النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته
كان معي في الجنة.
وعن ابن عطاء: من ألزم نفسه آداب السنة نور اللَّه قلبه بنور المعرفة، ولا
مقام أشرف من مقام متابعة الحبيب في أوامره ونواهيه، وأفعاله وأخلاقه.
وقال أبو إسحق الرقي - من أقران الجنيد -: علامة محبة اللَّه إيثار طاعته
ومتابعة نبيه عبد الله
وعن غيره: لا يظهر على أحد شىء من نور الإيمان إلا باتباع السنة
ومجانبة البدعة.
(وفي الترمذي، عن أنس مرفوعًا،) ولفظه: قال لي رسول اللّه عَّله: إن قدرت أن تمسي
وتصبح ليس في قلبك غش لأحد فافعل، ثم قال: يا بني، وذلك من سنّتي، (ومن أحيا سنّتي،)
بالإفراد على الأشهر، وبالجمع، (فقد أحبني،) أي: علم محبته لي، أي: أظهرها وعمل بها
وحث عليها، فشبه إظهارها بعد ترك الأخذ بها بالإِحياء، ثم اشتق منه الفعل، فجرت الاستعارة
في المصدر أصلية، ثم سرت إلى الفعل تبعًا، ولذا قالوا: السنن كسفينة نوح، اتباعها يدفع البلاء
عن أهل الأرض، والسنّة إنما سنّها لما علم في خلافها من الخطأ والزلل، ولو لم يكن إلا أن اللّه
وملائكته وحملة عرشه يستغفرون لمتبعها لكفى، فقد أحبني، أي: علم حبه لي، (ومن أحبني
كان معي في الجنة،) لأن المرء مع من أحب.
وفي رواية، فقد أحياني ومن أحياني، أي: أظهر ذكري ورفع أمري، فجعله بمنزلة الإِحياء،
کما قيل:
ويحسبه قد عاش آخر دهره إلى الحشر أن أبقى الجميل من الذكر
(وعن) أبي العباس أحمد بن محمد بن سهل (بن عطاء) الآدمي (بفتحتين)، تقدم (من
ألزم نفسه آداب السنّة، نور الله قلبه بنور المعرفة، ولا مقام أشرف من مقام متابعة الحبيب)
للّه تعالى (في أوامره ونواهيه، وأفعاله وأخلاقه).
(وقال أبو إسحق) إبراهيم بن داود القصار (الرقي،) (بفتح الراء وشد القاف) نسبة إلى
الرقة مدينة على طرف الفرات، من كبار مشايخ الشام، وصحب أكثر المشايخ بها، وكان ملازمًا
للفقر، مجردًا فيه، محبًا لأهله، وقال: حسبك من الدنيا شيئان: صحبة فقير وحرمة ولي، وقال:
الأبصار قوية، والبصائر ضعيفة، وهو (من أقران الجنيد) وابن الجلاء، إلا أنه عمر طويلاً، حتى
مات سنة ست وعشرين وثلاثمائة، (علامة محبة اللّه إيثار طاعته ومتابعة نبيه عَّه) المتابعة
التامة، (وعن غيره لا يظهر،) وفي نسخة: بالواو، أي: قال: ما مر عن الرقي وزاد، ولا يظهر
(على أحد شىء من نور الإيمان إلا باتباع السنّة ومجانبة البدعة، فأما من أعرض عن الكتاب

١٢٢
الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته
فأما من أعرض عن الكتاب والسنة، ولم يتلق العلم من مشكاة الرسول عليه
الصلاة والسلام بدعواه علمًا لدنيا أوتيه فهو من لدن الشيطان، والنفس وإنما يعرف
كوذ العلم لدنيا روحانيًا بموافقته لما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام عن ربه
تعالى، فالعلم اللدني نوعان: لدني رحماني ولدني شيطاني، والمحك هو الوحي،
ولا وحي بعد الرسول
وأما قصة موسى مع الخضر فالتعلق بها في تجويز الاستغناء عن الوحي
بالعلم اللدني إلحاد وكفر، يخرج عن الإسلام، موجب لإراقة الدم، والفرق: أن
موسى عليه السلام لم يكن مبعوثًا إلى الخضر، ولم يكن الخضر مأمورًا بمتابعته،
والسنّة ولم يتلق العلم من مشكاة الرسول،) أي: الأحاديث الواردة عنه (عليه الصلاة
والسلام،) وعبر عنها بالمشكاة تشبيهًا لها بالكوة التي يصل النور منها إلى إنسان ببيت، إذا ورد
عليه فيه انكشف ما كان خفيًا عنه بسببه، (بدعواه علمًا لدنيا أوتيه، فهو من لدن الشيطان،)
أي: من عنده (و) من عند (النفس، وإنما يعرف كون العلم لدنيا روحانيًا بموافقته لما جاء به
الرسول عليه الصلاة والسلام عن ربه تعالى، فالعلم اللدنيء) الآتي لصاحبه من عند غيره
(نوعان:)
أحدهما: (لدني رحماني) من عند الرحمن تبارك وتعالى، سمي لدنيا لحصوله من اللّه،
لا من كسب العبد (و) ثانيهما: (لدني شيطاني) من عنده لعنه الله (والمحك) (بالكاف)
المميز لذلك (هو الوحي، ولا وحي بعد الرسول عَ ل)، فما وافقه كان لدنيا رحمانيًا وما لا
فشیطانیا.
قال الجنيد: علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنّة، قال ابن عربي: يريد أنه نتيجة عن العمل
عليهما، وهما الشاهدان العدلان.
وفي نسخة: المحل باللام، أي: الذي يتلقى منه العلم عن اللّه هو الوحي، أي: الكتاب
والسنّة فما تلقى عن غيرهما، ولم يخرج على قواعدهما، فهو من وسوسة الشيطان، يجب صرفه
حالاً، والحكم بأنه ليس من اللّه، (وأما قصة موسى مع الخضر،) وقوله تعالى: ﴿وآتيناه رحمة
من عندنا وعلمناه من لدنا علمًا﴾ [الكهف/٦٥]، (فالتعلق بها في تجويز الاستغناء عن الوحي بالعلم
الدني الحاد، وكفر يخرج عن الإِسلام موجب لإراقة الدم).
وهذا جواب سؤال هو، لا يلزم أن ما أخذ من غير الوحي يكون من الشيطان، لجواز أنه
علم غيبي من اللّه به على عبده، فأوصله إليه من غير طريق الوحي، بدليل قصة الخضر.
(و) الجواب: (الفرق أن موسى عليه السلام لم يكن مبعوثًا إلى الخضر، ولم يكن

١٢٣
الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته
ولو كان مأمورًا بها لوجب عليه أن يهاجر إلى موسى ويكون معه. ولهذا قال له:
أنت موسى نبي بني إسرائيل؟ قال: نعم، ومحمد عَّ ه مبعوث إلى جميع الثقلين،
فرسالته عامة للجن والإنس في كل زمان، ولو كان موسى وعيسى حيين لكانا من
أتباعه.
فمن ادعى أنه مع محمد كالخضر مع موسى، أو جوز ذلك لأحد من
الأمة، فليجدد إسلامه، وليشهد شهادة الحق، فإنه مفارق لدين الإسلام بالكلية،
فضلاً عن أن يكون من خاصة أولياء الله تعالى.
وإنما هو من أولياء الشيطان وخلفائه ونوابه.
والعلم اللدني الرحماني هو ثمرة العبودية والمتابعة لهذا النبي الكريم. عليه
أزكى الصلاة وأتم التسليم، وبه يحصل الفهم في الكتاب والسنة بأمر يختص به
صاحبه كما قال علي بن أبي طالب، وقد سئل: هل خصكم رسول اللَّه ێ بشىء
دون الناس؟ فقال: لا، إلاَّ فيهما يؤتيه اللَّه عبدًا في كتابه. فهذا هو العلم اللدني
الحقيقي.
الخضر مأمورًا بمتابعته، و) دليل ذلك أنه (لو كان مأمورًا بها لوجب عليه أن يهاجر إلى
موسى، ويكون معه،) ولم يفعل، لأنه لم يؤمر بذلك، (ولهذا قال له: أنت موسى نبي بني
إسرائيل؟، قال: نعم،) فرسالته خاصة بهم، (ومحمد عَّله مبعوث إلى جميع الثقلين، فرسالته
عامة للجن والإِنس في كل زمان، ولو كان موسى وعيسى حيين لكانا من اتباعه،) كما في
الحديث، (فمن ادعى أنه مع محمد، كالخضر مع موسى، أو جوز ذلك لأحد من الأمة،
فليجدد إسلامه،) لكفره بهذه الدعوى، (وليشهد شهادة الحق،) أي: يعتقد خلاف دعواه
باطنًا، ويأتي بالشهادتين ظاهرًا ليعود إلى الإِسلام، (فإنه مفارق لدين الإِسلام بالكلية، فضلاً عن
أن يكون من خاصة أولياء اللّه تعالى، وإنما هو من أولياء الشيطان وخلفائه ونوابه) في
الضلال والإضلال.
(والعلم اللدني الرحماني هو ثمرة العبودية، والمتابعة لهذا النبي الكريم عليه أزكى
الصلاة وأتم التسليم، وبه يحصل الفهم في الكتاب والسنّة، بأمر يختص به صاحبه، كما قال
علي بن أبي طالب) أمير المؤمنين، (وقد سئل،) والسائل له أبو جحيفة، كما في الصحيح،
وقيس بن عباد (بضم العين وخفة الموحدة)، والأشتر النخعي، وحديثهما في سنن النسائي: (هل
خصكم) أهل البيت النبوي، أو الجمع للتعظيم (رسول اللّه عَّم بشىء دون الناس) من أسرار

