النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
ويطهر كم تطهيرًا﴾ [الأحزاب/٣٣].
وقد اختلف في المراد بأهل البيت في هذه الآية.
فروى ابن أبي حاتم عن عكرمة عن ابن عباس قال: نزلت في نساء
النبي عليه.
وروى ابن جرير عن عكرمة، أنه كان ينادي في السوق ﴿إنما يريد الله
ليذهب عنكم الرجس أهل البيت﴾ قال: نزلت في نساء النبي معَ له.
قال الحافظ ابن كثير: وهذا يعني: ما في الآية نص في دخول أزواجه معدّ.
لأنهن سبب نزول هذه الآية، إذ الخطاب فيما قبلها لهن وسبب النزول داخل فيه
قولاً واحدًا، إما وحده على قول، أو مع غيره على الصحيح.
قال الولي العراقي في إسناده: حسين الأشقر شيعي مختلف فيه، وهذه الآية مكية، ولم
یکن لفاطمة حينئذ أولاد. انتهى.
وفي التقريب: أنه صدوق يهم ويغلوا في التشييع، فإن ثبت، فقوله: وابناهما، أي اللذان
سيولدان بعد أن يتزوجا، فلا ينافي كون الآية مكية بل في تفسير ابن عطية أن الآية مدنية، فيصح
بلا تكلف (وقال تعالى: ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس﴾) الذنب المدنس لعرضکم،
وأصل معناه القذر الحسي، ثم استعير للإثم والذنب، كما هنا ((أهل البيت﴾) نصب على
النداء أو المدح أو الاختصاص، (﴿ويطهركم﴾) عن المعاصي (﴿تطهيرًا﴾﴾ [الأحزاب: ٣٣]
ترشيح للاستعارة للتنفير عن الذنب ووجه الاستشهاد بالآية أن من طهره اللَّه من الآثام أحبه الله
ورسوله، ومن أحباه لزمنا حبه ويره وصلته.
(وقد اختلف في المراد بأهل البيت في هذه الآية فروى ابن أبي حاتم، عن عكرمة، عن ابن
عباس، قال: نزلت في نساء النبي عَّله) خاصة لا رجل معهن، وأريد بالبيت مساكن النبي عَّه، قاله ابن
عطية.
(وروى ابن جرير عن عكرمة أنه كان ينادي في السوق) قصدًا لإظهار الحق عنده،
(﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت﴾ قال: نزلت في نساء النبي عُّه) خاصة
وكذا قال مقاتل: ورد بأن تذكير الضمير يأباه، إذ لو أريد النساء فقط، لقيل: عنكن ويطهر كن
قال الحافظ ابن كثير: وهذا يعني ما في الآية نص في دخول أزواجه عَّة، لأنهن سبب نزول هذه الآية،
(إذ الخطاب فيما قبلها لهن، وسبب النزول داخل فيه قولاً واحدًا، أما
وحده على قول) وعليه مشى هنا ابن عباس وعكرمة ومقاتل، (أو مع غيره على الصحيح،) إذ

٢٤٢
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
وقيل: المراد النبي عَّهِ.
قال عكرمة: من شاء باهلته أنها نزلت في نساء النبي عَِّ. فإن كان المراد
أنهن كن سبب النزول دون غيرهن ففي هذا نظر، فإنه قد ورد في ذلك أحاديث
تدل على أن المراد أعم من ذلك. فروى الإمام أحمد عن واثلة ابن الأسقع أن
رسول اللَّه عَ لّه جاء ومعه علي وحسن وحسين آخذ كل واحد منهما بيده، حتى
دخل فأدنى عليًا وفاطمة وأجلسهما بين يديه، وأجلس حسنًا وحسينًا كل واحد
منهما على فخذه ثم لف عليهم ثوبه - أو قال: كساءه - ثم تلا هذه الآية ﴿إنما
يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرًا﴾ وقال: اللهم
العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
(وقيل: المراد النبي عَّله))) ولا ينافيه قوله أهل البيت، لأن أهل يطلق بمعنى آل، وآل
طلق على الرجل نفسه، كآل داود وآل أبي أوفى (قال عكرمة: من شاء باهلته) لاعنته، بأن
ي تعل اللعنة على الكاذب (أنها نزلت في نساء،) أي أزواج (النبي عَّه))) ونسخة في شأن
النبي تصحيف، فالمنقول عن عكرمة أزواج.
قال ابن كثير: (فإن كان المراد أنهن كن سبب النزول دون غيرهن،) فصحيح وإن أريد
أنهن المراد دون غيرهن (ففي هذا نظر فإنه قد ورد في ذلك أحاديث تدل على أن المراد
أعم من ذلك،) هذا لفظ ابن كثير فسقط من قلم المصنف أو نساخه بعض الكلام، وكان حقه
تقديم قوله: قال عكرمة: من شاء باهلته إلى هنا على قوله وقيل المراد النبي عَّه، فإن ابن كثير
لم يحكه، وقد أوهم تأخيره تعقله بهذا القول حتى أقدم من لم يتأمل على تصحيف نساء بشأن،
وما درى أنه خلاف المروي عن عكرمة.
(فروى الإمام أحمد عن واثلة) بمثلثة (ابن الأسقع) (بالقاف) ابن كعب الليثي صحابي
مشهور، نزل الشام وعاش إلى سنة خمس وثمانين، ومات وله مائة وخمس سنين. (إن
رسول اللَّه عَ لّه جاء ومعه علي وحسن وحسين، آخذ كل واحد منهما بيده) برفع كل فاعل؛
بأن يكونا آخذين بيده علّله متعلقين به، والنصب مفعول آخذ اسم فاعل، والفاعل النبي بمعنى
أنه عَِّ دخل قابضًا بيديه عليهما، آخذًا لهما في حالة دخوله (حتى دخل فأدنى) قرب (عليًا
وفاطمة، وأجلسهما بين يديه، وأجلس حسنًا وحسينًا، كل واحد منهما على فخذه، ثم لف
عليهم ثوبه، أو قال:) واثلة (كساءه،) شك الراوي والكساء مرط من شعر، (ثم تلا هذه الآية:
﴿إنما يريد اللَّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] (وقال:
اللهم هؤلاء أهل بيتي وأهل بيتي أحق) بالتطهير ممن عداهم (زاد في رواية ابن جرير)

٢٤٣
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
هؤلاء أهل بيتي، وأهل بيتي أحق. زاد في رواية ابن جرير فقلت: وأنا يا رسول اللَّه
من أهلك، قال: وأنت من أهلي. قال واثلة: وإنها من أرحى ما أرتجي.
وعن أم سلمة أن رسول اللَّه عٍَّ كان في بيتها، إذ جاءت فاطمة ببرمة
فيها خريرة، فدخلت عليه بها، قال: ادعي زوجك وابنيك، قالت: فجاء علي
وحسن وحسين فدخلوا عليه، فجعلوا يأكلون من تلك الخريرة، وتحته كساء،
قالت: وأنا في الحجرة أصلي، فأنزل اللَّه عز وجل هذه الآية ﴿إنما يريد الله
ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرًا﴾ قالت: فأخذ فضل الكساء
الحديث واثلة المذكور. (فقلت: وأنا يا رسول اللَّه من أهلك. قال: وأنت من أهلي).
(قال واثلة: وإنها من أرحى ما،) أي الأمور التي (ارتجى) وكأنه جعل ما ترجاه قسمين،
أحدهما أشد رجاء من الآخر وعبر بالرجاء مع أخبار الصادق المصدوق به، وخبره لا يتخلف
مخافة أنه مقيد بصفة ترجى حصولها، أي أنت من أهلي، إن فعلت كذا، أو دمت على صفة
كذا.
(وعن أم سلمة) هند بنت أبي أمية (أن رسول اللَّه عَّه كان في بيتها إذ جاءت
فاطمة) الزهراء (ببرمة) (بضم فسكون) قدر من حجر (فيها خريرة) (بخاء معجمة مفتوحة، ثم
راء مكسورة فتحتية ساكنة فراء) ما يتخذ من الدقيق على هيئة العصيدة، لكنه أرق، منها قاله
الطبري.
وقال ابن فارس: دقيق يخلط بشحم، وقال القتبي وتبعه الجوهري: لحم يقطع صغارًا
ويصب عليه ماء كثير، فإذا نضج در عليه الدقيق فإن لم يكن فيها لحم فهي عصيدة وقيل: مرقة
تصفى من بلالة النخالة، ثم تطبخ، وقيل: الخزيزة بالإعجام من النخالة والحريرة، يعني بالإهمال
من اللبن. انتهى من المقصد الثالث.
ومر أن المعروف من الدقيق بدل اللبن (فدخلت عليه بها، قال: ادعي زوجك وابنيك)
وفي رواية: جاءت فاطمة إلى رسول اللَّه ببرمة لها قد صنعت فيها عصيدة تحملها على طبق،
فوضعتها بين يديه، فقال: أين ابن عمك وابناك، فقالت: في البيت، فقال: ادعيهم، فجاءت إلى
علي، وقالت له: أجب رسول اللَّه أنت وابناك، (قالت: فجاء علي وحسن وحسين، فدخلوا
عليه، فجعلوا يأكلون من تلك الخريرة وتحته كساء، قالت) أم سلمة: (وأنا في الحجرة
أصلي، فأنزل اللَّه عز وجل هذه الآية: ﴿إنما يريد اللَّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت
ويطهركم تطهيرًا﴾ قالت: فأخذ فضل الكساء فغشاهم به، ثم أخرج يده، فألوى بها إلى

