النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته
سبقت لهذا العبد العناية خرجت له العطايا من خزائن المنن، فلما واصلته أمداد اللَّه
وأنواره عوفي قلبه من الأمراض والأسقام، فكان سليم الإدراك، فأدرك لذاذة الإيمان
وحلاوته لصحة إدراكه وسلامة ذوقه. وقوله علَّةٍ: وبالإسلام دينًا لأنه إذا رضي
بالإسلام دينًا فقد رضي مما رضي به المولى، ولازم من رضي بمحمد نبيًا أن
يكون له وليًا، وأن يتأدب بآدابه ويتخلق بأخلاقه زهدًا في الدنيا وخروجًا عنها،
وصفحًا عن الجناة وعفوًا عمن أساء إليه، إلى غير ذلك من تحقيق المتابعة قولاً
وفعلاً، وأخذًا وتركًا، وحبًا وبغضًا، فمن رضي باللّه استسلم له، وانقاد ومن رضي
بالإسلام عمل له، ومن رضي بمحمد عَِّ تابعه، ولا يكون واحد منها إلا بكلها،
إذ محال أن يرضى باللَّه ربًا ولا يرضى بالإسلام دينًا، أو يرضى بالإسلام دينًا ولا
يرضى بمحمد نبيًّا، وتلازم ذلك بيّ لا خفاء فيه. انتهى ملخصًا.
واعلم أن محبة اللَّه تعالى على قسمين: فرض وندب.
فالفرض: المحبة التي تبعث على امتثال الأوامر والانتهاء عن المعاصي،
العمل، (وإذا كان له الرضا من اللّه أوجده اللّه حلاوة ذلك، ليعلم ما من) (بشد النون): أُنعم
(به عليه، وليعلم إحسان اللّه عليه،) فيزداد شكره، فيزيد ثوابه، (ولما سبقت لهذا العبد
العناية) الحفظ (خرجت له العطايا من خزائن المنن،) جمع منة، (فلما واصلته أمداد اللّه:)
زياداته (وأنواره عوفي قلبه من الأمراض والأسقام): الأمراض المهلكة، (فكان سليم الإدراك،
فأدرك لذاذة الإِيمان وحلاوته، لصحة إدراكه وسلامة ذوقه،) مما يغير طعمه عليه، (وقوله معَّةٍ:
وبالإِسلام دينًا، لأنه إذا رضي بالإِسلام دينًا فقد رضي مما رضي به المولى) تبارك وتعالى،
كما قال: ورضيت لكم الإسلام دينًا، (ولازم من رضي بمحمد نبيًّا أن يكون له وليًّا،) مواليًا،
(وأن يتأدب بآدابه، ويتخلق بأخلاقه زهدًا في الدنيا وخروجًا عنها، وصفحًا عن الجناة)
(بضم الجيم جمع جان، أي: المذنبين ذنبًا يؤاخذ به، (وعفوًا عمن أساء إليه، إلى غير ذلك
من تحقيق المتابعة قولاً وفعلاً وأخذًا وتركًا وحًا وبغضًا، فمن رضي باللّه استسلم له وانقاد،
ومن رضي بالإِسلام عمل له، ومن رضي بمحمد عَّ) رسولاً (تابعه) متابعة تامة، (ولا يكون)
لا يوجد (واحد منها إلا بكلها إذا محال أن يرضى باللّه ربًا ولا يرضى بالإِسلام دينًا أو يرضى
بالإِسلام دينًا ولا يرضى بمحمد نبيًّا، وتلازم ذلك بين لا خفاء فيه. انتهى ملخصًا) كلام ابن
عطاء الله.
(واعلم أن محبة الله تعالى،) كما نقله في فتح الباري عن بعضهم (على قسمين فرض

١٠٢
الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته
والرضى بما يقدره، فمن وقع في معصية من فعل محرم أو ترك واجب فلتقصيره
في محبة الله، حيث قدم هوى نفسه، والتقصير يكون مع الاسترسال في المباحات
والاستكثار منها، فيورث الغفلة المقتضية للتوسع في الرجاء فيقدم على المعصية،
أو تستمر الغفلة فيقع، وهذا الثاني يسرع إلى الإقلاع مع الندم.
والندب: أن يواظب على النوافل ويجتنب الوقوع في الشبهات، والمتصف
بذلك عموم الأوقات والأحوال نادر.
وفي البخاري من حديث أبي هريرة عن النبي عَِّ فيما يروى عن ربه تعالى
وندب، فالفرض المحبة التي تبعث على امتثال الأوامر) المفيدة للفرضية، وأطلقها، لأن
إطلاقها على غير الواجب مجاز، كما حققه المحلى لا مشترك، (والانتهاء عن المعاصي
والرضى بما يقدره،) أي: بقدره أن حمل على التقدير الأزلي، أو يقدره حالاً ومآلاً أن حمل على
التعلق التنجيزي والصلوحي، (فمن وقع في معصية من فعل محرم أو ترك واجب،) عبر عن
الأمرين المتقدمين بواحد، وأن تحته فردين إشارة إلى تلازمهما، وإن اختلفا بحسب المفهوم، وما
صدقهما، إذ الأول هو الفعل الذي طلبه الشارع طلبًا حازمًا، والثاني الفعل الذي نهى عنه نهيًا
جازمًا، (فلتقصيره في محبة اللّه حيث قدم هوى نفسه) حيثية تعليل، فهو تعليل للتعليل، فإن
قيل: يلزم عليه تعليل الشىء بنفسه، لأن المعنى: أن الوقوع في المعصية سببه فعلها، الذي هو
اتباع هوى نفسه، فالجواب أنه دفع ذلك بقوله: (والتقصير يكون مع الاسترسال في المباحات
والاستكثار منها،) ووجه الدفع أن التقصير الذي هو سبب العصيان ليس ناشئًا عن اتباع هوى
نفسه، الذي هو المعصية فقط، إذ هواها لا يختص بالمعصية، فيحمل على أمر مباح ليصح
مغايرة السبب للمسبب، (فيورث) ذلك الاسترسال والاستكثار (الغفلة) عما يحمله على امتثال
الأمر واجتناب النهي، لغفلته عن الرغبة في الثواب والخوف من العقاب، (المقتضية للتوسع في
الرجاء) لرحمة اللّه، كأن يقوم في نفسه أنه وإن أكثر من الشبهات لا يناله مكروه، (فيقدم)
بذلك، أي: يجترىء (على المعصية) ويرجو المغفرة.
زاد في الفتح: (أو تستمر الغفلة فيقع، وهذا الثاني يسرع إلى الإقلاع مع الندم)، وإليه يشير
حديث: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، (والندب أن يواظب على النوافل ويجتنب الوقوع
في الشبهات،) وهي ما ليس بواضح الحل والحرمة، مما تنازعته الأدلة وتجاذبته المعاني
والأسباب، فبعضها يعضده دليل الحرام، وبعضها يعضده دليل الحلال، (والمتصف بذلك عموم
الأوقات والأحوال نادر).
زاد الحافظ: وكذا محبة الرسول على قسمين كما تقدم، ويزاد أن لا يتلقي شيئًا من

