النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
ثم ثنَى بالثناء على أصحابه فقال: ﴿والذين معه أشداء على الكفار رحماء
بينهم﴾، كما قال تعالى: ﴿فسوف يأتي اللَّه بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على
المؤمنين أعزة على الكافرين﴾ [المائدة/٥٤] فوصفهم بالشدة والغلظة على
الكفار، والرحمة والبر بالأخيار.
ثم أثنى عليهم بكثرة الأعمال مع الإخلاص التام، فمن نظر إليهم أعجبه
سمتهم وهديهم، لخلوص نياتهم، وحسن أعمالهم.
قال الملك: بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة الذين فتحوا الشام
يقولون: ((واللَّه لهؤلاء خير من الحواريين فيما بلغنا))، وصدقوا، فإن هذه الأمة
الإسلام قد عم أكثر الأرض، وظهر على كل دين، (ثم ثنى) على الإعراب الأول (بالثناء على
أصحابه، فقال: والذين معه أشداء:) جمع شديد أصله أشدداء، أدغم لاجتماع المثلين (على
الكفار رحماء بينهم،) أما على الإعراب الثاني، فالثناء عليه وعلى أصحابه جميعًا، كما مر لأن
الجملة ثناء واحد، ثم كونها ثناء على أصحابه كلهم هو قول الجمهور.
وحكى الثعلبي عن ابن عباس: إن الإشارة للذين معه إلى من شهد الحديبية، وقرىء
بنصب أشداء ورحماء على الحال أو المدح، والخبر تراهم، (كما قال تعالى: ﴿فسوف
يأتي اللّه بقوم يحبهم ويحبونه أذلة﴾) [المائدة: ٥٤] عاطفين ((على المؤمنين أعزة﴾) أشداء
(﴿على الكافرين﴾،) بناءً على أن هذه الآية في الصحابة، وفي الجلال أنها إخبار بما علم اللَّه
وقوعه، وقد ارتد جماعة بعد موته عَّله، وأنه قال عليه السلام في قوله: فسوف يأتي اللَّه بقوم هم
قوم هذا، وأشار إلى أبي موسى الأشعري، رواه الحاكم في صحيحه، (فوصفهم) في آية الفتح
(بالشدة والغلظة،) بقوله: أشداء (على الكفار والرحمة والبر بالأخيار،) بقوله: رحماء بينهم،
(ثم أثنى عليهم:) مدحهم (بكثرة الأعمال،) بقوله: تراهم ركعًا سجدًا أي ترى هاتين الحالتين.
كثيرًا فيهم (مع الإخلاص التام،) بقوله: يبتغون فضلاً من الله ورضوانًا، (فمن نظر إليهم) بعين
البصيرة، (أعجبه سمتهم) سكينتهم ووقارهم، (وهديهم) الذي هم عليه، الدال على الخير وإظهار
الحق والقيام به، (لخلوص نياتهم وحسن أعمالهم،) فإن الظاهر عنوان الباطن.
(قال لملك) الإمام: (بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة الذين فتحوا الشام) في
زمان عمر، (يقولون: واللَّه لهؤلاء خير من الحواريين:) أصفياء عيسى وأول من آمن به، وكانوا
اثني عشر رجلاً من الحور، وهو البياض، كما في الأنوار (فيما بلغنا،) لأنهم لم يدركوهم، قال
ملك: (وصدقوا،) أي النصارى في قولهم هذا، (فإن هذه الأمة المحمدية، خصوصًا الصحابة

٢٨٢
الفصل الثالث فى ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
المحمدية، خصوصًا الصحابة، لم يزل ذكرهم معظمًا في الكتب، كما قال
سبحانه وتعالى: ﴿ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج
شطاء﴾ أي فراخه ﴿فآزره﴾ أي شده وقواه ﴿فاستغلظ﴾ شب فطال ﴿فاستوى
على سوقه يعجب الزراع﴾ قوته وغلظه وحسن منظره. فكذلك أصحاب
محمد عَل آزروه وأيدوه ونصروه فهم معه كالشطأ مع الزرع ﴿ليغيظ بهم
الكفار﴾ [الفتح/٢٩].
لم يزل ذكرهم معظمًا في الكتب) الإلهية، (كما قال سبحانه وتعالى ذلك) الوصف المذكور
(﴿مثلهم)) [البقرة: ١٧]، وصفهم، أو صفتهم العجيبة الشأن (في التوراة) مبتدأ وخبر، (ومثلهم
في الإنجيل) مبتدأ خبره، (كزرع،) قاله قوم من أهل التأويل، وقال مجاهد وجماعة: إنه مثلهم
في الكتابين، فقوله: ومثلهم في الإنجيل عطف عليه، وقوله: كزرع تمثيل يختص بالقرءان، وقال
آخرون: المثلان جميعًا في التوراة والإنجيل، وقوله: كزرع هو على كل الأقوال، وفي أي كتاب
منزل فرض مثلاً للنبي وأصحابه في أنه بعث وحده، فكان كالزرع حبة واحدة، ثم كثر
المسلمون، فهم كالشطء، قاله ابن عطية، فحاصل مغايرته لما قبله أنه عليه يختص بالقرءان،
وعلى قول الآخرين: لا يختص به، بل في جميع الكتب، وعلى كل الأقوال عند هؤلاء الجماعة،
لا أنه إجماع حقيقي، كما توهم، (أخرج شطأه، أي فراخه،) يقال: أشطأت الشجرة إذا أُخرجت
غصونها، وأشطأ، الزرع إذا أخرج شطأه وهو فراخ السنبلة التي تنبت حول الأصل.
وقرأ ابن كثير وابن ذكوان عن ابن عباس شطأه (بفتح الطاء والهمز دون مد، وقراً الباقون
بسكون الطاء)، (فآزره، أي شده وقواه،) مأخوذ من الأزر القوة والشدة، وقيل: معناه: ساواه
طولاً، وفاعله الشطء عليهما، ويحتمل على الأول أن فاعله الزرع، لأن كل واحد منهما يقوي
صاحبه.
قال ابن عطية (فاستغلظ شب، فطال فاستوى:) قوي واستقام (على سوقه) أصوله جمع
ساق (يعجب الزراع،) أي زراعه جملة في موضع الحال، (قوته) بالنصب بدل اشتمال من
الزراع والرفع فاعل يعجب، (وغلظه وحسن منظره))) وإذا أعجبهم فأحرى أن يعجب غيرهم، لأنه
لا عيب فيه، إذا أعجب العارفين بالعيوب، ولو كان معيبًا لم يعجبهم، (فكذلك أصحاب
محمد ◌َة آزروه وأيدوه ونصروه، فهم معه كالشطء مع الزرع) وقد بدؤا في قلة وضعف،
فكثروا وقووا على أحسن الوجوه، وهنا تم المثل، وقوله: (ليغيظ بهم الكفار) ابتداء كلام قبله
محذوف، تقديره: جعلهم اللَّه بهذه الصفة ليغيظ بهم الكفار، أي المشركين.

٢٨٣
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
ومن هذه الآية انتزع الإمام لملك رحمه الله - في رواية عنه - تكفير الروافض
الذين يبغضون الصحابة، قال: لأنهم يغيظونهم، ومن غاظه الصحابة فهو كافر، وقد
وافقه على ذلك جماعة من العلماء.
والأحاديث في فضل الصحابة كثيرة، ويكفي ثناء اللَّه عليهم ورضاه عنهم،
وقد وعدهم اللَّه مغفرة وأجرًا عظيمًا، ووعد اللَّه حق وصدق لا يخلف، لا مبدل
لكلماته وهو السميع العليم.
و ((من)) في قوله ((منهم)) لبيان الجنس.
واختلف في تعريف الصحابي:
قال الحسن: من ذلك قول عمر بمكة: لا أعبد اللَّه سرًّا بعد اليوم، (ومن هذه الآية أنتزع)
(بالنون والمثناة والزاي المنقوطة والعين المهملة)، أي استدل واستخرج (الإمام ملك رحمه الله
في رواية عنه) ضعيفة في المذهب، (تكفير الروافض الذين يبغضون الصحابة، قال: لأنهم،)
أي الصحابة (يغيظونهم،) أي الروافض، (ومن غاظه الصحابة، فهو كافر،) لأن اللام في الآية
للتعليل، إما لما قبلها، أي إنما شبههم بذلك ليغيظ بهم الكفار، فالمؤمن ليس عنده غيظ منهم،
وإما علة لقوله بعد وعد الله الذين آمنوا منهم، أي إنما وعدهم ليغيظ الكفار بوعده لهم، فلا يغيظ
بالصحابة مؤمنًا من غيرهم، فخرج غيظ بعضهم على بعض لما أداه إليه اجتهاده، وهو بالظاء
المشالة، وبالضاد أيضًا لغة فيه لا إبدال، وفي أن الغيظ والغضب بمعنى، أو الغيظ أشد الغضب،
أو الكمين في النفس، أو الغضب للقادر، والغيظ للعاجز خلاف.
(وقد وافقه)،) أي مالكًا (على ذلك جماعة من العلماء،) فلم ينفرد بهذا القول،
(والأحاديث في فضل الصحابة كثيرة) جدًا، وحسبك قوله عَّةٍ: ((لا تسبوا أصحابي، فلو أن
أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)، أخرجه الأئمة الستة، (ويكفي
ثناء اللَّه عليهم) في آيات عديدة، (ورضاه عنهم،) لقد رضي اللَّه عن المؤمنين، (وقد
وعدهم اللَّه) تعالى، بقوله ﴿وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم (مغفرة وأجرًا
عظيمًا﴾[الفتح / ٢٩]) هو الجنة ووعد بهما أيضًا من بعدهم في آيات أخر، (ووعد الله حق
وصدق لا يخلف، لا مبدل لكلماته:) أحكامه ووعده بنقض أو خلف، (وهو السميع) لما
يقال، (العليم) بما يفعل، (ومن في قوله منهم لبيان الجنس).
قال ابن عطية: وليست للتبعيض، لأنه وعد مدح للجميع، (واختلف في تعريف
الصحابي) نسبة إلى الصاحب من نسبة الحزبي إلى كلية، كالمفتي، (فقيل: هو من صحب