٢٤٤
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
فغشاهم به ثم أخرج يده فألوى بها إلى السماء، ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيت
وحامتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا، قالت: فأدخلت رأسي من البيت
فقلت وأنا معكم يا رسول اللَّه فقال: إنك إلى خير، إنك على خير. رواه أحمد
وفي إسناده من لم يسم وبقية رجاله ثقات.
وقوله: ((وحامتي)) بالتشديد، أي خاصتي.
وعن أبي سعيد قال قال رسول اللَّه عَّه: أنزلت هذه الآية في خمسة: فيَّ
وفي علي وحسن وحسين وفاطمة ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل
السماء).
وفي رواية: فلما رآهم مقبلين مد يده إلى كساء كان على المنامة، فمده وبسطه،
وأجلسهم عليه، ثم أخذ بأطراف الكساء الأربع بشماله، فضمه فوق رؤوسهم وأومى بيده اليمنى
إلى ربه، (ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي وحامتي) (بالحاء المهملة والميم الثقيلة والفوقية)،
(فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا،) أي جنبهم المعاصي وما يشينهم وإدخالهم في الكساء
وسترهم به إشارة إلى قربهم منه، وأن اللّه سترهم، كما سترهم الكساء وأنه صانهم وأحرزهم
بذلك كما حول رداءه في الاستسقاء، إشارة إلى تبدل الحال عما هي فيه وإنما دعا لهم بذلك
بعد ذكر اللَّه تعالى، أنه يريد لهم ذلك، وإرادته تعالى لا تتخلف عن مراده، تأكيدًا وتنويهًا
بقدرهم ليعلم الناس به، أو المراد دوام ذلك وثباته وزيادته (قالت) أم سلمة (فأدخلت رأسي من
البيت) الذي عبرت عنه قبل بالحجرة، (فقلت: وأنا معكم يا رسول اللَّه؟، فقال: إنك) مساقة
أو صائرة (إلى خير،) فلا يبعدك من أهل البيت.
زاد في رواية: إنك من أزواج النبي وفي رواية: إنك على خير وفي أخرى: أنت على
مكانك وأنك على خير (رواه أحمد، وفي إسناده من لم يسم، وبقية رجاله ثقات).
(وقوله: وحامتي بالتشديد، أي خاصتي).
قال المجد: الحامة خاصة الرجل من أهله وولده وصريح هذا الحديث أن نزول الآية
وهم يأكلون، فقوله في حديث واثلة قبله: ثم لف عليهم ثوبه أو كساءه، ثم تلا هذه الآية، أي
بعدما نزلت وهم يأكلون، فغشاهم بالكساء، وتلاها جمعًا بينهما، ولا يعد فيه، فهو مدلول كل
من الحدیثین.
(وعن أبي سعيد) سعد بن لملك بن سنان الخدري (قال: قال رسول اللَّه عَّم أنزلت هذه
الآية في خمسة، فيّ) بشد الياء يعني نفسه عَّلهُ. (وفي علي) أمير المؤمنين (وحسن وحسين)
الريحانتين (وفاطمة) سيدة نساء العالمين. (﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت

٢٤٥
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
البيت ويطهركم تطهيرًا﴾ رواه ابن جرير، ورواه أحمد في المناقب، والطبراني.
وعن زيد بن أرقم قال: قام فينا رسول اللَّه عَلِّ خطيبًا، فحمد الله وأثنى
عليه ثم قال: أما بعد أيها الناس، إنما أنا بشر مثلكم، يوشك أن يأتيني رسول ربي
عز وجل فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب اللَّه عز وجل، فيه الهدى
والنور، فتمسكوا بكتاب اللَّه عز وجل، وخذوا به، وحث فيه ورغب فيه ثم قال:
وأهل بيتي، أذكركم اللَّه عز وجل في أهل بيتي، ثلاث مرات. فقيل لزيد: ومن
ويطهر كم تطهيرًا﴾) [الأحزاب: ٣٣]، بيان لقوله هذه الآية (رواه ابن جرير) محمد الطبري
(ورواه أحمد في المناقب والطبراني،) سليمن بن أحمد (وعن زيد بن أرقم) بن زيد بن قيس
الأنصاري، الخزرجي، صحابي مشهور، أول مشاهده الخندق، وأنزل اللَّه تصديقه في سورة
المنافقين، مات سنة ست أو ثمان وستين (قال: قام فينا رسول اللَّه عَّ خطيبًا) بماء يدعى خمًا
بين مكة والمدينة، كما في مسلم، وخم (بضم الحاء المعجمة وشد الميم) غدير على ثلاثة
أميال من الجحفة، يقال له غدير خم (فحمد الله وأثنى عليه،) ووعظ وذكر، كما في مسلم،
(ثم قال: أما بعد) قال عياض: كلمة يستعملها الخطيب للفصل بين ما كان من حمد وثناء،
والانتقال إلى ما يريد التكلم فيه ويعوض عنها لفظتان، هذا ولما كان كذا. (أيها الناس)
الحاضرون أو الأعم، (إنما أنا بشر،) وقوله: (مثلكم،) كذا في النسخ، وليست في مسلم ولا في
نقل السيوطي عنه وعن أحمد وعبد بن حميد، فكان كاتبها سبقه قلمه لحفظه القرآن (يوشك أن
يأتيني رسول ربي عز وجل) يعني ملك الموت، (فأجيب،) أي أموت، كنى عنه بالإجابة،
إشارة إلى أنه ينبغي تلقيه بالقبول، كأنه يجيب إليه اختياره، (وأنا تارك فيكم ثقلين) (بفتحتين
دون أل، كما في مسلم سميا به لعظم شأنهما وشرفهما، وقيل: لثقل العمل بهما، (أولهما
كتاب الله،) قدمه لأحقيته بالتقديم (فيه الهدى) من الضلال، أي ما يهتدي بالتمسك به
(والنور،) أي ما يضىء ثوابه على المتمسك به.
زاد في رواية أحمد وغيره من استمسك به وأخذ به كان على الهدى، ومن أخطأه ضل،
(فتمسكوا بكتاب الله عز وجل وخذوا به وحث فيه ورغب فيه،) كذا في النسخ، ولفظ
مسلم: فخذوا بكتاب الله وتمسكوا به، فحث على كتاب اللَّه ورغب فيه وعنده من وجه آخر عن
زيد، مرفوعًا: ((ألا وإني تارك فيكم ثقلين أحدهما كتاب اللَّه عز وجل هو حبل اللَّه، من أتبعه كان
على الهدى، ومن تركه كان على الضلالة)). (ثم قال: و) ثانيهما: (أهل بيتي، أذكركم الله
في أهل بيتي،) قال الطيبي: أي أحذركم اللَّه في شأن أهل بيتي فالتذكير بمعنى الوعظ. انتهى،
فهو بضم الهمزة وفتح المعجمة وشد الكاف من التذكير.

