النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
الفصل الأول في طبه عَِّ لذوي الأمراض والعاهات
يتداوى المتوكل؟ قال: نعم، قيل له من أين لك ذلك؟ قال: من وجود ذلك عن
سيد المتوكلين، الذي لم يلحقه لاحق، ولا سبقه في التوكل سابق، محمد خير
البرية معَّله. قيل له: ما تقول في خبر النبي عَ له: ((من استرقى واكتوى برىء من
التوكل؟)) قال: برىء من توكل المتوكلين الذين ذكرهم في حديث آخر فقال:
((يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا بغير حساب))، وأما من سواهم من المتوكلين
فمباح لهم الدواء والاسترقاء.
فجعل المحاسبي التوكل بعضه أفضل من بعض.
وقال في ((التمهيد)): إنما أراد بقوله: ((برىء من التوكل)) إذا استرقى الرقى
المكروهة في الشريعة، أو اكتوى وهو يعلق رغبته في الشفاء بوجود الكي، وكذلك
لكثرة محاسبته لنفسه، مرت ترجمته مرارًا (في كتاب القصد، من تأليفه: هل يتداوى
المتوكل، قال: نعم، قيل له: من أين لك ذلك؟، قال: من وجود ذلك عن سيد المتوكلين
الذي لم يلحقه لاحق،) أي لم يبلغ أحد ممن بعده مقامه في التوكل، (ولا سبقه في التوكل
سابق، محمد خير البرية عَّه)) فإنه تداوى كثيرًا، وأمر به، (قيل له: ما تقول في خبر
النبي عَّ) الذي أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي؟، وقال: حسن صحيح، وصححه ابن حبان
والحاكم عن المغيرة بن شعبة، مرفوعًا: ((من استرقى واكتوى برىء من التوكل))،) لفظه عند
المذكورين: من اكتوى واسترقى، فقد برىء من التوكل، (قال:) معناه (برىء من توكل،
المتوكلين الذين ذكرهم في حديث آخر، فقال: ((يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا بغير
حساب) هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون».
أخرجه الشيخان وغيرهما، يعني: برىء من توكل الخواص المعرضين عن أسباب الدنيا،
الذين لا يلتفون إلى شىء من علائقها؛ (وأما من سواهم من المتوكلين، فمباح لهم الدواء
والاسترقاء، فجعل المحاسبي التوكل بعضه أفضل من بعض،) ولا يشكل عليه استدلاله على
تداوي المتوكلين بوجوده من سيدهم، لأنه فعله لئلا يشق على من لم يبلغ درجة الخواص، ولأنه
مشرع.
(وقال) أبو عمر يوسف بن عبد البر (في التمهيد:) لما في الموطأ من المعاني والأسانيد،
(إنما أراد) عَّةٍ (بقوله: برىء من التوكل إذا استرقى الرقى المكروهة في الشريعة،) وهي
ما كان بغير اللسان العربي، وما لا يعرف معناه، لجواز كونه شركًا، وبغير أسماء الله وصفاته
وكلامه في الكتب المنزلة؛ أما الرقى بالقرآن وأسماء الله تعالى وصفاته، والرقى المروية، فلا

٣٦٢
الفصل الأول في طبه عَّ لذوي الأمراض والعاهات
قوله: ((لا يسترقون)) معناه الرقى المخالفة للشريعة، و((لا يكتوون)) وقلوبهم معلقة
بنفع الكي ومعرضه عن اللَّه تعالى وعن أن الشفاء من عنده. وأما إذا فعل ذلك
على ما جاء في الشريعة، وكان ناظرًا إلى رب الدواء، يتوقع الشفاء منه،
وقصد بذلك استعمال بدنه إذا صح للَّه تعالى، وإتعاب نفسِه وكدها في خدمة ربه،
فتوكله باق على حاله لا ينقص منه الدواء شيئًا، استدلالاً بفعل سيد المتوكلين إذ
عمل بذلك في نفسه وفي غيره، انتهى.
تخرج عن التوكل، بل هو باق على حاله لا ينقص منه شىء، وقد قال عَّ للذي رقي بالفاتحة،
وأخذ أجرًا من أخذ برقية باطل، فقد أخذت برقية حق، وقال: اعرضوا عليَّ رقاكم فعرضوها،
فقال: لا بأس بها إنما هي مواثيق، كأنه خاف أن يقع فيها شىء مما كانوا يتلفظون به ويعتقدونه
من الشرك في الجاهلية، (أو اكتوى وهو يعلق رغبته في الشفاء بوجود الكي،) باعتماده عليه
ذاهلاً عن التوكل على الله الذي يخلق عنده الشفاء، (وكذلك قوله: لا يسترقون معناه الرقى
المخالفة للشريعة، ولا يكتوون وقلوبهم معلقة بنفع الكي، ومعرضة عن اللَّه تعالى، وعن أن
الشفاء من عنده،) فهذا هو البرىء من التوكل؛ (وأما إذا فعل ذلك على ما جاء في الشريعة،
وكان ناظرًا إلى رب الدواء، ويتوقع الشفاء منه،) وإن استعماله إنما هو امتثالاً لربط الأسباب
بمسبباتها، (وقصد بذلك استعمال بدنه إذا صح) من دائه (للَّه تعالى، وإتعاب نفسه وكدها في
خدمة ربه، فتوكله باق على حاله، لا ينقص منه، الدواء شيئًا) منه (استدلالاً بفعل سيد
المتوكلين، إذ) تعليلية (عمل بذلك في نفسه و) في (غيره. انتهى) كلام التمهيد، وهو
نفيس؛ ونحوه قول البيهقي في الشعب: برىء من التوكل، لأنه ركب ما يستحب التنزه عنه من
الاكتواء، لما فيه من الخطر ومن الاسترقاء، بما لا يعرف من كتاب اللَّه تعالى، وذكره لجواز أن
يكون شركًا، فقد روينا الرخصة فيه بما يعلم من كتاب اللَّه تعالى، أو ذكره من غير كراهة، وإنما
الكراهة فيما لا يعلم من لسان اليهود وغيرهم، أو استعملها معتمدًا عليها، لا على اللَّه تعالى فيما
وضع فيها من الشفاء، فصار بهذا أو بارتكابه المكروه بريئًا من التوكل، فإن لم يوجد واحد من
هذين وغيرهما من الأسباب المباحة، لم يكن صاحبها بريئًا من التوكل. انتهى.
وقال ابن قتيبة: الكي نوعان: كي الصحيح لئلا يعتل، فهذا الذي برىء من التوكل، لأنه
يريد دفع القدر، وهو لا يدفع، والثاني: كي الجرح إذا فسد، والعضو إذا قطع، فهو الذي شرع
التداوي فيه؛ فإن كان لأمر محتمل، فخلاف الأولى لما فيه من تعجيل التعذيب بالنار، الأمر غير
محقق.