٢٨٤
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
فقيل: هو من صحب النبي عٍَّ أو رآه من المسلمين. وإليه ذهب البخاري.
وسبقه إليه شيخه ابن المديني، وعبارته - كما قال شيخنا: من صحب النبي عَّة.
أو رآه ولو ساعة من نهار فهو من أصحابه. انتهى. وهذا هو الراجح.
النبي عَّله) في زمن نبوته ولو لحظة، (أو رآه) كذلك في حال حياته، وإن لم يجالسه حال
كونه وقت الصحبة، أو الرؤية (من المسلمين) العقلاء، ولو أنثى، أو عبدًا، أو صبيًّا، أو جنيًّا، أو
ملكًا على ما يأتي، وأو للتقسيم، والضمير المنصوب للنبي عَّةُ، أو للصاحب، (وإليه ذهب
البخاري،) فعرفه بذلك في أول فضائل الصحابة من صحيحه، (وسبقه إليه شيخه) علي
ابن عبد الله بن جعفر السعدي، مولاهم أبو الحسن (بن المديني،) البصري، ثقة، ثبت، إمام أعلم
أهل عصره بالحديث، وعلله حتى قال البخاري: ما استصغرت نفسي إلا عند علي بن المديني.
وقال فيه شيخه سفين بن عيينة: كنت أتعلم منه أكثر مما يتعلم مني.
وقال النسائي: كأن اللَّه خلقه للحديث، مات سنة أربع وثلاثين ومائتين على الصحيح،
(وعبارته كما قال شيخنا) السخاوي، وأخرجه ابن منده في المستخرج عنه كما في الفتح،
بلفظ: (من صحب النبي عٍَّ، أو رآه ولو ساعة،) لحظة (من نهار،) أو ليل، وعبر بنهار لأن
التعارف والاجتماع إنما يكون فيه غالبًا، (فهو من أصحابه) خبر المبتدأ، الذي هو من الموصول،
وصحب صلته ودخول الفاء في الخبر لتضمن الابتداء معنى الشرط. (انتهى.)
قيل: يرد عليه توقف معرفة الشىء على نفسه، فيدور، لأن صحب يتوقف على الصحابي
وعكسه، لكن يمكن أن مراده بصحب الصحبة اللغوية، وبالصحابي المعنى الاصطلاحي، قاله
السخاوي، (وهذا،) أي الاكتفاء بمجرد الرؤية، بلا مجالسة، ولا مماشاة، ولا مكالمة، (هو
الراجح،) وهو مذهب جمهور المحدثين والأصوليين لشرف منزلته عليه، فإنه كما صرح به غير
واحد، لو رآه مسلم، أو رأى مسلمًا لحظة طبع قلبه على الاستقامة، لأنه بإسلامه متهيىء للقبول،
فإذا قابله النور المحمدي، أشرق عليه، فظهر أثره في قلبه، وملأ جوارحه؛ والصحبة لغة تتناول
ساعة فأكثر وأهل الحديث، كما قال النووي نقلوا الاستعمال في الشرع والعرف على وفق اللغة،
وإليه ذهب الآمدي واختاره ابن الحاجب، وقد عد في الإصابة من حضر معه عَّه حجة الوداع
من أهل مكة والمدينة والطائف وما بينهما من الأعراب، وكانوا أربعين ألفًا لحصول رؤيتهم
له عٍَّ وان لم يرهم هو، بل: ومن كان مؤمنًا به في زمن الإسراء ان ثبت انه عَّة. كشف له في
ـَّ اله
ليلته عن جميع من في الأرض، فرآه، ولم يلقه لحصول الرؤية من جانبه عَـ
قال في الإيعاب، ويتجه أنه حيث وقع بصره عَِّ على مجنون محكوم بإسلامه، أفاده
ذلك الصحبة أخذًا من هذا، ومن الصغير غير المميز، فإن حكمهما واحد عند الفقهاء.

٢٨٥
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
والتقييد بـ ((الإسلام)) يخرج من صحبه أو رآه من الكفار، ولو اتفق إسلامه
بعد موته.
لكن يرد على التعريف: من صحبه أو رآه مؤمنًا به ثم ارتد بعد ذلك، ولم
يعد إلى الإسلام، كعبيد اللّه بن جحش، فإنه ليس بصحابي اتفاقًا، وكذلك ابن
خطل، وربيعة بن أمية بن خلف الجمحي، وهو ممن أسلم في الفتح وشهد حجة
الوداع وحدث عن النبي عَّه بعد موته، ثم لحقه الخذلان - والعياذ باللَّه تعالى -
في خلافة عمر فلحق بالروم وتنصر بسبب شىء أغضبه. وقد أخرج له أحمد في
قال المصنف وهذا: كغيره يرد قول الدماميني: ليس الضمير المستتر في قول البخاري، أو
رآه يعود على النبي عێ، لأنه يلزم عليه أن یکون من وقع عليه بصره غّ﴾ صحابيًا، ولا قائل به،
انتھی.
فإن في نفيه الخلاف نظرًا كبيرًا، (والتقييد بالإسلام) في قوله من المسلمين (يخرج من
صحبه، أو رآه من الكفار، ولو اتفق إسلامه بعد موته) عليه السلام، أو في حياته ولم يره بعد
الإسلام، (لكن يرد على التعريف من صحبه، أو رآه مؤمنًا به، ثم ارتد بعد ذلك ولم يعد إلى
الإسلام، كعبيد اللَّه) (بتصغير العبد) (ابن جحش،) فإنه كان أسلم وهاجر إلى الحبشة، فلحقه
الخذلان فيها، فتنصر ومات على نصرانيته، (فإنه ليس بصحابي اتفاقًا، وكذلك ابن خطل،)
فإنه كان أسلم، ثم ارتد وقتل على ردته في فتح مكة (وربيعة بن أمية بن خلف الجمحي،
وهو ممن أسلم في الفتح) لمكة، (وشهد حجة الوداع) معه عَّةٍ، (وحدث عن النبي عَّه.
بعد موته) بحديث، وهو قوله: أمرني رسول اللَّه عَ لٍ أن أقف تحت صدر راحلته، وهو واقف
بالموقف بعرفة، وكان رجلاً صيتًا. فقال: يا ربيعة، قل يا أيها الناس ان رسول اللَّه يقول لكم تدرون
أي بلد هذا ... الحديث، رواه ابن إسحق وأحمد وغيرهما.
قال في الإصابة: فذكره لأجله من لم يمعن النظر في أمره، منهم: البغوي وأصحابه ابن
شاهين، وابن السكن، والباوردي والطبراني، وتبعهم ابن منده وأبو نعيم، وأخرجه ابن خزيمة
والحاكم من وجه آخر، عن ابن عباس، قال: أمر النبي عَّله ربيعة بن أمية، فذكره، فلو لم يرد في
أمره إلا هذا لكان عده في الصحابة صوابًا، لكن ورد أنه ارتد في زمن عمر، كما قال، (ثم
لحقه الخذلان والعياذ بالله تعالى في خلافة عمر، فلحق بالروم، وتنصر بسبب شىء
أغضبه.) .
قال في الإصابة: روى يعقوب بن شيبة في مسنده أن الصديق كان من أعبر الناس للرؤيا،
فأتاه ربيعة بن أمية، فقال: إني رأيت في المنام كأني في أرض معشبة خصبة، وخرجت منها إلى

