النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
الفصل الأول في قسمه تعالى على ما خصه به من الخلق العظيم
أزكى الأخلاق وأشرفها وأفضلها. وهذه كانت أخلاقه مَّ المقتبسة من القرءان،
فكان كلامه مطابقًا للقرءان تفصيلاً وتبيينًا، وعلومه علوم القرءان، وإرادته وأعماله ما
أوجبه وندبه إليه القرءان، وإعراضه وتركه لما منع القرءان، ورغبته فيما رغب فيه،
وزهده فيما زهد فيه، وكراهته فيما كرهه، فيه ومحبته فيما أحبه، وسعيه في تنفيذ
أوامره، فترجمت أم المؤمنين عائشة لكمال معرفتها بالقرءان وبالرسول، وحسن
تعبيرها عن هذا كله بقولها: ((كان خلقه القرءان))، وفهم السائل عنها هذا المعنى
فاكتفى به واشتفى.
ولما وصفه تعالى بأنه على خلق عظيم قال: ﴿فستبصر ويبصرون، بأيكم
فتكتسب النفس بها أخلاقًا حسنة، هي أزكى:) أنتمى (الأخلاق وأشرفها وأفضلها،) عطف
تفسير، وهذا كله بيان للمراد بالخلق الحسن في استعمالهم، وهي آثار تترتب عليه، إذ الخلق
الطبيعة، وهذه الكمالات ليست نفس الطبيعة، وتكون حسنة وقبيحة.
قال ابن الأثير: الخلق (بضم اللام وسكونها) الدين والطبع والسجية، وحقيقته أنه لصورة
الإِنسان الباطنة، وهي نفسه وأوصافه، ومعانيها المختصة بها بمنزلة الخلق لصورته الظاهرة،
وأوصافها ومعانيها، ولها أوصاف حسنة وقبيحة، والثواب والعقاب يتعلقان بأوصاف الصورة
الباطنة أكثر مما يتعلقان بأوصاف الصورة الظاهرة، (وهذه) الأخلاق الحميدة (كانت أخلاقه
٤ المقتبسة،) أي: المأخوذة (من القرءان فكان كلامه مطابقًا للقرآن تفصيلاً وتبيينًا،)
تفسيري، (وعلومه علوم القرآن، وكانت (إرادته وأعماله ما أوجبه،) طلبه طلبًا جازمًا، (ونديه)
طلبه طلبًا غير جازم (إليه القرآن، وإعراضه وتركه لما منع القرآن) منه، (ورغبته فيما رغب
فيه، وزهده فيما زهد فيه، وكراهته فيما كرهه) بخفة الراء، ليناسب قوله بعد أحبه (فيه
ومحبته فيما أحبه، وسعيه في تنفيذ أوامره، فترجمت أم المؤمنين عائشة، لكمال معرفتها
بالقرءان وبالرسول، وحسن) فعل ماضٍ عطف على فترجمت (تعبيرها،) أو هو بضم الحاء وسكون
السين والجر عطف على لكمال والأول أظهر) (عن هذا كله، بقولها: كان خلقه القرآن، وفهم
السائل عنها هذا المعنى، فاكتفى به واشتفى) من داء الجهل، بمعنى أنه زال ما كان عنده من
التوقف الحامل على السؤال، حتى كأنه برىء من دائه، ومر مزيد لشرح هذا في الفصل الثاني
من المقصد الثالث.
(ولما وصفه تعالى بأنه على خلق عظيم، قال) مسليًا له عما قالوه في حقه بما وعده
من عقابهم وتوعدهم: ((فستبصر ويبصرون)). [القلم/٥].

٤٤٢
الفصل الثاني في قسمه تعالى على ما أنعم به عليه
المفتون﴾ أي فسترى يا محمد وسيرى المشركون كيف عاقبة أمرك، فإنك تصير
معظمًا في القلوب، ويصيرون أذلاء مغلوبين وتستولي عليهم بالقتل والنهب.
الفصل الثاني
في قسمه تعالى على ما أنعم به عليه
وأظهره من قدره العلي لديه
قال الله: ﴿والضحى * والليل إذا سجى * ما ودعك ربك وما قلى﴾
السورة [الضحى/ ١- ٣].
قال أبو عثمن المازني: هنا تم الكلام، واستأنف قوله: (﴿بأيكم المفتون﴾﴾ [القلم/٦].
الآية.
قال الأخفش: بل هو عامل في الجملة المستفهم عنها في معناها، أي: أيكم الذي فتن
بالجنون والباء زائدة، قاله قتادة وأبو عبيدة معمر.
وقال الحسن والضحاك: المفتون بمعنى الفتنة، فالمعنى بأيكم الجنون، على أن المفتون
مصدر كالمعقول، أي: العقل.
وقيل: المعنى بأي: الفريقين منكم المجنون، أبفريق المؤمنين أو بفريق الكافرين أي: في
أيهما يوجد من يستحق هذا الاسم وهذا معنى قول الأخفش: المعنى بأيكم فتنة المفتون.
قال ابن عطية: وهذا قول حسن، قليل التكلف، (أي: فسترى يا محمد، وسيرى
المشركون كيف عاقبة أمرك، فإنك تصير معظمًا في القلوب، ويصيرون أذلاء:) جمع ذليل،
(مغلوبين، وتستولي عليهم بالقتل والنهب،) تفسير لقوله: ﴿فستبصر ويبصرون﴾.