١٢٤
الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته
فاتباع هذا النبي الكريم حياة القلوب، ونور البصائر، وشفاء الصدور، ورياض
النفوس، ولذة الأرواح، وأنس المستوحشين، ودليل المتحيرين.
ومن علامات محبته: أن يرضى مدعيها بما شرعه، حتى لا يجد في نفسه
حرجًا مما قضى. قال اللَّه تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما
شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا﴾
[النساء/٦٥]، فسلب اسم الإيمان عمن وجد في صدره حرجًا من قضائه ولم
يسلم له.
قال شيخ المحققين وإمام العارفين، تاج الدين بن عطاء اللَّه الشاذلى - أذاقنا
علم الوحي، كما تزعم الشيعة، (فقال: لا إلا فهما يؤتيه اللّه عبدًا في كتابه) القرآن من فحوى
الكلام، ويدركه من باطن المعاني التي هي غير الظاهر من نصه، ومراتب الناس في ذلك متفاوتة،
وفيه جواز استخراج العالم من القرآن بفهمه، ما لم يكن منقولاً عن المفسرين إذا وافق أصول
الشريعة، (فهذا هو العلم اللدني الحقيقي، فاتباع هذا النبي الكريم حياة القلوب، ونور
البصائر، وشفاء الصدور، ورياض النفوس) جمع روضة، وهي الموضع المعجب بالزهور، جعل
اتباعه كرياض مزهرة مثمرة للنفوس، الالتذاذ بها كلذة رائي الرياض بها، (ولذة الأرواح، وأنس
المستوحشين، ودليل المتحيرين، ومن علامات محبته أن يرضى مدعيها،) عبر به دون
محب، لأنه إذا ثبت أنه محب لا يحتاج لعلامة (بما شرعه) عَّةِ أمراً ونهيًا، سماه شارعًا لمجيئه
على يده وتبليغه، وإن كان الشارع حقيقة هو اللّه تعالى.
وفي نسخة: بما شرعه الله، أي: ما جاء به رسوله وبلغه، لقوله: ﴿بلغ ما أُنزل إليك من
ربك﴾ [المائدة/٦٧]، فمآلهما واحد، لكن الأولى أنسب بما الكلام فيه، (حتى لا يجد في نفسه حرجًا
مما قضی)، أي: ضيقًا أو شكًا.
(قال اللّه تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون﴾،) لا مزيدة للتأكيد، ونفي لما تقدمها، أي:
ليس كما زعموا أنهم آمنوا بما أنزل إليك، وما أنزل من قبلك، وقيل: لا الثانية زائدة، والقسم
معترض بين حرفي النفي (﴿حتى يحكموك﴾،) أي: يرجعوا لحكمك ويرضوا به (﴿فيما شجر
بينهم﴾) من المشاجرة، وهي المخاصمة، وأصل معناه الاختلاط، ومنه الشجر لتداخل أغصانه
واختلاطها، (﴿ثم لا يجدوا في أنفهسم حرجًا مما قضيت﴾) ضيقًا مما حكمت به، أو من
حكمك أو شكا من أجله، فإن الشاك في ضيق من أمره (﴿ويسلموا تسليمًا﴾﴾ [النساء/٦٥]،
أي: ينقادوا لحكمك، وأكده ليفيد الانقياد ظاهرًا، وباطنًا (فسلب اسم الإِيمان عمن وجد في
صدره حرجًا من قضائه ولم يسلم له،) بقوله: لا يؤمنون.

١٢٥
الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته
اللَّه حلاوة مشربه: في هذه الآية دلالة على أن الإيمان الحقيقي لا يحصل إلا
لمن حكم الله ورسوله عٍَّ على نفسه قولاً وفعلاً، وأخذًا وتركًا، وحبًا وبغضًا،
ويشتمل ذلك على حكم التكليف وحكم التعريف، والتسليم والانقياد واجب على
کل مؤمن في كليهما.
فأحكام التكليف، الأوامر والنواهي المتعلقة باكتساب العباد.
وأحكام التعريف، هو ما أورده عليه من فهم المراد.
فتبين من هذا: أنه لا يحصل لك حقيقة الإيمان إلا بالأمرين الامتثال لأمره،
والاستسلام لقهره.
ثم إنه سبحانه لم يكتف بنفي الإيمان عمن لم يحكم، أو حكم ووجد
(قال شيخ المحققين وإمام العارفين:) جمع عارف، وهو من أشهده الحق نفسه
وظهرت عليه الأحوال والمعرفة، حاله هكذا ذكره الشيخ فالعالم عنده أعلى مقامًا من العارف
خلافًا للأكثر، فإن العالم من أشهده اللّه ألوهيته ولم يظهر عليه حال العلم حاله، وقد قرر ذلك
في الفتوحات وكتاب مواقع النجوم.
وفي نسخ المعرفين: وهي أبلغ، لأنه الدال على ما يوصل إلى ذلك، فيلزم أن يكون عارفًا،
وتلميحًا بقول شيخه المرسي: لأجعلتك سيد الطريقتين، (تاج الدين) أحمد بن محمد بن
عبد الكريم (بن عطاء اللّه الشاذلي) السكندري، ثم المصري، وبها مات سنة تسع وسبعمائة،
ودفن بالقرافة بقرب بني الوفاء، ومن نظمه:
أعندك عن ليلى حديث محرر لا يراده يحيا الرميم وينشر
فعهدي بها العهد القديم وإنني على كل حال في هواها مقصر
(أذاقنا اللّه حلاوة مشربه) في كتاب التنوير في إسقاط التدبير، (في هذه الآية دلالة
على أن الإِيمان الحقيقي لا يحصل إلا لمن حكم اللّه ورسوله عَّ على نفسه قولاً وفعلاً،
وأخذًا وتركًا، وحبًا وبغضًا، ويشتمل ذلك) المذكور (على حكم التكليف وحكم التعريف
والتسليم) مبتدأ، (والانقياد) عطف كائن (على كل مؤمن في كليهما،) أي: حكمي
التكليف والتعريف، (فأحكام التكليف الأوامر والنواهي، المتعلقة باكتساب العباد،) أي: ما دل
على الأحكام المستفادة منهما، إذ الأوامر ليست هي الأحكام التي يأتي بها المكلف، لأنه إنما
يأتي بالمأمور، (وأحكام التعريف هو ما أورده عليه من فهم المراد، فتبين من هذا؛ أنه
لا يحصل لك حقيقة الإيمان إلا بالأمرين: الامتثال لأمره والاستسلام لقهره،) أي: لما قهرك

