النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته
يكونوا بدونها أبدًا وأصليها، وتبوؤهم من مقاعد الصدق إلى مقامات لم يكونوا
لولا هي داخليها، وهي مطايا القوم التي سراهم في ظهورها دائمًا إلى الحبيب،
وطريقهم الأقوم الذي يبلغهم إلى منازلهم الأولى من قريب، تاللَّه لقد ذهب أهلها
بشرف الدنيا والآخرة، إذ لهم من معية محبوبهم أوفر نصيب، وقد قدر الله يوم
قدر مقادير الخلق بمشيئته وحكمته البالغة أن المرء مع من أحب، فيا لها من نعمة
على المحبين سابغة، لقد سبق القوم المحبين السعادة وهم على ظهور الفرش
أبدًا واصليها،) جملة مفسرة لما قبلها، (وتبوؤهم:) تسكنهم (من مقاعد الصدق:) مجالس
الحق التي لا لغو فيها ولا تأثيم (إلى مقامات:) منازل رفيعة في الجنة (لم يكونوا لولا هي
داخليها،) وفيه تلميح لمعنى: ﴿أن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق﴾، والتقوى بالإِيمان
لا تكون إلا مع محبة الرسول، (وهي مطايا القوم:) جمع مطية، فعيلة بمعنى مفعولة البعير ذكرًا أو
أنثى، سمي بذلك، لأنه يركب مطاه، أي: ظهره، والمطا بزنة عصا الظهر (التي سواهم) (بضم
السين جمع سرية بوزن مدية ومدى).
قال أبو زيد: ويكون السري أول الليل وأوسطه وآخره (في ظهورها دائمًا إلى
الحبيب،) وقد استعملت العرب سرى في المعاني تشبيهًا لها بالأجسام مجازًا واتساعًا ومنه
﴿والليل إذا يسر﴾ [الفجر/٤] المعنى إذا يمضي، وقال البغوي: إذا سار وذهب، وقال جرير:
سرت الهموم فبتن غير نيام وأخو الهموم يروم كل مرام
(وطريقهم الأقوم الذي يبلغهم إلى منازلهم الأولى) التي كانوا بها في صلب آدم، وهي
الجنة (من قريب) بدون عذاب قبل دخولها للمحبة، وقال شيخنا: الأولى، أي: التي قدر أزلا
حصولها لهم، لكن بأعمال يصلون بها إليها، فهي سابقة أزلاً على وجود أصحابها، ثم بعد
ظهورهم في الخارج وفقهم الله ببركة المحبة إلى فعل تلك الأعمال، فوصلوا إليها في زمن قليل
لا يحصل عادة في مثله ما قدر عليه من العمل، بل ولا ما يقاربه وهو تكلف مستغنى عنه، (تالله
لقد ذهب أهلها) المحبة (بشرف الدنيا والآخرة،) وعلله بقوله: (إذ لهم من معية محبوبهم،)
المشار لها بقوله: ((أنت مع من أحببت)) (أوفر نصيب) لشمولها للدارين وإن لم يدركه في الدنيا،
أو كان بينهما مسافة بعيدة كما تقدم بسطه في المتن، (وقد قدر اللّه يوم مقادير الخلق) قبل
خلق السموات والأرض، وبخمسين ألف سنة (بمشيئته وحكمته البالغة) التامة (أن المرء مع من
أحب،) كما أخبر المحبوب صلى عليه علام الغيوب، (فيا لها) (بفتح اللام) (من نعمة على
المحبين سابغة) (بغين معجمة) طويلة متسعة، ثم يحتمل أنه مستغاث به، وأنه مستغاث له، لأن
اللام الداخلة على المستغاث له يجب فتحها إن كان ضميرًا كان هنا، فإن كان اسمًا ظاهرًا
وجب كسرها، والداخلة على المستغاث به يجب فتحها مطلقًا، (لقد سبق القوم المحبين)

٦٢
الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته
نائمون، ولقد تقدموا الركب بمراحل وهم في سيرهم واقفون.
من لي بمثل سيرك المذلل تمشي رويدًا وتجي في الأول
أجابوا مؤذن الشوق إذ نادى بهم حي على الفلاح في الجنة، وبذلوا أنفسهم
في طلب الوصول إلى محبوبهم، وكان بذلهم بالرضى والسماح، وواصلوا إليه
المسير بالإدلاج والغدو والرواح، ولقد حمدوا على الوصول مسراهم، وإنما يحمد
القوم السرى عند الصباح.
وقد اختلفوا في تعريف المحبة، وعباراتهم وإن كثرت فليست في الحقيقة
مفعول (السعادة) فاعل، سبق فهيأت لهم أنواع النعيم.
وفي نسخة: لقد سبق القوم السعاة: جمع ساع، أي: الماشين بسرعة، فالقوم فاعل، (وهم
على ظهور الفرش:) بضمتين جمع فراش، فعال بمعنى مفعول (نائمون،) والجملة حالية، (ولقد
تقدموا الركب بمراحل وهم في سيرهم واقفون،) أي أنهم، فازوا بالسعادة والتقرب إلى الله
بحب المصطفى وإن لم يكن لهم كثير عمل، فأشبهوا من حيث قلة العمل من وقف في سيره
بحبس دابته مثلاً، ومع ذلك حصل ما تمناه، وأنشد لغيره:
من لي بمثل سيرك المذلل تمشي رويدًا وتجي في الأول
أي: من يتكفل لي بسير مثل سيرك السهل، (أجابوا: مؤذن الشوق،) أي: المعلم به
والداعي له (إذ نادى بهم حي على الفلاح)، أي: هلم إلى الفوز والنجاة، أو البقاء في الجنة، أي:
أقبلوا إلى سبب الفلاح والبقاء (في الجنة وبذلوا أنفسهم:) أعطوها (في طلب الوصول إلى
محبوبهم،) وجرد البذل عن بعض معناه، فاستعمله في مطلق الإِعطاء، فلذا قال: (وكان بذلهم
بالرضا والسماح) مراعاة للسجع، أو دفعًا لتوهم أنه مجرد الإِعطاء، وإلا فهو لغة الإِعطاء بسماحة
وطيب نفس، (ووصلوا إليه السير بالإِدلاج،) بالكسر بزنة الإكرام، أي: بسير الليل كله
(والغدو،) أي: الذهاب وقت الغدوة وهي ما بين الفجر والشمس أو منه، إلى الزوال (والرواح)
من الزوال إلى الغروب والمعنى واصلوا سيرهم إليه ليلاً ونهارًا، (ولقد حمدوا على الوصول
مسراهم) عند وصولهم إلى محبوبهم، حيث ترتب على سيرهم ما قصدوه بلا تعب ومشقة.
(وإنما يحمد القوم السري عند الصباح) لوصولهم إلى منازلهم المترتب على سراهم (وقد
اختلفوا في تعريف المحبة) بعبارات كثيرة مختلفة، (وعباراتهم وإن كثرت) الواو للحال، لأن
الواقع أنها كثيرة في نفسها، فلا يصح أنها غائية، أو هي غائية بالنظر للواقف عليها، لا في نفس
الأمر، أي: سواء كانت قليلة أو كثيرة للواقف عليها، وإن كثرت في الواقع، (فليست في