٢٨٦
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
مسنده، وإخراجه له مشكل ولعله لم يقف على قصة ارتداده، فينبغي أن يزاد في
التعريف: ومات على ذلك.
فلو ارتد ثم عاد إلى الإسلام، لكنه لم يرد النبي عَّةٍ ثانيًا بعد عوده،
فالصحيح أنه معدود فى الصحابة، لإطباق المحدثين على عد الأشعث بن قيس
أرض مجدبة، كالحة، ورأيتك في جامعة من حديد عند سرير إلى الحشر، فقال: إن صدقت
رؤياك، فستخرج من الإيمان إلى الكفر، وأما أنا فإن ذاك ديني، جمع لي في أشد الأشياء إلى يوم
الحشر، قال: فشرب ربيعة الخمر في زمن عمر، فهرب منه إلى الشام، ثم هرب إلى قيصر،
فتنصر ومات عنده؛ وذكر في الاستيعاب هذه القصة مختصرة، وأن عمر هو الذي عبرها له،
ولعبد الرزاق والنسائي عن سعيد بن المسيب؛ أن عمر غرب ربيعة بن أمية في الخمر إلى خيبر،
فلحق بهرقل، فتنصر، فقال عمر: لا أغرب بعده أحدًا أبدًا، وله قصة أخرى مع عمر قبل هذه،
ذكرها لملك في الموطأ عن ابن شهاب عن عروة: ان خولة بنت حكيم دخلت على عمر،
فقالت: إن ربيعة بن أمية استمتع بامرأة موحدة، فحملت منه، فخرج عمر يجر رداءه فزعًا، فقال:
هذه المتعة لو كنت تقدمت فيها لرجمته.
(وقد أخرج له) لربيعة (أحمد في مسنده) حديثه هذا، كما في الفتح، (وإخراجه له
مشكل ولعله،) وفي الفتح: ولعل من أخرجه، أي أحمد وغيره ممن سبق، كابن اسحق والبغوي،
ومن بعده (لم يقف على قصة ارتداده،) ولوا وقفوا عليها ما وسعهم إخراجه، (فينبغي أن يزاد
في التعريف، ومات على ذلك) ليخرج من ارتد بعد أن رآه مؤمنًا، ومات على الردة، هكذا قاله
الحافظ، كشيخه العراقي، وتعقب بأنه يسمى قبل الردة صحابيًا، ويكفي ذلك في صحة
التعريف، إذ لا يشترط فيه الاحتراز عن المنافي العارض، ولذا لم يحترزوا في تعريف المؤمن عن
الردة العارضة لبعض أفراده، فمن زاد في التعريف أراد تعريف من يسمى صحابيًا بعد انقراض
عصر الصحابة، لا مطلقًا، وإلا لزمه أن لا يسمى الشخص صحابيًا في حال حياته، ولا يقول بهذا
أحد، كذا قرره الجلال المحلي.
وقال السخاوي في شرح الألفية: انتزع بعضهم من قول الأشعري: من مات مرتدًا تبين انه
لم يزل كافرًا لأن الاعتبار بالخاتمة صحة إخراجه فإنه يصح أن يقال لم يره مؤمنًا لكن في هذا
الانتزاع نظر لأنه حين رؤياه كان مؤمنًا في الظاهر وعليه مدار حكم الشرع فيسمى صحابيًّا
وحينئذ فلا بد من القید المذ کور. انتھی.
وبه يعلم انه لا وجه لجزم صاحب الإيعاب بما للأشعري، وقوله: إنه أولى من اعتذار
المحلي، (فلو ارتد، ثم عاد إلى الإسلام، لكنه لم ير النبي عَّل. ثانيًا بعد عوده، فالصحيح
انه معدود في الصحابة لإطباق المحدثين على عد الأشعث) (بشين معجمة وعين مهملة

٢٨٧
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
ونحوه ممن وقع له ذلك، وإخراجهم أحاديثهم في المسانيد.
لكن قال الحافظ زين الدين العراقي: إن في ذلك نظرًا كبيرًا، فإن الردة
محبطة للعمل عند أبي حنيفة، ونص عليه الشافعي في الأم، وإن كان الرافعي قد
حكى عنه أنها إنما تحبط بشرط اتصالها بالموت، وحينئذٍ فالظاهر أنها محبطة
للصحبة المتقدمة، أما من ارتد ثم عاد إلى الإسلام في حياته عَّه كعبد الله بن أبي
صرخ فلا مانع من دخوله في الصحبة بدخوله الثاني في الإسلام.
وهل يشترط في الرائي أن يكون بحيث يميز ما رآه، أو يكتفى بحصول
مجرد الرؤية؟ قال الحافظ ابن حجر: محل نظر، وعمل من صنف في الصحابة
يدل على الثاني، فإنهم ذكروا مثل محمد بن أبي بكر الصديق، وإنما ولد قبل وفاة
ومثلثة) (ابن قيس) بن معد يكرب، الكندي، أبي محمد الكوفي، مات سنة أربعين أو إحدى
وأربعين، وهو ابن ثلاث وستين (ونحوه،) كعطارد بن حاجب التميمي (ممن وقع له ذلك)
الارتداد، والعود للإسلام، ولم ير المصطفى، (وإخراجهم أحاديثهم في المسانيد) للصحابة،
(لكن قال الحافظ زين الدين العراقي؛ ان في ذلك نظرًا كبيرًا، فإن الردة محبطة للعمل
عند أبي حنيفة) ولهلك وأكثر العلماء، (ونص عليه الشافعي في الأم،) وأجيب؛ بأن معنى نص
الأم إنها تحبط الثواب لأنفس العمل، قاله في الإيعاب، (وان كان الرافعي قد حكى عنه،) أي
الشافعي، (أنها إنما تحبط بشرط اتصالها بالموت،) وهو المعتمد عند الشافعية،(وحينئذ،
فالظاهر أنها محبطة للصحبة المتقدمة،) أي لثوابها لا لعملها الذي، والصحبة أو الرؤية فيعتد به
في عده صحابيًا وتخريج أحاديثه في المسانيد، كما يعتد بما فعله المسلم قبل ردته من صلاة
وزكاة وصيام ونحوها، فلا يعيد ذلك إذا ارتد، ثم عاد إلى الإسلام وإن سقط ثوابه بالردة وحينئذ
فلا نظر؛ (أما من ارتد ثم عاد إلى الإسلام في حياته عَّهِ، كعبد اللّه بن أبي صرح، فلا مانع
من دخوله في الصحبة بدخوله الثاني في الإسلام،) سواءً اجتمع به عَّهِ مرة أخرى أم لا، هذا
هو الصحيح المعتمد والشق الأول لا خلاف في دخوله، وأبدى بعضهم في الشق الثاني
احتمالاً، وهو مردود لاطباق أهل الحديث على عد الأشعث في الصحابة، قاله في ديباجة
الإصابة. (وهل يشترط في الرائي أن يكون بحيث يميز ما رآه،) أي يعد مميزًا، كأن يأكل
وحده ويشرب وحده، لا تمييزًا لشخص المرئي، بأنه زيد أو عمرو، لاستدلاله بقصة ابن أبي بكر،
(أو يكتفي بحصول مجرد الرؤية) من الرائي للنبي عَّه وان لم يميز.
(قال الحافظ ابن حجر) في الفتح: (محل نظر وعمل من صنف في الصحابة يدل
على الثاني،) أنه لا يشترط التمييز، (فإنهم ذكروا مثل محمد بن أبي بكر الصديق، وإنما ولد