(الفصل الثاني)
(في قسمه تعالى على ما أنعم به عليه)، الأظهر على إنعامه، كما عبر به قريبًا، لأن ما
فعله اللّه مع رسوله هو حقيقة الأنعام وما قام به عَّةٍ هو المنعم به إلا أن يقال أنه من حيث
صدوره عن اللّه تعالى فيساوي ما بعده، (وأظهره من قدره العلي لديه) عنده.
(قال الله تعالى: ﴿والضحى » والليل إذا سجى)) [الضحى/١]، معناه سكن واستقر ليلاً
تامًّا، وقيل: معناه أقبل، وقيل: أدبر وأقبل، والأول أصح، يقال: بحر ساج، أي: ساكن، ومنه قول
الأعشى:
وما ذنبنا أن جاش بحر ابن عمكم وبحرك ساج لا يواري الدعامصا
وطرف ساج إذا كان ساكنًا غير مضطرب النظر، قاله ابن عطية، والمراد سكون الأصوات

٤٤٣
الفصل الثاني في قسمه تعالى على ما أنعم به عليه
أقسم اللَّه تعالى على إنعامه على رسوله عَّ وإكرامه له وإعطائه ما يرضيه،
وذلك متضمن لتصديقه له، فهو قسم على صحة نبوته، وعلى جزائه في الآخرة،
فهو قسم على النبوة والمعاد.
أو أصحابه ﴿ما ودعك﴾ قرأ الجمهور بشد الدال من التوديع، وقرأ عروة بن الزبير وابنه هشام،
بتخفیف الدال بمعنى تركك.
وكذا قرأ مقاتل وابن أبي عيلة، وفي الحديث: لينتهن قوم عن ودعهم الجمعات، أو
ليختمن اللّه على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين، أخرجه مسلم وغيره، ولينتهن (بضم الياء
التحتية وفتح الفوقية والهاء)، ليدل على واو الضمير المحذوفة، إذ أصله لينتهونن، وفي الحديث
أيضًا: شر الناس من ودعه الناس اتقاء شره، وقال الشاعر:
فكان ما قدموا لأنفسهم أعظم نفعًا من الذي ودعوا
فلا عبرة بزعم النحاة؛ أن العرب أمانت ماضي يدع، ومصدره واسم الفاعل استغناء بترك،
لوروده عن سيد الفصحاء قراءة وحديثًا للماضي، ومصدرًا في الحديث الصحيح، وفي شعر
العرب، وما هذا سبيله يجوز القول بقلة استعماله، ولا يجوز القول بالإِماتة.
وقال الطيبي يحمل كلام النحاة على قلة استعماله مع صحته قياسًا، لكن قال السيوطي:
روى الطبراني الحديث بإسناد حسن، بلفظ: لينتهين أقوام يسمعون النداء يوم الجمعة،
لا يأتونها، أو ليطبعن اللّه على قلوبهم، فعلم أن الرواية الأولى من تغيير الرواة، لا من لفظ النبوة
اهـ، الآية، فإن سلم له ذلك، فكيف يصنع في القراءة والبيت العربي، مع أن أصل هذا الكلام
التابع فيه لأبي حيان، مردود بأنه يرفع الوثوق بالحديث أصلاً، إذ كل لفظة يحتمل أنها من
تغيير الرواة، فالوجه الجمع بأن يكون عَّهُ نطق باللفظين، ويؤيده اختلاف المخرج (﴿ربك وما
قلى﴾،) أي: ما أبغضك، (السورة) بالنصب بتقدير إقرأ أو أذكر، (أقسم اللّه تعالى على إنعامه
على رسوله عَّةٍ وإكرامه له،) أي: توقيره واللطف به، (وإعطائه ما يرضيه) في الدارين،
(وذلك متضمن لتصديقه له) في دعواه: الرسالة، (فهو قسم على صحة نبوته وعلى جزائه في
الآخرة، فهو قسم على النبوة والمعاد) جميعًا من قوله، والآخرة خير بناء على أن المراد بها
القيامة.
قال ابن عطية: يحتمل أن يريد الدنيا والآخرة، وهذا تأويل ابن إسحق وغيره، ويحتمل أن
يريد حالته في الدنيا قبل نزول السورة وبعدها، فوعده اللّه على هذا التأويل بالنصر والظهور.
انتھی.

٤٤٤
الفصل الثاني في قسمه تعالى على ما أنعم به عليه
وأقسم اللَّه تعالى بآيتين عظيمتين من آياته دالتين على ربوبيته ووحدانيته،
وحكمته ورحمته، وهما الليل والنهار، وفسر بعضهم - كما حكاه الإمام فخر
الدين - الضحى بوجهه عٍَّ والليل بشعره، وقال: ولا استبعاد فيه.
وتأمل مطابقة هذا القسم فيه، وهو نور الضحى الذي يوافي بعد ظلام الليل،
للمقسم عليه وهو نور الوحي الذي وافاه بعد احتباسه عنه، حتى قال أعداؤه: ودع
محمدًا ربُّه، فأقسم بضوء النهار بعد ظلمة الليل على ضوء الوحي ونوره بعد ظلمة
وقيل أحوالك الآتية خير من السابقة في الدارين، (وأقسم اللّه تعالى بآيتين عظيمتين من
آياته)، كما قال: ﴿ومن آياته الليل والنهار﴾ [فصلت/٣٧]، (دالتين على ربوبيته ووحدانيته وحكمته
ورخمته،) بيان لكونهما من الآيات، (وهما الليل،) بقوله: ﴿والليل إذا سجى﴾ والنهار، بقوله:
﴿والضحى﴾ ففسره بقول قتادة الضحى هنا النهار، وكله وأيد بقوله أن يأتيهم بإسناد ضحى في
مقابلة بياتاً، وهو مجاز، إذ الضحى ارتفاع الضوء وكماله وبه فسر مجاهد، فخصه لأن النهار
يقوي فيه، أو كلم اللَّه موسى فيه، وألقي السحرة سجدًا، (وفسر بعضهم كما حكاه الإِمام فخر
الدين الضحى بوجهه عليه، والليل بشعره،) وعليه فمعنى ﴿إذا سجى﴾ اشتد سواده، وظهر بزوال
غبار نحو السفر عنه، ففيه استعارة.