٢٤٦
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
أهل بيته؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: بلى، إن نساءه من أهل بيته، ولكن أهل
بيته من محرم الصدقة بعده، قيل: من هم؟ قال: هم آل علي وآل جعفر وآل عقيل
وآل العباس. قال: كل هؤلاء حرم الصدقة؟ قال: نعم، خرجه مسلم.
وفي السنباطي أي أذكره لكم، والمراد: أقسم عليكم به فظاهره أنه بفتح فسكون من ذكر
لكن ضيط بالأول في النسخ المعتمد عليها في المواضع الثلاثة وقوله: (ثلاث مرات) اختصار
لقوله في مسلم: أذكركم اللَّه في أهل بيتي، أذكر كم اللَّه في أهل بيتي، أذكركم اللَّه في أهل
بيتي ثلاثًا.
قال الحكيم الترمذي: حض على التمسك بهم، لأن الأمر لهم معاينة، فهم أبعد عن
المحنة، وهذا عام أريد به خاص، وهم العلماء العاملون منهم فخرج الجاهل والفاسق، وهم بشر
لم يعروا عن شهوات الآدميين، ولا عصموا عصمة النبيين وكما أن كتاب الله منه ناسخ ومنسوخ،
فارتفع الحكم بالمنسوخ كذلك ارتفعت القدوة بغير علمائهم العظماء وحث على الوصية بهم
لما علم بما سيصيبهم بعده من البلايا والرزايا. انتهى، وكرره ثلاثًا للتأكيد.
قال الفخر الرازي: جعل اللَّه أهل بيته مشاركين له في خمسة أشياء في المحبة وتحريم
الصدقة والطهارة والسلام والصلاة ولم يقع ذلك لغيرهم، (فقيل لزيد) بن أرقم، ولفظ مسلم،
فقال له حصين (ومن أهل بيته:) يا زيد، (أليس نساؤه من أهل بيته؟، قال: بلى إن) كذا في
النسخ، وليست في مسلم لفظة بلى، إن وإنما قال: (نساءه من أهل بيته) وقد صحفت في بعض
النسخ بلى أي نساؤه من أهل بيته، وكل ذلك خبط مخالف لما في مسلم وبلى لرد النفي، وقد
تستعمل بمعنى نعم، وهو على تقدير ثبوته المناسب لقوله: (ولكن أهل بيته من حرم) (بضم
الحاء وتخفيف الراء (الصدقة)، أي الزكاة (بعده) وهم بنوهاشم، والمطلب عند الشافعي، وقال
ملك: بنو هاشم فقط. وقيل: بنو قصي، وقيل: قريش كلها قاله النووي.
وما يوجد في بعض النسخ المواهب من زيادة عليهم بعد حرم لا وجود لها في مسلم،
وهي مخالفة لضبط النووي.
وقال القاضي عياض: يعني أن نساءه من أهل سكنه، ولسن المراد بالآية، وإنما المراد الذين
حرموا الصدقة بعده، يعني الذين منعتهم ملوك بني أمية صدقته التي خصه الله بها وكانت تفرق
عليهم في أيامه وأيام الخلفاء الأربعة لقوله بعده: وزيد عاش حتى أدرك ذلك، لأنه مات سنة
ثمان وستين ويحتمل أن يعني الذين حرموا الز کاة التي هي أوساخ الناس وقد جاء ذلك عن زيد
مفسرا في غير هذا الحديث.
(قيل:) أي قال حصين: (من هم؟، قال: آل علي وآل جعفر وآل عقيل) (بفتح فكسر)
أولاد أبي طالب (وآل العباس) بن عبد المطلب (قال) حصين: (كل هؤلاء حرم الصدقة،) وزيادة

٢٤٧
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
و((الثقل)) محركة كما في القاموس، كل شىء نفيس مصون، قال: ومنه
حديث إني تارك فيكم الثقلين كتاب اللَّه وعترتي. وهي بكسر المهملة وسكون
المثناة الفوقية.
والأخذ بهذا الحديث أحرى، وليس المراد بالأهل الأزواج فقط، بل هم مع
آله، ولا يشك من تدبر القرءان أن نساء النبي عَّ داخلات في الآية الكريمة، فإن
علیهم بعد حرم في نسخ لا وجود لها في مسلم، (قال) زيد: (نعم).
قال عياض: فيه حجة للملك في قصره المنع على بني هاشم، لأنه لم يذكر سواهم
وأدخل الشافعي معهم بني المطلب لحديث ((إنما نحن وبنو المطلب شيء واحد))، ومال إليه
بعض شيوخنا، (خرجه مسلم) في فضائل أهل البيت من صحيحه، وخرجه أحمد وغيره،
ولمسلم من وجه آخر، فقلنا: أي لزيد: من أهل بيته نساؤه، قال: لا وأيم اللَّه إن المرأة تكون مع
الرجل العصر من الدهر، ثم يطلقها، فترجع إلى أبيها وقومها أهل بيته أهله وعصبته، الذين حرموا
الصدقة بعده.
قال النووي: فهاتان الروايتان ظاهرهما التناقض والمعروف في معظم الروايات في غير
مسلم، إن زيدًا قال: نساؤه لسن من أهل بيته فتؤول الرواية الأولى على أن المراد أنهن من أهل
بيته الذين يساكنونه ويعولهن، وأمر باحترامهن وإكرامهن وسماهم ثقلاً، ووعظ في حقوقهن،
وذكر: فنساؤه داخلات في هذا كله، ولا يدخلن في من حرم الصدقة وقد أشار لهذا في الرواية
الأولى، بقوله: نساؤه من أهل بيته ولكن أهل بيته من حرم الصدقة، فاتفقت الروايتان، قال: وقوله
في الرواية الأخرى؟، فقلنا: نساؤه من أهل بيته قال: لا دليل، لا يطال قول من قال: هم قريش
كلها فقد كان في نسائه قرشيات: عائشة وحفصة وأم سلمة وسودة وأم حبيبة ... انتهى.
(والثقل محركة،) أي بفتح المثلثة والقاف، (كما في القاموس كل شىء نفيس
مصون، قال: ومنه الحديث: ((إني تارك فيكم الثقلين، كتاب اللّه وعترتي)،) فسماهما ثقلين
لنفاستهما، وفي المعلم للمازري، قال ثعلب: سماهما ثقلين، لأن العمل والأخذ بهما ثقيل،
والعرب تقوله لكل شىء نفيس، فسماهما ثقلين لعظمهما. انتهى.
وذكر بعضهم أنه تشبيه بليغ، أي كالثقلين الإنس والجن، وهو تكلف لا حاجة إليه،
(وهي،) أي العترة ((بكسر) العين (المهملة وسكون المثناة الفوقية) فراء فهاء تأنيث) الأهل
والنسل والأقارب، كما يأتي، (والأخذ بهذا الحديث أحرى:) أحق وأولى، (وليس المراد
بالأهل الأزواج) الطاهرات (فقط بل هم) (بالميم) للتعظيم في جمع الإناث (مع آله)
المذكورين، (ولا يشك من تدبر القرآن) تأمله (أن نساء النبي عَ ت داخلات في الآية الكريمة

٢٤٨
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
سياق الآية الكريمة معهن، ولهذا قال بعد هذا كله ﴿واذكرن ما يتلى في بيوتكن
من آيات اللَّه والحكمة﴾ [الأحزاب/٣٤].
وهذا اختيار ابن عطية بعد أن نقل عن الجمهور أنهم: علي وفاطمة
والحسن والحسين. قال: وحجة الجمهور قوله تعالى: ﴿عنكم﴾، ﴿ويطهر كم﴾
بـ((الميم) ولو كان اللنساء خاصة لقال: عنكن.
فإن سياق الآية الكريمة معهن،) والمخاطبة لهن بقوله: يا نساء النبي الخ.
(ولهذا قال: بعد هذا كله واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات اللَّه) القرآن
(والحكمة) سنة اللَّه على لسان نبيه دون أن يكون في قرآن متلو ويحتمل أن يكون وصفًا
للآيات، فهذه الآية تعطي أن نساءه من أهل البيت وعلى قول الجمهور: هي ابتداء مخاطبة
أمر اللَّه تعالى أزواجه عَّ على جهة الموعظة وتعديد النعمة بذكر ما يتلى في بيوتهن ولفظ ذكر
يحتمل مقصدين، كلامهما موعظة وتعديد نعمة أحدهما تذكرنه وأقدرنه قدرة وفكرن في أن من
هذه حاله ينبغي أن تحسن أفعاله. والآخر أذكرن، بمعنى: احفظن واقرأن والزمنه كأنه قيل: احفظن
أوامر الله ونواهيه، وذلك هو الذي يتلى في بيوتكم من آيات اللَّه والحكمة، وذلك مؤديكن إلى
الاستقامة.
وفي قوله إن اللَّه كان لطيفًا تأنيس وتعديد نعمة، أي لطيف بكن في هذه النعمة وفي
قوله: خبيرًا تحذير ما قاله ابن عطية رحمه اللَّه تعالى، (وهذا) القول بعمومه للزوجات مع الأول
(اختيار) عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن عبد الرؤوف بن تمام بن عبد الله بن تمام (بن
عطية) بن خالد بن عطية بن خالد بن خقاف المحاربي الغرناطي نزل جده الأعلى عطية بن
خالد بن خقاف بقرية من غرناطة، فأنسل كثيرًا لهم قدر وفضل، فاشتهروا بابن عطية، كان
أبو محمد عبد الحق فقيهًا، عالمًا بالتفسير والأحكام والحديث والنحو والأدب واللغة، مفيدًا
حسن التقييد، غاية في الدهاء والذكاء، روي عن أبيه غالب أحد الحفاظ وأبي علي الغساني
والصدفي وخلق كثير ضمنهم برنامجه، وألف الوجيز في التفسير، فأحسن فيه وأبدع، وطار
بحسن نيته كل مطار، ولد سنة إحدى وثمانين وأربعمائة، ومات سنة ست وأربعين وخمسمائة
(بعد أن نقل عن الجمهور؛ أنهم،) أي آل البيت (علي وفاطمة والحسن والحسين،) وقال في
ذلك أحاديث، ونقل منها: حديث أبي سعيد نزلت هذه الآية في خمسة .... الحديث السابق.
(قال: وحجة) لفظه، ومن حجة (الجمهور قوله تعالى ﴿عنكم﴾ ﴿ويطهر كم﴾
بالميم، ولو كان للنساء خاصة، لقال: عنكن)، ويطهر كن حيث قال أعني
ابن عطية بعد هذا والذي يظهر لي أن زوجاته لا يخرجن عن ذلك البتة فأهل البيت زوجاته وبنته