٢٨٨
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
النبي عَّةٍ بثلاثة أشهر وأيام، كما ثبت في الصحيح أن أمه أسماء بنت عميس
ولدته في حجة الوداع قبل أن تدخل مكة، وذلك في أواخر ذي القعدة سنة عشر
من الهجرة.
ومنهم من بالغ، فكان لا يعد في الصحابة إلا من صحب الصحبة العرفية.
قبل وفاة النبي عَّه بثلاثة أشهر وأيام، كما ثبت في الصحيح، أن أمه أسماء بنت عميس)
(بضم العين وفتح الميم وإسكان التحتية وسين مهملة) الصحابية (ولدته في حجة الوداع قبل
أن تدخل مكة، وذلك في أواخر ذي القعدة سنة عشر من الهجرة،) وقتل محمد بن الصديق
سنة ثمان وثلاثين بمصر، وكان علي كرم اللَّه وجهه يثني عليه، فهو وان لم تصح نسبة الرؤية
إليه لعدم تمييزه صحابي من حيث أن النبي عَّةِ رآه؛ وكعبد اللَّه بن الحرث بن نوفل
وعبد الله بن أبي طلحة الأنصاري ممن حنكه النبي عَّه ودعا له، فهؤلاء ونحوهم مذكورون
في الصحابة خلافًا للسفاقسي شارح البخاري، حيث قال في حديث عبد الله بن صعير،
وكان عَِّ مسح وجهه عام الفتح، إن كان عبد اللَّه هذا عقل ذلك أو عقل عنه كلمة له
صحبة، وإلا كانت له فضيلة، وهو في الطبقة الأولى من التابعين، وإليه ذهب العلائي، حيث
قال بعضهم: لا صحبة له ولا رؤية، وحديثه مرسل، وهو وإن سلم له الحكم على حديثهم
بالإرسال، فهم من حيث الرواية أتباع، فهو فيما نفاه مخالف للجمهور، ولأجل اختيار عد من
لم يميز في الصحابة، كان في بيت الصديق أربعة صحابة في نسق محمد بن عبد الرحمن بن
أبي بكر بن أبي قحافة، قاله السخاوي.
قال الحافظ: ومع ذلك، فأحاديث هؤلاء مراسيل؛ والخلاف بين الجمهور وبين أبي إسحق
الاسفرايني ومن وافقه على رد المراسيل مطلقًا، حتى مراسيل الصحابة لا تجري في أحاديث
هؤلاء، لأن مراسيلهم من قبيل مراسيل كبار التابعين، لا من قبيل مراسيل الصحابة، الذين سمعوا
من النبي عَّةٍ، وهذا مما يلغز به، فيقال: صحابي، حديثه مرسل، لا يقبله من يقبل مراسيل
الصحابة.
(ومنهم من بالغ، فكان لا يعد في الصحابة إلا من صحب الصحبة العرفية،) كما جاء
عن عاصم الأحول، قال: رأى عبد اللَّه بن سرجس رسول اللَّه عَّ له، غير أنه لم يكن له صحبة،
أخرجه أحمد هذا مع كون عاصم قد روى عبد الله بن سرجس عدة أحاديث، وهي عند مسلم
وأصحاب السنن، وأكثرها من رواية عاصم عنه، ومن جملتها قوله: إن النبي عَِّ استغفر له، فهذا
رأي عاصم أن الصحابي من تكون له الصحبة العرفية، قاله الحافظ.

٢٨٩
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
وروي عن سعيد بن المسيب أنه كان لا يعد فى الصحابة إلا من أقام مح
النبي عَّهِ سنة فصاعدًا، أو غزا معه غزوة فصاعدًا. والعمل على خلاف هذا القول.
ومنهم من اشترط في ذلك أن يكون حين اجتماعه بالغًا، وهو مردود
أيضًا، لأنه يخرج مثل الحسن بن علي ونحوه من أحداث الصحابة.
وأما التقييد بالرؤية فالمراد به عند عدم المانع منها، فإن كان كابن أم
مكتوم الأعمى فهو صحابي جزمًا، فالأحسن أن يعبر بـ((اللقاء)) بدل الرؤية.
(وروي عن سعيد بن المسيب، أنه كان لا يعد في الصحابة إلا من أقام مع النبي عَّه.
سنة فصاعدًا، أو غزا معه غزوة فصاعدًا،) قال ابن الصلاح: وكأن المراد بهذا إن صح عنه راجع
إلى المحكي عن الأصوليين، ولكن في عبارته ضيق يوجب أن لا يعد من الصحابة جرير بن
عبد الله البجلي، ومن شاركه في فقد ظاهر ما اشترطه فيه ممن لا نعلم، خلافًا في عده في
الصحابة.
قال الزين العراقي: ولا يصح هذا عن ابن المسيب، ففي الإسناد إليه محمد بن عمر
الواقدي ضعيف في الحديث، وقال تلميذه الحافظ: (والعمل على خلاف هذا القول،) لأنهم
اتفقوا على عد جمع جم في الصحابة، لم يجتمعوا بالنبي عَّ إلا في حجة الوداع، ومن اشترط
الصحبة العرفية أخرج من له رؤية، أو اجتمع به، لكن فارقه عن قرب، كما جاء أنه قيل لأنس:
هل بقي من الصحابة غيرك، قال: لا . مع أنه كان في ذلك الوقت عدد كثير ممن لقيه من
الإعراب.
(ومنهم من اشترط في ذلك أن يكون حين اجتماعه بالغًا،) قال العراقي: وهو قول شاذ،
قال تلميذه الحافظ: (وهو مردود أيضًا، لأنه يخرج مثل الحسن بن علي ونحوه،) كأخيه
ومحمود بن الربيع وكثيرين (من أحداث الصحابة،) والمحدثون يدخلونهم.
(وأما التقييد بالرؤية، فالمراد به عند عدم المانع منها،) كالعمى، (فإن كان كابن أم
مكتوم الأعمى، فهو صحابي جزمًا، فالأحسن) كما قال العراقي (أن يعبر باللقاء بدل الرؤية)
ليدخل الأعمى، وقال المصنف: إنه يدخل في قوله من صحب، وكذا في قولهم: أو رآه النبي
على ما لا يخفى، وقول الحافظ العراقي في دخول الأعمى الذي جاء إليه عَّةِ، ولم يصحبه،
ولم يجالسه في قول البخاري: من صحب النبي ورآه نظر ظاهره أن نسخته، ورآه بواو العطف
من غير ألف، فيكون التعريف مركبًا من الصحبة والرؤية معا، فلا يدخل الأعمى كما قال، لكن
في جميع ما وقفت عليه من الأصول المعتمدة، أو التي للتقسيم، وهو الظاهر، لا سيما وقد صرح

٢٩٠
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
قال الحافظ زين الدين العراقي: وقولهم ((من رأى النبي عٍَّ)) هل المراد رآه
في حال نبوته، أو أعم من ذلك، حتى يدخل من رآه قبل النبوة ومات قبل النبوة
كزيد بن عمرو بن نفيل، فقد قال النبي عَّهِ: إنه يبعث أمة وحده، وقد ذكره في
الصحابة أبو عبد الله بن منده، وكذلك لو رآه قبل النبوة ثم غاب عنه وعاش إلى
بعد زمن البعثة، وأسلم ثم مات ولم يره، ولم أرَ من تعرض لذلك، ويدل على أن
المراد: رآه بعد نبوته، أنهم ترجموا في الصحابة من ولد للنبي عَّ كابراهيم
وعبد الله، ولم يترجموا لمن ولد قبل النبوة ومات قبلها كالقسم، انتهى.
غير واحد؛ بأن البخاري تبع في هذا التعريف شيخه ابن المديني والمنقول عنه، أو بالألف،
انتھی.
(قال الحافظ زين الدين العراقي) في شرحه لمنظومته، (وقولهم) الصحابي (من رأى
النبي عٍَّ) مؤمنًا، (هل المراد رآه في حال نبوّته، أو أعم من ذلك حتى يدخل من رآه قبل
النبوة، كزيد بن عمرو بن نفيل،) القرشي، العدوي، والد سعيد، أحد العشرة، (فقد قال
النبي عَِّ، أنه،) أي زيدًا (يبعث أمة وحده))) أخرجه الطيالسي عن سعيد؛ انه قال للنبي عَّه:
إن أبي كان كما رأيته، وكما بلغك، فاستغفر له، قال: نعم إنه يبعث يوم القيامة أمة وحده،
وأخرج البراز عن جابر: سألنا رسول اللَّه عَِّ عن زيد بن عمرو، فقلنا إنه كان يستقبل القبلة
ويقول ديني دين إبراهيم والهي إله إبراهيم قال: ذاك أمة وحده، يحشر بيني وبين يدي عيسى ابن
مريم، (وقد ذكره في الصحابة أبو عبد الله بن منده) والبغوي وغيرهما، بناء على أن الشرط
مطلق الإيمان، لكن قال في الإصابة: فيه نظر، لأنه مات قبل البعثة بخمس سنين؛ ولكنه يجيء
على أحد الاحتمالين في تعريف الصحابي، وهو من رأى النبي مؤمنًا به، هل يشترط كون رؤيته
بعد البعثة، فيؤمن به حين يراه، أو بعد ذلك، أو يكفي كونه مؤمنًا، بأنه سيبعث، كما في قصة
هذا وغيره، وجزم في مقدمة الإصابة؛ بأنه ليس بصحابي.
قال السخاوي وهو الظاهر، قال: وزاد لفظة به في التعريف، ليخرج من لقيه مؤمنًا بغيره،
على أنه يستغني عن ذلك بإطلاق وصف النبوّة، إذ المطلق يحمل على الكامل، (وكذلك لو رآه
قبل النبوة، ثم غاب عنه وعاش إلى بعد زمن البعثة، وأسلم، ثم مات ولم يره، ولم أر من
تعرض لذلك،) وهو محل احتمال، والراجح أنه غير صحابي.
(ويدل على أن المراد رآه بعد نبوّته، أنهم ترجموا في الصحابة من ولد للنبي عن اله.
كإبراهيم) من مارية القبطية، (وعبد اللَّه) من خديجة، وفي أنه غير الطيب والطاهر، وأنهما لقبان
له خلاف، (ولم يترجموا لمن ولد قبل النبوّة، ومات قبلها، كالقاسم،) لكن ترجم له ابن الأثير

