يفسد تارة ويصح أخرى، والطاعون يذهب أحيانًا ويجيء
أحيانًا على غير قياس ولا تجربة، فربما جاء سنة على سنة، وربما أبطأ سنين، وبأنه
لو كان كذلك لعم الناس والحيوان، والموجود بالمشاهدة أنه يصيب الكثير، ولا
يصيب من هم بجانبهم ممن هو مثلهم في مزاجهم، ولو كان كذلك لعم جميع
البدن، وهذا يختص بموضع من الجسد لا يتجاوزه، ولأن فساد الهواء يقتضي تغير
الأخلاط وكثرة الأسقام، وهذا في الغالب يقتل بلا مرض، فدل على
أنه طعن الجن. كما ثبت في الأحاديث الواردة في ذلك.
منها حديث أحمد والطبراني عن أبي بكر بن أبي موسى الأشعري عن أبيه
بلال: أخرجونا،) أي كفار قريش (إلى أرض الوباء،) ومر الحديثان في الهجرة، (والطاعون من
طعن الجن، وإنما لم تتعرض الأطباء، لكونه من طعن الجن، لأنه أمر لا يدرك بالعقل، وإنما
عرف من الشارع، فتكلموا في ذلك على ما اقتضته قواعدهم،) لكنها منقوضة، كما أشار إليه
بقوله، (ومما يؤيد أن الطاعون إنما يكون من طعن الجن،) وقد عبر في شرحه للبخاري
بالاستدارك، فقال: لكن (وقوعه غالبًا في أعدل الفصول) من العام، وهو فصل الربيع، (وفي
أصح البلاد هواء وأطيبها ماء،) وذلك يبطل قول الأطباء أنه من فساد الهواء أو وباء البلاد، (و)
أيضًا، (لأنه لو كان بسبب فساد الهواء لدام في الأرض، لأن الهواء يفسد تارة ويصح أخرى)
في ساعة واحدة، (والطاعون يذهب أحيانًا ويجيء أحيانًا على غير قياس ولا تجربة، فربما
جاء سنة على سنة، وربما أبطأ سنين،) فبطل كونه من فساد الهواء، (وبأنه لو كان كذلك لعم
الناس والحيوان، والموجود بالمشاهدة أنه يصيب الكثير ولا يصيب من هم بجانبهم ممن
هو مثلهم في مزاجهم، و) أيضًا (لو كان كذلك لعم جميع البدن، وهذا يختص بموضع من
الجسد، لا يتجاوزه) إلى ما سواه، (ولأن فساد الهواء يقتضي تغير الأخلاط وكثرة الأسقام،
وهذا في الغالب يقتل بلا مرض، فدل على أنه طعن الجن، كما ثبت في الأحاديث الواردة
في ذلك، منها: حديث أحمد والطبراني،) وصححه الحاكم (عن أبي بكر،) اسمه عمرو أو