(وقال) الرازي: (ولا استبعاد فيه،) لأن وجهه مَّ كان شديد النور، بحيث يقع نوره
على الجدر إذا قابلها، وكأن الشمس تجري في وجهه، وكان شعره شديد السواد، فلا يبعد
إطلاق الضحى والليل عليهما، لكن حيث كان ذلك مجازًا احتاج إلى قرينة تصرف معناهما عن
الحقيقة، إلا أن يقال: إن قائل ذلك استند إلى قرينة حالية وقت نزول الآية، (وتأمل مطابقة هذا
القسم فيه وهو نور الضحى،) مشعر بأنه آثره لشدة ضوئه، فهو إشارة للقول الآخر (الذي
يوافي،) يأتي (بعد ظلام الليل للمقسم عليه، وهو نور الوحي الذي وافاه،) أي: أتاه (بعد
احتباسه عنه) مدة خمسة عشر يومًا لما قال: أخبركم غدًا، ولم يقل إن شاء اللّه حتى أرجف
أهل مكة، وقالوا: قد قلاه ربه وتر که، قاله ابن عباس عند ابن إسحق، وقال مجاهد: إثنا عشر،
وقال التيمي وابن عطية: وإنما أبطى عليه ثلاثة أيام، وقيل أربعة، وقيل أربعين، (حتى قال أعداؤه)
المشركون: (ودع محمدًا ربه،) والصحيح في سبب نزولها ما في الصحيحين وغيرهما، عن
جند بن عبد اللّه، قال اشتكى النبي عَّله، فلم يقم ليلة أو ليلتين، فأتته امرأة، فقالت: يا محمد ما
أرى شيطانك إلا قد تركك، فأنزل الله تعالى: ﴿والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما
قلى﴾ وهذه المرأة هي العوراء بنت حرب امرأة أبي لهب، رواه الحاكم برجال ثقات، عن
زيد بن أرقم، وفي الصحيح أيضًا عن جندب، قالت امرأة: يا رسول اللّه ما أرى صاحبك إلا أبطأ

٤٤٥
الفصل الثاني في قسمه تعالى على ما أنعم به عليه
احتباسه واحتجابه.
وأيضًا فإن الذي اقتضته رحمته أن لا يترك عباده في ظلمة الليل سرمدًا بل
هداهم بضوء النهار إلى مصالحهم ومعايشهم لا يتركهم في ظلمة الغي والجهل
بل يهديهم بنور الوحي والنبوة إلى مصالح دنياهم وآخرتهم، فتأمل حسن ارتباط
المقسم بالمقسم عليه.
وتأمل هذه الجزالة والرونق الذي على هذه الألفاظ، والجلالة التي في
معانیھا.
ونفى سبحانه أن يكون ودع نبيه أو قلاه، فالتوديع: الترك، والقلى: البغض،
عنك فنزلت: ﴿ما ودعك ربك وما قلى﴾، قال الحافظ: هي زوجته خديجة، كما في
المستدرك وغيره، فخاطبته كل واحدة منهما بما يليق بها، والعوراء قالته شماتة، وخديجة توجعًا،
وقصة إبطاء الوحي بسبب الجر ومشهورة، لكن كونها سبب نزول الآية غريب، بل شاذ، مردود
بما في الصحيح، وتقدم لهذا مزيد قريبًا، (فأقسم بضوء النهار بعد ظلمة الليل على ضوء
الوحي، ونوره بعد ظلمة احتباسه واحتجابه،) فهذه مناسبة بين القسم والمقسم عليه، (وأيضًا)
مناسبة أخرى، (فإن الذي اقتضته رحمته،) الذي امتن بها في قوله: ﴿ومن رحمته جعل لكم
الليل والنهار لتسكنوا فيه﴾ [القصص/٧٣]، (أن لا يترك عباده في ظلمة الليل سرمدًا) إلى يوم
القيامة، (بل هداهم بضوء النهار إلى مصالحهم ومعايشهم،) كما قال: ولتبتغوا من فضله،
(لا يتركهم في ظلمة الغي والجهل، بل يهديهم بنور الوحي والنبوة إلى مصالح دنياهم
وآخرتهم ، فتأمل حسن ارتباط القسم بالمقسم عليه) بكل من المناسبتين، (وتأمل هذه
الجزالة) العظمة والحسن، (والرونق) الحسن، فهو مساوٍ حسنه اختلاف اللفظ.