٢٩١
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
وهل يختص جميع ذلك ببني آدم، أم يعم غيرهم من العقلاء؟ محل نظر.
أما الجن، فالراجح دخولهم لأن النبي عَّه بعث إليهم قطعًا، وهم مكلفون، فيهم
العصاة والطائعون، فمن عرف اسمه منهم لا ينبغي التردد في ذكره في الصحابة،
وإن كان ابن الأثير عاب ذلك على أبي موسى فلم يستند في ذلك إلى حجة،
في أسد الغابة، ثم شيخ الإسلام في الإصابة، بناء على أن المراد مطلق الإيمان. انتهى كلام
العراقي.
وأما من رآه وآمن به بعد البعثة وقبل الدعوة، كورقة بن نوفل، فصحابي، كما جزم به ابن
الصلاح وفي نظم العراقي للسيرة:
وهو الذي آمن بعد ثانيًا وكان برًا صادقًا مواتيًا
أي بعد خديجة، وقول الحافظ حديث الصحيح ظاهر في أنه أقر بنبوّته، ولكنه مات قبل
أن يدعو الناس إلى الإسلام، فيكون مثل بحيرًا، وفي إثبات الصحبة له نظر، تعقبه تلميذه البرهان
البقاعي، فقال: هذا من العجائب كيف يماثل بين من آمن بأنه قد بعث بعد ما جاءه الوحي،
فانطبق عليه تعريف الصحابي الذي ذكره في نخبته، بمن آمن من أنه سيبعث، ومات قبل أن
یوحی إلیه.
قال العلامة البرماوي: ليس ورقة من هذا النوع لاجتماعه به بعد الرسالة لما صح في
الأحاديث أنه جاء له بعد مجيء جبريل وإنزال ﴿اقرأ﴾، وبعد قوله: أبشر يا محمد أنا جبريل
أرسلت إليك، وإنك رسول هذه الأمة، وقول ورقة: أبشر فأنا أشهد أنك الذي بشر به ابن مريم،
وإنك على مثل ناموس موسى، وإنك نبي مرسل، وأنك ستؤمر بالجهاد، وإن أدرك ذلك لأجاهدنٌ
معك فحكاية، ابن منده الخلاف في إسلامه، وقول الذهبي الأظهر انه مات بعد النبوة، وقبل
الرسالة بعيد لما ذكرنا، فهو صحابي قطعًا، بل أول الصحابة، كما كان شيخنا شيخ الإسلام
السراج البلقيني يقرره. (انتهى).
وتقدم هذا في أول من أسلم، (وهل يختص جميع ذلك ببني آدم، أم يعم غيرهم من
العقلاء محل نظر، أما الجن، فالراجح دخولهم، لأن النبي عَّه بعث إليهم قطعًا) بالإجماع
والنصوص، (وهم مكلفون، فيهم العصاة والطائعون، فمن عرف اسمه منهم لا ينبغي التردد
في ذكره،) وهذا لفظ الفتح، وعبر في الإصابة؛ بأنه يتعين ذكره (في الصحابة، وإن كان ابن
الأثير) الحافظ عز الدين في أسد الغابة (عاب ذلك على أبي موسى) المديني، (فلم يستند
في ذلك إلى حجة،) فليس ذلك بمعيب لما ذكر.
وقد قال ابن حزم: قد أعلمنا اللَّه أن نفرًا من الجن آمنوا وسمعوا القرءان منه عَله: فهم

٢٩٢
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
وأما الملائكة فيتوقف عدهم في ذلك على ثبوت البعثة إليهم، فإن فيه خلافًا بين
الأصوليين، حتى نقل بعضهم الإجماع على ثبوته، وعكس بعضهم.
وهذا كله لمن رآه وهو في قيد الحياة الدنيوية، أما من رآه بعد موته وقبل
دفنه فالراجح أنه ليس صحابيًّا، وإلا لعد من اتفق أنه رأى جسده المكرم وهو في
قبره المعظم، ولو في هذه الأعصار، وكذلك من كشف له من الأولياء عنه معد له.
فرآه كذلك على طريق الكرامة كما قدمت مباحثه في خصوصياته عليه الصلاة
صحابة فضلاء، (وأما الملائكة فيتوقف عدهم في ذلك،) أي الصحابة (على ثبوت البعثة
إليهم فإن فيه خلافًا بين الأصوليين حتى نقل بعضهم الإجماع على ثبوته) ورجحه السبكي
والبارزي وابن كثير، (وعكس بعضهم،) فنقل الإجماع على عدمه، قال في الإصابة: وفي صحة
بناء هذه المسألة على هذا الأصل نظر لا يخفى. انتهى.
أي لأنه لا دخل لذلك في تحقق الصحبة، فسواء قلنا بعث إليهم أم لا نحكم بصحبة من
رآه، من الملائكة، (وهذا كله لمن رآه وهو في قيد الحياة الدنيوية، أما من رآه بعد موته
وقبل دفنه))) قال في الإصابة، كما وقع ذلك لأبي ذؤيب الهذلي الشاعر؛ إن صح، (فالراجح أنه
ليس صحابيًا،) لأنها حياة أخروية لا تتعلق بها أحكام الدنيا، كما يأتي، (وإلا لعد من اتفق أنه
رأى جسده المكرم، وهو في قبره المعظم، ولو في هذه الأعصار،) ولم يعدوه صحابيًّا،
وهذا كلام الحافظ.
قال السخاوي: وسبقه إلى ترجيح ذلك شيخه العراقي والبدر الزركشي؛ وعليه فيزاد في
التعريف قبل انتقاله من الدنيا، وجزم البلقيني بأنه يعد صحابيًا لحصول شرف الرؤية له وان فاته
السماع، قال وقد ذكره في الصحابة، يعني أبا ذؤيب الذهبي في التجريد، وقال العلائي: لا يبعد
أن يعطى حكم الصحبة لشرف ما حصل له من رؤيته قبل دفنه وصلاته عليه، قال: وهو أقرب من
عد المعاصر الذي لم يره أصلاً فيهم، أو الصغير الذي ولد في حياته، وقال الزركشي ظاهر كلام
ابن عبد البر، نعم لأنه أثبت الصحبة لمن أسلم في حياته وإن لم يره، فيكون من رآه قبل الدفن
أولی. انتھی.
وفيه نظر، ففي الإصابة أن المخضرمين، وهم الذين عاصروه ولم يروه ليسوا صحابة
باتفاق علماء الحديث، وان كان بعضهم ذكر بعضهم في كتب معرفة الصحابة، فقد أفصحوا
بأنهم لم يذكروهم إلا لقربهم لتلك الطبقة، لا أنهم من أهلها، وممن أفصح بذلك ابن عبد البر،
فغلط من زعم أنه يقول إنهم صحابة، وأحاديث هؤلاء مرسلة باتفاق صرح به ابن عبد البر نفسه
في التمهيد وغيره من كتبه. (وكذلك من كشف له من الأولياء عنه عَّةٍ، فرآه كذلك) في

٢٩٣
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
والسلام، إذ حجة من أثبت الصحبة لمن رآه قبل دفنه أنه مستمر الحياة، وهذه
الحجة الحياة ليست دنيوية، وإنما هي أخروية لا تتعلق بها أحكام الدنيا، وأما من رآه في
المنام، وإن كان قد رآه حقًّا فذلك فيما يرجع إلى الأمور المعنوية، لا الأحكام
الدنيوية، فلذلك لا يعد صحابيًّا، ولا يجب عليه أن يعمل بما أمره به في تلك
الحالة.
وقد أجمع جمهور العلماء من السلف والخلف على أنهم خير خلق اللَّه،
وأفضلهم بعد النبيين وخواص الملائكة المقربين، لما في البخاري من حديث
عبد اللَّه أن النبي عَِّ قال: ((خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)) وله
من حديث عمران بن حصين خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم قال
قبره (على طريق الكرامة، كما قدمت مباحثه في خصوصياته عليه الصلاة والسلام)، لا يكون
صحابيًا (إذ حجة من أثبت الصحبة،) كالسراج البلقيني (لمن رآه قبل دفنه؛ أنه مستمر
الحياة، وهذه الحجة) ضعيفة، إذ هذه (الحياة ليست دنيوية، وإنما هي أخروية لا تتعلق بها
أحكام الدنيا،) فإن الشهداء أحياء، ومع ذلك فإن الأحكام المتعلقة بهم بعد القتل جارية على
أحكام غيرهم من الموتى، قاله الحافظ، وهو تعليل حسن؛ وأما تعليل العراقي في التقييد، بأن
النبوة انقطعت بالموت، فغير مرضي، ولذا قال ابن جماعة فيه بحث وتأمل، وقد أضرب العراقي
نفسه في شرحه عنه، فجزم بالحكم فقط، فكأنه رجع عنه، قاله السخاوي، وبه يعلم ما في تبعية
البقاعي له بقوله، لأن الإخبار الذي هو معنى النبوة انقطع. انتهى.
وهذا كله لمن رآه يقظة، (وأما من رآه في المنام وإن كان رآه حقّا،) لأن الشيطان
لا يتمثل به، (فذلك فيما يرجع إلى الأمور المعنوية لا الأحكام الدنيوية، فلذلك لا يعد
صحابيًّا، ولا يجب عليه أن يعمل بما أمره به في تلك الحالة،) لأن النائم لا يضبط ما يقال،
له فلو رآه يقظة وأمره بشىء وجب عليه العمل به لنفسه، ولا يعد صحابيًا، وينبغي أن يجب على
من صدقه العمل به، قاله شيخنا.
(وقد أجمع جمهور العلماء من السلف والخلف على أنهم،) أي الصحابة (خير
خلق اللَّه وأفضلهم بعد النبيين وخواص الملائكة المقربين،) خلافًا لمن قال بتفضيل الملك
على البشر مطلقًا، ومر بسطه في المقصد السادس، (لما في البخاري) ومسلم وغيرهما (من
حديث عبد اللَّه) بن مسعود؛ (أن النبي عَِّ قال: خير الناس) أهل (قرني،) أي عصري من
الاقتران في الأمر الذي يجمعهم، يعني الصحابة ومدتهم من البعثة مائة وعشرون سنة أو دونها أو
فوقها بقليل على الخلاف في وفاة أبي الطفيل آخرهم موتًا، وإن اعتبر ذلك من وفاته عٍَّ كان

