النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ النوع العاشر في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه بإسناد إليه تعالى بنون العظمة، وجعله خاصًا بالنبي عَّه بقوله: لك. وقد سبق إلى نحو هذا ابن عطية: وإنما المعنى التشريف بهذا الحكم، ولم يكن ذنوب ألبتة. ثم قال: وعلى تقدير الجواز لا شك ولا ارتاب أنه لم يقع منه عَ لَه، ﴿فتاب عليكم وعفا عنكم﴾، (ولهذا جعل ذلك اية للفتح المبين،) وهو صلح الحديبية أو مكة، نزلت مرجعه من الحديبية عدة له بفتحها، وعبر عنه بالماضي لتحقق وقوعه، أو فتح خيبر، أو غير ذلك أقوال: أرجحها عند قوم الأول، وتقدم بسطه في غزوة الحديبية (الذي عظمه وفخمه بإسناده إليه تعالى بنون العظمة،) بقوله: ﴿إنا فتحنا﴾ [الفتح/١]، (وجعله خاصًا بالنبي عَّة، بقوله: لك،) كأنه قيل لا لغيرك، وأشار بهذا إلى جواب؛ أن المغفرة ليست سببًا، للفتح إذ السبب ما يلزم من وجوده وجود غيره، والمغفرة التي هي عدم المؤاخذة بالذنب لا تستدعي الفتح، وحاصل الجواب إن اللام علة غائية، أي: أن الفتح لما فيه من مقاساة الأهوال مع الكفار جعل سببًا للمغفرة وإتمامًا للنعمة والنصر العزيز. وفي البيضاوي: علة للفتح من حيث أنه تسبب عن الجهاد والسعي في إعلاء الدين وإزاحة الشرك وتكميل النفوس الناقصة قهرًا ليصير ذلك بالتدريج اختيارًا، وتخليص الضعفة من أيدي الظلمة. (وقد سبق إلى نحو هذا ابن عطية،) لفظ السبكي: وبعد أن وقعت على هذا المعنى، وجدت ابن عطية قد وقع عليه، فقال بعد أن حكي قول سفين الثوري: ما تقدم قبل النبوة وما تأخر، يريد كل شىء لم يعمله، وهذا ضعيف، (وإنما المعنى التشريف بهذا الحكم،) وهو استيعاب جميع أنواع النغم، (ولم يكن) له (ذنوب البتة،) وأجمع العلماء على عصمة الأنبياء من الكبائر والصغائر التي هي رذائل، وجوز بعضهم الصغائر التي ليست برذائل، واختلفوا: هل وقعت من محمد عَّةٍ أو لم تقع؟. وحكى الثعلبي عن عطاء الخراساني: ما تقدم من ذنب آدم وحواء، أي: ببركتك، وما تأخر من ذنوب أمتك بدعائك. وقال بعضهم: ما تقدم قوله يوم بدر: ((اللهم إن تهلك هذه العصابة لم تعبد))، وما تأخر قوله يوم حنين: لن نغلب اليوم من قلة، وهذا كله معترض، هذا كلام ابن عطية برمته. قال السبكي: وقد وفق فيما قال: فقول المتن، (ثم قال،) أي: السبكي لا ابن عطية، كما توهم، فإنه خلاف الواقع إذ ابن عطية ليس فيه كما رأيت قوله: (وعلى تقدير الجواز لا أشك ولا أرتاب أنه لم يكن يقع منه عَّه) والذي أوقعه في هذا الوهم، أن السبكي لما نقل قول ابن ٢٢ النوع العاشر في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه وكيف يتخيل خلاف ذلك ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾ [النجم/٣، ٤]. وأما الفعل: فإجماع الصحابة على اتباعه والتأسي به في كل ما يفعله من قليل أو كثير، أو صغير أو كبير لم يكن عندهم في ذلك توقف ولا بحث، حتى أعماله في السر والخلوة يحرصون على العلم بها وعلى اتباعها، علم بهم أو لم يعلم، ومن تأمل أحوال الصحابة معه معَِّ استحيى من اللَّه أن يخطر بباله خلاف ذلك، انتهى. وأما قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي اتق اللَّه ولا تطع الكافرين والمنافقين﴾ عطية، اختلفوا هل وقع من محمد ... الخ. عقبه بقوله: قلت لا أشك، فظن أن قلت من جملة نقله، وليس كذلك، بل زيادة فصلها بلفظ قلت: (وكيف يتخيل خلاف ذلك،) أسقط من قول السبكي وأحواله عليه السلام منقسمة إلى قول وفعل، أما القول، فقال تعالى: (﴿وما ينطق عن الهوى)، [النجم/٣] أي: هوى نفسه (إن هو إلا وحي يوحى﴾) [النجم/٤]. (وأما الفعل) قسيم قول السبكي: أما القول، وكأنه أسقط من المصنف سهوًا أو من نساخه، (فإجماع الصحابة على اتباعه والتأسي:) الاقتداء (به في كل ما،) أي: شىء (يفعله من قليل، أو كثير، أو صغير، أو كبير، لم يكن عندهم في ذلك توقف ولا بحث حتى أعماله) مجرور بحتى (في السر والخلوة، يحرصون على العلم بها وعلى اتباعها، علم بهم أو لم يعلم،) كابن عمر لما سأل بلالا: هل صلى المصطفى لما دخل الكعبة؟، ولما رآه يقضي الحاجة مستقبلاً، فأفتى بذلك وغير ذلك مما وقع له ولغيره، (ومن تأمل أحوال الصحابة معه ◌َّله) وما عرفوه وشاهدوه منه في جميع أحواله من أوله إلى آخره، (استحى من اللّه أن يخطر) (بضم التحتية)، من أخطر ليكون من فعله (بباله خلاف ذلك،) لا بفتحها من خطر لصدقه بخطوره دون فعله، ومثله لا يؤاخذ به. (انتهى) كلام السبكي رادًا به قول الزمخشري: معنى الآية جميع ما فرط منك. وقال مقاتل: ما كان في الجاهلية. وقال سفين الثوري: ما عملت في الجاهلية وما لم تعمل. وردهما السبكي بأنه عَّمِ ليست له جاهلية. وقيل: ما كان قبل النبوة، ورده بأنه معصوم قبلها وبعدها، وقيل: ما تقدم حديث مارية وما تأخر امرأة زيد، قال: وهذا باطل، فمن اعتقد أن في قصتهما ذنبًا فقد أخطأ، وقيل: غير ذلك مما زيف كله، وللسيوطي في ذلك وريقات، سماها القول المحرر، (وأما قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي اتقِ اللّه ولا تطع الكافرين والمنافقين)) [الأحزاب: ١]. ٢٣ النوع العاشر في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه [الأحزاب/١]. فلا مرية أنه عَِّ أتقى الخلق، والأمر بالشىء لا يكون إلا عند عدم اشتغال المأمور بالمأمور به، إذ لا يصلح أن يقال للجالس اجلس، ولا للساكت اسكت، ولا يجوز عليه أن لا يبلغ، ولا أن يخالف أمر ربه، ولا أن يشرك، ولا أن يطيع الكافرين والمنافقين، حاشاه اللَّه من ذلك، وإنما أمره اللَّه بتقوى توجب استدامة الحضور. وأجاب بعضهم عن هذا أيضًا بأنه عَِّ كان يزداد علمه باللّه تعالى، ومرتبته، حتى كان حاله عليه الصلاة والسلام فيما مضى بالنسبة إلى ما هو فيه ترك للأفضل، فكان له في كل ساعة تقوى تتجدد. روى جرير عن الضحاك، عن ابن عباس قال: إن أهل مكة منهم الوليد بن المغيرة وشيبة بن ربيعة، دعوا النبي عَّ إلى أن يرجع عن قوله، على أن يعطوه شطر أموالهم، وخوفه المنافقون واليهود، وإن لم يرجع قتلوه، فأنزل الله: ﴿يأيها النبي اتقِ اللّه﴾. (فلا مرية:) لا شك في صرفها عن ظاهرها، وذلك (أنه عَِّ اتقى الخلق) بالنصوص القطعية والإِجماع، (والأمر بالشىء لا يكون إلا عند عدم اشتغال المأمور بالمأمور به، إذ لا يصلح أن يقال للجالس إجلس، ولا للساكت اسكت،) فأمره بالتقوى، أمر بتحصيل الحاصل، وهو محال، (ولا يجوز عليه أن لا يبلغ) ما أوحى إليه، (ولا أن يخالف أمر ربه، ولا أن يشرك، ولا