النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ الفصل الأول في طبه عَّةٍ لذوي الأمراض والعاهات لعن النصارى واليهود فإنهم بلغوا بمكرهم بنا الآمالا خرجوا أطباء وحسابًا لكي يتقسموا الأرواح والأموالا ومما كان يفعله عليه الصلاة والسلام ويأمر به تطييب نفوس المرضى وتقوية قلوبهم، ففي حديث أبي سعيد الخدري، قال عَ لِّ: ((إذا دخلتم على مريض فنفسوا له في أجله، فإن ذلك يطيب نفسه))، مثل أن يقول له: لا بأس عليك، طهور إن شاء اللَّه، ووجهك الآن أحسن، وما أشبه ذلك. وقد يكون من هذا أن يذكر له الأجور الداخلة عليه في مرضه، وأن المرض كفارة، فربما أصلح ذلك قلبه، وأمن من خوف زلل ونحوه. وقال بعضهم: في هذا الحديث نوع شريف جدًا من أشرف أنواع العلاج، وهو الإرشاد إلى ما يطيب نفس العليل من الكلام الذي تقوى به الطبيعة، وتنتعش (لعن النصارى واليهود فإنهم بلغوا بمكرهم بنا الآمالا) (خرجوا أطباء وحسابًا لكي يتقسموا الأرواح والأموالا) (ومما كان يفعله عليه الصلاة والسلام ويأمر به تطييب نفوس المرضى، وتقوية قلوبهم)، كما في البخاري عن ابن عباس؛ أن النبي معَّلٍ كان إذا دخل على مريض يعوده، قال: لا بأس طهور إن شاء الله. (ففي حديث أبي سعيد الخدري) عند الترمذي وابن ماجه، بإسناد ضعيف، (قال علَّـ :型 إذا دخلتم على مريض) تعودونه، (فنفسوا له في أجله،) أي وسعوا له وأطمعوه في طول الحياة، أو اذهبوا حزنه فيما يتعلق بأجله، قال الطيبي: في أجله متعلق بنفسوا مضمنًا معنى التطميع، أي طمعوه في طول أجله، واللام للتأكيد والتنفيس التفريج، (فإن ذلك يطيب نفسه) فيرتاح، وقد قيل للرشيد وهو عليل: هون عليك وطيب نفسك، فإن الصحة لا تمنع من الغناء، والعلة لا تمنع من البقاء، فارتاح لذلك، ولفظ الحديث عند الترمذي وابن ماجه: فإن ذلك لا يرد شيئًا، وهو يطيب بنفس المريض، (مثل أن يقول له: لا بأس عليك طهور إن شاء اللَّه) (بفتح الطاء، أي مطهر من الذنوب)، (ووجهك الآن حسن، وما أشبه ذلك) مما يدخل السرور عليه، (وقد يكون من هذا أن يذكر له الأجور الداخلة عليه في مرضه، وأن المرض كفارة) للذنوب، (فربما أصلح ذلك قلبه وأمن من خوف زلل ونحوه). (وقال بعضهم:) هو ابن القيم (في هذا الحديث نوع شريف جدًا من أشرف أنواع العلاج، وهو الإرشاد إلى ما يطيب نفس العليل من الكلام الذي تقوى به الطبيعة، وتنتعش ٣٤٢ الفصل الأول في طبه عَ لذوي الأمراض والعاهات به القوة، ويتبعث به الحار الغريزي، ويساعد على دفع العلة أو تخفيفها الذي هو غاية تأثير الطب. وفي تفريج نفس المريض، وتطييب قلبه، وإدخال السرور عليه تأثير عجيب في شفاء علته وخفتها، فإن الأرواح والقوى تقوى بذلك، فتساعد الطبيعة على دفع المؤذي. وقد شاهد الناس كثيرًا من المرضى تنتعش قواهم بعيادة من يحبونه ويعظمونه، ورؤيتهم له، ولطفهم بهم، ومكالمتهم إياهم. قال في الهدي: وكان عَّ يسأل المريض عن شكواه، وكيف يجد، وعما يشتهيه، فإن اشتهى شيئًا وعلم أنه لا يضره أمر له به، ويضع يده على جبهته، وربما وضعها بين ثدييه، ويدعو له، ويصف له ما ينفعه في علته، وربما كان يقول به القوة، وينبعث به الحار الغريزي، ويساعد على دفع العلة، أو تخفيفها، الذي هو غاية تأثير الطب) بالأدوية، (وفي تفريج نفس المريض وتطييب قلبه وإدخال السرور عليه) بالكلام (تأثير عجيب في شفاء علته وخفتها) (الواو بمعنى)، أو (فإن الأرواح والقوى تقوى بذلك، فتساعد الطبيعة على دفع المؤذي، وقد شاهد الناس كثيرًا من المرضى تنتعش قواهم بعيادة من يحبونه ويعظمونه، ورؤيتهم له ولطفهم بهم ومكالمتهم إياهم،) ولا يعارض ذلك ندب التنبيه على الوصية، لأنه يقول مع ذلك: الوصية لا تنقص الأجل، بل العامل بالسنة ترجى له البركة في عمره، وربما تكون الوصية بقصد امتثال الشرع سببًا لزيادة العمر، ونحو ذلك (قال في الهدي) النبوي لابن القيم: (وكان عَّ يسأل المريض عن شكواه وكيف يجد) نفسه. روى أحمد والترمذي عن أنس، قال: دخل عَِّ على مريض يعوده وهو في الموت، فسلم عليه، فقال: كيف تجدك، قال: بخير يا رسول اللَّه، أرجو اللَّه وأخاف ذنوبي، فقال عَّ: لم يجتمعا في قلب رجل عند هذا الموطن إلا أعطاه اللَّه رجاءه وآمنه مما يخاف، (وعما يشتهيه، فإن اشتهى شيئًا وعلم أنه لا يضره أمر له به، و) كان (يضع يده على جبهته،) ففي حديث سعد بن أبي وقاص: ثم وضع يده على جبهته بعد مسح يده على وجهي وبطني، ثم قال: اللهم اشف سعدًا وأتهم له هجرته، فما زلت أجد برده على كبدي، (وربما وضعها بين ثدييه ويدعو له). ففي الصحيحين عن عائشة: أنه عَِّ كان إذا أتى مريضًا، أو أتي به إليه، قال: أُذهب البأس رب الناس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، (ويصف له ما ينفعه في علته) مرضه، وربما توضأ وصب على المريض من وضوئه، كما في حديث جابر المتقدم قريبًا، (وربما كان يقول للمريض: لا بأس عليك) هو (طهور) (بفتح الطاء، أي مطهر لك من ذنوبك) (إن ٣٤٣ الفصل الأول في طبه عٍَّ لذوي الأمراض والعاهات للمريض: لا بأس عليك، طهور إن شاء اللَّه تعالى، وربما كان يقول: كفارة وطهور. وقالت عائشة رضي اللَّه عنها: كان ◌ٍَّ إذا عاد مريضًا يضع يده على المكان الذي يألم ثم يقول: بسم اللَّه. رواه أبو يعلى بسند صحيح. وأخرج الترمذي بسند لين من حديث أبي أمامة رفعه من تمام عيادة المريض أن يضع أحدكم يده على جبهته ويسأله كيف هو، وعند ابن السني بلفظ: كيف أصبحت أو كيف أمسيت؟ وإذا علمت هذا، فاعلم أن المرض نوعان: مرض القلوب ومرض الأبدان. فأما طب القلوب ومعالجتها فخاص بما جاء به الرسول الكريم عَ له عن ربه شاء اللّه تعالى) دعاء لا خبر، (وربما كان يقول: كفارة وطهور،) وفيه استحباب مخاطبة العائد للعليل بما يسليه من ألمه، وتذكيره بالكفارة لذنوبه والتطهير لآثامه. (وقالت عائشة رضي الله عنها: كان عَّ إذا عاد مريضًا يضع يده على المكان الذي يألم) (بفتح اللام)، أي يتوجع منه، (ثم يقول: بسم الله) أداويك، (رواه أبو يعلى بسند صحيح،) وفي نسخ بسند حسن، (وأخرج الترمذي بسند لين،) أي ضعيف، قال الترمذي: إسناده ليس بذاك، وقال في موضع آخر فيه علي بن زيد ضعيف، (من حديث أبي أمامة) صدى بن عجلان، (رفعه من تمام عيادة المريض،) أي مكملاتها ومتمماتها (أن يضع أحدكم،) يعني العائد (يده على جبهته) حيث لا عذر، (ويسأله كيف هو،) أي كيف حاله، وبقية رواية الترمذي، وتمام تحيتكم بينكم المصافحة. (وعند ابن السني، بلفظ،) ويقول له: (كيف أصبحت) إذا عاده في الصباح، (أو كيف أمسيت) إذا عاده في المساء، فإن ذلك ينفس عن المريض، هذا بقية رواية ابن السني. قال ابن بطال: في وضع اليد على المريض تأنيس له، وتعرف لشدة مرضه ليدعو له بالعافية على حسب ما يبدو له منه، وربما رقاه ومسح على ألمه بما ينتفع به العليل إذا كان العائد صالحًا، وقد يعرف العلاج، فيعرف العلة، فيصف له ما يناسبه. (وإذا علمت هذا فاعلم أن المرض نوعان، مرض القلوب،) أي فسادها بنحو الحسد وسوء العقيدة، وهو مجاز، (ومرض الأبدان) خروجها عن الاعتدال، وهو حقيقي، ولكل منهما طب ودواء يعالج به؛ (فأما طب القلوب،) هكذا في أكثر النسخ، وهي المناسبة لقوله الآتي، وأما طب الأجساد، ولأن القصد ذكر الطب لا المرض، (ومعالجتها) عطف تفسير. ٣٤٤ الفصل الأول في طبه عَّ لذوي الأمراض والعاهات تعالى، لا سبيل لحصوله إلا من جهته، فإن صلاح القلوب أن تكون عارفة بربها وفاطرها وبأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه، وأن تكون مؤثرة لرضاه ومحابه متجنبة لمناهيه ومساخطه، ولا صحة لها ولا حياة ألبتة إلا بذلك، ولا سبيل إلى تلقي ذلك إلا من جهة سيدنا محمد عبد. وأما طب الأجساد، فمنه ما جاء في المنقول عنه عَّه، ومنه ما جاء عن غيره، لأنه عَِّ إنما بعث هاديًا وداعيًا إلى اللَّه وإلى جنته، ومعرفًا باللَّه، ومبينًا لأمته وفي نسخة: فأما مرض القلوب، وهي أنسب بما قبلها، لكن القصد ذكر الطب لا المرض إلا أن يقدر مضاف أي فأما طب مرض القلوب أو أن نفس معرفة مرضها لا يكون إلا من جهته كالرياء والشرك الخفي ونحو ذلك، وعلى هذا، فمعالجتها عطف مغاير، (فخاص بما جاء به الرسول الكريم عٍَّ عن ربه تعالى،) أي مقصور عليه، لا يعلم إلا من جهته، إما نصًا كالأحاديث الواردة فيما يصلح القلوب ويمنعها من الاعتقادات الباطلة والجهالات، وإما استنباطًا، كالأحكام التي استنبطها الأئمة من الأحاديث قياسًا عليها، أو استخراجًا من القواعد التي دلت عليها الأحاديث، (لا سبيل لحصوله إلا من جهته،) كالصفة اللازمة لما قبله، وعلله بقوله: (فإن صلاح القلوب أن تكون)، أي كونها (عارفة بربها وفاطرها)، فاتصافها بذلك عين صلاحها، وخص الرب والفاطر إشارة إلى نعمتي الإيجاد والتدبير، فإنه أنعم عليهم بالإيجاد، ثم بتدبير مصالحهم والقيام بها أبدًا ما بقوا، (وبأسمائه وصفاته وأفعاله،) أي أنه متى تعلقت إرادته بشىء كان، (وأحكامه) التي شرعها من إيجاب وندب وغيرهما (و) صلاح القلوب أيضًا، (أن تكون مؤثرة لرضاه ومحابه،) أي أنها تحرص على ذلك وتقدمه على غيره، وإن كان فيه غاية المشقة عليها، (متجنبة لمناهيه ومساخطه:) جمع مسخط، كمقعد ضد الرضا، وهو الغضب، وهو ارتكاب ما نهى عنه، فالمراد منهما واحد، أو أنه من عطف المسبب على السبب، (ولا صحة لها ولا حياة البتة إلا بذلك) المذكور من كونها عارفة ... الخ. (ولا سبيل إلى تلقي ذلك إلا من جهة سيدنا محمد عَّل؛) هذا غير قوله أولاً: لا سبيل إلى حصوله، لأنه وجوده نفسه، والثاني قبوله وأخذه عنه، فاختلف السبيلان. (وأما طب الأجساد، فمنه ما جاء في المنقول عنه عَ ل(،) فيجب اعتقاد حقيته، وأنه إن تخلف حصول الشفاء عنه، فذلك لمانع قام بالمريض أو الدواء، (ومنه ما جاء عن غيره،) ولم يكن كل طب الأجساد منه، (لأنه عَِّ إنما بعث) هاديًا، فالتعليل لمقدر فهم من السياق، (وداعيًا إلى اللَّه وإلى جنته، ومعرفًا باللَّه) ما يجب له وما يستحيل عليه وغير ذلك من العقائد، (ومبينًا لأمته مواقع رضاه) النافعة لهم، (وآمرًا لهم بها، و) مبينًا لهم، (مواقع سخطه) الضارة ٣٤٥ الفصل الأول في طبه عَّهُ لذوي الأمراض والعاهات مواقع رضاه وآمرًا لهم بها، ومواقع سخطه وناهيّا لهم عنها، ومخبرهم أخبار الأنبياء والرسل وأحوالهم مع أممهم، وأخبار تخليق العالم، وأمر المبدأ والمعاد، وكيفية شقاوة النفوس وسعادتها أسباب ذلك. وأما طب الأجساد فجاء من تكميل شريعته، ومقصودًا لغيره، بحيث أنه إنما يستعمل للحاجة إليه، فإذا قدر الاستغناء عنه كان صرف الهمم إلى علاج القلوب وحفظ صحتها، ودفع أسقامها وحميتها مما يفسدها هو المقصود بإصلاح الجسد، وإصلاح الجسد بدون إصلاح القلب لا ينفع، وفسد البدن مع إصلاح القلب مضرته يسيرة جدًا، وهي مضرة زائلة، تعقبها المنفعة الدائمة التامة. وإذا علمت هذا، فاعلم أن ضرر الذنوب في القلوب كضرر السموم في الأبدان، على اختلاف درجاتها في الضرر. وهل في الدنيا والآخرة شر وداء إلا لهم (وناهيًا لهم عنها،) بوحي اللَّه وأمره له بذلك، (ومخبرهم أخبار الأنبياء والرسل، وأحوالهم مع أممهم،) أي مخبرهم بأحوال الأنبياء مع أممهمٍ، أو بأخبار الأنبياء الذين صدرت منهم الأخبار إلى أممهم، كقول صالح: ﴿هذه ناقة اللَّه لكم آيةٍ﴾ [الأعراف/ ٧٣]، (وأخبار تخليق،) أي خلق (العالم،) كأخباره عن خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، والأرض بعد ذلك دحاها، والجبال أرساها (وأمر المبدأ والمعاد) الرجوع يوم القيامة، (وكيفية شقاوة النفوس وسعادتها، وأسباب ذلك) المذكور من شقاوة وسعادة، ولما نشأ من الحصر؛ بأنه إنما بعث هاديًا ... الخ سئل هو: فلما تكلم على كثير من أمور الطب، أجاب عنه بقوله: (وأما طب الأجساد، فجاء من تكميل شريعته، و) جاء (مقصودًا لغيره) لا لذاته، (بحيث أنه إنما يستعمل للحاجة إليه،) أي عند الحاجة إليه (فإذا قدر الاستغناء عنه كأن صرف الهمم إلى علاج القلوب وحفظ صحتها ودفع أسقامها وحميتها) (بكسر الحاء) منعها (مما يفسدها هو المقصود بإصلاح الجسد،) ويجوز كما يفهم من هذا الكلام؛ أنه قسيم لمقدر، أي: فأما طب القلوب وإصلاحها فهو المقصود من شرعه، وأما طب الأجساد ... الخ. وبهذا جزم في الشرح، وجوز الأول في تقريره، (وإصلاح الجسد بدون إصلاح القلب لا ينفع،) بل قد