٦٣
الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته
ترجع إلى اختلاف مقال، وإنما هي اختلاف أحوال، وأكثرها يرجع إلى ثمراتها دون
حقيقتها.
وقد قال بعض المحققين: حقيقة المحبة عند أهل المعرفة، من المعلومات
التي لا تحد، وإنما يعرفها من قامت به وجدانًا لا يمكن التعبير عنه.
وهكذا يقول صاحب مدارج السالكين - تبعًا لغيره -: والمحبة لا تحد بحد
أوضح منها، فالحدود لا تزيدها إلا خفاء وجفاء فحدها وجودها، ولا توصف
المحبة بوصف أظهر من المحبة.
وإنما يتكلم الناس في أسبابها وموجباتها وعلاماتها وشواهدها وثمراتها
الحقيقة ترجع إلى اختلاف مقال) في معناها، بحيث يعتقد كل واحد في معناها غير ما
اعتقده الآخر، ومقال مصدر، قال: (وإنما هي) عبارات منشؤها (اختلاف أحوال) قامت
بالمحبین، فکل عبر بما یلیق بالمعنى الذي قام به:
عباراتنا شتى وحسنك واحد وكل إلى ذاك الجمال يشير
(وأكثرها،) أي: العبارات (يرجع إلى) بيان (ثمراتها،) وهي ما يترتب على المحبة من
الفوائد، سماها ثمرات، لمشابهتها لها في الانتفاع بها وترتبها عليها (دون حقيقتها) لاتحادها.
(وقد قال بعض المحققين: حقيقة المحبة عند أهل المعرفة من المعلومات) لهم،
(التي لا تحد، وإنما يعرفها من قامت به وجدانًا لا يمكن التعبير عنه،) كلذة المجامع يمكن
التعبير عن حقيقتها بعبارة، (وهكذا يقول صاحب مدارج السالكين) ابن القيم (تبعًا لغيره:
والمحبة لا تحد بحد أوضح منها،) أي: لا تعرف بحد يفيد أكثر مما يفيده لفظ المحبة،
لأنها علقة تقوم بالمحب يدركها من نفسه، ولا يمكن أن يوصل خصوص ما قام به إلى غيره،
بحيث يكشف له حقيقة ما عنده، وغايته أن يخبر بأنه يحب كذا محبة قوية، لا يمكنه التخلف
عنه، وليس هذا عين ما قام به، وقريب من هذا قولهم: الحسن يدرك ولا يوصف، أي: لا يبين
بعبارة تحقق معناه عند المخاطب، (فالحدود لا تزيدها إلا خفاء)، لعدم بيانها حقيقة الماهية،
(وجفاء) (بالجيم والمد)، ويقصر، أي: بعدًا مأخوذ من جفا السرج عن الفرس: رفعه كإجفاه،
(فحدها وجودها،) وذلك الوجود لا يمكن بيان حقيقته للغير، (ولا توصف المحبة بوصف
أظهر من المحبة،) فلا معنى لحدها بأخفى منها، (وإنما يتكلم الناس في أسبابها وموجباتها،)
بكسر الجيم عطف تفسير، (وعلاماتها) الدالة عليها (وشواهدها) التي تشهد بقيامها بالمحب،
(وثمراتها) فوائدها (وأحكامها) التي تبني عليها، (فحدودهم:) جمع حدو هو التعريف بذاتيات

٦٤
الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته
وأحكامها، فحدودهم ورسومهم دارت على هذه السنة، وتنوعت بهم العبارات،
وكثرت الإشارات بحسب الإدراك والمقام والحال.
وقد وضعوا لمعناها حرفين مناسبين للمسمى غاية المناسبة: ((الحاء)» التي
هي من أقصى الحلق، و((الباء)) الشفهية التي هي نهايته، فللحاء الابتداء)، وللباء
الانتهاء، وهذا شأن المحبة وتعلقها بالمحبوب، فإن ابتداءها منه وانتهاءها إليه.
وأعطوا ((الحب)) حركة الضم التي هي أشد الحركات وأقواها مطابقة لشدة
حركة مسماه وقوتها، وأعطوا ((الحِبِّ)) وهو المحبوب حركة الكسر لخفتها من
المعرفة، كتعريف الإِنسان بالحيوان الناطق، (ورسومهم:) جمع رسم، وهو التعريف بخاصة من
خواصه، كتعريفه بالضاحك، والمراد بهما هنا شىء واحد، وهو التعريف بالأثر (دارت على هذه
السنة) (بنون)، أي: الطريقة، وبفوقية، أي: الستة المذكورة، فهي ألفاظ متقاربة، (وتنوعت بهم
العبارات، وكثرت الإشارات بحسب الإِدراك،) أي: وصول كل إلى المعنى الذي تصوره من
لفظ المحبة، (والمقام:) المكان المورد فيه الكلام الذي يريد التعبير به، (والحال) زمن إيراد
ذلك الكلام، فالفرق بينهما اعتباري، وحقيقته صفة الشىء تذكر وتؤنث، فيقال: حال حسنة
وحسن، (وقد وضعوا لمعناها،) أي: لمعنى المحبة، وهو الحب، وجعل الحب معنى لها
لاشتماله على زيادة، وإلا فالحب والمحبة لغة معناهما واحد، وهو الوداد (حرفين مناسبين
للمسمى غاية المناسبة)، أحدهما: (الحاء التي هي من أقصى الحلق، و) الثاني (الباء
الشفهية التي هي نهايته،) أي: نهاية الصوت، وفي نسخة نهاية بلا ضمير، أي: للمخارج،
(فللحاء الابتداء،) لأنها مبدأ الصوت المشتمل على الحروف، وإن كان مخرجها أقصى الحلق،
(وللباء الانتهاء) والحاصل، كما قال شيخنا: أنهم جعلوا آخر الحلق مما يلي الصدر أقصى،
باعتبار وضع الإِنسان، لأن كل شىء له نهايتان، فأيتهما فرضتها أوله كان مقابلها آخره، هذا فيما
وضع على الامتداد، كالبساط وأما ما وضع على الانتصاب، فأعلاه أوله وأسفله آخره، ولذا كان
أول المخارج الشفتين، وأولهما مما يلي البشرة التي هي ظاهر الجلد، وآخرها الحلق، وأوله مما
يلي اللسان، وآخره بما يلي الصدر، والصوت لما كان مبدؤه من الرئة يخرج منها، ثم يمر على
الحلق، جعل أول المخارج بهذا الاعتبار، وأقصى الحلق وآخرها الشفتين.
(وهذا شأن المحبة وتعلقها بالمحبوب، فإن ابتداءها منه) بأن يرى المحب من
المحبوب ما يدعو إلى ميله إليه، فيتعلق به، بحيث لا يصير عنده سواه، (وانتهاءها إليه،) إذ هو
غاية المطلوب، (وأعطوا الحب) الذي هو المصدر (حركة الضم التي هي أشد الحركات
وأقواها) (عطف مساو) (مطابقة) (مفعول لأجله)، أي: لمطابقته (لشدة حركة مسماه وقوتها،

٦٥
الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته
الضمة، وخفة المحبوب وذكره على قلوبهم وألسنتهم.
فتأمل هذا اللطف والمطابقة والمناسبة العجيبة بين الألفاظ والمعاني، تطلعك
على قدر هذه اللغة ، وأن لها شأنًا ليس لسائر اللغات.
وهذه بعض رسوم وحدود قيلت في المحبة بحسب آثارها وشواهدها،
والكلام على ما يحتاج إلى الكلام عليه منها.
فمنها: موافقة الحبيب في المشهد والمغيب. وهذا موجبها ومقتضاها.
ومنها: محو المحب لصفاته وإثبات المحب لذاته، وهذا من الفناء في
المحبة، وهي أن تمحى صفات المحب وتفنى في صفات محبوبه وذاته، وهذا
يستدعي بيانًا أتم من هذا لا يدركه إلاَّ من أفناه وارد المحبة عنه وأخذه منه.
ومنها: استقلال الكثير من نفسك، واستكثار القليل من محبوبك، وهو لأبي
وأعطوا الحب وهو المحبوب حركة الكسر لخفتها من الضمة، وخفة المحبوب و) خفة
(ذكره على قلوبهم وألسنتهم، فتأمل هذا اللطف والمطابقة، والمناسبة العجيبة بين الألفاظ
والمعاني تطلعك على قدر،) أي: شرف (هذه اللغة) العربية وتميزها على غيرها، (وأن لها شأنًا
ليس لسائر اللغات، وهذه بعض رسول وحدود قيلت في المحبة بحسب آثارها)، علاماتها
التي بها يهتدى إليها (وشواهدها،) أي: ما يشهد بها ويدل عليها، حتى كأنها شهدت به وأثبتته،
(والكلام على ما يحتاج إلى الكلام عليه منها، فمنها موافقة الحبيب في المشهد
والمغيب،) أي: في حالتي شهوده، أي: حضوره ومغيبه، (وهذا موجبها) (بفتح الجيم)
(ومقتضاها،) مساوٍ له في المعنى: أي: أنهما أثر المحبة، ومسبب عنها، (ومنها محو المحب
لصفاته،) بحيث لا يبقى له صفة، (وإثبات المحب لذاته) بدون صفة، فالمحو في أصل
اصطلاحهم رفع أوصاف العادة.
قال ابن عطاء: يمحو أوصافهم، ويثبت أسرارهم، ويقابل المحو الإِثيات، وهو إقامة أحكام
العادة، (وهذا من الفناء في المحبة، وهو أن تمحى صفات المحب وتفنى:) تزول
وتضمحل (في صفات محبوبه وذاته، وهذا يستدعي بيانًا أتم من هذا، لا يدركه إلا من أفناه
وارد المحبة عنه،) أي: الفناء (وأخذه،) أي: أخذ الوارد الفناء (منه،) ويسمونه فناء الفناء، وهو
الفناء عن شهود هذا الفناء، بحيث يفنى عن كل ما سوى محبوبه، وحينئذٍ يدرك ذلك بالوجدان
لا بالعبارة، (ومنها استقلال الكثير من نفسك واستكثار القليل من محبوبك،) كما قيل:
قليل منك يكفيني ولكن قليلك لا يقال له قليل