أن يطيع الكافرين والمنافقين،) لا عقلاً ولا نقلاً، (حاشاه اللّه من ذلك،) وهذا كله تصوير للإِشكال، (و) الجواب أنه (إنما أمره اللّه بتقوى توجب استدامة الحضور) في مقام المشاهدة والقرب اللائق بكماله فأمره باستدامة ذلك أمر بما لم يكن حاصلاً، وأجاب عياض بأنه ليس في الآية أنه أطاعهم، والله سبحانه ينهاه عما شاء، ويأمره بما شاء، كما قال تعالى: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم﴾ [الأنعام/ ٥٢]، وما كان طردهم وما كان من الظالمين. انتهى. وهو منع للإِشكال من أصله، وأن ابتناءه إنما هو على عرف أمر الخلق وخطابهم، والله تعالى ليس كذلك، فله أن ينهى من لم يقع منه خلافه، ويأمر بما لم يتصور من المأمور خلافه، وهذا جواب حسن، ويأتي في المتن بمعناه. (وأجاب بعضهم عن هذا) الإشكال (أيضًا بأنه ◌ٍَّ كان يزداد علمه بالله تعالى ومرتبته) منزلته العلية، (حتى كان) بالتشديد (حاله عليه الصلاة والسلام فيما مضى بالنسبة إلى ما هو فيه) الآن مما تجدد (ترك للأفضل) خبر كان، (فكان له في كل ساعة تقوى ٢٤ النوع العاشر في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه وقيل: المراد دم على التقوى. فإنه يصح أن يقال للجالس: اجلس ههنا إلى أن آتيك، وللساكت: قد أصبت فاسكت تسلم، أي دم على ما أنت عليه. وقيل: الخطاب مع النبي عَّهِ والمراد أمته، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿إِن اللَّه كان بما تعملون خبيرًا﴾ [النساء/٩٤]، ولم يقل بما تعمل. وأما قوله تعالى: ﴿فلا تطع المكذبين﴾ [القلم/٨]. فاعلم أنه تعالى لما ذكر ما عليه الكفار في أمره عَّهِ، ونسبته إلى ما نسبوه إليه، مع ما أنعم الله به عليه من الكمال في أمر الدين والخلق العظيم، أتبعه بما يقوي قلبه ويدعوه إلى التشديد مع قومه، وقوى قلبه بذلك مع قلة العدد وكثرة تتجدد،) فتورثه زيادة العلم وغيره من الكمالات، فكان معنى اتقِ اللّه دم على طلب الازدياد من العلوم والكمالات. (وقيل: المراد دم) واظب (على التقوى، فإنه يصح أن يقال للجالس: إجلس ههنا إلى أن آتيك، وللسأكت: قد أصبت فاسكت تسلم، أي: دم على ما أنت عليه). قال ابن عطية: معناه دم على التقوى، ومتى أمر آخر بشىء وهو متلبس به، فإنما معنا، الدوام في المستقبل على مثل الحال الماضية. (وقيل: الخطاب مع النبي عَّةٍ، والمراد أمته، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿إِن اللّه كان بما تعملون﴾) بالتاء والياء (﴿خبيرًا﴾) [النساء/٩٤] الآية، (ولم يقل بما تعمل) وعلى الأول،! فقال ابن عطية: هو تسلية له عَّله، أي: لا عليك منهم ولا من إيمانهم، فاللّه عليم بمن يتبعك، حكيم في هدى من شاء وإضلال من شاء، ثم أمره باتباع ما يوحى إليه، وهو القرآن الحكيم، والاقتصار على ذلك، وفي قوله: ﴿إِن اللّه كان بما تعملون خبيرًا﴾، توعد ما، وقرأ أبو عمرو وحده ﴿تعملون﴾ (بالتاء)، والتوعد على هذه القراءة للكافرين والمنافقين أبين، (وأما قوله تعالى: ﴿فلا تطع المكذبين)) [القلم/٨]، قال ابن عطية: يريد قريشًا، لأنهم قالوا للنبي عَِّ: لو عبدت آلهتنا وعظمتها لعبدنا إلهك وعظمناه، وودوا أن يداهنهم ويميل إلى قولهم فيميلوا هم أيضًا إلى قوله ودينه، والمداهنة الملاءمة فيما لا يحل، والمداراة الملاينة فيما يحل، (فاعلم أنه تعالى لما ذكر ما عليه الكفار في أمره عَّاتٍ ونسبته إلى ما نسبوه إليه) من الجنون، نافيًا ذلك عنه. بالقسم، بقوله: ﴿ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون﴾ [القلم/١، ٢]، (مع ما أنعم اللّه به عليه من الكمال) الظاهر لكل أحد (في أمر الدين والخلق العظيم،) بقوله: ﴿وإن لك لأجرًا غير ممنون وإنك لعلى خلق عظيم﴾) [القلم/ ٤.٣]، (اتبعه بما يقوي قلبه ويدعوه إلى ٢٥ النوع العاشر في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه الكفار، فإن هذه السورة من أوائل ما نزل فقال: ﴿فلا تطع المكذبين﴾ والمراد رؤساء الكفار من أهل مكة، وذلك أنهم دعوه إلى دينهم، فنهاه اللَّه أن يطيعهم، وهذا من اللَّه تهييج للتشديد في مخالفتهم. وأما قوله تعالى: ﴿فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك﴾ [يونس/٩٤]، الآية. فاعلم أن المفسرين اختلفوا فيمن المخاطب بهذا: فقال قوم المخاطب به النبي عَِّ، وقال آخرون: المخاطب به غيره. فأما من قال بالأول فاختلفوا على وجوه: الأول: أن الخطاب مع النبي عَّه في الظاهر والمراد به غيره، كقوله تعالى: التشديد مع قومه) المكذبين بالدين، (وقوى قلبه بذلك مع قلة العدد،) الذين معه من المسلمين (وكثرة الكفار، فإن هذه السورة من أوائل ما نزل، فقال: ﴿فلا تطع المكذبين﴾ الآية،) فنهاه وإن كان لم يقع منه طاعة لهم، تقوية لقلبه ليذهب عنه خوفهم المضعف للقلب، فيظهر دين اللّه بلا خوف. (والمراد رؤساء الكفار من أهل مكة، وذلك أنهم دعوه إلى دينهم) على أن يميلوا إلى دينه، فلم يفعل، (فنهاه اللّه أن يطيعهم، وهذا من اللّه تهييج للتشديد في مخالفتهم،) لأن النهي عما لم يقع يقوي تصويبه والمداومة على عدمه. (وأما قوله تعالى: ﴿فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك﴾،) من القصص فرضًا، (فاسأل الذين يقرءون الكتاب) التوراة (من قبلك،) فإنه ثابت عندهم، يخبروك بصدقه، (الآية) إشارة إلى أن الشبهة في تمامها أيضًا وهو: ﴿لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين﴾ [يونس/٩٤، ٩٥]، (فاعلم أن المفسرين اختلفوا فيمن المخاطب بهذا، فقال قوم: المخاطب به النبي عَّا) ولا ضير فيه، لأنه شرط لم يقع نحو: ﴿لو كان فيهما آلهة إلا اللّه لفسدتا﴾ [الأنبياء/٢٢]، أو على سبيل الفرض، وهذا أحسن. (وقال آخرون: المخاطب به غيره، فأما من قال بالأول، فاختلفوا على وجوه: الأول أن الخطاب مع النبي عَّهُ في الظاهر، والمراد به غيره). قال بكر بن العلاء: ألا تراه يقول: ﴿ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات اللّه﴾، وهو كان المكذب بلفظ اسم المفعول، (كقوله تعالى: ﴿يأيها النبي إذا طلقتم النساء﴾) فطلقوهن ٢٦ النوع العاشر في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء﴾ [الطلاق/١] وكقوله: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ [الزمر/٦٥]، وكقوله لعيسى ابن مريم: ﴿أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون اللَّه﴾ [المائدة/١١٦] ومثل هذا معتاد، فإن السلطان إذا كان له أمير، وكان تحت راية ذلك الأمير جمع، فأراد أن يأمر الرعية بأمر مخصوص فإنه لا يوجه خطابه