٣٦٣
الفصل الأول في طبه عَ لذوي الأمراض والعاهات
وقد تبيَّن أن التداوي لا ينافي التوكل، بل لا يتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة
الأسباب التي نصبها اللَّه تعالى مقتضيات لمسبباتها قدرًا وشرعًا، وأن تعطيلها يقدح
في نفس التوكل، كما يقدح في الأمر والحكمة.
وحكى ابن القيم: أنه ورد في خبر إسرائيلي، أن الخليل عليه الصلاة
والسلام قال: يا رب ممن الداء؟ قال: مني، قال: ممن الدواء؟ قال: مني قال: فما
بال الطبيب؟ قال: رجل أرسل الدواء على يديه.
قال: وفي قوله عَّهِ: ((لكل داء دواء)) تقوية لنفس المريض والطبيب، وحث
على ذلك الدواء، والتنفيس عليه، فإن المريض إذا استشعرت نفسه أن لدائه دواء
يزيله تعلق قلبه بروح الرجاء، وبرد من حرارة اليأس، وانفتح له باب الرجاء، وقويت
نفسه وانبعثت جرارته الغزيزية، وكان ذل سببًا لقوة الأرواح الحيوانية والنفسانية
(وقد تبين؛ أن التداوي لا ينافي التوكل، بل) هو من جملته، إذ (لا يتم حقيقة التوحيد
إلا بمباشرة،) أي تعاطي (الأسباب التي نصبها اللَّه تعالى، مقتضيات) (بكسر الضاد)
(لمسبباتها قدرًا وشرعًا،) وذلك أنه إذا باشرها وترتبت عليها مسبباتها، علم أن ذلك الحكمة منه
تعالى، حيث خلق الشفاء عند مباشرتها، فكمل بذلك اعتقاده أن اللَّه هو المنفرد بالإيجاد، وأن لا
فعل لغيره، (وأن تعطيلها،) أي الأسباب بعدم العمل بها واعتقاد أن لا يحصل أثر عند مباشرتها،
(يقدح في نفس التوكل،) إذ لو صدق في التوكل لعمل ما أمر به من السبب معتمدًا على اللَّه،
(كما يقدح في الأمر) بها، (والحكمة) في خلق الشفاء عندها.
(وحكى ابن القيم: أنه ورد في خبر إسرائيلي أن الخليل) إبراهيم (عليه الصلاة
والسلام قال: يا رب ممن الداء) المرض (قال: مني، قال ممن الدواء، قال: مني، قال): فإذا
كان منك، (فما بال الطبيب،) أي حاله وما يحصل منه حتى يعالج المريض ليصح، أو يحفظ
صحته، أو نحو ذلك مما يحصل بفعله وحاصله: فأي حاجة للطبيب؛ (قال: رجل أرسل الدواء
على يديه،) ليس هو الفاعل بنفسه، وإنما فعله بإجرائي ما هو سبب لإزالة المرض ونحوه.
(قال) ابن القيم: (وفي قوله عَّ لكل داء دواء تقوية لنفس المريض والطبيب)
المعالج، (وحث على ذلك الدواء والتنفيس عليه،) أي كشف الكربة عنه، (فإن المريض إذا
استشعرت نفسه؛ أن لدائه دواء يزيله، تعلق قلبه بروح الرجاء،) أي بالأثر المصلح لبدنه الذي
يترتب على الدواء الذي يستعمله لما رجاه من حصول النفع به، سمي ذلك الأثر روحًا، تشبيهًا
بروح الحياة، (وبرد) (بضم الراء وفتحها) (من حرارة اليأس،) أي سكنت حرارته (وانفتح له
باب الرجاء، وقويت نفسه والبعثت حرارته الغريزية، وكان ذلك سببًا لقوة الأرواح الحيوانية

٣٦٤
الفصل الأول في طبه ◌َّةٍ لذوي الأمراض والعاهات
والطبيعية، ومتى قويت هذه الأرواح قويت القوى التي هي حاملة لها، فقهرت
المرض ودفعته. انتھی.
فإن قلت: ما المراد بالإنزال في قوله في الأحاديث السابقة (إلا أنزل اللَّه له
دواء)) وفي الرواية الأخرى ((شفاء)) فالجواب: أنه يحتمل أن يكون عبر بالإنزال عن
التقدير، ويحتمل أن يكون المراد أنزل علم ذلك على لسان الملك للنبي عَّه.
وأين يقع طب حذاق الأطباء، الذي غايته أن يكون مأخوذًا من قياس أو
مقامات وحدس وتجربة، من الوحي الذي يوحيه اللَّه تعالى إلى رسوله عَ لّه بما
ينفعه ويضره، فنسبة ما عند حذاق الأطباء من الطب إلى هذا الوحي كنسبة ما
عندهم من العلوم إلى ما جاء به النبي عَّهِ. بل لههنا من الأدوية التي تشفي من
الأمراض ما لم يهتد إليها عقول أكابر الأطباء، ولم تصل إليها علومهم وتجربتهم
وأقيستهم من الأدوية القلبية والروحانية، وقوة القلب، واعتماده على اللَّه تعالى
والنفسانية والطبيعية، ومتى قويت هذه الأرواح قويت القوى التي هي حاملة لها، فقهرت
المرض ودفعته) بإذن اللَّه. (انتهى) وهذا مشاهد.
(فإن قلت ما المراد بالإنزال في قوله في الأحاديث السابقة: إلا أنزل اللَّه له دواء،
وفي الرواية الأخرى شفاء،) وهما بمعنى، على ما ذكر المصنف كما مر؛ (فالجواب أنه
يحتمل أن يكون عبر بالإنزال عن التقدير،) أي قدر الله تعالى له دواء، (ويحتمل أن يكون
المراد أنزل علم ذلك على لسان الملك للنبي عَّةٍ) وغيره من الأنبياء، وبالإلهام لغيرهم، أو
المعنى: أنزل الغيث الذي تتولد منه الأغذية والأدوية وغيرهما، أو معنى الإنزال إعلام عباده، ورد
بأنه أخبر بعموم الإنزال لكل داء ودوائه، وأكثر الخلق لا يعلمون ذلك، ومر هذا كله (وأين يقع)
استفهام إنكاري، أي لا يقع (طب حذاق الأطباء، الذي غايته أن يكون مأخوذًا من قياس أو
مدامات،) كذا في نسخ، ولعله معاناة، وفي نسخ: أو مناطات، أي متعلقات، (وحدس وتجربة)
موها (من الوحي الذي يوحيه اللَّه تعالى إلى رسوله عَّه بما ينفعه ويضره، فنسبة ما عند
حذاق الأطباء من الطب إلى هذا الوحي، كنسبة ما عندهم من العلوم، إلى ما جاء به
النبي عَّهِ) وهي لا تعد شيئًا بالنسبة إلى الوحي، (بل ههنا من الأدوية التي تشفي من
الأمراض،) من في من الأدوية بيانية لما في قوله: (ما لم يهتد إليها عقول أكابر الأطباء، ولم
تصل إليها علومهم وتجربتهم وأقيستهم من الأدوية القلبية والروحانية، وقوة القلب واعتماده
على اللَّه تعالى والتوكل عليه، والإنكسار بين يديه، والصدقة والصلاة والدعاء، والتوبة

٣٦٥
الفصل الأول في طبه عَّ لذوي الأمراض والعاهات
والتوكل عليه والانكسار بين يديه، والصدقة والصلاة والدعاء والتوبة والاستغفار،
والإحسان إلى الخلق والتفريج عن المكروب.
فإن هذه الأدوية قد جربتها الأمم على اختلاف أديانها ومللها، فوجدوا لها
من التأثير في الشفاء ما لم يصل إليه علم أعلم الأطباء، وقد جربت ذلك - والله -
مرات، فوجدته يفعل ما لا تفعل الأدوية الحسية.
ولا ريب أن طب النبي عَّه متيقن البرء، لصدوره عن الوحي ومشكاة
النبوة، وطب غيره أكثره حدس أو تجربة، وقد يتخلف الشفاء عن بعض من
يستعمل طب النبوة، وذلك لمانع قام بالمستعمل، من ضعف اعتقاد الشفاء به
وتلقيه بالقبول. وأظهر الأمثلة في ذلك القرءان العظيم، الذي هو شفاء لما في الصدور،
ومع ذلك فقد لا يحصل لبعض الناس شفاء صدره به لقصوره في اعتقاده والتلقي
بالقبول، بل لا يزيد المنافق إلا رجسًا إلى رجسه، ومرضًا إلى مرضه، فطب النبوة
لا يناسب إلا الأبدان الطيبة، كما أن شفاء القرءان لا يناسب إلا الأرواح الطيبة
والاستغفار، والإحسان إلى الخلق، والتفريج عن المكروب،فإن هذه الأدوية قد جربتها
الأمم على اختلاف أديانها ومللها، فوجدوا لها من التأثير في الشفاء ما لا يصل إليه علم
أعلم الأطباء، وقد جربت ذلك، واللَّه مرات، فوجدته يفعل ما لا تفعل الأدوية الحسية،) ذكر
ذلك، وأقسم عليه محدثًا بنعمة اللّه تعالى، وحثًا على تلقي ما جاء في ذلك من الأحاديث بالقبول،
فمن فعله ولم ينجح معه، فلمانع قام به، كما قال: (ولا ريب أن طب النبي عَِّ متيقن البرء)
باستعماله، (لصدوره عن الوحي ومشكاة النبوة،) أي من جهة النبوة،(وطب غيره أکثره حدس أو
تجربة،) يخطىء ويصيب،(وقد يتخلف الشفاء عن بعض من يستعمل طب النبوة، وذلك
لمانع قام بالمستعمل من ضعف اعتقاد الشفاء به، و) ضعف (تلقيه بالقبول،) لا لأنه قد
يتخلف في نفسه، لأنه محال،(وأظهر الأمثلة في ذلك القرآن العظيم، الذي هو شفاء لما في
الصدور، ومع ذلك فقد لا يحصل لبعض الناس شفاء صدره به، لقصوره في اعتقاده، و)
قصور (التلقي بالقبول؛ بل لا يزيد المنافق إلا رجسًا إلى رجسه،) كفرًا إلى كفره، لكفره به،
(ومرضًا إلى مرضه) ضعف اعتقاده، كما قال تعالى: ﴿وإذا ما أنزلت سورة﴾ [التوبة: ١٢٧]،
إلى أن قال: ﴿وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسًا إلى رجسهم﴾ [التوبة: ١٢٥]، (فطب
النبوة لا يناسب إلا الأبدان الطيبة) الطاهرة من ضعف الاعتقاد ونحوه، (كما أن شفاء القرءان
لا يناسب إلا الأرواح الطيبة والقلوب الحية) بكمال القبول والاعتقاد، (فإعراض عن طب