ولذا قال: (الذي على هذه الألفاظ) اقتصارًا على وصف الرونق المساوي لما قبله معنی،
حتى كأنهما اسم واحد، (والجلالة:) العظمة (التي في معانيها) لكثرتها مع وجازة لفظها،
(ونفى سبحانه أن يكون ودع نبيه،) أي: قطعه قطع المودع، وقرىء بالتخفيف، أي: تركك
كما في الأنوار، (أو قلاه) أبغضه، (فالتوديع الترك،) لعله بيان المراد من الآية إذ الترك معنى
الوداع مخففًا، وأما بالتثقيل، فتشييع المسافر، كما في اللغة، ولذا غاير البيضاوي في تفسير
القراءتين كما رأيت، لكن في النسيم الوداع له معنيان في اللغة الترك وتشييع المسافر، وكلهم
فسروه بالترك، ولما رأوا صيغة التفعيل تفيد زيادة المعنى، والمبالغة فيه تقتضي الانقطاع التام،
قالوا: المبالغة في النفي لا في المنفي، أو النفي القيد، والمقيد ويجوز أن يفسر بتشييع المسافر

٤٤٦
الفصل الثاني في قسمه تعالى على ما أنعم به عليه
أي: ما تركك منذ اعتنى بك، وما أبغضك منذ أحبك، وحذف ((الكاف)) من ((قلى))
اكتفاء بكاف ودعك، ولأن رءوس الآيات بالياء فأوجب اتفاق الفواصل حذفها.
وهذا يعم كل أحواله، وإن كان حالة يرقيه إليها هي خير له مما قبلها، كما
أن الدار الآخرة هي خير له مما قبلها، ثم وعده بما تقربه به عينه وتفرح به نفسه،
على طريق الاستعارة، ففيه إيماء إلى أن اللّه تعالى لم يتركه أصلاً، فإنه معه أينما كان، وإنما الترك
لو تصور من جانبه ظاهر مع دلالته بهذا المعنى على الرجوع والتوديع، إنما يكون لمن يحب
ويرجى عوده، وإليه أشار الجرجاني، بقوله:
إذا رأيت الوداع فـاصــر ولا يــهمنك البعاد
وانتظر العود عن قريب فإن قلب الوداع عادوا
فقوله: ﴿وما قلى﴾، مؤكد له، وهذا لم أرّ من ذكره مع غاية لطفه، (والقلى) (بكسر
القاف والقصر)، وقد يمد (البغض،) مصدر قلي بوزن رمى، (أي: ما تركك منذ اعتنى بك،)
وهو من أول أمره تفسير ما ودعك، (وما أبغضك منذ أحبك،) تفسير للقلا، وفي الشفاء، أي: ما
تركك وما أبغضك وقيل ما أهملك بعد أن اصطفاك وزعم شارحه أن المشهور الثاني واختار
الأول لمناسبته لما قبله، والإِهمال عدم التقيد مع الترك، فهو ترك مخصوص (وحذف الكاف من
قلى اكتفاء بكاف ودعك) فهو اختصار للعلم به، (ولأن رؤس الآي بالياء، فأوجب اتفاق
الفواصل حذفها،) ولئلا يخاطبه بالبغض، وإن كان منفيًا، أو ليطعمه وأصحابه وأمته، واستحسن،
(وهذا يعم كل أحواله، وأن كل حالة يرقيه إليها هي خير له مما قبلها،) إذا كأنه قيل: ما
ودعك لبغض، وسترى منزلتك، ففيه إفادة الترقي في الأحوال في الدنيا، (كما أن الدار الآخرة
هي خير له مما قبلها،) كما قال: ﴿وللآخرة خير لك من الأولى﴾، واللام للابتداء مؤكدة، أو
جواب قسم، ففيه تعظيم آخر، أي: كما أعطاك في الدنيا يعطيك في الآخرة مما هو أعلى
وأكثر، فلا تبال بما قالوه، فهو وعد فيه تسلية بعدما نفي عنه ما يكره، فهو تحلية بعد تخلية،
(ثم وعده) بقوله: ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾، (بما تقر) (بفتح القاف الفوقية) (به عينه،)
أي: تسكن (وبتختية أوله وشدة القاف مكسورة ونصب عينه)، يقال: قرت العين وأقر اللّه
العين.
قال في فتح الباري: قرة العين يعبر بها عن المسرة ورؤية ما يحبه الإنسان ويوافقه، لأن
عينه قرت، أي: سكنت حركاتها عن التلفت لحصول غرضها، فلا تتشوف لشىء آخر، فكأنه
مأخوذ من القرار، وقيل: معناه أنام اللّه عينك، وهو يرجع إلى هذا، وقيل: بل هو مأخوذ من القر،
وهو البرد، أي: أن عينه باردة لسروره ولذا قيل: دمعة السرور باردة، ودمعة الحزن حارة، ومن ثم

٤٤٧
الفصل الثاني في قسمه تعالى على ما أنعم به عليه
ويشرح به صدره، وهو أن يعطيه فيرضى. وهذا يعم ما يعطيه من القرءان والهدى
والنصر والظفر بأعدائه يوم بدر وفتح مكة، ودخول الناس في الدين أفواجًا، والغلبة
على بني قريظة والنضير، وبث عساكره وسراياه في بلاد العرب، وما فتح على
خلفائه الراشدين في أقطار الأرض من المدائن، وما قذف في قلوب أعدائه من
الرعب، ونشر الدعوة، ورفع ذكره وإعلاء كلمته، وما يعطيه بعد مماته، وما يعطيه
قيل في ضده: أسخن اللّه عينه، (وتفرح) (بفتح الراء مع فتح أوله فوقية وبضمه تحتية مع كسر
الراء) (به نفسه:) يسرها ويرضيها، والفرح لذة القلب بنيل ما يشتهي ويتعدى (بالهمزة
والتضعيف)، (ويشرح به صدره:) يوسعه ويملؤه نورًا، (وهو أن يعطيه فيرضى، وهذا يعم ما
يعطيه من القرآن) النازل عليه بعد هذه الآية، (والهدى والنصر:) العون والتقوية، (والظفر
بأعدائه،) يقال: ظفر بعدوه، وأظفرته به وأظفرته عليه، بمعنى وأصله الفوز والفلاح (يوم بدر) بقتل.