إليهم، بل يوجهه إلى ذلك الأمير ليكون ذلك أقوى تأثيرًا في لعدتهن﴾) [الطلاق/١] الآية، فإن المخاطب بذلك هو، والمراد غيره، لأنه إذا طلق إنما يطلقهن لعدتھن. وقول البيضاوي: خص النداء وعم الخطاب بالحكم، لأنه إمام أمته، فنداؤه كندائهم، أو لأن الكلام معه والحكم يعمهم، والمعنى: إذا أردتم تطليقهن على تنزيل المشارف له منزلة الشارع فيه، لا يخالفه، لأنه وإن كان الحكم يعم، لكنه لم يقصد بالخطاب، لأنه لا يفعله، كما علم كيف، وفيه: ﴿واتقوا اللّه ربكم﴾، فيكون في حقه من تحصيل الحاصل. ورد شيخنا كلام المصنف لظاهر البيضاوي بأن المراد غيره بخصوصه، فيصدق بما إذا كان المراد هو وغيره، لأنه مع غيره، وغيره بخصوصه لا يليق لما علم، (وكقوله: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾) [الزمر/٦٥]، أي: يفسد ويسقط عن الاعتبار، ويبطل من حبطت الدابة إذا أفرطت في المرعى حتى ماتت وانتفخت، وجعل هذه الآية مشبهًا بها، لأنها أظهر في التعليق بالمحال، لأن الخطاب فيها الرسل كلهم، إذ أولها ﴿ولقد أوحى إليك وإلى الذين من قبلك﴾، وأفرد، لأن المراد كل واحد منهم وهم مبرؤن عن الشرك فالمراد أممهم ممن يجوز عليه الشرك تعريضًا وتهييجًا لحميتهم حتى ينتهوا عنه، (وكقوله لعيسى ابن مريم: ﴿أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون اللّهِ﴾) [المائدة/١١٦]، صفة لإِلهين أو صلة اتخذوني، ومعنى دون المغايرة تنبيهًا على أن عبادة اللّه مع عبادة غيره كلا عبادة، فمن عبده مع عبادتهما، كأنما عبدهما ولم يعبده، أو القصور، فإنهم لم يعتقدوا استحقاقهما للاستقلال بالعبادة، وإنما زعموا أنها توصل إلى عبادة اللّه، وكأنه قيل: اتخذوني وأمي إلهين متوصلين بنا إلى عبادة اللّه، قاله البيضاوي، ففي التنظير بهذه الآية شىء، فإنه لم يخاطب عيسى مريدًا غيره، بل توبيخ الكفرة لا خطابهم خصوصًا، وذلك يوم القيامة، (ومثل هذا معتاد) واقع كثيرًا في القرآن، وكلام العرب، وهو باب واسع يسمونه التعريض والتلويح. وله نكات ومقاصد جليلة، کحمله على الإذعان والقبول وإطفاء نار الغضب والحمية، (فإن السلطان إذا كان له أمير، وكان تحت راية ذلك الأمير جمع، فأراد أن يأمر الرعية بأمر مخصوص) بها دون الأمير، (فإنه لا يوجه خطابه إليهم، بل يوجهه إلى ذلك الأمير، ليكون ٢٧ النوع العاشر في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه قلوبهم. الثاني: قال الفراء: علم اللَّه تعالى أن رسوله عَّه غير شاك، ولكن هذا كما يقول الرجل لولده: إن كنت ابني فبرني، ولعبده: إن كنت عبدي فأطعني. الثالث: أن يقال لضيق الصدر شاك، يقول: إن ضقت ذرعًا بما تعاني من تعنتهم وأداهم فاصبر واسأل الذين يقرؤن الكتاب من قبلك كيف صبر الأنبياء على أذى قومهم، وكيف كان عاقبة أمرهم من النصر، فالمراد تحقيق ذلك والاستشهاد بما في الكتب المتقدمة، وأن القرءان مصدق لما فيه، أو تهييج الرسول عليه الصلاة والسلام وزيادة تثبيته، أو يكون على سبيل الفرض والتقدير، لا إمكان ذلك أقوى تأثيرًا في قلوبهم،) فيبادروا بفعل الأمر، (الثاني: قال الفراء،) لقب ليحيى بن زياد الكوفي، نزيل بغداد، النحوي المشهور، المتوفى سنة سبع ومائتين، لأنه كان يفري الكلام فريًا، (علم اللّه تعالى أن رسوله عَّةٍ غير شاكٍ). قال عياض: احذر ثبت اللّه قلبك أن يخطر ببالك ما ذكره بعض المفسرين عن ابن عباس أو غيره من إثبات شك له فيما أوحي إليه، وأنه من البشر، فمثل هذا لا يجوز حمله عليه، بل قد قال ابن عباس وغيره: لم يشك عَّ ولم يسأل، ونحوه. عن ابن جبير والحسن، وحكي قتادة أن النبي عَِّ قال: ما أشك ولا أسأل، وعامة المفسرين على هذا، (ولكن هذا كما يقول الرجل لولده، إن كنت ابني فبرني، ولعبده: إن كنت عبدي فأطعني) في التنظير بهذا نظر، فإنما يقول الرجل ذلك لولده وعبده إذا استشعر منهما نوع تقصير في حقه، والنبي عَّ لا تقصير عنده في حق اللّه تعالى، حتى يخاطبه بما يوهم لو ما حاشاه من ذلك. وقد يجاب بأن التنظير به من حيث أنه يخاطب به مع علمه أنه لا شك عنده من غير ملاحظة لوم على تقصير، وإن كان هو عليه السلام ينسب التقصير لنفسه، بنحو قوله: لا أحصى ثناء عليك أنت، كما أثنيت على نفسك. (الثالث: أن يقال لضيق الصدر شاك،) فالمعنى أنه (يقول إن ضقت ذرعًا) صدرًا (بما تعاني،) تقاسي (من تعنتهم وأداهم، فاصبر واسأل الذين يقرؤن الكتاب من قبلك كيف صبر الأنبياء على أذى قومهم)، وقد قال: ﴿فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل﴾ [الأحقاف/ ٣٥]، (وكيف كان عاقبة أمرهم من النصر) على الكافرين، (فالمراد تحقيق ذلك والاستشهاد بما في الكتب المتقدمة، وأن القرآن مصدق لما،) أي: المعاني التي اشتمل عليها ما جاء في الكتب، فضمير (فيه) راجع ((لما))، وصح ذلك رعاية للفظ ما، وإن كان مدلولها متعددًا (أو تهييج الرسول عليه الصلاة والسلام) إثارته، (وزيادة تثبيته). ٢٨ النوع العاشر في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه وقوع الشك له، ولذلك قال عَّه لما نزلت هذه الآية: ((واللَّه لا أشك ولا أسأل)). وأما الوجه الثاني - وهو أن المخاطب غيره عَ لّهِ - فتقريره: أن الناس كانوا في زمانه فرقًا ثلاثة: المصدقون به، والمكذبون له، والمتوقفون في أمره الشاكون فيه فخاطبهم اللّه تعالى بهذا الخطاب فقال: فإن كنت في شك أيها الإنسان مما أنزلنا إليك من الهدى على لسان نبينا محمد عَّله، فاسأل أهل الكتاب ليدلوك على صحة نبوته، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم﴾ [الإنفطار/٦] و﴿يا أيها الإنسان إنك كادح﴾ [الإنشقاق/٦]، و﴿وإذا مس الإنسان ضر﴾ [الزمر/٨] فإن المراد ((بالإنسان)) هنا الجنس، لا إنسان قال البيضاوي: وفيه تنبيه على أن من خالطته شبهة في الدين، ينبغي أن يسارع إلى حلها بالرجوع إلى أهل العلم، (أو يكون على سبيل الفرض والتقدير،) أي: إن فرض وقدر وقوع ذلك منك (لا إمكان وقوع الشك له،) لأن هذه الشرطية غير ممكنة، (ولذلك قال عَّةٍ لما نزلت هذه الآية: ((والله لا أشك ولا أسأل))) رواه ابن جرير عن قتادة مرسلاً، لكن بدون قسم. وقيل: المراد قل للشاك إن كنت في شك من ديني، وفي السورة نفسها ما يدل على هذا التأويل قوله تعالى: ﴿قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني﴾ [يونس/١٠٤]. وقيل: هو تقرير، كقوله: ﴿أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله﴾ [المائدة: ١١٦]، وقد علم سبحانه أنه لم يقل ذلك. وقيل: معناه ما كنت في شك فاسأل