٣٦٦
النوع الأول في طبه عَ لَّه بالأدوية الإلهية
والقلوب الحية. فإعراض عن طب النبوة كإعراضهم عن الاستشفاء بالقرءان الذي
هو الشفاء النافع.
وكان علاجه عربة للمرض على ثلاثة أنواع :
أحدها: بالأدوية الإلهية والروحانية.
والثاني: بالأدوية الطبيعية.
والثالث: بالمركب من الأمرين.
(النوع الأول)
(في طبه عَّسة بالأدوية الإلهية)
اعلم ان اللَّه تعالى لم ينزل من السماء شفاء قط أعم - ولا أنفع ولا أعظم
النبوة) إلى التلقي عن الأطباء وعملهم بما يصفون، (كإعراضهم عن الاستشفاء بالقرءان، الذي
هو الشفاء النافع،) وهم ملومون على ذلك غير معذورين؛ وإذا أعرضوا عن القرءان القطعي، لم
يستبعد إعراضهم عن الطب النبوي الظني، وإن كانوا ملومين فيهما، ونازع شيخنا؛ بأنه لا يلزم
من إعراضهم عن القرءان، وإن كانوا غير معذورين، إعراضهم عن الطب النبوي، لجواز أن
إعراضهم عن القرءان، لأنه في أعلى طبقات البلاغة، تقصر عقولهم عن إدراكه، ومن ثم قال
تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ [النمل: ٤٤]، بخلاف ما جاء به عباده،
فهو قريب من أفهامهم، لأنه من جنس كلام البشر، فحقهم التمسك به وعدم الإعراض عنه،
لعلمهم أنه حق، ولفهمهم معناه. انتهى.
وفيه: أن الاستشفاء بالقرءان لا يتوقف على إدراك معناه، فلا دخل لكونه في أعلى طبقات
البلاغة هنا، إذ مجرد تلاوته أو كتابته كافية في الاستشفاء.
(وكان علاجه عَّ للمرض على ثلاثة أنواع: أحدها بالأدوية الإلهية والروحانية،
والثاني بالأدوية الطبيعية،) أي التي توافق طبيعة المريض، وهي مزاجه المركب من الأخلاط
الأربعة، (والثالث بالمركب من الأمرين،) بأن يدعو بدعاء ومعه دواء يوافق الطبيعة
(النوع الأول)
(في طبه عَلَِّ بالأدوية الإلهية)
(اعلم أن اللَّه تعالى لم ينزل من السماء شفاءً قط أعم،) أي أشمل، (ولا أنفع، ولا
أعظم، ولا أنجع،) أي أشد تأثيرًا (في إزالة الداء من القرآن، فهو للداء شفاء، ولصداً:)

٣٦٧
النوع الأول في طبه عَّ بالأدوية الإلهية
ولا أنجع في إزالة الداء - من القرءان، فهو للداء شفاء، ولصدأ القلوب جلاء، كما
قال تعالى: ﴿وننزل من القرءان ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين﴾ [الإسراء/٨٢].
ولفظة ((من)) - كما قال الإمام فخر الدين- ليست للتبعيض بل للجنس،
والمعنى: وننزل من هذا الجنس الذي هو القرءان شفاء من الأمراض الروحانية
وشفاء أيضًا من الأمراض الجمسانية.
أما كونه شفاء من الأمراض الروحانية فظاهر وذلك المرض الروحاني نوعان:
الاعتقادات الباطلة والأخلاق المذمومة، وأشدها فسادًا الاعتقادات الفاسدة في
(بالهمز والقصر) وسخ (القلوب،) أي ما يعلوها من ظلمة الذنوب، فإطلاق الصدأ عليه مجاز،
(جلاء) (بكسر الجيم والمد) كشف لها، وعبر في الأول بشفاء، وفي الثاني بجلاء، تنبيهًا على
أن الثاني ليس داءٍ قائمًا بالعضو، لكنه نتغطيته للقلب، بحيث يمنع من وصول ما ينفع من حلول
الحق فيه، طلب جلاؤه منه لينتفع بما يصل إليه من المواعظ والأحكام، واقتصر في قوله الآتي:
الذي هو القرآن شفاء من الأمراض على الشفاء، إشارة إلى أن الصدأ كالداء الذي يقوم بالعضو،
فزواله شفاء، (كما قال تعالى: ﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين﴾)
[الإسراء: ٨٢]، استدلال على قوله، فهو للداء شفاء؛ وأما دلالته على كونه أعظم، فلعله من قرينة
خارجية، أو من التنوين في شفاء المفيد للتعظيم، مع دعوى أنه لا أعظم منه، واستفادة الأمرين،
أعني شفاءً، وجلاءً من قوله شفاءً وقوله: ورحمة للمؤمنين زيادة على مدعاه، (ولفظة من، كما
قال الإمام فخر الدين) الرازي: (ليست للتبعيض،) لئلا يكون بعضه ليس شفاء، مع أنه كله
شفاء؛ (بل للجنس، والمعنى: وننزل من هذا الجنس الذي هو القرآن،) كأنه لوحظ أن المراد
بالقرآن معناه اللغوي، الشامل لكل منزل، كالتوراة والإنجيل والزبور، والذكر، وأن القرآن بالمعنى
الشرعي نوع من هذا الجنس ضرورة؛ أن المنزل على المصطفى نوع من الجنس.
وقال البيضاوي: من للبيان، فإنه كله كذلك، وقيل: للتبعيض، والمعنى.
أن منه ما يشفي المرض، كالفاتحة وآيات الشفاء. انتهى.
ولا يخفى أن البيان يستدعي مبينًا اسم مفعول، وهو قوله: ما هو شفاء، وقدم عليه البيان
اهتمامًا بشأنه وتعظيمًا له، (شفاء من الأمراض الروحانية،) وهي ما لا تؤثر ظاهرًا في الجسم،
سمي روحانيًا لتعلقه بالروح الذي هو قوام البدن، فإطلاق المرض عليه مجاز، نحو: في قلوبهم
مرض، (وشفاء أيضًا من الأمراض الجسمانية) (بكسر الجيم)، التي تظهر في الجسم.
(أما كونه شفاء من الأمراض الروحانية، فظاهر، وذلك المرض الروحاني نوعان:)
النوع الأول: (الاعتقادات الباطلة، و) النوع الثاني: (الأخلاق المذمومة،) كما يأتي، (وأشدها

٣٦٨
النوع الأول في طبه عَّهِ بالأدوية الإلهية
الإلهية والنبوات والمعاد والقضاء والقدر، والقرءان مشتمل عى دلائل المذهب
الحق في هذه المطالب، وإبطال المذاهب الباطلة. ولما كان أقوى الأمراض
الروحانية هو الخط في هذه المطالب، والقرءان مشتمل على الدلائل الكاشفة عما
في هذه المذاهب الباطلة من العيوب لا جرم كان القرءان شفاء من هذا النوع من
المرض الروحاني. وأما الأخلاق المذمومة فالقرءان مشتمل على تفصيلها وتعريفها
وما فيها من المفاسد، والإرشاد إلى الأخلاق الفاضلة والأعمال المحمودة، فكان
القرءان شفاء من هذا النوع من المرض. فثبت أن القرءان شفاء من جميع الأمراض
الروحانية.
وأما كونه شفاء من الأمراض الجمسانية، فلأن التبرك بقراءته ينفع كثيرًا من
الأمراض. وإذا اعتبر الجمهور من الفلاسفة وأصحاب الطلسمات بأن لقراءة الرقى
فسادًا الاعتقادات الفاسدة فى الإلهية،) كاعتقاد بعض الفلاسفة، أنه تعالى لا يعلم الجزئيات،
وكنفي المعتزلة الصفات الذاتية عنه، ونحو ذلك، (والنبوات والمعاد،) كنفيه أصلاً، أو نفي
المعاد الجسماني، (والقضاء والقدر والقرآن مشتمل على دلائل المذهب الحق في هذه
المطالب، وإبطال المذاهب الباطلة، ولما كان أقوى الأمراض الروحانية هو الخط في هذه
المطالب، والقرآن مشتمل على الدلائل الكاشفة عما في هذه المذاهب الباطلة من العيوب،
لا جرم) بمعنى حقًّا، والعامل فيه (كان،) والمعنى: كان حقًّا (القرآن شفاء من هذا النوع من
المرض الروحاني،» ويحتمل أنه معمول للكاشفة.
قال شيخنا: ولعله الأقرب لقربه منه، ولأن الأصل عدم تقديره مؤخرًا، قال الفراء: لا جرم
في الأصل، بمعنى: لا بد ولا محالة، ثم كثرت، فحولت إلى معنى القسم، وصارت بمعنى حقًّا،
ولذا يجاب باللام نحو لا جرم، لأفعلن.
(وأما الأخلاق المذمومة) قسيم لمقدر، فهم من الكلام السابق، (فالقرآن مشتمل على
تفصيلها وتعريفها وما فيها من المفاسد، و) مشتمل على (الإرشاد إلى الأخلاق الفاضلة
والأعمال المحمودة، فكان القرآن شفاء من هذا النوع من المرض، فثبت أن القرآن شفاء
من جميع الأمراض الروحانية،) تفريع على ما قدمه؛ أنه شفاء للاعتقادات الفاسدة والأخلاق
المذمومة.
(وأما كونه شفاء من الأمراض الجسمانية، فلأن التبرك بقراءته ينفع كثيرًا، من
الأمراض،) كما شوهد كثيرًا (وإذا اعتبر،) كذا في نسخ: بمعنى اعتد، وفي أخرى: اعترف،