٦٦
الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته
يزيد، وهو أيضًا من أحكامها وموجباتها وشواهدها. والمحب الصادق لو بذل
لمحبوبه جميع ما يقدر عليه لاستقله ولو ناله من محبوبه أيسر شىء
لاستكثره واستعظمه.
ومنها: استكثار القليل من جنايتك، واستقلال الكثير من طاعتك. وهو قريب
من الأول لكنه مخصوص بما من المحب.
ومنها: معانقة الطاعة ومباينة المخالفة، وهو لسهل بن عبد اللّه، وهو أيضًا
حکم المحبة وموجبها.
ومنها أن تهب كلك لمن أحببت، فلا يبقى لك منك شىء. وهو لسيدنا
أبي عبد الله القرشي، وهو أيضًا من موجبات المحبة وأحكامها. والمراد أن تهب
(وهو لأبي يزيد،) بياء قبل الزاي، اسمه طيفور، بطاء مهملة وتحتية وفاء، ابن عيسى
البسطامي، نادرة زمانه حالاً وأنفاسًا وورعًا وعلمًا وزهدًا وتقى، مات سنة إحدى وستين ومائتين
عن ثلاث وسبعين سنة، (وهو أيضًا من أحكامها وموجباتها) (بفتح الجيم) (وشواهدها) الدالة
عليها، (والمحب الصادق لو بذل لمحبوبه جميع ما يقدر عليه لاستقله:) اعتقده قليلاً،
(ولو ناله من محبوبه أيسر شىء لاستكثره واستعظمه) عدة، واعتقده كثيرًا عظيمًا، (ومنها
استكثارًا لقليل من جنايتك واستقلال الكثير من طاعتك، وهو قريب من الأول) أي: ما قبله
فهو أول نسي وإلا فهو ثالث (لكنه مخصوص بما من المحب) في الحالين، بخلاف ما قبله
فمنه ومن المحبوب، فافترقا، (ومنها معانقة الطاعة،) أي: التزام المحب طاعة محبوبه، بحيث
يفعل كل ما أمره به، أو فهم أنه يريده وإن لم يأمره، (ومباينة المخالفة) بأن لا يخالفه في شىء
أراده منه، ولا يفعل شيئًا نهاه عنه، وهذا المعنى لازم لالتزام الطاعة، فذكره إيضاح (وهو
لسهل بن عبد الله) التستري الولي الذي لم يسمح الدهر بمثله، له کرامات وتصانيف، مات سنة
ثلاث وثمانين ومائتين عن ثلاث وثمانين سنة (وهو إيضاحكم المحبة، وموجبها) لا حد لها
حقيقي، (ومنها أن تهب كلك لمن أحببت، فلا يبقى لك منك شيء،) وعليه أنشد:
تملك بعض حبك كل قلبي فإن ترد الزيادة هات قلبًا
(وهو لسيدنا أبي عبد الله) محمد بن أحمد بن إبراهيم (القرشي،) من أعيان مشايخ
المغرب ومصر، لقي نحو ستمائة شيخ، وجد واجتهد وأخذ عنه كثيرون، منهم البوني، وله
كرامات كثيرة، مات ببيت المقدس سنة تسع وتسعین وخمسمائة، وقيل غير ذلك، ودفن به، ثم
دفن بجانبه ابن رسلان، وجربت استجابة الدعاء بين قبريهما، (وهو أيضًا من موجبات المحبة،

٦٧
الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته
إرادتك وعزماتك وأفعالك ونفسك ومالك ووقتك لمن تحبه، وتجعلها حبسًا في
مرضاته ومحابه، ولا تأخذ منها لنفسك إلاّ ما أعطاكه، فتأخذ منه له.
ومنها: أن تمحو من القلب ما سوى المحبوب، وكمال المحبة يقتضي
ذلك، فإنه ما دامت في القلب بقية لغيره ومسكن لغيره فالمحبة مدخولة.
ومنها: أن تغار على المحبوب أن يحبه مثلك. وهو للشبلي، ومراده:
احتقارك لنفسك واستصغارها أن يكون مثلك يحبه.
ومنها: غض طرف المحب عما سوى المحبوب غيره، وعن المحبوب
هيبة، وهذا يحتاج إلى إيضاح، أما الأول فظاهر، وأما الثاني: فإن غض طرف القلب
وأحكامها) لا تعريف لها، (والمراد: أن تهب إرادتك وعزماتك،) بفتح الزاي جمع عزمة، وهي
الاجتهاد في الشىء والمحافظة عليه، (وأفعالك ونفسك ولملك ووقتك لمن تحبه،) والوقت
عندهم عبارة عن حال في زمان الحال، لا تعلق فيه بالماضي ولا الاستقبال، فيقال: فلان وقته
كذا، أي: حاله كذا، ولذا قالوا: الوقت ما أنت فيه، إن كنت بالدنيا فوقتك الدنيا، وإن كنت
بالعقبى فوقتك، العقبى، وإن كنت بالسرور فوقتك السرور، وإن كنت بالحزن فوقتك الحزن،
فعنوا بذلك أن وقت الإِنسان هو حاله الغالبة عليه، (وتجعلها،) أي: المذكورات (حبسًا،)
بضمتين وتسكن الباء لغة، وقفًا (في مرضاته)، أي: مقصورة على رضاه لا تتعداه إلى غيره،
(ومحابه) ما يحبه هو، (ولا تأخذ منها لنفسك إلا ما أعطاكه فتأخذه منه له،) لأنه لم يبق لك
منك شيء، فأخذك ما أعطاك إنما هو له، (ومنها أن تمحو من القلب ما سوى المحبوب) حتى
نفسك، وذلك عندما ینسی أوصاف نفسه في ذکر محاسن حبه، کما قيل:
شاهدته وذهلت عني غيرة مني عليه فذا المثنى مفرد
(وكمال المحبة يقتضي ذلك، فإنه ما دامت في القلب بقية لغيره ومسكن لغيره،
فالمحبة مدخولة،) أي: مشوبة بغيرها، ومتى كانت كذلك لم تكن حقيقية.
(ومنها أن تغار على المحبوب أن يحبه مثلك، وهو للشبلي) أبي بكر دلف بن
جحدر، وقيل: اسمه جعفر بن يونس، وقيل: غير ذلك صحب الجنيد والنساج وطبقتهما، وصار
أوحد وقته علمًا وحالاً، وتفقه على مذهب لملك، وكتب حديثًا كثيرًا، ثم شغلته العبادة عن
الرواية، مات سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة عن سبع وثمانين سنة، ودفن بمقبرة الخيزران ببغداد،
(ومراده احتقارك لنفسك، واستصغارها أن یکون مثلك یحبه) لجلالته، فیغار علیه من أن ينسب
له الشىء الحقير، (ومنها: غض طرف المحب عما سوى المحبوب غيرة،) مفعول له، (وعن
المحبوب هيبة،) أي: لأجل الغيرة والهيبة، (وهذا يحتاج إلى إيضاح، أما الأول فظاهر، وأما

٦٨
الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته
عن المحبوب مع كمال محبته كالمستحيل، ولكن عند استيلاء سلطان المحبة
يقع مثل هذا، وذلك من علامات المحبة المقارنة للهيبة والتعظيم.
ومنها : ميلك إلى الشىء بكليتك ثم إيثارك له على نفسك وروحك
ومالك، ثم موافقتك له سرًا وجهرًا ثم علمك بتقصيرك في حبه. قال الجنيد:
سمعت الحارث المحاسبي يقول ذلك.
ومنها: سكر لا يصحو صاحبه إلا بمشاهدة محبوبه، ثم السكر الذي يحصل
عند المشاهدة لا يوصف، وأنشد بعضهم:
فأسكر القوم دورًا لكأس بينهم لكن سكري نشأ من رؤية الساقي
ومنها: سفر القلب في طلب المحبوب، ولهج لسانه يذكره على الدوام، أما
سفر القلب في طلبه فهو الشوق إلى لقائه، وأما لهج اللسان بذكره فلا ريب أن
الثاني، فإن غض طرف القلب عن المحبوب مع كمال محبته كالمستحيل،) إذ أصل معنى
المحبة ميل القلب، فكيف يصرفه عنه، (ولكن عند استيلاء سلطان المحبة يقع مثل هذا)
بدون اختيار، كأنه لا يدري ما هو عليه، (وذلك من علامات المحبة المقارنة للهيبة والتعظيم)
للمحبوب، (ومنها ميلك إلى الشىء) الذي تحبه (بكليتك) بجملتك، (ثم إيثارك له على
نفسك وروحك ومالك، ثم موافقتك له سرًا وجهرًا، ثم علمك بتقصيرك في حبه،) وهذا
بمعنى ما سبق عن القرشي، لكن غرض المصنف بيان العبارات، وإن رجع بعضها إلى بعض.
(قال الجنيد) أبو القسم بن محمد البغدادي، شيخ الطريقة، العلم الشهير: (سمعت
الحرث) بن أسد البصري، (المحاسبي)، قيل: له ذلك لكثرة محاسبته لنفسه، أو لأنه كان له
حصى يعدها ويحسبها حال الذكر، أو لغير ذلك صحب الشافعي، وقيل: بل عاصره وكان عابدًا،
زاهدًا، راسخًا في الأصول والفقه والحديث والتصوف والكلام، صنف نحو مائتي مؤلف، ومات
ببغداد سنة ثلاث وأربعين ومائتين، (يقول ذلك) المذكور في معنى المحبة، (ومنها) المحبة
(سكر لا يصحو صاحبه إلا بمشاهدة محبوبه،) لأنه عند الطائفة عبارة عن غيبة بوارد قوي،
والغيبة عدم الإِحساس، وذلك إذا كوشف بنعت الجمال، وطرب وهام قلبه، (ثم السكر الذي
يحصل عند المشاهدة) للمحبوب (لا يوصف،) بل يحل عن الوصف، (وأنشد بعضهم:)
(فأسكر القوم دورًا لكأس بينهم لكن سكري نشأ من رؤية الساقي)
فالصادق المحبة لا يتوقف سكره على كاس ولا غيرها، بل بمجرد رؤية الحب يسكر
سكرًا يجل عن الوصف، (ومنها سفر القلب،) أي: توجهه (في طلب المحبوب، ولهج لسانه
يذكره على الدوام،) بحيث لا يفتر عنه، (أما سفر القلب في طلبه، فهو الشوق إلى لقائه،)

٦٩
الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته
من أحب شيئًا أكثر من ذكره.
ومنها: الميل إلى ما يوافق الإنسان، كحب الصور الجميلة والأصوات
الحسنة وغير ذلك من الملاذ التي لا يخلو كل طبع سليم عن الميل إليها
لموافقتها له، أو لاستلذاذه كحب الصورة الجميلة بإدراكه بحاسته، أو يكون حبه
لذلك لموافقته له من جهة إحسانه إليه وإنعامه عليه، فقد جبلت القلوب على حب
فكل حبيب يحب لقاء حبيبه، وما أحسن قوله:
وإني لأهوى الحشر إذا قيل إنني وعفراء يوم الحشر نلتقيان
وأحلى قول الآخر:
إن كان يحلو لديك ظلمي فزد من الهجر في عذابي
عسى يطيل الوقوف بيني وبينك اللّه في الحساب
(وأما لهج اللسان بذكره، فلا ريب أن من أحب شيئًا أكثر من ذكره،) وهو لفظ
حديث، رواه أبو نعيم، ثم الديلمي من طريق مقاتل بن حيان، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي،
عن عائشة، عن النبي عَّله: من أحب شيئًا أكثر من ذكره، (ومنها) المحبة: (الميل إلى ما
یوافق الإِنسان) المحب، وتکون موافقته له إما لاستلذاذه بإدراکه منه أمرًا محبوبًا، (کحب
الصور الجميلة والأصوات الحسنة وغير ذلك،) كالأطعمة والأشربة اللذيذة والروائح الطيبة
والملابس الفاخرة (من الملاذ التي لا يخلو كل طبع سليم) من غلظ الطبع وفساد الحواس،
كالمريض يحد الحلو مر الفساد ذوقه، فلا يرد نقضًا (عن الميل إليها لموافقتها له) طبعًا (أو
لاستلذاذه،) أي: وجود لذته، وهي إدراك الملائم من حيث هو ملائم، والألم ضده، والمراد
بالملائم للشىء كماله اللائق به، كالتكيف بالحلاوة للذائق ونحوه، من المحسوسات، وكتعقل
الأشياء على ما هي عليه بالقوة العاقلة، وقيد الحيثية لا الشىء قد یکون ملائمًا من وجه دون
آخر، فاللذة حسية، وإليها أشار بقوله: (كحب الصورة الجميلة،) وعقلية، وبينها بقوله (بإدراكه
بحاسته) بعد الوصول إليه لا قبله بمجرد تخيله بحاسة عقله وقلبه معاني لطيفة شريفة، كحب
الصالحين والعلماء وأهل المعروف، كما في الشفاء، وفيه تسمح على رأي: الحكماء، لأن
المدرك عندهم القوي الباطنة في الدماغ لا العقل المدرك للكليات، لكن لما لم يثبتها أهل
الشرع تسمح فيها، (أو يكون حبه لذلك لموافقته له،) أي: لملائمته وموافقة طبعه (من جهة
إحسانه) إنعامه وبذله وجوده (إليه).
وفي نسخة له، أي: لأجل ذلك، فقوله: (وإنعامه عليه) عطف تفسير، (فقد جبلت)
خلقت وطبعت (القلوب على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها) كما رواه أبو نعيم

٧٠
الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته
من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها، وإذا كان الإنسان يحب منحه في دنياه
مرة أو مرتين معروفًا فانيًا منقطعًا، أو استنفذه من مهلكة أو مضرة لا تدوم، فما بالك
بمن منحه منحًا لا تبيد ولا تزول ووقاه من العذاب الأليم ما لا يفنى ولا يحول.
في كتاب الحلية، وأبو الشيخ وغيرهما كابن حبان في ((روضة العقلاء))، والخطيب في ((تاريخ
بغداد)»، وآخرين عن ابن مسعود، موقوفًا.
وأخرجه ابن عدي والبيهقي وابن الجوزي، عنه مرفوعًا، قال السخاوي: وهو باطل موقوفًا
ومرفوعًا، وقول ابن عدي والبيهقي، الموقوف معروف فيه تأمل، ففي سندهما: من أبهم بالكذب
والوضع بسياق أجل الأعمش عن مثله، وهو أنه لما ولي الحسن بن عمارة مظالم الكوفة، فقال
الأعمش: ظالم ولي مظالم، فبلغ الحسن فبعث إليه بأثواب ونفقة، فقال الأعمش: مثل هذا ولي
علينا يرحم صغيرنا ويجود على فقيرنا ويوقر كبيرنا، فقال له رجل: ما هذا قولك بالأمس، فقال:
حدثني خيثمة عن ابن مسعود، فذكره موقوفًا، وأخرجه القضاعي، مرفوعًا من جهة ابن عائشة عن
محمد بن عبد الرحمن القرشي، قال: كنت عند الأعمش، فقيل: أن الحسن ولي المظالم، فقال
الأعمش: يا عجبًا من ظالم ولي المظالم، ما للحائك بن الحائك والمظالم، فأتيت الحسن،
فأخبرته، فقال: عليّ بمنديل وأثواب، فوجه بها إليه، فبكرت إلى الأعمش من الغد، فأجربت
ذكره، فقال: بخ بخ، هذا الحسن بن عمارة ولي العمل وما زانه، فقلت بالأمس: تقول ما قلت،
واليوم تقول: هذا، فقال: دع عنك هذا.
حدثني خيثمة عن ابن مسعود، مرفوعًا به، فقد كان رحمه اللّه زاهدًا، ناسكًا، تاركًا
للدنيا، حتى وصفه القائل بقول: ما رأيت الأغنياء والسلاطين عند أحد أحقر عنده منهم مع فقره
وحاجته، وقال آخر: أنه فقير، صبور، مجانب للسلطان، ورع، عالم بالقرآن. انتهى.
وفي تذكرة ابن عبد الهادي، قال مهناً: سألت أحمد ويحيى عن هذا الحديث، فقالا:
ليس له أصل وهو موضوع، (وإذا كان الإنسان يحب منحه،) أي: أعطاه (في دنياه،) أي:
حياته في الدنيا (مرة أو مرتين معروفًا،) أي: شيئًا حسنًا، (فانيًا، منقطعًا،) أي: زائلاً في زمن
قليل، (أو استنقذه)، نحاه (من مهلكة) أمر مهلك، (أو مضرة) (بفتح الميم والضاد)، أمر يضره
ويؤذيه (لا تدوم) مدة ذلك، (فما بالك بمن منحه منحًا لا تبيد) بكسر الموحدة وإسكان
التحتية لا تذهب وتنفذ، (ولا تزول) عطف تفسير من نعيم الخلد في الجنة، (ووقاه) بالتشديد
والتخفيف صانه (من العذاب الأليم). عذاب النار (ما لا يفنى ولا يحول) عنه إلى غيرة، فهذا
أحق أن يحب من كل شىء يحب حتى من نفسه وماله وأهله، (وإذا كان المحب يحب غيره
على،) أي: لأجل (ما فيه من صورة جميلة وسيرة حميدة) كملك وقاضٍ وإن كان بعيد الدار