سبعين وأسر سبعين، (وفتح مكة،) وحل القتال له فيها ساعة من نهار، وصار أعظم أهلها عليه
أحوجهم إليه، (ودخول الناس في الدين،) دين اللّه (أفواجًا:) جماعات، بعدما كان يدخل فيه
واحدًا بعد واحد، وذلك بعد فتح مكة، جاءه العرب من أقطار الأرض طائعين، (والغلبة على
بني قريظة،) بقتل رجالهم وسبي ذريتهم ونسائهم، (والنضير،) بإجلائهم وجعلها خالصة له،
(وبث عساكره وسراياه في بلاد العرب،) وفي غيرها، كبعث زيد والأمراء إلى موتة من أرض
الشام، وبعث أسامة ابنه بعد ذلك إلى محل قتل أبيه، فخرج بعد الوفاة النبوية، فنصره الله وقتل
قاتل أبيه، فاقتصر على العرب لكثرتها فيها، (وما فتح على خلفائه الراشدين في أقطار
الأرض من المدائن،) ففتح في أيام الصديق بصرى ودمشق وبلاد حوران وما والاها، ثم في أيام
عمر البلاد الشامية كلها وأكثر إقليم فارس، وكسر كسرى، وفر إلى أقصى مملكته، وفر هرقل
إلى القسطنطينية، ثم في زمن عثمان مدائن العراق وخراسان والأهواز، وبلاد المغرب كلها، ومن
المشرق إلى أقصى بلاد الصين، وقتل كسرى، ومزق ملكه بالكلمة، ثم امتدت الفتوحات بعده إلى
الروم وغيرها، ولم تزل تجدد إلى الآن ولله الحمد، وقد فتح عَ ◌ّ المدينة بالقرآن، وخيبر ومكة
والبحرين وسائر جزيرة العرب، وأرض اليمن بكاملها وأخذ الجزية من مجوس هجر، ومن بعض
أطراف الشام، وهاداه هرقل والمقوقس وملوك عمان، والنجاشي الذي ملك بعد أصحمة، (وما
قذف في قلوب أعدائه من الرعب) مسيرة شهر من كل جهة، لأنه لم يكن بينه وبين أعدائه
أكثر من شهر، (ونشر الدعوة،) تفرقها وعمومها للخلق، (ورفع ذكره،) فلا يذكر اللّه إلا ويذكر
معه عَّةٍ، (وإعلاء كلمته) على كل كلام، فهذا كله مما أعطاه له في الدنيا، (وما يعطيه بعد
مماته) من الرحمات النازلات على قبره، والرضوان الذي لا يتناهى لدوام ترقياته ومضاعفة أعماله

٤٤٨
الفصل الثاني في قسمه تعالى على ما أنعم به عليه
في موقف القيامة من الشفاعة والمقام المحمود، وما يعطيه في الجنة من الوسيلة
والدرجة الرفيعة والكوثر.
وقال ابن عباس: يعطيه فى الجنة ألف قصر من لؤلؤ أبيض، ترابها المسك
وفيها ما يليق بها.
وبالجملة: فقد دلت هذه الآية على أنه تعالى يعطيه عليه الصلاة والسلام
كل ما يرضيه.
وأما ما يفتريه الجهال من أنه لا يرضى وواحد من أمته في النار، أو لا
يرضى أن يدخل أحد من أمته النار، فهو من غرور الشيطان لهم ولعبه بهم، فإنه
فيه، فإنه حي يصلي في قبره بأذان وإقامة، وله ثواب أعمال أمته مضاعفًا، (وما يعطيه في موقف
القيامة من الشفاعة،) أي: جنسها، فيشمل الشفاعات الخاصة به كلها، (والمقام المحمود)
هو مقام الشفاعة العظمى، الذي يحمده فيه الأولون والآخرون، أو كل مقام يتضمن كرامة
محمودة، وعلى هذا يكون بمعنى ما قبله، (وما يعطيه فى الجنة، من الوسيلة) أعلى منزلة في
الجنة فقوله ﴿والدرجة الرفيعة﴾، عطف تفسير، (والكوثر) نهر في الجنة، أعطانيه ربي، كما
صح عنه عيد، فلا معدل عنه.
(وقال ابن عباس:) في تفسير هذه الآية (يعطيه في الجنة ألف قصر من لؤلؤ أبيض،
ترابها المسك، وفيها ما يليق بها) من الأزواج والخدم.
رواه ابن جرير وغيره، ومثله لا يقال إلا عن توقيف، فهو في حكم المرفوع، وهذا تفصيل
بعض ما أعطاه، (وبالجملة فقد دلت هذه الآية على أنه تعالى يعطيه عليه الصلاة والسلام
كل ما يرضيه) مما لا يعلمه على الحقيقة إلا هو، (وأما ما يفتريه،) بفاء من الافتراء، أي:
الكذب، أو بالغين المعجمة، وبعد الراء موحدة من الغرور، وهذا أولى وإن كان ظاهر سياقه
الأول، (الجهال من أنه لا يرضى، وواحد من أمته في النار،) روى الديلمي في الفردوس عن
علي، قال: لما نزلت قال عَّه: إذن لا أرضى وواحد من أمتي في النار.