يضر، (وفساد البدن مع إصلاح القلب مضرته يسيرة جدًا،) لأنه إنما يترتب عليها فوات غرض دنيوي لا يؤثر خللاً في الدين، (وهي مضرة زائلة) (مصدر ميمي بمعنى الضرر)، (تعقبها المنفعة الدائمة التامة) بالخلود في جنات النعيم؛ (وإذا علمت هذا، فاعلم أن ضرر الذنوب في القلوب، كضرر السموم في الأبدان على اختلاف درجاتها،) أي أنواعها ٣٤٦ الفصل الأول في طبه عَّةٍ لذوي الأمراض والعاهات وسببه الذنوب والمعاصي، فالمعاصي من الآثار القبيحة المذمومة والمضرة بالقلب والبدن في الدنيا والآخرة ما لا يعلمه إلا الله. فمنها: حرمان العلم، فإن العلم نور يقذفه اللَّه في القلب، والمعصية تطفىء ذلك النور، وللإمام الشافعي رضي اللَّه تعالى عنه: شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي وقال اعلم بأن العلم نور ونور اللّه لا يؤتاه عاصي ومنها: حرمان الرزق، ففي المسند: وإن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه. (في الضرر، وهل في الدنيا والآخر شر وداء:) (بالفتح والمد) مرض، (إلا وسببه الذنوب والمعاصي،) بمعنى الذنوب، فحسن العطف اختلاف اللفظ، (فللمعاصي من الآثار القبيحة المذمومة والمضرة) الضرر (بالقلب والبدن في الدنيا والآخرة ما لا يعلمه إلا الله.) (فمنها حرمان العلم،) أي أن المعاصي سبب في حصول ذلك وقيامه بالعبد، (فإن العلم نور يقذفه اللَّه في القلب،) وفائدته امتثال الأوامر واجتناب النواهي، (والمعصية تطفىء ذلك النور) فيكون إما سببًا لحرمانه، بحيث لا يدرك شيئًا منه، وإما سببًا لعدم ترتب فائدته عليه، بل قد يكون علمه الذي حصله ضررًا عليه في الدارين، (وللإمام الشافعي رضي اللَّه تعالى عنه: (شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي) (وقال اعلم بأن العلم نور ونور اللّه لا يؤتاه عاصي) وذكر ابن القيم: لما جلس الشافعي بين يدي لملك وقرأ عليه، أعجبه ما رأى من وقور فطنته وتوقد ذكائه وكمال فهمه، فقال: إني أرى اللَّه قد ألقى على قلبك نورًا، فلا تظلمه بالمعصية، (ومنها: حرمان الرزق) الحلال، أو البركة فيه، (ففي المسند) لأحمد، والظاهر أن المراد الحديث المسند، أي المرفوع لقول مغلطاي: إذا كان الحديث في أحد الستة لا يجوز لحديثي نقله من غيرها. انتهى. وهذا الحديث أخرجه النسائي وابن ماجه وأحمد وأبو يعلى وابن منيع والطبراني والضياء في المختارة والعسكري عن ابن عباس: أن النبي عَِّ قال: ((إن الدعاء يرد القضاء، وان البر يزيد في العمر، (وإن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه)،) ثم قرأ رسول اللَّه عَبله: ﴿إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذا أقسموا ليصرمنها مصبحين ولا يستثنون﴾ [القلم: ١٧، ١٨]. ویروی عن ابن مسعود، رفعه: إن الرجل ليذنب الذنب، فيحرم به الشىء من الرزق، وقد کان ھییء، وانه لیذنب فینسی به الباب من العلم قد كان علمه، وانه لیذنب، فیمنع به قیام الليل وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة، ويعارضها ما أخرجه الطبراني عن أبي سعيد، رفعه: ((ان ٣٤٧ الفصل الأول في طبه عٍَّ لذوي الأمراض والعاهات ومنها: وحشة يجدها العاصي في قلبه، بينه وبين اللَّه تعالى، لا يوازيها ولا يقارنها لذة أصلا. ومنها: تعسير أموره عليه، فلا يتوجه لأمر إلا يجده مغلقًا دونه، أو متعسرًا علیه. ومنها: ظلمة يجدها في قلبه حقيقة يحس بها، كما يحس بظلمة الليل البهيم إذا ادلهم، وكلما قويت الظلمة ازدادت حيرته حتى يقع في البدع والضلالات والأمور المهلكة وهو لا يشعر، وتقوى هذه الظلمة حتى تعلو الوجه وتصیر سوادًا فيه، يراه کل أحد. الرزق لا تنقصه المعصية، ولا تزيده الحسنة، وترك الدعاء معصية». وعند العسكري بسند ضعيف، عن ابن مسعود، رفعه: «لیس أحد بأکسب من أحد قد، كتب اللَّه النصيب والأجل، وقد قسم المعيشة والعمل، والرزق مقسوم وهو آت على ابن آدم على أي سيرة سارها، ليس تقوى تقي بزائده، ولا فجور فاجر يناقصه)، وبينه وبين ستر وهو في طلبه). وعند ابن أبي الدنيا وغيره مرفوعًا: ((إن الرزق ليطلب العبد، کما يطلبه أجله)، وفي ذا المعنى أحاديث، ويمكن الجمع بينها كما أشرت إليه؛ بأن الذي يحرمه الرزق الحلال أو البركة فيه أو صرفه في وجوه الخير ونحو ذلك، فلا معارضة. وأسلفت في مراتب الوحي شيئًا من ذلك، (ومنها: وحشه يجدها العاصي في قلبه بيته وبين اللَّه تعالى لا يوازيها،) أي يقابلها، يقال: وازاه موازاة، أي حاذاه، (ولا يقارنها) (بالنون)، أي لا يجتمع معها (لذة أصلاً،) بالعبادات وإن فعلها. قال وهيب ابن الورد لمن سأله: أيجد طعم العبادة من عصى اللَّه سبحانه؟، قال: لا، ولا من هم بالمعصية. (ومنها: تعسير أموره عليه، فلا يتوجه لأمر إلا يجده مغلقًا دونه،) بحيث لا يصل إليه بوجه، (أو متعسرًا عليه،) بحيث يناله تعب في الوصول إليه. (ومنها: ظلمة يجدها في قلبه حقيقة، يحس بها كما يحس بظلمة الليل البهيم) الأسود (إذا ادلهم،) أي اشتد سواده وكثفت ظلمته، (وكلما قويت الظلمة ازدادت حيرته حتى يقع في البدع:) الأمور القبيحة المخالفة للشرع، وإن أطلقت البدع على غير القبيح، فليس المراد هنا كما هو بين، (والضلالات والأمور المهلكة، وهو لا يشعر، وتقوى هذه الظلمة حتى تعلو الوجه وتصير سوادًا فيه يراه كل أحد) بحاسة البصر. ٣٤٨ الفصل الأول في طبه عَّةٍ لذوي الأمراض والعاهات ومنها: أنه يوهن القلب والبدن. ومنها: حرمات الطاعة، وتقصير العمر، ومحق البركة، ولا يمتنع زيادة العمر بأسباب، كما ينقص بأسباب، وقيل: تأثير المعاصي في محق العمر إنما هو بأن حقيقة الحياة هي حياة القلب، فليس عمر المرء إلا أوقات حياته باللّه، فتلك ساعات عمره، فالبر والتقوى والطاعات تزيد في هذه الأوقات التي هي حقيقة عمره، ولا عمر له سواها. وبالجملة: فالعبد إذا أعرض عن اللَّه، واشتغل بالمعاصي ضاعت عليه أيام حياته الحقيقة. ومنها: أن المعصية تورث الذل. ومنها: أنها تفسد العقل، فإن للعقل نورًا، والمعصية تطفىء نور العقل. ومنها: أنها تزيل النعم وتحل النقم، فما زالت عن العبد نعمة إلا بذنب، ولا حلت به نقمة إلا بذنب ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن (ومنها: انه يوهن القلب والبدن:) يضعفهما. (ومنها حرمات الطاعة وتقصير العمر ومحق البركة،) وأجاب عن سؤال: هو أن الأجل مكتوب، فکیف یتأتی نقصه أو زيادته، بقوله: (ولا يمتنع زیادة، العمر بأسباب، کما ینقص بأسباب) باعتبار ما في صحف الملائكة، أما باعتبار علم اللّه، فلا يزيد ولا ينقص. (وقيل: تأثير المعاصي في محق العمر، إنما هو بأن،) أي بسبب أن (حقيقة الحياة هي حياة القلب، فليس عمر المرء إلا أوقات حياته باللَّه، فتلك ساعات عمره) النافعة له، (فالبر والتقوى والطاعات تزيد في هذه الأوقات التي هي حقيقة عمره، ولا عمر له سواها؛ وبالجملة، فالعبد إذا أعرض عن اللّه واشتغل بالمعاصي ضاعت عليه أيام حياته الحقيقية،) التي تحصل له نفع الدارين. (ومنها: أن المعصية تورث الذل،) أي كونه يصير ذليلاً محتقرًا بين الناس، وان لم يطلعوا على ما فعله (ومنها: أنها تفسد العقل،) فيرى الصواب خطأ، والخطأ صوابًا، (فإن للعقل نورًا، والمعصية تطفىء نور العقل،) فيصير كالمجنون. (ومنها: انها تزيل النعم،) كما اشتهر، ومعناه صحيح، ولم أقف عليه. قال السخاوي: (وتحل النقم) (بضم التاء وكسر الحاء من أحله)، كذا أنزله به، (فما زالت عن العبد نعمة إلا بذنب، ولا حلت به نقمة إلا بذنب،) كما قال تعالى: (﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم﴾) [الشورى: ٣٠]، بسبب المعاصي، والفاء، لأن ما شرطية أو مضمنة معناه، ولم يذكرها نافع وابن عامر استغناء بما في الباء من معنى السببية، (ويعفو عن ٣٤٩ الفصل الأول في طبه عٍَّ لذوي الأمراض والعاهات كثير﴾ [الشورى/٣٠] ولقد أحسن القائل: إذا كنت في نعمة فارعها فإن الذنوب تزيل النعم وحطها بطاعة رب العباد فرب العباد سريع النقم ومن عقوباتها أنها تستجلب مواد هلاك العبد في دنياه وآخرته، فإن الذنوب كثير) من الذنوب، فلا يعاقب عليها، والآية مخصوصة بالمجرمين، فإن أصاب غيرهم، فلأسباب أخر، منها: تعريضه للأجر العظيم بالصبر عليه، قاله البيضاوي: (ولقد أحسن القائل:) هو أبو الحسن الكندي القاضي فيما أسنده عنه البيهقي: (إذا كنت في نعمة فارعها فإن الذنوب تزيل النعم) وفي رواية فإن المعاصي بدل الذنوب. (وحطها بطاعة رب العباد فرب العباد سريع النقم) حطها بحاء وطاء مهملتين، أي احفظها، وبقية القصيدة: وإياك والظلم مهما استطعت فظلم العباد شديد الوم لتبصر آثار من قد ظلم وسافر بقلبك بين الورى شهود عليهم ولاتتهم فتلك مساكنهم بعدهم من الظلم وهو الذي قد قصم وما كان شىء عليهم أضر فكم تركوا من جنان ومن قصور وأخرى عليهم أطم صلوا بالجحيم وفات النعيم وكان الذي نابهم كالحلم وقد يشهد لصدر الأبيات قوله عَّله: (ما عظمت نعمة اللَّه على عبد إلا عظمت مؤنة الناس عليه، فمن لم يحتمل تلك المؤنة فقد عرض تلك النعمة للزوال))، رواه البيهقي وأبو يعلى والعسكري عن معاذ، وللطبراني والبيهقي عن ابن عمر، رفعه: إن للَّه أقوامًا اختصهم بالنعم لمنافع يقرهم فيها ما بذلوها، فإذا منعوها نزعها منهم، فحولها إلى غيرهم)»، وللبيهقي عن أبي هريرة، رفعه: ((ما من عبد للَّه عليه نعمه أسبغها عليه إلا جعل إليه شيئاً من حوائج الناس، فإن تبرم بهم فقد عرض تلك النعمة للزوال))، قال السخاوي: وبعضها يؤكد بعضًا. وعن الفضيل بن عياض: ((أما علمتم أن حاجة الناس إليكم نعمة من الله عليكم، فاحذروا أن تملوا النعم فتصير نقمًا))، أخرجه البيهقي. (ومن عقوباتها أنها تستجلب مواد هلاك العبد في دنياه وآخرته،) أي أسباب هلاكه، ومادة الشىء ما يكون الشىء حاصلاً معه بالقوة فيتسبب حصوله عنها كالآلة التي تركب منها السرير مثلا (فإن الذنوب هي أمراض متى استحكمت قتلت، ولا بد كما أن البدن لا يكون ٣٥٠ الفصل الأول في طبه عَِّ لذوي الأمراض والعاهات هي أمراض متى استحكمت قتلت ولا بد، كما أن البدن لا يكون صحيحًا إلا بغذاء يحفظ قوته، واستفراغ يستفرغ المواد الفاسدة والأخلاط الرديئة التي متى غلبت عليه أفسدته، وحمية يمتنع بها من تناول ما يؤذيه ويخشى ضرره فكذلك القلب، لا تتم حياته إلا بغذاء من الإيمان والأعمال الصالحة يحفظ قوته، واستفراغ بالتوبة النصوح يستفرغ المواد الفاسدة والأخلاط الرديئة، وحمية توجب له حفظ الصحة، وتجنب ما يضادها، وهي عبارة عن ترك استعمال ما يضاد الصحة، والتقوى اسم متناول لهذه الأمور الثلاثة، فما فات منها فات من التقوى بقدره. وإذا تبين هذا فالذنوب مضادة لهذه الأمور الثلاثة، فإنها تستجلب المواد المؤذية، وتوجب التخليط المضاد للحمية، وتمنع الاستفراغ بالتوبة النصوح. فانظر إلى بدن عليل قد تراكمت عليه الأخلاط ومواد المرض، وهو لا يستفرغها ولا يحتمي لها، كيف تكون صحته وبقاؤه ولقد أحسن القائل: صحيحًا إلا بغذاء) (بمعجمتين ممدود) (يحفظ قوته، واستفراغ:) أي علاج (يستفرغ) يخرج (المواد الفاسدة والاخلاط الرديئة التي متى غلبت عليه أفسدته،) فتؤدي إلى الأمراض أو الهلاك عادة، (وحمية يمتنع بها من تناول ما يؤذيه، ويخشى ضرره) من مرض أو هلاك، (فكذلك القلب لا تتم حياته إلا بغذاء من الإيمان،) من بيانية أو تبعيضية، أي: أشياء هي الإيمان (والأعمال الصالحة،) أو بأمور هي بعض مكملات الإيمان، والأعمال الصالحة (تحفظ قوته،) وإطلاق الغذاء على ذلك مجاز، لأنه لغة ما يتغذى به من الطعام والشراب، (واستفراغ بالتوبة النصوح) لغة من النصح، وهو صفة التائب، فإنه ينصح نفسه بالتوبة، وصفت به على الإسناد المجازي مبالغة في النصح، أو من النصاحة، وهي الخياطة، كأنها تنصح ما خرق الذنب. قاله البيضاوي: (يستفرغ المواد الفاسدة والاخلاط الرديئة، وحمية) عن المعاصي (توجب له حفظ الصحة وتجنب ما يضادها، وهي عبارة عن ترك استعمال ما يضاد الصحة والتقوى، اسم متناول لهذه الأمور الثلاثة:) الغذاء والاستفراغ والحمية، (فما فات منها فات من التقوى بقدره،) فتكون ناقصة؛ (وإذا تبين هذا، فالذنوب مضادة لهذه الأمور الثلاثة، فإنها تستجلب المواد المؤذية وتوجب التخليط المضاد،) المخالف (للحمية، وتمنع الاستفراغ بالتوبة النصوح، فانظر إلى بدن عليل قد تراكمت عليه الاخلاط ومواد