٢٤٩
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
وأجيب بأن الخطاب بلفظ التذكير وقع على سبيل التغليب، فيكون المراد
به كالمراد بالأول في حديث كيفية الصلاة عليه السابق ذكره، على قول من
فسره به، كما قدمته مع غيره قريبًا في الفصل السابق، واللَّه أعلم. وللَّه در القائل.
يا آل بيت رسول اللَّه حبكم فرض من اللَّه في القرءان أنزله
يكفيكم من عظيم الفضل أنكم من لم يصل عليكم لا صلاة له
وأخرج أحمد عن أبي سعيد معنى حديث زيد بن أرقم السابق مرفوعًا بلفظ:
إني أوشك أن أدعي فأجيب، وإني تارك فيكم الثقلين: كتاب اللَّه حبل ممدود من
السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، وإن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لم يفترقا
وبنوها وزوجها وهذه الآية تقتضي أن الزوجات من أهل البيت، لأن الآية فيهن، والمخاطبة لهن.
زاد المصنف، (وأجيب) عن احتجاج الجمهور بالآية (بأن الخطاب بلفظ التذكير وقع
على سبيل التغليب) على قاعدة اجتماع مذكر ومؤنث، فيغلب المذکر، (فيكون المراد به،
كالمراد بالأول في حديث كيفية الصلاة عليه السابق ذكره على قول من فسره،) أي الآل
(به،) أي بالأزواج مع الذرية، (كما قدمته مع غيره قريبًا في الفصل السابق،) وهو الثاني قبل
هذا، (واللَّه أعلم) بالحق من ذلك، (ولله در القائل) ونسب للإِمام الشافعي:
(يا آل بيت رسول اللَّه حبكم فرض من اللَّه في القرآن أنزله
يكفيكم من عظيم الفخر أنكم من لم يصل عليكم لا صلاة له)
أي كاملة لطلب الصلاة عليهم في التشهد (وأخرج أحمد عن أبي سعيد الخدري
(معنى حديث زيد بن أرقم السابق) قريبًا، (مرفوعًا بلفظ: إني أوشك أن أدعى) إلى لقاء ربي،
(فأجيب: وإني تارك فيكم) بعد وفاتي (الثقلين) الرواية ثقلين بدون أل وفي رواية خليفتين، زاد
في أخرى: أحدهما أعظم من الآخر، (كتاب الله) بدل مما قبله مفسر له (حبل ممدود من
السماء إلى الأرض،) وفي رواية ما بين السماء والأرض: قال بعض شراحه، أي فيما بين، نظر
فيه إلى تعداده في الناس وتطاوله وانتشاره في أهل الأرضين السموات إذ أل فيهما جنسية.
وفي رواية لمسلم: هو حبل اللَّه، من أتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على
الضلالة، قيل: المراد بحبل الله عهده، وقيل: السبب الموصل إلى رضاه ورحمته، وقيل: نوره
الذي يهدي به، وقيل في قوله تعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا﴾ [آل عمران:
١٠٣]، معناه بعهده وقيل: اتباع القرءان وتركه الفرقة (وعترتي أهل بيتي) تفصيل بعد إجمال
بدل أو بیان یعني أن ائتمرتم بأوامر كتاب اللَّه وانتهيتم بنواهيه واهتديتم بهدى عترتي واقتديتم
بسيرتهم اهتديتم فلم تضلوا في الترمذي من حديث زيد بن أرقم إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به

٢٥٠
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
حتى يردا عليّ الحوض، فانظروا بماذا تخلفوني فيهما.
وعترة الرجل - كما قال الجوهري -: أهله ونسله، ورهطه الأدنون، أي
الأقارب.
لن تضلوا بعدي أحدهما أعظم من الآخر كتاب اللَّه حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي
أهل بيتي (وإن اللطيف) المنعم عليكم بهذه النعمة العظيمة (الخبير) فيه تحذير ما عن
مخالفتهما (أخبرني أنهما لم) وفي رواية لن (يفترقا) أي يستمرا متلازمين (حتى يردا علي
الحوض) يوم القيامة زاد في رواية كهاتين وأشار بإصبعيه ولا يعارضه رفع القرءان من المصاحف
والصدور قرب الساعة لبقاء موجبه وهو الإسلام فيبقى ببقائه أحكام القرءان لطلبهما من المكلفين
حتى تقوم الساعة ولكون أهل بيته العالمين العاملين تبقى ببقائه فكأن القرءان باق وفي هذا مع
قوله أولاً: إني تارك فيكم تلويح بل تصريح بأنهما كتوأمين خلفهما ووصى أمته بحسن معاملتهما
وإيثار حقهما على أنفسهما والتمسك بهما في الدين أما الكتاب فلأنه معدن العلوم الدينية
والأسرار والحكم الشرعية وكنوز الحقائق وخفايا الدقائق، وأما العترة فلأن العنصر إذا طلب أعان
على فهم الدين فطيب العنصر يؤدي إلى حسن الأخلاق ومحاسنها يؤدي إلى صفاء القلب
ونزاهته وطهارته. وأكد تلك الوصية وقواها بقوله: (فانظروا بماذا تخلفوني فيهما) بعد وفاتي
هل تتبعونهما فتسروني أو لا فتسوؤني. قال القرطبي: وهذه الوصية وهذا التأكيد العظيم يقتضي
وجوب احترام آله وبرهم وتوقيرهم ومحبتهم، وجوب الفرائض التي لا عذر لأحد في التخلف
عنها هذا مع ما علم من خصوصيتهم به عَ ◌ّه وبأنهم جزء منه، كما قال: فاطمة بضعة مني ومع
ذلك فقابل بنو أمية عظيم هذه الحقوق بالمخالفة والعقوق فسفكوا من أهل البيت دماءهم وسبوا
نساءهم وأسروا صغارهم وخربوا ديارهم وجحدوا شرفهم وفضلهم واستباحوا سبهم ولعنهم،
فخالفوا وصيته ◌َدُ وقابلوه بنقيض قصده فواخجلتهم إذا وقفوا بين يديه ويا فضيحتهم يوم
يعرضون عليه ... انتهى.
فالوصية بير آل البيت على الإطلاق وأما الاقتداء، فإنما يكون بالعلماء العاملين منهم إذ هم
الذين لا يفارقون القرءان إما نحو جاهل وعالم مخلط، فأجنبي من هذا المقام وإنما ينظر للأصل
والعنصر عند التحلي بالفضائل والتخلي عن الرذائل، فإذا كان العلم النافع في غيرهم لزمنا اتباعه
كائناً من كان. قال الشريف السمهودي: هذا الخبر يفهم وجود من يكون أهلاً للتمسك به من
عترته في كل زمن إلى قيام الساعة، حتى يتوجه الحث المذكور على التمسك به كما أن
الكتاب كذلك، فلذا كانوا أمانًا لأهل الأرض، فإذا ذهبوا ذهب أهل الأرض (وعترة الرجل، كما
قال الجوهري: أهله ونسله ورهطه الأدنون، أي الأقارب،) فيشمل ذلك العباس وأولاده، وأولاد