تزدد طمأنينة وعلمًا إلى علمك، ويقينًا إلى يقينك. وقيل: معناه إن كنت تشك فيما شرفناك وأعطيناك وفضلناك به فسلهم عن صفتك في الكتب، ونشر فضائلك وقيل: المراد إن كنت في شك من اعتقاد غيرك فيما أنزلناه، حكاه في الشفاء. (وأما الوجه الثاني: وهو أن المخاطب غيره عَّله، فتقريره أن الناس كانوا في زمانه فرقًا ثلاثة،) فريق منهم (المصدقون به و) وفريق منهم (المكذبون له، و) فريق منهم (المتوقفون في أمره، الشاكون فيه،) صفة كاشفة لمعنى المتوقفون، (فخاطبهم اللّه تعالى بهذا الخطاب، فقال: فإن كنت في شك أيها الإنسان مما أنزلنا إليك من الهدى على لسان نبينا محمد عَّله، فاسأل أهل الكتاب ليدلوك على صحة نبوته،) فليس هو مخاطبًا أصلاً، (وهذا مثل قوله: ﴿يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم﴾﴾ [الانفطار/٦]، حتى عصيته (﴿ويا أيها الإنسان إنك كادح﴾) [الانشقاق/٦]، جاهد في عملك إلى لقاء ربك، وهو الموت، ومثل قوله: (﴿وإذا مس الإنسان ضر﴾﴾ [الزمر/٨] الآية، دعانا، وفي نسخة: وإذا مس الإِنسان ضر، بالواو، ٢٩ النوع العاشر في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه بعينه، فكذا هنا، ولما ذكر اللَّه تعالى لهم ما يزيل ذلك الشك عنهم حذرهم من أن يلحقوا بالقسم الثاني وهم المكذبون فقال: ﴿ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات اللَّه فتكون من الخاسرين﴾ [يونس/٩٥]. وأما قوله تعالى: ﴿والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين﴾ [الأنعام/١١٤]. أي في أنهم لا يعلمون ذلك، أو يكون المراد: قل لمن امترى يا محمد، لا تكونن من الممترين فليس الخطاب له وأنه عَِّ يخاطب به غيره. وقيل غير ذلك. وهي آية قبل هذه في سورة الزمر، جواب شرطها: دعا ربه منيبًا إليه، (فإن المراد بالإنسان هنا) في الآيات الثلاثة (الجنس لا إنسان بعينه، فكذا هنا) في ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾، خطاب لكل من يصح أن يحبط عمله وأن يشرك لا لمخاطب بعينه، (ولما ذكر الله تعالى لهم ما يزيل ذلك الشك عنهم، حذرهم من أن يلحقوا بالقسم الثاني، وهم المكذبون، فقال: ﴿ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين﴾) [يونس/٩٥] الآية. (وأما قوله تعالى: ﴿الذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه﴾)، أي القرآن (﴿منزل من ربك﴾،) ملتبسًا (﴿بالحق﴾،) ونسب العلم لجميعهم، لعلم أحبارهم به، وتمكن باقیھم من ذلك بأدنى تأمل (﴿فلا تكونن من الممترين﴾﴾ [الأنعام/١١٤]، الشاكين فيه، أي: من هذا النوع، فهو أبلغ من لا تمتر، وحذف جواب أما - للعلم به من السوابق واللواحق -: وهو، فليس المراد أنه ◌َّ شك فيما ذكر أول الآية، وهي (أفغير الله أبتغي حكمًا وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً﴾، بل المعنى، (أي: في أنهم لا يعلمون ذلك،) وصوابه إسقاط لا، فالمعنى لا يستقيم على وجودها. ولفظ الشفاء: أي: في علمهم بأنك رسول اللّه، وإن لم يقروا بذلك، وليس المراد به شكه عَّه فيما ذكر في أول الآية، وفي الأنوار: ﴿فلا تكونن من الممترين﴾، في أنهم يعلمون ذلك، أو في أنه منزل بجحود أکثرهم و کفرهم به، فیکون من باب التهيج، کقوله: ﴿ولا تکونن من المشركين﴾ (أو يكون المراد: قل لمن امتري يا محمد؟)) متعلق بقل قدم عليه متعلقة (لا تكونن من الممترين،) في أن القرآن نزل عليك من اللّه، وأيدك بمعجزاته، (فليس الخطاب له، و) إنما المراد؛ (أنه مَّ يخاطب به غير) من الكفار. قال عياض: ويدل على قوله أول الآية (أفغير اللّه أبتغي حكمًا﴾ [الأنعام/١١٤] الآية، (وقيل غير ذلك،) فقيل: الخطاب له والمراد غيره، والقصد تقرير الكفار بأنه حق. وقيل: ٣٠ النوع العاشر في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه وأما قوله: ﴿ولو شاء اللَّه لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين﴾ [الأنعام/٣٥]. فقال القاضي عياض: لا يلتفت إلى قول من قال: لا تكونن ممن يجهل أن اللَّه تعالى لو شاء لجمعهم على الهدى، إذ فيه إثبات الجهل بصفة من صفات اللَّه تعالى، وذلك لا يجوز على الأنبياء، والمقصود وعظمهم أن لا يتشبهوا في أمورهم بسمات الجاهلين، وليس في الآية دليل على كونه على تلك الصفة التي نهاه اللَّه على الكون عليها، فأمره اللَّه تعالى بالتزام الصبر على إعراض قومه، ولا تحرج عند ذلك فيقارب حال الجاهل بشدة التحسر. حكاه أبوبكر بن فورك. وقيل: معنى الخطاب لأمته ◌َِّ لا له، أي فلا تكونوا من الجاهلين. حكاه أبو الخطاب لكل أحد على معنى أن الأدلة لما تعاضدت على صحته، فلا ينبغي لأحد أن يمتري فيه. (وأما قوله: ﴿ولو شاء اللّه لجمعهم؛) أي: جعل الناس كلهم مجتمعين، متفقين (على الهدى) بهدايتهم للعقائد الحقة واتباع الشريعة اللازمة، فلا يضل أحد منهم عن الطريق المستقيم (فلا تكونن من الجاهلين﴾﴾ [الأنعام/٣٥]، فنهيه عن ذلك يوهم أنه لم يحط به وهو منزه عنه، (فقال القاضي عياض: لا يلتفت) بالبناء للمجهول، أي: لا يتوجه التفات نظر (إلى قول من قال) من المفسرين: (لا تكونن ممن يجهل أن اللّه تعالى لو شاء لجمعهم على الهدى،) بإسناد الجهل بمشيئة الله إليه، (إذ فيه إثبات الجهل بصفة من صفات اللّه تعالى،) وهي قدرته وعلمه، (وذلك لا يجوز على الأنبياء،) لعلمهم باللّه وصفاته، (والمقصود،) أي: المعنى المراد (وعظمهم،) أي: الأمة، أي: إرشادهم وتنبيهم على (أن لا يتشبهوا في أمورهم بسمات الجاهلين،) أي: لا يتصفوا بصفاتهم من عدم الصبر والحرص على سرعة المراد، كما هو شأن الجهلة، (وليس في الآية دليل على كونه على تلك الصفة التي نهاه اللّه على الكون عليها،) وعليه، فالخطاب له والمراد غيره، (فأمره اللّه تعالى بالتزام الصبر على إعراض قومه))) بقوله: ﴿وإن كان كبر عليك إعراضهم﴾ [الأنعام/٣٥]، المختومة بالنهي، فالمراد بالأمر ما يلزم النهي، وقد أمر بالصبر صريحًا في آيات، كقوله: ﴿فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل﴾.) [الأحقاف/٣٥] الآية، (ولا تحرج) من الحرج، وهو ضيق الصدر (عند ذلك،) أي: عند إعراضهم، عنه هكذا ضبطه شراح الشفاء ويقع محرفًا في نسخ المصنف ولا يخرج عن ذلك من الخروج فمشى عليه الشارح فقال: أي: والتزام عدم خروجه عن ذلك. (فيقارب) حاله (حال الجاهل بشدة التحسر) التأسف والندم بسبب إعراضهم (حكاه أبو بكر بن فورك) (بضم الفاء)، ٣١ النوع العاشر في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه محمد مكي، قال: ومثله في القرءان كثير، وكذلك قوله: ﴿وإن تطع أكثر من في الأرض﴾ [الأنعام/١١٦] يضلوك عن سبيل الله فالمراد غيره، كما قال تعالى: ﴿إِن تطيعوا الذين كفروا﴾ [آل عمران/١٤٩]، وقوله تعالى: ﴿فإن يشأ اللّه يختم على قلبك﴾ [الشورى/٢٤] و﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ [الزمر/٦٥] وما أشبه ذلك فالمراد غيره، وأن هذه حال من أشرك، والنبي عَّهِ لا يجوز عليه هذا، هذا واللَّه ينهاه عما شاء ويأمره بما يشاء، كما قال تعالى له: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي﴾ [الأنعام/٥٢]، وما طردهم عليه السلام وما كان من العلامة الشهير. تقدم غير مرة. (وقيل: معنى الخطاب لأَمته معَّ لا له،) فهو تعريض، (أي: فلا تكونوا من الجاهلين،) أي: ممن اتصف بصفاتهم. (حكاه أبو محمد») وفي نسخة أبو بكر، وهي خطأ، فكنيته أبو محمد (مكي) (بالميم) ابن أبي طالب، تقدم أيضًا. (قال) مكي: (ومثله في القرآن كثير) يخاطب المصطفى، والمراد أمته، (وكذلك قوله: ﴿وإن تطع أكثر من في الأرض﴾،) وهم الكفار بموافقة ما هم عليه، (﴿يضلوك عن سبيل اللَّهِ﴾،) مع أنه علم أنه لا يطيعهم، (فالمراد غيره) وإن كان الخطاب له، فهو تعریض، (كما قال تعالى) خطابًا لغيره: ﴿يا أيها الذين آمنوا (إن تطيعوا الذين كفروا) يردوكم على أعقابكم﴾ [آل عمران/١٤٩]، فهو يؤيد أن المراد بالخطاب في تلك الآية غيره، لأن القرآن يفسر بعضه، (وقوله تعالى: (﴿إِن يشأ اللّه يختم﴾) بربط (﴿على قلبك﴾) [الشورى/٢٤]، وقد علم أنه لا یشاء ذلك، فالمراد غيره. والتنظير بهذه بناءً على أن المراد الربط المذموم، أما على أن المعنى يربط بالصبر على أذاهم، وبالصبر على قولهم: إفتراه وغيره، وقد فعل، فليست مما الكلام فيه (﴿ولئن أشركت ليحبطن عملك﴾) [الزمر/٦٥]، وقد علم سبحانه أنه لا يشرك، فالمراد غيره، (وما أشبه ذلك،) كقوله: (﴿ولا تدع من دون اللّه ما لا ينفعك ولا يضرك﴾﴾ [يونس/١٠٦]، فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين، وقوله: ﴿إِذًا لأذقناك ضعف الحياة﴾ [الإسراء/٧٥]، وقوله ﴿لأخذنا منه باليمين﴾، (فالمراد غيره) تعريضًا وإيقاظً، (وأن هذه حال من أشرك) باللّه لا حاله (والنبي عَلِّ لا يجوز عليه هذا)، فلا بدّ من تأويله (هذا، واللّه) سبحانه (ينهاه عما شاء) وإن لم يمكن وقوعه منه، (ويأمره بما شاء،) وإن استحال عليه تركه نحو اتقِ اللّه أن يعامل نبيه بما يمتنع أن يعامل به غيره، (كما قال تعالى له: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم﴾،) أي: يعبدونه (﴿بالغداة والعشي﴾) ٣٢ النوع العاشر في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه الظالمين. وأما قوله تعالى: ﴿وإن كنت من قبله لمن الغافلين﴾ [يوسف/٣]. فليس بمعنى قوله: ﴿والذين هم عن آياتنا غافلون﴾ [يونس/٧]، وإنما المعنى: لمن الغافلين عن قصة يوسف عليه السلام، إذ لم تخطر ببالك، ولم تقرع سمعك قط، فلم تعلمها إلا بوحينا. وأما قوله تعالى: ﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله﴾ [الأعراف/ ٢٠٠) الآية. فمعناه: يستخفنك بغضب يحملك على ترك الإعراض عنهم. [الأنعام/٥٢]، وما) كان (طردهم عليه السلام) عن مجلسه، (وما كان من الظالمين،) أي: ممن ظلمهم بطردهم، لأنه لم يقع منه ذلك. روى ابن حبان والحاكم عن سعد بن أبي وقاص، قال: لقد نزلت هذه الآية في ستة، وأنا وعبد الله بن مسعود وأربعة، قالوا لرسول اللّه عَّله: اطردهم، فإنا نستحي أن نكون تبعًا لك كهؤلاء، فوقع في نفس النبي عَّهِ، فأنزل اللّه، ﴿ولا تطرد﴾ الآية، إلى قوله: ﴿أليس الله بأعلم بالشاكرين﴾ [الأنعام/٥٣]. وفي حديث، ابن مسعود عند أحمد، وغيره أن الأربعة خباب وصهيب وبلال وعمار، وإنما هم بذلك رجاء إسلام قومه، مع أن ذلك لا يضر أصحابه لعلمه بأحوالهم ورضاهم بما يرضاه. (وأما قوله تعالى): ﴿نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين﴾) [يوسف/٣]، (فليس بمعنى قوله: ﴿والذين هم عن آياتنا﴾ أي: دلائل وحدانيتنا (﴿غافلون﴾) [يونس/٧]، تاركون النظر فيها، لأنه عَّه معصوم عن هذه الغفلة، (وإنما المعنى لمن الغافلين عن قصة يوسف عليه السلام، إذ لم تخطر ببالك ولم تقرع سمعك قط، فلم تعلمها إلا بوحينا،) والغفلة عن مثل ذلك مما لا يعلم إلا بالنقل لا نقص فيه، وفي التعبير بالغفلة إشارة إلى شدة استعداده للعلم بما لم يعلم، حتى كأنه كان عالمًا به ونسیه. روى ابن جرير، عن ابن عباس، قال: قالوا يا رسول اللّه لو قصصت علينا، فأنزل الله: ﴿نحن نقص عليك أحسن القصص﴾. وروى ابن مردويه، عن ابن مسعود، مثله: (وأما قوله تعالى: ﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله﴾) من الشيطان الرجيم [الأعراف/٢٠٠). مع عصمته من تسليطه عليه بأذية، أو وسوسة، وإن كانت أن الشرطية لا تقتضي الوقوع» (فمعناه يستخفنك بغضب، يحملك على ٣٢ النوع العاشر في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه والنزغ: أدنى حركة تكون، كما قاله الزجاج. فأمره اللَّه أنه متى يحرك عليه غضب على عدوه، أو رام الشيطان من إغرائه به وخواطر أدنى وساوسه ما لم يجعل له سبيل إليه أن يستعيذ به تعالى منه، فيكفى أمره، ويكون سبب تمام عصمته، إذ لم يسلط عليه بأكثر من التعرض له، ولم يجعل له قدرة عليه. وكذلك لا يصح أن يتصور له الشيطان في صورة الملك ويلبس عليه، لا في أول الرسالة ولا بعدها بل لا يشك النبي أن ما يأتيه من اللَّه ترك الإعراض عنهم،) فهي راجعة لقوله قبلها ﴿وأعرض عن الجاهلين﴾ أي: لا تكافىء السفهاء الذين أغضبوك بمثل أفعالهم وأعرض عنهم فهذه الآية كما قيل جامعة لمكارم الأخلاق. ولذا قال له جبريل لما سأله عنها: إن اللّه تعالى أمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، فهذا من مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، لا من شىء تسببه، فالغضب على الجاهل، وجزاؤه بمثل فعله تأديبًا له، لا بعد من نزغ الشيطان والاستعاذة مشروعة عند الغضب، فليست الآية منسوخة بآية القتال، كما قيل: (والنزغ أدنى:) أقل (حركة تكون،) توجد، (كما قاله الزجاج). وفي الأنوار: النزغ والنسغ والنخس الغرز، شبه وسوسته الناس إغراء لهم على المعاصي وإزعاجًا بغرز السائق ما يسوقه، وقيل: النزغ في الآية الإفساد، فأصل معناه الطعن، ثم شاع استعماله في كل مفسد، كقوله: من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين أخوتي، أي: أفسد ما بيني وبينهم، وقيل: معناه يغرينك ويحركنك، والنزغ أدنى الوسوسة، (فأمره اللّه أنه متى