٢٩٤
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه مرتين أو ثلاثًا.
قال في فتح الباري: والقرن أهل زمان واحد متقارب، اشتركوا في أمر من
الأمور المقصودة، ويطلق على مدة من الزمان، واختلفوا في تحديدها، من عشرة
أعوام إلى مائة وعشرين، لكن لم أر من صرح بالتسعين ولا بمائة وعشرة، وما عدا
ذلك فقد قال به قائل، وقال صاحب المحكم: هو القدر المتوسط من أعمار أهل
مائة سنة أو تسعين أو سبعًا وتسعين، (ثم الذين يلونهم،) أي القرن الذي بعدهم، وهم التابعون،
ومدتهم نحو سبعين أو ثمانين سنة إن اعتبر من سنة مائة، (ثم الذين يلونهم) وهم اتباع التابعين
نحوًا من خمسين سنة إلى حدود عشرين ومائتين، فظهر بهذا أن مدة القرن تختلف باختلاف
أعمار كل زمان، كما قاله الحافظ، ومر هذا الحديث مرتين في الخصائص، (وله،) أي البخاري
ولمسلم أيضًا (من حديث عمران بن حصين) .
قال رسول اللَّه عَّ: (خير أمتي قرني،) أي أهله الصحابة، (ثم الذين يلونهم) التابعون،
(ثم الذين يلونهم ) أتباعهم.
(قال عمران: فلا أدري أذكر) مٍَّ (بعد قرنه مرتين) (بالميم)، وفي رواية قرنين
(أو ثلاثًا،) وفي نسخة أو ثلاثة.
قال الحافظ: وقع مثل هذا الشك في حديث ابن مسعود وأبي هريرة عند مسلم، وبريرة
عند أحمد، وجاء في أكثر الطرق بلا شك منها عند مسلم عن عائشة: قال رجل یا رسول اللَّه أي
الناس خير؟، قال: القرن الذي، أنا فيه ثم الثاني، ثم الثالث، وللطيراني: وسمو به ما يفسر به هذا
السائل، وهو ما أخرجاه من طريق بلال بن سعد بن تميم، عن أبيه قال: قلت يا رسول اللَّه أي
الناس خير؟، فقال أنا وقرني، فذكر مثله، وللطيالسي من حديث عمر رفعه: خير أمتي القرن الذي
أنا منهم، ثم الثاني، ثم الثالث، ولابن أبي شيبة والطبراني عن جعدة بن هبيرة إثبات قرن رابع،
ولفظه خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الآخرون أودى.
ورجاله ثقات، إلا أن جعدة مختلف في صحبته.
(قال في فتح الباري: والقرن أهل زمان واحد متقارب اشتركوا في أمر من الأمور
المقصودة،) أسقط من الفتح، ويقال: إن ذلك مخصوص بما إذا اجتمعوا في زمن نبي أو رئيس،
يجمعهم على ملة أو مذهب أو عمل، (ويطلق) القرن (على مدة من الزمان، واختلفوا في
تحديدها،) فقيل: (من عشرة أعوام إلى مائة وعشرين، لكن لم أر من صرح بالتسعين)
(بفوقية قبل السين) (ولا بمائة وعشرة وما عدا ذلك، فقد قال به قائل،) أسقط من الفتح، وذكر
الجوهري الثلاثين والثمانين، وفي حديث عبد الله بن بسر عند مسلم ما يدل على أن القرن مائة،

٢٩٥
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
كل زمن، وهذا أعدل الأقوال.
والمراد بقرن النبي عَّ في هذا الحديث الصحابة، وتقدم في أول المقصد
الأول حديث: ((بعثت من خير قرون بني آدم)) وفي رواية بريدة عند أحمد: (خير
هذه الأمة القرن الذي بعثت فيهم)).
وقد ضبط الأئمة من الحفاظ آخر من مات من الصحابة على الإطلاق بلا
خلاف أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي، كما جزم به مسلم في صحيحه، وكان
وهو المشهور، وقال صاحب المطالع: القرن أمة هلكت، فلم يبق منهم أحد، ولم يذكر صاحب
المحكم الخمسين، وذكر من عشرة إلى سبعين، (وقال صاحب المحكم: هو القدر المتوسط
من أعمار أهل كل زمن، وهذا أعدل الأقوال،) وبه صرح ابن الأعرابي، وقال: إنه مأخوذ من
الأقران، ويمكن أن يحمل عليه المختلف من الأقوال المتقدمة ممن قال: إن القرن أربعون
فصاعدًا، أما من قال إنه دون ذلك، فلا يلتئم على هذا القول، هكذا في الفتح قبل قوله:
(والمراد بقرن النبي عَّ في هذا الحديث الصحابة، وتقدم في أول المقصد الأول
حديث) البخاري في صفة النبي عَبْدٌ، عن أبي هريرة مرفوعًا: ((بعثت من خير قرون بني آدم)
قرنًا فقرنًا، حتى كنت من القرن الذي كنت منه))، هذا بقية الحديث.
(وفي رواية بريدة) بن الحصيب الصحابي الشهير (عند أحمد) مرفوعًا: (خير هذه الأمة
القرن الذي بعثت فيهم،) وهو يتناول الصحابة، ومن أسلم في زمنه ولم يره، كالنجاشي وغيره
وان لم يكونوا صحابة، (وقد ضبط الأئمة من الحفاظ) للحديث: (آخر من مات من الصحابة
على الإطلاق) في جميع الأرض، لا باعتبار النواحي والبلدان (بلا خلاف) بين أهل الحديث،
فقالوا: هو (أبو الطفيل عامر بن واثلة) (بكسر المثلثة) ابن عبد الله بن عمرو بن جحش بن
جزي بن سعد بن ليث بن بكر بن عبد مناف بن علي بن كنانة الكناني، ثم (الليثي) نسبة إلى
جده ليث بن بكر المذكور، صحابي، مكي، ابن صحابي، قال في الجامع: ويقال اسمه عمر،
وغلبت عليه كنيته، وفي الإصابة: هو مشهور باسمه وكنيته جميعًا، رأى رسول اللَّه عَلِّ وهو
شاب، وحفظ عنه أحاديث.
قال ابن عدي: له صحبة، وروى أيضًا عن أبي بكر وعمر وعلي ومعاذ وحذيفة وابن
مسعود وابن عباس ونافع بن عبد الحرث وغيرهم، وروى عنه الزهري وأبو الزبير وآخرون. وقال
ابن السكن: جاءت عنه روايات ثابتة؛ أنه رأى النبي عَ له. وأما سماعه منه فلم يثبت؛ وذكر ابن
سعد عن علي بن زيد بن جدعان عن أبي الطفيل، قال: كنت أطلب النبي ◌َُّه فيمن يطلبه في
الغار ... الحديث، وهو ضعيف لأنه لا خلاف أن أبا الطفيل لم يكن ولد تلك الليلة، وأظن هذا