٢٥١
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
وعن أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه أنه قال: يا أيها الناس ارقبوا محمدًا
في أهل بيته. رواه البخاري.
والمراقبة للشىء: المحافظة عليه، يقول: احفظوهم فلا تؤذوهم.
وقال أبو بكر الصديق رضي اللَّه عنه - كما في البخاري أيضًا: لقرابة
رسول اللَّه عَِّ أحب إليَّ أن أصل من قرابتي. وهذا قاله على سبيل الاعتذار
لفاطمة عن منعه إياها ما طلبته منه من تركة النبي عليه، وقد جرى منه على
أبي طالب وغيرهم، كما يأتي.
(وعن أبي بكر الصديق رضي اللَّه عنه يا أيها الناس ارقبوا) (بضم الهمزة)، قال
المصنف: وفي اليونينية (بالوصل وسكون الراء وضم القاف فموحدة) (محمدًا في أهل بيته،
رواه البخاري) عن ابن عمر عن أبي بكر في المناقب، (والمراقبة للشىء المحافظة عليه،
يقول: احفظوهم،) لفظ الفتح احفظوه فيهم، (فلا تؤذوهم) ولا تسيئوا إليهم، (وقال أبو بكر
الصديق رضي الله عنه) أيضًا، (كما في البخاري أيضًا) في المناقب وغيرها عن عائشة، عنه
(لقرابة)) أي لصلة قرابة (رسول اللَّه عَل) أو التقدير صلتهم، (أحب إليّ أن أصل من) صلة
(قرابتي،) فلا بد من التقدير ليصح الأخبار.
وفي الصحاح: القرابة القربى في الرحم، وهو في الأصل مصدر تقول بيني وبينه قرابة
وقرب، وهو قريبي وذو قرابتي زاد القاموس: ولا تقل قرابتي، ويرده نطق الصديق به (وهذا قاله
على سبيل الاعتذار لفاطمة عن منعه إياها ما طلبته منه من تركة النبي ◌َّة) كذا قاله الحافظ
في المناقب، ومراده قاله لعلي لأجل منعه لفاطمة، لأنه إنما قال ذلك بعد موتها ففي البخاري في
غزوة خيبر، عن عائشة: أن فاطمة أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول اللَّه مما أفاء الله
عليه بالمدينة وفدك، وما بقي من خمس خيبر فقال أبو بكر أن رسول اللَّه عَلّم قال: «لا نورث ما
تركناه صدقة)) ... الحديث، وفيه: فوجدت فاطمة على أبي بكر فهجرته فلم تكلمه حتى ماتت
وعاشت بعد النبي عَّه ستة أشهر، فلما توفيت دفنها علي ليلاً، ولم يؤذن بها أبا بكر إلى أن
قال: فأرسل علي إلى أبي بكر؛ أن اثنا وحدك، فدخل عليهم أبو بكر، فقال علي: إنا قد عرفنا
فضلك وما أعطاك اللَّه، ولم ننفس عليك خيرًا ساقه اللَّه إليك، ولكنك استبددت بالأمر، أي
لم تشاورنا في أمر، الخلافة وكنا نرى لقرابتنا من رسول اللَّه نصيبًا، حتى فاضت عينا أبي بكر،
وقال: والذي نفسي بيده لقرابة رسول اللّه أحب إلي من أهلي ومن قرابتي ... الحديث.
قال في فتح الباري: إنما غضبت مع احتجاج أبي بكر بالحديث المذكور، لاعتقادها تأويله
على خلاف ما تمسك به أبو بكر فكأنها اعتقدت تخصيص عموم قوله: لا نورث ورأت أن منافع

٢٥٢
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
موجب الإيمان، لأنه عليه الصلاة والسلام شرط الأحبية فيه على النفس والمال
والولد، كما ذكرته في الفصل الأول من هذا المقصد.
ثم إنه عَّه أثبت لأقاربه ما أثبت لنفسه من ذلك فقال: من أحبهم فبحبي
أحبهم وحثنا على ذلك شفقة منه علينا صلوات اللَّه وسلامه عليه وعليهم، ولقد
أحسن القائل:
رأيت ولائي آل طه فريضة على رغم أهل البعد يورثني القربا
ما خلفه من أرض وعقار، لا يمتنع أن يورث عنه، وتمسك أبو بكر بالعموم، واختلفا في أمر
محتمل للتأويل فلما صمم أبو بكر على ذلك انقطعت عن الاجتماع به.
وقد قال بعض الأئمة: إنما كان هجرها انقباضًا عن لقائه والاجتماع به، وليس ذلك من
الهجران المحرم، لأن شرطه أن يلتقيا، فيعرض هذا وهذا.
وقد روى البيهقي عن الشعبي: أن أبا بكر عاد فاطمة، فقال لها: على أبو بكر أن يستأذن
عليك، قالت: أتحب أن آذن له؟، قال: نعم، فأذنت له، فدخل عليها، فرضاها حتى رضيت وهو
وإن كان مرسلاً، فإسناده صحيح، وأخلق بالأمر أن يكون كذلك لما علم من وفور عقلها ودينها
رضي الله عنها. انتهى.
(وقد جرى:) حصل ذلك (منه،) من أبي بكر (على موجب الإيمان) (بكسر الجيم اسم
فاعل من أوجب)، كذا أثبته، أي على الوجه الذي يحقق الإيمان ويثبته (لأنه عليه الصلاة
والسلام شرط الأحبية فيه على النفس والمال والولد، كما ذكرته في الفصل الأول من هذا
المقصد،) يعني قوله عَّله: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس
أجمعين)) ومر بسط الكلام عليه ثمة، (ثم إنه عَّم أثبت لأقاربه ما أثبت لنفسه من، ذلك فقال)
في حديث: (من أحبهم فبحبي،) أي، فبسبب حبه لي (أحبهم:) لقربهم لي، (وحثنا على ذلك
شفقة:) حنوًّا وعطفًا (منه علينا،) مخافة أن نبغضهم أو نقع فيهم بشىء فنهلك (صلوات اللَّه
وسلامه عليه وعليهم).
وذكر الحافظ جمال الدين لزرندي؛ أنه جاء مرفوعًا: من أحب أن ينسأله في أجله، وأن
يمتع فيما خوّله اللَّه تعالى، فليخلفني في أهلي خلافة حسنة، فمن لم يخلفني فيهم بتر عمره،
وورد على يوم القيامة مسودًا وجهه، (ولقد أحسن القائل) الشيخ محيي الدين بن عربي:
(رأيت ولائي آل طه فريضة على رغم أهل البعد يورثني القربا)

٢٥٣
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
فما طلبت المبعوث أجرًا على الهدي بتبليغه إلا المودة في القربى
وفي الترمذي - وقال: حسن غريب -: أحبوا اللَّه لما يفذوكم به من نعمة،
وأحبوني بحب الله، وأحبوا أهل بيتي بحبي.
وفي المناقب لأحمد: من أبغض أهل البيت فهو منافق.
وروى ابن سعد: من صنع إلى أحد من أهل بيتي معروفًا، فعجز عن مكافأته
في الدنيا، فأنا المكافىء له يوم القيامة.
(فما طلبت المبعوث أجرًا على الهدى بتبليغه إلا المودة في القربى)
ولائي (بفتح الواو) قربي ودنوي، (وفي الترمذي) في المناقب: (وقال حسن غريب،)
وصححه الحاكم، وأقره الذهبي عن ابن عباس، مرفوعًا: (أحبوا) (بفتح الهمزة وكسر الحاء
(اللَّه) وجوبًا (لما يغذوكم) بفتح الياء وسكون الغين وضم الذال المعجمتين) (به من نعمه،)
بيان لما، وسقطت من بعض النسخ سهوًا، أو من الكتاب، وإلا فهي ثابتة في الترمذي، أي لأجل
إنعامه عليكم بصنوف النعم وضروب الآلاء الحسية، كتيسير ما يتغذى به من الطعام والشراب،
والمعنوية، كالتوفيق والهداية، ونصب أعلام المعرفة، وخلق الحواس، وإفاضة أنوار اليقين على
القلب، وغير ذلك من الأغذية الروحانية، المعلوم تفصيلها عند علماء الآخرة.
قال بعضهم: أمر بمعنى الخبر، وليس بعزيز، نحو حديث: وجدت الناس أخبر تقله، فالمراد
إنما تحبونه، لأنه أنعم عليكم، فأحبكم، فأحببتموه، كذا قال: (وأحبوني بحب اللَّ) لي، فوضع
محبتي فيكم، كما يصرح به خبر: ((إذا أحب اللَّه عبدًا نادى جبريل)) .... الحديث، والمحبة إذا
كانت بشرط النعمة كانت معلولة ناقصة، وكان مرجعها إلى حظ المحب، لا إلى المحبوب،
والنعم كلها أو جلها ملاذ النفوس، ومن أحب اللذة تغير عند المكروه بعدمها وفوت حظ النفس
منها، ألا ترى أن محبة زليخًا ليوسف، لما كانت بشهوة آثرت ألمه على ألمها عند فوات حظها
منه، وأما النسوة فغبن عن حظوظ أنفسهن، فقطعن أيديهن بلا إحساسٍ، (وأحبو أهل بيتي
بحبي،) بسبب حبي لهم، أي إنما تحبونهم، لأني أحببتهم لحب اللَّه لهم، وقد يكون أمرًا
بحبهم، لأن محبتهم تصديق بمحبتهم للنبي عَّ: ﴿قل لا أسئلكم عليه أجرًا إلا المودة في
القربى﴾.
(وفي المناقب لأحمد: من أبغض أهل البيت، فهو منافق) نفاقًا عمليًّا، فإن كان من
حيث كونهم من آل البيت فحقيقي، (وروى ابن سعد من صنع إلى أحد من أهل بيتي
معروفًا فعجز عن مكافأته)، بأن تركها (في الدنيا) سواء كان ذلك العجز، أو مع القدرة عليها،
ولم يفعل، فاستعمل العجز في لازمه، وهو الترك بدليل رواية: فلم يكافئه، (فأنا المكافىء له