١٢٦
الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته
الجرح في نفسه، حتى أقسم على ذلك بالربوبية الخاصة برسوله عَ لّه رأفة وعناية
وتخصيصًا ورعاية، لأنه لم يقل: فلا والرب، وإنما قال: ﴿فلا وربك لا يؤمنون
حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾ ففي ذلك تأكيد بالقسم، وتأكيد في القسم،
علمًا منه سبحانه بما في النفوس منطوية عليه من حب الغلبة ووجود النصرة سواء
كان الحق عليها أو لها، وفي ذلك إظهار لعنايته برسوله عَّهِ، إذ جعل حكمه
حكمه، وقضاءه قضاءه، فأوجب على العباد الاستسلام لحكمه، والانقياد لأمره،
ولم يقبل منهم الإيمان بإلهِيَّهِ حتى يذعنوا لأحكام رسوله عَّ له، لأنه كما وصفه به
ربه ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾ [النجم/٣]، فحكمه حكم
اللَّه، وقضاؤه قضاء اللَّه، كما قال: ﴿إِن الذين يبايعونك إنما يبايعون اللَّه﴾ [الفتح/
١٠] وأكد ذلك بقوله: ﴿يد الله فوق أيديهم﴾.
عليه وألزمك به من المطلوبات والمنهيات، (ثم أنه سبحانه لم يكتف بنفي الإِيمان عمن لم
يحكم، أو حكم ووجد الحرج في نفسه،) بل بالغ في ذلك (حتى أقسم على ذلك،) فهو
غاية لمقدر (بالربوبية الخاصة برسوله،) أي: المضافة إليه (عَِّ)) وجعلها خاصة به، لأن الرب
في الأصل بمعنى التربية، وهي تبليغ الشىء إلى كماله شيئًا فشيئًا، وهي وإن كانت شاملة لجميع
العالمين، لكن تربية الحق لحبيبه لا يوازيها تربيته لغيره، لأنه بلغه أعلى الكمالات التي لم ببلغها
لأحد سواه (رأفة وعناية،) اهتمامًا (وتخصيصًا ورعاية، لأنه لم يقل: فلا والرب، إنما قال:
﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾، ففي ذلك تأكيد) لما أخبر به
(بالقسم، وتأكيد في القسم) نفسه، بإضافة ربوبيته إليه، تعظيمًا له وتنويهًا لمقامه، وإنما أكد
بذلك (علمًا منه،) أي: لعلمه (سبحانه بما في النفوس، منطوية عليه من حب الغلبة ووجود
النصرة) على غيرها.
(سواء كان الحق عليها أولها، وفي ذلك إظهار لعنايته برسوله عَّله، إذ جعل حكمه
حكمه، وقضاءه قضاءه)، عطف مساوٍ للإشارة إلى أن مدلول ((يحكموك)) و((قضيت)) واحد،
(فأوجب على العباد الاستسلام لحكمه والانقياد لأمره) عطف تفسير.
قال في الشفاء: يقال: سلم واستسلم وأسلم، إذا انقاد (ولم يقبل منهم الإِيمان بإلهيته)،
أي: بأنه إله، (حتى يذعنوا:) ينقادوا (لأحكام رسوله عَِّ، لأنه كما وصفه به ربه) تبارك
وتعالى، حيث قال، أو قائلاً: ((وما ينطق عن الهوى﴾،) أي: هوى نفسه (﴿إِن﴾) ما (﴿هو إلا
وحي يوحى﴾ فحكمه حكم اللّه، وقضاؤه قضاء اللّه، كما قال: ﴿إن الذين يبايعونك إنما

١٢٧
الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته
وفي الآية إشارة أخرى إلى تعظيم قدره، وتفخيم أمره عَّةٍ. وهي قوله تعالى:
﴿وربك﴾ فأضاف نفسه إليه، كما قال في الآية الأخرى: ﴿كهيعص، ذكر رحمة
ربك عبده زكريا﴾ [مريم/ ١ - ٢] فأضاف الحق سبحانه نفسه إلى محمد علي ﴾،
وأضاف زكريا إليه ليعلم العباد فرق ما بين المنزلتين وتفاوت ما بين الرتبتين.
ثم إنه تعالى لم يكتف بالتحكيم بالظاهر فيكونوا به مؤمنين، بل اشترط
فقدان الحرج- وهو الضيق- من نفوسهم في أحكامه عَّله، سواء كان الحكم بما
يوافق أهواءهم أو يخالفها، وإنما تضيق النفوس لفقدان الأنوار، ووجود الأغيار، فعنه
يكون الحرج وهو الضيق، والمؤمنون ليسوا كذلك، إذ نور الإيمان ملأ قلوبهم
فاتسعت وانشرحت، فكانت واسعة بنور الواسع العليم، ممدودة بوجود فضله
العظيم، مهيآت لواردات أحكامه مفوضة له في نقضه وإبرامه. انتهى.
يبايعون اللّهِ﴾،) لأنه المقصود ببيعته، (وأكد ذلك بقوله ﴿يد الله فوق أيديهم)،) حال
واستئناف مؤكد له على سبيل التخييل، قاله البيضاوي (وفي الآية إشارة أخرى إلى تعظيم
قدره وتفخيم أمره عَّة، وهي قوله تعالى: (﴿وربك)، فأضاف نفسه) تعالى (إليه) عليه
الصلاة والسلام، (كما قال في الآية الأخرى: ﴿کھیعص ذکر رحمة ربك عبده زکریا﴾،
فأضاف الحق سبحانه نفسه) في الآيتين (إلى محمد عَّة(،) فقال في الأولى: وربك، وفي
الثانية: ربك، (وأضاف زكريا إليه،) لأنه بدل من عبده أو بيان له، فكان المعنى: ذكر رحمة
ربك زكريا، الذي هو عبده، (ليعلم) (بضم التحتية وسكون العين وكسر اللام) اللّه (العباد،
فرق ما بين المنزلتين،) منزلة نبينا ومنزلة زكريا، فإن في إضافة رب إلى المصطفى غاية
التعظيم، (وتفاوت ما بين الرتبتين) عطف تفسير، فالرتبة لغة المنزلة والمكانة، (ثم أنه تعالى لم
يكتف بالتحكيم بالظاهر، فيكونوا به مؤمنين، بل اشترط فقدان الحرج، وهو الضيق من
نفوسهم في أحكامه عَّة، سواء كان الحكم بما يوافق أهواءهم أو يخالفها،) والثاني ظاهر،
وأما الأول، فلأنه لا يلزم من كون الحكم موافقًا لهواه أن لا يشق عليه لما في الإِلزام به من
مشقة التكليف المترتب على فعله أو تركه عقوبة لا العفو، ويقرب ذلك أن الرجل قد يهوى زواج
امرأة، لكن يمنعه كثرة نفقتها مثلاً، فإلزامه بتزوجها وإن وافق هواه، لكنه يشق عليه، فإذا أخذها
للأمر ناله حرج في نفسه، (وإنما تضيق النفوس لفقدان الأنوار ووجود الأغيار، فعنه،) أي: عما
ذكر من الأمرين (يكون الحرج، وهو الضيق، والمؤمنون ليسوا كذلك، إذ نور الإِيمان ملأ
قلوبهم فاتسعت والشرحت، فكانت واسعة بنور الواسع) الذي وسع علمه ورحمته كل شىء،

