النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١ ذكر طبه مَِّ من داء الهم والكرب بدواء التوجه فأذهب اللَّه همي، وقضي ديني عني. وقد تضمن هذا الحديث الاستعاذة من ثمانية أشياء، كل اثنين منها قرينان مزدوجان: فالهم والحزن أخوان، والعجز والكسل أخوان، والجبن والبخل أخوان، وضَلَع الدين وقهر الرجال أخوان، فحصلت الاستعاذة من كل شر. (قال) أبو أمامة: (ففعلت ذلك،) أي لازمت هذا الدعاء صباحًا ومساءً، (فأذهب اللَّه همي وقضى ديني عني). قال في الإصابة: ظاهر سياق أول الحديث أنه من حديث أبي سعيد، وآخره أنه من رواية أبي أمامة، هذا وقد أخل المزي بترجمته في التهذيب والأطراف، وأغفله أبو أحمد الحاكم في الکنی. انتھی. ولا مخالفة، والحديث إنما هو من رواية أبي سعيد، وقول الأنصاري: قلت: بلى يا رسول اللَّه، من نقل أبي سعيد عنه بتقدير قال: قلت كما صرح بلفظ قال: ففعلت، ولذا أغفله المزي في كتابيه، لأنه لم يرو الحديث، إنما الراوي أبو سعيد، (وقد تضمن هذا الحديث الاستعاذة من ثمانية أشياء، كل اثنين منها قرينان مزدوجان،) أي متشاكلان، (فالهم والحزن أخوان،) إذ المكروه الوارد على القلب إن كان من مستقبل يتوقعه أحدث الهم، أو من ماض أحدث الحزن، (والعجز والكسل أخوان،) لأن التخلف عن أسباب الخير، إن كان لعدم قدرة فالعجز، أو لعدم إرادته فالكسل، (والجبن والبخل أخوان،) لأن عدم النفع، إن كان بالبدن فالجبن، أو بالمال فالبخل، (وضلع الدين) (بفتح المعجمة واللام)، أي ثقله حتى يميل صاحبه عن الاستواء لثقله، حيث لا يجد وفاء، لا سيما مع المطالبة، (وقهر الرجال أخوان،) فإن استيلاء الغير إن كان بحق فضلع الدين، أو بباطل فقهر الرجال، (فحصلت الاستعاذة من كل شر،) وهذا قالوه في حديث البخاري وغيره، عن أنس رضي اللَّه عنه: كان عَُّ يقول: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل وضلع الدين وغلبة الرجال، فأتى به المصنف وإن كان لفظ حديثه وغلبة الدین، لأنه بمعنی ضلع الدین. قال بعض العارفين: يجب التدقيق في فهم كلام النبوّة ومعرفة ما انطوى تحته من الأسرار، ولا يقف مع الظاهر، فالمحقق ينظر ما سبب حصول القهر من الرجال، فيجده الحجاب عن شهود كونه سبحانه هو المحرك لهم حتى قهروه، فيرجع إلى ربه، فيكفيه قهرهم، والواقف مع الظاهر لا يشهده من الحق، بل من الخلق، فلا يزال في قهر، ولو أنه شهد الفعل من اللَّه، لزال القهر ورضي بحكم اللَّه، فما وقعت الاستعاذة إلا من سبب القهر الذي هو الحجاب. ٤٢١ ذكر طبه معَ ◌ّه من داء الهم والكرب بدواء التوجه وفي سنن أبي داود - أيضًا - عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه عَ له: من لزم الاستغفار جعل اللَّه له من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب. وإنما كان الاستغفار له تأثير فى دفع الهم والضيق لأنه قد اتفق أهل الملل وعقلاء مل أمة أن المعاصي والفساد يوجبان الهم والغم والحزن وضيق الصدر وأمراض القلب، وإذا كان هذا تأثير الذنوب والآثام في القلوب فلا دواء لها إلا التوبة والاستغفار. وعن ابن عباس عن النبي عَّه: من كثرت همومه فليكثر من قول: لا حول (وفي سنن أبي داود أيضًا) والنسائي وابن ماجه والحاكم، وقال: صحيح الإسناد، (عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه عَّهِ: مِن لزم الاستغفار،) أي داوم عليه، وفي رواية أحمد والحاكم: من أكثر من الاستغفار (جعل الله له من كل هم فرجًا) (بفتح الفاء والراء والجيم)، أي كشفًا وخلوصًا منه، (ومن كل ضيق مخرجًا) من ذلك الضيق، (ورزقه من حيث لا يحتسب:) يخطر بباله، مقتبس من قوله تعالى: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]، لأن من داوم الاستغفار وقام بحقه، كان متيقنًا وناظرًا إلى قوله تقدس: ﴿استغفروا ربكم إنه كان غفارًا يرسل السماء عليكم مدرارًا﴾ [الأنعام: ١٠ - ١١]. قال الحكيم الترمذي: أشار بالإكثار إلى أن الآدمي لا يخلو من ذنب أو عيب ساعة، والعذاب عذابان: أدنى وأكبر، فالأدنى عذاب الذنوب، فإذا كان الإنسان متيقظًا على نفسه، فكلما أذنب أو عاب تبعهما استغفارًا، لم يبق في وبالهما وعذابهما، وإذا لها عن الاستغفار تراكمت ذنوبه، فجاءت الهموم والضيق والعسر والعناء والتعب، فهذا عذابه الأدنى، وفي الآخرة عذاب النار؛ وإذا استغفر تنصل من الهم، فصار له من الهموم فرج، ومن الضيق مخرج، ورزقه من حيث لا يحتسب، (وإنما كان الاستغفار له تأثير في دفع الهم والضيق، لأنه قد اتفق أهل الملل وعقلاء كل أمة) على (أن المعاصي والفساد يوجبان الهم والغم والحزن وضيق الصدر وأمراض القلب،) نحو: الغل والحسد والكبر واحتقار الناس، (وإذا كان هذا تأثير الذنوب والآثام في القلوب، فلا دواء لها إلا التوبة والاستغفار،) لا ينجع فيها غيرهما. (وعن ابن عباس، عن النبي عَّ: من كثرت همومه فليكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله،) ولا حد للإكثار، وحدد بعضهم أقله بثلاثمائة. (وثبت في الصحيحين: أنها كنز من كنوز الجنة،) ففيهما كالسنن الأربع عن ٤٢٣ ذكر طبه عٍَّ من داء الهم والكرب بدواء التوجه ولا قوة إلا بالله. وثبت في الصحيحين أنها كنز من كنوز الجنة، وفي الترمذي: أنها باب من أبواب الجنة، وفي بضع الآثار: أنه ما ينزل ملك من السماء ولا يصعد إلا بلا حول ولا قوة إلا بالله. وروى الطبراني من حديث أبي هريرة أن رسول اللَّه عَّلَّم قال: ما كربني أُمر إلا تمثل لي جبريل فقال: يا محمد قل توكلت على الحي الذي لا يموت، والحمد لله الذي لم يتخذ ولدًا ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل و کبره تکبیرًا. أبي موسى: أن النبي عَّه قال له: قل لا حول ولا قوة إلا باللَّه، فإنها كنز من كنوز الجنة. قال الكرماني: أي كالكنز في كونه نفيًا مدخرًا، مكنونًا عن أعين الناس، وقال الطيبي: هذا التركيب ليس باستعارة لذكر المشبه، وهو الحوقلة، والمشبه به وهو الكنز، ولا التشبيه العرفي، لبيان الكنز بقوله: من كنوز الجنة، بل هو من إدخال الشيء في جنس، وجعله أحد أنواعه على التغليب، فالكنز إذًا نوعان: المتعارف وهو المال الكثير، يجعل بعضه فوق بعض ويحفظ، والثاني غير المتعارف، وهو هذه الكلمة الجامعة، المكتنزة بالمعاني الإلهية، لما أنها