يحرك عليه غضب على عدوه) لسوء ما وقع منه (أو رام الشيطان من إغرائه) (بغين معجمة) وراء، أي: إيقاعه (به،) كحثه على قتله وقراءته، (بغين وزاي) معجمتين تصحيف، (وخواطر أدنى:) أقل (وساوسه:) جمع وسواس، (ما لم يجعل له سبيل إليه،) لعصمته مفعول رام (أن يستعيذ به تعالى منه،) فيقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ولا يطيعه ويفعل بنزغه، (فيكفي أمره) بصرفه عنه، (ويكون) ذلك (سبب تمام عصمته،) لأنها من مجرد الخاطر نهاية الحفظ والمنع، إذ الخطور بالبال لا يصرفها، (إذا لم يسلط) الشيطان (عليه بأكثر من التعرض له،) فضلاً عن التمكن منه وإيصال أذيته له، (ولم يجعل له قدرة عليه،) فيرجع خائبًا خاسرًّا، (وكذلك لا يصح أن يتصور له الشيطان في صورة الملك) بأن يتمثل بمثاله، ويقول: أنا ملك، أرسلني اللّه إليك لحفظ اللّه تعالى له عنه، (ويلبس،) بزنة يخلط، ومعناه (عليه) أمره لا يقع ذلك (لا في أول الرسالة،) أي: أول دعوة الخلق إلى اللّه (ولا بعدها،) الظاهر بعده، أي: بعد الأول. وأسقط من عياض قوله: والاعتماد في ذلك دليل المعجزة، أي: اعتماده في أن ذلك ٣٤ النوع العاشر في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه هو الملك ورسوله حقيقة إما بعلم ضروري يخلقه اللَّه له أو ببرهان يظهر لديه كما قدمته في المقصد الأول عند البعثة، لتتم كلمة ربك صدقًا وعدلاً لا مبدل لكلماته. وأما قوله: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته﴾ [الحج/٥٢] الآية. فأحسن ما قيل فيها ما عليه جمهور المفسرين: أن التمني المراد به هنا: التلاوة، وإلقاء الشيطان فيها إشغاله بخواطر وأذكار من أمور الدنيا للتالي حتى وحي، دليل على أنه معجزة له، أو هو يعتمد على ما ظهر له من المعجزة، كتسليم الحجر والشجر، (بل لا يشك النبي،) أي: نبي كان نبينا وسائر الأنبياء؛ (أن ما يأتيه من اللّه هو الملك ورسوله) إليه (حقيقة) بلا شك، (إما بعلم ضروري يخلقه اللّه له،) بديهي لا يحتاج لدليل لعدم تردده فيه، (أو ببرهان) دليل قطعي، (يظهر لديه) مما يشاهده من الآيات، كنطق الحجر وتسليم الشجر، (كما قدمته في المقصد الأول عند) ذكر (البعثة،) وكل ذلك (لتتم كلمة ربك) بتبليغ أحكامه ومواعيده (صدقًا) في خبره له ومواعيده، (وعدلاً:) ما حكم به من الأحكام التي بلغها، وهما تمييزان محولان عن الفاعل، أو حالان: (لا مبدل لكلماته،) أي: لا يمكن تغييرها، ولا تنسخ بعدما بلغت غاية لا تقبل الزيادة عليها. ولذا كانت شريعته عَّ آخر الشرائع، وهذا تعليل لحفظه من تصور الشيطان بصورة ملك، فيكون ما يلقيه تخليطًا قابلاً للتبديل، ولذا عقبه بقوله: (وأما قوله: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي﴾) عطف عام على خاص، فيفيد أن المراد بالإرسال الإِيحاء، وفائدة ذكره النبي غير الرسول، لا سيما من لا أتباع له أن كل نبي يجب عليه إعلام غيره بأنه نبي، لئلا يحتقر وحينئذٍ فيتطرق لسماع تلاوته ووعظه فيلقي الشيطان ذلك للتلبيس، (﴿إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته﴾) [الحج/٥٢]،) فظاهره أن الشيطان يخلط عليهم الوحي عند التلاوة، فيخالف ما قبله. وأجيب عن ذلك بأجوبة (فأحسن ما قيل فيها ما عليه جمهور المفسرين،) أي: أكثرهم، (أن التمني المراد به هنا التلاوة،) كقول حسان: تمنى كتاب اللّه أول ليلة تمنى داود الزبور على رسل ومنه قوله تعالى: ﴿ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني﴾ [البقرة/٧٨]، أي: تلاوة، وليس تمنى هنا تفعل من منى، بمعنى قدر، كقوله: لا تأمنن وإن أمسيت في حرم حتى تلاقي ما يمني لك الماني ٣٥ النوع العاشر في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه يدخل عليه الوهم والنسيان فيما تلاه، أو يدخل غير ذلك على أفهام السامعين من التحريف وسوء التأويل ما يزيله اللَّه وينسخه ويكشف لبسه ويحكم آياته. قاله القاضي عياض، وقد تقدم في المقصد الأول مزيد لذلك. قال في الشفاء: وأما قوله عليه الصلاة والسلام حين نام عن الصلاة يوم الوادي: ((إن هذا وادٍ به شيطان)) فليس فيه ذكر تسلطه عليه ولا وسوسته له، بل أي: ما قدره لك المقدر، والتمني أمر يقدره المرء في نفسه، والظاهر تفسير التلاوة هنا بالقراءة لتشمل المواعظ والحكم، والأذكار والدعاء، فإن الشيطان كما يتسلط على قارىء القرآن، يتسلط على الذاكر ونحوه وإن كانت القصة إنما كانت عند قراءته لسورة النجم التي هي سبب نزول ﴿وما أرسلنا﴾ الآية. كذا قال الشارح: ولا دخل في ذلك للاستظهار مع كون النص التمني، والأمنية المفسر بالتلاوة، فلا يقاس عليه غيره، وتعليله بتسلط الشيطان على الذاكر ونحوه من حيث هو لا ينهض هنا، كما لا يخفى، (و) أن (القاء،) فنصبه عطفًا على التمني، وخفضه على ضمير به، أي: والمراد بإلقاء (الشيطان فيها،) أي: أمنيته، أي: متلوه، (إشغاله) الذي في الشفاء شغله، بزنة ضرب وهي الفصحى. قال تعالى: ﴿شغلتنا﴾ [الفتح/ ١١]، لكن في القاموس شغله، كمنعه شغلاً، ويضم وأشغله لغة جيدة أو قليلة أو ردية، والمصدر مضاف للفاعل، أي: إشغال الشيطان التالي (بخواطر) أمور دنيوية تخطر على قلبه، فتشغله عما تلاه، (وأذكار) (بذال معجمة، جمع ذکر، بالكسر والضم)، أحاديث قلبية، فيساوي نسخة، وأفكار (بالفاء) (من أمور الدنيا،) بيان لهما (التالي) صفة الخواطر، وأذكار، أي: كائنة وعارضة، أو متعلق بأشغال (حتى يدخل) الشيطان (عليه الوهم،) بفهم غير المراد من المتلو (والنسيان،) الواو بمعنى، أو (فيما تلاه) بناءً على جواز ذلك على الأنبياء، أما على الأصح من منعه، فيقال: حتى يدخل على إفهام السامعين، (أو يدخل) عطف على إشغال من عطف المصدر المؤول على المصدر الصريح، فكأنه قيل إلقاؤه إشغاله أو إدخاله (غير ذلك) الوهم والنسيان (على أفهام السامعين) وبين الغير، بقوله: (من التحريف) لما تلاه عليهم، (وسوء التأويل) الناشىء عن تحريف ما سمعوه، (ما يزيله اللّه) مفعول إلقاء، (وينسخه:) يحوله من الباطل إلى الحق، (ويكشف لبسه:) يزيله ويبينه، (ويحكم آياته:) يحققها ويظهرها، (قاله القاضي عياض) في الشفاء. (وقد تقدم في المقصد الأول مزيد لذلك) بفرائد نفيسة، (قال في الشفاء) بعد هذا بقليل، (وأما قوله عليه الصلاة والسلام حين نام عن الصلاة يوم الوادي،) لما عاد من خيبر أو من الحديبية أو بطريق تبوك روايات. ٣٦ النوع العاشر في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه إن كان بمقتضى ظاهره فقد بين عليه السلام بأمر ذلك الشيطان بقوله: إن