٣٦٩
النوع الأول في طبه عَلُّ بالأدوية الإلهية
المجهولة والعزائم التي لا يفهم منها شىء آثارًا عظيمة في تحصيل المنافع ودفع
المفاسد أفلا تكون قراءة القرءان العظيم المشتمل على ذكر جلال اللَّه
وكبريائه، وتعظيم الملائكة المقربين، وتحقير المردة والشياطين سببًا لحصول النفع
في الدين والدنيا.
ويتأيد ما ذكرنا بما روي أن النبي عَِّ قال: من لم يستشف بالقرءان فلا
شفاه الله.
ونقل عن الشيخ أبي القسم القشيري - رحمه اللَّه. أن ولده مرض مرضًا
شديدًا حتى أشرف على الموت، واشتد عليه الأمر، قال: فرأيت النبي عَّه في
المنام فشكوت إليه ما بولدي فقال: أين أنت من آيات الشفاء؟ فانتبهت فأفكرت
فيها فإذا هي في ستة مواضع من كتاب اللَّه، وهي قوله تعالى:
﴿ويشف صدور قوم مؤمنين﴾ [التوبة/ ١٤].
وهي أنسب (الجمهور من الفلاسفة وأصحاب الطلسمات؛ بأن لقراءة الرقى المجهولة،
والعزائم التي لا يفهم منها شىء آثارًا عظيمة في تحصيل المنافع ودفع المفاسد، أفلا تكون
قراءة القرآن العظيم،) ينبغي أن تجعل الفاء في أفلا مؤخرة، والأصل فألا، لتكون الفاء داخلة
على جواب الشرط، أما جعلها في محلها عاطفة على مقدر بعد الهمزة، كما هو أحد المذهبين،
فيرد عليه؛ أن جواب الشرط إذا كان طلبيًا يجب اقترانه بالفاء، وهو هنا كذلك، لأن الاستفهام
طلب (المشتمل على ذكر جلال اللَّه وكبريائه، وتعظيم الملائكة المقربين، وتحقير المردة
الشياطين سببًا لحصول النفع في الدين والدنيا، ويتأيد ما ذكرنا بما روي أن النبي عَظ له، قال:
من لم يستشف بالقرآن،) أي من لا يعتد بطلب كونه شافيًا، لاعتقاده عدم الشفاء به، وبهذا
حسن تفريع الجواب، بقوله: (فلا شفاه اللّه،) وسقطت معارضته لأحاديث الأمر بالدواء.
(ونقل عن الشيخ أبي القسم) عبد الكريم بن هوازن (القشيري،) العلم الشهير، صاحب
الرسالة (رحمه اللَّه: أن ولده مرض مرضًا شديدًا حتى أشرف منه على الموت، واشتد عليه
الأمر، قال: فرأيت النبي عَّةٍ في المنام، فشكوت إليه ما بولدي، فقال: أين أنت من آيات
الشفاء؟،) أي التي ذكر فيها الشفاء، والاستفهام تعجبي من شكوى مرض ولده، ولم يستعمل
آيات الشفاء المزيلة للمرض، والغرض منه إرشاده إلى استعمالها، لا أنه تعجب حقيقي، ولا
توبيخه، لأنه قبل ذلك لم يكن عالمًا؛ بأنها سبب للشفاء، (فانتبهت فأفكرت فيها، فإذا هي في
ستة مواضع من كتاب الله، وهي قوله: ﴿ويشف صدور قوم مؤمنين﴾،) مما بهم (﴿وشفاء﴾)

٣٧٠
النوع الأول في طبه عَّهِ بالأدوية الإلهية
﴿وشفاء لما في الصدور﴾ [يونس /٥٥٧] .
﴿يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس﴾ [النحل/٦٩].
﴿وننزل من القرءان ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين﴾ [الإسراء/٨٢].
﴿وإذا مرضت فهو يشفين﴾ [الشعراء/٨٠].
﴿قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء﴾ [فصلت/٤٤].
قال: فكتبتها ثم حللتها بالماء وسقيته إياها فكأنما نشط من عقال، أو كما
قال.
وانظر رقية اللديغ بـ(( الفاتحة)) وما فيها من السر البديع والبرهان الرفيع.
دواء (﴿لما في الصدور)) [يونس: ٥٧]، من العقائد الفاسدة والشكوك، (﴿يخرج من بطونها﴾،)
أس النحل (شراب) هو العسل، (﴿مختلف ألوانه﴾) بالبياض والحمرة، وغيرهما، (﴿فيه شفاء
ل اس﴾) من الأوجاع، قيل لبعضها، كما دل عليه تنكير شفاء، أو لكلها بضميمته إلى غيره.
قال السيوطي: وبدونها بنيته، وقد أمر به النبي عَّه من استطلق بطنه (﴿وننزل من القرآن
ما هو شفاء﴾،) من الضلالة (﴿ورحمة للمؤمنين﴾،) به، (﴿وإذا مرضت فهو يشفين﴾) من
الأمراض (﴿قل هو للذين آمنوا هدى﴾) من الضلالة (﴿وشفاء)) من الجهل، (قال: فكتبتها)
على هذا الترتيب الموافق لترتيب القرآن، كما هو ظاهره، قال شيخنا: ولعله ليس بشرط في
حصول المقصود بها، فلو قرأها أو كتبها على غير هذا الترتيب، لم يمنع من حصول الشفاء بها.
انتھی.
والاظهر خلافه، فإن للترتيب تأثيرًا عندهم، (ثم حللتها بالماء وسقيته إياها، فكأنما نشط
من عقال) ما يعقل به البعير، (أو كما قال:) شك، ولعله اختار ذلك على مجرد تلاوتها، ليصل
أثر الحروف لبدن المريض، فیکون أبلغ.
وفي الكواكب الدرية في ترجمة القشيري المذكور: مرض له ولد، بحيث أيس منه، فرأى
الحق تعالى في النوم، فقال: اجمع آيات الشفاء واقرأها عليه، أو اكتبها في إناء واسقه إياه، ففعل
فعوفي. انتھی.
فلعل الواقعة تعددت في الولد نفسه، أو في غيره، فإنه كان له عدة أولاد، ولعله نسي الرؤيا
الأولى حتى رأى الثانية منهما، فأخبر بهما جميعًا تحدثًا بنعمة رؤية الله ورسوله، (وانظر) نظر
تأمل وتدبر (رقية اللديغ) (بدال مهملة وغين معجمة) (بالفاتحة، وما فيها من السر البديع
والبرهان الرفيع،) تجد تحقيق كون القرآن شفاء من جميع الأدواء والعلل، (وتأمل قوله عليه