محتوية على التوحيد الخفي، لأنه إذا نفيت الحيلة والاستطاعة عما من شأنه ذلك، وأثبتت للَّه على سبيل الحصر بإيجاده واستعانته وتوفيقه، لم يخرج شىء من ملكه وملكوته. (وفي الترمذي: أنها باب من أبواب الجنَّة،) أي أن المكثر لها له باب، أحد أبوابها الثمانية يدعى للدخول منه. (وفي بعض الآثار: إنه ما ينزل ملك من السماء، ولا يصعد إلا بلا حول ولا قوة إلا باللَّه،) أي بقولها. (وروى الطبراني) وابن صصرى في أماليه (من حديث أبي هريرة: أن رسول اللّه ◌ّ. قال: ما كربني أمر) (بفتح الكاف والراء) أي شق علي (إلا تمثل لي جبريل،) أي جاءني بصورته المثالية، (فقال: يا محمد قل: توكلت على الحي الذي لا يموت والحمد للّه الذي لم يتخذ ولدًا ولم يكن له شريك في الملك،) أي الألوهية، (ولم يكن له ولي من) أجل (الذل،) أي لم يذل فيحتاج إلى ناصر، (وكبره تكبيرًا:) عظمه عظمة تامة من اتخاذ الولد والشريك والذل، وكل ما لا يليق به، وترتيب الحمد على ذلك، للدلالة على أنه المستحق لجميع المحامد، لكمال ذاته وتفرده في صفاته. روى أحمد عن معاذ الجهني، مرفوعًا: آية العز الحمد لله الذي لم يتخذ ولدًا ... الخ السورة، أمره جبريل أن يثق باللَّه ويسند أمره إليه في استكفاء ما ينوبه مع التمسك بقاعدة التوكل، ٤٢٤ ذكر طبه معَةٍ من داء الهم والكرب بدواء التوجه وفي كتاب ابن السني من حديث أبي قتادة عن النبي عَّهِ: من قرأ آية الكرسي وخواتيم سورة البقرة عند الكرب أغاثه اللَّه عز وجل. وعنده - أيضًا - من حديث سعد بن أبي وقاص، قال: قال رسول اللَّه عَّهِ: إني لأعلم كلمة لا يقولها مكروب إلا فرج الله عنه، كلمة أخي يونس: ﴿فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾ [الأنبياء/٨٧]. وعرفه؛ أن الحي الذي لا يموت حقيق بأن يتوكل عليه وحده، ولا يتكل على غيره من الأحياء الذين يموتون. وعن بعض السلف: أنه قال: لا يصح لذي عقل أن يثق بعدها بمخلوق، ذكره الزمخشري. (وفي كتاب ابن السني) (بضم السين وشد النون)، الحافظ أبي بكر، أحمد بن محمد بن إسحق الدينوري، صاحب التصانيف (من حديث أبي قتادة) الحرث، ويقال: عمرو أو النعمان بن ربعي (بكسر الراء وسكون الموحدة فمهملة) الأنصاري، السلمي، المدني، شهد أحدًا وما بعدها، ولم يصح شهوده بدرًا، ومات سنة أربع وخمسين على الأصح الأشهر. (عن النبي عَّه من قرأ آية الكرسي وخواتيم سورة البقرة) لله ما في السموات إلى آخرها (عند الكرب أغاثه اللَّه عز وجل،) أي فرج كربه وأزاله، (وعنده))) أي ابن السني (أيضًا من حديث سعد بن أبي وقاص) لملك الزهري، أحد العشرة، (قال: قال رسول اللَّه عَُّ إني لأعلم كلمة لا يقولها مكروب إلا فرج الله عنه) كربه، قدم على الإخبار بها حثًا عليها وتنويهًا بنفعها، ليلقى البال لها (كلمة أخي يونس) بن متى، (فنادى في الظلمات:) ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت، (أن،) أي بأن (لا إله إلا أنت،) أي أنت القادر على حفظ الإنسان حيًّا في بطن الحوت، ولا قدرة لغيرك على ذلك، ثم أردفه بقوله: (سبحانك إني كنت من الظالمين) في ذهابي من بين قومي بلا إذن، تصريحًا بالعجز والانكسار وإظهارًا للذلة والافتقار. قال الحسن: ما نجا إلا بإقراره على نفسه بالظلم، وإنما قبل منه ولم يتقبل من فرعون حين قال: لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، لأن يونس ذكرها في الحضور والشهود، وفرعون ذكرها في الغيبة تقليدًا لبني إسرائيل، ذكره الإمام الرازي، ثم المنادى به، لا إله إلا أنت ... الخ، وما قبله إخبار عن صفة ما كان يقوله يونس وقتًا وصفة، فنبه عَّ بذكر الآية بتمامها على بيان صفته التي كان عليها وقت الدعاء من التضرع والتذلل، وإن وقته كان شديد العظم كربه، وهذا قد رواه الترمذي والنسائي وابن أبي الدنيا، عن سعد بن أبي وقاص، رفعه: ألا أخبركم بشيء، إذا نزل برجل منكم كرب أو بلاء من أمر الدنيا، دعا به ربه ففرج عنه، قالوا: بلى قال: دعاء ذي ٤٢٥ ذكر طبه معَِّ من داء الهم والكرب بدواء التوجه وعند الترمذي: لم يدع بها رجل مسلم في شىء قط إلا استجيب له. وروى الديلمي في مسند الفردوس، عن جعفر بن محمد - يعني الصادق - قال: حدثني أبي عن جدي أنه عَِّ كان إذا حز به أمر دعا بهذا الدعاء: اللهم احرسني بعينك التي لا تنام، واكنفني بركنك الذي لا يرام، وارحمني بقدرتك علي ولا أهلك وأنت رجائي، فكم من نعمة أنعمت بها على قلَّ لك بها شكري، وكم من بلية ابتليتني بها قلَّ لك بها صبري، فيا من قلَّ عند نعمته شكري فلم يحرمني، ويا من قلّ عند بليته صبري فلم يخذلني، ويا من رآني على الخطايا فلم يفضحني، يا ذا المعروف الذي لا ينقضي أبدًا، ويا ذات النعمة التي لا تحصى النون، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. (وعند الترمذي) أيضًا والنسائي والحاكم، عن سعد مرفوعًا: دعوة ذي النون إذ دعا بها وهو في بطن الحوت، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، (لم يدع بها رجل مسلم) بنية صادقة صالحة (في شيء قط إلا استجيب له،) وفي رواية: إلا استجاب اللَّه له، أي لأنها لما كانت مسبوقة بالعجز والانكسار ملحوقة بهما، صارت مقبولة: أم من يجيب المضطر إذا دعاه، فإن قيل: هذا ذكر لا دعاء، أجيب؛ بأنه ذكر يفتتح به الدعاء، ثم يدعو بما شاء، أو هو كما ورد: من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين، كما مر. (وروى الديلمي في مسند الفردوس، عن جعفر بن محمد، يعني الصادق:) لصدقه في مقاله من سادات آل البيت، (قال: حدثني أبي) محمد الباقر، (عن جدي) علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب مرسلاً، لأن جده تابعي؛ (أنه عٍَّ كان إذا حز به) (بفتح الحاء المهملة والزاي والموحدة) أي هجم عليه، أو غلبه (أمر) هم، أو غم، (دعا بهذا الدعاء: اللهم احرسني) (بضم الراء) احفظني (بعينك التي لا تنام واكنفني،) أي استرني (بركنك الذي لا يرام:) لا يقدر على طلبه، (وارحمني بقدرتك علي،) لأن ذلك شأن الكرم الرحمة مع القدرة، (ف) بسبب ذلك (لا أهلك، وأنت رجائي،) أي مرجوي في جميع أموري، (فكم من نعمة أنعمت بها علي قل لك بها شكري،) أي قيامي بواجبها من الطاعات، (وكم من بلية ابتليتني بها قل لك بها صبري، فيا من قل عند نعمته شكري، فلم