الشيطان أتى بلالاً، فلم يزل يهديه كما يهدى الصبي حتى نام، فاعلم أن تسلط الشيطان في ذلك الوادي إنما كان على بلال الموكل بكلاءة الفجر، هذا إن جعلنا قوله ((إن وقد اختلف: هل كان النوم مرة أو مرتين، ورجحه عياض وتبعه النووي، ومر هذا مبسوطًا في خيبر وغيرها، (إن هذا واد به شيطان،) لفظ الموطأ، ولمسلم: أن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان، (فليس فيه) صريحًا (ذكر تسلطه عليه،) إذ لا يقدر على قرب سرادق حمايته وعصمته، (ولا وسوسته له،) لعصمته ونزاهته عن مثله، (بل إن كان) ذكر في الحديث ما يوهم تسلطه عليه (بمقتضى ظاهره) قبل التأمل فيه، فهو انتقال عن لفظ ((صريحًا)) المقدر، فكأنه قيل: سلمنا أنه ليس صريحًا، فهو ظاهر في ذلك، والشبهة يكتفي في إيرادها بمقتضى الظاهر، فدفع ذلك بأنه لا يصح الحمل هنا على مقتضى الظاهر، لأنه عَّه بين أن ذلك الظاهر ليس بمراد، كما أفاده بقوله: (فقد بين) كشف (عليه السلام أمر ذلك الشيطان، بقوله) فيما رواه لملك عن زيد بن أسلم مرسلاً؛ (أن الشيطان أتى بلالاً) وهو قائم يصلي نفلاً بالسحر، فأضجعه. وفي حديث أبي قتادة في الصحيحين: سرنا مع النبي عَّه ليلة، فقال بعض القوم: يا رسول اللّه لو عرست بنا، فقال: أخاف أن تناموا عن الصلاة، فقال بلال: أنا أوقظكم، ونام رسول اللّه وأصحابه. وفي مسلم: فصلى بلال ما قدر له، ثم استند إلى راحلته وهو مقابل الفجر، فغلبته عيناه. وفي حديث زيد بن أسلم: ووكل بلالاً أن يوقظهم للصلاة، فرقد بلال ورقدوا، (فلم يزل يهديه) بضم التحتية، وسكون الهاء، وكسر الدال مخففة وياء ساكنة. قال ابن عبد البر: أهل الحديث يرون هذه اللفظة بلا همز، وأصلها عند أهل اللغة الهمز، وقال في المطالع: هو بالهمز، أي: يسكنه وينومه من هدأت الصبي إذا وضعت يدك عليه لينام، ورواه المهلب بلا همز على التسهيل، ويقال أيضًا: يهدنه بنون، وروى يهدهده من هدهدت الأم ولدها لينام، أي: حركته (كما يهدى الصبي) الصغير في مهده (حتى نام) بلال، وفي هذا تأنيس لبلال واعتذار عنه، وأنه ليس باختياره، (فأعلم) النبي عَ لِ الناس بهذا القول؛ (أن تسلط الشيطان في ذلك الوادي إنما كان على بلال الموكل بكلاءة) (بكسر الكاف وفتح اللام والمد والهمز)، أي: بحراسة (الفجر)، وقد تبدل همزته، كما في النهاية وغيرها، وفي لغة (بفتح الكاف واللام) والقصر، وضمن معنى المراقبة، أي: مراقبة طلوع الفجر ليوقظهم. وقيل المراد كلاءة صلاة الفجر، بتقدير مضاف وله وجه وجيه، (هذا) المذكور أن ظاهره تسلط الشيطان، وصرفه إلى بلال (إن جعلنا قوله: إن هذا وادٍ به شيطان تنبيهًا) مفعول له ٣٧ النوع العاشر في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه هذا وادٍ به شيطان)) تنبيهًا على سبب النوم عن الصلاة، وأما إن جعلناه تنبيهًا على سبب الرحيل عن الوادي وعلة لترك الصلاة به، وهو دليل مساق حديث زيد بن أسلم فلا اعتراض به في هذا الباب، لبيانه وارتفاع إشكاله. قال عياض: وأما قوله تعالى: ﴿عبس وتولى أن جاءه الأعمى﴾ [عبس/ ١- ٢] الآيات، فليس فيها إثبات ذنب له عليه الصلاة والسلام. بل إعلام اللّه تعالى له بأن ذلك المتصدى له ممن لا يتزكى، وأن الصواب والأولى كان لو كشف له (على سبب النوم عن الصلاة،) وهو تنويم الموكل بحراسة الوقت. (وأما أن جعلناه تنبيهًا على سبب الرحيل عن الوادي وعلة لترك الصلاة به،) مع أن الأصل في قضاء الفائتة بعذر المبادرة بفعلها، وقد أمرهم بالارتحال، (وهو دليل،) أي: مدلول، أي: ما يستفاد من (مساق) (بفتح الميم)، مصدر بمعنى سياق، كما في النسيم، أو بمعنى سوق، کما في الأنوار. (حديث زيد بن أسلم) في الموطأ، قال: عرس عَّ ليلة بطريق مكة، ووكل بلالاً أن يوقظهم للصلاة، فرقد بلال، ورقدوا حتى استيقظوا، وقد طلعت عليهم الشمس، فاستيقظ القوم وقد فزعوا، فأمرهم عَّ لِ أن يركبوا، حتى يخرجوا من ذلك الوادي، وقال: إن هذا وادٍ به شيطان، فركبوا حتى خرجوا من ذلك الواد، ثم أمرهم أن ينزلوا ويتوضؤا، وأمر بلالاً أن يؤذن بالصلاة أو یقیم، فصلی بالناس الحديث. وعلى ما يفيده سياقه هذا، (فلا اعتراض به في هذا الباب،) المعقود في أن الشيطان لا تسلط له على الأنبياء، (لبيانه،) أي: حديث زيد ووضوح دلالته على ما ذكر، (وارتفاع إشكاله،) أي: زواله أصلاً، حتى استغنى عن الجواب لعدم احتماله ما يخالفه، (قال عياض) بعد هذا بكثير، (وأما قوله تعالى: ﴿عبس﴾) كلح وجهه، (﴿وتولى﴾) أعرض عنه (﴿أن جاءه الأعمى﴾ الآيات) التي آخرها ﴿فأنت عنه تلهى﴾)) التي استدل بها مجوزوا الصغائر على الأنبياء لما شعر به ظاهرها من وقوع شىء عوتب عليه، (فليس فيها إثبات ذنب له عليه الصلاة والسلام،) ولا تجويزه عليه، (بل إعلام اللّه تعالى له) عَّة، (بأن ذلك المتصدى) اسم مفعول نائبه (له،) أي: أقبل عليه وتوجه له، وأصله مقابلة الشىء كما يقابله الصدى، وهو الصوت الراجع إليه من جبل ونحوه، كما قاله الراغب، وفي التعبير به نكتة، وهي أن كلام هؤلاء لا عبرة به، كما قال المتنبىء: أنا الطائر المحكي، وغيري هو الصدى (ممن لا يتزكى،) أي: لا يسلم، فيطهر من دنس الشرك، أي: باعتبار ما في نفس الأمر أو قرائن الأحوال الدالة على فرط عناده وبعده عن الحق، ويدل للأول قوله: أعلام اللّه، وقوله: (وأن الصواب والأولى كان لو كشف له ٣٨ النوع العاشر، في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه حال الرجلين لاختار الاقبال على الأعمى وفعل النبي عَّ لما فعل وتصديه لذلك الكافر كان طاعة للَّه، وتبليغًا عنه، واستثلافًا له، كما شرعه اللَّه له، لا معصية ولا مخالفة له، وما قصد اللَّه تعالى عليه من ذلك إعلام بحال الرجلين، وتوهين أمر الكافر عنده، والإشارة إلى الإعراض عنه بقوله: ﴿وما عليك ألا يزکی﴾ [عبس) حال الرجلين) ابن أم مكتوم، ومن كان عنده من المشركين، واقتصر على الأقل، وإلا فالكفرة كانوا جماعة، أو المتكلم معه منهم واحد، وحالهما عدم تزكي الكافر وانتفاع الأعمى، (لاختار الإِقبال على الأعمى) دون غيره. روی ابن أبي حاتم عن ابن عباس أن ابن أم مكتوم أتى النبي عّ وعنده صنادید قریش يدعوهم إلى الإِسلام، فقال: يا رسول اللّه علمني مما علمك الله، وكرر ذلك، ولم يعلم تشاغله بالقوم وفكره عَ ل قطعه لكلامه وعبس وأعرض عنه، فنزلت، وأخرج الترمذي والحاكم، عن عائشة، قالت: أنزل ﴿عبس وتولى﴾ الآية، في ابن أم مكتوم الأعمى، أتى رسول اللّه عَّ﴾، فجعل يقول: يا رسول اللّه أرشدني، وعند رسول اللّه رجل من عظماء المشركين، فجعل