٣٧١
النوع الأول في طبه عَّ بالأدوية الإلهية
وتأمل قوله عليه السلام فى بعض أدعيته: ((وأن تجعل القرءان العظيم ربيع قلبي،
وشفاء صدري)) أي فيكون بمنزلة الدواء الذي يستأصل الداء، ويعيد البدن إلى
صحته واعتداله.
وفي حديث علي عند ابن ماجه مرفوعًا: خير الدواء القرءان.
وههنا أمر ينبغي أن يتفطن له، نبه عليه ابن القيم: وهو أن الآيات والأذكار والأدعية
التي يستشفي بها، ويرقى بها، هي في نفسها نافعة شافية، ولكن تستدعي
قبول المحل، وقوة همة الفاعل وتأثيره، فمتى تخلف الشفاء كان لضعف تأثير
الفاعل، أو لعدم قبول المحل المنفعل، أو لمانع قوي فيه يمنع أن ينجع فيه الدواء
كما يكون ذلك في الأدوية والأدواء الحسية، فإن عدم تأثيرها لعدم قبول
الطبيعة لذلك الدواء، وقد يكون لمانع قوي يمنع من اقتضائه أثره، فإن الطبيعة إذا
السلام في بعض أدعيته، وأن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي وشفاء صدري،) يأتي الحديث
تامًا في طبه من داء الهم والكرب، عن مسند أحمد، لكن بلفظ: أن تجعل بلا واو، (أي
فيكون) القرآن (بمنزلة الدواء الذي يستأصل الداء ويعيد البدن إلى صحته واعتداله).
(وفي حديث علي) أمير المؤمنين، (عند ابن ماجه مرفوعًا: ((خير الدواء القرآن»،) أي
خير الرقية ما كان بشىء من القرآن لأنه دواء القلوب والأرواح والأبدان، وكلام الرحمن الذي
فضله كفضل اللَّه تعالى على خلقه، وفيه آيات مخصوصة، تعرفها الخواص لإزالة الأمراض
والأعراض، وممن اعتنى بذلك الغزالي وغيره، (وههنا أمر ينبغي أن يتفطن، له نبه عليه
ابن القيم، وهو أن الآيات والأذكار والأدعية التي يستشفي:) يطلب الشفاء (بها) من اللَّه
(ويرقى بها هي في نفسها نافعة شافية، ولكن تستدعي) تتطلب (قبول المحل،) يعني
المرقي بها (وقوة همة الفاعل وتأثيره،) بمزيد صلاحه وتقواه (فمتى تخلف الشفاء، كان
لضعف تأثير الفاعل،) كسيف قاطع في يد ضعيف أو جبان، (أو لعدم قبول المحل
المنفعل،) أي الذي من شأنه أن يتأثر بقبول الدواء أو الذي يظهر فيه أثر الدعاء عادة، فلا ينافي
قوله لعدم قبول المحل، فالمريض الذي أيس منه، إذا رقي أو دعي له، فتخلفه لعدم قبول
المريض، فالفاعل ذلك معتدٍ إذ اللائق بمن رأى علامات الموت ترغيبه في الآخرة والتوبة والرجاء
وتحسين الظن بالله ونحو ذلك، (أو لمانع قوي فيه، يمنع أن ينجع فيه الدواء) بالأدوية
الإلهية، كتراكم الذنوب، (كما يكون ذلك في الأدوية والأدواء الحسية، فإن عدم تأثيرها
لعدم قبول الطبيعة لذلك الدواء،) وإن كان في نفسه نافعًا.

٣٧٢
النوع الأول في طبه عَّةٍ بالأدوية الإلهية
أخذت الدواء بقبول تام كان انتفاع البدن به بحسب ذلك القبول، وكذلك القلب
إذا أخذ الرقى والتعاويذ بقبول تام، وكان الدواء في نفس فعالة، وهمة مؤثرة أثر في
إزالة الداء.
وكذلك الدعاء، فإنه من أقوى الأسباب في رفع المكروه، وحصول
المطلوب، ولكن قد يتخلف أثره عنه، إما لضعفه في نفسه بأن يكون دعاء لا
يحبه اللَّه لما فيه من العدوان، وإما لضعف القلب وعدم إقباله على اللَّه وجمعيته
عليه وقت الدعاء، وأما الحصول المانع من الإجابة: من أكل الحرام والظلم، ورين
الذنوب على القلوب، واستيلاء الغفلة والسهو واللهو، وقد روى الحاكم حديث:
(وقد يكون نافع قوي يمنع من اقتضائه أثره، فإن الطبيعة إذا أخذت الدواء بقبول تام،
كان انتفاع البدن به بحسب ذلك القبول،) بخلاف ما إذا لم تقبله، فلا يظهر أثره، بل قد
يضرها، (وكذلك القلب إذا أخذ الرقى والتعاويذ بقبول تام، وكان الدواء في نفس فعالة
وهمة مؤثرة أثر في إزالة الداء، وكذلك الدعاء، فإنه من أقوى الأسباب في رفع المكروه
وحصول المطلوب، ولكنه قد يتخلف أثره عنه إما لضعفه،) أي الدعاء (في نفسه بأن يكون
دعاء لا يحبه الله لما فيه من العدوان،) كما قال تعالى: ﴿ادعوا ربكم تضرعًا وخفية إنه لا
يحب المعتدين﴾ [الأعراف: ٥٥]، أي بالتشدق ورفع الصوت، وقد فسره زيد بن أسلم بالجهر،
وأبو مجاز بسؤال منازل الأنبياء، وسعيد بن جبير بالدعاء على المؤمن بالشر.
أخرج ذلك ابن أبي حاتم، وأخرج أحمد وأبو داود وغيرهما، عن سعيد بن أبي وقاص، أنه
سمع ابنًا له يدعو ويقول: اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها واستبرقها، وأعوذ بك من النار
وسلاسلها، وأغلالها، فقال: إني سمعت رسول اللَّه عٍَّ يقول: إنه سيكون قوم يعتدون في
الدعاء، وقرأ هذه الآية، وإن بحسبك أن تقول: اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو
عمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، (وإما لضعف القلب وعدم إقباله
على اللّه وجمعيته عليه وقت الدعاء،) بأن يرى أن جميع الأفعال منه، وأنه لا شريك له في
شىء منها، حتى لو جرى على يده شفاء أو نحوه، كان ذلك إنما هو بخلق اللَّه لما حصل على
يده من الشفاء أو غيره.
(وأما الحصول المانع من الإجابة من أكل الحرام والظلم،) كما في حديث: فأنى
يستجاب له، (ورين الذنوب على القلوب،) أي: الصدأ الحاصل عليها من ارتكاب الذنوب،
وأشير إلى ذلك في خبر؛ أن العبد إذا أذنب ذنبًا حصل في قلبه، نكتة سوداء حتى يسود قلبه
فذلك السواد الذي يشبه الصدأ هو المعبر عنه بالرين، (واستيلاء الغفلة والسهو واللهو، وقد

٣٧٣
النوع الأول في طبه عَّةٍ بالأدوية الإلهية
واعلموا أن اللَّه لا يقبل دعاء من قلب غافل لاه.
ومن أنفع الأدوية الدعاء، وهو عدو البلاء، يدافعه ويعالجه ويمنه نزوله ويرفعه
أو يخففه إذا نزل، وهو سلاح المؤمن، وإذا جمع مع الدعاء حضور القلب،
والجمعية بالكلية على المطلوب، وصادف وقتًا من أوقات الإجابة، كثلث الليل
الأخير، مع الخضوع والانكسار، والذل والتضرع، واستقبال القبلة، والطهارة ورفع
اليدين، والبداءة بالحمد والثناء على الله والصلاة والسلام على سيدنا محمد، بعد
التوبة والاستغفار والصدقة، وألح في المسألة، وأكثر التملق والدعاء، والتوسل إليه
روى الحاكم) في الدعاء والذكر من مستدركه، ومن قبله الترمذي في الدعوات، وقال: غريب
وضعفه النووي والعراقي والحافظ: (حديث) أبي هريرة رضي اللّه عنه، عن النبي عَِّ: ادعو الله
وأنتم موقنون بالإجابة، (واعلموا أن اللَّه لا يقبل،) وفي رواية، لا يستجيب (دعاء) (بالمد) (من
قلب غافل) (بالإضافة ويجوز عدمها وتنوينهما) (لاه،) أي: لا يعبأ بسؤال سائل غافل عن
الحضور مع مولاه، مشغول بما أهمه من أمر دنياه.
قال الإمام الرازي: أجمعت الأمة على أن الدعاء اللساني الخالي عن الطلب النفساني
قليل النفع، عديم الأثر، قال: وهذا الاتفاق غير مختص بمسألة معينة، ولا بحالة مخصوصة، (ومن
أنفع الأدوية الدعاء، وهو عدو البلاء، يدافعه ويعالجه، ويمنع نزوله ويرفعه، أو يخففه إذا نزل).
وقد روى أبو الشيخ، عن أبي هريرة مرفوعًا: ((الدعاء يرد البلاء))، ورواه الديلمي، بلفظ: يرد
القضاء.
وروى الترمذي، عن ابن عمر رفعه: أن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وللطبراني عن
عائشة، مرفوعًا: الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وأن الدعاء والبلاء ليعتلجان إلى يوم القيامة،
وللترمذي، وقال حسن غريب، عن سلطن مرفوعًا: لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر
إلا البر، ولأحمد والطبراني، وصححه ابن حبان والحاكم، عن ثوبان، رفعه: لا يرد القدر إلا
الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر، والطبراني عن معاذ، مرفوعًا: لن ينفع حذر من قدر، ولكن
الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، فعليكم بالدعاء عباد اللَّه، (وهو سلاح المؤمن،) كما رواه
أبو يعلى والحاكم عن علي، مرفوعًا: «الدعاء سلاح المؤمن وعماد الدين ونور السموات
والأرض))، (وإذا جمع مع الدعاء حضور القلب) مع اللَّه، (والجمعية بالكلية على المطلوب،
وصادف وقتًا من أوقات الإجابة، كثلث الليل الأخير،) وساعة يوم الجمعة، وسماع الأذان (مع
الخضوع والانكسار والذل والتضرع، واستقبال القبلة، والطهارة، ورفع اليدين والبداءة
بالحمد والثناء على الله والصلاة والسلام على سيدنا محمد بعد التوبة،) الندم والعزم على