١٢٨
الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته
وقال سهل بن عبد اللَّه: من لم ير ولاية الرسول عَّ ◌ُلّه عليه في جميع
أحواله، ويرى نفسه في ملكه لم يذق حلاوة سنته، لأنه عٍَّ قال: ((لا يؤمن
أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه)).
وروينا عن السيد العارف بالله تعالى الكبير أبي عبد الله القرشي أنه قال:
حقيقة المحبة أن تهب كلك لمن أحببت، ولا يبقى لك منك شيء. انتهى.
فمن آثر هذا النبي الكريم على نفسه، كشف اللَّه له عن حضرة قدسه، ومن
كان معه بلا اختيار ظهرت له خفايا حقائق أسرار أنسه.
أو الغني الذي وسع غناه معاش عباده، ورزقه كافة خلقه، (العليم) لكل معلوم، أو البالغ في
العلم، فعلمه شامل لجميع المعلومات، محيط بها، سابق على وجودها، (ممدودة،) أي: مقواة
في أنفسها (بوجود فضله العظيم) زيادة على إشراقها بأنوار قدسه، مأخوذ من مد الجيش وأمده
إذا زاده وقواه، (مهيآت لواردات أحكامه،) وهي ما يرد على القلب من الخواطر المحمودة من
غير عمل العبد، وتطلق أيضًا على كل ما يرد على القلب، سواء كان وارد قبض، أو بسط، أو
حزن، أو فرح، أو غير ذلك من المعاني، قاله الكاشي: (مفوضة له في نقضه وإبرامه انتهى)
كلام ابن عطاء الله.
(وقال سهل بن عبد اللّه) التستري: (من لم يرَ،) أي: يعلم ويتيقن (ولاية الرسول عَل(،)
بفتح الواو وكسرها نفوذ حكمه وسلطانه (عليه في جميع أحواله،) بأن لا يخالفه في أمر من
الأمور، (ويرَ نفسه في ملكه،) بكسر الميم حتى كأنه مملوكه، (لم يذق حلاوة سنّته، لأنه
قال: لا يؤمن أحد کم،) أي: لا یکمل إيمانه (حتى أكون أحب إليه من نفسه،) فإنه يدل
على تلذذه بالاقتداء به، وإنما يلتذ بذلك إذا أحبه، فإن المحب لا يخالف محبوبه، فيترك مراده
لمراده وبهذا دل على الأحبية، وطابقت العلة معلولها.
(وروينا عن السيد العارف باللّه تعالى، الكبير) محمد بن أحمد بن إبراهيم (أبي عبد الله
القرشي،» الأندلسي، ثم المصري، ثم المقدسي، وبه توفي سنة تسع وتسعين وخمسمائة،
والدعاء عند قبره مجاب، ولقي نحو ستمائة شيخ، وجد واجتهد، وأخذ عنه كثيرون، وله
كرامات؛ (أنه قال: حقيقة المحبة أن تهب كلك لمن أحببت، ولا يبقى لك منك شىء.
انتهى).
وهو من ثمراتها وعلاماتها، (فمن آثر هذا النبي الكريم على نفسه) بأن قدم ما فيه
رضاه، بامتثال أمره واجتناب نهيه، مطمئنًا بقبول ما جاء عنه زيادة على الإِيمان، (كشف اللّه له

١٢٩
الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته
ومن علامات محبته عليه الصلاة والسلام نصر دينه بالقول والفعل، والذب
عن شريعته، والتخلق بأخلاقه في الجود والإيثار، والحلم والصبر والتواضع وغيرها،
مما ذكرته في أخلاقه العظيمة، وتقدم في كلام العارف ابن عطاء اللَّه مزيد لذلك
قريبًا. فمن جاهد نفسه على ذلك وجد حلاوة الإيمان، ومن وجدها استلذ
الطاعات، وتحمل المشاق في الدين، وآثر ذلك على أغراض الدنيا الفانية يا هذا
أول نقدة من أثمان المحبة بذل الروح فما للمفلس الجبان وسومها بدم المحب يباع
وصلهم تاللَّه ما هزلت فيستامها المفلسون ولا كسدت فينفقها بالنسيئة المعسرون لقد
أسيمت للعرض في سوق من يزيد فلم يرض لها بثمن دون بذل النفوس فتأخر الباطلون
وقام المحبون ينظرون أيهم يصلح أن يكون ثمنًا فدارت السلعة
عن حضرة قدسه،) فصار يعبد اللّه كأنه يراه، (ومن كان معه بلا اختيار) لشىء تميل إليه نفسه،
مخالف لما طلب منه، (ظهرت له خفايا: حقائق أسرار أنسه، ومن علامات محبته عليه
الصلاة والسلام نصر دينه بالقول والفعل،) مجاهدة الكفار لإعلاء كلمة الله (والذب:) (بمعجمة
ـوموحدة) المنع والطرد (عن شريعته) برد ما يخالفها ودفع الشبه الواردة عليها، وتفسير أحاديثه
وبيانها، والانقياد لها، (والتخلق بأخلاقه في الجود،) فقد كان أجود الناس، (والإِيثار) تقديم
الغير عليه في أمور الدنيا، (والحلم، والصبر، والتواضع،) فقد بلغ في كل منها الغاية القصوى،
أفلا أقل من التخلق به في بعضها:
ومتى تفعل الكثير من الخير إذا كنت تاركًا لأقله
(وغيرها مما ذكرته في أخلاقه العظيمة، وتقدم في كلام العارف ابن عطاء الله مزيد
لذلك قريبًا) جدًا فوق هذا، (فمن جاهد نفسه على ذلك وجد حلاوة الإيمان، ومن وجدها
استلذ الطاعات، وتحمل المشاق في الدين، وآثر ذلك على أعراض الدنيا الفانية، يا هذا
أول نقدة من أثمان المحبة بذل الروح).
سئل الجنيد عن العشق، فقال: لا أدري ما هو، لكن رأيت رجلاً أعمى عشق صبيًّا، وكان
الصبي لا ينقاد له، فقال الأعمى: يا حبيبي إيش تريد مني؟، قال: روحك، ففارق روحه حالاً،
(فما للمفلس الجبان) ضعيف القلب (وسومها:) طلب شرائها (بدم المحب، يباع وصلهم)
الأحباب، (تالله ما هزلت:) ضعفت، (فيستامها،) يقال: سام واستام، بمعنى (المفلسون،
ولا كسدت) (بفتحتين)، لم تنفق لقلة الرغبات فيها، (فينفقها:) يروجها (بالنسيئة) التأخير.
(المعسرون) الفقراء، (لقد أسيمت للعرض في سوق من يزيد، فلم يرض لها بثمن دون بذل

١٣٠
الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته
بينهم ووقعت في يد قوم ﴿أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين﴾ [المائدة/
٥٤].
لما كثر المدعون للمحبة طولبوا بإقامة البينة على صحة الدعوى فلو يعطى
الناس بدعواهم لا دعى الخلي حرفة الشجي فتنوع المدعون في الشهود فقيل لا
تثبت هذه الدعوى إلا ببينة ﴿قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم اللَّه﴾ [آل
عمران/٣١] فتأخر أكثرهم وثبت أتباع الحبيب في أفعاله وأقواله وأخلاقه فطولبوا
بعدالة البينة بتزكية ﴿يجاهدون في سبيل اللّه ولا يخافون لومة لائم﴾ [المائدة/
٥٤] فتأخر أكثر المحبين وقام المجاهدون فقيل لهم: أن نفوس المحبين وأموالهم
ليست لهم فهلموا إلى بيعة ﴿إِن اللَّه اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم﴾
[التوبة/١١١] فلما عرفوا عظمة المشتري وفضل الثمن وجلالة من أجرى على يده
عقد التبايع عرفوا قدر السلعة وإن لها شأنًا، فرأوا من أعظم الغبن أن يبيعوها لغيره
بثمن بخس، فعقدوا معه بيعة الرضوان، من غير ثبوت خيار، وقالوا: واللَّه
لا نقيلك ولا نستقيلك، فلما تم العقد وسلموا المبيع قيل لهم: قد صارت
النفوس،) إعطائها بسماحة، (فتأخر البطالون، وقام المحبون ينظرون، أيهم يصلح أن يكون
ثمنًا، فدارت السلعة بينهم، ووقعت في يد قوم أذلة،) عاطفين (على المؤمنين، أعزة) أشداء
(على الكافرين لما كثر المدعون للمحبة، طولبوا بإقامة البينة على صحة الدعوى، فلو
يعطي الناس بدعواهم لادعى الخلي) من المحبة، (حرفة) بالكسر اسم من الاحتراف
الاكتساب (الشجي) الحزين، (فتنوع المدعون في الشهود،) كل بما قدر عليه، فتعارضت
الشهادة، (فقيل: لا تثبت هذه الدعوى إلا ببينة،) بإضافته إلى قوله: (﴿قل إن كنتم تحبون الله
فاتبعوني يحببكم الله﴾ [العمران/٣١]، فتأخر أكثرهم) لعدم اتباعه الكامل، (وثبت اتباع
الحبيب في أفعاله وأقواله وأخلاقه، فطولبوا بعدالة البينة،) المذكورة (بتزكية ﴿يجاهدون
في سبيل اللّه ولا يخافون لومة لائم﴾) فيه، (فتأخر أكثر المحبين) لمشقة الجهاد عليهم،
(وقام المجاهدون، فقيل لهم: إن نفوس المحبين وأموالهم ليست لهم، فهلموا:) أقبلوا
(إلى بيعة ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم﴾) بأن يعذلوها في طاعته، (فلما
عرفوا عظمة المشتري) سبحانه وتعالى، (وفضل الثمن، وجلالة من أجرى على يده) عَـ
(عقد التبايع، عرفوا قدر السلعة) المشتراة، (وأن لها شأنًا:) أمرًا عظيمًا، (فرأوا من أعظم الغبن:
أن يبيعوها لغيره بثمن بخس) ناقص، (فعقدوا معه بيعة الرضوان من غير ثبوت خيار)، بل بثًا،