يحرمني) (بفتح أوله وضمه وكسر الراء)، أي يمنعني من نعمه من حرم، كضرب وأحرم، (ويا من قل عند بليته صبري، فلم يخذلني) (بضم الذال) يترك نصرتي، (ويا من رآني على الخطايا فلم يفضحني) (بفتح الياء والضاد)، يكشف مساوىء، فأفتضح، وهذا من مزيد تواضعه علية. واستغراقه في شهود الجلال، وإلا، فمن يشكر ومن يصبر إذا لم يشكر ولم يصبر هو، وأي ٤٢٦ ذكر طبه عٍَّ من داء الهم والكرب بدواء التوجه عددًا، أسألك أن تصلي على محمد وعلى آل محمد وبك أدراً في نحور الأعداء والجبارين، اللهم أعني على ديني بالدنيا، وعلى آخرتي بالتقوى واحفظني فيما غبت عنه، ولا تكلني إلى نفسي فيما حظرته علي، يا من لا تضره الذنوب، ولا ينقصه العفو، هب لي ما لا ينقصك، واغفر لي ما لا يضرك، إنك أنت الوهاب، أسألك فرجًا قريبًا وصبرًا جميلاً، ورزقًا واسعًا، والعافية من البلايا، وشكر العافية - وفي رواية وأسألك تمام العافية وأسألك دوام العافية: وأسألك الشكر على العافية - وأسألك الغنى عن الناس، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. خطيئة له فضلاً عن خطايا، وهو أيضًا من باب التعليم لأمته (يا ذا المعروف الذي لا ينقضي أبدًا،) بل هو دائم، (ويا ذا النعمة التي لا تحصى عددًا). وفي نسخة: النعماء، والأولى أنسب، لأنها التي يتعلق بها العد، وأما النعماء، فصفة له تعالى بمعنى الأنعام، لا يتعلق بها العد، لأن الصفة لا تعدد فيها ولا تكثر، (أسألك أن تصلي على محمد وعلى آل محمد، وبك أدراً:) (بفتح الهمزة وسكون الدال وبالراء) أدفع (في نحور الأعداء والجبارين:) العتاة المتكبرين، (اللهم أعني على ديني بالدنيا، وعلى آخرتي بالتقوى، واحفظني فيما غبت عنه) من الأفعال التي لا استحضرها، أو من الأهل والمال. وفي نسخة: فيما غبت عني، بالتثقيل وفتح تاء الخطاب، والمعنى واحد، (ولا تكلني إلى نفسي فيما حظرته) (بحاء مهملة وظاء معجمة، أي منعته) (عليَّ،) بل إلى توفيقك لئلا أوقع فيما حظرته، (يا من لا تضره الذنوب، ولا ينقصه العفو، هب لي ما لا ينقصك) وصوله إلي، وهو عفوك. وفي نسخة: ما لا ينفعك، والمعنى عليهما: هب لي ما لا ينقص شيئًا من قدرك، ولا ينفعك شيء منه، لو لم توصله لي، (واغفر لي ما لا يضرك،) وهو الذنوب، (إنك أنت الوهاب:) كثير النعم، دائم العطاء: صيغة مبالغة من الهبة، وهي العطية بلا سبب سابق، ولا استحقاق ولا مقابلة ولا جزاء، (أسألك فرجًا قريبًا وصبرًا جميلاً،) لا جزع فيه، (ورزقًا واسعًا، والعافية من البلايا، وشكر العافية) (مصدر جاء على فاعله، كناشئة الليل بمعنى نشوء الليل). (وفي رواية: وأسألك تمام العافية، وأسألك دوام العافية،) أي السلامة من الأسقام، (وأسألك الشكر على العافية،) أعادها مظهرة، لأن مقام الدعاء يطلب فيه البسط، لأنه مقام خطاب وخضوع، (وأسألك الغنى) (بكسر الغين والقصر) (عن الناس ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم،) ختم بها الدعاء لما فيه من التوحيد الخفي كما مر. ٤٢٧ ذكر طبه عَ لِّ من داء الفقر [ذكر طبه ◌َّهِ من داء الفقر] عن ابن عمر: أن رجلاً قال: يا رسول اللَّه، إن الدنيا أدبرت عني وتولت، قال له: فأين أنت من صلاة الملائكة وتسبيح الخلائق وبه يرزقون، قل عند طلوع الفجر: سبحان الله وبحمده، سبحان اللَّه العظيم، استغفر الله مائة مرة تأتيك الدنيا ذكر طبه عليه من داء الفقر أي مداواته قولاً أو فعلاً، بأن يفعل ما هو سبب للشفاء أو يأمر به، ومثله يقال في نظائره، والإضافة في داء الفقر بيانية، (عن ابن عمر أن رجلاً قال: يا رسول اللَّه إن الدنيا أدبرت عني) بعد الغنى، ويحتمل أنه فقير من أول أمره، والأول أولى لاحتياج الثاني لتأويل أدبرت، بمعنى: لم تأتني، وبعده لا يخفى، لا سيما مع قوله: (وتولت،) إذ حقيقة الإدبار والتولي إنما يكون بعد المجيء. وفي رواية المستغفري: قلت ذات يدي، (قال له: فأين أنت من صلاة الملائكة وتسبيح الخلائق، وبه،) أي التسبيح (يرزقون) (استفهام)، أي كيف يغيب عنك علم ذلك، والقصد من الاستفهام حثه على قول ذلك ليأتيه الغنى، وعبر في الملائكة بالصلاة التي أريد بها مطلق الثناء، لجزمهم باتصافه تعالى بجميع صفات الكمال، وليس أحد منهم يصفه بخلاف ذلك، مع اعترافهم بأنهم ما عبدوه حق عبادته، وفي الخلائق بالتسبيح، لأنهم من حيث هم بقطع النظر عن المؤمنين ينسبون إليه ما لا يليق به، كالشريك، فناسب التعبير بالتسبيح الذي هو التنزيه عما لا يليق، (قل عند طلوع الفجر،) وفي رواية المستغفري ما بين الفجر إلى أن تصلي الصبح، وهي مفسرة للعندية، فالحديث واحد: (سبحان اللَّه،) أي تنزيهه عما لا يليق به من كل نقص، فيلزم نفي الشريك والصاحبة والولد وجميع الرذائل، (وبحمده) (الواو للحال)، أي أسبحه ملتبسًا بحمدي له، أو عاطفة، أي أسبحه وأثني عليه بحمده، أو الحمد مضاف للفاعل، والمراد لازمه، أي ما يوجبه من التوفيق، وعلى العطف، فهي جملة أخرى، والتسبيح إشارة إلى صفات الجلال، والتحميد إشارة إلى صفات الإكرام، وقدم التسبيح، لأنه من التخلي بمعجمة على التوحيد، لأنه من التحلي (بمهملة)، (سبحان اللّه العظيم،) كرر هذه تأكيدًا، ولأن الاعتناء بشأن التنزيه أكثر من جهة كثرة المخالفين، ولهذا جاء في القرآن بعبارات مختلفة نحو: سبحان وسبح بلفظ الأمر، وسبح بلفظ الماضي، ويسبح بلفظ المضارع، ولأن التنزيهات تدرك بالعقول بخلاف الكمالات، فإنها تقصر عن إدراك حقائقها. قال بعض المحققين: حقائق الإلهية لا تعرف إلا بطريق السنة، كما في العالم؛ لا يدرك منه إلا أنه ليس بجاهل، فأما علمه، فلا سبيل إليه، قاله الحافظ: (استغفر الله). ٤٢٨ ذكر طبه ◌َِّ من داء الحريق صاغرة، فولى الرجل فمكث ثم عاد فقال: يا رسول اللَّه لقد أقبلت على الدنيا فما أدري أين أضعها. رواه الخطيب في رواة لملك. [ذكر طبه ◌َِّ من داء الحريق] عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول اللّه عَ لّهِ: إذا رأيتم قال تعالى: ﴿وأن استغفروا ربكم، ثم توبوا إليه يمتعكم متاعًا حسنًا﴾ [هود: ٣]، أي بطيب عيش وسعة رزق إلى أجل مسمى هو الموت، ويؤت كل ذي فضل، أي عمل فضله، أي جزاءه في الآخرة (مائة مرة تأتيك،) كذا في جميع النسخ (بالياء)، على أنه جواب إذا مقدرة، وهي غير جازمة، أي فإنك إذا فعلت ذلك تأتيك، وإلا