المرض، وهو لا يستفرغها ولا يحتمي لها؛) مراده تقريب المعقول بالمحسوس، أي تأمل بدن عليل موصوف بما ذكر، (كيف تكون صحته وبقاؤه) استفهام توبيخي بمعنى النفي، أي لا تكون له صحة ولا بقاء، ٣٥١ الفصل الأول في طبه عَّةٍ لذوي الأمراض والعاهات جسمك بالحمية حصنته مخافة من ألم طـاري وكان أولى بك أن تحتمي عن المعاصي خشية النار فمن حفظ القوة بامتثال الأوامر، واستعمل الحمية باجتناب النواهي، واستفرغ التخليط بالتوبة النصوح، لم يدع للخير مطلبًا، ولا للشر مهربًا، وفي حديث أنس: ألا أدلكم على دائكم ودوائكم، ألا إن داءكم الذنوب، ودواؤكم الاستغفار. فقد ظهر لك أن طب القلوب ومعالجتها لا سبيل إلى معرفته إلا من جهة الرسول عَ لّه بواسطة الوحي. والقلب العليل شبيه بالبدن العليل، فإذا تراكمت عليه الخطايا، بحيث اشتدت غفلته وإعراضه عن اللَّه، وما تدارك ما يوقظه من تلك الغفلة، بل تمادى على ضلاله، كيف يرجى قربه من اللَّه والدراجه في الصالحين، لا يكون ذلك إلا أن يحفه اللَّه بالرحمة، فيوفقه إلى عمل صالح يكون سببًا لنجاته، (ولقد أحسن القائل:) (جسمك بالحمية حصنته مخافة من ألم طاري) (وكان أولى بك أن تحتمي عن المعاصي خشية النار) (فمن حفظ القوة بامتثال الأوامر، واستعمل الحمية باجتتاب النواهي، واستفرغ التخليط بالتوبة النصوح، لم يدع للخير مطلبًا،) أي لم يترك شيئاً من الأسباب التي تسوق إلى الرحمة والقرب من الله، (ولا للشر مهربًا،) بزنة جعفر: موضع يذهب إليه الفأر خوفًا، أي لم يترك سببًا من الأسباب التي تدفع الشر عنه، وتبعده عن النار وعذابها؛ بل إذا اتقى هرب الشر عنه كما يفر الخائف من عدو یرید البطش به. (وفي حديث أنس) قال: قال رسول اللَّه عَّ (ألا أدلكم على دائكم) (بفتح الدال ممدود)، أي مرضكم (ودوائكم:) شفائكم من المرض (بفتح الدال والمد)، وحكى الجوهري وغيره (كسر الدال لغة)، وهي شاذة، قاله عياض: (ألا إن داءكم الذنوب،) لأنها سبب إلى دخول النار، وذلك أعظم من كل الأمراض، وفي التنزيل: ولعذاب الآخرة أشق، (ودواؤكم الاستغفار،) أي التوبة والإقلاع عن الذنوب، والندم والعزم على أن لا يعود: وهذا الحديث رواه البيهقي عن ◌ُنس مرفوعًا. قال المنذري: وقد روي عن قتادة من قوله، وهو أشبه بالصواب، (فقد ظهر لك) مما ذكر (أن طب القلوب ومعالجتها لا سبيل:) طريق (إلى معرفته إلا من جهة الرسول عَ له، بواسطة الوحي) بملك أو غيره. ٣٥٢ الفصل الأول في طبه ◌َِّ لذوي الأمراض والعاهات وأما طب الأجساد فغالبه يرجع إلى التجربة. ثم هو نوعان: نوع لا يحتاج إلى فكر ونظر، بل فطر اللَّه على معرفته الحيوانات، مثل ما يدفع الجوع والعطش والبرد والتعب، وهذا لا يحتاج فيه إلى معالجته طبيب. ونوع يحتاج إلى النظر والفكر، كدفع ما يحدث في البدن مما يخرجه عن الاعتدال، وهو إما حرارة وإما برودة، وكل منهما، إما إلى رطوبة أو يبوسة، أو إلى ما يتركب منهما، وغالب ما يقاوم الواحد منها بضده، والدفع قد يقع من خارج البدن، وقد يقع من داخله وهو أعسرهما، والطريق إلى معرفته بتحقيق السبب والعلامة. فالطبيب الحاذق هو الذي يسعى في تفريق ما يضر بالبدن جمعه، أو عكسه، وفي تنقيص ما يضر بالبدن زيادته أو عكسه، ومدار ذلك على ثلاثة أشياء: حفظ الصحة. والاحتماء عن المؤذي. (وأما طب الأجساد، فغالبه يرجع إلى التجربة، ثم هو نوعان: نوع لا يحتاج إلى فكر ونظر، بل فطر اللَّه على معرفته الحيوانات،) عاقلة وغيرها، (مثل ما يدفع الجوع والعطش والبرد والتعب، وهذا لا يحتاج فيه إلى معالجة طبيب) لمعرفة الحيوانات كلها له، (ونوع يحتاج إلى النظر والفكر، كدفع ما يحدث في البدن مما يخرجه عن الاعتدال، وهو إما حرارة وإما برودة، وكل منهما إما) مائل (إلى رطوبة أو يبوسة، أو إلى ما يتركب منهما، وغالب ما يقاوم:) يقابل ويعالج (الواحد منها بضده،) وقد يعالج بموافقة لخاصية فيه على زعم الحكماء، (والدفع قد يقع من خارج البدن،) كالأدهان والاستحمام بالأدوية، (وقد يقع من داخله، وهو أعسرهما، والطريق إلى معرفته بتحقيق،) أي معرفة (السبب) الذي حدث منه المرض، (والعلامة) التي يستدل بها على معرفته، وفي نظم ابن سينا: فإن أصل الطب أن تدري المرض والسبب الحادث منه والعرض (فالطبيب الحاذق،) الماهر في علم الطب، (هو الذي يسعى في تفريق ما يضر) (بضم الياء من أضر رباعيّا)، ولذا عداه بالباء في قوله: (بالبدن) ويتعدى بنفسه ثلاثيًا، نحو: لن يضروكم إلا أذى (جمعه) فاعل يضر (بفتح فسكون) (أو عكسه)، أي جمع ما يضر بالبدن تفريقه، (وفي تنقيص ما يضر بالبدن زيادته أو عكسه،) أي زيادة ما يضر بالبدن نقصه، (ومدار ذلك على ثلاثة أشياء حفظ الصحة والاحتماء عن المؤذي واستفراغ المادة الفاسدة،) ٣٥٣ الفصل الأول في طبه عٍَّ لذوي الأمراض والعاهات واستفراغ المادة الفاسدة. وقد أشير إلى الثلاثة في القرءان: فالأول: قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ [البقرة/١٨٤] وذلك أن السفر مظنة النصب، وهو من مغيرات الصحة، فإذا وقع فيه الصيام ازداد فأبيح الفطر، وكذلك القول في المرض. والثاني: وهو الحمية، من قوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ [النساء/٢٩] فإنه استنبط منه جواز التيمم عند خوف استعمال الماء البارد، وقال تعالى في آية الوضوء ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾ [المائدة/٦] فأباح للمريض العدول عن الماء الى التراب حمية له أن يصيب جسده ما يؤذيه، وهو تنبيه على الحمية عن كل مؤذٍ له من داخل أو خارج. والثالث: من قوله تعالى: ﴿أو به أذى من رأسه فقدية﴾ [البقرة/١٩٦] فإنه بإخراج الدم والإسهال والقيء، (وقد أشير إلى الثلاثة في القرآن، فالأول قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو على سفر﴾) [البقرة: ١٨٤]، أي مسافر (فعدة)، أي فعليه عدد (من أيام أخر) يصومها بدله، (وذلك ان السفر مظنة النصب،) بفتحتين التعب، (وهو من مغيرات الصحة، فإذا وقع فيه الصيام ازداد، فأبيح الفطر، وكذلك القول في المرض،) ففي هذا الإشارة إلى حفظ الصحة، (والثاني، وهو الحمية من قوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾) [النساء: ٢٩]، فإنه استنبط منه جواز التيمم عند خوف استعمال الماء البارد،) واحتج بذلك عمرو بن العاصي، وأقره النبي عَّهِ، كما رواه أبو داود وغيره. (وقال تعالى في آية الوضوء: ﴿وان كنتم مرضى﴾) [المائدة: ٦]، مرضًا يضره الماء (﴿أو على سفر﴾،) أي مسافرين وأنتم جنب، أو محدثون، ((أو جاء أحد منكم من الغائط﴾،) المكان المعد لقضاء الحاجة، أي أحدث، (﴿أو لا مستم النساء﴾،) وفي قراءة بلا ألف، وكلاهما بمعنى من اللمس، وهو الجس باليد، قاله ابن عمر، وقال ابن عباس: هو الجماع، (﴿فلم تجدوا ماء﴾،) تطهرون به بعد الطلب والتفتيش، وهو عائد لما عدا المرضى (﴿فتيمموا:) اقصدوا (صعيدًا طيبًا﴾،) طاهرًا، (فأباح للمريض العدول عن الماء إلى التراب حمية له أن يصيب جسده ما يؤذيه، وهو تنبيه على الحمية عن كل مؤذ له من داخل. أو خارج،) فهو أصل الحمية؛ (والثالث) مأخوذ (من قوله تعالى:) ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى ٣٥٤ الفصل الأول في طبه عَّ لذوي الأمراض والعاهات أشير بذلك إلى جواز حلق الرأس الذي منع منه المحرم، لاستفراغ الأذى الحاصل من البخار المحتقن في الرأس تحت الشعر، لأنه إذا حلق رأسه تفتحت المسام فخرجت تلك الأبخرة منها. فهذا الاستفراغ يقاس عليه كل استفراغ يؤذي انحباسه. فقد أرشد اللَّه تعالى عباده إلى أصول الطب الثلاثة ومجامع قواعده. وفي الصحيحين من حديث عطاء عن أبي هريرة قال: رسول اللَّه عَ لّه: ((ما أنزل اللَّه داء إلا أنزل له شفاء)). يبلغ الهدى محله﴾ [البقرة: ١٩٦]، فمن كان منكم مريضًا (﴿أو به أذى من رأسه﴾،) كقمل وصداع، فحلق في الإحرام، (﴿ففدية)) عليه من صيام لثلاثة أيام أو صدقة أو نسك، (فإنه أشير بذلك إلى جواز حلق الرأس الذي منع منه المحرم،) بقوله: ولا تحلقوا رؤوسكم، (لاستفراغ،) أي لأجل إخراج (الأذى الحاصل من البخار المحتقن:) المحتبس المجتمع (في الرأس تحت الشعر، لأنه إذا حلق رأسه تفتحت المسام، فخرجت تلك الأبخرة منها،) فترتاح، (فهذا الاستفراغ يقاس عليه كل استفراغ يؤذي انحباسه) من باب قياس لا فارق، (فقد أرشد اللَّه تعالى عباده إلى أصول الطب الثلاثة ومجامع قواعده،) وقد قال تعالى: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شىء﴾ [الأنعام: ٣٨]. (وفي الصحيحين من حديث عطاء) بن أبي رباح: (بفتح الراء والموحدة) (عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه عَ لَّل ما أنزل اللَّه داء) أي مرضًا، وللإسماعيلي: من داء بزيادة من (إلا أنزل له شفاء،) أي دواء، وجمعه أشفية، وجمع الجمع آشاف، وشفاه يشفيه أبراه، وطلب له الشفاء، كأشفاه، قاله المصنف، وهو صريح في أن الشفاء اسم للدواء، وقال شيخنا: أي أنزل له دواء يكون سببًا للشفاء، فإذا استعمله المريض، وصادف المرض حصل له الشفاء، سواء کان الداء قلبیًا أو بدنيًا. انتهى. قال الكرماني: أي ما أصاب اللَّه أحدًا بداء إلا قدر له دواء، أو المراد بإنزالهما إنزال الملائكة الموكلين بمباشرة مخلوقات الأرض من الدواء والداء. انتهى. قال المصنف: فعلى الأول المراد بإنزال التقدير، وعلى الثاني إنزال علم ذلك على لسان الملك للنبي مثلاً، أو إلهام لغيره. انتهى. وقيل: معنى الإنزال إعلامه عياده، ومنع بأن الحديث أخبر بعموم الإنزال لكل داء ودوائه، وأكثر الخلق لا يعلمون ذلك، كما يصرح به خبر علمه، من علمه وجهله من جهله. وقيل: عامة الأدواء، والأدوية بواسطة إنزال الغيث الذي تتولد به الأغذية والأدوية وغيرهما، ٣٥٥ الفصل الأول في طبه عَّةٍ لذوي الأمراض والعاهات وأخرجه النسائي وصححه ابن حبان والحاكم عن ابن مسعود رضي اللَّه عنه بلفظ إن اللَّه لم ينزل داء إلاَّ أنزل له شفاء فتداووا. وعند أحمد من حديث أنس: إن اللَّه حيث خلق الداء خلق الدواء فتداووا . وعند البخاري في ((الأدب المفرد)، وأحمد وأصحاب السنن، وصححه الترمذي وابن خريمة والحاكم عن أسامة بن شريك، رفعه: تداووا عباد اللَّه، فإن اللَّه وهذا من تمام لطف الرب بخلقه، كما ابتلاهم بالأدواء أعانهم عليها بالأدوية، وكما ابتلاهم بالذنوب أعانهم عليها بالتوبة والحسنات الماحية. (وأخرجه النسائي، وصححه ابن حبان والحاكم، عن ابن مسعود رضي اللَّه عنه،) عن النبي عَّهِ، (بلفظ: أن اللَّه لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء) . قال بعضهم: الداء علة تحصل بغلبة بعض الأخلاط، والشفاء رجوعها إلى الاعتدال، وذلك بالتداوي، وقد يحصل بمحض لطف الله بلا سبب. وقال ابن سينا: الداء هيئة ناسخة للصحة، تخرج البدن عن المجرى الطبيعي، وعرفه غيره بأنه المخرج للبدن عن المجرى الطبيعي، بتناول أو غالب من الأخلاط. قال الرازي: وهذا أوجه لعمومه، (فتداووا) وجوبًا في الأمراض القلبية، وندبًا أو إباحة في الأمرض البدنية، إن لم يترتب على ترك التداوي هلاك أو ترك واجب، وإلا وجب التداوي، وقد يحرم، كقدح عين أدى للصلاة مستلقيًا عند جمع من المالكية، وصحح بعضهم: وهو مذهب الشافعية جوازه. (وعند أحمد من حديث أنس) مرفوعًا: (إن اللَّه حيث خلق الداء) ظرف مكان بالاعتبار، أي قدره وأوجده في بدن أو عضو، (خلق الدواء فتداووا،) فإن أصيب الدواء واستعمل على وجهه بریء. (وعند البخاري في) كتاب (الأدب المفرد، وأحمد وأصحاب السنن) الأربعة، (وصححه الترمذي وابن خزيمة والحاكم، عن أسامة بن شريك) الثعلبي (بمثلثة ومهملة)، صحابي تفرد بالرواية عنه زياد بن علاقة على الصحيح، (رفعه) فقال: أتيت رسول اللَّه عَ لَّه وأصحابه عنده، كأن على رؤوسهم الطير، فسئل عن التداوي، فقال: (تداووا عباد اللّه،) كذا في کثیر من النسخ بدون يا، ومثله في الجامع. وفي بعض النسخ: يا عباد اللَّه، ومثله في شرح المصنف للبخاري: فلعلهما روايتان، وصفهم بالعبودية إيذانًا بأن التداوي، لا يخرجهم عن التوكل الذي هو من شرطها، أي تداووا ولا تعتمدوا في الشفاء على التداوي بل كونوا عباد اللَّه متوكلين عليه، (فإن اللّه لم يضع داء إلا ٣٥٦ الفصل الأول في طبه عٍَّ لذوي الأمراض والعاهات لم يضع داء إلا وضع له شفاء إلا داء واحدًا وهو الهرم وفي لفظ إلا السام - وهو بمهملة مخففًا - الموت، يعني إلا داء الموت، أي المرض الذي قدر على صاحبه الموت فيه. وستثناء الهرم في الرواية الأولى إما لأنه جعله شبيهًا بالموت، والجامع بينهما نقص الصحة، أو لقربه من الموت وإقضائه إليه، ويحتمل أن يكون الاستثناء منقطعًا، والمعنى: لکن الهرم لا دواء له. ولأبي داود، عن أبي الدرداء، رفعه: إن اللَّه عز وجل جعل كل داء دواء، فتداووا، ولا تداووا بحرام. وضع له شفاء،) وهو سبحانه لو شاء لم يخلق داء، وإذا خلقه لو شاء لم يخلق له دواء، وإذا خلقه لو شاء لم يأذن في استعماله، لكنه أذن، فمن تداوى، فعليه أن يعتقد حقًّا ويوقن يقينًا بأن الدواء لا يحدث شفاء ولا يولده، كما أن الداء لا يحدث سقمًا ولا يولده، لكن الباري سبحانه يخلق الموجودات واحدًا عقب آخر على ترتيب هو أعلم بحكمته (إلا داءً واحدًا) وفي رواية: غير داء واحد، قال أبو البقاء: لا يجوز في غير هنا إلا النصب على الاستثناء من داء، (وهو الهرم) (بفتحتين)، أي الكبر، وليس في الرواية لفظ، وهو كما في شرحه كالفتح والجامع. قال أبو البقاء: الهرم يجوز رفعه بتقدير هو، وجره على البدل من داء المجرور بغير، ونصبه على إضمار، أعني، (وفي لفظ إلا السام، وهو بمهملة مخففًا الموت، يعني: إلا داء الموت، أي المرض الذي قدر على صاحبه الموت فيه، واستثناء الهرم في الرواية الأولى إما لأنه جعله شبيهًا بالموت) أي بدائه وداء الموت لا دواء له، فكذا الهرم لمشابهته له في نقص الصحة كما قال، (والجامع بينهما نقص الصحة) في الجملة، وإن كان في المشبه به انتهاؤها دون المشبه، أي الهرم، فلا يقال: الموت مزيل للصحة من أصلها، لا منقص لها، (أو لقربه من الموت وإقضائه إليه،) لأن الموت يعقبه، كما يعقب الداء، قاله ابن العربي، وجعله أولى من انقطاع الاستثناء، وهو عطف على قوله، لأنه جعله. (ويحتمل أن يكون الاستثناء منقطعًا، والمعنى: لكن الهرم لا دواء له،) فلا ينجع فيه التداوي، (ولأبي داود عن أبي الدرداء) عويمر العجلاني، (رفعه،) فقال: قال عَّ (إن الله عز وجل جعل لكل داء دواء،) لطفًا منه بخلقه، (فتداووا) متوكلين على اللَّه، (ولا تداووا بحرام،) بحذف إحدى التاءین في تداووا. ٣٥٧ الفصل الأول في طبه عَّةٍ لذوي الأمراض والعاهات وفي البخاري: إن اللَّه تعالى لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم، فلا يجوز التداوي بالحرام. وروى مسلم عن جابر، مرفوعًا: لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن اللَّه تعالى. فالشفاء متوقف على إصابة الداء الدواء بإذن اللَّه تعالى. وذلك أن الدواء قد (وفي البخاري:) تعليقًا عن ابن مسعود، وبين الحافظ؛ أنه جاء من طرق صحيحة إليه (إن الله تعالى لم يجعل شفاءكم) من الأمراض القلبية والنفسية، أو الشفاء الكامل المأمون الغائلة (فيما حرم) بالبناء للفاعل، ويجوز للمفعول (عليكم،) لأنه سبحانه وتعالى لم يحرمه إلا لخبثه عناية بعباده وحمية لهم وصيانة عن التلطخ بدنسه، وما حرم عليهم شيئًا إلا عوضهم خيرًا منه، فعدولهم عما عوضه لهم إلى ما منعهم منه يوجب حرمان نفعه؛ ومن تأمل ذلك هان عليه ترك المحرم المردي، واعتاض عنه النافع المجدي والمحرم، وأن أثر في إزالة المرض، لكنه يعقب بخبثه سقمًا قلبيًّا أعظم منه، فالمتداوي به ساع في إزالة سقم البدن بسقم القلب، وبه علم أنه لا تدافع بین الحدیث. وآية: أن في الخمر منافع ، وحمل المنافع في الآية على منفعة الاتعاظ، أي أن من رأى حالته اتعظ به، فإن السكران هو والكلب واحد، يلحس في ذا مرة، وذا مرة تكلف بارد، (فلا يجوز التداوي بالحرام،) وقد روى الطبراني في الكبير، وأبو يعلى عن أم سلمة، قالت: نبذت نبيذًا في كوز، فدخل رسول اللّه عَّ وهو يغلي، فقال: ما هذا؟، قلت: اشتكت ابنة لي، فنقعت لها هذه، فقال عَِّ: ((لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم)). (وروى مسلم) في الطب، والإمام أحمد (عن جابر مرفوعًا: لكل داء) (بفتح الدال ممدود)، وقد يقصر (دواء،) أي شىء مخلوق مقدر له، (فإذا أصيب دواء الداء) بالبناء للمفعول، والأصل: فإذا أصاب المريض دواء الداء المناسب له، سواء أصابه بتجربة أو أخبار عارف، واستعمله على القدر الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي (برأ بإذن الله تعالى،) لأن الشىء يداوى بضده غالبًا، لكن قد يدق حقيقة المرض وحقيقة طبع الدواء، فيقل الفقه بالمتضادين، ومن ثم أخطأ الأطباء، فمتى كان مانعًا بخطأ أو غيره، تخلف البرء، فإن تمت المضادة حصل البرء لا محالة، فصحت الكلية واندفع التدافع، هذا أحد محملي الحديث. وقيل: هو عام مخصوصٍ، والمراد، لكل داء يقبل الدواء، (فالشفاء متوقف على إصابة،) أي ملاقاة (الداء الدواء بإذن الله تعالى،) بحيث لا يكون بينهما حائل، ولا ثم مانع كما يأتي، (وذلك أن الدواء قد يحصل معه مجاوزة الحد في الكيفية،) أي الصفة، كاستعماله على ٣٥٨ الفصل الأول في طبه عَِّ لذوي الأمراض والعاهات يحصل معه مجاوزة الحد في الكيفية أو الكمية فلا ينجح، بل ربما أحدث داء آخر. وفي رواية علي عند الحميدي في كتابه المسمى بطب أهل البيت: ما من داء إلا وله دواء، فإذا كان كذلك بعث الله عز وجل ملكًا ومعه ستر فيجعله بين الداء والدواء، فكلما شرب المريض من الدواء لم يقع على الداء، فإذا أراد اللَّه برأه أمر الملك فرفع الستر، ثم يشرب المريض الدواء فينفعه اللَّه تعالى به. وفي حديث ابن مسعود رفعه: ((إن اللَّه لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه، وجهله من جهله))، رواه أبو نعيم وغيره. جوع أو شبع مفرطين، أو أخطأ في تركيبه، كاختلال بعض أجزائه، أو أوقد عليه إلى حد يفسده، أو لم يوقد عليه إلى حد استوائه المطلوب له، (أو الكمية،) أي المقدار، ككون المناسب للمرض درهمين، فاستعمل أكثر أو أقل، (فلا ينجع) (بنون فجيم فمهملة)، أي لا يظهر أثره، (بل ربما أحدث داء آخر،) ثار من ذلك الدواء. (وفي رواية علي) أمير المؤمنين، (عند الحميدي في كتابه المسمى بطب أهل البيت: ما من داء إلا وله دواء، فإذا كان كذلك،) أي لكل داء دواء وأطلع اللَّه المريض على دواء مرضه، واستعمله على الوجه المطلوب في استعماله، ولكن يرد اللَّه شفاءه حالاً بذلك الدواء، (بعث اللَّه عز وجل ملكًا،) فهو مرتب على مقدر دل عليه ما بعده، وأحاديث أخر، وإلا فقوله: بعث لا يترتب بظاهره، على أن لكل داء دواء، (ومعه ستر:) (بكسر السين له وسكون الفوقية)، شىء يستر به، (فيجعله بين الداء والدواء، فكلما شرب المريض من الدواء لم يقع على الداء) لوجود الستر، (فإذا أراد اللَّه برأه أمر الملك، فرفع الستر، ثم يشرب المريض الدواء، فينفعه اللَّه تعالى به،) أي يبرأ بإذن الله. (وفي حديث ابن مسعود، رفعه: إن اللَّه لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه) بإلهام اللَّه تعالى له واطلاعه عليه، (وجهله من جهله) بإخفاء اللَّه تعالى عنه إياه، فإذا شاء اللّه الشفاء يسر ذلك الدواء، ونبه مستعمله بواسطة أو دونها، فيستعمله على وجهه، وفي وقته فيبرأ، وإذا أراد هلاكه أذهله عن دوائه، وحجبه بمانع فهلك، وكل ذلك بمشيئته وحكمه، كما سبق في علمه؛ ولقد أحسن القائل: والناس يلحون الطبيب وإنما غلط الطبيب إصابة المقدور (رواه أبو نعيم وغيره،) كالنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم وصححاه، ورواه ٣٥٩ الفصل الأول في طبه عٍَّ لذوي الأمراض والعاهات وفيه إشارة إلى أن بعض الأدوية لا يعلمها كل أحد. وأما قوله ((لكل داء دواء) فيجوز أن يكون على عمومه حتى يتناول الأدواء القاتلة، والأدواء التي لا يمكن طبيب معرفتها، ويكون قد جعل اللَّه لها أدوية تبرئها، ولكن طوى علمها عن البشر، ولم يجعل لهم إليها سبيلاً، لأنه لا علم للخلق إلا ما علمهم اللَّه تعالى. ولهذا علق مَّلِ الشفاء على مصادفة الدواء للداء، وقد يقع لبعض المرضى أنه يتداوى من دائه بدواء فيبرأ، ثم يعتريه بعد ذلك الداء، والدواء الحاكم أيضًا من حديث أبي سعيد، بزيادة، إلا السأم وهو الموت، (وفيه إشارة إلى أن بعض الأدوية لا يعلمها كل أحد،) لقوله: جهله من جهله. (وأما قوله) عَّلة: (لكل داء دواء، فيجوز أن يكون على عمومه حتى يتناول الأدواء القاتلة،) كالسم، (والأدواء التي لا يمكن طبيب معرفتها،) لخروجها عن قواعد علمه، (ويكون قد جعل اللَّه لها أدوية تبرئها، ولكن طوى علمها عن البشر، ولم يجعل لهم إليها سبيلاً،) طريقًا يهديهم إليها، (لأنه لا علم للخلق إلا ما علمهم اللَّه تعالى،) كما قالت الملائكة: ﴿سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا﴾، جزم القرطبي، فقال: هذه كلية صادقة العموم، لأنها خبر عن الصادق، عن الخالق جل وعلا ألا يعلم من خلق، فالداء والدواء خلقه، والشفاء والهلاك فعله، وربط الأسباب بالمسببات حكمته وحكمه، وكل ذلك بقدر لا معدل عنه. انتهى. (ولهذا علق عَّ الشفاء على مصادفة الدواء للداء،) بقوله: إذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله، وهذا قدر زائد على مجرد وجوده. قال المازري رحمه اللَّه: فيه بيان واضح، لأنه قد علم أن الأطباء يقولون: المرض خروج الجسم عن المجرى الطبيعي، والمداواة رده، وحفظ الصحة بقاؤه عليه، فحفظها يكون بإصلاح الأغذية وغيرها، ورده يكون بالموافق من الأدوية المضادة للمرض، وبقراط يقول: الأشياء تداوى بضدها، ولكن قد يدق ويغمض حقيقة المرض، وحقيقة طبع الدواء فيقل الفقه بالمضادة، ومن هنا يقع الخطأ من الطبيب، فقد يظن الطبيب العلة عن مادة حارة، فتكون عن غير مادة أو عن مادة، باردة، أو عن مادة حارة دون الحرارة التي ظنها، فلا يحصل الشفاء؛ فكأنه عَِّ نبه بآخر كلامه على ما قد يعارض به أوله، فيقال: قلت: لكل داء دواء، وكثير من المرضى يداوون، فلا بيرؤون، فقال: إنما ذلك لفقد العلم بحقيقة المداواة، لا لفقد الدواء، وهذا واضح. (وقد يقع لبعض المرضى أنه يتداوى من دائه بدواء فيبرأ، ثم يعتريه بعد ذلك الداء والدواء) يستعمل ولا يقدر، يعتريه كما هو ظاهر (بعينه،) تأكيد للدواء، ويقدر مثله في الداء، أي ٣٦٠ الفصل الأول في طبه عَّةٍ لذوي الأمراض والعاهات بعينه فلا ينجع، والسبب في ذلك الجهل بصفة من صفات الداء، فرب مرضين تشابها، ويكون أحدهما مركبًا، لا ينجع فيه ما ينجع في الذي ليس مركبًا، فيقع الخطأ من هناك، وقد يكون متحدًا لكن يريد اللَّه أن لا ينجع، وهنا تخضع رقاب الأطباء. وفي مجموع ما ذكرناه من الأحاديث الإشارة إلى إثبات الأسباب، وأن ذلك لا ينافي التوكل، كما لا ينافيه دفع الجوع والعطش بالأكل والشرب، وكذلك تجنب المهلكات، والدعاء بطلب الشفاء ودفع المضار وغير ذلك. وقد سئل الحرث بن أسد المحاسبي في كتاب ((القصد) من تأليفه: هل والدواء الذي يستعمله هو الدواء الأول بعينه، (فلا ينجع،) أي: يظهر أثره، (والسبب في ذلك الجهل بصفة من صفات الداء، فرب مرضين تشابها، ويكون أحدهما مركبًا) من حرارة وبرودة، مثلاً، (لا ينجع فيه ما ينجع في الذي ليس مركبًا،) بل من حرارة فقط أو برودة فقط، (فيقع الخطأ من هناك، وقد يكون متحدًا، لكن، يريد اللَّه أن لا ينجع، وهنا تخضع رقاب الأطباء،) ولذا قيل: إن الطبيب بطبه ودوائه لا يستطيع دفع نحب قد أتى ما للطبيب يموت بالداء الذي قد كان يبرىء غيره فيما مضى وقال آخر: إن الطبيب لذو عقل ومعرفة ما دام في أجل الإنسان تأخير حتى إذا ما انقضت أيام مدته حار الطبيب وخانته العقاقير (وفي مجموع ما ذكرناه من الأحاديث الإشارة إلى أن إثبات الأسباب) وترتب مسبباتها عليها، لأمره بالتداوي، (وإن ذلك لا ينافي التوكل على الله، لأن التداوي من قدر اللَّه، ففيه حجة على من أنكر التداوي من غلاة الصوفية، وقال: كل شىء بقضاء وقدر، فلا حاجة للتداوي، وحجة العلماء هذه الأحاديث ونحوها، ويعتقد أن اللَّه هو الفاعل، وأن التداوي أيضًا من قدر اللَّه، فلا ينافي التوكل، (كما لا ينافيه دفع الجوع والعطش بالأكل والشرب، وكذلك تجنب المهلكات والدعاء بطلب الشفاء ودفع المضار وغير ذلك،) كالأمر بقتال الكفار وبالتحصن، ومجانبة الإلقاء باليد إلى التهلكة، مع أن الأجل لا يتغير، والمقادير لا تتأخر ولا تتقدم عن أوقاتها، ولا بد من وقوع المقدورات. (وقد سئل الحرث بن أسد المحاسبي) (بضم الميم وكسر المهملة)، سمي بذلك