١٣١
الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته
نفوسكم وأموالكم لنا، رددناها عليكم أوفر ما كانت وأضعافها معها ﴿ولا تحسبن
الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله
من فضله﴾ [آل عمران/١٦٩].
ومن علامات محبته عَّةِ التسلي عن المصائب، فإن المحب يجد في لذة
المحبة ما ينسيه المصائب، ولا يجد من مسها ما يجده غيره، حتى كأنه قد
اكتسى طبيعة ثانية ليست طبيعة الخلق، بل يقوى سلطان المحبة حتى يلتذ بكثير
من المصائب أعظم من التذاذ الخلي بخظوظه وشهواته، والذوق والوجد شاهد
بذلك. فكرب المحبة ممزوج بالحلاوة فإذا فقد تلك الحلاوة اشتاق إلى ذلك
الكرب كما قيل:
تشكي المحبون الصبابة ليتني نُحلت بما يلقون من بينهم وحدي
فكانت لقلبي لذة الحب كلها فلم يلقها قبلي محب ولا بعدي
(وقالوا: واللّه لا نقيلك:) لا نرفع العقد، (ولا نستقيلك:) لا نطلب منك الإقالة، (فلما تم العقد
وسلموا المبيع) للمشتري، (قيل لهم: قد صارت نفوسكم وأموالكم لنا، رددناها عليكم
أوفر:) أزيد (ما كانت، وأضعافها معها ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا، بل
هم أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله﴾) [آل عمران/١٦٩].
وهذا شذا عبقة صوفية على طريقهم في استخراجهم معاني من النصوص بحسب مشربهم
مع بقاء النصوص على مدلولاتها، ولا ضير فيه، أوردها المصنف کعادته تذکیرًا وحثًا على مزيد
الاتباع، (ومن علامات محبته عَّل التسلي:) التصبر (عن المصائب) مع سكون وطيب نفس
بها، ولذا قال أبو زيد: السلو طيب نفس الألف عن ألفه أي: فلا يتأثر بفراقه ولا بالبعد عنه (فإن
المحب يجد في لذة المحبة ما ينسيه المصائب) الشدائد النازلة، (ولا يجد من مسها ما
يجد غيره، حتى كأنه قد اكتسى طبيعة:) خلقة (ثانية ليست طبيعة الخلق) الذي خلق
عليه، (بل يقوي سلطان المحبة حتى يلتذ بكثير من المصائب) التذاذًا (أعظم من التذاذ
الخلي) منها (بحظوظه وشهواته، والذوق) إدراك فهم الشىء، (والوجود شاهد بذلك، فكرب
المحبة،) أي: صاحبها (ممزوج بالحلاوة، فإذا فقد تلك الحلاوة اشتاق إلى ذلك
الكرب،) يعني: أنه لما اعتاده من اللذة التامة وشهود القرب عند المصائب إذا رأى من نفسه
توانيًا، شهد أن سببه انقطاع المصائب عنه، (كما قيل: تشكی) بزنة تفعل (المحبون الصبابة:)
الشوق، أي: أظهروا الشكاية مما أصابهم من ألمها، (ليتني نحلت،) بضم النون وكسر الحاء

١٣٢
الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته
ومن علامات محبته عليه الصلاة والسلام كثرة ذكره، فمن أحب شيئًا أكثر
من ذكره.
ولبعضهم: المحبة دوام الذكر للمحبوب، ولآخر: ذكر المحبوب على عدد
الأنفاس.
ولغيره: للمحب ثلاث علامات: أن يكون كلامه ذكر المحبوب، وصمته
فکرّا فیه، وعمله طاعة له.
وقال المحاسبي: علامة المحبين كثرة الذكر للمحبوب على طريق الدوام،
لا ينقطعون ولا يملون ولا يفترون، وقد أجمع الحكماء على أن من أحب شيئًا
أكثر من ذكره، فذكر المحبوب هو الغالب على قلوب المحبين لا يريدون به بدلاً
ولا يبغون عنه حولاً، ولو قطعوا عن ذكر محبوبهم لفسد عيشهم، وما تلذذ
أعطيت، وضمنه معنى أصبت، فعداه بالباء في قوله: (بما يلقون) من ألم الصبابة (من بينهم
وحدي) منفردًا عنهم، فلا يشاركني منهم أحد، ويحتمل فتح الحاء في نحلت، أي: سقمت
بسبب ما ألاقيه من الصبابة دونهم، (فكانت لقلبي لذة الحب،) المترتبة على حصول المكاره
والمصائب، الناشئة من الحب (كلها، فلم يلقها قبلي محب ولا بعدي،) أي: لم يشاركني
فيها أحد، تقدم عليّ ولا تأخر، (ومن علامات محبته عليه الصلاة والسلام كثرة ذكره) ومنه
الصلاة عليه، وبه علم شرف أصحاب الحديث لكثرة قولهم عَّهِ: (فمن أحب شيئًا أكثر من
ذكره).
كما ورد مرفوعًا، (ولبعضهم المحبة دوام الذكر للمحبوب) هذا من ثمراتها، إلا أنه
حقيقتها، أشار له عياض، (ولآخر،) أي: لبعض آخر المحبة (ذكر المحبوب على عدد
الأنفاس،) وهو بمعنى ما قبله، (ولغيره: للمحب ثلاث علامات: أن يكون كلامه ذکر
المحبوب، وصمته فكرًا فيه، وعمله طاعة له،) والثلاثة علامة المحب الصادق.
(وقال المحاسبي: علامة المحبين كثرة الذكر للمحبوب على طريق الدوام،) لأنه
لا يلزم من الكثرة الدوام، (لا ينقطعون ولا يملون:) يسأمون، (ولا يفترون) عنه، بحيث يصير لهم
کالنفس، لا یشغل عنه شاغل.
(وقد أجمع الحكماء على أن من أحب شيئًا أكثر من ذكره،) وهو حديث مرفوع، رواه
أبو نعيم والديلمي عن عائشة، فالمعنى أجمعوا على العمل به، (فذكر المحبوب هو الغالب
على قلوب المحبين، لا يريدون به بدلاً:) عوضًا، (ولا يبغون:) لا يطلبون (عنه حولاً،) تحولاً

١٣٣
الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته
المتلذذون بشىء ألذ من ذكر المحبوب. انتهى.
فالمحبون قد اشتغلت قلوبهم بلزوم ذكر المحبوب عن اللذات، وانقطعت
أوهامهم عن عارض دوام الشهوات ، ورقت إلى معادن الذخائر وبغية الطلبات،
وربما تزايد وجد المحب، وهاج الحنين وباح الأنين، وتحركت المواجيد، وتغير
اللون، واسترسلت الجوارح، وفتر البدن واقشعر الجلد، وربما صاح، وربما بكى،
وربما شهق وربما وله وربما سقط، ولسيدي محمد وفى:
وإذا أباح دم المهجور هاجره باح المحب بما تخفي ضمائره
لما جرى بالذي تخفي سرائره
أيكتم الحب صب باح مدمعه
كأنما قلبه أجفان مقلته ودمعه في أماقيه خواطره
عليه في حكمه قد جار جائره
يا جيرة الجزع هل من جيرة لفتى
إلى غيره، (ولو قطعوا عن ذكر محبوبهم لفسد عيشهم، وما تلذذ المتلذذون بشىء ألذ من
ذكر المحبوب. انتهى). قول المحاسبي:
(فالمحبون قد اشتغلت قلوبهم بلزوم ذكر المحبوب عن اللذات،) متعلق باشتغلت
(وانقطعت أوهامهم عن عارض دوام الشهوات، ورقت:) ارتفعت (إلى معادن الذخائر،)
بمعجمتين جمع ذخيرة، ا يدخر لوقت الحاجة، (وبغية) (بضم الموحدة ومعجمة) (الطلبات،)
جمع طلبة بزنة كلمة وكلمات، (وربما تزايد وجد المحب، وهاج الحنين:) الشوق، (وباح
الأنين:) الصوت، (وتحركت المواجيد) (بالجيم)، (وتغير اللون، واسترسلت الجوارح، وفتر
البدن، واقشعر الجلد:) أخذته قشعريرة، أي: رعدة، (وربما صاح، وربما بكى، وربما شهق،)
بفتح الهاء ردد نفسه مع سماع صوته، (وربما وله،) بكسر اللام، وفي لغة قليلة بفتحها ذهب
عقله (وربما سقط،) وكل ذلك من الأحوال الواردة عليه، (ولسيدي محمد وفى،) العارف،
الكبير العلم الشهير، مر بعض ترجمته:
(إذا أباح دم المهجور هاجره باح المحب بما تخفي ضمائره)
أيكتم الحب صب باح مدمعه لما جرى بالذي تخفي سرائره)
لما بالفتح والتشديد، أي: حين، والاستفهام بمعنى النفي، أي: لا يمكنه ذل
(كأنما قلبه أجفان مقلته ودمعه في أماقيه خواطره
يا جيرة الجزع هل من جيرة لفتى عليه في حكمه قد جار جائره
جيرة جمع جار، وهو الذي يجير غيره، أي: يؤمنه مما يخاف، ويجمع أيضًا على جيران

١٣٤
الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته
آه وكم لي على خطب الهوى خطب من الغرام به تعلو منابره
مهفهف أبلج بدر على غصن تخفى البدور إذا لاحت بوادره
مطرز الخد بالريحان في ضرج
مورد آسه تزهو زواهره
مكمل الخلق ما تحصى خصائصه منضر الحسن قد قلت نظائره
وربما زاد الوجد على المحب فقتله.
ومن علامات محبته عليه الصلاة والسلام تعظيمه عند ذكره، وإظهار
الخشوع والخضوع والانكسار مع سماع اسمه، فكل من أحب شيئًا خضع له،
وأجوار، ويوجد في نسخة: هلا جيرة، بالفتح والتشديد حرف تحضيض:
(آه وكم لي على خطب الهوى خطب من الغرام به تعلو منابره)
آه بالمد وكسر الهاء كلمة توجع، أي: وجعي عظيم وتندمي زائد، وخطب: بفتح فسكون
أمر شديد ينزل، جمعه خطوب وخطب، بضم، ففتح جمع خطبة بالضم والغرام الولوع:
(مهفهف أبلج بدر على غصن تخفي البدور إذا لاحت بوادره)
مهفهف، أي: خميص البطن، دقيق الخصر، وأبلج: بموحدة وجيم واضح الجبين،
والبوادر: جمع بادرة بموحدة اللحمة بين المنكب والعنق، ومن الإِنسان اللحمتان فوق الرغثاوین،
كما في القاموس:
(مطرز الخد بالريجان في ضرج، مورد آسه تزهو زواهره)
ضرج بفتح المعجمة والراء وجيم، أي: حمرة، وذكر المصنف في المقصد الثالث باللام
ثلاثة أبيات، هي:
جسبينه مشرق من فوق طرته يتلو الضحى ليله والليل كافره
بالمسك خطت على كافور جبهته من فوق نونانها سينا ضفائره
والثالث قوله هنا:
(مكمل الخلق ما تحصى خصائصه منضر الحسن قد قلت نظائره)
قلت: أي: عدمت، فإن قل يستعمل بمعنى النفي، كقل رجل يقول كذا، أي: ما يقوله،
(وربما زاد الوجد على المحب فقتله،) ويقع في نسخ هنا أول نقدة من إيمان المحبة، إلى قوله
أعزة على الكافرين، وهي محض تكرار، (ومن علامات محبته عليه الصلاة والسلام تعظيمه
عند ذكره،) بالثناء عليه بما هو أهله، وكثرة الصلاة عليه عَّهِ، (وإظهار الخشوع والخضوع:)
الذلة والاستكانة، عطف تفسير للخشوع (والانكسار:) التواضع والتذلل، (مع سماع اسمه،)

١٣٥
الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته
كما كان كثير من الصحابة بعده إذا ذكروه خشعوا واقشعرت جلودهم وبكوا،
وكذلك كان كثير من التابعين فمن بعدهم يفعلون ذلك محبة له وشوقًا إليه وتهيبًا
وتوقیًا .
قال أبو إبراهيم التجيبي: واجب على كل مؤمن متى ذكره، أو ذكر عنده،
أن يخضع ويخشع ويتوقر ويسكن من حركته، ويأخذ في هيبته وإجلاله، بما كان
يأخذ به نفسه ويلزمها لو كان بين يديه، ويتأدب بما أدبنا الله به.
وكان أيوب السختياني إذا ذكر النبي عَّم عنده بكى حتى نرحمه.
والثلاثة المذكورة من عطف الأخص على الأعم لدخول كل منها في تعظيمه، (فكل من أحب
شيئًا خضع له، كما كان كثير من الصحابة بعده، إذا ذكروه خشعوا،) أي: أظهروا الخشوع
والتذلل، استدلال على ما قبله وتمثيل له، (واقشعرت جلودهم:) أخذتها رعدة، (وبكوا) حزنًا
لفراقه وشوقًا للقائه، (وكذلك كان كثير من التابعين) لهم بإحسان، (فمن بعدهم يفعلون ذلك)
المذكور، أي: يتصفون به، أو نسب الفعل إليهم مجازًا، وإلا فالخشوع ونحوه ليس من فعلهم،
(محبة له وشوقًا إليه،) تمييزًا ومفعول له، أي: من محبته وشوقه، أو لأجلهما، (وتهيبًا:) خوفًا
من التقصير في حقه، (وتوقيرًا:) إجلالاً وتكريمًا.
(قال أبو إبراهيم:) إسحق بن إبراهيم الإمام في الحديث، (التجيبي،) بضم التاء عند
المحدثين وكثير من الأدباء، وفتحها غيرهم وبكسر الجيم وتحتية ساكنة وموحدة نسبة إلى
تحبيب قبيلة من كندة، (واجب على كل مؤمن متى ذكره) عَّ﴾ (أو ذكر عنده،) وسمعه
وخصه، لأن الكافر لا يجب عليه، أو يجب بناءً على خطابه بفروع الشرع، بمعنى عقابه في
الآخرة، (أن يخضع) بيدي التذلل والاستكانة وخفض الجناح، (ويخشع،) وهو ويخضع
متقاربان، كما قاله الراغب، وقيل: الخشوع أعم، لأنه يوصف به القلب والجماد، كترى الأرض
خاشعة، ولا يخفى أنه مجاز، لا يدل على مدعاه، (ويتوقر) أي: يحاول اتصافه بالوقار الحلم
والرزانة (ويسكن من حركته، ويأخذ:) يشرع (في هيبته:) إظهار مهابته عنده، (وإجلاله) تعظيمه
حق تعظيمه (بما كان يأخذ به نفسه،) أي: يكافئها (ويلزمها) مفعول يأخذ، أو وتأكيد للضمير
في به (لو كان بين يديه) عَُّ حاضرًا في مجلسه، فيفرض ذلك، ويلاحظه ويتمثله، حتى كأنه
عنده، (ويتأدب بما أدبنا اللّه به))) مثلاً، لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم الآية: ﴿ولا ترفعوا
أصواتكم﴾ [الحجرات/٢]، وغيرهما مما تقدم لدخوله في عمومه، وإطلاقه وإن لم يكن صريحًا
في القرآن، (وكان أيوب) بن أبي تميمة كيسان (السختياني،) بفتح المهملة، وإسكان
المعجمة، وكسر الفوقية وفتحها، وفتح التحتية، فألف، فنون نسبة إلى السختياني، وهو جلود