١٠٣
الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته
أنه قال: ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه - وفي رواية: بشيء أحب
إلي من أداء ما افترضت عليه - ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا
أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها،
ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي، ولئن
سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن
قبض نفس المؤمن، يكره الموت، وأنا أكره مساءته.
المأمورات والمنهيات إلا من مشكلته، ولا يسلك إلا طريقته، ويرضى بما شرعه حتى لا يجد في
نفسه حرجًا مما قضي، ويتخلق بأخلاقه في الجود والإِيثار والحلم والتواضع وغيرها، فمن جاهد
نفسه على ذلك وجد حلاوة الإِيمان، وتتفاوت مراتب المؤمنين بحسب ذلك انتهى.
(وفي البخاري) في الرقائق (من حديث أبي هريرة عن النبي عَّةٍ فيما يروى عن ربه
تعالى أنه قال) لفظه: حدثني محمد بن عثمن بن كرامة، حدثنا خالد بن مخلد حدثنا سليمن بن
بلال، حدثني شريك بن عبد اللّه بن أبي نمر، عن عطاء، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه عَّهِ:
إن اللّه تعالى قال: من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، و (ما تقرب إلى عبدي،) وللكشميهني
عبد (بحذف الياء) (بمثل أداء ما افترضته عليه) عينًا أو كفاية، وظاهره اختصاصه بما ابتدأ اللّه
فرضه، وفي دخول ما أوجبه المكلف على نفسه نظر للتقييد، بقوله: افترضت إلا أن يوجه من
جهة المعنى الأعم، قاله الحافظ.
(وفي رواية بشىء أحب،) بالفتح صفة لشىء، فهو مفتوح في موضع جر، وبالرفع بتقدير
هو أحب (إلى من أداء ما افترضت عليه،) أي: تأديته لا المقابل للقضاء فقط، بل المراد فعل
ما افترض عليه، (ولا يزال) بلفظ المضارع، وللحموي والمستملي، وما زال (عبدي) بإضافة
التشريف (يتقرب إليّ بالنوافل) مع الفرائض، كالصلاة والصيام (حتى أحبه،) بضم أوله، أي:
أرضى عنه، (فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش
بها) (بضم الطاء وكسرها) روايتان: وبهما قرىء أم لهم أيد يبطشون بها، أي: تأخذ بقوة،
(ورجله التي يمشي بها).
زاد في حديث عائشة عند أحمد والبيهقي في الزهد، وفؤاده الذي يعقل به، ولسانه الذي
یتکلم به.
وفي حديث أنس عند أبي يعلى وغيره: ومن أحببته كنت له سمعًا وبصرًا ويدًا ومؤيدًا،
وقوله: (فبي يسمع وبي يبصر، وبي يبطش وبي يمشي).
ليست هذه الجمل في رواية البخاري: (ولئن سألني،) زاد في حديث عائشة عبدي
(لأعطينه) ما سأل مما يعود بنفع عليه، كصحة وتوفيق إلى طاعة، (ولئن استعاذني،) قال

١٠٤
الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته
ويستفاد من قوله: وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي .. من اداء ما
المصنف: بالنون بعد الذال المعجمة في الفرع كأصله، وبالموحدة في غيرهما (لأعيذنه) مما
يخاف.
وفي حديث أبي أمامة عند الطبراني والبيهقي في الزهد: وإذا استنصرني نصرته.
وفي حديث حذيفة عند الطبراني: ويكون من أوليائي وأصفيائي، ويكون جاري مع
النبيين والصديقين والشهداء في الجنة، وفيه: أن العبد ولو بلغ أعلى الدرجات حتى يكون
محبوبًا لله تعالى، لا ينقطع عن الطلب من اللّه لما فيه من الخضوع وإظهار العبودية، (وما
ترددت عن،) بمعنى في أو ضمن تردد معنى تأخر، لأنه لازمه (شىء أنا فاعله ترددي عن قبض
نفس المؤمن،) تشبيه بليغ بحذف الأداة، ولم يقل نفس عبدي للاستغناء بوصف الإيمان، أي:
ما أخرت وما توقفت توقف المتردد في أمر أنا فاعله إلا في قبض نفس المؤمن، حتى يسهل
عليه ويميل قلبه مشوقًا إليه، لانخراطه في سلك المقربين، والتبوىء في عليين، أو إزالة كراهة
الموت مما يبتلى به من نحو مرض وفقر، فأخذه المؤمن عن حب الحياة شيئًا فشيئًا بهذه
الأسباب يشبه فعل المتردد، فعبر به مجازًا، لأن حقيقة التردد التحير، بأن يظهر له ما يقتضي
الفعل وما يقتضي الترك، فينشأ من ذلك الحيرة لمريد الفعل لتعارض مقتضاهما عنده، واللّه منزه
عن ذلك، كما يأتي، (يكره الموت) لصعوبته وشدته ومرارته وشدة ائتلاف روحه لجسده
وتعلقها به، ولعدم معرفته بما هو صائر إليه بعده، (وأنا أكره مساءته،) بفتح الميم والمهملة،
بعدها همزة ففوقية، أي: أن أفعل به ما يحزنه، والجملة في موضع التعليل للتردد، وهو استئناف
بياني، كأنه جواب سؤال.
قال الذهبي في الميزان حديث غريب جدًا: لولا هيبة الجامع الصحيح لعدوه في منكرات
خالد بن مخلد القطواني لغرابة لفظه، ولأنه مما تفرد به شريك، وليس بالحافظ، ولم يرو هذا
المتن إلا بهذا الإسناد، ولأخرجه من عند البخاري، ولا أظنه في مسند أحمد.
قال الحافظ: ليس في مسند أحمد جزمًا، وإطلاق أنه لم يرو إلا بهذا الإِسناد مردود،
وشريك شيخ شيخ خالد، فيه مقال أيضًا، لكن للحديث طرق يدل مجموعها على أن له أصلاً،
فرواه أحمد في الزهد وابن أبي الدنيا، والبيهقي في الزهد من طريق عبد الواحد بن ميمون، عن
عروة، عن عائشة، وذكر ابن حبان وابن عدي أن عبد الواحد تفرد به.
وقد قال البخاري: أنه منكر الحديث، لكن أخرجه الطبراني من طريق يعقوب بن مجاهد،
عن عروة وقال: لم يروه عن عروة إلا يعقوب وعبد الواحد.
وأخرجه الإِسمعيلي من حديث علي والطبراني والبيهقي، عن أبي أمامة بسند ضعيف،

١٠٥
الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته
افترضته عليه أن أداء الفرائض أحب الأعمال إلى الله تعالى.
وعلى هذا فقد استشكل كون النوافل تنتج المحبة ولا تنتجها الفرائض؟
وأجيب: بأن المراد من النوافل إذا كانت مع الفرائض، مشتملة عليها
ومكملة لها، ويؤيده: أن في رواية أبي أمامة ((ابنَ آدم، إنك لن تدرك ما عندي إلا
بأداء ما افترضته عليك))، أو يجاب: بأن الإتيان بالنوافل لمحض المحبة لا لخوف
وأبو يعلى والبزار والطبراني عن أنس، وفي سنده ضعف، والطبراني عن حذيفة مختصرًا، وسنده
حسن غريب، وابن ماجه وأبو نعيم في الحلية، عن معاذ بن جبل مختصرًا، وسنده ضعيف،
وأحمد في الزاهد، وأبو نعيم في الحلية، عن وهب بن منبه مقطوعًا. انتهى.
وهو أصل عظيم في السلوك إلى اللّه تعالى والوصول إلى معرفته ومحبته، لأن المفترض
إما باطر وهو الإِيمان، وظاهر وهو الإِسلام، أو مركب منهما وهو الإِحسان، المتضمن مقامات
السالكين، كالإِخلاص والزهد، والتوكل والمراقبة، فقد جمع هذا الحديث الشريعة والحقيقة،
(ويستفاد من قوله: وما تقرب إلى عبدي بشيء) من الطاعات (أحب إليّ من أداء ما افترضته
عليه؛ أن أداء الفرائض أحب الأعمال إلى اللّه تعالى،) أي: فعلها لا مقابل القضاء، كما مر،
فالمراد اللغوي، فشمل النذر أخذًا للافتراض بالمعنى الأعم، لأن من نذر شيئًا فرض اللّه عليه
الوفاء به، فلا ينافي قوله مما افترضته، ومر أن الحافظ نظر فيه، وأشار إلى الجواب بنحو هذا،
(وعلى هذا) المستفاد، (فقد استشكل كون النوافل تنتج المحبة،) لأنه تعالى جعلها مرتبة
على كثرة النوافل، (ولا تنتجها الفرائض،) لأنه سبحانه جعلها أحب الأشياء إليه، ولم يذكر
سبب الأحبية، فلم تترتب المحبة على إداء الفرائض.
(وأجيب بأن المراد من النوافل إذا كانت مع الفرائض، مشتملة عليها ومكملة لها،)
لا مطلقًا، فإِنما انتجت المحبة من حيث الاشتمال والتكميل.
(ويؤيده أن في رواية أبي أمامة) الباهلي، عند الطبراني والبيهقي مرفوعًا: (ابن) (بفتح
الهمزة وكسرها) (آدم إنك لن تدرك ما عندي إلا بأداء ما افترضته عليك،) فلا يعتد بالنوافل
بدون الفرائض.
قال ابن أبي جمرة: إنما سميت نافلة، لأنها تأتي زائدة على الفريضة، فلو لم تؤد الفريضة
لا تحصل، ومن أداها، ثم زاد النفل وأدامه، محضت منه إرادة التقرب، وقد جرت العادة؛ بأن
التقرب يكون غالبًا بغير ما وجب على المتقرب، كهدية وتحفة، بخلاف ما يجب عليه، أو
يقتضي ما لزمه، ومما يحقق ذلك أن جملة ما شرع له النفل جبره الفرض، فالمراد من التقرب
بالنفل، أن يقع ممن أدى الفرض، لا ممن أخل به.

١٠٦
الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته
العقاب على الترك، بخلاف الفرائض.
وقال الفاكهاني: معنى الحديث أنه إذا أدى الفرائض، وداوم على إتيان
النوافل من صلاة وصيام وغيرهما أفضى به ذلك إلى محبة اللَّه تعالى إياه.
وقد استشكل أيضًا: كيف يكون الباري جل وعلا ((سمع العبد وبصره)) إلخ.
وأجيب بأجوبة:
منها: أنه ورد على سبيل التمثيل، والمعنى: كنت كسمعه وبصره في إيثاره
أمري، فهو يحب طاعتي ويؤثر خدمتي كما يحب هذه الجوارح.
قال بعض الأكابر: من شغله الفرض عن النفل، فهو معذور، ومن شغله النفل عن الفرض،
فهو مغرور. انتھی.
(أو يجاب؛ بأن الإتيان بالنوافل لمحض المحبة، لا لخوف العقاب على الترك،)
فاستحق محبة اللّه، لكونه لا في مقابلة شىء، (بخلاف الفرائض،) ففعلها مانع من العقاب على
تركها، فهو في مقابلة عوض، وإن كانت أفضل.
(وقال الفاكهاني) عمر بن علي بن سالم اللخمي، المالكي، الشهیر بتاج الدین
الفاكهاني، الفقيه، الفاضل، المتفنن في الحديث والفقه والأصول، والعربية والأدب، والدين
المتين، والصلاح العظيم، والتخلق بأخلاق الأولياء، وصحب منهم جماعة، وحج غير مرة، وولد
بالإِسكندرية سنة أربع، وقيل: سنة ست وخمسين وستمائة، ومات بها سنة أربع وثلاثين
وسبعمائة، وله مصنفات عديدة.
(معنى الحديث أنه إذا أدى الفرائض، ودام على إتيان النوافل من صلاة وصيام
وغيرهما،) وبين الفاكهاني نفسه ذلك الغير، فقال في شرح الأربعين: من صلاة في الليل، أو في
النهار، لا سيما التوابع للمفروضات، أو صيام، أو صدقة، أو حج، تطوع، أو جهاد غير متعين، أو
إصلاح بين اثنين، أو جبر خاطر يتيم، أو إغاثة مسلم أو تيسير على معسر أو فعل خير من حيث
الجملة (أفضى به ذلك إلى محبة اللّه تعالى إياه) أي: أوصله لها، فالباء زائدة للتوكيد.
(وقد استشكل أيضًا كيف يكون الباري جل وعلا سمع العبد وبصره ... الخ،) يعني:
ويده ورجله، مع أن السمع عرض، إذ هو قوة منبثة في مقعر الصماخ، واللّه تعالى ذات، والذات
لا تقوم في العرض، بل العكس مع استحالة حلوله الحق تعالى في غيره، فتضمن السؤال أمرين،
کما لا يخفى.
(وأجيب بأجوبة، منها: أنه ورد على سبيل التمثيل والمعنى: كنت كسمعه وبصره

١٠٧
الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته
ومنها: أن المعنى أن كليته مشغولة بي، فلا يصغي بسمعه إلاَّ إلى ما
يرضيني، ولا يرى ببصره إلا ما أمرته به.
ومنها: أن المعنى، كنت له في النصرة كسمعه وبصره ويده ورجله في
المعاونة على عدوه.
ومنها: أنه على حذف مضاف، أي حافظ سمعه الذي يسمع به، فلا يسمع
إلاَّ ما يحل سماعه، وحافظ بصره كذلك الخ. قاله الفاكهاني.
قال: ويحتمل معنى آخر أدق من الذي قبله: وهو: أن يكون بمعنى مسموعه،
لأن المصدر قد جاء بمعنى المفعول، مثل: فلان أملي، بمعنى: مأمولي، والمعنى:
أنه لا يسمع إلا ذكري ولا يتلذذ إلا بتلاوة كتابي ولا يأنس إلا بمناجاتي، ولا ينظر
في إيثاره أمري، فهو يحب طاعتي، ويؤثر خدمتي، كما يحب هذه الجوارح،) فهو من
التشبيه البليغ، کزید اسد.
(ومنها أن المعنى أن كليته)) أي: جملته لا الكلية المنطقية، التي هي الحكم على
جميع الأفراد المقابلة للكلى، وهو ما لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه وللكل وهو ما كان ذا
أجزاء (مشغولة بي، فلا يصغي بسمعه إلا إلى ما يرضيتي، ولا يرى ببصره إلا ما أمرته به،)
ولا يبطش إلا لمرضاتي، ولا يمشي إلا فيما يقربه إلى.
(ومنها: أن المعنى كنت له في النصرة) (بضم النون) الإعانة والتقوية، (كسمعه وبصره،
ويده ورجله في المعاونة،) بيان للنصرة (على عدوه،) وهذا أيضًا على جهة التمثيل، لكنه من
جهة أخرى، فغاير الأول.
(ومنها: أنه على حذف مضاف، أي: حافظ سمعه الذي يسمع به، فلا يسمع إلا ما
يحل سماعه، وحافظ بصره، كذلك))) أي: فلا يبصر إلا لحلال، (الخ،) يعني: وحافظ يده
وحافظ رجله كذلك، والدليل على المضاف الاستحالة، (قاله،) أي: هذا الجواب الرابع
(الفاكهاني) في شرح الأربعين، ولم یذکر فیه سواه، وسوى ما نقله بقوله.
(قال) الفاكهاني: (ویحتمل) في الحدیث (معنی)، فهو فاعل، أو يحتمل الحدیث معنی،
فهو نصب المفعولية، والأول أظهر، والخطب سهل (آخر، أدق من الذي قبله، وهو أن يكون)
سمعه (بمعنى مسموعه، لأن المصدر قد جاء بمعنى المفعول، مثل فلان أملي بمعنى مأمولي،)
فأمل مصدر أمل يأمل، من باب طلب، واسم مفعوله مأمول، واسم فاعله آمل، وعبارة الفاكهاني:
قالوا: أنت رجائي بمعنى مرجوي، (والمعنى أنه لا يسمع إلا ذكري،) سماع تلذذ، (ولا يتلذذ إلا
١

١٠٨
الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته
إلا في عجائب ملكوتي، ولا يمد يده إلا فيما فيه رضاي، ورجله كذلك.
وقال غيره: اتفق العلماء- ممن يعتد بقوله - على أن هذا مجاز وكناية عن
نصرة العبد وتأييده وإعانته، حتى كأنه سبحانه ينزل نفسه من عبده منزلة الآلات
التي يستعين بها، ولهذا وقع في رواية: ((فبي يسمع وبي يبصر وبين يبطش وبي
يمشي)). قال: والاتحادية زعموا أنه على حقيقته، وأن الحق عين العبد، تعالى الله
عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.
وقال الخطابي: عبر بذلك عن سرعة إجابة الدعاء، والنجح في الطلب،
وذلك أن مساعي الإنسان كلها إنما تكون بهذه الجوارح المذكورة.
وعن أبي عثمن الحيري - أحد أئمة الطريق - قال: معناه كنت أسرع إلى
بتلاوة كتابي، ولا يأنس إلا بمناجاتي) في الصلاة وغيرها، (ولا ينظر إلا في عجائب ملكوتي،
ولا يمد يده إلا فيما فيه رضاي،) كمدها بالصدقة ونحوها، وعبر هنا بالمد إشارة إلى أن المراد
مطلق حركة يده، لا حقيقة المد، وفي الحديث بالبطش لشرفه، وهو الأخذ بقوة، (ورجله
کذلك،) لا یسعی بها إلا فيما فيه رضاي.
(وقال غيره،) وهو الطوفي: (اتفق العلماء ممن يعتد بقوله) بأفراد الضمير على لفظ من،
وهو أكثر، كقوله: ومنهم من يؤمن به (على أن هذا مجاز وكناية عن نصرة العبد،) مصدر
مضاف لمفعوله، أي: عن نصرة اللّه عبده، (وتأییده وإعانته، حتی کأنه سبحانه ينزل نفسه من
عبده منزلة الآلات التي يستعين بها،) أي: أن أفعاله لا توجد إلا بإرادته وأقداره عليها، لا أنه
بمنزلة الآلة الحقيقية.
(ولهذا وقع في رواية: فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي، قال) ذلك
الغير، (والاتحادية) نسبة إلى الاتحاد، وهو تصيير الذاتين ذاتًا واحدة، وهو محال لأنه إن كانت
عدبن كل واحدة، منهما موجودة في حال الاتحاد، فهما اثنتان لا واحدة، وإن عدمت واحدة،
فذبس ذلك باتحاد، بل عدم إحداهما، وإن عدمتا كان عدم الاتحاد أظهر، (زعموا أنه على
حقيقته، وأن الحق عين العبد،) محتجين بمجىء جبريل في صورة دحية، (تعالى الله عما
يقول الظالمون علوًا كبيرًا،) وللشيخ قطب الدين القسطلاني كتاب بديع في الرد عليهم.
(وقال الخطابي: عبر بذلك عن سرعة إجابة الدعاء والنجح) (بضم النون) الظفر
بالقصد (في الطلب، وذلك أن مساعي الإِنسان،) أي: تصرفاته في أعماله (كلها إنما تكون
بهذه الجوارح المذكورة).

١٠٩
الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته
قضاء حوائجه من سمعه في الإستماع وعينه في النظر، ويده في اللمس ورجله
في المشي. كذا أسنده عنه البيهقي في («الزهد)).
وحمله بعض أهل الزيغ على ما يدعونه، من أن العبد إذا لازم العبادة الظاهرة
والباطنة حتى تصفى من الكدورات، أنه يصير في معنى الحق، تعالى الله عن
ذلك، وأنه يفنى عن نفسه جملة، حتى يشهد أن اللَّه هو الذاكر لنفسه، الموحد
لنفسه، والمحب، وأن هذه الأسباب والرسوم تصير عدمًا صرفًا.
وعلى الأوجه كلها فلا متمسك فيه للاتحادية ولا القائلين بالوحدة المطلقة،
لقوله في بقية الحديث ولئن سألنى، زاد في رواية عبد الواحد عبدي. انتهى
ملخصًا.
(وعن أبي عثمن) سعيد بن إسماعيل النيسابوري (الحيرى) (بحاء مكسورة وراء مهملتين،
بينهما تحتية ساكنة) نسبة إلى الحيرة، محلة بنيسابور غير المدينة المعروفة بالكوفة، وأصله من
الري، وصحب قديمًا يحيى بن معاذ الرازي وشاه بن شجاع الكرماني، ثم رحل إلى نيسابور
قاصدًا أبا حفص الحداد، فأخذ عنه طريقته، وزوجه ابنته (أحد أئمة الطريق).
قال أبو نعيم: كان بالحلم منتطقًا، وللمريدين نصيحًا مشفقًا، وقال الخطيب: كان
مجاب الدعوة، وكان يقول: من أمر السنة على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالحكمة، ومن أمر
الهوى عليها نطق بالبدعة، وإن تطيعوه تهتدوا مات بنيسابور سنة ثمان وتسعين ومائتين،
وقيل: غير ذلك، (قال: معناه كنت أسرع إلى قضاء حوائجه من سمعه في الاستماع، وعينه
في النظر، ويده في اللمس، ورجله في المشي، كذا أسنده،) أي: رواه (عنه البيهقي في)
كتاب (الزهد، وحمله بعض أهل الزيغ:) الضلال والميل عن الحق إلى الباطل (على ما
يدعونه، من أن العبد إذا لازم العبارة الظاهرة والباطنة حتى تصفى من الكدورات أنه) تأكيد
لقوله: أن العبد أعاده لطول الفصل وهو وارد في الفصيح، كقوله تعالى: ﴿أيعدكم أنكم إذا متم
وكنتم ترابًا وعظامًا أنكم مخرجون﴾ [المؤمنون/٣٥]، والخبر قوله: (يصير في معنى الحق،
تعالى الله عن ذلك، وأنه يفني عن نفسه جملة، حتى يشهد أن اللّه هو الذاكر لنفسه،
الموحد) (بالحاء المهملة) (لنفسه المحب، وأن هذه الأسباب والرسوم تصير عدمًا صرفًا،)
وهذا ضلال مبين، (وعلى الأوجه) السبعة السابقة (كلها، فلا متمسك فيه للاتحادية،
ولا القائلين بالوحدة المطلقة لقوله في بقية الحديث: ولئن سألني، زاد في رواية
عبد الواحد) بن ميمون، عن عروة، عن عائشة (عبدي،) فإن كلا من سألني، وعبدي نص في

١١٠
الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته
وقال العلامة ابن القيم:
تضمن هذا الحديث الشريف الإلهي - الذي حرام على غليظ الطبع كثيف
القلب فهم معناه والمراد به - حصر أسباب محبته في أمرين، أداء الفرائض ،
والتقرب إليه بالنوافل، وأن المحب لا يزال يكثر في النوافل حتىٍ يصير محبوبًا
للَّه، فإذا صار محبوبًا للَّه أوجبت محبة الله له محبة أخرى منه للَّه فوق المحبة
الأولى، فشغلت هذه المحبة قلبه عن الفكرة والاهتمام بغير محبوبه، وملكت عليه
روحه، ولم يبق فيه سعة لغير محبوبه ألبثة، فصار ذكر محبوبه وحبه ومثله الأعلى
مالكًا لزمام قلبه، مستوليًا على روحه استيلاء المحبوب على محبة الصادق فى
نفي الاتحاد والوحدة المطلقة. (انتهى ملخصًا).
(وقال العلامة بن القيم) شمس الدين محمد بن أبي بكر: (تضمن هذا الحديث
الشريف الإلهي،) المنسوب إلى الإِله تعالى مما تلقاه المصطفى عنه بلا واسطة أو بها (الذي
حرام،) أي: ممنوع، فالحرمة لغة المنع ومنه، وحرام على قرية (على غليظ الطبع،) شديده في
التباعد عن الحق وعدم الانقياد له، (كثيف القلب،) المراد هنا معنى ما قبله، فهو مساوٍ له،
حسنه اختلاف اللفظ، فحرام خبر مقدم، والمبتدأ (فهم معناه و) فهم (المراد به،) فهو بالجر
عطف على معناه، وإن اتحدا معنى، كسابقه لاختلاف اللفظ، وقوله (حصر) بالنصب مفعول
تضمن (أسباب محبته) تعالى لعبده، فالمصدر مضاف لفاعله (في أمرين، أداء الفرائض
والتقرب إليه بالنوافل) بدل من أمرين ولا يقرأ قوله، والمراد بالرفع مبتدأ خبره حصر، ويعترض
عليه؛ بأن الظاهر حذفه، لأن حصر مفعول تضمن، إذ لا ملجىء لذلك، فالكلام صحيح بجر
المراد، وهو الظاهر أو المتعين، (و) تضمن أيضًا (أن المحب لا يزال يكثر في النوافل حتى
يصير محبوبًا للّه،) فالسبب الثاني هو المحقق لصيرورة العبد محبوبًا لله، بحيث يكون
سمعه ... الخ.
(فإذا صار محبوبًا للّه أوجبت،) أثبتت (محبة اللّه له محبة أخرى منه،) أي: العبد (للّه
فوق المحبة الأولى،) الحاصلة منه قبل، (فشغلت هذه المحبة) الثانية (قلبه عن الفكرة
والاهتمام بغير محبوبه،) وهو اللّه عزّ وجلّ، (وملكت،) أي: قصرت تلك المحبة (عليه،) أي:
على المحبوب (روحه))) أي: لمحب، بحيث لا تجاوزه للتعلق لغيره، (ولم) الأولى، فلم
.(بالفاء) (يبق فيه سعة لغير محبوبه البتة، فصار ذكر محبوبه وحبه) (بضم الحاء والرفع)
(ومثله) (بفتحتين)، وصفه (الأعلى) العجيب الشأن، كالقدرة العامة والحكمة التامة، (مالكا
لزمام قلبه) خبر، أي: صار ما ذكر مانعًا لقلبه من التلفت إلى غيره، ففيه استعارة بالكناية،

١١١
الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته
محبته التي قد اجتمعت قوى محبته كلها له، ولا ريب أن هذا المحب إن سمع
سمع بمحبوبه وإن أبصر أبصر بمحبوبه، وإن مشى مشى به، فهو في قلبه ونفسه،
وأنيسه وصاحبه.
والباء - هنا - باء المصاحبة، وهي مصاحبة لا نظير لها، ولا تدرك بمجرد
الإخبار عنها والعلم بها، فالمسألة حالية لا علمية محضة.
قال: ولما حصلت الموافقة من العبد لربه في محابه، حصلت موافقة الرب
لعبده في حوائجه ومطالبه فقال: ((ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه)) أي
وتخييلية، شبه القلب بالبعير الممنوع من استرساله مع هواه، استعارة بالكناية، وإثبات الزمام له
تخييل، (مستوليًا على روحه استيلاء المحبوب على محبه، الصادق في محبته، التي قد
اجتمعت قوى محبته كلها له،) فسمع محبه وبصره وغيرهما. من بقية المعاني صارت حافظة
للمحب مانعة من لحوق ضرر به مقوية له على مطلوبه من زيادة القرب ودوامه، فكأنها مختصة
به، لا تتجاوزه إلى غيره، (ولا ريب،) شك (أن هذا المحب إن سمع سمع بمحبوبه، وإن
أبصر أبصر بمحبوبه، وإن مشى مشى به، فهو في قلبه ونفسه، وأنيسه وصاحبه،) ويقرب من
هذا جواب العارف والأستاذ علي بن وفي؛ بأن معنى كنت سمعه ... الخ أن ذلك الكون
الشهودي مرتب على ذلك الشرط، الذي هو حصول المحبة، فمن حيث الترتب الشهودي
جاز الحدوث، المشار إليه بقوله: كنت سمعه، لا من حيث التقدير الوجودي، وقال في
الفتوحات لابن العربي: المراد به انكشاف أمر لمن تقرب إليه تعالى بالنوافل، لا أنه لم يكن
الحق تعالى سمعه قبل التقرب، ثم كان تعالى عن ذلك وعن العوارض الطارئة، وهذه من غرر
المسائل الإلهية، نقلهما في اليواقيت والجواهر، (والباء هنا) في قوله: فبي يسمع ... الخ (باء
المصاحبة، وهي مصاحبة لا نظير لها،) لأن الأصل في الصحبة إطلاقها على من حصل له رؤية
ومجالسة، ووراء ذلك شروط للأصوليين، وتطلق مجازًا على من تمذهب بمذهب إمام، كأصحاب
الشافعي، ولا يصح حملها هنا على شىء من ذلك، (ولا تدرك بمجرد الإخبار عنها والعلم بهاء)
لأنها لا نظير لها، تصور به في الخارج، فإنما يدركها من قامت به، كالملاحة تدرك ولا توصف،
بعبارة تحصل حقيقتها وصورتها للمخاطب، (فالمسألة: حالية،) أي: حال من أحوال النفس،
يدركها من قامت به، (لا علمية محضة،) أي: ليست متعلقًا للعلم، بحيث يصورها بما يميزها
عن غيرها خارجًا.
(قال) ابن القيم: (ولما حصلت الموافقة من العبد لربه في محابه،) جمع حب،
كمحاسن: جمع حسن على غير قياس، (حصلت موافقة الرب لعبده في حوائجه ومطالبه،

١١٢
الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته
كما وافقني في مرادي بامتثال أوامراي، والتقرب إلي بمحابي، فأنا أوافقه في رغبته
ورهبته فيما سألني أن أفعله به، وفيما يستعيذني أن يناله. وقوي أمر هذه الموافقة
من الجانبين حتى اقتضى تردد الرب سبحانه وتعالى في إماتة عبده لأنه يكره
الموت، والرب تعالى يكره ما يكره عبده، ويكره مساءته فمن هذه الجهة يقتضيٍ
أن لا يميته ولكن مصلحته في إماتته، فإنه ما أماته إلا ليحييه، ولا أمرضه إلاّ
ليصحه، ولا أفقره إلا ليغنيه، ولا منعه إلا ليعطيه، ولم يخرجه من الجنة في صلب
أبيه آدم إلا ليعيده إليها على أحسن أحواله، فهذا هو الحبيب على الحقيقة لا
فقال: ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، أي: كما وافقني في مرادي، بامتثال
أوامري والتقرب إلى بمحابي، فأنا أوافقه في رغبته) فيما عندي، (ورهبته:) خوفه مني (فيما
سألني أن أفعله به:) عائد لرغبته، (وفيما يستعيذني أن يناله،) عائد لرهبته، ففي وعده
المحقق، المؤكد بالقسم.
إيذان بأن من تقرب إليه بما مر لا يرد دعاءه، وأن الكمل يطلب منهم الدعاء.
وقال الشيخ أكمل الدين في شرح المشارق: أقوى ما قاله الشراح بحسب الظاهر في هذا
الحديث: كنت سمعه، فلا يسمع ما لم يأذن الشرع بسماعه، ولا يبصر ما لم يأذن في النظر
إليه، ولا يبطش إلا ما أذن ببطشه، ولا يسعى إلا فيما أذن بالسعي إليه، وبحسب الباطن: لا يزال
العبد يتقرب إلى الله بأنواع الطاعات وأصناف الرياضات، ويترقى من مقام إلى أعلى منه حتى
يحبه الله، فيجعل سلطان حبه غالبًا عليه حتى يسلب منه الاهتمام بكل شىء غير تقربه إليه،
فيصير منخلعًا عن الشهوات، ذاهلاً عن اللذات، مستغرقًا بملاحظة جناب قدسه، بحيث ما لاحظ
شيئًا إلا لاحظ ربه، ولا التفت إلى شىء إلا رأى ربه، وهذا آخر درجات السالكين، وأول درجات
الواصلين، فيكون بهذا الاعتبار سمعه وبصره، وهذا نفس محجوب، والذائق يقول: العبد يتقرب
إلى اللّه بالنوافل حتى يكون الرب، صفات عبده المذكورة، لتحصل له المناسبة الصفتية بين
المحب والمحبوب، فإنها لا بدّ منها ولذا جعل السبب فيه أداء النوافل، فإن اللّه فاعل مختار،
ليس عليه إيجاب لأحد النوافل ليست بإيجاب، فكان ذلك مناسبة أخرى بين المحب
والمحبوب، وهذا يسمى قرب النوافل، وثمة قرب الفرائض، وهو أعظم من قرب النوافل. انتهى.
(وقوي أمر هذه الموافقة من الجانبين حتى اقتضى تردد الرب سبحانه وتعالى في
إماتة عبده، لأنه يكره الموت، والرب تعالى يكره ما يكره عبده، ویکره مساءته فمن هذه
الجهة يقتضي أن لا يميته، ولكن مصلحته في إماتته)، فتفصل بفعل المصلحة، (فإنه ما أماته
إلا ليحييه) الحياة الأبدية، (ولا أمرضه إلا ليصحه) (بضم التحتية وكسر الصاد)، أي: يزيل

١١٣
الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته
سواه، انتهى.
وقال الخطابي: التردد في حق اللَّه غير جائز، والبداء عليه في الأمور غير
سائغ، ولکن له تأويلان.
أحدهما: أن العبد قد يشرف على الهلاك في أيام عمره من داء يصيبه، أو
فاقة تنزل به، فيدعو اللَّه فيشفيه منها، ويدفع عنه مكروهها، فيكون ذلك من فعله
كتردد من يريد أمرًا ثم يبدو له فيه فيتركه ويعرض عنه، ولا بد له من لقائه إذا بلغ
الكتاب أجله، لأن اللَّه قد كتب الفناء على خلقه، واستأثر بالبقاء لنفسه.
والثاني: أن يكون معناه: ما رددت رسلي في شىء أنا فاعله کترديدي إياهم
في قبض نفس عبدي المؤمن، كما في قصة موسى عليه السلام، وما كان من
مرضه، يصونه من أهوال الآخرة وآلامها، أو ليزيل عنه المكروهات الدنيوية ويثيبه، وهذا أظهر،
(ولا أفقره إلا ليغنيه، ولا منعه إلا ليعطيه، ولم يخرجه من الجنة في صلب أبيه آدم إلا
ليعيده إليها على أحسن أحواله، فهذا هو الحبيب على الحقيقة لا سواه انتهى) كلام ابن
القیم.
(وقال الخطابي: التردد في حق اللّه غير جائز،) إذ لا يكون إلا ممن لا يعلم العاقبة
فيتعارض، عنده مقتضى الفعل والترك، فيتحير في أيهما أولى ليفعله، واللّه لا يخفي عليه شىء،
فيستحيل التردد منه، (والبداء) (بفتح الموحدة والدال المهملة والمد)، ظهور مصلحة كانت
خفيت (عليه في الأمور غير سائغ،) لأنه محال أن يظهر له شىء كان عنه غائبًا، (ولكن له،)
أي: الحديث (تأويلان:)
(أحدهما: أن العبد قد يشرف على الهلاك في أيام عمره من داء يصيبه، وفاقة تنزل
به، فیدعو الله فيشفیه منها، ويدفع:) یزیل (عنه مكروهها، فیکون ذلك من فعله، کتردد من
يريد أمرًا، ثم يبدو له فيه، فيتركه ويعرض عنه،) فليس من التردد الحقيقي في شىء، (ولا بدّ
له من لقائه،) أي: الموت، (إذا بلغ الكتاب:) المكتوب من العمر (أجله﴾ ﴿فإذا جاء أجلهم
لا يستأخرون ساعة﴾ [الأعراف/٣٤]، ﴿ولن يؤخر اللّه نفسًا إذا جاء أجلها﴾ [المنافقون/١١]،
(لأن اللّه قد كتب الفناء على خلقه) ﴿كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال
والإِكرام﴾ [الرحمن/٢٦، ٢٧]، (واستأثر بالبقاء لنفسه)، فكل شىء هالك إلا وجهه.
(والثاني: أن يكون معناه: ما رددت رسلي في شىء أنا فاعله، كترديدي إياهم في