٣٧٤
النوع الأول فى طبه عَ له بالأدوية الإلهية
بأسمائه وصفاته، والتوجه إليه بنبيه عَ لِّ فإن هذا الدعاء لا يكاد يرد أبدًا، لا سيما
إن دعا بالأدعية التي أخبر عّلّه أنها مظنة الإجابة، أو أنها متضمنة للاسم الأعظم.
ولا خلاف في مشروعية الفزع إلى اللّه تعالى والالتجاء إليه في كل ما
ينوب الإنسان.
وأما الرقى فاعلم أن الرقي بالمعوذات وغيرها من أسماء اللَّه تعالى، هو
الطب الروحاني، إذا كان على لسان الأبرار من الخلق حصل الشفاء بإذن اللَّه
عدم العود)، (والاستغفار والصدقة وألح في المسألة،) لقوله عَّةٍ: ((إن الله يحب الملحين في
الدعاء))، رواه الطبراني وغيره.
(وأكثر التملق والدعاء والتوسل إليه بأسمائه وصفاته، والتوجه إليه بنبيه عَ لّه، فإن هذا
الدعاء لا يكاد يرد أبدًا،) لجمعه شروط الدعاء وآدابه، (لا سيما إن دعا بالأدعية التي
أخبر عَّ أنها مظنة الإجابة، أو أنها متضمنة للاسم الأعظم،) كدعوة ذي النون، واللَّه لا إله إلا
هو الحي القيوم، (ولا خلاف في مشروعية الفزع إلى اللَّه تعالى «والالتجاء إليه في كل ما
يتوب الإنسان) بشرط غلبة ظن الإجابة، بحيث تكون أغلب على القلب من الرد، لأن الداعي إذا
لم يكن جازمًا، لم يكن رجاؤه صادقًا، وإذا لم يصدق الرجاء لم يخلص الدعاء، إذ الرجاء هو
الباعث على الطلب، ولا يتحقق الفرع بدون تحقق الأصل، ولأن الداعي إذا لم يدع اللَّه على
يقين أنه يجيبه، فعدم إجابته إما لعجز المدعوّ، أو نحله، أو عدم علمه بالابتهال، وذلك كله على
الحق تقدس محال، ولذا قال: ادعو اللَّه وأنتم موقنون بالإجابة.
قال الكمال بن الهمام: ما تعارفه الناس في هذه الأزمان من التمطيط والمبالغة في الصياح،
والاشتغال بتحرير النغم إظهارًا للصناعة النغمية، لا إقامة للعبودية، فإنه لا يقتضي الإجابة، بل هو
من مقتضيات الرد، وهذا معلوم أن قصده إعجاب الناس به، فكأنه يقول: اعجبوا من حسن
صوتي وتحريري، ولا أرى أن تحرير النغم في الدعاء، كما يفعله قراء هذا الزمان يصدر ممن
فهم معنى الدعاء، والسؤال، وما ذاك إلا نوع لعب، فإنه لو قدر في الشاهد سائل حاجة من ملك
أدى سؤاله مطلبه، بتحرير النغم من رفع وخفض وتطريب وترجيح، كالتغني نسب البتة إلى قصد
السخرية واللعب، إذ مقام طلب الحاجة التضرع لا التغني، فاستبان أن ذلك من مقتضيات الخيبة
والحرمان. انتهى.
(وأما الرقى:) (بضم الراء وفتح القاف جمع رقية اسم للمرة من التعويذ)، (فاعلم أن
الرقي) (بفتح الراء وسكون القاف مصدر رقى، أي التعويذ، ويصح ضم الراء وفتح القاف)،
بتقدير أن الرقى الحاصلة (بالمعوذات وغيرها من أسماء اللّه تعالى هو الطب الروحاني إذا

٣٧٥
النوع الأول في طبه عَّهُ بالأدوية الإلهية
تعالى، لكن لما عزَّ هذا النوع، فزع الناس إلى الطب الجسماني.
وفي البخاري، من حديث عائشة، أنه معَّه كان ينفث على نفسه في
المرض الذي مات فيه بالمعوذات وهي الفلق والناس والإخلاص فيكون من باب
التغليب، أو المراد الفلق والناس.
وكذلك كل ما ورد التعويذ في القرءان، كقوله تعالى: ﴿وقل رب أعوذ
بك من همزات الشياطين﴾ [المؤمنون/٩٧].
وأما ما أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي من حديث ابن مسعود: أن رسول
كان على لسان الأبرار:) جمع بر، وهو الصادق، أو المتقي (من الخلق٤) بأن يصدر منهم
قراءة أو كتابة، (حصل الشفاء بإذن اللَّه تعالى، لكن لما هذا النوع)، أي: قل لقلة أهله
(فزع) (بفتح الزاي وكسرها، أي لجأ) (الناس إلى الطب الجسماني) بالأدوية.
(وفي البخاري) ومسلم، كلاهما في الطب (من حديث عائشة: أنه عَّهِ كان ينفث)
(بضم الفاء وكسرها بعدها مثلثة، أي ينفخ نفخًا لطيفًا أقل من التفل) (على نفسه في المرض
الذي مات فيه،) كالمرض الذي قبله، فاستمر ذلك ولم ينسخ (بالمعوذات) (بكسر الواو).
قال عياض: فائدة النفث التبرك بتلك الرطوبة، أو الهواء الذي ماسه الذكر، كما يتبرك
بغسالة ما يكتب من الذكر، وفيه تفاؤل بزوال الألم وانفصاله، کانفصال ذلك النفث.
وبقية الحديث: فلما ثقل كنت أنفث عليه بهن، وأمسح بيد نفسه لبركتها، فسألت
الزهري كيف ينفث؟، قال: كان ينفث على يديه، ثم يمسح بهما وجهه، وقائل: سألت معمرًا،
راوية عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قال بعضهم: لعله عَّ لما علم أنه آخر مرضه،
وارتحاله عن قريب ترك ذلك، (وهي،) أي المعوذات (الفلق والناس والإخلاص، فيكون من
باب التغليب،) أي أطلق على الإخلاص اسم التعويذ لوقوعها مع المعوذتين، (أو المراد الفلق
والناس) فقط، إما مجازًا من باب تسمية الجزء باسم الكل، أو بناءً على أن أقل الجمع اثنان،
وفي أنه حقيقي أو مجازي، كالتغليب قولان: وقد روى ابن خزيمة وابن حبان وابن عبد البر، عن
عائشة: كان عٍَّ إذا اشتكى قرأ على نفسه بقل هو الله أحد والمعوذتين، وهذا يرجح أو يقتن
التغليب، ولذا قال الحافظ المعتمد؛ أنه تغليب، لا لأن أقل الجمع اثنان، أو باعتبار أن المراد
الكلمات التي يتعوذ بها من السورتين، (وكذلك كل ما ورد من التعويذ في القرآن) فإنه من
الطب الروحاني، (كقوله تعالى: ﴿وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين))
[المؤمنون: ٩٧]، نزغاتهم مما یوسوسون به.
(وأما ما أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي من حديث) عبد الرحمن بن حرملة، عن