١٣٦
الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته
وكان جعفر بن محمد كثير الدعاية والتبسم، وإذا ذكر عنده النبي عَّه.
اصفر لونه.
وكان عبد الرحمن بن القسم إذا ذكر النبي عَّهِ ينظر إلى لونه كأنه قد نزف
منه الدم، وقد جف لسانه في فمه هيبة لرسول عليـ
وكان عبد الله بن الزبير إذا ذكر عنده النبي عَّه بكى حتى لا يبقى في
الضأن أبو بكر البصري، ثقة، ثبت، حجة، من كبار الفقهاء العباد، مات سنة، إحدى وثلاثين
ومائة وله خمس وستون سنة (إذا ذكر النبي عَُّلّة عنده بكى) خوفًا من تقصيره في اتباعه
ولإِجلاله، ويذكر مهابته حتى كأنه يراه (حتى نرحمه) أي: ترق قلوبنا رحمة له لما حصل له من
كثرة التعب، وهذا قول لملك، ففي الشفاء قال الملك: وقد سئل عن أيوب السختياني، ما حدثتكم
عن أحد إلا وأيوب أفضل منه، وحج حجتين، فكنت أرمقه ولا أسمع منه غير أنه كان إذا ذكر
النبي عَّةٍ بكى حتى أرحمه، فلما رأيت منه ما رأيت وإجلاله للنبي عَ لّ. كتبت عنه.
وقال مصعب بن عبد اللّه: كان لملك إذا ذكر النبي عَّم يتغير لونه حتى يصعب على
جلسائه، فقيل: له في ذلك، فقال: له في ذلك، فقال: لو رأيتم ما أنكرتم على ما ترون، لقد
رأيت محمد بن المنكدر، وكان سيد القراء، لا نكاد نسأله عن حديث إلا يبكي حتى نرحمه،
ولقد كنت أرى جعفر بن محمد، فاختصر هذا بقوله: (وكان جعفر الصادق (بن محمد)
الباقر بن زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (كثير الدعابة) بضم الدال وعين
مهملتين، فألف، فموحدة: ما يستحلي من المزاح (والتبسم،) أقل الضحك، (و) مع ذلك، (إذا
ذكر عنده النبي عَّ اصفر لونه) مهابة وإجلالاً.
قال الملك: وما رأيته يحدث عن رسول اللّه عَبد إلا على طهارة، ولقد اختلفت إليه زمانًا
وما كنت أراه إلا على ثلاث خصال، إما مصليًا، وإما صامتًا، وإما يقرأ القرآن، وكان من العلماء،
ومن العباد الذين يخشون اللّه تعالى، (و) لقد (كان عبد الرحمن بن القسم) بن محمد بن أبي
بكر الصديق، (إذا ذكر النبي عَّةٍ ينظر إلى لونه كأنه قد نزف،) (بفتحتين) خرج (منه الدم)
بكثرة، وفي النسيم نزف مبني للمجهول، أي: سال فيه تسمح أو تقدير، إذ اللون لا ينزف،
والمراد أنه سال دمه فاصفر صفرة مفرطة، لأن حمرة البشرة بما تحتها من الدم، وتوهم بعضهم إن
معناه احمر خجلاً، اعترض بأن المناسب لقوله (وقد جف لسانه في فمه) الإصفرار لا الإِحمرار،
ثم قال: ولعله يحصل له حالة خجل، ثم حالة خوف، وهو من عدم التأمل، فجفاف اللسان
بذهاب ريقه لخوفه (هيبة لرسول اللّه عَّةٍ،) مفعول له لما قبله، وقيل: لمقدر ليتحد فاعلاهما،
ولا حاجة إليه وإن جاز، (وكان عبد الله بن الزبير،) الذي في الشفاء عن لملك، ولقد كنت آتي

١٣٧
الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته
عينيه دموع.
وكان الزهري من أهنأ الناس وأقربهم، فإذا ذكر عنده النبي عَ لّه فكأنك ما
عرفته ولا عرفك.
وكان صفوان بن سليم من المتعبدين المجتهدين، فإذا ذكر عنده النبي عَّه.
بکی، فلا يزال بيكي حتى تقوم الناس عنه ويتركوه.
وكان قتادة إذا سمع الحديث يقرأ عنده أخذه العويل والبكاء والزويل.
أشار إلى ذلك القاضي عياض.
ومن علامات محبته عَّهِ كثرة الشوق إلى لقائه، إذ كل حبيب يحب لقاء
عامر بن عبد الله بن الزبير، فـ(إذا ذكر عنده النبي عَّ بكى حتى لا يبقى في عينيه دموع)
لبكائه شديدًا، (وكان الزهري) محمد بن مسلم بن عبيد اللّه بن عبد الله بن شهاب، ولفظ
ملك: ولقد رأيت الزهري، وكان (من أهنأ الناس،) أي: أشدهم هناءً، أي: سهولة، وحسن
خلق، ولين عريكة، مستعار من هنؤ الطعام إذا ساغ وسهل، (وأقربهم) إلى الناس بحسن تودده
إليهم، ومع ذلك، (فإذا ذكر عنده النبي عَّهِ، فكأنك ما عرفته ولا عرفك،) لدهشته وحيرته
وإعراضه عمن عنده، وذهوله عن معرفته لاشتغال قلبه وحواسه بالفكر، لإِجلاله وتعظيمه، (وكان
صفوان بن سليم،) بضم السين المدني أبو عبد الله الزهري، مولاهم، ثقة، مفت، عابد، من
رجال الجميع، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة وله اثنتان وسبعون سنّة، ولفظ لملك ولقد كنت آتي
صفوان بن سليم، وكان (من المتعبدين،) المكثرين للعبادة، المداومين عليها، (المجتهدين) في
العبادة المجدين فيها، ووصل إلى رتبة الاجتهاد في الأحكام، لزيادة فضله وعلمه بالسنة، (فإذا
ذكر عند النبي عَّه بكى، فلا يزال يبكي حتى تقوم الناس عنه، ويتركوه) لاتصال بكائه
وصوله.
وذكر لملك: هؤلاء من شيوخه، لبيان أنه اقتدى بهم واهتدى بهديهم، وإن حاله لم يصل
لحالهم، فلا يتعجب منه، (وكان قتادة) ابن دعامة التابعي، المفسر الشهير، (إذا سمع الحديث
يقرأ عنده أخذه،) أي: عرض له واستولى عليه، حتى كأنه أخذه (العويل،) بعين مهملة الصراخ
(والبكاء، (والزويل:) بفتح الزاي وكسر الواوا القلق والانزعاج لخوفه.
وفي القاموس: أخذه العويل والزويل، أي: الحركة والبكاء، (أشار إلى ذلك القاضي
عياض،) أي: ذكره مطولاً، كما علم، (ومن علامات محبته عَلّ كثرة الشوق) أي: منازعة
النفس وميلها (إلى لقائه،) أما في حياته فظاهر، وأما بعد وفاته، فإلى لقائه في الآخرة ومشاهدة

١٣٨
الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته
حبيبه. ولبعضهم: المحبة الشوق إلى المحبوب، وعن معروف الكرخي: المحبة
ارتياح الذات لمشاهدة الصفات، أو مشاهدة أسرار الصفات، فيرى بلوغ السول
ولو بمشاهدة الرسول. ولهذا كانت الصحابة رضى اللَّه عنهم إذا اشتد بهم الشوق
وأزعجهم لواعج المحبة قصدوا رسول اللَّه عَّلِ واستشفعوا بمشاهدته، وتلذذوا
بالجلوس معه والنظر إليه والتبرك به عَ ليه.
ذاته، أو في المنام، رزقنا اللّه ذلك، (إذ كل حبيب،) أي: محب (يحب لقاء حبيبه،) أي:
محبوبه، ففعيل يأتي بمعنى اسم الفاعل والمفعول، (ولبعضهم المحبة الشوق إلى المحبوب،)
بأن يدعوه قلبه ونفسه دائمًا إلى قربه، ويحثه على لقائه.
(وعن معروف) بن فيروز (الكرخي): نسبة إلى كرخ بغداد، من المشايخ الكبار، شيخ
السلسلة، أستاذ السري السقطي، وكان ابن حنبل وابن معين يختلفان إليه ويسألانه، ولم يكن في
علم الظاهر مثلهما، فيقال لهما: مثلكما يفعل ذلك، فيقولان: كيف نفعل إذا جاءنا أمر لم نجده
في كتاب اللّه ولا سنّة رسوله، وقد قال عَُّلّم: سلوا الصالحين، كان أبواه نصرانيين، فسلماه
للمعلم طفلاً، فقال: قل ثالث ثلاثة، فيقول: بل هو إله واحد، فضرباه ضربًا مبرحًا، فهرب
وأسلم، وهو من موالي علي بن موسى الرضى، وأسند الحديث،، عن جمع، وكان مجاب
الدعوة، وكراماته وفوائده كثيرة، وكان يهدي إليه طيبات الطعام فيأكل، فقيل له: إن أخاك بشرًا
الحافي لا يأكل، فقال: أخي قبضه الورع، وأنا بسطتي المعرفة، إنما أنا ضيف في دار مولاي،
مهما أطعمني أكلت، مات سنة مائتين، وقيل: إحدى ومائتين، والدعاء عند قبره ببغداد مجرب
الإِجابة، يقال: من قرأ عنده مائة مرة ﴿قل هو الله أحد﴾،) وسأل الله ما يريد قضيت حاجته،
ومثله إذا وقف الزائر بين قبري أشهب وابن القسم بالقرافة، ويقرأ: ﴿قل هو الله أحد﴾ مائة مرة،
ويدعو متوجه القبلة، فيستجاب له، (المحبة ارتياح الذات لمشاهدة الصفات،) أي:
استحضارها، وتأمل معانيها، (أو مشاهدة أسرار الصفات،) وهي ما ينشأ عنها من الآثار البديعة،
(فيرى بلوغ،) أي: وصول (السول،) أي: المسؤول: فعل بمعنى مفعول، كخبز بمعنى مخبوز،
وأكل بمعنى مأكول، (ولو بمشاهدة الرسول) للمحبوب الذي أرسله إلى محبه.
(ولهذا كانت الصحابة رضي اللّه عنهم إذا اشتد بهم الشوق) إلى الحق، (وأزعجهم
لواعج،» بلام فواو فألف فعين فجيم، أي: الحرارات الحاصلة بسبب (المحبة) لله سبحانه،
(قصدوا رسول اللّه عَّالم. واستشفعوا بمشاهدته) من ألم هذه الحرارات، (وتلذذوا بالجلوس معه
والنظر إليه،) وإن لم يحدوا فيه النظر، لمهابته (والتبرك به عٌَّ)، لأنه رسول محبوبهم، فبلغوا
المسؤول بمشاهدته.

١٣٩
الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته
وعن عبدة بنت خالد بن معدان أنها قالت ما كان خالد يأوي إلى الفراش
إلا وهو يذكر من شوقه إلى رسول اللَّه عٍَّ وإلى أصحابه من المهاجرين والأنصار
يسميهم بأسمائهم ويقول: هم أصلي وفصلي، وإليهم يحن قلبي، طال شوقي
إليهم، فعجل يا رب قبضي إليك حتى يغلبه النوم.
(وعن عبدة،) بفتح العين المهملة، وسكون الموحدة، ودال مهملة، قال البرهان الحلبي:
لا أعرفها، وفي الصحابة عبدة بنت صفوان، ذكرها الحاكم، قلت: هذه ليست بصحابية قطعًا،
فإن أباها ليس صحابيًّا، ولا من كبار التابعين، بل من أواسطهم (بنت خالد بن معدان،) بفتح،
فسكون الكلاعي، الخمصي أبي عبد الله، ثقة، روى له الستة، ذكر أنه لقى سبعين صحابياً،
وكان يسبح كل يوم أربعين ألف تسبيحة سوى ما يقرأ مات سنة ثلاث أو أربع ومائة؛ (أنها
قالت: ما كان خالد،) تعني أباها (يأوي إلى الفراش،) إذا أراد النوم ليلاً، وخصت هذا الوقت،
لأن المرء يتذ کر فیه من يهواه غالبًا، كما قيل:
نهاري نهار الناس حتى إذا أتى لي الليل هزتني إليك المضاجع
(ألا وهو يذكر من شوقه)) أي: بعض شوقه (إلى رسول اللّه عَّة) استثناء من أعم
الأحوال، أي: لم يكن له غير هذه الحال، والمراد أنه يذكر أشياء كثيرة تحمله على الميل إليه،
ويذكر ما به من الألم والمشقة، الحاصلة ببعده عنه وعدم ملاقاته عَّله، (وإلى أصحابه،) أي:
المصطفى، أو خالد، لأنه لقي سبعين (من المهاجرين والأنصار، يسميهم،) أي: بأن يعددهم
(بأسمائهم، ويقول: هم أصلي،) أي: حسبي عند الكسائي، أو آبائي عند ثعلب، والمعنى: هم
أصلي الذي أعتمد عليه في مهماتي، وآبائي الذين أفتخر بهم بأبوتهم لي، (وفصلي) لساني
الذي أتكلم به في بيان مرادي، ومخاطباتي، وفروعي الذين أتقوى بهم في دفع المضار عني،
فالفصل اللسان عند الكسائي، والولد عند ثعلب، (وإليهم) لا إلى غيرهم (يحن،) بفتح فكسر
يميل (قلبي، طال شوقي إليهم) لبعد عهدي بهم، (فعجل يا رب قبضي:) موتي (إليك) حتى
ألقاهم، ولا يزال يردد ذلك (حتى يغلبه النوم) أي: ينام ويستغرق، فيترك قوله: وليس هذا من
تمنى الموت المنهي عنه، فإن من أحب اللّه ورسوله، وتمناه لأجل لقائه والاستراحة من الدنيا
وغمها، ليس من هذا، كما قال في الفتوحات.
وقال الحكيم الترمذي: تمنى الموت ثلاثة أقسام، عبد اقترب إلى ربه في منازل القرب لما
تطهر من أدناس الشهوات وكدورات الأخلاق، فكلما اقترب ازداد شوقًا، فتمنى الموت، والثاني:
عبد رأى نعمة اللّه عليه في دينه شاملة لكل خير، فخاف زوالها لما رأى من نفس خادعة وعدولاً
يألوه خبالاً، فتمنى الموت رجاء أن يجوز ذلك لنفسه في لحده، فهذان محمودان، وارد عن

١٤٠
الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته
ولما احتضر بلال نادت امرأته، واحَرَباه، فقال: واطرباه، غدًا ألقى الأحبة،
محمدًا وصحبه.
وإذا ذاق المحب طعم المحبة اشتاق وتأججت نيران الحب والطلب في
قلبه، ويجد الصبر عن محبوبه من أعظم كبائره كما قيل:
والصبر يحمد في المواطن كلها إلا عليك فإنه مذمومٍ
وعن زيد بن أسلم: قال خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلة يحرس
الصحابة كسلطن، إذ قال: أحب الموت اشتياقًا، وقول ابن مسعود أحب الموت لأني لا أدري ما
ينزل بي، فأخاف على ديني، والأول: قول صديق، والثاني: قول صادق، والحظ لصاحبه فيهما،
والثالث: عبد تربى في رفاهية عيش، ونقل نعمة، ثم انقلب عليه الزمان، وعضته النوائب، فعيل
صبره وتمنى الموت وهذا مذموم.
ولذا جاء في الحديث: لا يتمنى أحدكم الموت، لضر نزل به، وقول مريم: يا ليتني مت
قبل هذا، فلخبر مضى، ولذا لم تقل: الآن، فهو لأمر ديني رجاء أن لا يزول لما رأت فتنة تموج،
وذلك لما أتهموا زكريا وهموا بقتلة، فجاءها النداء والبشرى، فصدقت بكلمات ربها، وسميت
صديقة انتهى.
(ولما احتضر بلال،) أي: حضرته الملائكة لقبض روحه، (نادت امرأته:) صاحت بأعلى
صوتها: (واحرباه،) بفتح الحاء والراء المهملتين، وموحدة من الحرب، بفتحتين النهب، فكأنها
لتفجعها نهبت وسلبت، وبفتح الحاء والزاي المنقوطة ونون، وبضم الحاء وسكون الزاي، وبفتح
الحاء وإسكان الواو وموحدة، أي: أثماه وألماه بشدة جزعها روايات، كما تقدم، (فقال:
واطرباه،) أي: فرحاه (غدا ألقى الأحبة محمدًا وصحبه،) المتقدم وحزبه، وهو الذي في
الشفاء، (وإذا ذاق المحب طعم المحبة اشتاق) إلى لقاء المحبوب، (وتأججت،) هاجت
وتلهبت (نيران الحب والطلب) لمحبوبه (في قلبه، ويجد صبره عن محبوبه من أعظم
كاثره، كما قيل:)
والصبر يحمد في المواطن كلها إلا عليك فإنه مذموم
وفي نسخة: فإنه لا يحمد، والأولى أبلغ، لأن لا يحمد، يشمل ما لا حسن فيه ولا قبح،
بخلاف مذموم، فالصبر عليه قبيح لما فات بسببه من النفع العام له ولغيره.
(وعن زيد بن أسلم) العدوي، مولاهم المدني، ثقة، عالم، من رجال الجميع، مات سنة
ست وثلاثين ومائة، (قال: خرج عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ليلة يحرس) الناس على عادة