٧١
الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته
وإذا كان المحب يحب غيره على ما فيه صورة جميلة وسيرة حميدة،
فكيف بهذا النبي الكريم والرسول العظيم الجامع لمحاسن الأخلاق والتكريم،
المانح لنا جوامع المكارم والفضل العميم، فقد أخرجنا اللَّه به من ظلمات الكفر
إلى نور الإيمان، وخلصنا به من نار الجهل إلى جنات المعارف والإيقان، فهو
السبب لبقاء مهجنا البقاء الأبدي في النعيم السرمدي، فأي إحسان أجل قدرًا
وأعظم خطرًا من إحسانه إلينا، فلا منة - وحياته - لأحد بعد الله كما له علينا، ولا
فضل لبشر كفضله لدينا.
فكيف ننهض ببعض شكره، أو نقوم من واجب حقه بمعشار عشره، فقد
منحنا اللَّه به منح الدنيا والآخرة، وأسبغ علينا نعمة باطنة وظاهرة، فاستحق عَ لّه أن
يكون حظه من محبتنا له أوفى وأزكى من محبتنا لأنفسنا وأولادنا وأهلينا وأموالنا
والناس أجمعين، بل لو كان في كل منبت شعرة منا محبة تامة له صلوات
عنه ولم يره، (فكيف بهذا النبي الكريم والرسول العظيم،) الذي لا أكرم ولا أعظم منه،
(الجامع لمحاسن الأخلاق والتكريم، المانح) المعطي (لنا جوامع المكارم والفضل
العميم، فقد أخرجنا اللّه به من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان،) بالإضافة البيانية فيهما أو من
إضافة الأعم إلى الأخص، (وخلصنا به من نار الجهل إلى جنات المعارف والإِيقان، فهو
السبب لبقاء مهجنا) بضم ففتح (البقاء الأبدي) الدائم (في النعيم السرمدي) المتواصل الذي
لا ينقطع، (فأي: إحسان أجل قدرًا) رتبة، (وأعظم خطرًا) بفتح الخاء المعجمة والطاء المهملة،
أي: قدرًا أو شرفًا غاير بينهما تفننًا (من إحسانه إلينا) معاشر المؤمنين، وخصهم لأنهم هم
المنتفعون به وإن كان إحسانه عامًا، وأي: للتعظيم والتفخيم، كما يقال: عندي رجل، أي: رجل
كامل الرجولية، (فَلا منة وحياته) قسمي (لأحد بعد اللّه كما له علينا ولا فضل لبشر)
ولا لملك (کفضله لدینا) عندنا وقيد بالبشر، لأنه المشاهد فضله، (فكيف ننهض) نقوم بسرعة
(ببعض شكره) على ما أولانا، (أو) كيف (نقوم من واجب حقه بمعشار عشره، فقد منحنا اللّه
به منح الدنيا والآخرة وأسبغ:) أوسع وأتم (علينا) بسببه (نعمه،) أي: اللّه (باطنة،) وهي
المعرفة وغيرها، (وظاهرة) حسن الصورة وتسوية الأعضاء، (فاستحق عَّة أن يكون حظه)
نصيبه (من محبتنا له أوفى) أتم (وأزكى) أطهر (من محبتنا لأنفسنا وأولادنا وأهلينا وأموالنا
والناس أجمعين،) عطف على خاص وهو كثير، (ب) انتقال (لو كان في كل منبت) محل
نبات (شعرة منا محبة تامة له صلوات الله وسلامه عليه لكان ذلك بعض ما يستحقه

٧٢
الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته
اللَّه وسلامه عليه لكان ذلك بعض ما يستحقه علينا.
وقد روى أبو هريرة أنه عَّه قال: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه
من والده وولده)). رواه البخاري.
وقدم الوالد للأكثرية، لأن كل أحد له والد، من غير عكس، وفي رواية
النسائي تقديم الولد على الوالد وذلك لمزيد الشفقة، وزاد في رواية عبد العزيز بن
صهيب عن أنس والناس أجمعين، وفي صحيح ابن خزيمة: من أهله وماله بدل
علينا).
(وقد روى أبو هريرة أنه مَّه قال: لا يؤمن) إيمانًا كاملاً (أحدكم) خطاب للحاضرين
عام فيهم وفي غيرهم، بقياسهم عليهم بطريق المساواة بجامع العلة، أو تنزيلاً لهم منزلة
المخاطبين، وتوجه الكلام لجملتهم مجازًا من باب الاستعارة التمثيلية، ويؤيد عمومه رواية مسلم
لا يؤمن الرجل.
وفي رواية الأصيلي: لا يؤمن أحد وزعم أن في مسلم: لا يؤمن عبد. وابن حبان: لا يبلغ
عبد حقيقة الإيمان غلط، فإنما فيهما ذلك في حديث: حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه. (حتى
أكون أحب) أفعل بمعنى مفعول، وهو مع كثرته على خلاف القياس، وفصل بينه وبين معموله
بقوله: (إليه،) لأن الممتنع الفصل بأجنبي.
قاله الحافظ وقال المصنف: لأنه يتوسع في الظرف ما لا يتوسع في غيره (من والده،)
أي: أبيه، قال الحافظ: وهل تدخل الأم في لفظ والده، إن أريد به من له الولد، فيعم، أو اكتفى
بذكر أحدهما كما يكتفي عن أحد الضدين بالآخر، ويكون ما ذكر على سبيل التمثيل والمراد،
إلا عزة، كأنه قال: أحب إليه من أعزته (وولده) ذكرًا، أو أنثى.
(رواه البخاري) من حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، أن رسول اللّه عَ لّه قال:
والذي نفسي بيده، لا يؤمن. ذكره، وهو عن أبي هريرة من أفراد البخاري، ورواه هو ومسلم من
حديث أنس، (وقدم الوالد للأكثرية، لأن كل أحد له والد من غير عكس،) أو نظرًا إلى جانب
التعظيم، أو لسبقه بالزمان، قاله المصنف.
(وفي رواية النسائي) لحديث أنس: (تقدم الولد على الوالد، وذلك لمزيد الشفقة،)
ونطق عَّله عند كل من أبي هريرة، وأنس بما رواه عنه، فلا خلف، وليس أحدهما بالمعنى
لاختلاف المخرج، وأفاد الحافظ أن الروايات لم تختلف في حديث أبي هريرة، (وزاد في
رواية عبد العزيز بن صهيب،) بضم المهملة وفتح الحاء وسكون التحتية وموحدة، البناني بضم
الموحدة نسبة إلى بنانة: بطن من قريش التابعي، كأبيه (عن أنس) عند البخاري ومسلم: لا يؤمن

٧٣
الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته
والده وولده وذكر الوالد والولد أدخل في المعنى لأنهما أعز على العاقل من الأهل
والمال، بل ربما يكونان أعز من نفسه. ولذا لم يذكر ((النفس)) في حديث أبي
هريرة، وذكر الناس بعد الوالد والولد من عطف العام على الخاص.
قال الخطابي: والمراد بالمحبة هنا، حب الاختيار لا حب الطبع.
وقال النووي: فيه تلميح إلى قضية النفس الأمارة والمطمئنة، فإن من رجح
أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده (والناس أجمعين،) دخل في عمومه النفس على
الظاهر، وقيل: إضافة المحبة إليه تقتضي خروجه منهم، وهو بعيد، وقد نص على النفس في
حديث عبد الله بن هشام، كما يأتي. انتهى. ووجه بعده أن اللفظ عام، وما ذكر ليس من
المخصصات، وحينئذٍ فلا يخرج.
(وفي صحيح) محمد (بن خزيمة،) المعروف بإمام الأئمة، من طريق عبد العزيز بن
صهيب، عن أنس مرفوعًا: لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه (من أهله وماله بدل والده
وولده).
وكذا لمسلم من طريق ابن علية، والإِسمعيلي من طريق عبد الوارث بن سعيد، كلاهما
عن عبد العزيز، عن أنس، بلفظ: لا يؤمن الرجل، قال الحافظ: وهو أشمل من جهة، واحدكم
أشمل من جهة، وأشمل منهما، رواية الأصيلي: لا يؤمن أحد، (وذكر الوالد والولد أدخل في
المعنى،) أي: أنسب بالمعنى الذي الكلام فيه، (لأنهما أعز على العاقل من الأهل والمال، بل
ربما يكونان أعز من نفسه، ولهذا لم يذكر النفس في حديث أبي هريرة،) بل قال: من والده
وولده فقط، (وذكر الناس بعد الوالد والولد) في حديث أنس عند الشيخين، كما علم (من
عطف العام على الخاص،) وهو كثير، كما في الفتح، فمحبة الوالد محبة إجلال ومحبة الولد
رحمة وشفقة، والناس محبة إحسان، وقد ينتهي المحب في المحبة إلى أن يؤثر هوى المحبوب
على هوى نفسه فضلاً عن ولده، بل يحب أعداء نفسه لمشابهتهم محبوبه قال:
أشبهت أعدائي فصرت أحبهم إذ صار حظي منك حظي منهم
(قال الخطابي: والمراد بالمحبة هنا حب الاختيار،) الذي يقتضي العقل إيثاره وإن
خالف الطبع، كمحبة المريض الدواء (لا حب الطبع) الذي لا يدخل تحت اختيار، فإنه لا يؤاخذ
به لعدم دخوله تحت استطاعته.
(وقال النووي: فيه تلميح إلى قضية النفس الأمارة،) المائلة بطبعها إلى الشهوات،
وتهيم بها، وتستعمل القوى والجوارح في أثرها كل الأوقات، (والمطمئنة) بذكر اللّه، فإن النفس
تترقى في الأسباب والمسببات إلى الواجب لذاته، فتستقر دون معرفته، وتستغنى به عن غيره، أو

٧٤
الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته
جانب المطمئنة كان حبه للنبي عَّه راجحًا، ومن رجح جانب الأمارة كان حبه
بالعكس.
وفي كلام القاضي عياض: إن ذلك شرط في صحة الإيمان، لأنه حمل
المحبة على معنى التعظيم والإجلال. وتعقبه صاحب المفهم: بأن ذلك ليس مرادًا،
هنا لأن اعتقاد الأعظمية ليس مستلزمًا للمحبة، إذ قد يجد الإنسان إعظام شىء مع
خلوه من محبته. قال: فعلى هذا من لم يجد من نفسه ذلك الميل لم يكمل
إيمانه، وإلى ذلك يومىء قول عمر بن الخطاب في الحديث الذي رواه البخاري في
((الأيمان والنذور)) من حديث عبد الله بن هشام أن عمر بن الخطاب قال للنبي
لأنت يا رسول الله أحب إلي من كل شىء إلاَّ نفسي التي بين جنبي، فقال
إلى الحق، بحيث لا يريبها شك، والآمنة التي لا يستفزها خوف ولا حزن، قاله البيضاوي: (فإن
من رجح جانب المطمئنة كان حبه للنبي عَّةٍ راجحًا) حتى على نفسه، (ومن رجح جانب
الأمارة كان حبه بالعكس،) أي: مرجوخًا، (وفي كلام القاضي عياض) إشارة إلى (أن ذلك
شرط في صحة الإِيمان، لأنه حمل المحبة على معنى التعظيم والإِجلال،) باعتقاد عظمته
وجلاله عَّةُ، وحمله على ذلك يلزم منه التنقيص عند ضد التعظيم، وهو كفر، فلذا قال: شرط
في صحة الإِيمان، (وتعقبه صاحب المفهم) أبو العباس أحمد بن محمد القرطبي، مرت ترجمته
في شرح مسلم، (بأن ذلك ليس مرادًا هنا، لأن اعتقاد الأعظمية ليس مستلزمًا للمحبة، إذ
قد يجد الإنسان إعظام شىء مع خلوه من محبته؛) بأن لا يحبه ولا يبغضه، أو يعظمه مع
بغضه، يعني: فكما لا يلزم من الأعظمية المحبة، لا يلزم من ضدها البغضاء.
قال شيخنا: هو كذلك عقلاً، وأما بحسب العرف، فالعادة قاضية؛ بأن من اعتقد عظمة
إنسان أحبه، (قال) صاحب المفهم: (فعلى هذا من لم يجد من نفسه ذلك الميل لم يكمل
إيمانه) فقط، لا أنه كافر، (وإلى ذلك يومىء قول عمر بن الخطاب في الحديث الذي رواه
البخاري في) كتاب (الإِيمان والنذور) من صحيحه (من حديث عبد الله بن هشام) بن زهرة بن
عثمن التيمي، صحابي، صغير، مات في خلافة مطوية، وأبوه صحابي؛ (أن عمر بن الخطاب،
قال للنبي: لأنت يا رسول اللّه)) لفظه عن عبد الله بن هشام، قال: كنا مع النبي عَّهِ، وهو آخذ
بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول اللّه، والله لأنت (أحب إليّ) (بشد الياء واللام)،
لتأكيد القسم (من كل شىء) في الدنيا وغيرها، (إلا) من (نفسي التي بين جنبي) (بشد الياء)
مثنى، لأن بين لا تضاف إلا لمتعدد، وهذا كناية عن السر الذي قامت به الحياة، وأضافه إلى

٧٥
الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته
النبي عَ لِّ: ((لن يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه)) فقال عمر: والذي
أنزل عليك الكتاب لأنت أحب إلي من نفسي التي بين جنبي، فقال له النبي عَبيه
الآن يا عمر. فهذه المحبة ليست باعتقاد الأعظمية فقط. فإنها كانت حاصلة لعمر
قبل ذلك قطعًا.
وفي رواية فقال عَّه: ((لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من
نفسك)) قال بعض الزهاد: تقدير الكلام، لا تصدق في حبي حتى تؤثر رضاي على
هواك وإن كان فيه الهلاك.
وأما وقوف عمر في أول أمره، واستثناؤه نفسه، فلأن حب الإنسان نفسه
طبع، وحب غيره اختيار بتوسط الأسباب، وإنما أراد عليه الصلاة والسلام منه حب
الاختيار، إذ لا سبيل إلى قلب الطباع وتغييرها عما جبلت عليه. وعلى هذا
الجنبين، لجرى العادة بسلب الحياة، بسلب ما بينهما وهو القلب وما يتعلق به من سائر الأعضاء
الرئيسة، (فقال النبي عَّه: لن يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه، فقال عمر:)
مؤكدًا بالقسم تحقيقًا لخلوص طويته في قوله: (والذي أنزل عليك الكتاب،) أوحى إليك
القرآن (لأنت أحب من نفسي التي بين جنبي، فقال له النبي ◌ُّ: الآن) عرفت، فنطقت
بكمال الإِيمان، فهو متعلق بمقدر، وهو مبني على الفتح، وأل فيه لازمة، وهو الزمان الحاضر،
وصرح بقوله: (يا عمر) إشارة إلى وصوله لرتبة عليه، تخصه بالنسبة لبعض من عداه، أي:
لا تكفيك الرتبة الأولى، ولا يليق بعلو همتك الاقتصار عليها، (فهذه المحبة ليست باعتقاد
الأعظمية فقط، فإنها كانت حاصلة لعمر قبل ذلك قطعًا،) بدليل قوله أحب إليّ من كل شىء.
(وفي رواية: فقال النبي عٍَّ) لعمر: (لا) يكمل إيمانك، (والذي نفسي بيده،) أي:
بقدرته، أو هو من المتشابه المفوض علمه للّه، وهو أسلم وأقسم تأكيدًا، وفيه جواز الحلف على
الأمر المبهم للتوكيد، وإن لم يكن هناك محلف (حتى أكون أحب إليك من نفسك،) فقال له
عمر: فإنه الآن واللّه لأنت أحب إليّ من نفسي، فقال عَّهِ: الآن يا عمر.
هذا بقية هذه الرواية في البخاري، (قال بعض الزهاد: تقدير الكلام) في قوله: لا حتى
أكون، (لا تصدق في حبي حتى تؤثر رضاي على هواك، وإن كان فيه الهلاك) بالجهاد أو
إماتة النفس، (وأما وقوف عمر في أول أمره واستثناؤه نفسه، فلأن حب الإنسان نفسه طبع)
لا يسلم منه إلا من ملك نفسه: جاهدها، (وحب غيره اختيار بتوسط الأسباب) المؤدية إلى
ذلك، (وإنما أراد عليه الصلاة والسلام منه حب الاختيار، إذ لا سبيل إلى قلب الطباع،) أي:

٧٦
الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته
فجواب عمر كان أولاً بحسب الطبع، ثم تأمل فعرف بالاستدلال أن النبي بعدَّه
أحب إليه من نفسه لكونه السبب في نجاتها من المهلكات في الدنيا والآخرة،
فأخبره بما اقتضاه الاختيار، فلذلك حصل الجواب بقوله الآن يا عمر أي الآن
عرفت فنطقت بما يجب.
وإذا كان هذا شأن نبينا محمد عّلّه عبد اللَّه ورسوله في محبتنا له ووجوب
تقديمها على أنفسنا وأولادنا ووالدينا والناس أجمعين، فما الظن بمحبة الله تعالى
ووجوب تقديمها على محبة ما سواه، ومحبة اللَّه تعالى تختص عن محبة غيره في
قدرها وصفتها، وإفراده سبحانه وتعالى بها، فإن الواجب له من ذلك أن يكون
أحب إلى العبد من ولده ووالده، بل من سمعه وبصره ونفسه التي بين جنبيه،
فيكون إلهه الحق، ومعبوده أحب إليه من ذلك كله. والشىء قد يحب من وجه
لا طريق إلى تحويلها عما تهواه، (وتغييرها عما جبلت عليه،) لأنه لا يدخل تحت الاستطاعة،
فليس مكلفًا به، ولا مؤاخذًا بعدمه، (وعلى هذا، فجواب عمر كان أولاً بحسب الطبع،) الذي
جبل عليه الإِنسان من ترجيح نفسه وتقديمها، (ثم تأمل، فعرف بالاستدلال؛ أن النبي عَ اليه.
أحب إليه من نفسه، لكونه السبب في نجاتها من المهلكات في الدنيا والآخرة، فأخبره بما
اقتضاه الاختيار،) الناشىء من التفكر، (فذلك حصل الجواب، بقوله) عَّله: (الآن يا عمر،
أي: الآن عرفت فنطقت بما يجب،) وحال عمر أنه لا يفعل غير ما وجب عليه، لأنه منهي عنه،
إذ الأمر بالشىء الموجب له نهى عن ضده، (وإذا كان هذا شأن نبينا محمد عَ لِ عبد الله
ورسوله في محبتنا له ووجوب تقديمها على أنفسنا وأولادنا ووالدينا والناس أجمعين، فما
الظن) استفهام تعظيم، أي: أي: ظن تظنه، أي: لا تظن إلا أعظم ظن، (بمحبة اللّه تعالى
ووجوب تقديمها على محبة ما سواه.)
وإلى هذا أشار عَّ﴾، بقوله: أحبوا اللّه لما يغذوكم به من نعمه، وأحبوني لحب الله،
وأحبوا أهل بيتي لحبي. أخرجه الترمذي والحاكم، وصححاه عن ابن عباس:
(ومحبة اللّه تعالى تختص عن محبة غيره في قدرها وصفتها، و) في (إفراده سبحانه
وتعالى بها، فإن الواجب له من ذلك أن يكون أحب إلى العبد من ولده ووالده، بل من
سمعه وبصره ونفسه التي بين جنبيه، فيكون إلهه الحق، ومعبوده أحب إليه من ذلك كله،)
ولا انفكاك لأحد عن الاحتیاج إليه، (والشىء قد یحب من وجه دون وجه،) كحب العالم
لعلمه، وكراهته لبخله مثلاً، (وقد يحب لغيره وليس شىء يحب لذاته من كل وجه إلا اللّه

٧٧
الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته
دون وجه، وقد يحب لغيره وليس شىء يحب لذاته من كل وجه إلا اللَّه تعالى
حده، ولا تصلح الألوهية إلا له. والتأله هو المحبة والطاعة والخضوع.
ومن علامات الحب المذكور لرسول اللَّه عَّ أن يعرض الإنسان على نفسه
أنه لو خير بين فقد غرض من أغراضه وفقد رؤية النبي عَّةٍ أن لو كانت ممكنة،
فإن كان فقدها أن لو كانت ممكنة أشد عليه من فقد غرض من أغراضه فقد
اصتف بالأحبية المذكورة لرسول اللَّه عَّهِ، ومن لا فلا.
تعالى وحده).
قال ابن عطاء: اللّه ما من وقت ولحظة إلا وهو مورد عليك فيهما نعمًا، يجب حبه
وشكره عليها دائمًا، فمتى فات حق وتت لا يمكن قضاؤه أبدًا، إذ ما من وقت إلا وله عليك فيه
حق جديد، وهو الشكر، وأمر أكيد وهو الاستغفار والتجريد ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾
الآية، (ولا تصلح الألوهية)، أي: العبادة (إلا له والتأله)، أي: التعيد (هو المحبة والطاعة
والخضوع،) والغرض من هذه الجملة بعدما تقدم التنبيه على استحقاقه الكمال المطلق،
فلا يشاركه أحد في شىء من صفاته إلا في مجرد الاسم إن اتفق ذلك، ولما كان هذا نتيجة
الأسباب المحصلة لمحبة اللّه تعالى، كما قال بعد أن هذا ثمرة المعرفة، عطفه بالواو في قوله:
ولا تصلح، ولم يقل إذا المقتضية للعلة لما قبله، غائية أو غير غائية، لأن ذلك يقتضي سبق
معرفة العلة الغائية، أو غيرها على الأسباب المحصلة، (ومن علامات الحب المذكور لرسول
اللّه عَّله: أن يعرض) (بفتح الياء وكسر الراء)، أي: يظهر ويبرز (الإنسان على نفسه أن لو خير
بين فقد غرض من أغراضه أو فقد رؤية النبي عَّةٍ، أن لو كانت ممكنة،) أي: سهلة في
نفسها، بحيث يتمكن منها إذا أرادها، فليس المراد بالإِمكان ما قابل الاستحالة، (فإن كان فقدها
أن لو كانت ممكنة أشد عليه من فقد غرض من أغراضه، فقد اتصف بالأحبية المذكورة
لرسول اللّه عَّ، ومن لا) يكن ذلك أشد، (فلا) يتصف بالأحبية المذكورة.
وهذا ذكره الحافظ، وزاد: وليس ذلك محصورًا في الوجود والفقد، بل يأتي مثله في
نصرة سنّته والذب في شريعته، وقمع مخالفيها، ويدخل فيه باب الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر، قال: وفي هذا الحديث إيماء إلى فضيلة التفكر، فإن الأحبية المذكورة تعرف به، وذلك
أن محبوب الإِنسان، إما نفسه وأما غيرها، أما نفسه فهو أن يريد دوام بقائها سالمة من الآفات،
هذا هو حقيقة المطلوب، وأما غيره فإذا حقق الأمر فيه، فإنما هو بسبب تحصيل نفع ما على
وجوهه المختلفة، حالاً ومآلاً، فإذا تأمل النفع الحاصل له من جهة رسول اللّه عَ له، إما بالمباشرة

٧٨
الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته
قال القرطبي: كل من آمن بالنبي عَِّ إيمانًا صحيحًا لا يخلو عن وجدان
شىء من تلك المحبة الراجحة، غير أنهم متفاوتون، فمنهم من أخذ من تلك
المرتبة بالحظ الأوفى، ومنهم من يأخذ بالحظ الأدنى، كمن كان مستغرقًا في
الشهوات محجوبًا بالغفلات في أكثر الأوقات، لكن الكثير منهم إذا ذكر
النبي عَُّلِّ اشتاق إلى رؤية بحيث يؤثرها على أهله وماله وولده ويبذل نفسه في
الأمور الحظيرة ويجد رجحان ذلك من نفسه وجدانًا لا تردد فيه. وقد شوهد من
هذا الجنس من يؤثر زيارة قبره ورؤية مواضع آثاره على جميع ما ذكر، لما وقر في
قلوبهم من محبته، غير أن ذلك سريع الزوال لتوالي الغفلات، انتهى.
ملخصًا فكل مسلم في قلبه محبة الله ورسوله، لا يدخل الإسلام إلاَّ بها،
ولكن الناس متفاوتون في محبته عَّه بحسب استحضار ما وصل إليهم من جهته
وأما بالسبب، علم أنه سبب بقاء نفسه البقاء الأبدي في النعيم السرمدي، وعلم أن نفعه بذلك
أعظم من جميع وجوه الانتفاعات، فاستحق لذلك أن يكون حظه من محبته أوفر من غيره، لأن
النفع الذي يثير المحبة حاصل منه أكثر من غيره، ولكن الناس يتفاوتون في ذلك بحسب
استحضار ذلك والغفلة عنه.
(قال القرطبي) أبو العباس في المفهم: (كل من آمن بالنبي عَِّ إيمانًا صحيحًا لا يخلو
عن وجدان شىء من تلك المحبة الراجحة، غير أنهم متفاوتون) فيها بحسب الاستحضار
والغفلة، (فمنهم من أخذ من تلك المرتبة بالحظ الأوفى، ومنهم من أخذ بالحظ الأدنى،
كمن كان مستغرقًا في الشهوات، محجوبًا بالغفلات في أكثر الأوقات، لكن الكثير منهم
إذا ذكر النبي عَّ اشتاق إلى رؤيته،) والشوق انجذاب النفس في الغيبة، فهو أخص من
المحبة، لأنها تكون في الحضور والغيبة، (بحيث يؤثرها على أهله وماله وولده، ويبذل نفسه:)
يعطيها بسهولة ويلقيها (في الأمور الخطيرة) (بمعجمة فمهملة)، الشاقة الصعبة، (ويجد رجحان
ذلك من نفسه وجدانًا لا تردد فيه) ولا شك، (وقد شوهد من هذا الجنس من يؤثر زيارة قبره
(و) يؤثر (رؤية مواضع آثاره على جميع ما ذكر)، فيذهب إلى ذلك بدون مراعاة المذكور (لما
وقر:) ثبت (في قلوبهم من محبته، غير أن ذلك سريع الزوال لتوالي الغفلات. انتهى) كلام
القرطبي (ملخصًا، فكل مسلم) كائن وثابت (في قلبه محبة الله ورسوله،) إذ (لا يدخل
الإِسلام إلا بها، ولكن الناس متفاوتون في محبته عَّةٍ، بحسب استحضار ما وصل إليهم
من جهته، من وجوه النفع الشامل لخير الدارين،) وهو أعظم من جميع وجوه الانتفاعات،

٧٩
الفصل الأول في وجوب صحبته واتباع سنته
من وجوه النفع الشامل لخير الدارين والغفلة عن ذلك. ولا شك أن حظ الصحابة
رضي اللَّه عنهم في هذا المعنى أتم، لأن هذا ثمرة المعرفة وهم بها أعلم.
وقد روى ابن إسحق - كما حكاه في الشفاء- أن امرأة من الأنصار قتل
أبوها وأخوها وزوجها يومٍ أحد مع رسول اللَّه عَّه فقالت: ما فعل رسول اللّه عَلّ؟
قالوا: خيرًا، هو بحمد اللَّه كما تحبين، فقالت: أرونيه حتى أنظر إليه، فلما رأته
قالت: كل مصيبة بعدك جلل، تعني: صغيرة.
ورواه البيهقي في دلائله، وذكر صاحب البيان بلفظ: لما قيل يوم أحد قتل
(و) بحسب (الغفلة عن ذلك) الاستحضار، (ولا شك أن حظ الصحابة رضي الله عنهم في
هذا المعنى أتم، لأن هذا ثمرة المعرفة، وهم بها أعلم) من غيرهم واللّه الموفق.
هذا وقد نقل المصنف بعد نحو كراس كلام سهل الذي نقله الشارح هنا عن الشفاء.
(وقد روى ابن إسحق) محمد إمام المغازي في السيرة، (كما حكاه في الشفاء: أن
امرأة من الأنصار) لم تسم، ولفظ ابن إسحق: حدثني عبد الواحد بن أبي عون عن إسماعيل بن
محمد بن سعد بن أبي وقاص، قال: مر رسول اللّه عَّله بامرأة من بني دينار وقد (قتل أبوها
وأخوها وزوجها) شهداء (يوم أحد مع رسول اللّه عٍَّ، فقالت:) لما نعوا لها (ما فعل
رسول اللّه) هكذا في أكثر النسخ، وهو الموجود في الشفاء وابن إسحق رسول بلا باء، وليس
المراد السؤال عن فعله حقيقة، وإنما المراد السؤال عن سلامته وحياته، وعبرت بذلك تأدبًا، لأن
الفعل يستلزم الحياة، فأريد لازمة، وفي بعض نسخ المصنف برسول اللّه (مَّهُ) بالباء، (قالوا:)
فعل (خيرًا،) والمراد أنه بخبر، ولذا قالوا: (هو بحمد اللّه كما تحبين،) أي: سالم منصور
مظفر، (قالت: أرونيه))) بالجمع، وهو ما رأيته في ابن إسحق، وفي نسخة: أرنيه بالإفراد خطابًا
لمن سألته (حتى أنظر إليه،) فإن الخبر ليس كالعيان، قال في الرواية: فأشير لها إليه، (فلما
رأته قالت: كل مصيبة بعدك،) أي: بعد سلامتك ورؤيتك (جلل) (بفتح الجيم واللام)، (تعني
صغيرة،) وفي النهاية وغيرها، أي: هين حقير، والمعنى متقارب، وفي سيرة ابن هشام: الجلل من
القليل والكثير، وهو هنا من القليل، كقول امرىء القيس:
لقتل بني أسد ربهم ألا كل شيء سواه جلل
ومن الكثير قول الحارث بن وعلة، قال:
ولئن عفوت لأَعفون جللا ولئن سطوت لأوهنن عظمى
(ورواه البيهقي في دلائله) النبوية من طريق ابن إسحق، (وذكر صاحب البيان بلفظ:
لما قيل يوم أحد قتل محمد عليه الصلاة والسلام، وكثرت الصوارخ،) الصائحون

٨٠
الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته
محمد عليه الصلاة والسلام وكثرت الصوارخ بالمدينة، خرجت امرأة من الأنصار،
فاستقبلت بأخيها وأبيها وابنها وزوجها قتلى، لا تدري بأيهم استقبلت، وكلما مرت
بواحد منهم صريعًا قالت: من هذا؟ قالوا: أخوك وأبوك وزوجك وابنك قالت: فما
فعل النبي عَ لّهِ؟ فيقولون: أمامك، حتى ذهبت إلى رسول اللَّه عَ لِ فأخذت بناحية
ثوبه ثم جعلت تقول: بأبي أنت وأمي يا رسول اللَّه، لا أبالي إذ سلمت من
عطب. وكذا رواه ابن أبي الدينا بنحوه مختصرًا.
وقال عمرو بن العاصي: ما كان أحد أحب إلي من رسول اللَّه عَلَّهِ.
وقال علي بن أبي طالب: كان رسول اللَّه عَ لِّ أحب إلينا من أموالنا وأولادنا
وآبائنا وأمهاتنا، ومن الماء البارد على الظمأ.
ولما أخرج أهل مكة زيد بن الدثنة - بفتح الدال المهملة وكسر المثلثة
(بالمدينة) من هول هذا الخبر، (خرجت امرأة من الأنصار، فاستقبلت) ضمنه معنى اشتغلت،
فعداه بالباء في قوله: (بأخيها وأبيها وابنها وزوجها،) فزاد ابنها على الرواية السابقة: (قتلى
لا تدري بأيهم استقبلت، وكلما مرت بواحد منهم صريعًا، قالت: من هذا؟، قالوا: أخوك
وأبوك وزوجك وابنك، قالت: فما فعل النبي عَُّلّهِ)) أي: ما الذي قام به، (فيقولون: أمامك
حتى ذهبت إلى رسول اللّه عَّهِ، فأخذت بناحية ثوبه، ثم جعلت تقول:) أفديك (بأبي أنت
وأمي يا رسول اللّه، لا أبالي،) لا أكترث ولا أهتم (إذ سلمت) أنت من القتل (من عطب)
(بكسر الطاء)، أي: هلك.
(وكذا رواه ابن أبي الدنيا) عبد الله بن محمد الحافظ، الشهير (بنحوه مختصر، وقال
عمرو بن العاصي:) بالياء وحذفها (ما كان أحد أحب إليّ من رسول اللّه عَّةِ)) ولا أجل في
عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالاً له، حتى لو قيل لي صفه ما استطعت أن
أصفه.
أخرجه مسلم في حديث طويل، (وقال علي بن أبي طالب،) وقد سئل كيف كان
حبكم لرسول اللّه عَّةٍ؟، فقال: (كان رسول اللّه عَّل أحب إلينا من أموالنا، وأولادنا وآبائنا
وأمهاتنا) (بضم الهمزة وكسرها، مع فتح الميم وكسرها جمع أمهة)، لغة في أم، لكنها تختص
ببني آدم قال: أمهتي خندف واليأس أبي، ويقال في البهائم: أمات (و) أحب (من الماء البارد
على الظمأ) بقصره، أفصح من مده، أي: شدة العطش، خصه لأنه حال محبة الماء وشدة الرغبة
فيه، وأعاد الجار، لأنه نوع آخر مما يحب، ولشدة نفعه، (و) روى البيهقي عن عروة، قال: (لما