٢٥٤
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
والمراد بالقرابة من ينتسب إلى جده الأقرب، وهو عبد المطلب، ممن
صحب النبي عَ لّه، منهم أو رآه من ذكر وأنثى، وهو:
علي وأولاده: الحسن والحسين ومحسن وأم كلثوم من فاطمة رضي اللَّه
عنها.
وجعفر بن أبي طالب وأولاده وهم: عبد اللَّه، وعون، ومحمد، ويقال: إنه
كان لجعفر بن أبي طالب ابن اسمه أحمد.
يوم القيامة،) يوم الفزع الأكبر، ونعم المكافىء في محل الاضطرار، وفيه دلالة على مزيد عنايته
بهم، فهنيئًا لمن فرج عنهم كربه، أو لبى لهم دعوة أو أنالهم طلبة.
(والمراد بالقرابة من ينتسب إلى جده الأقرب، وهو عبد المطلب،) لقوله عَظ له: ((من
صنع إلى أحد من ولد عبد المطلب يدا، فلم يكافئه بها في الدنيا، فعليَّ مكافأته غدا إذا لقيني)،
رواه الطبراني في الأوسط، عن عثمن رضي اللَّه، عنه: فخرج بذلك من انتسب إليّ من فوق
عبد المطلب كأولاد عبد مناف، أو إلى من يساويه، كأولاد هاشم أخوة عبد المطلب، أو انتسب
له، ولا صحبة له، ولا رؤية، ولعله ليس بمراد (ممن صحب النبي عَّه منهم، أو رآه من ذكر
أو أنثى، وهو علي وأولاده الحسن والحسين ومحسن) (بميم مضمومة فحاء مفتوحة فسين
مكسورة مشددة مهملتين)، (وأم كلثوم) زوج عمر بن الخطاب، ومات عنها قبل بلوغها، فتزوجها
عون بن جعفر، ثم مات، فتزوجت بأخيه محمد، ثم مات، فتزوجها أخوهما عبد اللّه، ثم ماتت
عنده، ولم تلد لواحد من الثلاثة سوى لمحمد ابنة ماتت صغيرة، فلا عقب لأم كلثوم، كما قدم
المصنف في المقصد الثاني. (من فاطمة رضي الله عنها،) كذا اقتصر عليه في الفتح، وزاد في
الإصابة: في أولادها زينب، وقال: إنها ولدت في الحياة النبوية، وزاد بعضهم: رقية، ولم يذكرها
في الإصابة، وبقية أولاد علي محمد الأكبر ابن الحنفية خولة بنت جعفر، وعبيد اللَّه قتله
المختار، وأبو بكر قتل مع الحسين أمهما ليلى بنت مسعود، والعباس الأكبر وعثمن، وجعفر
وعبد اللَّه قتلوا مع الحسين أمهم أم البنين بنت حرام، ومحمد الأصغر أمه أم ولد قتل مع الحسين
ويحيى وعوف، أمهما أسماء بنت عميس، وعمر الأكبر ورقية أمهما الصهب نسيبة، ومحمد
الأوسط أمه أمامة بنت أبي العاص، وأم الحسن ورملة الكبرى أمهما أم سعيد بنت عروة، وأم
هانىء وميمونة وزينب الصغرى ورملة الصغرى وأم كلثوم الصغرى وفاطمة وأمامة وخديجة وأم
الكرام وأم سلمة وأم جعفر وحمانة ونفيسة، وهي لأمهات شتى، وابنة أخرى لم يذكر اسمها
ماتت صغيرة، فهؤلاء الذين عرفناهم من ولد علي، قاله في التلقيح، (وجعفر بن أبي طالب
وأولاده، وهم عبد اللَّه وعون ومحمد) وأمهم أسماء بنت عميس، (ويقال: إنه كان لجعفر بن

٢٥٥
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
وعقيل بن أبي طالب، وولده مسلم بن عقيل.
وحمزة بن عبد المطلب، وأولاده: يعلى، وعمارة، وأمامة.
B
والعباس بن عبد المطلب، وأولاده الذكور العشرة، وهم: الفضل، وعبد الله،
وقئم، وعبيد الله، والحرث، ومعبد، وعبد الرحمن، وكثير، وعون، وتمام، وفيه
يقول العباس رضي الله عنه:
تموا بتمام فصاروا عشرة يا رب فاجعلهم كرامًا بررة
أبي طالب ابن اسمه أحمد) من أسماء أيضًا، قاله الواقدي، قال في التبصير: والمشهور أن أول
من تسمى به بعد النبي عٍَّ أحمد والد الخليل، (وعقيل بن أبي طالب، وولده مسلم بن
عقيل،) قتل قبل الحسين، (وحمزة بن عبد المطلب، وأولاده يعلى وعمارة،) وهما ذكران،
وبهما كان يكنى، وقيل: عمارة أنثى وضعف، (وأمامة) أنثى، وهذا هو الأشهر في اسمها من
سبعة أقوال، وله أيضًا من الذكور، وعامر وروح، ذكره ابن سعد وعمرو بن حمزة ذكره الكلبي،
وقال: مات صغيرًا، ومن النساء أم الفضل وفاطمة، وقيل: هما واحدة ولم يعقب حمزة إلا من
يعلى، فولد خمسة رجال من صلبه: عمارة والفضل والزبير وعقيل ومحمد، لكونهم ماتوا ولم
يعقبوا، (والعباس بن عبد المطلب وأولاده الذكور العشرة، وهم: الفضل) أكبرهم، وكان
جميلاً، وبه يكنى، وثبت يوم حنين، ومات سنة ثمان عشرة شهيدًا بأجنادين (وعبد الله)) وهو
أعلمهم، مات بالطائف، (وقثم) (بضم القاف وخفة المثلثة المفتوحة)، كان آخر الناس عهدًا
بالمصطفى، وولى مكة لعلي، ثم سار أيام مطوية إلى سمرقند، فاستشهد بها وقبره بها، (وعبيد اللّه)
(بضم العين)، وكان سخيًا جوادًا، مات باليمن، والأربعة من أم الفضل، (والحرث) وأمه من
هذيل، (ومعبد وعبد الرحمن) ماتا بأفريقية، وهما من أم الفضل، (وكثير) أمه أم ولد، ومات
بالمدينة، ودفن بالبقيع، (وعون) (بالنون)، قال أبو عمر: لم أقف على اسم أمه، (وتمام) شقيق
کثیر، (وفيه يقول العباس رضي الله عنه):
(تموا بتمام فصاروا عشرة يا رب فاجعلهم كراما برره)
زاد أبو عمر:
واجعل لهم ذكرًا وأتم الثمرة
وقال: إن تمامًا أصغرهم، وان العباس كان يقول ذلك، وهو يحمله، وفي الإصابة: عباس بن
عباس بن عبد المطلب، ذكره أبو الفتح الأزدي فيمن وافق اسمه اسم أبيه، وكأنه أصغر ولد
العباس، وقد قال:
تموا بتمام فصاروا عشرة