فالواجب حذفها، لأنها في جواب الأمر، أو يقال هو لم يقصد به الجزاء (إِلدنيا صاغرة:) ليلة حقيرة، والمراد بسهولة بلا تعب ولا مشقة. زاد في رواية المستغفري: راغمة، (فولى الرجل، فمكث) مدة (ثم عاد، فقال: يا رسول اللَّه لقد أقبلت علي الدنيا) بكثرة، (فما أدري أين أضعها) من كثرتها، (رواه الخطيب) أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي، الحافظ (في رواة ملك) أي في كتابه المؤلف فيمن روي عن ملك الإمام، فبلغ بهم ألفًا إلا سبعة رووا عن لملك وزاد عليه غيره كثيرًا، وكذا رواه المستغفري. ذكر طبه عَُّلِّ من داء الحريق روى ابن السني وابن عدي وابن عساكر من طريق ابن لهيعة، والطبراني في الدعاء من طريق عبد الرحمن بن الحرث، كلاهما (عن عمرو بن شعيب) بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاصي، السهمي، صدوق، مات سنة ثمان عشرة ومائة، (عن أبيه) شعيب، صدوق، ثبت سماعه من جده عبد اللَّه، فالضمير في (عن جده) لشعيب، وإن عاد على عمرو ابنه حمل على جده الأعلى الصحابي، فالحديث متصل، وقد اختلف في الاحتجاج برواية عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وأصح الأقوال أنها حجة مطلقًا إذا صح السند إليه. قال ابن الصلاح: وهو قول أكثر أهل الحديث حملاً للجد عند الإطلاق على الصحابي عبد اللَّه بن عمرو دون ابنه محمد، والد شعيب لما ظهر لهم من إطلاقه ذلك، فقد قال البخاري: رأيت أحمد بن حنبل وعلي بن المديني وإسحق بن راهويه وأبا عبيد وأبا خيثمة وعامة أصحابنا يحتجون بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده: ما تركه أحد منهم وثبتوه، فمن الناس بعدهم، وقول ابن حبان: هي منقطعة، لأن شعيبًا لم يلق عبد اللَّه مردود، فقد صح سماع شعيب من جده عبد اللَّه بن عمرو، كما صرح به البخاري في التاريخ وأحمد، وكما رواه الدارقطني ٤٢٩ ذكر طبه عٍَّ من داء الحريق الحريق فكبروا فإن التكبير يطفئه. فإن قلت ما وجه الحكمة في إطفاء الحريق بالتكبير، أجاب صاحب زاد المعاد: بأنه لما كان الحريق سببه النار، وهي مادة الشيطان التي خلق منها، وكان فيه من الفساد العام ما يناسب الشيطان بمادته وفعله، وكان للشيطان إعانة عليه والبيهقي في السنن یاسناد صحيح. وذكر بعضهم: أن محمدًا مات في حياة أبيه، وإن أباه كفل شعيبًا ورباه، وقيل: لا يحتج به مطلقًا، وقيل: إن أفصح بأن جده عبد اللَّه قبل وإلا فلا، وقيل: إن استوعب ذكر آبائه بالرواية عنهم صريحًا قبل، وإلا فلا. انتهى ملخصًا من شرح زين الحفاظ على ألفيته التي اقتصر فيها على الأصح بقوله: والأكثر احتجوا بعمرو حملاً له على الجد الكبير الأعلى (قال: قال رسول اللَّه عَّله: إذا رأيتم الحريق فكبروا،) أي قولوا: اللَّه أكبر، وكرروا كثيرًا، وينبغي الجهر به مخلصًا للَّه، ممتثلاً لأمر رسوله، مستحضرًا ما للَّه من عظيم القدرة، (فإن التكبير يطفئه) (بضم الياء)، إذا صدر عن كمال إخلاص وقوة يقين، وتخصيصه للإيذان بأن من هو أكبر من كل شيء حري بأن يقهر النار ويطفئها. قال النووي: ويسن أن يدعو معه بدعاء الكرب، وفي تفسير الطبري: إذا كتب أسماء أهل الكهف في شيء وألقي في النار أطفئت، وينبغي أن يقول: بسم اللَّه الرحمن الرحيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فإنه يصرف عنه البلاء، وأن يقول ما قال إبراهيم حين ألقي في النار: حسبي الله ونعم الوكيل، وهذا الحديث رواه البيهقي من الوجه المذكور، بلفظ: استعينوا على إطفاء الحريق بالتكبير، وله شاهد من حديث أبي هريرة عند الطبراني، بلفظ: اطفؤا الحريق بالتكبير، ومن حديث ابن عباس عند ابن عدي، بلفظ: إذا رأيتم الحريق فكبروا، فإنه يطفىء النار، ومن حديث ابن عباس وجابر، بلفظ: إذا وقعت كبيرة أو هاجت ريح عظيمة، فعليكم بالتكبير، فإنه يجلي العجاج الأسود، فانجبر بذلك ما فيه من ضعف ابن لهيعة، مع أنه لم ينفرد به، بل تابعه عبد الرحمن بن الحرث، كما علم. (فإن قلت ما وجه الحكمة في إطفاء الحريق بالتكبير،) قلت: (أجاب صاحب زاد المعاد) في هدى خير العباد؛ (بأنه لما كان الحريق سببه النار، وهي مادة الشيطان التي خلق منها،) أي إنها أعظم الأجزاء التي خلق منها، إلا أنها متمحضة من النار، بل العناصر الأربعة مجتمعة فيه، لكن لما غلبت النار على بقية العناصر جعل مخلوقًا منها. وفي البيضاوي: من نار السموم، ومن نار باعتبار الغالب، كذا قال شيخنا: (وكان فيه،) أي الحريق، أي لهب النار (من الفساد العام ما يناسب الشيطان بمادته وفعله، وكان للشيطان ٤٣٠ ذكر ما كان عليه الصلاة والسلام يطب به من داء الصرع وتنفيذ له، وكانت النار تطلب بطبعها العلو والفساد، وهما هدي الشيطان، وإليهما يدعو، وبهما يهلك بني آدم، فالنار والشيطان كل منهما يريد العلو في الأرض بالبغي والفساد، وكبرياء اللّه تعالى تقمع الشيطان وفعله، فلهذا كان تكبير اللَّه له أثر في إطفاء الحريق، فإن كبرياء الله تعالى لا يقوم لها شىء، فإذا كبر المسلم ربه أثر تكبيره في خمود النار التي هي مادة الشيطان. وقد جربنا نحن وغيرنا هذا فوجدناہ کذلك. انتهى. ولقد جربت ذلك بطيبة في سنة خمس وتسعين وثمانمائة فوجدت له أثرًا عظيمًا لم أجده لغيره، ولقد شاع وذاع رؤية طيور بحريق طيبة الواقع في ثالث عشر رمضان في سنة ست وثمانين وثمانمائة، معلنة بالتكبير. إعانة عليه،) أي على وجود الحريق؛ بأن يتسبب في إيصال النار إلى نحو الحطب، فيحصل الحريق، (وتنفيذ له،) أي جعله مؤثرًا فيما يصل إليه فيفسده، (وكانت النار تطلب بطبعها العلو والفساد، وهما هدى الشيطان،) أي صفته التي هو عليها، (وإليهما يدعو) الناس، (وبهما يهلك بني آدم فالنار والشيطان كل منهما يريد العلو في الأرض بالبغي والفساد، وكبرياء اللَّه تعالى تقمع،) أي تذل (الشيطان وفعله،) فتمنعه الفساد، (فلهذا) جواب: لما كان الحريق دخلته الفاء على القليل، ولو حذف، فلهذا، واقتصر على قوله: (كان تكبير اللّه له أثر في إطفاء الحريق،) لكان أولى لاحتياجها لمقدر تدخل عليه تكون علة للجواب، مقدمة على معلولها، والأصل: فكان تكبير اللَّه له أثر في إطفاء الحريق، لهذا (فإن كبرياء اللَّه تعالى لا يقوم لها شيء، فإذا كبر المسلم ربه أثر تكبيره في خمود النار:) سكون لهبها، المؤدي إلى طفئها، (التي