النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته وتشديد النون - من الحرم ليقتلوه قال له أبو سفين بن حرب: أنشدك باللّه يا زيد أتحب أن محمدًا الآن عندنا مكانك نضرب عنقه وأنك في أهلك؟ فقال زيد: واللَّه ما أحب أن محمدًا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة وإني جالس في أهلي. فقال أبو سفين: ما رأيت أحدًا من الناس يحب أحدًا كحب أصحاب محمد محمدًا. وروي - مما ذكره القاضي عياض - أن رجلاً أتى النبي عَّله فقال: يا رسول اللَّه لأنت أحب إلي من أهلي ومالي، وإني لأذكرك فما أصبر حتى أجيء أخرج أهل مكة زيد بن الدثنة) بن مطوية بن عبيد بن مطوية بن عامر بن بياضة الأنصاري، البياضي، شهد بدرًا وأحدًا ((بفتح الدال المهملة وكسر المثلثة وتشدید النون)،) وقد تسكن المثلثة وتخفف النون وهاء تأنيث، اسم والده من قولهم دثن الطائر إذا طار حول وكره، ولم يسقط عليه أو من دثن إذا اتخذ عشا، وكان قد أسر يوم الرجيع مع خبيب بن عدي، فاشترى صفوان بن أمية زيد أو غيره خبيبًا، وذلك في ذي القعدة سنة ثلاث، فحبسا بمكة حتى خرجت الأشهر الحرم، فخرجوا بهما (من الحرم) تعظيمًا له، لأنهم كانوا لا يقتلون فيه، واجتمع هو وخبيب في الطريق فتواصوا بالصبر والثبات على ما يلحقهما من المكاره (ليقتلوه) بالتنعيم. (قال له أبو سفين بن حرب،) وهو يومئذٍ مشرك: ((أنشدك) بفتح الهمزة، وضم الشين): أسألك (بالله يا زيد أتحب أن محمدًا الآن عندنا مكانك نضرب عنقه، وإنك في أهلك، فقال زيد:) مؤكد بالقسم، (والله ما أحب أن محمدًا الآن في مكانه الذي هو فيه) مقيم (تصيبه شوكة،) أي: أقل شىء من الأذى فضلاً عما قلتم، (وإني جالس في أهلي) سالم من الأذى، (فقال أبو سفين: ما رأيت أحدًا من الناس،) ما نافية لا تعجيبة، وإن كان مراده التعجب من شدة حبهم له (يحب أحدًا كحب أصحاب محمد محمدًا،) مفعول المصدر، وهو حب، ثم قتله نسطاس مولى صفوان، وأسلما بعد رضي اللّه عنهما. وفي رواية: أنهم ناشدوا بذلك خبيبًا، فقال: والله ما أحب أن يفديني بشوكة في قدمه، ولا خلف، فقد يكونون قالوه لخبيب، وقاله أبو سفين لزيد، ومر بسط القصة في المغزي. (وروى) عند الطبراني في الصغير عن عائشة، وابن مردويه عن ابن عباس (مما ذكره القاضي عياض أن رجلاً ثوبان أو عبد الله بن زيد على ما يأتي (أتى النبي عَلّه، فقال: يا رسول اللّه لأنت) (اللام في جواب قسم مقدر) (أحب إليّ من أهلي ومالي، وإني لأُذكرك))) أي: أتذكرك في ذهني وأتصورك، أو أذكر اسمك وصفاتك فهو من الذكر (بالكسر أو الضم) (فما أصبر،) أي: لا أستطيع الصبر عنك، أي: عن رؤيتك لشدة حبي لك، (حتى أجىء فأنظر ٨٢ الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته فأنظر إليك، وإني ذكرت موتي وموتك فعرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، إن دخلتها لا أراك، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم اللَّه عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا﴾ [النساء/٦٩] فدعا به فقرأها عليه. قال: وفي حديث آخر: كان رجل عند النبي عَِّ ينظر إليه لا يطوف، فقال: ما بالك؟ قال: بأبي أنت وأمي، أتمتع من النظر إليك، فإذا كان يوم القيامة رفعك اللَّه بتفضيله، فأنزل اللَّه الآية. إليك) فيطمئن قلبي، وتقر عيني برؤيتك، (وإني ذكرت موتي وموتك،) أي: مكاني ومكانك بعد الموت، (فعرفت:) تحققت (إنك إذا دخلت الجنة) بعد الموت (رفعت) إلى الدرجات العلا (مع النبيين) صلوات الله عليهم أجمعين، (وإن دخلتها) أنا (بضم التاء) (لا أراك) بعد الدخول، لأنك في مقام لا يصل إليه غيرك، وعبر في جانبه عّ بإذا لتحقق دخوله الجنة، ويفيعته فيها وفي جانبه هو؛ بأن لعدم جزمه في نفسه بذلك، (فأنزل اللّه تعالى: ﴿ومن يطع الله والرسول﴾) بامتثال أمره ونهيه، ويلزمه محبته له أيضًا، ولم تذكر لتحققها لذكر الرجل لها والعلم بخلوصه فيها، (﴿فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم)) بنعيم الجنة وعالي مراتبها، ففيه تبشير له بمرافقة أكرم خلق اللّه وأقربهم، وأرفعهم منزلة (﴿من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين﴾))) بيان للمنعم عليهم بما أخفي لهم من قرة أعين (﴿وحسن أولئك﴾) تعجب، أي: ما أحسنهم (﴿رفيقًا﴾﴾ [النساء/٦٩]، تمييز، ولم يجمع لوقوعه على الواحد وغيره، أو لإِرادة كل واحد منهم، (فدعا به:) طلب حضوره، (فقرأها عليه) جوابًا له وتبشيرًا، والمراد بالمعية والمرافقة كونه في الجنة يستمتع فيها برؤيتهم وزيارتهم والحضور معهم متى شاء، لا التسوية في المنزلة. (قال) عياض: (وفي حديث آخر كان رجل عند النبي عَّه)) أي: ملازمًا لمجلسه (ينظر إليه))) أي: يديم النظر إلى وجهه الوجيه، (لا يطرف) (بفتح الياء وسكون الطاء وكسر الراء المهملتين وفاء)، أي: لا يصرف طرفه عن النظر إليه، أو لا يطبق أحد جفنيه على الآخر، ويغض بصره، وظاهر قول بعضهم، أي: لا يغض بصره مطرقًا راميًا ببصره إلى الأرض، أنه من أطرق (بضم أوله وقاف)، وهو صحيح أيضًا. قال بعضهم: لكني لا أعرف هل هو رواية أو تحرف عليه أو تسامح في تفسيره، (فقال) له عَّةٍ: (ما بالك؟،) أي: ما شأنك حتى تحد النظر وتديمه كالمبهوت، (قال:) أفديك (بأبي أنت وأمي، أتمتع من النظر،) لفظ الشفاء؛ بالنظر (إليك،) أي: أتلذذ بإدامة نظري في وجهك ما دام ممكنًا في الدنيا لأنتفع به وأتزوده منه، (فإذا كان) وجد (يوم القيامة رفعك اللّه) إلى ٨٣ الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته وذكره البغوي في تفسيره بلفظ: نزلت - أي الآية - في ثوبان مولى رسول اللَّه عَّهِ، وكان شديد الحب لرسول اللَّه عَِّ قليل الصبر عنه، فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه يعرف الحزن في وجهه، فقال له رسول اللّه عَ له: ما غير لونك؟ فقال: يا رسول اللَّه، ما بي من مرض ولا وجع غير أني إذا لم أرك استوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة، فأخاف أن لا أراك، لأنك ترفع مع النبيين، وأني إن دخلت الجنة في منزلة أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل الجنة لا أراك أبدًا، فنزلت هذه الآية، وكذا ذكره الواحدي في ((أسباب النزول))، وعزاه الكلبي عن ثوبان. وقال قتادة: قال بعض أصحاب النبي عَّةٍ: كيف يكون الحال في الجنة وأنت في الدرجات العلا ونحن أسفل منك فكيف نراك؟ فأنزل اللَّه الآية. الدرجات العالية في الجنة، (بتفضيله) لك على جميع خلقه، والباء للسببية، (فأنزل اللّه الآية) المذكورة، (وذكره البغوي) محبي السنّة الحسين بن مسعود، أحد الحفاظ (في تفسيره) بلا عزو، (بلفظ: نزلت، أي: الآية في ثوبان مولى رسول اللّه عَلَّه،) اشتراه وأعتقه، فلازمه حضرًا وسفرًا، وخدمه حتى مات، فتحول إلى الرملة، ثم حمص، فمات بها سنة أربع وخمسين، (وكان شديد الحب لرسول اللّه عَةٍ، قليل الصبر عنه فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه،) وعند الثعلبي: تغير وجهه، ونحل جسمه، (يعرف الحزن في وجهه)، (فقال له رسول اللَّه عَلَّه: ما غير لونك؟، فقال: يا رسول اللّه ما بي مرض) مطلق علة، (ولا وجع،) أي: مرض مؤلم، ويقع أيضًا على كل مرض، ولا يراد هنا للمغايرة، (غير أني إذا لم أرك استوحشت وحشة شديدة،) أي: حصل لي انقطاع بعد قلب عن الود وعدم استئناس، (حتى ألقاك،) فتزول وحشتي، (ثم ذكرت الآخرة،) أي: فكرت في أمرها (فأخاف أن لا أراك، لأنك ترفع مع النبيين) في أعلى الدرجات، (وإني إن دخلت الجنة في منزلة أدنى من منزلتك،) فتقل رؤيتي لك، بدليل قوله: (وإن لم أدخل الجنة لا أراك أبدًا، فنزلت هذه الآية) المذكورة. (وكذا ذكره الواحدي في) كتاب (أسباب النزول، وعزاه الكلبي) محمد بن السائب، (عن ثوبان) الصحابي، المذكور، وذكره شيخه الثعلبي في تفسيره بلا إسناد، ولا راوٍ، (وقال قتادة،) کما أُسندہ ابن جرير. (قال بعض أصحاب النبي عَّه، كيف يكون الحال في الجنة، وأنت في الدرجات العلا، ونحن أسفل منك فكيف نراك، فأنزل اللّه الآية) المذكورة، (وذكره ابن ظفر) محمد ٨٤ الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته وذكره ابن ظفر في («ينبوع الحياة)) بلفظ: إن عامر الشعبي قال: إن رجلاً من الأنصار أتى إلى النبي ◌َّةٍ فقال: واللَّه لأنت يا رسول اللَّه أحب إلي من نفسي ومالي وولدي وأهلي، ولولا أني آتيك فأراك لرأيت أن أموت أو قال أن سوف أموت، وبكى الأنصاري، فقال له رسول اللَّه عَ له: ما أبكاك؟ قال: بكيت أن ذكرت أنك تموت ونموت، وترفع مع النبيين، ونكون نحن إن دخلنا الجنة دونك، فلم يحر النبي عَّه إليه، بمعنى أي: لم يرجع إليه يقول، فأنزل اللَّه الآية. 7 قال: وذكر مقاتل بن سليمن مثل هذا، وقال: هو عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري الذي رأى الأذان. وذكر أيضًا: أن عبد الله بن زيد هذا كان يعمل في جنة له فأتاه ابنه فأخبره أن النبي عَّه توفي فقال اللهم أذهب بصري حتى لا أرى بعد حبيبي محمد أحدًا، فكف بصره. (في ينبوع الحياة) اسم تفسيره، وأسنده البيهقي (بلفظ: أن عامر) بالنصب، وإن رسم بصورة الرفع بلا ألف على لغة ربيعة، أو حذفت الألف للتخفيف، كقوله: ولا أذكر اللّه إلا قليلاً، ولا يختص ذلك بالضرورة خلافًا، فالزاعمة، وفي نسخة: بالألف، ولعلها اصطلاح، وإلا فالنسخ القديمة بدونها، وكذا في نسخة الشيخ الجارحي، تلميذ المصنف، وعليها خط المؤلف (الشعبي،) التابعي، فهو مرسل، (قال: إن رجلاً من الأنصار،) فهو غير ثوبان، لأنه ليس من الأنصار، ويأتي أنه ابن زيد، (أتى إلى النبي ◌َّهِ فقال له: واللّه لأنت يا رسول اللّه أحب إليّ من نفسي ومالي وولدي وأهلي، ولولا أني آتيك فأراك لرأيت أن أموت، أو قال: أن سوف أموت)، شك من الراوي، (وبكى الأنصاري، فقال له رسول اللَّه ◌ُعَظُلّ: ما أبكاك؟، قال: بكيت) الأجل (أن ذكرت أنك تموت) (بالتاء) أنت، (ونموت) (بالنون أوله نحن)، (وترفع) أنت (مع النبيين، ونكون نحن إن دخلتا الجنة دونك،) فتتعذر، أو تقل رؤيتنا لك، (فلم يحر) (بفتح التحتية وضم الحاء المهملة وبالراء) من حار إذا رجع (وبضم الياء وكسر الحاء) من أحار. الجواب رده (النبي عٍَّ إليه، بمعنى) ومقتضى قوله: (أي: لم يرجع إليه؛) أنه بالضبط الأول، إذ هو تفسير ليحر، (يقول:) تفسير لقوله، بمعنى: (فأنزل اللّه الآية، قال) ابن ظفر: (وذكر مقاتل بن سليمن مثل هذا، وقال: هو،) أي: الرجل الأنصاري، (عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري،) الخزرجي، (الذي رأى الأذان،) مات سنة اثنتين وثلاثين، وقيل: استشهد بأُحد، (وذكر) ابن ظفر (أيضًا؛ أن عبد الله بن زيد هذا كان يعمل في جنة) بستان (له فأتاه ابنه، فأخبره أن النبي عَِّ توفي، فقال: اللهم أذهب بصري حتى لا أرى بعد حبيبي محمد ٨٥ الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته واعلم أنه لا يجتمع في القلب حبان، فإن المحبة الصادقة تقتضي توحيد المحبوب، فليختر المرء لنفسه إحدى المحبتين فإنهما لا يجتمعان في القلب، والإنسان عند محبوبه كائنًا ما كان كما قيل: أنت القتيل بأي من أحببته فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي ولبعض الحكماء: كما أن الغمد لا يتسع لعضبين فكذلك القلب لا يتسع لمحبتين، ولذلك لازم إقبالك على من تهواه إعراضك عن كل شىء سواه، فمن أحدًا، فكف بصره:) عمي. وفي الحديث: إن منكم معشر الأنصار من لو أقسم على الله لأبره، وفي تفسير القرطبي؛ . أنه عَّ لما قرأ الآية على الرجل، دعا الله أن يعميه حتى لا يرى أحدًا غيره في الدنيا، فعمي مكانه، وتقدم مزيد لهذا في النوع السابع من المقصد السادس، ويأتي إن شاء اللّه تعالى مزيد في المقصد العاشر. (واعلم أنه لا يجتمع في القلب حبان، فإن المحبة الصادقة،) أي: الخالصة التي لا يشوبها رياء ولا مداهنة، ويعرف بالقرائن والأحوال، وصفها بذلك تنزيلاً لدلالتها على صدق صاحبها منزلته، ووصف غير العاقل بالصدق، وهو الإخبار بما يطابق الواقع، كثير في كلامهم، ومنه صدق القتال إذا قوي واشتد، (تقتضي توحيد المحبوب،) أي: جعله واحدًا، بحيث لا تتعلق محبته بغيره، فإذا تعلق قلب إنسان بمحبة شخصين، لم تكن محبته لواحد منهما صادقة، فإن أراد صدقها، (فليختر المرء لنفسه إحدى المحبتين) المتعلقتين بالشخصين، بالاقتصار على محبة واحد منهما، (فإنهما لا يجتمعان في القلب والإنسان عند محبوبه)، منقاد إليه، مسلم له جميع أموره، فيصير معه كعبد عامل بمقتضى العبودية من انقياده إلى سيده ظاهرًا وباطنًا، وحرصه على طاعته وفعل مراده، وإن لم يأمره (کائنًا ما كان، کما قیل،) قائله ابن الفارض: (أنت القتيل، بأي من أحببته،) لاستيلاء الحب عليك، فنقني في حبه بالانقياد له، فتصير كالميت الذي لا قدرة له على فعل شىء، فكأن المحبوب أزال شعور المحب لاستفراغه في هواه، (فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي،) أي: من تعده صافيًا في الدين، بحيث يحملك على ملازمة الطاعة سرًّا وإعلانًا، وليس المراد من نختار، لأنه يصير في غاية الركة، كأنه قال: اختر من تختار، (ولبعض الحكماء: كما أن الغمد) (بكسر الغين المعجمة) (لا يتسع لعضبين:) (بفتح المهملة وإسكان المعجمة)، تثنية عضب، وهو السيف القاطع تسمية بالمصدر، فهو أخص من مطلق السيف، (فكذلك القلب لا يتسع لمحبتين، ولذلك لازم إقبالك على من تهواه إعراضك عن كل شىء سواه، فمن داهن في المحبة،) أي: أظهر خلاف ما يبطن (أو ٨٦ الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته داهن في المحبة أو داجى، فقد عرض لمدى الغيرة أوداجًا، فمحبة الرسول عليه الصلاة والسلام - بل تقديمه في الحب على الأنفس والآباء والأبناء - لا يتم الإيمان إلا بها، إذ محبته من محبة الله تعالى. وقد حكي عن أبي سعيد الخراز- مما ذكره القشيري في رسالته - أنه قال: رأيت النبي عَّه في المنام، فقلت: يا رسول اللَّه اعذرني فإن محبة اللَّه شغلتني عن محبتك، فقال لي: يا مبارك من أحب اللَّه فقد أحبني. داجىء) بأن دارى، والمراد بها الأخذ للشىء والتوصل إليه بحيلة، (فقد عرض لمدى) (بضم الميم) جمع مدية السكين (الغيرة أوداجًا:) جمع ودج، أي: العروق المكتنفة ثغرة البحر يمينًا، وشمالاً، والمعنى: من لم يخلص المحبة عرض نفسه لأسباب الهلاك، الناشئة من غيرته على حيه لعدم وصوله لمراده منه، فيصاب بأسباب قاتلة كالمدى في شدة تأثيرها في البدن، (فمحبة الرسول عليه الصلاة والسلام، بل تقديمه في الحب على الأنفس والآباء والأبناء لا يتم الإِيمان إلا بها،) أي: لا يوجد ولا يكمل، فاستعمله بمعنى الوجود فيما قبل الإضراب، وبمعنى الكمال فيما بعده، (إذ محبته من محبة اللّه تعالى،) الواجبة لذاته، كما مر. (وقد حكي عن أبي سعيد) إبراهيم، وقيل: أحمد بن عيسى البغدادي، (الخراز:) بالخاء المعجمة وشد الراء فألف فزاي منقوطة، نسبة إلى خرز جلود القرب، ونحوها من أئمة القوم وجلة المشايخ، قيل: وهو أول من تكلم في علمي الفناء والبقاء، وقيل: فيه قمر الصوفية صحب السري، وذا النون المصري، وبشر الحافي وغيرهم. قال الجنيد: لو طالبنا اللّه بحقيقة ما عليه أبو سعيد، لهلكنا أقام كذا وكذا، سنة ما فاته ذكر الله بين الخرزتین. مات سنة سبع وسبعين، وقيل: سنة ست وثمانين ومائتي، ومرت ترجمته أيضًا. (مما ذكره القشيري) أبو القسم عبد الكريم بن هوازن، الإِمام العلامة، المفسر، المحدث، الولي، الذي ما رأى الراؤن مثله، مر بعض ترجمته (في رسالته أنه) أي: أبا سعيد (قال: رأيت النبي عمـ ٣ في المنام، فقلت: يا رسول اللّه أعذرني) (بكسر الهمزة، وسكون العين، وكسر الذال المعجمة، وهمزته وهمزة وصل من عذر، كضرب، وبفتح الهمزة، وكسر الذال، وهمزته همزة قطع من أعذروهما، لغتان سوى بينهما المجد، ولم نر ضم الهمزة والذال، والمعنى: أقبل عذري، فلا تؤاخذني بتقصيري، وأرفع اللوم عني، (فإن محبة اللّه شغلتني عن محبتك، فقال لي: يا مبارك:) اسم مفعول من البركة، وهي الزيادة والتنمية، هذا أصله لغة، ثم استعمل عرفًا في قليل الفطنة، فيحتمل أنه المراد هنا دفعًا لتوهمه؛ أن محبة اللّه تنافي محبته، ويعد المشتغل بها مقصرًا ٨٧ الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته وقيل إن ذلك وقع لامرأة من الأنصار معه عَّله يقظة، ولابن أبي المجد سيدي إبراهيم الدسوقي. ألا يا محب المصطفى زد صبابة وضمخ لسان الذكر منك بطيبه ولا تعبان بالمبطلين فإنما علامة حب اللَّه حب حبيبه وكذلك كل حب في اللَّه وللَّه، كما في الصحيحين، عن أنس أن رسول اللَّه عَِّ قال: ((ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب في حبه عليه الصلاة والسلام، مع أنها عينها، كما قال: (من أحب اللّه فقد أحبني،) لأني الداعي إلى الله، الموصل إليه. (وقيل: إن ذلك وقع لامرأة من الأنصار معه عَّةٍ يقظة،) فإن ثبت فلا منافاة، كما لا يخفى، (ولابن أبي المجد،) العارف بالله تعالى، (سيدي إبرهيم الدسوقي،) الشريف، الحسينيد وقد ذكر نسبه في اللواقح، فقال إبراهيم بن أبي المجد بن قریش بن محمد بن أبي النجاء بن زين العابدين بن عبد الخالق بن محمد بن أبي الطيب بن عبد اللّه الكاتم بن عبد الخالق بن أبي القسم بن جعفر الزكي بن علي بن محمد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن على الزاهد بن زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، تفقه على مذهب الشافعي، ثم اقتفى آثار الصوفية وجلس في مرتبة الشيخوخة، وحمل الراية البيضاء، وعاش ثلاثًا وأربعين سنة، ولم يغفل قط عن المجاهدة للنفس والهوى والشيطان، حتى مات سنة ست وسبعين وستمائة، (ألا يا محب المصطفى زد صبابة) (بفتح الصاد) شوقًا، أو رقته وحرارته، أو رقة هوى (وضمخ) (بمعجمتين بينهما ميم) الطخ (لسان الذكر) للّه تعالى الذي تستعمله (منك بطيبه)) بإثناء عليه وتعظيمه عَّهِ، (ولا تعبان،) أي: لا تهتم ولا تبال (بالمبطلين،) الزاعمين أن ذلك يشغل عن اللّه تعالى، (فإنما علامة حب الله حب حبيبه،) وزعمهم باطل، كيف، وقد قال: أحبوني لحب اللّه، (وكذلك كل حب في اللّه، وللّه كما في الصحيحين). البخاري في الإِيمان والأدب، ومسلم في الإِيمان، عن أبي قلابة، (عن أنس أن رسول اللّه ◌َ . قال: ثلاث) مبتدأ، خبره جملة (من كن،) أي: حصلن (فيه،) فهي تامة (وجد،) أي: أصاب، ولذا اكتفى بمفعول واحد، أعني (حلاوة الإيمان،) وجاز الابتداء بالنكرة، لأن التنوين عوض عن المضاف إليه، أي: ثلاث خصال، أو لأنه صفة موصوف محذوف، وهو مبتدأ حقيقة، أي: خصال ثلاث، أو لأن الجملة الشرطية صفته، والخبر (أن يكون الله ورسوله أحب،) ٨٨ الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا اللَّه وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقدف في النار))، فعلق ذوق الإيمان بالرضا باللَّه ربًا، وعلق وجدان حلاوته بما هو موقوف عليه ولا يتم إلا به، وهو كونه سبحانه أحب الأشياء إلى بالنصب خبر يكون (إليه مما سواهما،) ولم يثن أحب ليطابق خبر كان اسمها، لأن أفعل التفضيل إذا وصل بمن، فهو مفرد مذكر دائمًا، ولا تجوز المطابقة لمن هوله، (وأن يحب المرء) حال كونه، (لا يحبه إلا اللّه تعالى،) والنسائي من رواية طلق بن حبيب عن أنس، وأن يحب في اللّه ويبغض في الله. قال يحيى بن معاذ: حقيقة الحب في اللّه أن لا يزيد بالبر ولا ينقص بالجفاء، نقله الحافظ، (وأن يكره أن يعود،) أي: العود (في الكفر، كما يكره أن يقذف) (بضم أوله وفتح ثالثه، أي: مثل كراهة القذف (في النار). زاد البخاري من وجه آخر بعد أن أنقذه الله منه، قال الحافظ: والإنقاذ أعم من أن يكون بالعصمة منه ابتداء، بأن يولد على الإِسلام ويستمر، أو بالإخراج من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان، وعلى الأول، فيحمل قوله يعود على معنى الصيرورة، بخلاف الثاني، فالعود فيه على ظاهره. وفي رواية قتادة، عن أنس، عند مسلم والبخاري في الأدب: وحتى أن يقذف في النار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد أن أنقذه اللّه منه، وهي أبلغ من هذه الرواية، لأنه سوى فيها بين الأمرين، وهنا جعل الوقوع في نار الدنيا أولى من الكفر الذي أنقذه اللّه بالخروج منه من نار الأخرى، فإن قيل لم عدي العود بقي ولم يعده بالي، فالجواب أنه ضمنه معنى الاستقرار، كأنه قال: يستقر فيه، ومثله قوله تعالى: ﴿وما كان لنا أن نعود فيها﴾ [الأعراف/٨٩]. انتھی. وزعم العيني أنه تعسف، وإنما ((في)) هنا بمعنى ((إلى))، كقوله تعالى: ﴿أو لتعودن في ملتنا﴾ [الأعراف/٨٨]، أي: لتصيرن إلى ملتنا، ومنعه شيخنا في قراءة البخاري بأنه لا تعسف، فكل من الطريقين مسلوك، وذلك لأن الفعل إذا عدي بحرف لا يتعدى به، جاز تأويل الفعل بما يتعدى به، كتأويل يؤمنون بالغيب بيعترفون، وتأويل الحرف مع بقاء الفعل على حقيقته، كالمثال الذي ذكره، بل قال بعضهم: التأويل في الفعل أولى، (فعلق ذوق الإِيمان بالرضا باللّه رباء) بقوله عَّهِ: ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، الحديث الآتي قريبًا. وطعم الإِيمان، بمعنى حلاوة الإِيمان، لأن الثلاثة لا توجد إلا ممن صح إيمانه وانشرح صدره، قاله عياض، (وعلق) في هذا الحديث (وجدان حلاوته بما هو موقوف عليه، ولا يتم إلا به، وهو كونه سبحانه أحب الأشياء ٨٩ الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته العبد هو ورسوله، فمن رضي اللَّه ربًا رضيه اللَّه له عبدًا. ومعنى حلاوة الإيمان: استلذاذ الطاعات وتحمل المشقات في الدين، ويؤثر ذلك على أغراض الدنيا، ومحبة العبد للَّه تحصل بفعل طاعته وترك مخالفته، وكذلك الرسول، قاله النووي. وقال غيره: معناه أن من استكمل الإيمان علم أن حق اللَّه ورسوله آكد عليه من حق والده وولده وجميع الناس، لأن الهدى من الضلالة، والخلاص من النار، إنما كان بالله على لسان رسوله . وفي قوله عليه الصلاة والسلام: حلاوة الإيمان استعارة تخييلية، فإنه شبه رغبة المؤمن في الإيمان بشىء حلو، وأثبت له لازم ذلك الشىء وأضافه إليه، وفيه تلميح إلى قضية المريض والصحيح، لأن المريض الصفراوي يجد طعم العسل مرا، إلى العبد هو) تعالى (ورسوله) عليه السلام، (فمن رضي بالله ربا رضيه اللّه له عبدًا،) بمعنى أثابه جزيل الثواب، (ومعنى حلاوة الإيمان استلذاذ الطاعات وتحمل المشقات في الدين،) فاستعمال الحلاوة فيه مجاز مرسل من ذكر الملزوم وإرادة اللازم، (ويؤثر) لفظ الفتح، وإيثار (ذلك على أعراض الدنيا ومحبة العبد للّه تحصل،) أي: تتحقق وتوجد (بفعل طاعته وترك مخالفته، وكذلك الرسول، قاله النووي:) بمعنى أن فعل الطاعة علامة على محبة العبد، فليس عين المحبة، بل هو مسبب عنها، كما أشار إليه البيضاوي، في إن كنتم تحبون الله. (وقال غيره: معناه أن من استكمل الإِيمان علم أن حق الله ورسوله آكد عليه من حق والده وولده وجميع الناس، لأن الهدى من الضلالة والخلاص من النار إنما كان باللّه على لسان رسوله،) فكأنه حمله علی معنی الحدیث، قبله: لا يؤمن أحدكم حتى أکون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين. (وفي قوله عليه الصلاة والسلام: حلاوة الإيمان،) كما قال الحافظ (استعارة تخييلية، فإنه شبه رغبة المؤمن في الإِيمان بشىء حلو، وأثبت له لازم ذلك الشىء، وأضافه إليه،) ولا يتعين هذا، فيجوز أنه شبه اللذة الحاصلة من التلبس بالإِيمان بحلاوة الحلو، واستعار له اسمه، فتكون استعارة، تصريحية، ويجوز أنه مجاز مرسل أطلق الحلاوة وأراد لازمها عند تناولها، وهو اللذة، (وفيه تلميح إلى قضية المريض والصحيح، لأن المريض الصفراوي،) الذي غلب خلط الصفراء على مزاجه، (يجد طعم العسل مرا) لفساد مزاجه. ٩٠ الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته والصحيح يذوق حلاوته على ما هي عليه، وكلما نقصت الصحة شيئًا ما، نقص ذوقه بقدر ذلك. وقال العارف ابن أبي جمرة: واختلف في الحلاوة المذكورة هل هي محسوسة أو معنوية، فحملها قوم على المعنى وهم الفقهاء ومن شابههم، وحملها (والصحيح يذوق حلاوته على ما هي عليه، وكلما نقصت الصحة شيئًا ما) قليلاً (نقص ذوقه بقدر ذلك). زاد الحافظ: فكانت هذه الاستعارة من أوضح ما يقوى به استدلال البخاري على الزيادة والنقص، أي: للإِيمان، وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة إنما عبر بالحلاوة، لأن اللّه شبه الإِيمان بالشجرة في قوله: ﴿مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة﴾، فالكلمة هي كلمة الإخلاص، والشجرة أصل الإيمان، وأغصانها اتباع الأمر واجتناب النهي، وزهرتها ما يهم به المؤمن من الخير، وثمرتها عمل الطاعات، وحلاوة الثمرة جنى الشجرة، وغاية كماله تناهي نضج الثمرة، وبه تظهر حلاوتها. انتھی. وقال البيضاوي: المراد بالحب العقلي، الذي هو إيثار ما يقتضي العقل السليم رجحانه، وإن كان على خلاف هوى النفس، كالمريض يعاف الدواء بطبعه فينفر عنه ويميل إليه بمقتضى عقله فيهوى تناوله، فإذا تأمل المرء أن الشارع لا يأمر ولا ينهي إلا بما فيه صلاح عاجل أو خلاص آجل، والعقل يقتضي رجحان جانب ذلك، تمرن على الائتمار بأمره، بحيث يصير هواه تبعًا له، ويتلذذ به التذاذًا عقليًا، إذ الالتذاذ العقلي إدراك ما هو كمال وخير من حيث هو كذلك، وعبر الشارع عن هذه الحالة بالحلاوة، لأنها أظهر اللذائذ المحسوسة، وإنما جعل هذه الثلاثة عنوانًا لكمال الإِيمان لأن المرء إذا تأمل أن المنعم بالذات هو اللّه وأن لا مانح ولا مانع في الحقيقة سواه وإن ما عداه وسائط، وأن الرسول هو الذي يبين مراد ربه، اقتضى ذلك أن يتوجه بكليته نحوه، فلا يحب إلا ما يحب، ولا يحب من يحب إلا من أجله، وأن يتيقن أن جملة ما وعد وأوعد حق يقينًا، يخيل إليه الموعود، كالواقع، فيحسب أن مجالس الذكر رياض الجنة، وأن العود في الكفر إلقاء في النار. انتهى ملخصًا. وشاهد هذا الحديث من القرآن قوله تعالى: ﴿قل إن كان آباؤكم وأبنائكم﴾، إلى أن قال: ﴿أحب إليكم من اللّه ورسوله﴾ [التوبة/٢٤]، ثم هدد على ذلك، وتواعد بقوله: ﴿فتربصوا حتى يأتي اللّه بأمره﴾، فإن فيه إشارة إلى التحلي بالفضائل والتخلي عن الرذائل، فالأول من الأول، والثاني من الثاني. انتهى كله من فتح الباري. (وقال العارف ابن أبي جمرة:) بجيم وراء، (واختلف في الحلاوة المذكورة) في قوله حلاوة الإيمان (هل هي محسوسة أو معنوية، فحملها قوم على المعنى،) بمعنى: أن من وجدت ٩١ الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته قوم على المحسوس وأبقوا اللفظ على ظاهره من غيره أن يتأولوه وهم أهل الصفة، أو قال أهل الصوفة. قال: والصواب معهم في ذلك واللَّه أعلم، لأن ما ذهبوا إليه أبقوا به لفظ الحديث على ظاهره من غير تأويل. قال: ويشهد إلى ما ذهبوا إليه أحوال الصحابة والسلف الصالح وأهل فيه جزم بالإِيمان وانقاد إلى أحكامه، (وهم الفقهاء ومن شابههم) من أهل المعقولات، (وحملها قوم على المحسوس، وأبقوا اللفظ على ظاهره من غير أن يتأولوه، وهم أهل الصفة) (يضم الصاد وشد الفاء) السادة الصوفية، سموا بذلك لجريهم على نحو ما كان عليه أهل الصفة، وهي ظلة في مؤخر المسجد النبوي، يأوي إليها المساكين من الانقطاع إلى اللّه وعبادته، والإعراض عن الدنيا، (أو قال أهل الصوفة) للبسهم الصوف تقشفًا وإعراضًا عما تنعم به الأغنياء. (قال) ابن أبي جمرة: (والصواب معهم في ذلك واللّه أعلم، لأن ما ذهبوا إليه أبقوا به لفظ الحديث على ظاهره من غير تأويل،) والأصل أنه لا يعدل عن الحقیقة، ما وجد إليها سبيل، والمتبادر من هذا أنها أمر يدرك حلاوته بالفم، كما يدرك حلاوة السكر والعسل ونحوهما، وهذا شىء لا یدر که إلا من وصل إلی ذلك المقام، فلا یلیق ادعاء أنه غیر مراد، بل المراد ما يأتي أنه أمر يجده القلب، تكون نسبته إليه، كذوق حلاوة الطعام إلى الفم، وذوق حلاوة الجماع إلى اللذة، لأن الآتي كلام ابن القيم حملاً له على المعنى، إذ هو لم يذكر القول بأنها محسوسة فلا يرد إليه، وكذا ما نقلناه آنفًا من نفس كلام ابن أبي جمرة، المصرح بأن التعبير بإطلاق الحلاوة إنما هو على وجه التشبيه، أي: يجد في قلبه حلاوة تشبه الحلاوة المأكولة بالفم، إنما هو تقرير للقول بأنها معنوية، وما لنا وللتكلم فيما لا نعرفه ولا يمكننا تخيله: وإذا لم تر الهلال فسلم لأناس رأوه بالأبصار (قال: ويشهد إلى ما ذهبوا إليه أحوال الصحابة والسلف الصالح) كالتابعين (وأهل المعاملات،) وهي منازل عشرة ينزلها السائرون إلى الحق عز اسمه، وهي الرعاية والمراقبة، والحرمة والإِخلاص، والتهذيب والاستقامة، والتوكل والتفويض، والثقة والتسليم، سميت بالمعاملات، لأن العبد لا يصلح له معاملة الحق إلا بأن يتحقق بهذه المقامات، فالمعاملة عندهم عبارة عن توجه النفس الإِنساني إلى باطنها، الذي هو الروح الروحاني والسر الرباني، واستمدادها منهما ما يزيل الحجب عنها، ليحصل لها قبول المدد في المقابلة إزالة كل حجاب، وهذا إنما يصح لعبد يملك ناصية الزهد، ثم الورع، ثم الحزن، فمن ملك ناصية هذه الثلاثة استحق أن يصير من أهل المعاملات، وأهم ما عليه أن يتحقق بأعم مقاماتها وأهمه، وهو الإخلاص، إذ لا تصح المعاملة بدونه، ثم المراقبة، ثم التفويض، قاله في الأعلام بإشارات أهل الإلهام، (فإنهم ٩٢ الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته المعاملات، فإنهم حكوا عنهم أنهم وجدوا الحلاوة محسوسة. فمن ذلك: حديث بلال حين صنع به ما صنع في الرمضاء إكراهًا على الكفر، وهو يقول أحد أحد، فمزج مرارة العذاب بحلاوة الإيمان. وكذلك أيضًا عند موته، أهله يقولون: واحرباه، وهو يقول: واطرباه، غدًا ألقى الأحبة محمدًا وحزبه، فمزج مرارة الموت بحلاوة اللقاء وهي حلاوة الإيمان. ومنها حديث الصحابي الذي شرق فرسه بليل وهو في الصلاة، فرأى السارق حين أخذه فلم يقطع لذلك صلاته، فقيل له في ذلك فقال: ما كنت فيه ألذ من حكوا عنهم؛ أنهم وجدوا الحلاوة محسوسة، فمن ذلك حديث بلال) بن رباح، أحد السابقين الأولين (حين صنع به ما صنع في الرمضاء:) (بفتح الراء وسكون الميم وضاد معجمة والمد) أرض اشتد وقع الشمس فيها، سواء كان فيها رمل أو حصى أو غيرهما. روي أنهم كانوا يلصقون ظهره برمضاء البطحاء في الحر، ولأحمد عن أبي ذران بلالاً، هانت عليه نفسه في اللّه، وهان على قومه فأعطوه الولدان، فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة (إكراهًا على الكفر، وهو يقول أحد أحد،) مرفوع منون، كذا أحفظه، وكذا في أصلنا من ابن ماجه خبر مبتدأ محذوف، أي: اللّه أحد، كأنه يشير إلى أنه لا يشرك بالله شيئًا، ويحتمل أنه غير منون، أي: يا أحد، قاله في النور، (فمزج:) خلط (مرارة العذاب:) مشقته وألمه (بحلاوة الإِيمان، وكذلك أيضًا) وقع له ذلك (عنه موته أهله، يقولون:) أي: زوجته، كما في الشفاء والمصنف في المقصد الأول، ولفظه: وهذا كما وقع له عند موته، كانت امرأته تقول: (وأحرباه،) روي بفتح الحاء والراء المهملتين، والموحدة من الحرب بفتحتين، وهو كما في النهاية نهب مال الإنسان وتركه لا شىء له، فكأنها لتفجعها نهبت وسلبت. وروي بفتح الحاء والزاي، وبضم الحاء وسكون الزاي، وروى واحوباه، بحاء مفتوحة وواو ساكنة فموحدة من الحوب الإثم، والمراد ألمها بشدة جزعها وقلقها في المصيبة، فهي تتفجع على نفسها، أو من الحوبة بمعنى رقة القلب، وهو تكلف، (وهو يقول: واطرباه،) أي: فرحاه، والواو للندبة، والألف والهاء مزيدة في آخره، كأنه يستغيث بطربه، ويدعوه في سكرات الموت لما تيقنه من الثواب وملاقاة الأحباب، كما أشار إليه بقوله: (غدًا ألقى الأحبة محمدًا وحزبه:) أصحابه، والمراد بغدا الزمان المستقبل بعد الموت، (فمزج مرارة الموت بحلاوة اللقاء، وهي حلاوة الإيمان) أي: من جملة حلاوته (ومنها حديث الصحابة الذي سرق فرسه بليل، وهو في الصلاة، فرأى السارق حين أخذه، فلم يقطع لذلك صلاته، فقيل له في ذلك،) أي: ليم على ٩٣ الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته ذلك، ولا ذاك إلا للحلاوة التي وجدها محسوسة في وقته ذلك. ومنها حديث الصحابيين اللذين جعلهما عَّةٍ في بعض مغازيه من قبل العدو، وقد أقبل فرآهما، فكبل الجاسوس القوس ورمى الصحابي فأصابه، فبقي على صلاته ولم يقطعها، ثم رماه ثانية فأصابه فلم يقطع لذلك صلاته، ثم رماه ثالثة فأصابه، فعند ذلك أيقظ صاحبه وقال: لولا أني خفت على المسلمين ما قطعت صلاتي. وما ذاك إلاّ لشدة ما وجد فيها من الحلاوة حتى أذهبت عنه ما يجد من ألم السلاح. قال: ومثل ذلك حكي عن كثير من أهل المعاملات. انتهى. وحديث هذين الصحابيين ذكره البخاري في صحيحه في باب ((من لم ير الوضوء إلا من المخرجين)) بلفظ: ويذكر عن جابر أن النبي عَ ه كان في غزوة ((ذات الرقاع)) فرمي رجل بسهم فنزفه الدم فركع وسجد ومضى في صلاته. وقد عدم اتباع السارق وتخليصها منه، (فقال: ما كنت فيه ألذ من ذلك ولا ذاك إلا للحلاوة التي وجدها محسوسة في وقته ذلك))) إذ لو كانت معقولة معنوية ما قدمها على ضياع فرسه (ومنها حديث الصحابيين، اللذين جعلهما النبي ◌ٍَّ في بعض مغازيه من قبل العدو،) أي: من جهته، (وقد أقبل) العدو، (فرآهما، فكبل) (باللام بزنة ضرب والتشديد مبالغة) (الجاسوس القوس،) أي: أوتره، عبر عنه بالتكبيل مجازًا، تشبيهًا لابتار القوس بوضع القيد في رجل الأسير، لميالغته في إبتاره، ليتمكن من قوة الرمي، وفي نسخة: فكبد بالدال، أي: جعل النشاب في وسط القوس، (ورمى الصحابي فأصابه، فبقي على صلاته ولم يقطعها، ثم رماه ثانية فأصابه، فلم يقطع لذلك صلاته، ثم رماه ثالثة فأصابه، فعند ذلك أيقظ صاحبه). (وقال: لولا إني خفت على المسلمين ما قطعت صلاتي،) أي: ما اختصرتها، لأنه لم يقطعها بالفعل، (وما ذاك،) أي: عدم قطعها واعتذاره (إلا لشدة ما وجده فيها من الحلاوة حتى أذهبت عنه ما يجد من ألم السلاح). (قال: ومثل ذلك حكي عن كثير من أهل المعاملات انتهى) كلام ابن أبي جمرة. (وحديث هذين الصحابيين ذكره البخاري في صحيحه في باب: من لم يرّ الوضوء إلا من المخرجين) من كتاب الوضوء، (بلفظ: ويذكر عن جابر) بن عبد اللّه الصحابي ابن الصحابي؛ (أن النبي ◌ٍَّ كان في غزوة ذات الرقاع، فرمي) (بضم الراء مبنيًّا للمفعول) (رجل) هو عباد بن بشر (بسهم، فنزفه الدم) (بفتح الزاي والفاء)، أي: خرج منه دم كثير حتى يضعف. ٩٤ الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته وصله ابن إسحق في المغازي قال: حدثني صدقة بن يسار عن عقيل بن جابر عن أبيه مطولاً، وأخرجه أحمد وأبو داود والدارقطني وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، كلهم من طريق ابن إسحق. قال في فتح الباري، وشيخه ((صدقة)) ثقة، قاله الجوهري، وفي أفعال ابن طريف يقال: نزفه الدم وأنزفه. إذا سال منه كثيرًا حتى يضعفه، فهو نزيف ومنزوف، (فركع وسجد، ومضى في صلاته) فلم يقطعها. قال الحافظ: أراد البخاري بهذا الحديث الرد على الحنفية في أن الدم السائل ينقض الوضوء، فإن قيل: كيف مضى في صلاته مع وجود الدم في بدنه أو ثوبه، واجتناب النجاسة فيها واجب، أجاب الخطابي: باحتمال، أن الدم جرى من الجرح على سبيل الدفق، بحيث لم يصب شيئًا من ظاهر بدنه وثيابه وفيه بعد، ويحتمل أن الدم أصاب الثوب، فقط فنزعه عنه، ولم يسل على جسمه إلا قدر يسير معفو عنه، ثم الحجة قائمة به على أن خروج الدم لا ينقض، ولو لم يظهر الجواب عن كون الدم أصابه. (وقد وصله ابن إسحق في المغازي) في غزوة ذات الرقاع، (قال: حدثني صدقة بن يسار) الجزري، نزيل مكة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة، (عن عقيل بن جابر) بن عبد الله الأنصاري، المدني، مقبول، (عن أبيه) جابر الصحابي (مطولاً)) قال: خرجنا مع رسول اللّه عَ لّ. في غزوة ذات الرقاع، فأصبنا امرأة رجل من المشركين، فلما قفل عَّه، أتى زوجها وكان غائبًا، فحلف لا ينتهي حتى يصيب في أصحاب محمد دمًا، فخرج يتبع أثره عَِّ فنزل منزلاً، فقال: من رجل يكلؤنا ليلتنا، فانتدب رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار، فقالا: نحن يا رسول اللّه، قال: فكونا في فم الشعب، وكان عَّه وأصحابه قد نزلوا إلى شعب من الوادي، فقال الأنصاري للمهاجري: أي الليل تحب أن أكفيك، أوله أم آخره، قال: بل إكفني أوله، فنام المهاجري، وقام الأنصاري يصلي، وأتى الرجل، فلما رأى شخص الرجل، عرف أنه ربيئة القوم، فرمى بسهم فوضعه فيه، فنزعه ووضعه، وثبت قائمًا، ثم رماه بسهم آخر فوضعه فيه فنزعه ووضعه وثبت قائمًا ثم عاد له بالثالث فوضعه فيه فنزعه فوضعه ثم ركع وسجد، ثم أهب صاحبه، فقال: إجلس فقد أثبت، فوثب، فلما رآهما الرجل عرف أنه قد نذرا به، فهرب، ولما رأى المهاجري ما بالأنصاري من الدماء، قال سبحان اللّه: ألا أهبيتني أول ما رماك؟، قال: كنت في سورة أقرؤها، فلم أحب أن أقطعها حتى أنفدها، فلما تابع على الرمي ركعت، فآذنتك، وأيم اللّه لولا أن أضيع ثغرًا أمرني رسول اللّه عَّه بحفظه، لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنقدها. (وأخرجه أحمد وأبو داود والدارقطني، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، كلهم من طريق ابن إسحق) محمد إمام المغازي، (قال في فتح الباري: وشيخه صدقة ثقة). ٩٥ الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته وعقيل - بفتح العين - لكني لا أعرف راويًا عنه غير صدقة، ولهذا لم يحزم به البخاري، أو لكونه اختصره، أو للإختلاف في ابن إسحق وأخرجه البيهقي في الدلائل من وجه آخر، وسمي أحدهما: عباد بن بشر الأنصاري، والآخر وعمار بن ياسر من المهاجرين، والسورة الكهف. وإنما قال أحب إليه مما سواهما ولم يقل ((ممن)) ليعم من يعقل ومن لا يعقل: وفي قوله: أن يكون اللَّه ورسوله أحب إليه مما سواهما دليل على أنه لا بأس بهذه التثنية، وأما قوله للذي خطب فقال: ((ومن يعصهما)) بئس الخطيب أنت روى له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه (وعقيل (بفتح العين) وكسر القاف)، وإن كان مقبول الرواية، (لكني لا أعرف راويًا عنه غير صدقة،) فيكون مجهول العين، وهو مردود عند الأكثر، (ولهذا لم يجزم به البخاري) بل أتى بصيغة التمريض، بقوله: يذكر على عادته فيما لم يصح عنده، (أو لكونه اختصره،) وهو مسوغ للتمريض، (أو للاختلاف في ابن إسحق،) فمنهم من وثقه، ومنهم من ضعفه. (وأخرجه البيهقي في الدلائل) النبوية (من وجه آخر، وسمي أحدهما،) أي: الرجلين المبهمين في رواية ابن إسحق، (عباد بن بشر الأنصاري،) وهو الذي رمي بالسهام، (و) سمي الرجل (الآخر عمار بن ياسر من المهاجرين و) سمي (السورة) التي كان يقرؤها عباد في صلاته (الكهف،) فحصل بهذه الطريق تقوية، رواية ابن إسحق، مع بيان المبهم في روايته من الرجلين والسورة، (وإنما قال: أحب إليه مما سواهما، ولم يقل ممن، ليعم من يعقل ومن لا يعقل،) لأن ما موضوعة لهما بخلاف من، فموضوعة للعاقل. قال تعالى: ﴿اللَّه ما في السموات وما في الأرض)، وقال تعالى ﴿ولله يسجد من في السموات ومن في الأرض﴾، قال البيضاوي: لما استعمل ما للعقلاء، كما استعمل من لغيرهم كان استعماله حيث اجتمعا أولى من إطلاق من تغليبًا للعقلاء (وفي قوله: أن يكون اللّه ورسوله أحب إليه مما سواهما، دليل على أنه لا بأس بهذه التثنية،) أي: يجوز جمع اللّه ورسوله في ضمير واحد، (وأما قوله عٍَّ للذي خطب،) قال الحافظ برهان الدين في المقتفى: لا أعرفه، وقال بعض الحفاظ أنه ثابت بن قيس، وقال الطوفي: هو عدي بن حاتم. روى مسلم وأبو داود، عن عدي بن حاتم، أن خطيبًا خطب عند النبي عَه، (فقال:) من يطع اللّه ورسوله فقدّ رشد، (ومن يعصهما) فقد غوى، فقال عَّ: (بئس الخطيب أنت،) قل: ومن يعص الله ورسوله فقد غوى، ورشد بفتح الشين المعجمة وكسرها، كما قال المصنف على مسلم. ٩٦ الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته فليس من هذا، لأن المراد في الخطب الإيضاح، وأما هنا فالمراد الإيجاز في اللفظ ليحفظ، ويدل عليه أن النبي عَ ◌ّه حيث قاله في موضع آخر قال: ومن يعصهما فلا يضر إلا نفسه. وقيل: إنه من الخصائص، فيمتنع من غير النبي عَّه ولا يمتنع منه، لأن غيره إذا جمع أوهم إطلاق التسوية بخلافه هو، فإن منصبه لا يتطرق إليه إيهام ذلك، وإلى هذا مال ابن عبد السلام. ومن محاسن الأجوبة في الجمع بين هذا الحديث وقصة الخطيب، أن تثنية (فليس من هذا، لأن المراد في الخطب الإِيضاح) واجتناب الرمز، ولذا كان عَّهِ إِذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا، لتفهم كما في الصحيح، (وأما هنا، فالمراد الإِيجاز:) الاختصار (في اللفظ ليحفظ،) إذ القليل يسهل حفظه، وهذا صوبه النووي قائلاً: وهذا هو الفرق بين الحديثين، حديث من يعصهما كان في خطبة، وحديث مما سواهما كان في تعليم حكم، فتقليل اللفظ فيه أولى، لأنه أقرب إلى الحفظ، (ويدل عليه أن النبي عَّه حيث قاله في موضع آخر، قال:) كما رواه أبو داود عن ابن مسعود أن النبي عَّهِ خطب، فقال: في خطبته من يطع الله ورسوله فقد رشد، (ومن يعصهما فلا يضر إلا نفسه،) واعترض بأن هذا الحديث إنما ورد أيضًا في خطبة النكاح، وأجيب بأن المقصود في خطبة النكاح أيضًا الإِيجاز، فلا نقض، وثم أجوبة أخرى، منها دعوى الترجيح، فيكون خبر المنع أولى، لأنه عام، والآخر يحتلم الخصوصية، ولأنه ناقل، والآخر مبني على الأصل، ولأنه قول، والآخر فعل ورد بأن احتمال التخصيص في القول أيضًا حاصل، بل ليس فيه صيغة عموم أصلاً. هكذا في الفتح قبل قوله: (وقيل: إنه من الخصائص فيمتنع من غير النبي عَليه ولا يمتنع منه، لأن غيره إذا جمع أوهم إطلاق التسوية) بينهما، لأنه لفظ واحد متصل، لا سيما إذا لوحظ العدول عن العطف، الدال على التفاوت والتبعية، ولذا قال له: قل ومن يعصِ اللّه ورسوله (بخلافه هو، فان منصبه لا يتطرق إليه إيهام ذلك،) لأنه يعطي مقام الربوبية حقه، (وإلى هذا مال ابن عبد السلام،) الشيخ عز الدين. زاد الحافظ: ومنها دعوى التفرقة بوجه آخر، هو أن كلامه عَِّ هنا جملة واحدة، فلا يحسن إقامة الظاهر فيها مقام المضمر، وكلام الذي خطب جملتان، فالأولى إقامة الظاهر فیھما. (ومن محاسن الأجوبة في الجمع بين هذا الحديث وقصة الخطيب أن تثنية الضمير هنا ٩٧ الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته الضمير هنا للإيماء إلى أن المعتبر هو المجموع المركب من المحبتين، لا كل واحدة منهما، فإنها وحدها لاغية إذا لم ترتبط بالأخرى، فمن يدعي حب اللَّه مثلاً ولا يحب رسوله لا ينفعه ذلك، ويشير إليه قوله تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون اللّه فاتبعوني يحببكم اللَّهِ﴾ [آل عمران/٣١] فأوقع متابعته مكتنَفة بين قطري محبة العباد لله، ومحبة اللَّه للعباد. وأما أمر الخطيب بالإفراد فلأن كل واحد من العصيانين مستقل باستلزام الغواية، إذ العطف في تقدير التكرير، والأصل استقلال كل من المعطوفين في الحكم، ويشير إليه قوله تعالى: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ [النساء/٥٩] فأعاد أطيعوا في الرسول، ولم يعده في أولي الأمر، لأنهم لا استقلال لهم في الطاعة كاستقلال الرسول. انتهى ملخصًا من كلام البيضاوي والطيبي، كما حكاه في فتح الباري. وفي الصحيح: ذاق طعم الإيمان من رضي باللّه ربًا وبالإسلام دينًا، وبمحمد للإيماء إلى أن المعتبر هو المجموع المركب من المحبتين لا كل واحدة منهما، فإنها وحدها لاغية) متروكة، لا اعتداد به، (إذا لم ترتبط بالأخرى، فمن يدعي حب اللّه مثلاً ولا يحب رسوله، لا ينفعه ذلك،) كعكسه، (ويشير إليه قوله تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم اللّه﴾، فأوقع متابعته مكتنفة) (بفتح النون) اسم مفعول من اكتنفه القوم أحاطوا به (بين قطري) تثنية قطر، أي: جانبي (محبة العباد للّه، ومحبة اللّه للعباد)،) والإِضافة بيانية، يعني؛ أنه جعل المتابعة محاطًا بها طرفان، أحدهما: محبة اللّه، والآخر محبة رسوله، وعليه فبين هنا بمعنى الباء، لأن بين ظرف لا يظهر معناها إلا بإضافتها المتعدد، (وأما أمر الخطيب بالإفراد فلأن كل واحد من العصيانين مستقل باستلزام الغواية) (بفتح الغين المعجمة) اسم من غوى غيًا من باب ضرب انهمك في الجهل، وهو خلاف الرشد (إذ العطف في تقدير التكرير،) والاستقلال لقيام الواو مقام تكرار العامل، أو تقديره معها، (والأصل استقلال كل من المعطوفين في الحكم، ويشير إليه قوله تعالى: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ [النساء/٥٩]، فأعاد أطيعوا في الرسول، ولم يعده في أولي الأمر، لأنهم لا استقلال لهم في الطاعة كاستقلال الرسول. انتهى ملخصًا من كلام البيضاوي والطيبي،) كلاهما في شرح المصابيح، (كما حكاه في فتح الباري) وزاد وهنا أجوبة أخرى فيها، نظر، منها: أن المتكلم لا يدخل في عموم خطابه، ومنها: أن له أن يجمع بخلاف غيره. انتهى. (وفي الصحيح) لمسلم من إفراده، عن العباس بن عبد المطلب أنه سمع رسول الله ٩٨ الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته رسولاً ونبيًا. قال في المدارج: فأخبر أن للإيمان طعمًا، وأن القلب يذوقه كما يذوق الفم طعم الطعام والشراب. وقد عبر النبي عَّةٍ عن إدراك حقيقة الإيمان والإحسان وحصوله للقلب ومباشرته له بالذوق تارة بالطعم أخرى، ويوجد الحلاوة تارة، كما يقول: (ذاق طعم الإيمان،) قال عياض: أي: عرف اللّه سبحانه واستحلى الإِيمان (من رضي بالله وبًا،) فالرضا دليل على هذه المعرفة، قال لأبي: لأنه تسبب عنها، ووجود السبب يدل على وجود المسبب، ثم الرضا يكون بمعنى القناعة وبمعنى الإِيثار، وهو المراد، لأن الأول مشترك بين جميع الناس، إذ من لم يقنع بالله ربًا ليس من الإِسلام في شىء، واستحلاء الإِيمان من صفة الخواص، فإنما يدل عليها ما هو من صفتهم، فالمعنى عرف اللّه، واستحلاء الإِيمان به من أثره، فإن قيل: هذان هما الغاية، فلو أريد ألم يعبر عنهما بالذوق، وهو مبدأ الفعل، إذ لا يعبر عن غاية الشىء بمبدئه، قلت: الذوق إنما هو مبدأ الفعل إذا استعمل في المحسوسات، كذوق الطعام، أما إذا استعمل في المعاني، كما هنا، فإنما هو كناية عن كمال الإِدراك، والرضا باللّه يستلزم الرضا عنه. انتھی. وقال الراغب: الذوق، وجود الطعم في الفم، وأصله فيما يقل تناوله، فإذا كثر، يقال له الأكل، واستعمل في القرآن بمعنى الإصابة، أما في الرحمة نحو ﴿ولئن أذقنا الإِنسان منا رحمة﴾، وأما في العذاب، نحو ﴿ليذوقوا العذاب﴾ [النساء/ ٥٦]، وقال غيره: ضرب الذوق مثلاً لما ينالونه من الخير عند المصطفى، (وبالإِسلام دينًا؛) بأن لم يسع في غير طريقه. قال الطيبي: لا يخلو أما أن يراد به الانقياد، كما في حديث جبريل، أو مجموع ما يعبر بالدين عنه، كخبر بني الإسلام على خمس، ويؤيد الثاني اقترانه بالدين، لأنه جامع باتفاق، وعلى التقديرين هو عطف عام على خاص. وكذا قوله: ﴿وبمحمد رسولاً﴾، بأن لم يسلك إلا ما يوافق شرعه، ومن كان هذا نعته فقد وصلت حلاوة الإِيمان إلى قلبه، وذاق طعمه، شبه الأمر الحاصل الوجداني من الرضا بالأمور المذكورة بمطعوم يلتذ به، ثم ذكر المشبه به، وأراد المشبه، ورشح بقوله: ذاق، فإن قيل الرضا بالثالث مستلزم للأولين، فلم ذكرهما، قلنا للتصريح؛ بأن الرضا بكل منها مقصود (ونبيًا،) كذا في النسخ عطف لازم على ملزوم، لأن الرسالة مستلزمة للنبوة، لكن ليس في مسلم ونبيًا، ولم يتكلم شارحاه النووي والأبي على أنها راوية، وقد نسبه السيوطي لأحمد ومسلم والترمذي بدون ونبيًا، فكأنها دخلت على المصنف من حديث آخر. (قال في المدارج) لابن القيم، (فأخبر أن للإيمان طعمًا، وأن القلب يذوقه كما يذوق الفم طعم الطعام والشراب،) أي: بإدراكه لذة الإِيمان وسهولة ما بني عليه من فعل الطاعات ٩٩ الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته قال ((ذاق)). وقال: ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، ولما نهاهم عن الوصال قالوا: إنك تواصل قال: إني لست كهيئتكم، إني أطعم وأسقى، وقد غلظ حجاب من ظن أن هذا طعام وشراب حسي للفم، وسيأتي تحقيق الكلام في هذا إن شاء اللَّه تعالى في الصوم، من مقصد عباداته عليه الصلاة والسلام. والمقصود أن ذوق حلاوة الإيمان أمر يجده القلب تكون نسبته إليه كذوق حلاوة الطعام إلى الفم، وذوق حلاوة الجماع إلى اللذة، كما قال عليه الصلاة والسلام: حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسليتك. وللإيمان طعم وحلاوة يتعلق بهما ذوق ووجد، ولا تزول الشبه والشكوك إلا إذا وصل العبد إلى هذه الحالة، فيباشر الإيمان قلبه حقيقة المباشرة، فيذوق طعمه واجتناب المعاصي، فعبر بالذوق عن الإِدراك، وبالطعم عن السهولة، واطمئنان النفس بما يقتضيه الإِيمان مجازًا. (وقد عبر النبي عَّه عن إدراك حقيقة الإيمان والإِحسان، وحصوله للقلب، ومباشرته له بالذوق) متعلق بعبر (تارة بالطعم أخرى، ويوجد) (بفتح فسكون) مصدر (الحلاوة تارة، كما قال: ذاق) طعم الإِيمان، (وقال) في الحديث الذي قبله: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإِيمان،) ولذا قال الطيبي: مجاز قوله ذاق طعم الإِيمان مجاز قوله: وجد حلاوة الإِيمان، وكذلك موقعه كموقعه، لأن من أحب أحدًا يتحرى مراضيه ويؤثر رضاه على رضا نفسه، (ولما نهاهم عن الوصال) في الصوم، (قالوا:) مستفهمين (أنك تواصل، قال: إني لست كهيئتكم، إني أطعم وأسقي) بما يغذيني به ربي من معارفه، وما يفيض على قلبي من لذة مناجاته، وقرة عيني بقربه، ونعيمه بحبه والشوق إليه، المغنى ذلك عن غذاء الأجسام مدة: لها أحاديث من ذكراك تشغلها عن الشراب ويلهيها عن الزاد (وقد غلظ،) أي: قوي (حجاب من ظن أن هذا) الذي يطعمه ويسقاه حين الوصال (طعام وشراب حسي للفم،) يؤتى له من الجنة، لأنه لم يدرك الأمور على حقيقتها، فعبر عن ذلك بالغلظ والحجاب مجازًا، (وسيأتي تحقيق الكلام في هذا إن شاء اللّه تعالى في الصوم من مقصد عباداته عليه الصلاة والسلام،) وأن الجمهور على أنه مجاز عن لازم الطعام والشراب، وهو القوة، كأنه قال: أعطي قوة الطاعم الشارب، (والمقصود) هنا (أن ذوق حلاوة الإيمان أمر يجده القلب، تكون نسبته إليه كذوق حلاوة الطعام إلى الفم،) فهو على التشبيه، أي: وجد في فعله حلاوة تشبه الحلاوة المأكولة، (وذوق حلاوة الجماع إلى اللذة، كما قال عليه الصلاة والسلام) لامرأة رفاعة: لا (حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك، وللإِيمان طعم ١٠٠ الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته ويجد حلاوته. وقال العارف الكبير تاج الدين بن عطاء اللَّه: فيه يعني في هذا الحديث إشارة إلى أن القلوب السليمة من أمراض الغفلة والهوى تتتعم بملذوذات المعاني كما تتنعم بملذوذات الأطعمة، وإنما ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا لأنه لما رضي بالله ربًّا استسلم له وانقاد لحكمه، وألقى قياده إليه، فوجد لذاذة العيش وراحة التفويض، ولما رضي باللَّه ربّا كان له الرضا من اللَّه، وإذا كان له الرضا من اللَّه أوجده اللَّه حلاوة ذلك ليعلم ما منَّ به عليه، وليعلم إحسانه عليه، ولما وحلاوة يتعلق بهما ذوق ووجد،) أي: إدراك، (ولا تزول الشبه والشكوك إلا إذا وصل العبد إلى هذه الحال، فيباشر الإِيمان قلبه حقيقة المباشرة، فيذوق طعمه ويجد حلاوته) المعنوية، المشابهة للحسية. (وقال العارف الكبير تاج الدين) أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد الكريم (بن عطاء اللّه)،) نسبة إلى جده الأعلى لشهرته به الجذامي، الإِسكندراني، الإِمام، المتكلم على طريقة الشاذلي، الجامع لأنواع العلوم من تفسير وحديث ونحو وأصول وفقه، على مذهب لملك، وصحب في التصوف الشيخ أبا العباس المرسني، وكان أعجوبة زمانه فيه، وأخذ عنه التقي السبكي، واختصر تهذيب المدونة للبرادعي في الفقه، وألف، التنوير والحكم وغير ذلك، ومات بالمدرسة المنصورية في القاهرة في ثالث جمادي الآخرة، سنة تسع وسبعمائة ودفن بالقرافة ذكره السيوطي وابن فرحون، في طبقات المالكية وغيرهما. ولا نزاع في أنه مالكي وذكر ابن السبكي له في طبقات الشافعية، لقوله: أراه كان شافعيًا وليس كما ظن (فيه، يعني في هذا الحديث إشارة إلى أن القلوب السليمة من أمراض الغفلة والهوى،) إضافة أعم إلى أخص، أو بيانية (تتنعم بملذوذات المعاني، كما تنعم بملذوذات الأطعمة) تشبيه بمطلق اللذة، فلا ينافي أن لذتهم أقوى قال إبراهيم بن أدهم: والله أنا لفي لذة لو علمها الملوك لجالدونا عليها بالسيوف. وقال الجنيد: أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم. وقال عتبة الغلام، كابدت الصلاة عشرين سنة، ثم استمتعت بها بقية عمري، (وإنما ذاق طعم الإِيمان من رضي بالله ربًا، لأنه ما رضي بالله ربًا،) أعاده مظهرًا تلذذًا بذكره: أعد ذكر نعمان لنا أن ذكره هو المسك ما كررته يتضوع (استسلم له وانقاد لحكمه،) عطف تفسير، (وألقي قياده) (بكسر القاف) (إليه،) أي: أطاعه وأذعن له، فهي ألفاظ متقاربة، (فوجد لذاذة) (بالفتح بزنة سلامة مصدر لذيذ لذاذًا ولذاذة بالفتح) (العيش وراحة التفويض، ولما رضي بالله ربًا كان له الرضا من اللّه) جزاء من جنس