٢٥٦
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
ويقال: لكل منهم رؤية، وكان له من الإناث: أم حبيبة، وآمنة، وصفية،
وأكثرهم من لبابة.
ومعتب بن أبي لهب، والعباس بن أبي لهب، وكان زوج آمنة بنت العباس.
وعبد اللَّه بن الزبير بن عبد المطلب، وأخته ضباعة، وكانت زوج المقداد بن
الأسود.
انتهى. يعني فإن ثبت، فكأنه ولد بعد تمام، (ويقال: لكل منهم رؤية) للنبي عَّه، وللفضل
وعبد اللَّه وعبيد اللَّه سماع ورواية، ويقال: لقثم سماع، ولا يصح، قاله ابن السكن وغيره، (وكان
له من الإناث أم حبيبة) بهاء ودونها، وهو أشهر، ذكرها ابن سعد في الصحابة، أمها أم الفضل.
وعند ابن إسحق رواية يونس: نظر عَّةِ إلى أم حبيب بنت العباس تدب بين يديه، فقال:
لئن بلغت هذه وأنا حي لأتزوجنها، فقبض قبل أن تبلغ، فتزوجها الأسود المخزومي، (وآمنة) لها
رؤية، (وصفية، وأكثرهم من لبابة) بضم اللام وموحدتين خفيفتين بنت الحرث الصحابية
الشهيرة، وهم السبعة الذين علمتهم، (ومعتب) (بضم الميم وفتح المهملة وفوقية مكسورة
ثقيلة)، وقد تخفف، وموحدة) (ابن أبي لهب) وأخوه عتبة (بضم فسكون)، صحابيان أسلما في
الفتح، (والعباس بن أبي لهب) صوابه ابن عتبة ابن أبي لهب، كما في الإصابة وغيرهما، (وكان
زوج آمنة بنت) عم أبيه (العباس).
قال في الإصابة: آمنة بنت العباس بن عبد المطلب الهاشمية، ذكرها الدارقطني في
الأخوة، وقال: تزوجها العباس بن عتبة بن أبي لهب، فولدت له الفضل بن العباس، الشاعر
المشهور، (وعبد الله بن الزبير) (بضم الزاي) عند الأكثر، وبفتحها عند أحمد بن یحیی
البلاذري (بن عبد المطلب) الهاشمي، وأمه عاتكة بنت أبي وهب المخزومي ممن ثبت يوم
حنين، ويروى أنه أتى النبي عَّهِ، فكساه حلة وأقعده إلى جنبه، وقال: إنه كان ابن أمي، وكان
أبوه لي برًا، ويقال: إن أباه الزبير كان يرقصه عَةٍ، ويقول:
محمد بن عبدم
عشت بعيش أنعم في عز فرع أشيم
استشهد بأجنادين سنة ثلاث عشرة، برز له رومي، فقتله عبد الله، ثم آخر، فقتله، ثم وجد
في المعركة قتيلاً وحوله عشرة من الروم قتلاء، (وأخته،) شقيقته (ضباعة) (بضم المعجمة
فموجدة)، (وكانت زوج المقداد بن الأسود،) الصحابي الشهير، فولدت له عبد اللَّه وكريمة.
قال الزبير بن بكار: لم يكن للزبير عقب إلا من ضباعة، وأختها أم الحكم شقيقتها، وقتل
ابنها عبد الله يوم الجمل مع عائشة، وروت ضباعة عن النبي عَةٍ وعن زوجها المقداد وعنها ابن

٢٥٧
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
وأبو سفين بن الحرث بن عبد المطلب، وابنه جعفر، ونوفل بن الحراث بن
عبد المطلب وابناه: المغيرة والحرث ولعبد اللَّه بن الحرث هذا رؤية. وكان يلقب
(بية)) بموحدتين، الثانية ثقيلة.
عباس وعائشة وبنتها كريمة وغيرهم، (وأبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب) قال جماعة
اسمه المغيرة، وقيل: اسمه كنيته والحرث أخوه، أسلم في الفتح، وثبت يوم حنين، وكان يشبه
المصطفى، وأخاه من رضاع حليمة، روي عنه حديث: لا يقدس اللَّه أمة، لا يأخذ الضعيف فيها
حقه من القوي)).
أخرجه الدارقطني وابن قائع بإسناد صحيح، لكن فيه راو لم يسم، مات سنة خمس عشرة
أو عشرين، وصلى عليه عمر (وابنه جعفر،) أسلم مع أبيه وشهد حنينًا، ولازم المصطفى حتى
قبض، وأمه حمانة بنت أبي طالب، ومات بدمشق سنة خمسين، (ونوفل بن الحرث بن
عبد المطلب).
قال الزبير بن بكار: كان أسن من أسلم من بني هاشم حتى من عميه حمزة والعباس،
وذكر ابن اسحق أنه عَّهِ آخى بينه وبين العباس، مات لسنتين مضتا من خلافة عمر، فمشى في
جنازته، وسقط من غالب نسخ المصنف، وابنه جعفر ونوفل بن الحرث بن عبد المطلب، وهما
مذكوران في الفتح، ويلزم على سقوطهما خطأ قبيح، لأنه يلزم عليه أن المغيرة والحرث ابنا
أبي سفين، وأن بية حفيده، وليس كذلك، فالصواب إثباتهما ليصح قوله: (وابناه،) أي ابنا نوفل
(المغيرة،) قال أبو عمر: ولد قبل الهجرة، وقيل: بعدها بأربع سنين، ذكره ابن شاهين في
الصحابة، وأخرج عنه عن النبي عَّه: ((من لم يحمد عدلاً، ولم يدم جورًا فقد بارز اللَّه
بالمحاربة)).
قال ابن شاهين: غريب، ولا أعلم للمغيرة غيره.
وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، قال الحافظ: والراجح أنه صحابي، وكان قاضيًا
بالمدينة في خلافة عثمن، ثم كان مع علي في حروبه، (والحرث) بن نوفل الهاشمي، له
صحبة ورواية، وولاه عَّه بعض أعمال مكة، وأقره الشيخان وعثمن، ثم انتقلٍ إلى البصرة، وبنى
بها دارًا، ومات بها في آخر خلافة عثمن، وقيل: مات زمن معوية، (ولعبد الله بن الحرث) بن
نوفل (هذا رؤية) من النبي عَّه ونسخ، ولهند بن الحرث خطأ، إنما هند أم عبد اللَّه.
قال البغوي: لما ولد أرسلت به أمه عند بنت أبي سفين بن حرب إلى أختها أم حبيبة،
فقالت: يا رسول اللّه هذا ابن أختي، فحنكه وتفل في فيه، وكذا قال ابن سعد: ويقال: كان سنه
عند موته عَّ ◌ُلِه سنتين، (وكان يلقب ببة بموحدتين، الثانية ثقيلة).
وروي عن النبي ◌َّه مرسلاً، وعن أبيه وعن العباس وعمر وعلي وابن مسعود وأم هانىء