هي مادة الشيطان، وقد جربنا نحن وغيرنا هذا فوجدناه كذلك. انتهى.) كلام ابن القيم. (ولقد جربت ذلك بطيبة) لما احترقت (في سنة خمس وتسعين وثمانمائة، فوجدت له أثرًا عظيمًا لم أجده لغيره، ولقد شاع وذاع رؤية طيور) بيض (بحريق طيبة،) أي وقت حريقها، أي حريق مسجدها فقط، ولم يصل إلى جوف الحجرة شيء من هدم هذا الحريق، (الواقع في) الثلث الأخير من ليلة (ثالث عشر رمضان في سنة ست وثمانين وثمانمائة، معلنة) تلك الطيور (بالتكبير،) كالذي يكفها عن بيوت الجيران، وذلك عبرة وموعظة أبرزها اللَّه تعالى للإنذار، فخص بها حضرة النذير علّه، وقد ثبت؛ أن أعمال أمته تعرض عليه، فلما ساءت ناسب ذلك الإنذار بإظهار عنوان النار المجازي بها في موضع عرضها، قاله الشريف السمهودي، وبسط القصة في تاريخه. ٤٣١ ذكر ما كان عليه الصلاة والسلام يطب به من داء الصرع [ذكر ما كان عليه الصلاة والسلام يطب به من داء الصرع] في الصحيحين أن امرأة أتت النبي عَِّ فقالت: إني أصرع، وإني أتكشف، فادع الله لي، قال: إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت اللَّه لك أن يعافيك. فقالت: أصبر، قالت: فإني أتكشف فادع اللَّه أن لا أتكشف ذكر ما كان عليه الصلاة والسلام يطب به بكسر الطاء وضمها، كما في القاموس، أي يداوي به (من داء الصرع:) مرض يشبه الجنون، (في الصحيحين: إن امرأة،) روى البخاري في الطب ومسلم في الأدب، عن عطاء بن أبي رباح، قال: قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟، قلت بلى، قال هذه المرأة السوداء (أتت النبي عَّةِ) اسمها سعيرة (بمهملات مصغر) الأسدية، كما في تفسير ابن مردويه، وهو عند المستغفري في الصحابة، وأخرجه أبو موسى في الذيل. قال المستغفري في كتابه: شعيرة (بالشين المعجمة والصحيح بالمهملة)، قال في الإصابة: وذكرها ابن منده، وتبعه أبو نعيم (بالمعجمة والقاف)، ويقال: بكاف بدل القاف، والصواب: أنها (بمهملتين). وفي البخاري عن عطاء: انه رأى أم زفر، تلك امرأة طويلة على ستر الكعبة (بكسر السين)، أي جالسة عليها معتمدة، ففي حديث ابن عباس عند البزار؛ انها قالت إني أخاف الحب أن يجردني، فدعا لها، فكانت إذا خشيت أن يأتيها تأتي أستار الكعبة فتتعلق بها. وذكر ابن سعد وعبد الغني في المبهمات، عن الزبير بن بكار، عن سليمان بن عبد الله، عن شيخ من أهل مكة، قال: هي أم زفر ماشطة خديجة، العجوز التي قال عَ﴾: إنها كانت تغشانا زمن خديجة، وكلام أبي عمر يقتضي أنهما واحدة، وقال أبو موسى: انه محتمل، قال في الإصابة: وهو بعيد، والعلم عند اللَّه، (فقالت: إني أصرع). وفي رواية للطبراني والخطيب: إني امرأة أغلب على عقلي، (وإني أتكشف) (بفتح الفوقية والشين المعجمة المشددة) ولأبي ذر: أنكشف (بنون ساكنة بدل الفوقية، وكسر المعجمة مخففة، (فادع اللَّه لي) أن يشفيني من ذلك الصرع، (قال: إن شئت صبرت) على ذلك، (ولك الجنَّة، وإن شئت دعوت اللَّه لك أن يعافيك) من ذلك الصرع. وفي رواية المستغفري من وجه آخر، عن عطاء: ان ابن عباس قال له: ألا أريك امرأة من أهل الجنَّةِ، فأراني حبشية عظيمة، فقال: هذه سعيرة الأسدية، أتت النبي مَّةِ، فقالت: يا رسول اللَّه إن بي هذه، تعني الريح، فادع اللَّه أن يشفيني مما بي، فقال: إن شئت دعوت اللَّه يعافيك مما بك ويثبت لك حسناتك وسيئاتك، وإن شئت فاصبري ولك الجنة، (فقالت: أصبر) ٤٣٢ ذكر ما كان عليه الصلاة والسلام يطب به من داء الصرع فدعا لها. قال العلامة ابن القيم: الصرع صرعان، من الأرواح الخبيثة الأرضية، وصرع من الأخلاط الردية، والثاني هو الذي يتكلم فيه الأطباء. فأما علاج صرع الأرواح الخبيثة فيكون بأمرين: أمر من جهة المصروع وأمر من جهة المعالج، فالذي من جهة المصروع يكون بقوة نفسه وصدق توجهه إلى فاطر هذه الأرواح وبارئها والتعوذ الصحيح الذي قد تواطأ عليه القلب واللسان، فإنه والجنة، كما زاده في رواية المستغفري، (قالت: فإني أتكشف،) روي بالوجهين السابقين أيضًا، (فادع الله،) زاد أبو ذر لي: (أن لا أنكشف،) بالوجهين أيضًا، (فدعا لها) عَلِّ بعدم الكشف، وتجويز أنه دعا بزوال الصرع خلاف الواقع، ولعبد الرزاق عن الحسن؛ أنها كانت تخنق في المسجد، فجاء إخوتها النبي عَّهِ، فشكوا ذلك إليه، فقال: إن شئتم دعوت اللّه فبرئت، وإن شئتم كانت كما هي، ولا حساب عليها في الآخرة، فخيرها إخوتها، فقالت: دعوني كما أنا فتركوها؛ فإن صح هذا، فكأنهم لما أخبروها عنه، جاءت لتسأله بنفسها، وتسمعه وتسأله أن لا تنكشف، وإلا فما في الصحيحين أصح. ووقع في رواية عن ابن عباس: وفي سعيرة نزلت، ولا تكونوا كالتي نفضت غزلها من بعد قوة أنكاثًا، كانت تجمع الصوف والشعر والليف، فتغزل كبة عظيمة، فإذا ثقلت عليها نقضتها، فقال اللَّه: يا معشر قريش، لا تكونوا مثل سعيرة فتنقضوا أيمانكم بعد توكيدها، أخرجها ابن خزيمة قائلاً: أنا ابرأ إلى اللَّه من عهدة هذا الإسناد. (قال العلامة ابن القيم: الصرع صرعان من الأرواح الخبيثة الأرضية،) يعني الشياطين، لاستحسان تلك الصورة الإنسية، أو المجرد إيقاع الأذية، (وصرع من الأخلاط الردية،) بسبب انحباسها من شدة تعرض في بطون الدماغ ومجاري الأعصاب المحركة، فيمنع الأعضاء الرئيسة عن انفصالها منعا غير تام، أو بخار رديء يسرع إليه من بعض الأعضاء، فلا يبقى الشخص معه منتصبا، بل يسقط ويقذف بالزبد لغلظ الرطوبة. (والثاني هو الذي يتكلم فيه الأطباء، فأما علاج صرع الأرواح الخبيثة، فيكون بأمرين: أمر من جهة المصروع، وأمر من جهة المعالج، فالذي من جهة المصروع يكون بقوة نفسه) بأن يكون صرعه خفيفًا له معه شعورًا، ويكون في ابتدائه قبل غيبوبته، أو بعد الإفاقة، لئلا يعود عليه، فلا يرد أنه لا يتأتى له ذلك مع قيام العارض به، (وصدق توجهه إلى فاطر،) خالق (هذه الأرواح وبارئها) (عطف مساوٍ) حسنه اختلاف اللفظ، (والتعوذ الصحيح الذي قد تواطأ:) توافق (عليه القلب واللسان) بأن ينطق مع حضور القلب واعتقاد حقية ما يقوله بلسانه؛ ٤٣٣ ذكر ما كان عليه الصلاة والسلام يطب به من داء الصرع هذا نوع المحاربة، والمحارب لا يتم له الانتصاف من عدوه بالسلاح إلا بالأمرين: أن يكون السلاح صحيحًا في نفسه جيدًا، وأن يكون الساعد قويًا. والثاني: من جهة المعالج بأن يكون فيه هذان الأمران أيضًا، حتى إن من المعالجين من يكتفي بقوله: اخرج منه، أو يقول: بسم اللَّه أو يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله. قال: وقد كان النبي عَّهِ يقول: اخرج عدو اللَّه أنا رسول اللَّه. وكان بعضهم يعالج ذلك بآية الكرسي ويأمر بكثرة قراءة المصروع ومن يعالجه بها وبقراءة المعوذتين. قال: ومن حدث له الصرع وله خمسة وعشرون سنة وخوصًا بسبب دماغي أنس من برئه، وكذلك إذا حصل له في صغره واستمر به إلى هذه السن. قال: (فإنه هذا:) العلاج لدفع الصارع عنه (نوع المحاربة والمحارب، لا يتم له الانتصاف من عدوه بالسلاح، إلا بالأمرين؛ أن يكون السلاح صحيحًا في نفسه جيدًا، وأن يكون الساعد قويًا،) فإن فقدا أو أحدهما لم ينتصف (والثاني من جهة المعالج فيه بأن يكون فيه هذان الأمران أيضًا،) أي صدق التوجه والتعوذ الصحيح، وحال المعالجين أنهم يجتهدون في علاجهم ويتفاوتون فيه، فيكون في بعضهم قوة وشدة، (حتى أن من المعالجين من يكتفي بقوله: أخرج منه،) فالغاية لمقدر دل عليه السياق، (أو يقول: بسم اللّه، أو يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله)) هكذا في نسخ، بلفظ: يقول مضارعًا فيهما، أي إن بعض المعالجين يكتفي بقوله: أخرج لشدة قوته وتمكنه، وبعضهم يضم إليه ما يؤثر في الإزالة؛ بأن يقول: بسم اللَّه، أو لا حول ولا قوة إلا بالله، يعني: ونحوهما مما عهد استعماله لعلاج المصروع. وفي نسخة: بموحدة، أي أن بعضهم يكتفي بقوله: أخرج، أو يكتفي بقول: بسم اللّه ونحوه، ولا يستعمل العزائم القوية التأثير لشدتها عليهم، (قال: وقد كان النبي عَُّ يقول: أخرج عدو اللَّه) (بالنصب نداء بحذف الأداة)، (أنا رسول اللَّه، وكان بعضهم يعالج ذلك بآية الكرسي، ويأمر بكثرة قراءة المصروع) آية الكرسي، إذا كان أهلاً للقراءة، ليدفع عن نفسه، (و) يأمر (من يعالجه بها،) أي بكثرة قراءتها، (وبقراءة المعوذتين) (بكسر الواو)، قل أعوذ برب الفلق وتاليها. (قال) ابن القيم: (ومن حدث له الصرع وله خمس وعشرون سنة٤) أي بلغ ذلك السن، (وخصوصًا بسبب دماغي ليس من برئه، وكذلك إذا حصل له في صغره واستمر به إلى هذا السن)، أي بلوغ خمس وعشرين، (قال: فهذه المرأة التي جاء في الحديث أنها كانت تصرع ٤٣٤ ذكر دوائه ◌َِّ من داء السحر فهذه المرأة التي جاء في الحديثأنها كانت تصرع وتنكشف بجواز أن يكون صرعها من هذا النوع فوعدها عَّهِ بصبرها على هذا المرض بالجنة. ولقد جربت الإقسام بالنبي عَ ◌ّ على اللّه تعالى مع قوله تعالى: ﴿محمد رسول اللَّه والذين معه أشداء على الكفار﴾ إلى آخر سورة الفتح في ابنتين صغيرتين صرعتا فشفيتا. ومن الغريب قصة غزال الحبشية خادمتنا لما صرعت بدرب الحجاز الشريف واستغئت به عَّه في ذلك، فجيء إلي بصارعها في المنام بأمر النبي عَّه. فوبخته وأقسم أن لا يعود إليها، فاستيقظت وما بها قَلَبَة ومن ثم لم يعد إليها فلله الحمد. [ذكر دوائه ◌َّ من داء السحر] وكشف، بجواز أن يكون صرعها من هذا النوع، فوعدها عَّ بصبرها على هذا المرض بالجنة). روى عبد الرزاق عن طاووس: كان عَّ يؤتي بالمجانين، فيضرب صدر أحدهم فيبرأ، فأتي بمجنونة يقال لها أم ظفر، فضرب صدرها، لم تبرأ، ولم يخرج شيطانها، فقال عَّ له: هو بغيتها في الدنيا، ولها في الآخرة خير، (ولقد جربت الإقسام بالنبي ◌َّ على اللَّه تعالى) في إزالة الصرع (مع) قراءة (قوله تعالى: ﴿محمد رسول اللَّه والذين معه أشداء على الكفار) [الفتح: ٢٩]، إلى آخر سورة الفتح، في ابنتين صغيرتين صرعتا فشفيتا:) زال عنهما الصرع، (ومن الغريب قصة غزال الحبشية خادمتنا لما صرعت بدرب الحجاز الشريف،) بطريق مكة بعد رجوعي من الزيارة الشريفة لقصد مصر في سنة خمس وثمانين وثمانمائة، واستمر بها الصرع أيامًا، (واستغثت به صلى اللّه عليه وسلم في ذلك، فجيء إلي بصارعها في المنام، بأمر النبي عَِّ فوبخته، وأقسم أن لا يعود إليها). وفي المقصد الأخير: فأتاني آت في منامي ومعه الجني الصارع لها، فقال لقد أرسله لك النبي عَّله، فعاتبته وحلفته أن لا يعود إليها، (فاستيقظت وما بها قلبة) (بفتح القاف واللام والموحدة، أي وجع)، (ومن ثم،) أي من هذا الوقت، (لم يعد إليها، فللَّه الحمد). وفي المقصد الأخير: ولا زالت في عافية من ذلك حتى فارقتها بمكة في سنة أربع وتسعین. ذكر دوائه عَ لّه من داء السحر الدواء: (بالفتح والمد) ما يداوى به (وبكسر الدال اسم مصدر)، والمراد هنا ما يشمل ٤٣٥ ذكر دوائه عَ من داء السحر قال النووي: السحر حرام، وهو من الكبائر بالإجماع، وقد يكون كفرًا، وقد لا يكون كفرًا بل معصية كبيرة، فإن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر كفر، وإلا فلا، وأما تعليمه وتعلمه فحرام، وإن لم يكن فيه ما يقتضي الكفر عزر فاعله واستيب منه، ولا يقتل عندنا، وإن تاب قبلت توبته. وقال الملك: الساحر كافر يقتل بالسحر ولا يستتاب ولا تقبل توبته بل يتحتم قتله. والمسألة مبنية على الخلاف في قبول توبة الزنديق، لأن الساحر عنده كافر، كما ذكرنا، وعندنا: ليس بكافر، وعندنا تقبل توبة المنافق والزنديق. قال القاضي عياض: وبقول لملك قال أحمد بن حنبل وهو مروي عن جماعة الأشياء التي يداوى بها والمداواة، فإنه عَُّ بين للناس ما يداوى به، وتداوى هو أيضًا لإزالة السحر، عنه (قال النووي: السحر حرام، وهو من الكبائر بالإجماع). وفي الصحيح مرفوعًا: ((اجتنبوا الموبقات الشرك بالله والسحر))، (وقد يكون كفرًا، وقد لا يكون كفرًا، بل معصية كبيرة،) فليس السحر عندهم على المعتمد كفرًا بذاته، بل بما ضم إليه، (فإن كان فيه قول) مما يكفر به قائله، (أو فعل،) كعبادة شمس ونحوها، (يقتضي الكفر كفر، وإلا فلا) يكون كفرًا بمجرده، (وأما تعليمه وتعلمه فحرام،) ولو قصد به دفع ضرورة السحر عن نفسه، أو عن غيره، أو معرفة حقائق الأشياء عند الأكثر لخوف الافتتان والاضرار، (وإن لم يكن فيه ما يقتضي الكفر عرر فاعله) فقط لفعله الحرام، ولا استتابة، لأنه لم يكفر، (واستتيب منه) إن كفر به، (ولا يقتل عندنا،) أي الشافعية، (وإن تاب قبلت توبته،) کالمرتد. (وقال لملك: الساحر كافر يقتل بالسحر ولا يستتاب،) أي لا تطلب منه التوبة، (و) إن تاب (لا تقبل توبته، بل يتحتم قتله،) لأنه لا تعرف توبته حتى