يعرض عنه ويقبل على الآخر، فيقول: أترى بما أقول: بأسّا، فيقول: لا، فنزلت ﴿عبس وتولى أن جاءه الأعمى﴾. وروى أبو يعلى مثله عن أنس، وفي ابن عطية، قيل: الرجل الوليد بن المغيرة، وقيل: عتبة وقيل: شيبة، وقيل: العباس، وقيل: أمية، وقيل: أبي بن خلف، وقال ابن عباس: كان في جمع منهم عتبة والعباس، وأبو جهل. انتهى. وعلى أن العباس فيهم لا ينافي أنه تزكى، لأن المعنى لا يتزكى في وقت الإعراض عن الأعمى، وإنما تزكى العباس بعد بكثير، (وفعل النبي عَّ﴾. لما) (بكسر اللام والتخفيف، أو فتحها والتشديد)، (فعل) من العبوس والإعراض، (وتصديه لذلك الكافر كان طاعة للّه وتبليغًا عنه،) فهو فعل حسن وأمر لازم له، (واستئلافًا،) استمالة (له) للكافر رجاء إسلامه، (كما شرعه الله له،) وفرضه بالتبليغ ولين الجانب لمن يدعوه ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة﴾، (لا معصية ولا مخالفة له،) أي: لما شرعه، وذكر هذا بعد قوله أولاً، فليس فيه إثبات ذنب تنبيهًا على أنه ليس مباحًا فقط، بل طاعة واجبة، (وما قصه اللّه تعالى عليه من ذلك إعلام بحال الرجلين وتوهين) بالرفع عطف على أعلام أي: تضعيف (أمر الكافر عنده،) وأنه لا قدر له يعتد به، (والإِشارة إلى الأعراض عنه، بقوله: ﴿وما عليك أن لا يزكى﴾) [عبس) ٧]، وفي إلقاء الكلام له بدون الخطاب إكرام له عَّهِ عن أن يواجه بالعتب، لا مبالغة في العتب ٣٩ النوع العاشر في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه ٧]، أي ليس عليك بأس في أن لا يتزكى بالإسلام، أي لا يبلغن بك الحرص على إسلامهم أن تعرض عمن أسلم بالاشتغال بدعوتهم، إن عليك إلا البلاغ. وقد كان ابن أم مكتوم يستحق التأديب والزجر، لأنه - وإن فقد بصره - كان يسمع مخاطبة الرسول عَّ لأولئك الكفار، وكان يعرف بواسطة استماع تلك الكلمات شدة اهتمامه عليه السلام بشأنهم، فكان إقدامه على قطع كلامه عليه السلام بعد سماعه إيذاء له عليه السلام وذلك معصية عظيمة. فثبت أن فعل ابن أم مكتوم كان ذنبًا ومعصية وأن الذي فعله الرسول عَّله كان هو الواجب المتعين. وقد كان عليه الصلاة والسلام مأذونًا له في تأديب أصحابه، لكن ابن أم مكتوم بسبب عماه لأن فيه بعض أعراض، كما زعم ابن عطية، (أي: ليس عليك بأس في أن لا يتزكى بالإِسلام، أي: لا يبلغن بك الحرص على إسلامهم،) لأنه كان شديد الحرص على إسلام قريش وأسماعهم، لما جبله اللّه عليه من الرأفة والرحمة، (أن تعرض عمن أسلم بالاشتغال بدعوتهم) إلى الإِسلام، (أن) ما (عليك إلا البلاغ)، وقد فعلت، وأما قوله: ﴿وما يدريك لعله يزكى﴾) فضميره لابن أم مكتوم. وقيل للكافر، أي: إذا طمعت في أن يزكى بالإِسلام أو يذكر فتنفعه، أي: تفر به الذكرى إلى قبول الحق، وما يدريك أن ما طمعت فيه كائن، ورجح الأول بأن ما في القرآن من يدريك، فهو مما أعلمه اللّه به وما فيه من إدراك مما لم يعلمه به وأيضًا، فالكافر لم يسبق له ذكر صريح. زاد عياض: وقيل: المراد ﴿عبس وتولى﴾، الكافر الذي كان مع النبي عَّه، قاله أبو تمام. انتھی. وتعقب بأنه قول في غاية الضعف، بعيد من السياق، مخالف لقول المفسرين، أنه النبي عَّ وزاد المصنف على الشفاء قوله: (وقد كان ابن أم مكتوم يستحق التأديب والزجر،) بحسب ظاهر الحال، إذ في قطع كلامه إيذاء له، (لأنه وإن فقد بصره كان يسمع مخاطبة الرسول عَّ لأولئك الكفار) الذين كان يدعوهم إلى الله، (وكان يعرف بواسطة استماع تلك الكلمات شدة اهتمامه عليه السلام بشأنهم، فكان إقدامه على قطع كلامه عليه السلام بعد سماعه إيذاءً له عليه السلام، وذلك معصية عظيمة،) واعتذر عنه بأن شدة حرصه على طلب ما ينفعه من النبي عَّهِ، واشتغاله به صرفه عن معرفة أنه كان مشغولاً بتأليف الكفار، (فثبت أن فعل ابن أم مكتوم كان ذنبًا ومعصية، وأن الذي فعله الرسول عَّه كان هو الواجب المتعين،) إذ هو مأمور بالإِبلاغ والدعوة برفق، (وقد كان عليه الصلاة والسلام مأذونًا له في تأديب ٤٠ النوع العاشر في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه استحق مزيد الرفق به. وأما قوله تعالى: ﴿عفا اللَّه عنك لَم أذنت لهم﴾ [التوبة/٤٣] الآية. فروى ابن أبي حاتم عن مسعر عن عون قال: هل سمعتم بمعاتبة أحسن من هذا؟ بدأ بالعفو قبل المعاتبة، وكذا قال مورق العجلي وغيره. وقال قتادة: عاتبه اللَّه كما تسمعون ثم أنزل الذي في سورة النور، فرخص له في أن يأذن لهم إن شاء فقال تعالى: ﴿فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم﴾ [النور/٦٢] ففوض الأمر إلى رأيه عليه الصلاة والسلام. أصحابه، لكن ابن أم مكتوم بسبب عماه استحق مزيد الرفق به،) فذكره الله في كتابه بلفظ الأعمى، وأنه جاءه يسعى، أي: يمشي مع عجزه إشارة لذلك، وللصفح عنه، وذكر من فضله أنه يخشى، أي: اللّه تعالى، وأنه يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى. وروى أنه عٍَّ كان إذا رآه بعد ذلك، قال: مرحبًا بمن عاتبني فيه ربي، وبسط له رداءه، واستخلفه على المدينة مرارًا، قال أنس: رأيته يوم القادسية ومعه راية سوداء، وعليه درع، قيل: استشهد بها، وقيل: بل شهدها ورجع، فمات بالمدينة، ولم يسمع له بذكر بعد عمر، ومر بعض شىء من مناقبه في غير موضع رضي اللّه عنه. (وأما قوله تعالى: ﴿عفا اللّه عنك لم أذنت لهم﴾) [التوبة/٤٣]، في التخلف عن الغزو (الآية، فروى ابن أبي حاتم عن مسعر) (بكسر الميم وسكون السين، وفتح العين المهملتين)، (عن عون) (بالنون) ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي الكوفي، الزاهد، الفقيه، الثقة، المتوفى في حدود الستين بعد المائة، (قال: هل سمعتم بمعاقبة أحسن من هذا، بدأ بالعفو قبل المعاتبة) الصورية لما يأتي أن الخطاب به يدل على التعظيم، ثم لا ينافيه قوله الآتي: لم يعد هذا أهل العلم معاتبة، لأنهم لما رأوه في غاية الملاطفة ولم يظهر منه لوم لم يعدوه معاتبة، لأن شأنها أن تكون على جهة لوم من المعاتب، ولذا قال: لم يعدوه ولم ينسب إليهم، نفي المعاتبة من أصلها. (وكذا قال مورق) (بضم الميم وفتح الواو وكسر الراء الثقيلة وقاف) (العجلي) أبو المعتمر البصري، تابعي، ثقة، عابد، مات سنة اثنتين ومائة نسبة إلى عجل بن بكر بن وائل (وغيره). (وقال قتادة: عاتبه اللّه تعالى كما تسمعون) في براءة، (ثم أنزل الذي في سورة النور، فرخص له في أن يأذن لهم إن شاء، فقال تعالى: (﴿فإذا استأذنوك لبعض شأنهم﴾) أمرهم، (﴿فأذن لمن شئت منهم)) [النور/٦٢]، بالانصراف، (ففوض الأمر إلى رأيه عليه الصلاة