١١٤
الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته
لطمه عين ملك الموت، وتردده إليه مرة بعد أخرى.
قال: وحقيقة المعنى - على الوجهين - عطف الله على العبد، ولطفه به،
وشفقته علیه.
وقال الكلاباذي ما حاصله: إنه غير عن صفة الفعل بصفة الذات، يعني باعتبار
متعلقها، أي عن الترديد بالتردد، وجعل متعلق الترديد اختلاف أحوال العبد من ضعف
ونصب إلى أن تنتقل محبته في الحياة إلى محبة للموت، فيقبض على ذلك.
قال: وقد يحدث اللَّه تعالى في قلب عبده من الرغبة فيما عنده والشوق
قبض نفس عبدي المؤمن،) فأطلق التردد، وأراد لازمه، وهو الترديد، وأضاف تعالى ذلك لنفسه،
لأن ترددهم عن أمره، (كما في قصة موسى عليه السلام) في الصحيحين، عن أبي هريرة،
مرفوعًا في أحاديث الأنبياء: أرسل ملك الموت إلى موسى، فلما جاءه صكه، فرجع إلى ربه،
- ال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، فرد اللّه عليه عينه، وقال: إرجع، فقل له يضع يده على
هـ ، ثور، فله بكل ما غطت يده بكل شعرة سنّة.
قال: ثم ماذا، قال: الموت، قال: فالآن الحديث: (وما كان من لطمه عين ملك الموت)
ففقأها، كما في رواية مسلم؛ وكأن موسى ظنه آدميًا، تسور عليه منزله بغير إذنه، ليوقع به
مكروهًا، ويحتمل أنه علم أنه ملك الموت، ودافعه عن نفسه باللطمة المذكورة، والأول أولى،
ويؤيده أنه جاء إلى قبضه، ولم يخيره، وقد علم موسى أنه لا يقبض حتى يخير، ولهذا لما خيره،
قال: الآن. وعند أحمد كان ملك الموت يأتي الناس عيانًا. (وتردده إليه مرة بعد أخرى،) أي:
ثانية بعد الأولى.
(قال) الخطابي: (وحقيقة المعنى على الوجهين عطف اللّه على العبد، ولطفه به،
وشففته عليه) ألفاظ متقاربة (وقال الكلاباذي:) (بفتح الكاف والموحدة فألف فذال معجمة)
نسبة إلى كلاباذ محلة كبيرة ببخارا، الحافظ، الإِمام أبو نصر أحمد بن محمد بن الحسين بن
الحسن بن علي بن رستم البخاري، سمع الهيثم بن كليب الشاشي ومعه جعفر المستغفري.
قال الحاكم: كان من الحفاظ حسن المعرفة والفهم، متقنّا، ثبتًا، لم يخلف مثله بما وراء
النهر، وحدث ببغداد في حياة الدارقطني، وكان يثني عليه، ومات في جمادى الآخرة، سنة ثمان
وتسعين وثلاثمائة، عن خمس وثمانين سنة، (ما حاصله أنه عبر عن صفة الفعل بصفة الذات،
يعني باعتبار متعلقها، أي: عن الترديد، بالتردد وجعل متعلق الترديد اختلاف أحوال العبد من
ضعف ونصب) (بفتحتين وبضمتين وبضمة)، أي: داء وبلاء (إلى أن تنتقل محبته في الحياة
· إلى محبته للموت فيقبض على ذلك،) فسماه ترددًا مجازًا.

١١٥
الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته
إليه والمحبة للقائه ما يشتاق معه إلى الموت، فضلاً عن إزالة الكراهة عنه، انتهى.
وبالجملة: فلا حياة للقلب إلا بمحبة اللَّه ومحبة رسوله، ولا عيش إلا عيش
المحبين الذين قرت أعينهم بحبيبهم وسكنت نفوسهم إليه واطمأنت قلوبهم به،
واستأنسوا بقربه وتنعموا بمحبته، ففي القلب طاقة لا يسدها إلا محبة الله ورسوله
ومن لم يظفر بذلك فحياته كلها هموم وغموم وآلام وحسرات.
قال صاحب المدارج: ولن يصل العبد إلى هذه المنزلة العلية والمرتبة السنية
حتى يعرف اللَّه تعالى ويهتدي إليه بطريق توصله إليه، ويحرق ظلمات الطبع بأشعة
البصيرة، فيقوم بقلبه شاهد من شواهد الآخرة، فينجذب إليها بكليته، ويزهد في
(قال: وقد يحدث اللّه في قلب عبده من الرغبة فيما عنده، والشوق إليه، والمحبة
للقائه ما يشتاق معه إلى الموت فضلاً عن إزالة الكراهة عنه انتهى).
وقال الجنيد: الكراهة هنا لما يلقي المؤمن من الموت وصعوبته، وليس المعنى أني أكره
له الموت، لأن الموت يورده إلى رحمة اللّه ومعرفته.
وقال غيره: لما كانت مفارقة الروح للجسد لا تحصل إلا بألم عظيم جدًا، واللّه تعالى
يكره أذى المؤمن، أطلق على ذلك الكراهة، ويحتمل أن تكون المساءة بالنسبة إلى طول الحياة،
لأنها تؤدي إلى أرذل العمر وتنكيس الخلق والرد إلى أسفل سافلين، وفي ذلك دلالة على شرف
الأولياء ورفعة منزلتهم حتى لو تأتى أنه تعالى لا يذيقه الموت الذي حتمه على عباده لفعل،
ولهذا المعنى ورد لفظ التردد، كما أن العبد إذا كان له أمر لا بدّ له أن يفعله بحبيبه، لكنه يؤلمه،
فإن نظر إلى ألمه كف عن الفعل، وإن نظر إلى أنه لا بدّ له منه لمنفعته، أقدم عليه، فعبر عن هذه
الحالة في قلبه بالتردد، فخاطب اللّه الخلق بذلك على حسب ما يعرفونه ودلهم على شرف
الولي عنده، (وبالجملة، فلا حياة) لذيذة محمودة (للقلب إلا بمحبة الله ومحبة رسوله،
ولا عيش) محمود (إلا عيش المحبين، الذين قرت أعينهم بحبيبهم، وسكنت نفوسهم إليه،
واطمأنت قلوبهم به، واستأنسوا بقربه وتنعموا بمحبته، ففي القلب طاقة،) أي: اشتياق وتلهف
واحتراق على عدم وصوله إلى مطلوبه، شبه ذلك بطاقة مفتوحة يدخل منها ما يؤلم المحب في
جسده، وأنه (لا يسدها،) أي: يمنع عنه ذلك الاحتراق والتلهف (إلا محبة الله ورسوله، ومن
لم يظفر بذلك، فحياته كلها هموم وغموم، وآلام وحسرات،) فهي حياة كلا حياة.
(قال صاحب المدارج) ابن القيم: (ولن يصل العبد إلى هذه المنزلة:) المرتبة (العلية
والمرتبة السنّية،) مساوٍ حسنه اختلاف اللفظ، (حتى يعرف اللّه تعالى، ويهتدي إليه بطريق
توصله إليه،) وهي اتباع الكتاب والسنّة، (ويحرق ظلمات الطبع بأشعة،) أي: أنوار (البصيرة)