٢٩٦
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
موته سنة مائة على الصحيح، وقيل سنة سبع ومائة، وقيل: سنة عشر ومائة، وهو
الذي صححه الذهبي، وهو مطابق لقوله عَّله - قبل وفاته بشهر -: فإنه على رأس
مائة سنة لا يبقى على وجه الأرض ممن هو اليوم عليها أحد، وفي رواية مسلم
من رواية أبي الطفيل عن أبيه.
وذكر البخاري في التاريخ الصغير عن أبي الطفيل، قال: أدركت ثمان سنين من حياة
النبي عَّهِ. قال أبو عمر: كان يعترف بفضل أبي بكر وعمر، لكنه يقدم عليًا، (كما جزم به
مسلم في صحيحه) ومصعب الزبيري وابن منده.
وأخرج مسلم عنه: رأيت رسول اللَّه عَّه وما على وجه الأرض رجل رآه غيري، (وكان
موته سنة مائة) من الهجرة (على الصحيح،) كما قال غير واحد، وفي الألفية:
ومات آخرًا بغير مريه أبو الطفيل عامر عام مايه
وقيل سنة اثنتين وائة حكاه ابن عبد البر وغيره (وقيل: سنة سبع ومائة،) قاله مبارك بن
فضالة (وقيل سنة عشر ومائة،) قال جرير بن حازم: كنت بمكة سنة عشر ومائة، فرأيت جنازة،
فسألت عنها، فقيل لي: أبو الطفيل، وقيل: مات بالكوفة؛ قال السخاوي: والصحيح بمكة، فيكون
آخر من مات من الصحابة بمكة أيضًا، كما جزم به ابن حبان وابن منده، (وهو الذي صححه
الذهبي) في الوفيات، والحافظ في التهذيب في ترجمة عكراش، (وهو مطابق لقوله عَّه قبل
وفاته بشهر،) كما في حديث جابر عند مسلم، وفي الصحيحين عن ابن عمر: صلى بنا
النبي عَّهِ العشاء، فلما سلم قام، فقال: أرأيتكم ليلتكم هذه، (فإنه على رأس مائة سنة منها
لا يبقى على وجه،) وفي رواية: على ظهر (الأرض ممن هو اليوم عليها أحد).
قال ابن عمر: يريد بذلك أن ينخرم ذلك القرن، أي ممن ترونه أو تعرفونه عند محبته أو
المراد أرضه التي بها نشأ ومنها بعث كجزيرة العرب المشتملة على الحجاز ونجد وتهامه، فهو
على حد قوله تعالى: ﴿أو ينفوا من الأرض﴾ [المائدة: ٣٣]، أي بعض الأرض التي صدرت
الجناية فيها، فليست أل للاستغراق، فلا حجة فيه لمن استدل به على موت الخضر، لاحتمال
انه في غير هذه الأرض المعهودة، ولئن سلم ان أل استغراقية، فقوله أحد عموم محتمل، إذ على
وجه الأرض الجن والإنس، والعمومات يدخلها التخصيص بأدنى قرينة، وإذا احتمل الكلام
وجوها سقط به الاستدلال، قاله الشيخ قطب الدين القسطلاني.
وقال النووي: المراد أن كل من كان تلك الليلة على وجه الأرض لا يعيش بعدها أكثر
من مائة سنة، سواء قل عمره قبل ذلك أم لا، وليس فيه نفي حياة أحد يولد بعد تلك الليلة
مائة سنة.
(وفي رواية مسلم: أرأيتكم،) قال الحافظ: بفتح المثناة، لأنها ضمير المخاطب،

٢٩٧
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
أرأيتكم ليلتكم هذه، فإنه ليس من نفس منفوسة تأتي عليها مائة سنة.
وأما ما ذكر أن عكراش بن ذؤيب عاش بعد يوم الجمل مائة سنة فذاك غير
صحيح، وإن صح فمعناه أنه استكمل المائة بعد الجمل، لا أنه بقي بعدها مائة
والكاف ضمير ما لا محل له من الإعراب، والهمزة الأولى للاستفهام، والرؤية بمعنى العلم أو
البصر، أي أعلمتم أو أبصرتم (ليلتكم هذه،) وهي منصوبة على المفعولية، والجواب المحذوف
تقدیره، قالوا: نعم، قال: قاضبطوها. انتهى.
فتجويز قراءته (بضم الهمزة وكسر الراء وضم الفوقية)، أي أراني اللَّه في منامي حالكم
خطأ نشأ من عدم الوقوف على شىء، (فإنه ليس من نفس منفوسة،) أي مخلوقة يومئذ، (تأتي
عليها مائة سنة،) وعلى المصنف رحمه اللَّه مؤاخذة، فليس الحديث في مسلم، كما قال، فإنما
فيه كالبخاري: أرأيتكم ليلتكم هذه في صدر حديث ابن عمر، وبعده قوله: فإن على رأس مائة
سنة ... الخ. ما مر، وأما فإنه ليس من نفس ... الخ، فليس في أوله أرأيتكم ليلتكم هذه، فلفظ
مسلم عن جابر: سمعت رسول اللَّه عَّه يقول قبل أن يموت بشهر: تسألوني عن الساعة، وإنما
علمها عند اللَّه، وأقسم باللَّه ما على الأرض من نفس منفوسة تأتي عليها مائة سنة، ثم أخرجه من
وجه آخر عن سالم عن جابر، قال: قال نبي اللَّه: (ما من نفس منفوسة تبلغ مائة سنة))، فقال
سالم: تذاكرنا ذلك عنده، إنما هي كل نفس مخلوقة يومئذ.
وأخرج مسلم أيضًا عن أبي سعيد، قال: لما رجع النبي عَّله من تبوك سألوه عن الساعة،
فقال: ((لا تأتي مائة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة اليوم))، هذا ووجه المطابقة ان المتبادر من
قوله على رأس مائة سنة أنها محسوبة من وقت إخباره، فيكون موت أبي الطفيل سنة عشر ومائة،
لأن التاريخ من الهجرة، وقد أقام بالمدينة عشر سنين، ولعل وجه الأول الصحيح مع ظهور هذا،
أن المراد على رأس مائة سنة من الهجرة، لأنه عَّ أمر بالتاريخ منها على ما روي وإن كان
المشهور، أن ذلك في زمن عمر، (وأما ما ذكر ان عكراش) (بكسر المهملة وسكون الكاف
وآخره معجمة) (ابن ذؤيب) (تصغير ذئب) التميمي، السعدي، وقول ابن منده المنقري فيه نظر،
لأنه من ولد مرة بن عبيد أخي منقر بن عبيد، وفي حديثه نفسه: بعثني بنو مرة بن عبيد بصدقات
أموالهم، أخرجه الطبراني وغيره، قال ابن سعد: صحب النبي عَ﴾. وسمع منه، وقال ابن حبان: له
صحبة إلا إني لست بالمعتمد على إسناد خبره، (عاش بعد يوم الحمل مائة سنة) على ما ذكر
ابن قتيبة في المعارف وابن دريد في الاشتقاق؛ أنه شهد الجمل مع عائشة، فقالت للأحنف:
كأنكم به وقد أتي به قتيلاً، أو به جراحة لا تفارقه حتى يموت، فضرب ضربة على أنفه عاش
بعدها مائة سنة، وأثر الضربة، (فذاك غير صحيح) لمنافاته للحديث النبوي، (وإن صح، فمعناه

٢٩٨
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
سنة، كما نص عليه الأئمة، وأما ما ذكر من أمر ((بابارتن)) ونحوه فكل ذلك لا
يروج على من له أدنى مسكة من العقل، كما قاله الأئمة.
وأما آخر الصحابة موتًا بالإضافة إلى النواحي فقد أفردهم ابن منده.
أنه استكمل المائة بعد) وقعة (الجمل، لا أنه بقي بعدها مائة سنة،) وإلا لاقتضى ذلك أن
يكون عاش إلى دولة بني العباس، وهو محال (كما نص عليه الأئمة،) منهم الحافظ، فقال: ما
ذكر في الإصابة وشيخه العراقي، فقال هذا باطل أو مؤول، وكذا توقف في صحته البلقيني؛
(وأما ما ذكر من أمر بابارتن،) قال في الإصابة: بالفوقية، ويقال: بالطاء، بدلها الهندي شيخ
خفي، ذكره بزعمه دهرًا طويلاً إلى أن ظهر على رأس القرن السادس، فادعى الصحبة، وروى عنه
ابنه محمود وجماعة، عددهم ثم قال: ولم أجد له في كتب المتقدمين ذكرًا، وذكره الذهبي في
تجريده، فقال رتن: الهندي شيخ ظهر بعد الستمائة بالمشرق وادعى الصحبة، فسمع منه الجهال،
أو لا وجود له، بل اختلق اسمه بعض الكذابين، وإنما ذكرته تعجبًا، كما ذكر أبو موسى سر باتك
الهندي، وذكره في الميزان، فقال: رتن وما أدراك ما رتن شيخ دجال بلا ريب، ظهر بعد
الستمائة، فادعى الصحبة والصحابة لا يكذبون، وهذا جرى على اللَّه ورسوله، وقد ألفت في أمره
جزءًا، وقد قيل: انه مات سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، ومع كونه كذابًا، فقد كذبوا عليه جملة
كثيرة من أسمج الكذب والمحال، قلت: وزعم الاربكي انه سمع منه بعد ذلك في سنة خمس
وخمسين، وستمائة وما زلت أتطلب الجزء المذكور حتى وقفت عليه بخط مؤلفه، فكتبت منه ما
أردته هنا، فذكره مع زيادة عليه بما يستحيا من نسبة كثير من أحاديثه إلى أقل الناس، فضلاً عن
سيد الخلق، وقد وقفت على جزء الذهبي، وهو نحو كراس في النصف (ونحوه،) وهم سر
باتك الهندي (بفتح السين وسكون الراء، فموحدة، فألف ففوقية فكاف) ملك الهند زعم أنه رأى
النبي عَّلُ مرة بمكة ومرة بالمدينة، ومات سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة، وكان زعم انه مضت
عليه سبعمائة وخمس وعشرون سنة، وزاد عليه من زعم أنه مات ابن ثمانمائة وأربع وتسعين سنة،
وجبير بن الحرث الأعرابي ادعى الصحبة سنة ست وسبعين وخمسمائة، والربيع بن محمود
المارديني ادعى الصحبة والتعمير في سنة تسع وتسعين وخمسمائة، وجعفر بن نسطور الرومي
ادعى الصحبة في خمسين وثلاثمائة، وأبوه نسطور، وزعم أنه عاش بعده عَّةٍ ثلاثمائة سنة،
ومعمر بن بريك (بموحدة ومهملة وكاف مصغرًا) ادعاها سنة سبع وعشرين وستمائة، والمعمر
اختلقه بعض الكذابين، وأنه عمر أربعمائة سنة، وقيس بن تميم وأبو الخطاب ومكلبة وبسر بن
عبد اللَّه، (فكل ذلك لا يروج على من له أدنى مسكة) شىء قليل (من العقل) يمنعه عن الوقوع
فيما لا يليق، (كما قاله الأئمة،) وأخبار هؤلاء وأكاذيبهم مذكورة في الميزان ولسانه وغيرهما.
(وأما آخر الصحابة موتًا بالإضافة إلى النواحي) أي البلدان، (فقد أفردهم ابن منده)