وأخرجه أبو نعيم في الحلية موقوفًا على علي، قال: في قوله تعالى: ﴿ولسوف يعطيك
ربك فترضى﴾، قال: ليس في القرآن أرجى منها، ولا يرضى عَّ له أن يدخل أحد من أمته النار،
وقوله ولا يرضى موقوف لفظًا، مرفوع حكمًا، إذ لا مدخل للرأي: فيه، (أو لا يرضى أن يدخل
أحد من أمته النار) كما روى عن علي موقوفًا، وحكمه الرفع، كما علم، (فهو من غرور
الشيطان،) أي: خداعه (لهم ولعبه بهم،) حيث حملهم على الافتراء، أو على الغرور بما لم

٤٤٩
الفصل الثاني في قسمه تعالى على ما أنعم به عليه
صلوات اللَّه عليه يرضى بما يرضى به ربه تبارك وتعالى، وهو سبحانه وتعالى يدخل
النار من يستحقها من الكفار والعصاة، ثم يحد لرسوله عَ ل حدًا يشفع فيهم - كما
يأتي إن شاء اللَّه تعالى في المقصد الأخير- ورسوله عليه السلام أعرف به وبحقه
من أن يقول: لا أرضى أن تدخل أحدًا من أمتي النار أو تدعه فيها، بل ربه تبارك
وتعالى يأذن له فيشفع فيمن شاء اللَّه أن يشفع فيه، ولا يشفع في غير من أذن له
ورضیه.
يفهموا معناه، (فإنه صلوات الله عليه يرضى بما يرضى به ربه تبارك وتعالى،) إذ رضاه تابع
لرضاه، (وهو سبحانه وتعالى يدخل النار من يستحقها من الكفار والعصاة) المسلمين، (ثم
يحد) (بضم الحاء) (لرسوله عَّةٍ حدًا،) أي: يقدر له جماعة، ويميزهم عن غيرهم، (يشفع فيهم
كما يأتي إن شاء اللّه تعالى في المقصد الأخير،) فلا يدع أحدًا منهم، ولا يزيد على من أذن
له في الشفاعة فيه، (ورسوله عليه السلام أعرف به وبحقه من أن يقول الا أرضى أن تدخل
أحدًا من أمتي النار، أو تدعه فيها،) هذا ظاهر جدًا في أنه أراد أنه من الافتراء الكذب
لا الغرور، (بل ربه تبارك وتعالى يأذن له، فيشفع فيمن شاء اللّه أن يشفع فيه، ولا يشفع في
غير من أذن له ورضيه،) ومقام الرضا بما يريده اللّه، والتسليم مقام عظيم للسالكين، فكيف
لا یکون لسید المرسلین.
وقد رد العلامة الشريف الصفوي في شرح الشفاء، وتبعه في النسيم على المصنف، التابع
لابن القيم بأنه جراءة وسوء أدب، والوجه توجيه الحديث لوروده بطرق وإن ضعفت، ولا يبعد أن
يكون عذاب العصاة غير مرضي للّه تعالى، فلا يرضى به رسوله أيضًا لأن رضاه على وفق رضا
ربه، والرضا بالمقضي قد يكون مذمومًا، فإذا لم يرض بعصيانهم ودخولهم النار، بعدهم رضا ربه
به يدخلهم اللّه الجنة، ولو بالآخرة للوعد به، والرضا بفعل اللّه إنما يجب من حيث أنه فعل
المولى الحكيم لا من حيث هو في ذاته، والمنفي في الحديث الثاني، فهو لا يرضى بدخول
أحد من أمته النار من حيث هو في ذاته، لا من حيث أنه مراد اللّه، فلا إشكال أو الرضا مجاز عن
ترك الطلب، أي: لا أترك طلب العفو وواحد من أمتي في النار، ولا يلزم منه عدم الرضا حقيقة،
وكم طلب ◌َيُّ لأمته أمورًا، وهو في مقام الرضا دائمًا، وإذا وعد بالرضا فلا بدّ من إدخالهم
الجنة لا ترك الطلب، فافهمه فإنه دقيق، فلا ينبغي أن يجترىء أحد على إبطال الروايات بأوهام
الشبهات، وهذا محصل ما في شرح المواقف من أن للكفر نسبة إلى اللّه، باعتبار فاعليته له
وإيجاده، ونسبة إلى العبد، باعتبار محليته واتصافه به، وإنكاره باعتبار النسبة الثانية، والرضا
باعتبار النسبة الأولى.

٤٥٠
الفصل الثاني في قسمه تعالى على ما أنعم به عليه
ثم ذكره سبحانه بنعمه عليه من إيوائه بعد يتمه، فقال: ﴿ألم يجدك يتيمًا
فآوى﴾ وذهب بعضهم إلى أن معنى اليتيم من قولهم: درة يتيمة، أي: ألم يجدك
وقال بعض الشراح: يجوز أن المراد نفي الرضا بالدخول على وجه الخلود، وإنما قال: أن
يدخل دون أن يخلد، قصد الإرادة نفي الرضا بالخلود على نهج المبالغة والاستدلال، أو أن
المراد: ولا يرضى أن يعصي اللّه أحد من أمته، فعبر بالمسبب عن السبب إلا أن السياق يأباه
انتھی.
أو لا يرضى دخولهم النار دخولاً يشدد عليهم العذاب، بل يكون خفيفًا، لا تسود
وجوههم، ولا تزرق أعينهم، كما وردت به الأحاديث، فهو تعذیب کتأديب الحشمة، بل
قال ◌َّله: إنما حر جهنم على أمتي كحر الحمام.
أخرجه الطبراني، برجال ثقات عن الصديق، وللدارقطني في الأفراد عن ابن عباس، رفعه:
أن حظ أمتي من النار، طول بلائها تحت التراب.
وفي تفسير السبكي: أطلقت الأمة وجوب الرضا بالقضاء، وشاع على ألسنة العلماء
والعوام، وورد مرفوعًا: يقول الله: من لم يرض بقضائي، فليطلب ربًا سواي، وفي شامل إمام
الحرمين، لم يثبت عندنا وجوب الرضا بالقضاء، فإن الإِنسان إذا اعترته الآلام، واكتنفته الأسقام،
لا يجب عليه في الدين أن يطمئن إليها ويرضى بها، ولا عليه أن يكرهها ويبدي قلقًا منها، يقول:
لا ينطوي على اعتراض، قال: والخبر من الآحاد، لا تقوم به الحجة في القطعيات، ثم يعارضه
استعادة النبي عليه من قضاء السوء. انتهى.
(ثم ذكره) بشد الكاف، أي: جعله (سبحانه) متذكرًا (بنعمه عليه،) أي: ذكره بتفصيلها
أو تفضيلها بالضاد، وإن كان ذاكرًا لها، وكيف ينسى مثله، وقد قام حتى تورمت قدماه، وقال:
أفلا أكون عبدا شكورًا.
وقال بعض الشراح: المراد إعلامه بما أنعم به عليه، أو لاشتغاله بتذكير النعم العظيمة
المتجددة، أو النعم كلها على الإِجمال، قد يغفل عن تفصيلها، أو التذكير بمعنى الوعظ، لئلا
يغفل، نحو: فذكر بالقرآن (من إيوائه) إلى عمه أبي طالب، حتى كان عنده أعز من بنيه (بعد
يتمه،) بموت أبيه وأمه حبلى به على الصحيح، وقيل: بعد أن ولد بقليل، (فقال: ((ألم
يجدك﴾،) من الوجود، بمعنى العلم (﴿يتيمًا﴾) مفعوله الثاني، أو المصادفة، ويتيمًا حال
(﴿فآوى﴾،) بالمد وقرىء بالقصر بمعنى، رحم تقول أويت فلانًا، أي: رحمته، قاله ابن عطية،
وقيل: معنى الآية أواه اللّه إلى نفسه، ولم يحوجه لحماية أحد وإيوائه، وهو بمعنى قول جعفر
الصادق: يتم عَّ لئلا يكون عليه حق لمخلوق، (وذهب بعضهم إلى أن معنى اليتيم) عديم

٤٥١
الفصل الثاني في قسمه تعالى على ما أنعم به عليه
واحدًا في أرض قريش عديم النظير فآواك إليه وأغناك بعد الفقر.
ثم أمره سبحانه وتعالى أن يقابل هذه النعم الثلاثة بما يليق بها من الشكر
فنهاه أن يقهر اليتيم، وأن ينهر السائل، وأن يكتم النعمة، بل يحدث بها، فإن من
شكر النعمة التحدث بها. وقيل المراد بالنعمة النبوة، والتحدث بها: تبليغها.
النظير (من قولهم درة يتيمة،) أي: لا نظير لها، وتسمى فريدة أيضًا لانفرادها عن نظائرها، (أي:
ألم يجدك واحدًا في أرض قريش،) بل في جميع الخلق، (عديم النظير، فآواك إليه) لانتفاء
من يكافئك أو يدانيك، بحيث تركن إليه.
قال التجاني: وهذا قول ضعيف، حكاه صاحب المشرع الروي، وجعله في الكشاف من
بدع التفاسير، (وأغناك بعد الفقر).
قال ابن عطية: قال: مجاهد معناه بما أعطاك من الرزق، وقيل: فقير إليه، فأغناك به،
والجمهور: على أنه فقر المال، لمعنى فيه مَّة، أنه أغناه بالقناعة والصبر وحببا إليه، وقيل
بالكفاف لتصرفه في مال خديجة، ولم يكن كثير المال، ورفعه اللّه عن ذلك، وقال: ليس الغنى
عن كثرة العرض، ولكنه غنى النفس، (ثم أمره سبحانه وتعالى أن يقابل هذه النعم الثلاث) التي
لم يشر المصنف إلى وسطاها، لأنه سيتكلم عليه في إزالة الشبهات (بما يليق بها من الشكر،
فتهاه أن يقهر اليتيم،) بقوله: ﴿فأما اليتيم فلا تقهر﴾، في مقابلة ﴿ألم يجدك يتيماً فآوى﴾،
(وأن ينهر السائل) بقوله: ﴿وأما السائل فلا تنهر﴾، معناه أن يرده ردًا جميلاً أما بعطاء أو بقول
حسن، (وأن يكتم النعمة، بل يحدث بها، فإن من شكر النعمة التحدث بها،) وبإظهار
الملابس والمطاعم والمراكب ونحوها، فلذا أتى بمن التبعيضية.
وفي ابن عطية قوله: ﴿وأما السائل فلا تنهر﴾) بإزاء، أي: مقابل ﴿ووجدك ضالاً فهدى﴾،
على قول أبي الدرداء، والحسن وغيرهما.