١١٦
الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته
التعلقات الفانية، ويدأب في تصحيح التوبة، والقيام بالمأمورات الظاهرة والباطنة،
وترك المنهيات الظاهرة والباطنة، ثم يقوم حارسًا على قلبه فلا يسامحه بخطرة
يكرهها اللَّه، ولا بخطرة فضول لا تنفعه، فيصفو لذلك قلبه بذكر ربه
ومحبته والإنابة إليه، ويخرج من بين بيوت طبعه ونفسه، إلى فضاء الخلوة بربه
وذکره ربه كما قال.
وأخرج من بين البيوت لعلني أحدث عنك النفس بالسر خاليًا
فحينئذٍ يجتمع قلبه وخواطره وحديث نفسه على إرادة ربه وطلبه والشوق
إليه، فإذا صدق في ذلك رزق محبة الرسول، واستولت روحانيته على قلبه، فجعله
إمامه وأستاذه ومعلمه وشيخه وقدوته، كما جعله اللَّه نبيه ورسوله وهاديه، فيطالع
سيرته ومبادىء أموره، وكيفية نزول الوحي عليه، ويعرف صفاته وأخلاقه وآدابه
وحركاته وسكونه، ويقظته ومنامه، وعبادته ومعاشرته لأهله وأصحابه، إلى غير ذلك
للقلب، كالبصر للعين، (فيقوم بقلبه شاهد من شواهد الآخرة، فينجذب:) يقبل (إليها
بكليته:) جملته، (ويزهد في التعلقات الفانية،) كما في الحديث: أزهد في الدنيا يحبك الله،
(ويدأب): يجهد ويتعب نفسه (في تصحيح التوبة)، المأمور به بها في ﴿توبوا إلى الله توبة
نصوحًا﴾ [التحريم/٨] الآية، (والقيام بالمأمورات الظاهرة)، كالصلاة، (والباطنة)، كالحب
لله ولرسوله، (وترك المنهيات الظاهرة،) كالغيبة، (والباطنة،) كالحسد، (ثم يقوم حارسًا على
قلبه، فلا يسامحه بخطرة يكرهها اللّه)) بل يتوب منها في الحال، (ولا بخطرة فضول لا تنفعه،)
لأنه إذا سامحه من ذلك انتقل إلى ما فوقه، وهكذا، وإذا فعل ما ذكر، (فيصفو لذلك قلبه
بذكر، ومحبته والإِنابة:) الرجوع (إليه، ويخرج من بين بيوت طبعه ونفسه إلى فضاء
الخلوة بربه، وذكره ربه كما قال:
(وأخرج من بين البيوت لعلني أحدث عنك النفس بالسر خاليا)
فأراد الشاعر بالبيوت: الطبع والنفس، بدليل ترجيه لا البيوت الحقيقية، إذ لا اعتداد
بالخروج منها مع بقاء الطبع، (فحينئذٍ يجتمع قلبه وخواطره، وحديث نفسه على إرادة ربه،
وطلبه، والشوق إليه، فإذا صدق في ذلك رزق محبة الرسول، واستولت روحانيته على
قلبه، فجعله إمامه) الذي يقتدي به، (وأستاذه))) أي: معلمه، كلمة أعجمية، لأن السين والذال
المعجمة لا يجتمعان في كلمة، ومعناها الماهر بالشىء العظيم، (ومعلمه وشيخه وقدوته)، ألفاظ
متقاربة، (كما جعله الله نبيه ورسوله وهاديه،) الدال عليه، (فيطالع سيرته ومبادىء) أوائل

١١٧
الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته
مما منحه اللَّه به مما ذكرت بعضه، حتى يصير كأنه معه من بعض أصحابه، فإذا
رسخ في قلبه ذلك فتح عليه بفهم الوحي المنزل عليه من ربه بحيث إذا قرأ
السورة شاهد قلبه ماذا أنزلت فيه، وماذا أريد بها، وحظه المختص به منها، من
الصفات والأخلاق والأفعال المذمومة، فيجتهد في التخلص منها، كما يجتهد في
تحصيل الشفاء من المرض المخوف.
ولمحبة الرسول عليه الصلاة والسلام علامات:
أعظمها الاقتداء به، واستعمال سنته، وسلوك طريقته، والاهتداء بهديه وسيرته،
والوقوف عندما حدَّ لنا من أحكام شريعته.
قال الله تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون اللَّه فاتبعوني يحببكم اللَّه﴾ [آل
عمران/٣١] فجعل متابعة الرسول عَ لّه آية محبة العبد ربه، وجعل جزاء العبد على
حسن متابعة الرسول محبة اللَّه تعالى إياه، وقد قال الحكيم - وهو محمود الوراق -
(أموره، وكيفية نزول الوحي عليه، ويعرف صفاته وأخلاقه وآدابه،) رياضات نفسه ومحاسن.
أخلاقه (وحركاته وسكوته ويقظته ومنامه وعبادته ومعاشرته لأهله وأصحابه، إلى غير ذلك
مما منحه،) أعطاه وخصه (اللّه به مما ذكرت بعضه) فيما سبق، (حتى يصير كأنه معه من
بعض أصحابه، فإذا رسخ في قلبه ذلك فتح عليه بفهم الوحي، المنزل عليه من ربه، بحيث
إذا قرأ السورة شاهد قلبه ماذا أنزلت فيه، وماذا أريد بها، وحظه:) نصيبه (المختص به، منها
من الصفات والأخلاق والأفعال المذمومة، فيجتهد في التخلص منها، كما يجتهد في
تحصيل الشفاء من المرض المخوف،) بل أقوى للعاقل، لأن المرض كفارة، وهذه موبقة،
(ولمحبة الرسول عليه الصلاة والسلام علامات) دالة عليها، (أعظمها الافتداء به:) اتباعه
(واستعمال سنّته،) أي: طريقته، فعطف (وسلوك طريقته) تفسيري وكذا، (والاهتداء بهديه
وسيرته،) ولا ضير في ذلك، لأن المقام أطناب، وسنّته شاملة للتأسي به، في الاقتداء به في
الشدائد والحروب وغيرهما، وليس مخصوصًا بالعبادات التي ستّها، (والوقوف عندما حد،) أي:
قدر (لنا من أحكام شريعته،) سميت الأحكام حدًا، لمنعها عن الإقدام على ما يخالفها من قول
أو فعل أو عزم، فالحد لغة المنع، فإذا أمر أو نهى، فقد منع من ضده.
(قال اللّه تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ [آل عمران/٣١]،
(فجعل متابعة الرسول عَّهِ آية،) أي: علامة (محبة العبد ربه، وجعل جزاء العبد على حسن

١١٨
الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته
كما أفاده المحاسبي في كتاب ((القصد والرجوع)):
تعصي الإله وأنت تظهر حبه هذا لعمري في القياس بديع
لو كان حبك صادقًا لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع
وهذه المحبة تنشأ من مطالعة العبد منة اللَّه عليه من نعمه الظاهرة والباطنة،
فبقدر مطالعة ذلك تكون قوة المحبة. ومن أعظم مطالعة منة اللَّه تعالى على عبده
منة تأهله لمحبته ومعرفته ومتابعة حبيبه عَّ الِ، وأصل هذا نور يقذفه اللّه تعالى في
قلب ذلك العبد، فإذا دار ذلك النور أشرقت له ذاته، فرأى في نفسه وما أهلت له
من الكمالات والمحاسن، فعلت به همته، وقويت عزيمته، وانقشعت عنه ظلمات
نفسه وطبعه، لأن النور والظلمة لا يجتمعان إلا ويطرح أحدهما الآخر، فوقعت
متابعة الرسول محبة اللّه تعالى إياه) وغفرانه، وأشار بحسن إلى أن مجرد الاتباع لا يكون
علامة، إلا إذا كان على أكمل الوجوه، بحيث يتحقق فيه معنى حديث: لا يؤمن أحدكم حتى
أكون أحب إليه ... الخ.
(وقد قال الحكيم): الذي ينطق بالحكمة، (وهو محمود) بن الحسن (الوراق، كما
أفاده) الحارث بن أسد (المحاسبي،) بكسر السين لمحاسبته نفسه، أو لغير ذلك، مر ضبطه
وبعض ترجمته قريبًا جدًا (في كتاب القصد والرجوع،) أحد تصانيفه، وهي نحو مائتين، وقال
غيره إنه لمنصور الفقيه، بليغ، كان في أول الدولة العباسية: (تعصي الإِله وأنت تظهر حبه . هذا
لعمري،) أي: حياتي (في القياس بديع:) غريب عجيب، مخالف لأنواع القياس، (لو كان
حبك صادقًا لأطعته (( إن المحب) بكسر الهمزة، لأنها تعليلية (لمن يحب مطيع،) لا يعصيه
أصلاً، ويقع في بعض النسخ بيت ثالث، وهو هذا:
في كل يوم يبتديك بنعمة منه وأنت لشكر ذاك تضيع
بضم الفوقية من أضاع، كذا إذا أهمله، وأكثر النسخ، كما في الشفاء بدون هذا الثالث،
(وهذه المحبة تنشأ من مطالعة العبد،) أي: نظره (منة اللّه:) نعمه التي أنعم بها (عليه) ومعرفة
قدرها، وأنها لا تكون إلا منه، (من نعمه الظاهرة والباطنة،) بيان لمنة اللّه تعالى، (فبقدر مطالعة
ذلك تكون قوة المحبة، ومن أعظم مطالعة منّة اللّه تعالى على عبده، منّة) تمييز (تأهله
لمحبته ومعرفته ومتابعة حبيبه عَّةٍ، وأصل هذا نور يقذفه اللّه تعالى في قلب ذلك العبد،
فإذا دار ذلك النور أشرقت له ذاته، فرأى في نفسه) أمرًا عظيمًا، تقصر عنه العبارة، (و) رأى
فيـ(ما أهلت له من الكمالات والمحاسن) ما لا يمكنه التعبير عنه، فالمفعول محذوف فيهما،
(فعلت به همته، وقويت عزيمته، وانقشعت:) انكشفت (عنه ظلمات نفسه وطبعه، لأن النور