تقبل منه، (والمسألة مبنية على الخلاف في قبول توبة، الزنديق) (بزنة قنديل)، قيل: هو المنافق، والأكثر أنه الذي لا يتمسك بدين، وفي القاموس الزنديق (بالكسر) من الثنوية، أو القائل بالنور والظلمة، أو من لا يؤمن بالآخرة ولا بالربوبية، أو من يبطن الكفر ویظهر الإیمان، (لأن الساحر عنده کافر کما ذکرنا، وعندنا ليس بكافر). قال الماوردي: مذهب الشافعي انه لا يكفر بالسحر، ولا يجب به قتله، ويسأل عنه، فإن اعترف معه بما يوجب كفره كفر بمعتقده لا بسحره، وكذا لو اعتقد إباحته كفر باعتقاده لا بسحره، فيقتل حينئذ بما انضم إلى السحر لا بالسحر، (وعندنا تقبل توبة المنافق والزنديق،) وعند ملك لا. (قال القاضي عياض: وبقول ملك قال أحمد بن حنبل، وهو مروي عن جماعة من ٤٣٦ ذكر دوائه معٍَّ من داء السحر من الصحابة والتابعين. قال أصحابنا: فإذا قتل الساحر بسحره إنسانًا واعترف أنه مات بسحره وأنه يقتل غالبًا فعليه القصاص. وإن قال مات به ولكنه قد يقتل وقد لا يقتل فلا قصاص وتجب الدية والكفارة، وتكون الدية في ماله لا على عاقلته، لأن العاقلة لا تحمل ما ثبت باعتراف الجاني. قال أصحابنا: ولا يتصور ثبوت القتل بالسحر بالبينة، وإنما يتصور باعتراف الساحر. انتهى. واختلف في السحر: فقيل: هو تخييل فقط، ولا حقيقة له، وهو اختيار أبي جعفر الاستراباذي من الشافعية، وأبي بكر الرازي من الحنفية وطائفة. الصحابة والتابعين، قال أصحابنا) الشافعية: (فإذا قتل الساحر بسحره إنسانًا) ذكر أو أنثى، (واعترف) حقيقة (أنه مات بسحره، وانه يقتل غالبًا) وحكمًا، كقتله بنوع كذا، وشهد عدلان تابا؛ أنه يقتل غالبًا، فهذا عمد، (فعليه القصاص) حيث وجدت المكافأة، (وإن قال مات به، ولكنه قد يقتل، وقد لا يقتل، فلا قصاص، وتجب الدية والكفارة، وتكون الدية في ماله لا على عاقلته، لأن العاقلة لا تحمل ما ثبت باعتراف الجاني، قال أصحابنا: ولا يتصور ثبوت القتل بالسحر بالبيئة، وإنما يتصور باعتراف الساحر. انتهى.) قال شيخنا: قد يتصور بأن يتوب اثنان من السحرة، ويشهدا على الساحر؛ بأنهما شاهداه، يستعمل القسم الفلاني لقتل فلان، وهو يقتل غالبًا، أو بأن يقر بأنه قتل بالقسم الفلاني، فيشهدان عليه؛ بأن ذلك القسم يقتل غالبًا. (واختلف في السحر، فقيل: هو تخييل فقط،) أي يخيل إلى المسحور أنه يفعل الشيء ولم يفعله، (ولا حقيقة له،) وإليه ذهب المعتزلة، (وهو اختيار أبي جعفر الاستراباذي) (بكسر الهمزة والفوقية وسكون السين المهملة وفتح الراء والموحدة فألف فمعجمة)، (من الشافعية،) ذكره العبادي وبالغ في مدحه، وقال: لم أقف على تاريخ وفاته، (وأبي بكر) أحمد بن علي بن الحسين (الرازي،) الإمام الحافظ، (من الحنفية،) له تصانيف (وطائفة،) كالبغوي، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى﴾ [طه/٦٦]، قال المصنف: ولا حجة فيها، أي الآية، لأنها وردت في هذه القصة، وكان سحرهم كذلك، ولا يلزم منه أن جميع أنواع السحر تخییل. ٤٣٧ ذكر دوائه ◌ٍَّ من داء السحر قال النووي، والصحيح أن له حقيقة، وبه قطع الجمهور، وعليه عامة العلماء، ويدل عليه الكتاب والسنة الصحيحة المشهورة. قال شيخ الإسلام أبو الفضل العسقلاني: لكن محل النزاع هل يقع بالسحر انقلاب عين أو لا؟ فمن قال: إنه تخييل فقط منع ذلك، والقائلون بأن له حقيقة اختلفوا: هل له تأثير فقط بحيث يغير المزاج فيكون نوعًا من الأمراض، أو ينتهي إلى الإحالة بحيث يصير الجماد حيوانًا مثلاً وعكسه، فالذي عليه الجمهور هو الأول. قال المازري: جمهور العلماء على إثبات السحر، لأن العقل لا ينكر أن اللَّه قد يخرق العادة عند نطق الساحر بكلام ملفق، أو تركيب أجسام، أو مزج بين قوى (قال النووي والصحيح:) وهو مذهب أهل السنة، (إن له حقيقة،) ويكون بالقول والفعل، ويؤلم ويمرض ويقتل ويفرق بين الزوجين، (وبه قطع،) أي جزم (الجمهور، وعليه عامة العلماء، ويدل عليه الكتاب،) كقوله: فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه، إذ لو كان تخييلاً ما حصلت الفرقة به، (والسنة الصحيحة المشهورة،) وهي كثيرة. (قال شيخ الإسلام أبو الفضل العسقلاني: لكن محل النزاع) بين الفريقين: (هل يقع بالسحر انقلاب عين،) كجعل البشر جمادًا أو حمارًا، (أو لا) يقع ذلك، (فمن قال: إنه تخييل فقط منع ذلك، والقائلون؛ بأن له حقيقة اختلفوا هل له تأثير فقط، بحيث يغير المزاج، فيكون نوعًا من الأمراض، أو ينتهي إلى الإحالة، بحيث يصير الجماد حيوانًا مثلاً، وعكسه) الحيوان جمادًا، (فالذي عليه الجمهور هو الأول). قال الدميري: والثاني واضح البطلان، لأنه لو قدر على هذا القدر أن يرد نفسه إلى الشباب بعد الهرم، وأن يمنع نفسه من الموت. (قال المازري:) في شرح مسلم (جمهور العلماء على إثبات السحر) أي إن له حقيقة، لأن اللَّه ذكره في القرآن العزيز، وأنه يتعلم، وأنه مما يكفر به ومما يفرق به بين المرء وزوجه، وفي الحديث أنه أشياء دفنت وأخرجت، وكيف يتعلم ما لا حقيقة له، هذا كله في كلام المازري وعطف عليه قوله، ولأن العقل، وفي غالب نسخ المصنف بحذفها تعليل لما اقتصر عليه من كلام المازري، وهو (لأن العقل لا ينكر أن اللَّه قد يخرق العادة عند نطق الساحر بكلام ملفق،) مضموم بعضه إلى بعض، تشبيها بلفق الثوب، (أو تركيب أجسام،) كما وقع لسحرة فرعون، (أو مزج،) أي خلط (بين قوى على ترتيب مخصوص،) فيخلق اللَّه عند ٤٣٨ ذكر دوائه عَّهِ من داء السحر على ترتيب مخصوص. ونظير ذلك ما وقع من حذاق الأطباء من مزج بعد العقاقير ببعض حتى ينقلب الضار منها بمفرده فيصير بالتركيب نافعًا. وقيل: لا يزيد تأثير السحر على ما ذكره اللَّه في قوله: ﴿يفرقون به بين المرء وزوجه﴾ [البقرة/١٠٢]، لكون المقام مقام تهويل. فلو جاز أن يقع به أكثر من ذلك لذكره الله تعالى. قال المازري: والصحيح من جهة العقل أن يقع به أكثر من ذلك، قال: والآية ليست نصًا في منع الزيادة، وإن قلنا إنها ظاهرة في ذلك. ثم قال: والفرق بين السحر والمعجزة والكرامة، أن السحر يكون بمعاناه أقوال وأفعال حتى يتم للساحر ما يريد من سحره، والكرامة لا تحتاج إلى ذلك، إنما تقع غالبًا ذلك التأثير، (ونظير ذلك ما وقع من حذاق الأطباء:) مهرتهم، العارفين بغوامض الطب ودقائقه، (من مزج:) خلط (بعد العقاقير ببعض حتى ينقلب الضار منها بمفرده، فيصير بالتركيب نافعًا). (وقيل: لا يزيد تأثير السحر على ما ذكره اللَّه في قوله: يفرقون به بين المرء وزوجه،) بأن يحدث اللَّه عنده النشوز والاختلاف، وبغض كل منهما للآخر ابتلاء منه، (لكون المقام مقام تهويل،) أي تفريع، (فلو جاز أن يقع به أكثر من ذلك لذكره الله تعالى،) وهو لم یذکره. (قال المازري: والصحيح من جهة العقل أن يقع به أكثر من ذلك،) قيد بالعقل لأنه في مقام الرد على الموافقين على مقتضى العقل، فلا يرد عليه أنه وقع في الخارج ما يزيد على ذلك بکثیر. وقد حكى القرافي وغيره: أنه لم يبلغ أحد في السحر إلى الغاية التي وصل إليها القبط أيام دلوكا ملكة مصر بعد فرعون، فإنهم وضعوا السحر على البرابي، وصوروا فيها صور عساكر الدنيا، فأي عسكر قصدهم أتوا إلى ذلك العسكر المصور، فما فعلوه به من قلع الأعين وقطع الأعضاء وقع نظيره للعسكر القاصد لهم، فتحامتهم العساكر، وأقاموا ستمائة سنة، والنساء هن الملوك والأمراء بمصر بعد غرق فرعون وجنوده. (قال: والآية ليست نصًا في منع الزيادة، وإن قلنا: إنها ظاهرة في ذلك،) أي منع الزيادة، (ثم قال) المازري: (والفرق بين السحر) على قول الأشاعرة: إن به يقع خرق العادة، (والمعجزة) للنبي، (والكرامة) للولي (أن السحر يكون بمعاناة أقوال وأفعال، حتى يتم للساحر ما يريد من سحره، والكرامة لا تحتاج إلى ذلك، إنما تقع غالبًا اتفاقًا) بدون قصد. ٤٣٩ ذكر دوائه عٍَّ من داء السحر اتفاقًا، وأما المعجزة فتمتازُ عن الكرامة بالتحدي. ونقل إمام الحرمين: الإجماع على أن السحر لا يقع إلا من فاسق، وأن الكرامة لا تظهر على يد فاسق. ونقل نحوه النووي في ((زيادة الروضة)) عن المتولي. وينبغي أن يعتبر حال من يقع منه الخارق، فإن كان متمسكًا بالشريعة متجنبًا للموبقات، فالذي يظهر على يديه من الخوارق كرامة وإلا فهو سحر. وقال القرطبي: والسحر حيل صناعية يتوصل إليها بالاكتساب، غير أنها لدقتها لا يتوصل إليها إلا آحاد الناس، ومادته الوقوف على خواص الأشياء والعلم بوجود تركيبها وأوقاتها، وأكثره تخييلات بغير حقيقة وإيهامات بغير ثبوت، فيعظم (وأما المعجزة، فتمتاز عن الكرامة بالتحدي،) لأن النبي يتحدى بها ويعجز بها الخلق، فتدل على صدقه، والولي والساحر لا يتحديان بها، ولا يعجزان بها الخلق، ولو تحديا بها لم تنخرق لهما العادة، وأيضًا يفرق بين الولي والساحر؛ بأنه يكون إخراقها له دليل فسقه وكفره، والولي لا يكون ذلك علمًا على ذلك فيه، هذا أيضًا كلام المازري. (ونقل إمام الحرمين: الإجماع على أن السحر لا يقع إلا من فاسق،) أي لا يظهر أثره، كذا قال شيخنا: (وإن الكرامة لا تظهر على يد فاسق،) وإنما تقع على يد ولي عامل بالطاعات، مجتنب للمعاصي، فلو وقعت على يد فاسق، فقد تكون معونة من اللّه تعالى له واصطفاء بتوفيقه للمتوبة، وقد تكون استدراجا والعياذ بالله تعالى. (ونقل نحوه النووي في زيادة الروضة عن المتولي: وينبغي أن يعتبر حال من يقع منه الخارق، فإن كان متمسكًا بالشريعة،) عاملاً لما أمرت به، (متجنبًا للموبقات،) أي المهلكات من المعاصي، (فالذي يظهر على يديه من الخوارق كرامة، وإلا فهو سحر،) وهذا مفاد الإجماع المذکور. (وقال القرطبي) في شرح مسلم: دل القرآن في غير ما آية، والسنة في غير ما حديث؛ على أن السحر موجود وله أثر في المسحور، فمن كذب بذلك، فهو كافر مكذب للَّه ولرسوله، ومنكر لما علم بالعيان، ثم أن منكره في السر زنديق، وفي الظاهر مرتد، كذا في القرطبي قبل قوله: (والسحر حيل صناعية، يتوصل إليها بالاكتساب، غير) (نصب استثناء) (أنها لدقتها،) أي غموضها وخفاء معناها، (لا يتوصل إليها إلا آحاد الناس، ومادته،) أي السحر (الوقوف على خواص الأشياء، والعلم بوجوه تركيبها وأوقاتها،) أي أزمانها التي تركب فيها، (وأكثره ٤٤٠ ذكر دوائه عَّةٍ من داء السحر عند من لا يعرف ذلك، كما قال تعالى عن سحرة فرعون ﴿وجاؤوا بسحر عظيم﴾ [الأعراف/١١٦]، مع أن حبالهم وعصيهم لم تخرج عن كونها حبالاً وعصیا. وقال أبو بكر الرازي في ((الأحكام)): أخبر الله تعالى أن الذين ظنه موسى أنها تسعى لم يكن سعيًا حقيقيًا، وإنما كان تخييلاً، وذلك أن عصيهم كانت مجوفة وقد ملئت زئبقًا، وكذلك الحبال كانت من أدم محشوة زئبقًا، وقد حفروا قبل ذلك أسرابًا وجعلوا لها آزاجًا وصلوها نارًا، فلما طرحت على ذلك الموضع وحمى الزئبق حركها، لأن من شأن الزئبق إذا أصابته النار أن يطير، فلما أثقلته كثافة الحبال والعصي صارت تتحرك بحركته، فظن من رآها أنها تسعى، ولم تكن تسعى حقيقة، انتهى. تخييلات بغير حقيقة،) كعلم السيمياء، (وإيهامات بغير ثبوت، فيعظم عند من لا يعرف ذلك، كما قال تعالى عن سحرة فرعون: ﴿وجاؤوا بسحر عظيم﴾). في فنه روى أنهم ألقوا حبالاً غلاظًا وخشبًا طوالاً، كأنها حيات ملأت الوادي، ور کب بعضها بعضًا، كما في البيضاوي، (مع أن حبالهم وعصيهم لم تخرج عن كونها حبالاً وعصيًا،) بخلاف العصي، فإنها انقلبت حقيقتها خرقًا للعادة وإظهارًا للمعجزة، هذا بقية كلام القرطبي. (وقال أبو بكر الرازي في الأحكام: أخبر اللَّه تعالى: أن الذي ظنه موسى أنها تسعى،) بقوله: يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى، (لم يكن) ما ظهر من سعيها (سعيًا حقيقيًا، وإنما كان تخييلاً سحروا أعين الناس واسترهبوهم، أي خوفوهم حيث صيروها حيات تسعى، (وذلك أن عصيهم كانت مجوفة، قد ملئت زئبقًا) (بكسر الزاي والباء، بينهما همزة ساكنة، ويجوز تخفيفها)، (وكذلك الحبال كانت من أدم،) أي جلد (محشوة زئبقًا، وقد حفروا قبل ذلك أسرابًا:) جمع سرب (بفتحتين)، بيت في الأرض لا منفذ له، (وجعلوا له آزاجًا:) جمع أزج (بفتح الألف والزاي وجيم)، مثل سبب وأسباب: بيت بيني طولاً، كما في المصباح. وفي القاموس: ضرب من الأبنية، ويجمع أيضًا على أزج (بضمتين) وأزجة كفيلة (وصلوها نارًا، فلما طرحت على ذلك الموضع وحمى الزئبق حركها، لأن من شأن الزئبق إذا أصابته النار أن يطير، فلما أثقلته كثافة الحبال والعصي:) جمع عصا، (صارت تتحرك بحركته، فظن من رآها أنها تسعى:) تمشي، (ولم تكن تسعى حقيقة. انتهى). وفي البيضاوي: يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى، وذلك أنهم لطخوها بالزئبق، فلما