٣٧٦
النوع الأول في طبه عَلَّه بالأدوية الإلهية
اللَّه عَ لَّه كان يكره عشر خصال، فذكر منها الرقي إلا بالمعوذات، ففي سنده
عبد الرحمن بن حرملة، قال البخاري: لا يصح حديثه. وعلى تقدير صحته فهو
منسوخ بالإذن في الرقية بالفاتحة.
وأما حديث أبي سعيد عند النسائي: كان عَّم يتعوذ من الجان وعين
الإنسان حتى نزلت المعوذتان فأخذ بهما وترك ما سواهما، وحسنه الترمذي، فلا
يدل على المنع من التعوذ بغير هاتين السورتين، بل على الأولوية، ولا سيما مع
(ابن مسعود؛ أن رسول اللَّه عٍَّ كان يكره عشر خصال، فذكر منها الرقي إلا بالمعوذات،
ففي سنده عبد الرحمن بن حرملة) بن عمرو الأسلمي، المدني، مات سنة خمس وأربعين ومائة.
(قال البخاري: لا يصح حديثه،) فلا يرد على قولنا: وكذلك كل ما ورد من التعويذ في
القرآن، (وعلى تقدير صحته،) لأن مسلمًا روى له، كأصحاب السنن الأربعة.
وفي التقريب: أنه صدوق، ربما أخطأ، (فهو منسوخ بالإذن في الرقية بالفاتحة،) أي
إقرار الذي رقي بها على ذلك، وقوله: وما يدريك أنها رقية، خذوها، أي الشياه واضربوا لي
معكم بسهم، كما في الصحيحين.
هذا ولفظ الحديث عند من عزاه لهم لتكميل الفائدة، عن ابن مسعود: أن رسول اللّه عێ.
كان يكره عشر خصال: الصفرة، وتغيير الشيب، وجر الإزار، والتختم بالذهب، والتبرج بالزينة
لغير محلها، والضرب بالكعاب، والرقى إلا بالمعوذات، وعقد التمائم، وعزل الماء لغير محله،
وفساد الصبي غير محرمه، والصفرة الخلوق بالزعفران، والتبرج، أي تبرج النساء في غير محلها
(بفتح الحاء وتكسر)، وهو تزين المرأة لزوجها، والكعاب: جمع كعب، وهو فصوص النرد،
وعزل الماء، قال الخطابي: هو أن يعزل الرجل ماءه عن فرج المرأة، وهو محل الماء.
قال في النهاية: وفيه التعريض بإتيان الدبر، وفساد الصبي، أي فطمه قبل أوانه، أو وطء
المرضع، فيعرضها للحمل، فيفسد الصبي، وربما قطع اللبن بحملها، وغير محرمه معناه لم يبلغ
بالكراهة، . التحريم عائد إلى فساد الصبي فقط.
(وأما حديث أبي سعيد عند النسائي) والترمذي وابن ماجه: (كان عٍَّ يتعوذ من
الجان،) أي يقول أعوذ بالله من الجان، كما جزم به بعض الشراح، (وعين الإنسان:) من ناس
ينوس إذا تحرك، وذلك يشترك فيه الإنس والجن، وعين كل ناظر، (حتى نزلت المعوذتان)
الفلق والناس، (فأخذ بهما وترك ما سواهما).
(وحسنه الترمذي،) فقال: حسن غريب، وصححه الضياء في المختارة، (فلا يدل على
المنع من التعوذ بغير هاتين السورتين، بل على الأولوية،) أي أن التعوذ بهما أولى من التعوذ

٣٧٧
النوع الأول في طبه عَّ بالأدوية الإلهية
ثبوت التعوذ بغيرهما. وإنما اجتزأ بهما لما اشتملنا عليه من جوامع الاستعاذة من
كل مكروه جملة وتفصيلاً.
وقد أجمع العلماء على جواز الرقي عند اجتماع ثلاثة شروط:
- أن تكون بكلام اللَّه تعالى، أو بأسمائه وصفاته.
- وباللسان العربي، أو بما يعرف معناه من غيره.
- وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها، بل بتقدير اللّه تعالى.
بغيرهما، (ولا سيما مع ثبوت التعوذ بغيرهما،) هكذا قاله الحافظ: يعني من القرآن وغيره، وقال
غيره: وترك ما سواهما مما كان يتعوذ به من الكلام غير القرآن، لما ثبت أنه كان يرقى بالفاتحة
تارة، وبالمعوذتين أخرى، وكلام الحافظ أحسن، (وإنما اجتزا بهما) (بجيم، ثم زاي فألف)، أي
اكتفى بهما، لكونهما كافيتين عما سواهما، كما أرشد إلى ذلك، بقوله: (لما اشتملنا عليه من
جوامع الاستعاذة،) فهذه النسخة مساوية لنسخة اختارهما، أي قدمهما ورجحهما على غيرهما،
وليس المراد على الأولى؛ أنه اكتفى بهما وإن لم يكونا كافيتين، بدليل السياق والتعليل، (من
كل مكروه جملة وتفصيلاً،) إذ الاستعاذة من شر ما خلق تعم كل شر يستعاذ منه في الأشباح
والأرواح، والاستعاذة من شر الغاسق إذا وقب، وهو الليل إذا أظلم، أو القمر إذا غاب تتضمن
الاستعاذة من شر ما انتشر فيه من الأرواح الخبيثة، والاستعاذة من شر النفاثات تتضمن الاستعاذة
من شر السواحر وسحرهن، ومن شر حاسد تتضمن الاستعاذة من شر النفوس الخبيثة المؤذية.
والسورة الثانية تتضمن الاستعاذة من شر الإنس والجن، المشار له بقوله الوسواس، أي
الذي يوسوس للآدمي عند غفلته عن ذكر اللَّه، الخناس: الذي يخنس عند ذكر اللَّه، من الجنة
والناس، بيان للشيطان الموسوس أنه جني وإنسي، لقوله تعالى: ﴿شياطين الإنس والجن﴾
[الأنعام: ١٢٢]، أو من الجنة، بيان له، والناس عطف على الوسواس، واعترض الأول؛ بأن الناس،
لا يوسوسون في صدور الناس إنما يوسوس في صدورهم الجن.
وأجيب بأن الناس يوسوسون أيضًا بمعنى يليق بهم في الظاهر، ثم تصل وسوستهم إلى
القلب، وتثبت فيه بالطريق المؤدي إلى ذلك.
(وقد أجمع العلماء على جواز الرقي عند اجتماع ثلاثة شروط،) الأول: (أن تكون
بكلام اللَّه تعالى أو بأسمائه وصفاته، و) الثاني: أن تكون (باللسان العربي،) ولم يقيده بما
يفهم معناه، لأن الغالب على لسان العرب فهمه لمستعمله، (أو بما يعرف معناه من غيره،) لا ما
لا يعرف، لجواز كونه شركًا، (و) الثالث: (أن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها، بل بتقدير الله

٣٧٨
النوع الأول في طبه عَةٍ بالأدوية الإلهية
واختلفوا في كونها شرطًا، والراجح أنه لا بد من اعتبارها.
وفي صحيح مسلم من وحديث عوف بن لملك: قال كنا نرقي في الجاهلية،
فقلنا يا رسول اللَّه، كيف ترى في ذلك؟ فقال: اعرضوا علي رقاكم، لا بأس
بالرقي إذا لم يكن فيه شرك.
وله من حديث جابر: نهى رسول اللَّه عَّ عن الرقي، فجاء آل عمرو بن
تعالى،) وهذا الشرط لا بد منه للجواز، فإن انتفى لم يجز، بل ربما جر إلى الكفر، (واختلفوا
في كونها،) أي اجتماع الثلاثة (شرطًا،) ليحصل المقصود بها أولاً (والراجح أنه لا بد من
اعتبارها) ليحصل المقصود، لأنه عند انتفائها قد يحصل، وقد لا يحصل، وهو الغالب، هكذا
قال في الحاشية، وقال في تقريره قوله، وأجمعوا يخالف قوله، واختلفوا إلا أن يؤول؛ بأن معناه
شرطًا في الجواز، كما دل عليه قوله بعد، والشرط الثالث لا بد منه، أي للجواز، فالثلاثة
لحصول القصد، ولكن الثالث للجواز أيضًا، فإذا انتفى انتفى الجواز، بل ربما جر إلى الكفر.
انتهى، وفيه شىء مع قوله: أجمعوا على جواز.
(وفي صحيح مسلم و) أبي داود (من حديث عوف بن لملك) الأشجعي، صحابي
مشهور من مسلمة الفتح وسكن دمشق ومات سنة ثلاث وسبعين، (قال: كنا نرقي) (بفتح النون
وسكون الراء). (في الجاهلية، فقلنا: يا رسول اللَّه كيف ترى) لنا (في ذلك؟) أنفعله أم نتركه؟
وفيه استفهام العالم عما جهل حكمه، (فقال: اعرضوا) (بكسر الهمزة والراء بينهما عين مهملة
ساكنة) وهي همزة وصل تسقط في الدرج وتثبت في الابتداء مكسورة)، أي أبرزوا (على
رقاكم،) لأني العالم الأكبر، المتلقي عن معلم العلماء ومفهم الحكماء، فلما عرضوها عليه،
قال: (لا بأس بالرقي)، أي جائزة (إذا لم يكن فيه)، أي فيما رقي به (شرك)، أي شيء يوجب
اعتقاده الكفر، أو شىء من كلام أهل الشرك، الذي لا يوافق أصول الإسلام، ولذا منع الرقي
بالسرياني والعبراني، ونحوهما مما جهل معناه خوف الوقوع في ذلك، وفيه أن على المفتي أن
يسأل المستفتي عما أبهمه في السؤال قبل الجواب، وجواز الرقي بما لا ضرر فيه، وإن كان بغير
أسماء اللَّه وكلامه، لكن إذا فهم معناه، والحث على السعي في إزالة المرض والضرر عن
المسلمین بکل ممکن جائز.
(وله)) أي لمسلم بمعنى روى أيضًا (من حديث جابر) بن عبد اللَّه: (نهى رسول اللّه عَّاله
عن الرقي) خوف الوقوع في محذور، فجاء آل عمرو بن حزم بن زيد الأنصاري، الصحابي
المشهور، قال في مقدمة الفتح، وفي موطأ ابن وهب التصريح بعبارة بن حزم من آل عمرو،

٣٧٩
النوع الأول في طبه عَّه بالأدوية الإلهية
حزم بن يزيد الأنصاري، فقالوا: يا رسول اللَّه، إنه كانت عندنا رقية نرقي بها من
العقرب، قال: اعرضوها علي، قال: فعرضوا عليه، فقال: ما أرى بأسًا، من استطاع
أن ينفع أخاه فلينفعه.
وقد تمسك قوم بهذا العموم، فأجازوا كل رقية جربت منفعتها، ولو لم يعقل
معناها، لكن دل حديث عوف أنه مهما كان من الرقي يؤدي إلى الشرك فإنه يمنع،
وما لا يعقل معناه لا يؤمن أن يؤدي إلى الشرك فيمنع احتياطًا. والشرط الأخير لا
بد منه.
(فقالوا: يا رسول اللَّه إنه،) أي الشأن والحال، (كانت عندنا رقية نرقى بها من العقرب،)
وإنك نهيت عن الرقي.
هذا سقط من قلم المصنف، وهو في مسلم وغيره، قال النووي: أجاب العلماء عنه
بأجوبة، أحدها كان نهي أول، ثم نسخ ذلك وأذن فيها، وفعلها واستقر الشرع على الإذن،
والثاني: أن النهي عن الرقي المجهولة، والثالث: أن النهي كان لقوم يعتقدون منفعتها وتأثيرها
بطبعها، كما كانت الجاهلية تزعمه في أشياء كثيرة، (قال: اعرضوها علي قال: فعرضوا
عليه،) الرقية التي كانوا يرقون بها، (فقال: ما أرى بأسًا: من استطاع) منكم (أن ينفع أخاه) في
الدين، (فلينفعه) ندبًا مؤكدًا، وقد يجب في بعض الصور، وحذف المنتفع به لإرادة التعميم،
فيشمل كل ما ينتفع به من رقية، أو علم، أو جاه، أو مال، أو نحو ذلك.
فقول الفردوس: يعني بالرقية فيه نظر، وفيه قوله منكم الساقطة من قلم المصنف، إشارة
إلى أن نفع الكافر أخاه بنحو صدقة عليه لا يثاب عليه في الآخرة، وهو ما عليه جمع، والذين
كفروا أعمالهم كسراب بقيعة.
وفي رواية لمسلم أيضًا عن جابر قال: لدغت رجلاً منا عقرب ونحن جلوس مع
رسول اللَّه عَِّ، فقال رجل: يا رسول اللَّه أرقى، فقال: من استطاع، فذكره.
قال التوربشتي: كأن السائل عرف أن من حق الإيمان اعتقاد أن المقدور كائن لا محالة،
ووجد الشرع يرخص في الاسترقاء ويأمر بالتداوي وبالاتقاء عن مواطن المهلكات، فأشكل عليه
الأمر، كما أشكل على الصحب حين أخبروا أن الكتاب يسبق على الرجل، فقالوا: فقيم العمل،
(وقد تمسك قوم بهذا العموم، فأجازوا كل رقية جربت منفعتها، ولو لم يعقل معناها،) لأن
نفعها يبعدها عن التأدية إلى الشرك، (لكن دل حديث عوف) المذكور؛ على (أنه مهما كان من
الرقي يؤدي إلى الشرك فإنه يمنع، وما لا يعقل معناه لا يؤمن أن يؤدي إلى الشرك فيمنع
احتياطًا،) ولو جربت منفعتها، (والشرط الأخير) هو أن يعتقد أنها لا تؤثر بذاتها (لا بد منه،)

٣٨٠
النوع الأول في طبه عَّة بالأدوية الإلهية
وقال قوم: لا يجوز الرقية إلا من العين واللدغة، لحديث عمران بن حصين:
لا رقية إلا من عين أو حمة.
وأجيب: بأن معنى الحصر فيه أنهما أصل كل ما يحتاج إلى الرقية، فيلتحق
بالعين جواز رقية من به خبل أو مس أو نحو ذلك، لاشتراكهما في كونهما ينشآن
عن أحوال شيطانية من إنس أو جن، يلتحق بالسم كل ما عرض للبدن من قرح
ونحوه من المواد السمية. وقد وقع عند أبي داود من حديث أنس مثل حديث
عمران وزاد: أو دم، وفي مسلم من حديث أنس أيضًا رخص رسول اللَّه عَّه في
فإن اعتقد أن تأثيرها بذاتها لم يجز الرقي بها، بل ربما أدت إلى الكفر.
(وقال قوم: لا يجوز الرقية إلا من العين واللدغة، لحديث عمران بن حصين) عند
البخاري موقوفًا: ((لا رقية إلا من عين))،) يصيب العائن بها غيره إذا استحسنه عند رؤيته، (أو
حمة) (بضم الحاء المهملة وخفة الميم).
قال في النهاية: وقد تشد، وأنكره الأزهري، وهي السم، وتطلق على إبرة العقرب
المجاورة، لأن السم يخرج منها، وأصلها حمو أو حمى بوزن صرد والهاء فيه عوض عن الواو
المحذوفة أو الياء.
وقال الخطابي: الحمة اسم ذوات السموم، وقد تسمى إبرة العقرب، والزنبور حمة، لأنها
مجرى الشم، وكذا رواه مسلم عن بريدة بن الحصيب موقوفًا عليه، لكن رواه أبو داود، وصححه
الحاكم من حديث أنس، عن النبي عَّهِ.
(وأجيب؛ بأن معنى الحصر فيه؛ أنهما أصل كل ما يحتاج إلى الرقية) من الأمراض
والأوجاع، لورود الرقية في ذلك، (فيلتحق بالعين جواز رقية من به خبل:) (بفتح الخاء
المعجمة وسكون الموحدة) جنون، وشبهه كالهوج والبله والخبل (بفتح الباء أيضًا) الجنون، كما
في المصباح، (أو سمس) من جن غير عقله، وصيره كالمجنون، (أو نحو ذلك، لاشتراكهما في
كونهما ينشآن عن أحوال شيطانية من إنس أو جن، ويلتحق بالسم) الحاصل من لدغة العقرب
(كل ما عرض للبدن من قرح) (بفتح القاف وضمها)، (ونحوه من المواد السمية،) فتطلب
الرقية من ذلك كله.
(وقد وقع عند أبي داود)) وصححه الحاكم (من حديث أنس،) عن النبي عَّه (مثل
حديث عمران) الموقوف عليه، (وزاد) في حديث أنس: (أو دم) لا يرقأ، هذا بقيته عند
أبي داود، فبان بهذه الزيادة أن الحصر ليس بمراد.
(وفي مسلم من حديث أنس أيضًا: رخص رسول اللَّه عَِّ في الرقية من العين