١١٩
الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته
الروح حينئذٍ بين الهيبة والأنس إلى الحبيب الأول.
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ما الحب إلا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتى وحنينه أبدًا لأول منزل
وبحسب هذا الاتباع توجب المحبة والمحبوبية معًا، ولا يتم الأمر إلا
بهما، فليس الشأن أن تحب اللَّه، بل الشأن أن يحبك اللَّه، ولا يحبك إلا إذا
اتبعت حبيبه ظاهرًا وباطنًا، وصدقته خبرًا، وأطعته أمرًا، وأجبته دعوة، وآثرته طوعًا،
وفنيت عن حكم غيره بحكمه، وعن محبة غيره من الخلق وعن طاعة غيره
بطاعته، وإن لم تکن کذلك فلا تتعن فلست علی شیء.
والظلمة لا يجتمعان،) لا يدخل أحدهما على الآخر (إلا ويطرح:) يزيل ويذهب (أحدهما
الآخِر، فوقعت الروح حينئذٍ بين الهيبة والأنس إلى الحبيب الأول،) يتنازعه كل من الهيبة
والأنس، ويحتمل تعلقه بوقعت، وبين الهيبة والأنس حال، يعني أنه وقع بين أمرين متضادين،
فالهيبة تقتضي الفزع والخوف ممن يهابه، والإِنس يقتضي انشراح النفس وانبساطها ممن تأنس
به، وأنشد لغيره:
(نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ما الحب إلا للحبيب الأول)
(كم منزل في الأرض يألفه الفتى وحنينه أبدًا لأول منزل)
نقل (بالنون) ومن الهوى متعلق به، أي: نقل فؤادك وعلقه بمن تهوى من كل ما تميل
نفسك إليه، فإنك وإن فعلت ذلك لا بدّ لك من الرجوع إلى الحبيب الأول، لمعرفة مقامه
بالميل إلى غيره، (وبحسب،) أي: بقدر (هذا الاتباع توجب) (بضم التاء وفتح الجيم وموحدة)،
أي: تحصل وتوجد (المحبة والمحبوبية معًا، ولا يتم الأمر إلا بهما، فليس الشأن:) الأمر
العنظيم المرتب عليه سائر الكمالات؛ (أن تحب اللّه) فقط، (بل الشأن أن يحبك الله،
ولا يحبك إلا إذا اتبعت حبيبه) عَّهِ (ظاهرًا وباطنًا، وصدقته خبرًا،) أي: فيما وصل إليك من
أخباره، (وأطعته أمرًا،) أي: فيما أمر به، (وأجبته دعوة،) أي: أجبت دعوته حيث دعاك، (وآثرته
طوعًا،) أي: فضلت طاعته وقدمتها على كل شىء، لأن من فضل شيئًا قدمه على غيره، فلا يرد
أن معنى الإِيثار التفضيل، والمراد هنا التقديم، كقوله: ﴿يؤثرون على أنفسهم﴾ [الحشر/٩]، لأن
التقديم لازم للتفضيل، فاللفظ هنا مستعمل فيهما، والأنصار لما فضلوا المهاجرين قدموهم على
أنفسهم غاية التعظيم، حتى إن بعض من كان له زوجتان، عرض إحداهما على المهاجري الذي
واخى المصطفى بينه وبينه، (وفنيت عن حكم غيره،) فلم تجعل لنفسك وجودًا، ولا انقيادًا له

١٢٠
الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته
وتأمل قوله تعالى: ﴿فاتبعوني يحببكم الله﴾ [آل عمران/ ٣١] أي الشأن
في أن اللَّه يحبكم، لا في أنكم تحبونه، وهذا لا ينالونه إلا باتباع الحبيب.
وقال المحاسبي في كتاب ((القصد والرجوع)): وعلامة محبة العبد لله عز
وجل اتباع مرضاة للَّه، والتمسك بسنن رسوله اللَّه عَّةِ، فإذا ذاق العبد حلاوة
الإيمان، ووجد طعمه، ظهرت ثمرة ذلك على جوارحه ولسانه، فاستحلى اللسان
ذكر اللَّه تعالى وما والاه، وأسرعت الجوارح إلى طاعة الله، فحينئذٍ يدخل حب
الإيمان في القلب كما يدخل حب الماء البارد الشديد برده في اليوم الشديد الحر
للظمآن الشديد العطش فيرتفع عنه تعب الطاعة لاستلذاذه بها، بل تبقى الطاعات
غذاء لقلبه وتنعيمًا وسرورًا له، وقرة عين في حقه وتنعيمًا لروحه، يلتذ بها أعظم من
اللذات الجسمانية، فلا يجد في أوراد العبادة كلفة.
وفي الترمذي عن أنس مرفوعًا: ومن أحيا سنتي فقد أحبني، ومن أحبني
(بحكمه،) فقصرت نفسك عليه، (وعن محبة غيره من الخلق) بحبه، (وعن طاعة غيره
بطاعته) في أوامره ونواهيه، (وإن لم تكن كذلك، فلا تتعن) (بفوقيتين وعين مفتوحات وشد
النون)، أي: لا تتعب نفسك في أمر تتوهم به الوصول إليه، (فلست على شىء) من المحبة،
المقتضية لإقباله عليك، ورفعه إياك في المحل الأعلى، (وتأمل قوله تعالى: ﴿فاتبعوني يحببكم
اللّهِ﴾، أي: الشأن) بالرفع بيان لحاصل المعنى (في أن اللّه يحبكم لا في أنكم تحبونه، وهذا
لا ينالونه إلا باتباع الحبيب) عليه الصلاة والسلام.
(وقال المحاسبي في كتاب القصد والرجوع: وعلامة محبة العبد لله عزّ وجلّ اتباع
مرضاة اللّه))) أي: رضاه، (والتمسك بسنن) جمع سنّة (رسول اللّه عَّه، فإذا ذاق العبد حلاوة
الإِيمان ووجد طعمه) باتباع مرضاة اللّه والسنن، (ظهرت ثمرة ذلك على جوارحه ولسانه،
فاستحلى اللسان ذكر اللّه تعالى، وما والاه) مما فيه طاعة لله، كالأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر، هذا إن أريد بالذكر ذكر اللسان، (وأسرعت الجوارح إلى طاعة اللّه، فحينئذٍ يدخل
حب الإِيمان في القلب، كما يدخل حب الماء البارد الشديد برده في اليوم الشديد الحر
للظمآن الشديد العطش، فيرتفع عنه تعب الطاعة لاستلذاذه بها، بل تبقى الطاعات غذاء)
(بمعجمتين والمد) (لقلبه،) أي: كالغذاء له (وسرورًا له، وقرة عين في حقه، وتنعيمًا لروحه،
يلتذ بها أعظم من اللذات الجثمانية) (بضم الجيم ومثلثة) نسبة إلى الجثمان، وهو الجثة.
وفي نسخة: بالسين والجيم مكسورة، أي: أعظم من اللذات الحاصلة للشخص من تناوله
ما يلتذ به، (فلا يجد في أوراد العبادة كلفة).