٢٥٨
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
وأميمة وأروى وعاتكة وصفية بنات عبد المطلب، أسلمت صفية وصحبت،
وفي الباقيات خلاف، والله أعلم.
وفي البخاري من حديث سعد بن أبي وقاص أن النبي عَِّ قال لعلي: ((أنت
مني بمنزلة لهرون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي)). وفي لفظ آخر: ((أما ترضى أن
تكون مني بمنزلة لهرون من موسى)). أي نازلاً مني منزلة لهرون من موسى. والباء
زائدة.
وغيرهم، وعنه جماعة، واتفقوا على توثيقه، وكان ظاهر الصلاح له رضا في العامة، قال ابن
سعد، مات بعمان سنة أربع وثمانين.
وقال ابن حبان: مات بالأبواء، قتلته السموم سنة تسع وسبعين، وقال غيره: إن الذي مات
بالسموم ابنه عبد الله بن عبد اللَّه، (وأميمة) (بضم الهمزة وفتح الميمين بينهما تحتية ساكنة، ثم
تاء تأنيث وأمها صفية بنت جندب)، (وأروى وعاتكة،) وهما شقيقتا عبد الله والده عز له،
(وصفية) أم الزبير وأمها هاله بنت وهيب، فهي شقيقة حمزة.
وذكر المصنف في المقصد الثاني: أن جملة (بنات عبد المطلب) ست، فزاد برة والبيضاء،
وهي أم حكيم، وقال إنهما شقيقتان لوالده عَّله، وإنه اختلف في إسلامهما أيضًا، (أسلمت
صفية وصحبت) باتفاق، (وفي) الثلاث، بل الخمس (الباقيات خلاف،) تقدم بسطه في
العمات، (واللَّه أعلم) بالحق في ذلك، (وفي البخاري) في المناقب، والمغازي ومسلم في
الفضائل (من حديث سعد بن أبي وقاص) ملك الزهري (أن النبي ◌َّ). قال لعلي) لما استخلفه
على المدينة في غزوة تبوك، فسمع ناسًا يقولون إنما خلفه لشىء كرهه منه، فلحقه، فذكر له
ذلك، فقال: (أنت مني بمنزلة لهرون من موسى،) لفظ مسلم ولفظ البخاري في المغازي، وهو
لمسلم أيضًا عن سعد أن رسول اللَّه عَّله خرج إلى تبوك، واستخلف عليًّا، فقال: أتخلفني في
الصبيان والنساء؟، قال: ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة لهرون من موسى (إلا إنه لا نبي بعدي،
وفي لفظ) لهما أيضًا مسلم في الفضائل، والبخاري في المناقب، عن سعد قال: قال النبي عَّه.
لعلي: (أما) (بخفة الميم) (ترضى أن تكون مني بمنزلة لهرون من موسى،) فقال علي: رضيت
رضيت، أخرجه أحمد، (أي نازلاً مني منزلة لهرون. من موسى، والباء زائدة،) كما في الفتح:
شرح اللفظ الثاني، ويجوز أن تكون بمعنى في، ويقدر مثل ذلك في اللفظ الأول، وهو: أنت، وان
أصله منزلتك مني بمنزلة لهرون، أي كمنزلته من موسى، فحذف المضاف، فانفصل الضمير، ولم
يقطع النظير عن المضاف المحذوف.

٢٥٩
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
وقال الطيبي: ومعنى الحديث: أنت متصل بي نازل مني منزلة لهرون من
موسى. وفيه تشبيه مبهم بينه بقوله: إلا أنه لا نبي بعدي فعرف أن الإتصال بينهما
ليس من جهة النبوة، بل من جهة ما دونها وهو الخلافة، ولما كان لهرون المشبه
به، إنما كان خليفة في حياة موسى، دل ذلك على تخصيص خلافته للنبي عليه.
بحياته واللَّه أعلم.
وأما ما استدل به على استحقاق علي للخلافة دون غيره
من الصحابة، فإن لهرون كان خليفة موسى، فأجيب: بأن لهرون لم يكن خليفة
موسى إلا في حياته لا بعد موته، لأنه مات قبل موسى باتفاق. أشار إلى ذلك
(وقال الطيبي) في شرح المشكاة: قوله مني خبر المبتدأ، ومن اتصالية، ومتعلق
الخبر خاص، والباء زائدة، كما في قوله تعالى: ﴿فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به﴾
[البقرة: ١٣٧]، أي فإن آمنوا إيمانًا مثل إيمانكم، (ومعنى الحديث: أنت متصل بي، نارل
مني منزلة لهرون من موسى)، بيان لمعنى الاتصال الذي قدره، (وفيه تشبيه، مبهم، بينه بقوله:
إلا إنه لا نبي بعدي، فعرف أن الاتصال) المذكور (بينهما ليس من جهة النبوة، بل من جهة
ما دونها، وهو الخلافة،) وبه يزول إبهام الحديث، فتقديره أنت مني في الخلافة، (ولما كان
لهرون المشبه به إنما كان خليفة في حياة موسى، دل ذلك على تخصيص خلافته،) أي
علي (للنبي عَِّ بحياته))) فلا دلالة فيه على استحقاقه الخلافة بعده دون غيره، (والله أعلم،)
إلى هنا كلام الطيبي.
وذكر المصنف جوابًا آخر، بقوله: (وأما ما استدل به على استحقاق علي للخلافة
دون غيره من الصحابة)، كما تمسك بذلك الروافض وسائر فرق الشيعة، على أن الخلافة لعلي،
وأنه أوصى له بها، (فإن لهرون كان خليفة موسى،) وكفرت الروافض سائر الصحابة بتقديم
غيره.
وزاد بعضهم: فكفر عليًّا، لأنه لم يقم في طلب حقه، (فأُجيب بأن هرون لم يكن
خليفة موسى إلاَّ في حياته، لا بعد موته، لأنه مات قبل موسى باتفاق،) بنحو أربعين سنة،
كما قاله المصنف والسيوطي،.
وفي الأنوار: الأكثر على أن موسى ولهرون ماتا في التيه، وأن موسى مات بعد لهرون
بسنة،
وفي نور النبراس عن بعض الهوامش: توفي موسى بعد لهرون بنحو خمسة أشهر، (أشار

٢٦٠
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
الخطابي.
وأما حديث الترمذي والنسائي: ((من كنت مولاه فعلي مولاه)) فقال الشافعي:
يريد بذلك ولاء الإسلام، كقوله تعالى: ﴿وذلك بأن اللَّه مولى الذين آمنوا وأن
الكافرين لا مولى لهم﴾ [محمد/١١] وقول عمر: أصحبت مولى كل مؤمن، أي:
إلى ذلك الخطابي،) فلا متمسك فيه لزعمهم،.
وفي مسلم والترمذي عن سعد بن أبي وقاص أن معوية قال له: ما منعك أن تسب أبا
تراب، قال: أما ما ذكرت ثلاثًا، قالهن له عَّةُ، فلن أسبه، لأن تكون لي واحدة منهن أحب إليّ
من حمر النعم، سمعته يقول له: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هرون من موسى إلا أنه لا نبوّة
بعدي، وسمعته يقول يوم خيبر: لأعطين الراية رجلاً يحب اللَّه ورسوله، ويحبه اللَّه ورسوله،
فتطاولنا لها، فقال ادعوا لي عليًا، فأتى به أرمد، فبصق في عينيه، ودفع الراية إليه، ففتح اللَّه
عليه، ولما نزلت هذه الآية: ﴿تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم﴾، دعا رسول اللَّه عَ ل عليًا وفاطمة
وحسنًا وحسينًا، فقال: اللهم هؤلاء أهلي، قال المازري وغيره: ليس فيه تصريح بأنه أمره بسبه،
وإنما سأله عن المانع، وقد سأل عنه من لا يجيز سبه، وقد يكون معوية رأى سعدًا بين قوم
يسبونه، ولم يمكنه الإنكار، فقال: ما منعك، يستخرج جوابه عن المصطفى بما ذكر، فيكون
حجة على من سبه من غوغاء جنده، ويحصل، له المطلوب على لسان غيره من الصحابة،
أو المعنى: ما منعك أن تبين للناس خطأه وأن ما أنا عليه أصوب، ويسمى هذا سبًّا عرفًا.
قال القرطبي: والتصريح بالسب وقبيح القول إنما كان يفعله جهال بني أمية وسفلتهم، أما
مطوية فحاشاه من ذلك لصحبته ودينه وكريم أخلاقه، واعترافه بفضل علي وعظم قدره، وما يذكر
عنه من ذلك كذب واضح، وأصح ما في ذلك قوله: هذا السعد، وتأويله ما ذكر. انتهى. (وأما
حديث الترمذي والنسائي،) وصححه الضياء المقدسي، عن زيد بن أرقم، مرفوعًا: (من كنت
مولاه فعلي مولاه، فقال الشافعي: يريد بذلك ولاء الإسلام،) أي وليه وناصره، (كقوله تعالى:
﴿ذلك بأن اللَّه مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم﴾) [محمد: ١١]، وخصه لمزيد
علمه ودقائق استنباطه، وفهمه وحسن سيرته وصفاء سريرته، وكرم شيمه ورسوخ قدمه، قيل سببه
أن أسامة قال لعلي: لست مولاي إنما مولاي، رسول اللَّه عَّه، ذلك وقيل: سببه ما ذكر عن ابن
إسحق، أن عليًا تكلم فيه بعض من كان معه ياليمن فلما قضى عَِّ حجه، خطب بذلك تنويها
بقدره، وردًا على من تكلم فيه، وللطيراني وغيره بإسناد صحيح؛ أنه طَدُ خطب بغدير خم، وهو
موضع بالجحفة، مرجعه من حجة الوداع، فذكر الحديث، وفيه: ((أيها الناس إن اللَّه مولاي، وأنا
مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه