النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
وروى أبي داود والترمذي من حديث أبي ثعلبة الخشني - رفعه -: تأتي أيام
للعامل فيها أجر خمسين، قيل: منهم أو منا يا رسول اللَّه؟ قال: بل منكم وهو
شاهد لحديث مثل أمتي مثل المطر لكن حديث للعامل منهم أجر خمسين منكم
لا يدل على أفضلية غير الصحابة، لأن مجرد زيادة الأجر لا يستلزم ثبوت
الأفضلية المطلقة، وأيضًا: الأجر إنما يقع تفاضله بالنسبة إلى ما يماثله في ذلك
العمل.
فأما ما فاز به من شاهد النبى عَةٍ من فضيلة المشاهدة، فلا يعدله فيها
أحد، ولا ريب أن من قاتل معه أو في زمانه بأمره، أو أنفق شيئًا من ماله بسببه، لا
يعدله أحد في الفضل بعده كائنًا من كان، قال تعالى: ﴿لا يستوي منكم من أنفق
(وروى أبي داود والترمذي من حديث أبي ثعلبة الخشني) ) بضم الخاء وفتح الشين
المعجمتين ونون) صحابي مشهور بكنيته، قيل: اسمه جرثوم أو جرثومة، أو جرثم أو جرهم،
وقيل: غير ذلك، وفي اسم أبيه أيضًا خلاف، مات سنة خمس وسبعين، وقيل: بعد الأربعين،
(رفعه: تأتي أيام للعامل فيها أجر خمسين) ممن عمل في غيرها، (قيل: منهم) من أهل تلك
الأيام، (أو منا) معاشر الصحابة (يا رسول الله، قال: ((بل منكم،) لأنهم أقاموا الدين وتمسكوا به،
وصبروا على الطاعة حين ظهور المعاصي والفتن، فكانوا عند ذلك غرباء، فزكت أعمالهم؛
ويشهد له حديث مسلم عن أبي هريرة، رفعه: ((بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ، فطوبى
للغرباء»، (وهو شاهد لحديث))، مثل) بفتحتين (أمتي مثل المطر،) لأنه بمعناه، وما كان كذلك
يسمى شاهدًا؛ (لكن حديث للعامل منهم أجر خمسين منكم) المذكور، (لا يدل على أفضلية
غير الصحابة على الصحابة، لأن مجرد زيادة الأجر) التي دل عليها الحديث (لا يستلزم
ثبوت الأفضلية المطلقة،) لجواز أنها الصفات قامت بهم، كالتمسك بالدين مع شدة المانع منه
وزيادة حبهم للمصطفى، مع أنهم ما رأوه، وزيادة اليقين والإيمان بالغيب، وقد أثنى اللَّه على
الذين يؤمنون بالغيب؛ (وأيضًا الأجر إنما يقع تفاضله بالنسبة إلى ما يماثله في ذلك العمل، فأما
ما فاز به من شاهد النبي،) أو شاهده النبي (عَّم من فضيلة المشاهدة) ولو مرة، (فلا يعدله
فيها أحد،) وذلك لا يكون لغير الصحابة ولو بلغوا ما بلغوا.
وفي الشفاء: أن رجلاً قال للمعافى بن عمران: أين عمر بن عبد العزيز من مطوية؟، فغضب
وقال: لا يقاس بأصحاب النبي عَّه أحد؛ مطوية صاحبه وصهره وأمينه على وحي اللَّه، (ولا ريب
أن من قاتل معه أو في زمانه بأمره، أو أنفق شيئًا) قليلاً أو كثيرًا (من ماله بسببه، لا يعدله أحد
في الفضل بعده كائنًا من كان،) فكلام ابن عبد البر ليس على إطلاقه في حق جميع الصحابة؛

٣٠٢
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا﴾
[الحديد/١٠] وكذلك من ضبط الشرع المتلقى عنه وبلغه لمن بعده.
فمحصل النزاع يتمحض فيمن لم يحصل له إلا مجرد المشاهدة، وقد ظهر
أنه فاز بما لم يفز به من لم يحصل له ذلك. وبهذا يمكن تأويل الأحاديث
المتقدمة.
فإنه صرح باستثناء أهل بدر والحديبية، لا كما فهمه القرطبي أنه قد يأتي بعد الصحابة من يكون
أفضل من جميعهم.
(قال تعالى: ﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح﴾ [الحديد: ١٠]،) لمكة
(﴿وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا﴾،) وكلا وعد الله الحسنى، وهي
الجنة، وبهذه الآية استدل ابن حزم على أن الصحابة كلهم من أهل الجنة قطعًا، لأنهم
المخاطبون بالآية.
وقال تعالى: ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون﴾ [الأنبياء: ١٠١]،
فثبت أنهم من أهل جنة، وأنه لا يدخل أحد منهم النار، ولا يرد أن التقييد بالإنفاق والقتال يخرج
من لم يتصف بذلك، وكذلك التقييد بالإحسان في قوله تعالى: ﴿والسابقون الأولون من
المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان﴾ [التوبة: ١٠٠]، مخرج لمن لم يتصف بذلك؛
لأن التقييدات المذكورة خرجت مخرج الغالب، فالمراد من اتصف بالإنفاق والقتال بالفعل أو
القوة، (وكذلك من ضبط الشرع المتلقى عنه، وبلغه لمن بعده،) فلا يعدله أحد ممن يأتي
بعده؛ لأنه ما من خصلة من الخصال المذكورة إلا وللذي سبق بها مثل أجر من عمل بها من
بعده، فظهر فضلهم. (فمحصل النزاع) حينئذٍ بين الجمهور وابن عبد البر (يتمحض فيمن لم
يحصل له إلا مجرد المشاهدة، وقد ظهر أنه فاز:) ظفر (بما لم يفز به من لم يحصل له
ذلك،) وذلك لا يعدله شىء، لأنه بمجردها ينطق الأعرابي الحلف بالحكمة، وتشرق في قلبه
الأنوار، (وبهذا يمكن تأويل الأحاديث المتقدمة؛) بأن دلالتها على الفضيلة من حيث العمل لا
مطلقًا، فلا يرد أن المشاهدة لا يساويها شىء.
قال في الإصابة: وقد كان تعظيم الصحابة، ولو قل اجتماعهم مقررًا عند الخلفاء الراشدين
وغيرهم؛ ففي كتاب أخبار الخوارج لمحمد بن قدامة المروزي، برجال ثقات عن أبي سعيد
الخدري، قال: كنا ننزل رفاقًا مع رسول اللَّه عَّله، فنزلنا في رفقة فيها أبو بكر، فنزلنا على أهل
أبيات فيهم امرأة حبلى ومعنا رجل من أهل البادية، فقال للمرأة: أيسرك أن تلدي غلامًا؟، قالت:
نعم، قال: إن أعطيتني شاة ولدت غلامًا فأعطته، فسجع لها أسجاعًا، ثم عمد إلى الشاة، فذبحها

٣٠٣
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
ثم إن الصحابة على ثلاثة أصناف: الأول: المهاجرون، الثاني: الأنصار وهم
الأوس والخزرج وحلفاؤهم ومواليهم، الثالث: من أسلم يوم الفتح.
قال ابن الأثير في ((الجامع)): والمهاجرون أفضل من الأنصار، وهذا على
سبيل الإجمال، وأما على سبيل التفصيل، فإن جماعة من سباق الأنصار أفضل من
جماعة من متأخري المهاجرين، وإنما سباق المهاجرين أفضل من سباق الأنصار، ثم
هم بعد ذلك متفاوتون، فرب متأخر في الإسلام أفضل من متقدم عليه، مثل
عمر بن الخطاب وبلال بن رباح.
وطبخها، فأكلنا منها، فلما علم أبو بكر بالقصة، قام فتقيا كل شىء أكله، ثم رأيت ذلك البدوي
قد أتى به عمر بن الخطاب، وقد هجى الأنصار، فقال لهم عمر: لولا أن له صحبة من
رسول اللَّه عَِّ ما أدري ما نال فيها لكفيتموه، ولكن له صحبة، فتوقف عمر عن معاتبته فضلاً
عن معاقبته، لعلمه أنه لقي النبي عَّه؛ وذلك أبين شاهد على أنهم كانوا يعتقدون أن شأن
الصحبة لا يعدله شىء، (ثم إن الصحابة على ثلاثة أصناف) :.
(الأول: المهاجرون،) والمراد بهم من عدا الأنصار ومن أسلم يوم الفتح، وهلم جرا،
فعد الصحابة ثلاثة من هذه الحيثية، كما في الفتح.
(الثاني: الأنصار:) اسم إسلامي لهم، سماهم اللَّه به لما فازوا به دون غيرهم من إيوائه
ونصره عَّهِ، وإيواء من معه ومواساتهم بأنفسهم وأموالهم، (وهم الأوس والخزرج) ابنا حارثة بن
ثعلبة، جداهما الأعليان، واسم أمهم قيلة (بفتح القاف وسكون التحتية) (وحلفاؤهم ومواليهم،)
لأن الأنصار قالت: يا رسول اللَّه إن لكل قوم أتباعًا، وإنا قد اتبعناك، فادع الله أن يجعل أتباعنا
منا.
قال النبي عَّهِ: ((اللهم اجعل أتباعهم منهم)، كما في الصحيح، والأتباع: الحلفاء
والموالي.
(الثالث: من أسلم يوم الفتح،) فما بعده إلى الوفاة النبوية.
(قال ابن الأثير في الجامع) للأصول: (والمهاجرون أفضل من الأنصار، وهذا على
سبيل الإجمال،) أي الحكم على الجملة، لا على كل واحد؛ (وأما على سبيل التفصيل، فإن
جماعة من سباق الأنصار،) كأصحاب العقبة (أفضل من جماعة من متأخري المهاجرين، وإنما
سباق المهاجرين أفضل من سباق الأنصار:) جمع سابق، (ثم هم،) أي المهاجرون (بعد ذلك
متفاوتون) في الفضل، (فرب متأخر في الإسلام أفضل من متقدم عليه) فيه، (مثل عمر بن
الخطاب وبلال بن رباح،) فإنه تقدم على عمر في الإسلام، بحيث قيل: إنه أول من أسلم،

٣٠٤
الفصل الثالث فى ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
وقد ذكر العلماء للصحابة ترتيبًا على طبقات، وممن قسمهم كذلك
الحاكم في ((علوم الحديث):
الطبقة الأولى: قوم أسلموا بمكة أول المبعث، وهم سباق المسلمين: مثل:
خديجة بنت خويلد، وعلي بن أبي طالب، وأبي بكر أو زيد بن حارثة،
وبقية العشرة، وقد تقدم الخلاف في أول من أسلم في المقصد الأول.
الطبقة الثانية: أصحاب دار الندوة، بعد إسلام عمر بن الخطاب حمل
النبيَّ عَّه ومن معه من المسلمين إلى دار الندوة، فأسلم لذلك جماعة من أهل
مکة.
الطبقة الثالثة: الذين هاجروا إلى الحبشة فرارًا بدينهم من أذى المشركين
أهل مكة، منهم: جعفر بن أبي طالب، وأبو سلمة بن عبد الأسد.
الطبقة الرابعة: أصحاب العقبة الأولى، وهم سباق الأنصار إلى الإسلام،
وعمر أفضل منه بإجماع، مع أنه سبقه أربعون إلى الإسلام.
(وقد ذكر العلماء للصحابة ترتيبًا على طبقات،) واختلفوا في عدها، (وممن قسمهم
كذلك الحاكم) أبو عبد اللَّه (في) كتاب (علوم الحديث))) الذي يعبر المتأخرون بالمصطلح:
(الطبقة الأولى قوم أسلموا بمكة أول المبعث، وهم سباق المسلمين، مثل خديجة بنت
خويلد،) التي لم يسبقها إلى الإسلام رجل ولا امرأة إجماعًا، حكاه غير واحد، (وعلي بن
أبي طالب وأبي بكر، أو زيد بن حارثة، وبقية العشرة،) وبلال وورقة بن نوفل، (و) هما مع من
سمى المصنف هنا، هم الذين (قد تقدم الخلاف في أول من أسلم) منهم (في المقصد
الأول) مع الترجيح أو الجمع.
(الطبقة الثانية: أصحاب دار الندوة،) دار قصي بن كلاب، وهي لغة الاجتماع، لأنهم
كانوا يجتمعون فيها للمشورة وغيرها، فلا تنكح امرأة ولا يتزوج رجل من قريش، ولا يتشاورون
في أمر، ولا يعقدون لواء حرب إلا فيها، وخرج إليها عَّ (بعد إسلام عمر بن الخطاب،)
وإظهار إسلامه، فبايعوه حينئذٍ فيها، وإليه أشار بقوله: (حمل) عمر (النبي عَيْدُ ومن معه من
المسلمين إلى دار الندوة، فأسلم لذلك جماعة من أهل مكة،) فطبقتهم تلي الأولى.
(الطبقة الثالثة: الذين هاجروا إلى الحبشة) بأمره عَّهِ (فرارًا بدينهم من أذى
المشركين، أهل مكة، منهم جعفر بن أبي طالب وأبو سلمة بن عبد الأسد) المخزومي،
وكانت هجرتهم للحبشة مرتين أولى وثانية.
(الطبقة الرابعة: أصحاب العقبة الأولى) الذين اجتمعوا به عَ له عند جمرة العقبة، (وهم

٣٠٥
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
وكانوا ستة، وأصحاب العقبة الثانية من العام المقبل، وكانوا اثني عشر رجلاً، وقد
تقدمت أسماء أهل العقبتين في المقصد الأول.
الطبقة الخامسة: أصحاب العقبة الثالثة، وكانوا سبعين من الأنصار، منهم:
البراء بن معرور، وعبد اللَّه بن عمرو بن حرام، وسعد بن عبادة، وسعد بن الربيع،
وعبد الله بن رواحة.
الطبقة السادسة: المهاجرون الذين وصلوا إلى النبي عَّه بعد هجرته وهو
بقباء قبل أن يبني المسجد وينتقل إلى المدينة.
الطبقة السابعة: أهل بدر الكبرى. قال عَّه لعمر في قصة حاطب بن أبي
بلتعة: وما يدريك، لعل الله اطلع على هذه العصابة من أهل بدر فقال: اعملوا ما
شئتم فقد غفرت لكم رواه مسلم.
سباق الأنصار إلى الإسلام، وكانوا ستة، وأصحاب العقبة الثانية من العام المقبل، وكانوا
اثني عشر رجلاً، وقد تقدمت أسماء أهل العقبتين في المقصد الأول،) فلا حاجة إلى إعادته.
(الطبقة الخامسة: أصحاب العقبة الثالثة، وكانوا سبعين،) وقيل: خمسًا وسبعين (من
الأنصار،) لفظ الحاكم، وأكثرهم من الأنصار، (منهم البراء) بفتح الباء والراء والمد مخففًا
(ابن معرور) بفتح الميم وإسكان المهملة وضم الراء وسكون الواو، ثم راء، وكان أول من بايع
ليلتئذٍ، ويقال أسعد بن زرارة (وعبد اللَّه بن عمرو بن حرام) بمهملتين الشهيد بأحد، وهو أبو جابر
(وسعد بن عبادة) سيد الخزرج، (وسعد) (بسكون العين (بن الربيع) المستشهد بأحد،
(وعبد الله بن رواحة) الشهيد بمؤتة.
(الطبقة السادسة: المهاجرون الذين وصلوا إلى النبي عٍَّ بعد هجرته، وهو بقباء)
بضم القاف (قبل أن بيني المسجد وينتقل إلى) داخل (المدينة) المنوّرة.
(الطبقة السابعة: أهل بدر الكبرى، قال عَّه: لعمرٍ في قصة حاطب بن أبي بلتعة)
البدري، المتقدمة في فتح مكة: (وما يدريك) يا عمر (لعل الله اطلع على هذه العصابة من أهل
بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم).
قال النووي: الرجاء هنا راجع إلى عمر، لأن وقوع هذا الأمر محقق عند الرسول؛ وقال
الحافظ: هي بشارة عظيمة لم تقع لغيرهم، وقد قال العلماء: الترجي في كلام اللَّه وكلام الرسول
للوقوع، وعند أحمد وأبي داود بالجزم، ولفظه أن اللَّه اطلع على أهل بدر .... الخ، واتفقوا على

٣٠٦
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
الطبقة الثامنة: الذين هاجروا بين بدر والحديبية.
الطبقة التاسعة: أهل بيعة الرضوان الذين بايعوا بالحديبية تحت الشجرة،
قال ◌َّهِ: لا يدخل النار إن شاء اللّه من أصحاب الشجرة أحد رواه مسلم.
الطبقة العاشرة: الذين هاجروا بعد الحديبية وقبل الفتح، کخالد بن الوليد،
وعمرو بن العاصي، ومثل بعضهم بأبي هريرة لكن قال الحافظ العراقي، لا يصح
التمثيل به، فإنه هاجر قبل الحديبية، عقيب خيبر بل في أواخرها.
الطبقة الحادية عشر: الذين أسلموا يوم الفتح، وهم خلقٍ كثير، فمنهم من
أسلم طائعًا، ومنهم من أسلم كارهًا ثم حسن إسلام بعضهم، والله أعلم بهم.
الطبقة الثانية عشر: صبيان أدركوا النبي ◌َّ. ورواه يوم الفتح وبعده في حجة
أن هذه البشارة فيما يتعلق بأحكام الآخرة لا بأحكام الدنيا من إقامة الحدود وغيرها، (رواه
« سلم) والبخاري في مواضع.
(الطبقة الثامنة: الذين هاجروا بين بدر والحديبية،) بالتخفيف والتشديد.
(الطبقة التاسعة: أهل بيعة الرضوان الذين بايعوا بالحديبية تحت الشجرة؛ قال عَلّهِ:
((لا يدخل النار إن شاء اللَّه) للتبرك والامتثال (من أصحاب الشجرة أحد)) رواه مسلم) من
حديث أم مبشر، ففي هذا وما قبله تبشير أهل بدر والشجرة بالجنة، وقولهم العشرة المبشرة
بالجنة لورود النص عليهم بأسمائهم في حديث واحد، وفي مسلم وغيره عن جابر مرفوعًا: ((لا
يدخل النار من شهد بدرًا والحديبية)).
(الطبقة العاشرة: الذين هاجروا بعد الحديبية وقبل الفتح) لمكة، (كخالد بن الوليد)
سيف اللَّه المخزومي، (وعمرو بن العاصي) السهمي، (ومثل بعضهم بأبي هريرة، لكن قال
الحافظ العراقي: لا يصح التمثيل به، فإنه هاجر قبل الحديبية عقيب خيبر، بل في.
أواخرها،) أي خيبر، كذا قال: ولا أدري ما هذا، فالحديبية كانت في ذي القعدة سنة ست،
وخيبر كانت في بقية المحرم سنة سبع، فحاصرها، وفي أواخرها قدم أبو هريرة رضي اللَّه عنه،
فكيف يكون هاجر قبل الحديبية، مع أن خيبر بعدها؟، وقد قالوا في قوله تعالى: ﴿وأثابهم فتحًا
قریتا﴾ [الفتح: ١٨]، إنه فتح خيبر، کما مر ذلك مفصلاً، فالتمثيل به صحيح.
(الطبقة الحادية عشر: الذين أسلموا يوم الفتح وهم خلق كثير،) أزيد من ألفين،
(فمنهم من أسلم طائعًا، ومنهم من أسلم كارهًا، ثم حسن إسلام بعضهم، واللَّه أعلم بهم).
(الطبقة الثانية عشرة: صبيان أدركوا النبي عَّلية، ورواه يوم الفتح وبعده في حجة

٣٠٧
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
الوداع وغيرهما، كالسائب بن يزيد.
ثم انقطعت الهجرة بعد الفتح على الصحيح من الأقوال.
وأما عدة أصحابه عَّهِ، فمن رام حصر ذلك رام أمرًا بعيدًا، ولا يعلم حقيقة
ذلك إلا اللَّه تعالى، لكثرة من أسلم من أول البعثة إلى أن مات النبي عَّهِ،
وتفرقهم في البلدان والبوادي وقد روى البخاري أن كعب بن لملك قال في قصة
تخلفه عن غزوة تبوك: وأصحاب رسول اللَّه عَ لّه كثير لا يجمعهم كتاب حافظ،
يعني الديوان، لكن قد جاء ضبطهم في بعض مشاهده کتبوك.
وقد روي أنه سار عام الفتح في عشرة آلاف من المقاتلة، وإلى حنين في
الوداع وغيرهما،) . أي غير وقتي الفتح وحجة الوداع.
قال السخاوي: يعني من عقل منهم ومن لم يعقل، (كالسائب بن يزيد) الكندي، صحابي
له أحاديث قليلة، وحج به في حجة الوداع، وهو ابن سبع سنين، ومات بالمدينة، وهو آخر من
مات بها سنة إحدى وتسعین، وقيل: قبلها.
قال ابن الصلاح: ومنهم من زاد على اثنتي عشرة طبقة، وقال ابن سعد إنهم خمس
طبقات: الأولى البدريون، الثانية من أسلم قديمًا ممن هاجر عامتهم إلى الحبشة وشهدوا أحدًا فما
بعدها، الثالثة من شهد الخندق فما بعدها، الرابعة مسلمة الفتح فما بعدها، الخامسة الصبيان
والأطفال ممن لم يغز، (ثم انقطعت الهجرة بعد الفتح على الصحيح من الأقوال،) لقوله مَ له:
((لا هجرة بعد الفتح))، أخرجه الشيخان.
(وأما عدة أصحابه عٍَّ، فمن رام حصر ذلك رام أمرًا بعيدًا، ولا يعلم حقيقة ذلك
إلا اللَّه تعالى،) ولذا قال العراقي: إن ذلك يتعذر (لكثرة من أسلم من أول البعثة إلى أن مات
النبي عَّةٍ، وتفرقهم في البلدان والبوادي).
(وقد روى البخاري أن كعب بن لملك قال في قصة تخلفه عن غزوة تبوك وأصحاب
رسول اللَّهُ مَِّ كثير، لا يجمعهم كتاب حافظ،) قال الحافظ: بالتنوين فيهما، وفي رواية مسلم
بالإضافة، ولابن مردويه: ولا يجمعهم ديوان حافظ، أي لا يجمعهم ديوان مكتوب، وهو يقوي
رواية التنوين، (يعني) لفظ البخاري يريد (الديوان،) وهو من كلام الزهري، وأراد بذلك الاحتراز
عما وقع في حديث حذيفة؛ أن النبي عَّه قال: اكتبوا لي من تلفظ بالإسلام، وقد ثبت أن أول
من دون الديوان عمر، (لكن قد جاء ضبطهم في بعض مشاهده، کتبوك، وقد روي أنه سار
عام الفتح) لمكة (في عشرة آلاف من المقاتلة، وإلى حنين في اثني عشر ألفًا،) وقيل: غير

٣٠٨
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
اثني عشر ألفًا، وإلى حجة الوداع في تسعين ألفًا، وإلى تبوك في سبعين ألفًا، وقد
روي أنه قبض عن مائة ألف وأربعة وعشرين ألفًا، والله أعلم بحقيقة ذلك.
ثم إن أفضلهم على الإطلاق عند أهل السنة إجماعًا أبو بكر ثم عمر رضي
ذلك فيهما، (وإلى حجة الوداع في تسعين ألفًا) (بالتاء قبل السين)، ويقال: مائة ألف وأربعة
عشر ألفًا، ويقال أكثر من ذلك، حكاه البيهقي، (وإلى تبوك في سبعين ألفًا) (بسين فموحدة)،
وقيل: غير ذلك كما مر.
(وقد روي أنه قبض عن مائة ألف وأربعة وعشرين ألفًا) من رجل وامرأة؛ وجاء عن
أبي زرعة الرازي أنه قيل له: أليس يقال حديث النبي عَّ أربعة آلاف حديث، فقال: ومن قال ذا
فلق اللَّه أنيابه، هذا قول الزنادقة، قبض عَّ له عن مائة ألف وأربعة عشر ألفًا من الصحابة ممن روى
عنه وسمع منه، وفي رواية: ممن رآه وسمع منه، فقيل له: هؤلاء أين كانوا وأين سمعوا منه، قال:
أهل المدينة وأهل مكة ومن بينهما والأعراب، ومن شهد معه حجة الوداع، كل رآه وسمع منه
بعرفة.
قال ابن فتحون في ذيل الاستيعاب: أجاب أبو زرعة بهذا سؤال من سأله عن الرواة خاصة،
فکیف بغيرهم.
قال الحافظ: ولم يحصل لجميع من جمع أسماء الصحابة العشر من أساميهم بالنسبة إلى
قول أبي زرعة: هذا قول جميع ما في الاستيعاب ثلاثة آلاف وخمسمائة، وزاد عليه ابن فتحون
قريبًا من ذلك، وبخط الحافظ الذهبي على التجريد: لعل الجميع ثمانية آلاف إن لم يزيدوا لم
ينقصوا، قال: ورأيت بخطه أيضًا أن جميع من في أسد الغابة سبعة آلاف وخمسمائة وأربعة
وخمسون نفسًا وسبب خفاء أسمائهم أن أكثرهم أعراب، وأكثرهم حضروا حجة الوداع. انتهى.
وعن الشافعي: قبض عَُّ عن ستين ألفًا ثلاثون بالمدينة وثلاثون في قبائل العرب وغيرها،
وعن أحمد قبض، وقد صلى خلفه ثلاثون ألف رجل، وكأنه عنى بالمدينة، فلا يخالف ما فوقه،
(واللَّه أعلم بحقيقة ذلك؛) فإن كل من قال شيئًا، إنما حكاه على قدر تتبعه ومبلغ علمه، أو
أشار بذلك إلى وقت خاص وحال، فإذاً لا تضاد بين كلامهم.
وعن ملك: مات بالمدينة نحو عشرة آلاف نفس من الصحابة، (ثم إن أفضلهم على
الإطلاق عند أهل السنة إجماعًا،) منهم (أبو بكر) الصديق، (ثم عمر رضي الله عنهما،) وإلزامًا
لمن خالفهم بما ثبت عن علي كرم الله وجهه ورضي اللّه عنه في صحيح البخاري، عن
محمد بن الحنفية، قال: قلت لأبي: أي الناس خير بعد رسول اللَّه عَّله؟، قال: أبو بكر، قلت: ثم
من؟، قال: عمر، وخشيت أن يقول عثمن، فقلت: ثم أنت؟، قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين.

٣٠٩
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
اللَّه عنهما. عن ابن عمر رضي اللَّه عنهما قال: كنا نخير بين الناس في زمان
رسول اللَّه عَّ فنخير أبا بكر ثم عمر ثم عثمن بن عفان رواه البخاري.
وفي رواية عبيد اللّه بن عمر عن نافع: كنا في زمن النبي عَّه لا نعدل بأبي
بكر أحدًا ثم عمر ثم عثمن، ثم نترك أصحاب النبي عَِّ فلا نفاضل بينهم. رواه
البخاري أيضًا.
وقوله: ((لا نعدل بأبي بكر)) أي لا نجعل له مثلاً.
ولأبي داود من طريق سالم عن ابن عمر: كنا نقول - ورسول اللَّه عَلَّهِ
حي -: أفضل أمة النبي عَّله بعده أبو بكر ثم عمر ثم عثمن. زاد الطبراني في
رواية: فيسمع رسول اللَّه عَّلِ ذلك فلا ينكره.
(عن ابن عمر رضي اللَّه عنهما، قال: كنا نخير) (بضم النون وفتح الخاء وشد التحتية
المكسورة)، كما ضبطه من يغول عليه، أي ننظر (بين الناس في زمان رسول اللَّه عَ ل٤٤) بأن
نقول فلان خير من فلان، (فنخير) أي نفضل (أبا بكر، ثم) نفضل بعده (عمر، ثم عثمن بن
عفان، رواه البخاري) في مناقب أبي بكر من طريق يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر
(وفي رواية عبيد اللَّه) (بضم العين) (ابن عمر) (بضمها أيضًا)، (عن نافع،) عن ابن عمر، كما
في البخاري: (كنا في زمن النبي ◌َّه لا نعدل بأبي بكر) في الفضل (أحدًا) من الصحابة، لا
من الأنبياء، (ثم عمر، ثم عثمن) (بفتح الراء والنون مجرور بالعطف)، قال المصنف:
ولأبي ذر (برفع الراء والنون)، (ثم نترك أصحاب النبي عَِّ، فلا نفاضل بينهم، رواه البخاري
أيضًا) في مناقب عثمن، وهو من أفراده، (وقوله: لا نعدل بأبي بكر، أي لا نجعل له مثلاً،) بل
نجعله أفضل الصحابة، (ولأبي داود من طريق سالم، عن أبيه عبد اللَّه (بن عمر: كنا نقول
ورسول اللَّه عَّ حي: أفضل أمة النبي عَّله بعده) في رتبة الفضل (أبو بكر، ثم عمر، ثم
عثمن،) وليس المراد البعدية الزمانية، فإن فضل أبي بكر كان ثابتًا في الحياة النبوية، كما دل
عليه حديث الباب، قاله الحافظ، فقول المصنف: المراد بالبعدية الزمانية، أما في الرتبة، فالأفضل
بعد الأنبياء أبو بكر، مراده الزمانية في الوجود، يعني: أن فضل الصديق في الوجود الزماني عقب
فضله عَّه، فلا مخالفة بينه وبين كلام الحافظ، هكذا قرره شيخنا أبو عبد اللَّه البابلي رحمه اللّه.
وقال شيخنا: تقريرًا يجوز أنه أتى به لدخول المصطفى نفسه في قوله أمة، ففيه إشارة إلى
أنه أرسل إلى نفسه.
(زاد الطبراني في رواية) له: (فيسمع رسول اللَّه عَلَِّ ذلك، فلا ينكره،) فصرح في

٣١٠
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
وروى خيثمة بن سليمن في ((فضائل الصحابة)) من طريق سهيل بن أبي
صالح عن أبيه عن ابن عمر: قال كنا نقول: إذا ذهب أبو بكر وعمر وعثمن
استوى الناس، فيسمع النبي عَّل ذلك فلا ينكره وفي ذلك تقديم عثمن بعد أبي
هذه الزيادة بسماع ذلك وسكوته علیه.
قال الحافظ: اتفق العلماء على تأويل كلام ابن عمر هذا، لما تقرر عند أهل السنة قاطبة
من تقديم علي بعد عثمن، ومن تقديم بقية العشرة على غيرهم، ومن تقديم أهل بدر على من لم
يشهدها وغير ذلك، فالظاهر ابن عمر إنما أراد بهذا النفي؛ أنهم كانوا يجتهدون في التفضيل،
فيظهر لهم تفضيل الثلاثة ظهورًا بينًا، فيجزمون به، ولم يكونوا حينئذٍ اطلعوا على التنصيص،
ويؤيده ما رواه البزار عن ابن مسعود، قال: كنا نتحدث أن أفضل أهل المدينة علي بن
أبي طالب، رجاله موثقون، وهو محمول على أن ابن مسعود قاله بعد قتل عمر، وقد حمل أحمد
حديث ابن عمر على ما يتعلق بالترتيب في التفضيل، واحتج بالتربيع بعلي، بحديث سفينة،
مرفوعًا: ((الخلافة ثلاثون سنة، ثم تصیر ملگًا).
أخرجه أصحاب السنن، وصححه ابن حبان وغيره، وقال الكرماني: لا حجة في قوله: كنا
تترك، لأن الأصوليين اختلفوا في صيغة كنا نفعل، لا في صيغة كنا لا نفعل، لتصور تقرير الرسول
في الأول دون الثاني، وعلى تقرير أن يكون حجة، فما هو من العمليات حتى يكفي فيه الظن،
ولو سلمنا فقد عارضه ما هو أقوى منه، ثم قال: ويحتمل أن يكون ابن عمر أراد أن ذلك كان
وقع لهم في بعض أزمنة النبي ◌َّله، فلا يمنع ذلك أن يظهر بعد ذلك لهم،.
وقال الخطابي: إنما لم يذكر ابن عمر عليًا، لأنه أراد الشيوخ وذوي الأسنان الذين
كان ◌َّ إذا حز به أمر شاورهم، وكان علي في زمانه حديث السن، قال: ولم يرد ابن عمر
الإزراء بعلي، ولا تأخيره عن الفضل بعد عثمن، وما اعتذر به من جهة السن بعد لا أثر له في
التفضيل المذکور. انتهى.
ويقوي رده ما ورد أنه عَل استشار عليًا في أسارى بدر، كما مر في غزوتها؛ (وروى
خيثمة بن سليمن) الحافظ (في) كتاب (فضائل الصحابة من طريق سهيل) (بضم السين)
(ابن أبي صالح) ذكوان المدني، صدوق، تغير حفظه بأخرة، روى له الجميع، لكن البخاري
روى له مقرونًا بغيره وتعليقًا، مات في خلافة المنصور، (عن أبيه) ذكوان السمان، الزیات،
المدني، ثقة، ثبت، وكان يجلب الزيت إلى الكوفة، مات سنة إحدى ومائة، (عن ابن عمر قال:
كنا نقول إذا ذهب أبوبكر وعمر وعثمن: استوى الناس) في التأخير عن الثلاثة، على معنى أن
جملتهم مفضولون بالنسبة إليهم، فلا ينافي أن فيهم من يفضل بقيتهم، فعلي أفضل، تلك الجملة

٣١١
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
بكر وعمر.
وأهل السنة على أن عليًا بعد عثمن. وذهب بعض السلف إلى تقديم علي
على عثمن. وممن قال به سفين الثوري.
وقيل: لا يفضل أحدهما على الآخر، ونقل ذلك عن لملك في المدونة،
وتبعه جماعة منهم يحيى بن القطان.
مطلقًا، (فيسمع النبي عَِّ ذلك، فلا ينكره).
وهكذا أخرجه الإسمعيلي من وجه آخر بدون آخره، (وفي ذلك تقديم عثمن بعد
أبي بكر وعمر وأهل السنة،) لفظ الفتح كما هو المشهور عند جمهور أهل السنة (على أن
عليًا بعد عثمن، وذهب بعض السلف إلى تقديم علي على عثمن، وممن قال به سفين
الثوري) وحكاه عن أهل السنة من الكوفيين، وحكي عن أهل السنة من البصريين تقديم عثمن،
فقيل الثوري: فما تقول أنت؟، قال: أنا رجل كوفي.
قال الخطابي: لكن ثبت عن الثوري في آخر قوليه تقديم عثمن.
قال ابن كثير: وهذا المذهب ضعيف مردود وإن نصره ابن خزيمة والخطابي، وقد قال
الدارقطني: من قدم عليًا على عثمن، فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار، وسبقه إليه الثوري نفسه،
فروى الخطيب بسند صحيح، عنه: من قدم عليًا على عثمن فقد أزرى باثني عشر ألفًا،
مات عَّه وهو عنهم راض، قال ذلك سفين الثوري بعد المصطفى بأثنتي عشرة سنة، بعد أن
مات في خلافة أبي بكر في الردة، وفي خلافة عمر في الفتوح والطاعون العام، وعمواس، وغير
ذلك من لا يحصى.
(وقيل: لا يفضل أحدهما على الآخر، ونقل ذلك عن ملك في المدونة،) ففيها في
آخر كتاب الديات، أن مالكًا سئل: أي الناس أفضل بعد نبيهم؟، فقال: أبو بكر، ثم عمر، أو في
ذلك شك، قيل له، فعلي وعثمن، قال: ما أدركت أحدًا ممن أقتدي به يفضل أحدهما على
صاحبه، ونرى الكف عن ذلك، (وتبعه جماعة، منهم) تلميذه (يحيى بن) سعيد (القطان،) ومن
المتأخرين ابن حزم، وإليه يومىء قول إمام الحرمين: تتعارض الظنون في عثمن وعلي، لكن قد
حكى القاضي عياض عن ملك: الرجوع عن الوقف إلى تفضيل عثمن، وقال: إنه المشهور عن
ملك والثوري، وكافة أئمة الحديث والفقه، وكثير من المتكلمين.
وقال القرطبي: إنه الأصح عن لملك إن شاء اللَّه.
قال عیاض: ويحتمل أن یکون کفه و کف من اقتدى به لما كان شجر في ذلك من

٣١٢
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
وقال ابن معين: من قال أبو بكر وعمر وعثمن، وعرف لعلي سابقته وفضله
فهو صاحب سنة، ولا شك أن من اقتصر على عثمن ولم يعرف لعلي فضله فهو
مذموم.
وقد ادعى ابن عبد البر أن حديث الاقتصار على الثلاثة: أبي بكر وعمر
وعثمن خلاف قول السنة أن عليًا أفضل الناس بعد الثلاثة.
وتعقب: بأنه لا يلزم من سكوتهم إذ ذاك عن تفضيله عدم تفضيله،
الاختلاف والتعصب، (وقال:) يحيى (بن معين: من قال أبو بكر وعمر وعثمن) أفضل من
غيرهم، (وعرف لعلي سابقته وفضله، فهو صاحب سنة) فذكر له: من يقول أبو بكر وعمر
وعثمن، ويسكتون، فتكلم فيهم كلام غليظ، وبهذا طعن ابن عبد البر في حديث ابن عمر،
وتعقب بأن ابن معين أنكر رأي قوم زعموا، وهم العثمانية الذين يغلون في حب عثمن، وينقصون
عليًا، (ولا شك أن من اقتصر على عثمن، ولم يعرف لعلي فضله، فهو مذموم، وقد ادعى
ابن عبد البر؛ أن حديث الاقتصار على الثلاثة أبي بكر وعمر وعثمن خلاف قول أهل السنة؛
أن عليًا أفضل الناس بعد الثلاثة؛) قال: فدل هذا الإجماع على أن حديث ابن عمر غلط، وإن
كان السند إليه صحيحًا، (وتعقب بأنه لا يلزم من سكوتهم، إذ ذاك عن تفضيله عدم تفضيله)
على الدوام علي من بعده.
قال الحافظ: فإن الإجماع المذكور إنما حدث بعد الزمن الذي قيده به ابن عمر، فيخرج
حديثه عن أن يكون غلطًا، وأظن أن ابن عبد البر، إنما أنكر الزيادة التي وقعت في رواية
عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، ثم نترك أصحاب رسول اللَّه، فلا نفاضل بينهم، لكن
لم ينفرد بها نافع، فقد تابعه الماجشون عن ابن عمر، أخرجه خيثمة، ومع ذلك، فلا يلزم من
تركهم التفاضل، إذ ذاك أن لا يكونوا اعتقدوا بعد ذلك تفضيله على من سواه، وقد اعترف
ابن عمر بتقديم علي على غيره.
أخرج أحمد بإسناد حسن عن ابن عمر، قال: كنا نقول في زمن النبي عَّله: رسول الله
خير الناس، ثم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمن، ولقد أعطي علي بن أبي طالب ثلاث خصال، لأن
تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم، زوجه رسول اللّه عَّ ابنته، وولدت له، وسد
الأبواب إلا بابه في المسجد، وأعطاه الراية يوم خيبر.
وأخرج النسائي عن العلاء بن عرار (بمهملات)، قلت لابن عمر: أخبرني عن علي وعثمن،
الحديث وفيه: وأما علي، فلا تسأل عنه أحدًا، وانظر إلى منزلته من رسول اللَّه عَ لّه، قد سد
أبوابنا في المسجد، وأقر بابه. ورجاله رجال الصحيح، إلا العلاء، وقد وثقه ابن معين وغيره.

٣١٣
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
فالمقطوع به بين أهل السنة: القول بأفضلية أبي بكر ثم عمر ثم اختلفوا فيمن
بعدهما، فالجمهور على تقديم عثمن، وعن ملك الوقف، والمسألة اجتهادية،
ومستندها أن هؤلاء الأربعة اختارهم اللَّه لخلاف نبيه، وإقامة دينه، فمنزلتهم عنده
بحسب ترتيبهم في الخلافة.
وقال الإمام أبو منصور البغدادي: أصحابنا مجمعون على أن أفضلهم
الخلفاء الأربعة، ثم الستة تمام العشرة، يعني: طلحة والزبير وسعدًا وسعيدًا
وعبد الرحمن بن عوف وأبا عبيدة عامر بن الجراح.
وقد جاء في بعض طرق حديث ابن عمر تقييد الخيرية المذكورة والأفضلية بما يتعلق
بالخلافة، وذلك فيما أخرجه ابن عساكر عن عبد الله بن يسار، عن سالم، عن ابن عمر، قال:
إنكم لتعلمون إنا كنا نقول على عهد رسول اللَّه عَّ: أبو بكر وعمر وعثمن، يعني: في الخلافة،
كذا في أصل الحديث، ومن طريق عبيد اللَّه عن نافع عن ابن عمر: كنا نقول في عهد
رسول اللَّه عَّهِ: من يكون أولى الناس بهذا الأمر، فنقول: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمن. انتهى.
وإذا علمت هذا، (فالمقطوع به بين أهل السنة القول بأفضلية أبي بكر، ثم عمر،)
ولكن اختلفوا هل، مستندهم في ذلك قطعي، وإليه ذهب الأشعري، وعليه يدل قول لملك: أو في
ذلك شك، أو ظني، وعليه الباقلاني، واختاره إمام الحرمين، (ثم اختلفوا فيمن بعدهما،
فالجمهور على تقديم عثمن، وعن لملك الوقف،) ثم رجع عنه، (والمسألة اجتهادية) في حد
ذاتها، وذلك لا ينافي الإجماع على بعض أفرادها، وهو العمران، ولم يفهم هذا من قال صوابه
إجماعية، (ومستندها أن هؤلاء الأربعة اختارهم اللَّه لخلافة نبيه وإقامة دينه،) أي اللَّه أو نبيه،
(فمنزلتهم عنده بحسب ترتيبهم في الخلافة).
.
وقد روى البيهقي في الاعتقاد عن الشافعي أنه قال: أجمع الصحابة وأتباعهم على أفضلية
أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمن، ثم علي، (وقال الإمام أبو منصور) عبد القاهر التميمي، (البغدادي،)
الماتريدي: (أصحابنا مجمعون على أن أفضلهم الخلفاء الأربعة، ثم الستة تمام العشرة، يعني
طلحة) بن عبيد الله التميمي، (والزبير) بن العوام، (وسعدًا) (بسكون العين)، (وسعيدًا)
(بكسرها العدوي)، (وعبد الرحمن بن عوف) الزهري، (وأبا عبيدة عامر بن الجراح،) أمين هذه
الأمة، قال بعض: وانظر الأفضل من هؤلاء ومن يليه، فإني ما رأيته، ولم يبين من الأفضل بعد
العشرة من الصحابة لاشتهاره، ففي الألفية:
فالستة الباقون فالبدرية فأحد فالبيعة المرضية

٣١٤
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
وقد روى الترمذي عن سعيد بن زيد أنه قال: قال رسول اللَّه عَّ: عشرة في
الجنة، أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمن في الجنة، وعلي في الجنة
والزبير وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح وسعد بن أبي وقاص
فعد هؤلاء التسعة وسكت عن العاشر، فقال له القوم ننشدك اللَّه، من العاشر؟ فقال:
نشدتموني باللّه، سعيد بن زيد في الجنة، يعني نفسه.
(وقد روى الترمذي عن سعيد بن زيد) العدوي؛ (أنه قال: قال رسول اللَّه عَلَّى: عشرة،)
زاد تمام في فوائد من قريش: (في الجنة، أبو بكر، في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمن في
الجنة، وعلي في الجنة، والزبير) في الجنة، (وطلحة) في الجنة، (وعبد الرحمن بن عوف)
في الجنة، (وأبو عبيدة بن الجراح) في الجنة، (وسعد بن أبي وقاص) لملك الزهري في
الجنة :-
هكذا ورد في الحديث، لفظ في الجنة عقب كل واحد، (فعد هؤلاء التسعة، وسكت
عن العاشر، فقال له:) لسعيد (القوم) الذين حدثهم: (ننشدك اللَّه)) أي نسألك باللّه أن تخبرنا
(من العاشر، فقال: نشدتوني بالله سعيد بن زيد في الجنة، يعني نفسه،) وكان سكت
كراهية لرواية تزكية نفسه، لكن لما ناشدوه اللَّه لم يكن له بد من التحديث، وسلك عَّه مسلك
الإطناب، فلم يقتصر على ذكر الجنة، في قوله عشرة في الجنة بل قالها عقب كل واحد قصدًا
للإيضاح، غب الإيضاح ردًا على الفرق الطاغية الطاعنة في بعضهم، فكما يجب على البليغ في
مظان الإجماع الإيجاز، كذا الواجب في موارد التفصيل أن يشبع ويفصل:
يرمون بالخطب الطوال وتارة وحي الملاحظ خيفة الرقباء
ثم لا تدافع بين هذا الحديث وبين ما ورد من تبشير غيرهم بها، کالحسنين وأمهما
وجدتهما وعائشة، ومن لا يحصى، لأن العدد لا ينفي الزائد، ولأن العشرة خصوا بأنهم بشروا بها
دفعة واحدة، وغيرهم وقع مفرقًا، أو اقتصر عليهم، لأن عظمة اللَّه ملكت صدورهم، وصفت
أرواحهم، ورفعت الحجب عن قلوبهم، فلاحظوا العز والجلال، فلم يضرهم الثناء لموت
شهواتهم وحياة قلوبهم بالله، وأما غيرهم، فكف عنهم خوفًا عليهم، كيف وقد كان عند أولئك
من الخوف ما اقتضى أن يقول الصديق: ليتني كنت شعرة في صدر مؤمن، وأن يقول الفاروق:
الويل لعمران، لم يغفر الله له، فإن التبشير بالجنة لا يلزم منه الأمن من البعد عن كمال القرب،
وإنما اللازم الأمن من النار، على أن الوعد لا يمنع الدهشة، والخوف عند الصدمة الأولى، ولذا
كانوا باكين، خاشعين، خائفين من سوء العاقبة، لاحتمالات باقية، ثم هذا الحديث صحيح له
طرق كثيرة.

٣١٥
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
وعن أبي موسى الأشعري رضي اللَّه عنه، أنه خرج إلى المسجد، فسأل عن
النبي عَ الله فقالوا: وجه لههنا، فخرجت في أثره حتى دخل بئر أريس، فجلست عند
الباب، وبابها من جريد، حتى قضى رسول اللَّه عَّ ◌ُالمِ حاجته، فتوضأ فقمت إليه،
فإذا هو جالس على بئر أريس وتوسط قفها، فجلست عند الباب فقلت: لأكونن
بوابًا للنبي عَّله اليوم، فجاء أبو بكر، فدفع الباب فقلت من هذا؟ فقال: أبو بكر،
(وعن أبي موسى) عبد الله بن قيس (الأشعري رضي اللَّه عنه؛ أنه خرج إلى المسجد)
وفي رواية الصحيحين، عن سعيد بن المسيب، عن أبي موسى: أنه توضأ في بيته، ثم
خرج منه، قال: فقلت لألزمن رسول اللَّه عٍَّ، ولأكون معه يومي هذا، قال: فجاء المسجد،
(فسأل عن النبي عَّله، فقالوا:) خرج و(وجه).
قال الحافظ: کذا لللأکثر (بفتح الواو وتشديد الجیم)، أي توجه، أو وجه نفسه،
وللكشميهني (بسكون الجيم، بلفظ الاسم مضافًا إلى الظرف)، وهو (ههنا،) أي جهة كذا،
(فخرجت في أثره) (بكسر الهمزة وسكون المثلثة، ولأبي ذر بفتحهما) زاد في رواية سعيد:
أسأل عنه (حتى دخل بثر أريس:) (يفتح الألف وكسر الراء، بعدها تحتانية ساكنة، ثم مهملة)
بستان بالمدينة معروف بالقرب من قباء، يجوز فيه الصرف وعدمه، وفي بئرها سقط خاتم
النبي عٍَّ من يد عثمن، ذكره الحافظ.
وفي المصنف: أنه مصروف في الفرع، أي النسخة المكتتبة من نسخة الشرف اليونيني
من البخاري، ونص عليه ابن ملك، (فجلست عند الباب وبابها،) أي الحديقة (من جريد حتى
قضى رسول اللَّه عَل حاجته، فتوضأ، فقمت إليه، فإذا هو جالس على بئر أريس، وتوسط
قفها:) (بضم القاف وشد الفاء) الدكة التي تجعل حول البئر، وأصله ما غلظ من الأرض وارتفع،
والجمع قفاف، كما في الفتح، زاد المصنف: أو حافة البئر.
وفي رواية سعيد في الصحيحين: وكشف عن ساقيه، ودلاهما في البئر، فسلمت عليه، ثم
انصرفت، (فجلست عند الباب، فقلت: لأكونن بوابًا للنبي عَّ اليوم،) زاد البخاري في
الأدب: ولم يأمرني، وله في مناقب عثمن؛ أنه عَّ أمره بحفظ باب الحائط، وعند أبي عوانة
والروياني، فقال: يا أبا موسى أملك على الباب، فانطلق فقضى حاجته وتوضأ، ثم جاء فقعد على
قف البئر، وفي الترمذي، فقال لي: يا أبا موسى أملك على الباب فلا يدخلن علي أحد.
قال الحافظ: فيجمع بأنه لما حدث نفسه بذلك، صادف أمر النبي ◌َّ؛ بأن يحفظ عليه
الباب. وأما قوله: ولم يأمرني، فيريد أنه لم يأمره أن يستمر بوابًا، وإنما أمره بذلك قدر ما يقضي
حاجته ويتوضأ، ثم استمر هو من قبل نفسه، فقول الداودي: هذا من مختلف الحديث، كأنه

٣١٦
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
فقلت على رسلك ثم ذهبت إلى رسول اللَّه عَِّ فقلت: هذا أبو بكر يستأذن،
فقال: إئذن له وبشره بالجنة، فأقبلت حتى قلت لأبي بكر: ادخل، ورسول
اللَّه عَلَّهِ يبشرك بالجنة، فدخل أبو بكر فجلس عن يمين رسول اللَّه عَّله معه في
القف ودلى رجليه في البئر كما صنع رسول اللَّه عَّهِ وكشف عن ساقيه، ثم
رجعت فجلست، وقد تركت أخي يتوضأ ويلحقني، فقلت: إن يرد اللَّه بفلان
خيرًا - يريد أخاه - يأت به، فإذا أنا بإنسان يحرك الباب، فقلت: من هذا؟ قال:
عمر بن الخطاب، فقلت على رسلك، ثم جئت إلى النبي عَّه فقلت: هذا عمر بن
الخطاب يستأذن، فقال: إئذن له وبشره بالجنة فجئت، فقلت: له ادخل ورسول
اللَّه عَِّ يبشرك بالجنة، فدخل فجلس مع رسول اللَّه عَّه في القف عن يساره
خفي عليه وجه هذا الجمع، ثم قول أبي موسى هذا لا يعارض قول أنس: لم يكن له عَّه.
بواب، لأن مراد أنس لم يكن له بواب مرتب على الدوام، (فجاء أبو بكر الصديق، (فدفع
الباب) مستأذنًا في الدخول، كما في رواية، (فقلت: من هذا؟ فقال: أبو بكر فقلت على
رسلك) (بكسر الراء)، أي تمهل وتأن، (ثم ذهبت إلى رسول اللَّه عَ له، فقلت: هذا أبو بكر
يستأذن) في الدخول عليك، (فقال: ائذن) (بهمزة وصل مكسورة بعدها ياء ساكنة، لأن
الهمزتين متى اجتمعتا، والثانية ساكنة وجب إبدالها من جنس حركة ما قبلها)، (له وبشره
بالجنة؛ فأقبلت حتى قلت لأبي بكر: ادخل ورسول اللَّه عَِّ يبشرك بالجنة).
زاد في رواية للبخاري: فحمد الله، (فدخل أبو بكر، فجلس عن يمين رسول اللَّه عَلَّه معه
في القف، ودلّى رجليه في البئر، كما صنع رسول اللَّه عَِّ، وكشف عن ساقيه) موافقة
للمصطفى، وليكون أبلغ في بقائه على حالته وراحته، بخلاف ما إذا لم يفعل ذلك، فربما استحيا
منه ێے، فرفع رجليه.
قال أبو موسى: (ثم رجعت، فجلست وقد تركت أخي يتوضأ ويلحقني).
قال الحافظ: كان له أخوان أبو رهم وأبو بردة وقيل: إن له أنّا آخر اسمه محمد،
وأشهرهم أبو بردة واسمه عامر، وقد أخرج عنه أحمد في مسنده حديثًا، (فقلت: إن يرد اللَّه
بفلان خيرًا يريد أخاه) أحد المذكورين (يأت به، فإذا أنا بإنسان يحرك الباب) مستأذنًا لا دافعًا
ليدخل بلا إذن، ففي رواية للبخاري: فجاء رجل فاستفتح، وفي أخرى: فجاء رجل يستأذن، وفيه
حسن الأدب في الاستئذان، (فقلت: من هذا؟، قال: عمر بن الخطاب، فقلت) له: (على
رسلك، ثم جئت إلى النبي عَّةِ، فقلت: هذا عمر بن الخطاب يستأذن) في الدخول عليك،
(فقال: ائذن له وبشره بالجنة، فجئت فقلت له: أدخل ورسول اللَّه عَّهُ ببشرك بالجنة).

٣١٧
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
ودلى رجليه في البئر، فرجعت فجلست وقلت: إن يرد اللَّه بفلان خيرًا يأت به، فجاء
فحرك الباب، فقلت من هذا؟ قال: عثمن بن عفان، فقلت على رسلك، وجئت إلى
النبي مَّلِ فأخبرته فقال: ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه، فجئت فقلت:
أدخل ورسول اللَّه عَ ظُلم يبشرك بالجنة على بلوى تصيبك، فدخل فوجد القف قد
ملىء، فجلس وجاهه من الشق الآخر. قال شريك: قال سعيد بن المسيب: فأولتها
زاد في رواية للبخاري: فحمد اللَّه، (فدخل، فجلس مع رسول اللَّه عَّ في القف عن
يساره، ودلّى رجليه في البشر،) ولم يقل، وكشف عن ساقيه، كما قال في الصديق، (فرجعت،
فجلست وقلت: إن يرد اللَّه بفلان خيرًا يأت به،) يريد أخاه، (فجاء إنسان، فحرك الباب،
فقلت: من هذا؟ قال: عثمن بن عفان فقلت على رسلك، وجئت إلى النبي عَُّلِّ فأخبرته،
فقال:) زاد في رواية للبخاري: فسكت هنيهة، ثم قال: (ائذن له وبشره بالجنة على بلوى
تصيبه،) هي البلوى التي صار بها شهيد الدار من أذى المحاصرة والقتل وغيره، وقد ورد
عنه عَُّلِّ ما هو أصرح من هذا، فروى أحمد بإسناد صحيح عن ابن عمر، قال: ذكر
رسول اللَّه عَِّ فتنة، فمر رجل، فقال: يقتل فيها هذا يومئذٍ ظلمًا، قال: فنظرت، فإذا هو عثمن،
(فجئت، فقلت: ادخل ورسول اللَّه عَلِّ ببشرك بالجنة على بلوى تصيبك).
زاد في رواية للبخاري: فحمد الله ثم قال: اللَّه المستعان، وفي أخرى: فدخل وهو
يحمد الله، ويقول: اللهم صبرًا، ولأحمد: فجعل يقول: اللهم صبرًا حتى جلس، (فدخل، فوجد
القف قد ملىء) بالمصطفى والعمرين، (فجلس وجاهه) (بضم الواو وبكسرها)، أي مقابله (من
الشق الآخر،) وللبيهقي في الدلائل عن زيد بن أرقم، قال: بعثني النبي صَّه، فقال: انطلق حتى
تأتي أبا بكر، فقل له: إن النبي يقرأ عليك السلام، ويقول: أبشر بالجنة، ثم انطلق إلى عمر
كذلك، ثم انطلق إلى عثمن كذلك، وزاد بعد بلاء شديد، قال: فانطلق، فذكر أنه وجدهم على
الصفة التي قال له، وقال: أين نبي اللَّه؟، قلت: في مكان كذا وكذا، فانطلق إليه، وقال في
عثمن: فأخذ بيدي حتى أتينا رسول اللَّه عَّه، فقال: يا رسول اللَّه إن زيدًا قال لي كذا: والذي
بعثك بالحق ما تغنيت ولا تمنيت، ولا مسست ذكري بيمين مذ بايعتك، فأي بلاء يصيبني؟،
قال: هو ذاك.
قال البيهقي: إسناده ضعيف، فإن كان محفوظًا احتمل أن يكون عَطِّ أرسل زيدًا قبل أن
يجىء أبو موسى، فلما جاؤوا كان أبو موسى قد قعد على الباب، فراسلهم على لسانه بمثل ما
أرسل به إليهم زيد بن أرقم واللَّه أعلم.
(قال شريك) بن عبد اللَّه بن أبي نمر المدني، صدوق، يخطىء، مات في حدود أربعين

٣١٨
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
قبورهم. رواه أحمد ومسلم وأبو حاتم وأخرجه البخاري.
وأخرج أبو داود نحوه عن أبي سلمة عن نافع بن عبد الحرث الخزاعي قال:
دخل رسول اللَّه عَِّ حائطًا من حوائط المدينة، فقال لبلال: أملك علي الباب،
فجاء أبو بكر يستأذن ... فذكر نحوه. قال الطبراني: وفي حديث أن نافع بن عبد الحرث
ومائة: (قال سعيد بن المسيب: فأولتها،) أي جمعية الصاحبين معه عَّه، ومقابلة عثمن له
(قبورهم) من جهة مصاحبة العمرين له في الدفن، وانفراد عثمن عنهم في البقيع، وفيه وقوع
التأويل في اليقظة، وهو الذي يسمى الفراسة، وليس المراد خصوص صورة الجلوس الواقعة.
وفي رواية عبد الرحمن بن حرملة، عن سعيد بن المسيب: فأولت ذلك انتباذ قبره من
قبورهم.
أخرجه أبو عوانة والروياني للبخاري في الفتن: اجتمعت ههنا، وانفرد عثمن، ولو ثبت
الخبر الذي أخرجه أبو نعيم عن عائشة في صفة القبور الثلاثة: أبو بكر عن يمينه، وعمر عن يساره،
لكان فيه تمام التشبيه، لكن سنده ضعيف، وعارضه ما هو أصح منه،.
وأخرج أبو داود والحاكم عن القسم بن محمد قال: قلت لعائشة رضي الله عنها: يا أمتاه
اكشفي لي عن قبر رسول اللَّه عٍَّ وصاحبيه، فكشفت لي .... الحديث، وفيه: فرأيت
رسول اللَّه عَّه وصاحبيه، فإذا أبو بكر رأسه بين كتفيه، وعمر رأسه عند رجلي النبي عَّه، قاله
الحافظ، (رواه أحمد) في المسند، (ومسلم) في فضائل عثمن، (وأبو حاتم).
(وأخرجه البخاري) في المناقب والفتن، (وأخرج أبو داود نحوه) من طريق إسماعيل بن
جعفر عن محمد بن عمرو، (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن، (عن نافع بن عبد الحرث) بن
خالد بن عمير بن الحرث بن عمرو بن غسان (الخزاعي،) روى عن النبي ◌َّةٍ، وروى عنه
أبو الطفيل وغيره، ذكره ابن سعد فيمن أسلم يوم الفتح، وقال أبو عمر: كان من كبار الصحابة
وفضلائهم، ويقال: إنه أسلم يوم الفتح ولم يهاجر، وأنكر الواقدي أن يكون له صحبة، وذكره في
الصحابة ابن حبان، والعسكري وآخرون، وحديثه في السنن ومسند أحمد: ((من سعادة المرء
الجار الصالح).
ووقع في رواية إبراهيم الحربي نافع بن الحرث بإسقاط عبد، والصواب إثباته، وأمره عمر
على مكة، كما في الإصابة، زاد في تقريبه، وبها مات ولم يذكر سنة موته، (قال: دخل
رسول اللَّه عَلِ حائطًا) بستانًا (من حوائط المدينة، فقال لبلال: أملك على الباب:) احفظه
من الداخلين علي إلا بإذن، (فجاء أبو بكر يستأذن، فذكر نحوه،) فهذا فيه أن البوّاب يومئذٍ
بلال، وأخرجه الطبراني من حديث أبي سعيد بنحوه.

٣١٩
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
هو الذي كان يستأذن.
وهذا يدل على تكرار القصة، لكن صوب الحافظ شيخ الإسلام ابن حجر
عدم التعدد، وأنها عن أبي موس، ووَهَّم القول بغيره وأنشد لنفسه:
لقد بشر الهادي من الصحب زمرة بجنات عدن كلهم فضله اشتهر
سعيد زبير سعد طلحة عامر أبو بكر عثمن بن عوف على عمر
ولأبي الوليد بن الشحنة:
أسماء عشر رسول اللَّه بشرهم بجنة الخلد عمن زانها وعمر
سعد سعيد علي عثمن طلحة بو بكر بن عوف بن جراح الزبير عمر
(قال الطبراني: وفي حديث) عند أحمد من طريق يزيد بن لهرون، عن محمد بن عمرو،
عن أبي سلمة؛ (إن نافع بن عبد الحرث هو الذي كان يستأذن، وهذا يدل على تكرار
القصة) لأبي موسى وبلال ونافع، (لكن صوّب الحافظ شيخ الإسلام ابن حجر عدم التعدد،)
بعد أن قال: وهذا إن صح حمل على التعدد، ثم ظهر لي أن فيه، وهما من بعض رواته، (وأنها
عن أبي موسى) فقط، (ووهم القول بغيره،) لأن الإمام أحمد رواه من طريق موسى بن عقبة،
عن أبي سلمة، عن نافع، فذكره، وفيه: فجاء أبو بكر، فاستأذن، فقال لأبي موسى فيما أعلم:
ائذن له.
وأخرجه النسائي من طريق أبي الزناد، عن أبي سلمة، عن نافع بن عبد الحرث، عن
أبي موسى، وهو الصواب، فرجع الحديث إلى أبي موسى، واتخذت القصة. انتهى.
(وأنشد) الحافظ ابن حجر (لنفسه) بيتين، جمع في ثانيهما العشرة، قال السخاوي: ولم
يسبق إليه، وسمعتهما منه مرارًا:
(لقد بشر الهادي من الصحب زمرة بجنات عدن كلهم فضله اشتهر)
(سعيد زبير سعد طلحة عامر أبو بكر عشمن بن عوف علي عمر)
(ولأبي الوليد بن الشحنة:)
(أسماء عشر رسول اللَّه بشرهم بجنة الخلد عمن زانها وعمر)
(سعد سعيد علي عثمن طلحة بو بكر بن عوف بن جراح الزبير عمر)
فجمعهم في بيت، لكن بيت الحافظ أرق، كما لا يخفى، وقوله: عمن زانها وعمر، أي
عمرها بالقصور والغرف والأنهار وغير ذلك، وهو اللَّه خالقها سبحانه وتعالى، لأنه عَِّ ما ينطق
عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، وتعسف من قال: أي بشرهم بأنهم يدخلون الجنة، يزينونها

٣٢٠
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
فإن قلت: من اعتقد في الخلفاء الأربعة الأفضلية على الترتيب المعلوم،
ولكن محبته لبعضهم تكون أكثر، هل يكون آئمًا به أم لا؟
أجاب شيخ الإسلام الولي بن العراقي: بأن المحبة قد تكون لأمر ديني،
وقد تكون لأمر دنيوي، فالمحبة الدينية لازمة للأفضلية، فمن كان أفضل كانت
محبتنا الدينية له أكثر، فمتى اعتقدنا في واحد منهم أنه أفضل ثم أحبينا غيره من
جهة الدين أكثر كان تناقضًا. نعم إن أحببنا غاير الأفضل أكثر من محبة الأفضل
لأمر دنيوي كقرابة وإحسان ونحوه فلا تناقض في ذلك ولا امتناع، فمن اعترف
بأن أفضل هذه الأمة بعد نبيها عَِّ أبو بكر ثم عمر ثم عثمن ثم علي، لكنه أحب
عليًا أكثر من أبي بكر مثلاً، فإن كانت المحبة المذكورة محبة دينية فلا معنى
لذلك، إذ المحبة الدينية لازمة للأفضلية كما قررنا، وهذا لم يعترف بأفضلية أبي
بكر إلا بلسانه، وأما بقلبه فهو مفضل لعلي لكونه أحبه محبة دينية زائدة على
محبة أبي بكر، وهذا لا يجوز، وإن كانت المحبة المذكورة محبة دنيوية لكونه
ويعمرونها، (فإن قلت: من اعتقد في الخلفاء الأربعة الأفضلية على الترتيب المعلوم، ولكن
محبته لبعضهم تكون أكثر، هل يكون آثمًا به أم لا،) يأثم بذلك، لأن المحبة ليست في
قدرته.
(أجاب شيخ الإسلام الولي بن العراقي) في الأجوبة المكية نحو كراسين: (بأن
المحبة قد تكون لأمر ديني، وقد تكون لأمر دنيوي، فالمحبة الدينية لازمة للأفضلية،
فمن كان أفضل كانت محبتنا الدينية له أكثر، فمتى اعتقدنا في واحد منهم أنه أفضل، ثم
أحببنا غيره من جهة الدين أكثر كان تناقضًا،) والنقيضان لا يجتمعان، فلا يتصور عقلاً أن
نحب أحدهما من جهة الدين ولأجله، ونحب الآخر من تلك الجهة أكثر منه.
(نعم إن أحببنا غير الأفضل أكثر من محبة الأفضل لأمر دنيوي كقرابة وإحسان
ونحوه، فلا تناقض في ذلك ولا امتناع، فمن اعترف بأن أفضل هذه الأمة بعد نبيها معَّ.
أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمن، ثم علي، لكنه أحب عليًا أكثر من أبي بكر، مثلاً فإن كانت
المحبة المذكورة محبة دينية، فلا معنى لذلك، إذ المحبة الدينية لازمة للأفضلية كما
قررنا، وهذا لم يعترف بأفضلية أبي بكر إلا بلسانه، وأما بقلبه فهو مفضل لعلي، لكونه أحبه
محبة دينية زائدة على محبة أبي بكر، وهذا لا يجوز) لمخالفة النصوص، وقد قال
عبد الرزاق: أفضل الشيخين بتفضيل علي إياهما على نفسه، ولو لم يفضلهما ما فضلتهما، كفى
بي إزراء أن أحب عليًا، ثم أخالف قوله: (وإن كانت المحبة المذكورة محبة دنيوية، لكونه