٢٩٩
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
وأما قوله: ثم الذين يلونهم فهم أهل القرن الذين بعدهم، وهم التابعون، ثم
الذين يلونهم وهم أتباع التابعين. واقتضى هذا الحديث أن تكون الصحابة أفضل
من التابعين، والتابعون أفضل من أتباع التابعين. لكن هل هذه الفضيلة بالنسبة إلى
المجموع أو الأفراد؟
والذي ذهب إليه ابن عبد البر هو الأول، كما قدمت ذلك في خصائص
هذه الأمة من المقصد الرابع، واحتج لذلك - سوى ما تقدم - بحديث مثل أمتي
مثل المطر، لا يدرى آخره خير أم أوله. قال الحافظ ابن حجر: وهو حديث
بالتصنيف، وتكفل بذلك في الألفية، فلا حاجة إلى الإطالة بايراده.
(وأما قوله) عَّةِ (ثم الذين يلونهم، فهم أهل القرن الذين بعدهم، وهم التابعون)
للصحابة على اختلاف طبقاتهم، (ثم الذين يلونهم وهم أتباع التابعين،) فالقرن الرابع لا يحكم
لهم بتفضيل؛ بل في بقية خبر الصحيحين السابق، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه
شهادته، فأثبت لهم صفة الذم، (واقتضى هذا الحديث) لتعبيره بثم (أن تكون الصحابة أفضل
من التابعين، والتابعون أفضل من أتباع التابعين) ولا نزاع في ذلك، (لكن هل هذه الفضيلة
بالنسبة إلى المجموع) فلا يستلزم الحكم على كل واجد (أو الافراد) فيستلزم ذلك وإليه
ذهب الجمهور، (والذي ذهب إليه ابن عبد البر هو الأول، كما قدمت ذلك في خصائص
هذه الأمة من المقصد الرابع، واحتج لذلك سوى ما يقدم بحديث مثل أمتي مثل المطر،
لا يدرى) بالرأي والاستنباط (آخره خير أم أوله).
قال البيضاوي: نفي تعلق العلم بتفاوت طبقات الأمة في الخيريه، وأريد به نفي التقارب
لاختصاص كل منهم بخاصية توجب خيريتها، كما أن كل نوبة من نوب المطر لها فائدة في
النماء، لا يمكن إنكارها، والحكم بعدم نفعها، فإن الأولين آمنو بما شاهدوا من المعجزات، وتلقوا
دعوة الرسول بالإجابة والإيمان، والآخرون آمنوا بالغيب بما تواتر عندهم من الآيات، واتبعوا من
قبلهم بالإحسان، وكما اجتهد الأولون في التأسيس والتمهيد، اجتهد الآخرون في التحرير
والتلخيص، وصرفوا عمرهم في التقرير والتأكيد؛ فكل سعيه مشكور وأجره موفور. انتهى.
وقال الطيبي: تمثيل الأمة بالمطر إنما يكون بالهدى والعلم، فتختص هذه الأمة المشبهة
بالمطر بالعلماء الكاملين منهم والمكملين لغيرهم، فيستدعي هذا التفسير ان يراد بالخير النفع،
فلا يلزم من هذا المساواة في الأفضلية، ولو ذهب إلى الخيرية، فالمراد وصف الأمة قاطبة،
سابقها ولاحقها، أولها وآخرها بالخيرية، وإنها ملتحمة بعضها مع بعض، مرصوصة كالبنيان على
حد قول الانمارية: هم كالحلقة المفرغة، لا يدري أين طرفاها، وقول الشاعر:

٣٠٠
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
حسن، له طرق وقد يرتقى بها إلى درجة الصحة.
وقد روى ابن أبي شيبة من حديث عبد الرحمن بن جبير بن نفير - أحد
التابعين - بإسناد حسن قال: قال رسول اللَّه عَ لّهِ: ((ليدركن المسيح أقوامًا إنهم
لمثلكم أو خير منكم، ثلاثًا، ولن يخزي اللَّه أمة أنا أولها والمسيح آخرها)).
ان الخيار من القبائل واحد وبنو حنيفة كلهم أخيار
فالحاصل أن الأمة بأسرها مرتبطة بعضها مع بعض في الخيرية، بحيث أبهم أمرها وارتفع
التمييز بينها، وإن كان بعضها أفضل من بعض في نفس الأمر، وهو قريب من سوق المعلوم،
مساق غيره فيما معناه قوله:
تشابه يومًا بأسه ونواله فما نحن ندري أي يوميه أفضل
قيوم نداه الغمر أم يوم بأسه وما منهما إلا أغر محجل
ومعلوم علمًا جليًا أن يوم نداه الغمر أفضل من يوم بأسه، لكن الندى لما لم يكن إلا
بالبأس أشكل عليه الأمر، فقال ما قال، وكذلك أمر المطر والأمة. انتهى.
(قال الحافظ ابن حجر، وهو حديث حسن له طرق،) فأخرجه أحمد من حديث عمار،
وصححه ابن حبان وأحمد والترمذي عن أنس، وأبو يعلى عن علي، والطبراني عن ابن عمر، (وقد
يرتقى بها إلى درجة الصحة،) قال: وأغرب النووي، فعزاه في فتاويه إلى مسند أبي يعلى من
حديث أنس، بإسناد ضعيف، مع أنه عند الترمذي بإسناد أقوى منه من حديث أنس، وصححه
ابن حبان من حديث عمار، وأجاب عنه النووي بما حاصله: أن المراد من يشتبه عليه الحال في
ذلك من أهل الزمان، الذين يدركون عيسى ويرون ما في زمنه من الخير والبركة وانتظام كلمة
الإسلام ودحض أمر الكفر، فيشتبه الحال على من شاهد ذلك، أي الزمانين خير، وهذا الاشتباه
يندفع بصريح قوله عَّله: ((خير القرون قرني)). انتهى كلام الحافظ.
وتقدم عن الطيبي جوابان أدق من هذا الجواب؛ (وقد روى ابن أبي شيبة من حديث
• د الرحمن بن جبير) (بجيم وموحدة مصغرًا) (ابن نفير) (بنون وفاء مصغر) الحمصي الثقة،
(٠٠٠) له مسلم والأربعة، ومات سنة ثمان عشرة ومائة، (أحد التابعين،) وأبوه تابعي، مخضرم،
وجده صحابي، وقد روی الحاکم وغیره، الحدیث هذا عن أبيه جبير بن نفیر، (بإسناد حسن،
قال: قال رسول اللّه عَ له: ليدركن المسيح،) وفي رواية الحاكم: ليدركن الدجال (أقوامًا
إنهم لمثلكم أو خير منكم،) أو تحتمل الشك وغيره، قال ذلك (ثلاثًا، ولن يخزي) (بضم أوله)،
أي يذل ويهين (اللَّه أمة أنا أولها والمسيح،) وفي رواية الحاكم وعيسى: (آخرها،) بل كما أعز
أولها بي، كذلك يعز آخرها بعيسى، فيقتل الدجال ولا يقبل إلا الإسلام.