إن السائل هنا السائل عن العلم والدين، بإزاء قوله: ﴿ووجدك عائلاً فأغنى﴾، وقوله: ﴿وأما
بنعمة ربك فحدث﴾، ومن قال السائل هو سائل المال، المحتاج، جعلها بإزاء ﴿ووجدك عائلاً
فأغنى﴾، وجعل ﴿وأما بنعمة ربك فحدث﴾ بإزاء ﴿ووجدك ضالاً فهدى﴾، (وقيل المراد
بالنعمة النبوة والتحدث،) بالجر عطفًا على النعمة، أي: والمراد بالتحدث (بها تبليغها) للناس،
وهذا قول مجاهد والكلبي.
وقال آخرون: بل هو عام في جميع النعم، وكان بعض الصالحين يقول: لقد أعطاني اللّه
كذا، وصليت البارحة كذا، وذكرت اللّه كذا، فقيل له: مثلك لا يقول هذا، فقال: إن الله يقول:
﴿وأما بنعمة ربك فحدث﴾، وأنتم تقولون: لا تحدث، وقال عَّله: التحدث بالنعمة شكر، وقال:
من أسديت إليه يدًا فذكرها، فقد شكرها، ومن سترها فقد كفرها، ذكره ابن عطية.

٤٥٢
الفصل الثالث في قسمه تعالى على تصديقه عليه الصلاة والسلام
الفصل الثالث
في قسمه تعالى على تصديقه عليه الصلاة والسلام
فيما أتى به من وحيه وكتابه وتنزيهه عن الهوى في خطابه
قال الله تعالى: ﴿والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى * وما
ينطق عن الهوى﴾ [النجم/ ١- ٣].
أقسم تعالى بالنجم على تنزيه رسوله وبراءته مما نسبه إليه أعداؤه من
الضلال والغي.
(الفصل الثالث)
في قسمه تعالى على تصديقه عليه الصلاة والسلام فيما أتى به من وحيه(مصدر
بمعنى اسم المفعول)، فقوله: (وكتابه) خاص على عام، (وتنزيهه عن الهوى في خطابه،) أي:
نطقه، (قال اللّه تعالى: (﴿والنجم إذا هوى﴾،) أقسم اللّه تعالى بهذا المخلوق تشريفًا له
وتنبيهًا للاعتبار به، حتى تؤل العبرة إلى معرفة الله تعالى، وقيل: المعنى: ورب النجم، وفيه قلق
مع لفظ الآية (﴿ما ضل صاحبكم وما غوى﴾) والضلال يكون بلا قصد وألغي كأنه شىء
يكتسبه ويريده (﴿وما ينطق﴾) صاحبكم (﴿عن الهوى)) [النجم/١]، أي: بهواه وشهوته،
وقيل: ما ينطق القرآن المنزل عن هوى وشهوة، ونسب النطق إليه من حيث أنه يفهم منه الأمور،
كما قال تعالى: ﴿هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق﴾ [الجاثية/٢٩]، وأسند النطق إليه وإن لم
يتقدم له ذكر لدلالة المعنى عليه.
ذكره ابن عطية: (أقسم تعالى بالنجم على تنزيه رسوله، وبراءته مما نسبه إليه
أعداؤه) الكفار (من الضلال والغي،) فنفى عنه أن يكون ضل في هذه السبيل التي أُسلكه إياها.
قال الرازي والنسفي: أكثر المفسرين أن لا فرق بين الضلال والغي، وبعضهم قال: الضلال
في مقابلة الهدى، والفي في مقابلة الرشد.
قال تعالى: ﴿وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلاً، وإن يروا سبيل الغي يتخذوه
سبيلا﴾، وتحقيق الفرق؛ أن الضلال أعم استعمالاً في الوضع، تقول: ضل بعيري ورحلي،
ولا تقول: غوى، والمراد من الضلال أن لا يجد السالك إلى مقصده طريقًا مستقيمًا، والغواية أن
لا يكون إلى المقصد طريق مستقيم، ويدل عليه؛ أنه يقال للمؤمن الذي ليس على طريق السداد
سفيه غير رشيد، ولا يقال: ضال، فالضال كالكافر، والغاوي كالفاسق، وكأنه تعالى قال: ﴿ما
ضل﴾، أي: ما كفر، ولا أقل من ذلك فما فسق، ويؤيده ﴿فإن آنستم منهم رشدًا﴾، إذ يقال:

٤٥٣
الفصل الثالث في قسمه تعالى على تصديقه عليه الصلاة والسلام
واختلف المفسرون في المراد بالنجم بأقاويل معروفة.
منها: ((النجم) على ظاهره، وتكون (أل)) لتعريف العهد في قول، ولتعريف
الجنس في آخر، وهي النجوم التي يهتدي بها. فقيل: الثريا إذا سقطت وغابت،
وهو مروي عن ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة وعطية. والعرب إِذا أطلقت
النجم تريد بها الثريا. وعن ابن عباس في رواية عكرمة: النجوم التي ترمى بها
الضلال كالعدم، والغواية كالوجود الفاسد في الدرجة والمرتبة، ويحتمل أن معنى ما ضل ما جن،
فإن المجنون ضال، وعلى هذا، فهو كقوله: ﴿ما أنت بنعمة ربك بمجنون﴾، وقيل: معنى ما
غوى: ما خاب لما طلب، قال:
فمن يلق خيرًا يحمد الناس أمره ومن يغو لا يعدم على الغي لائمًا
أي: من خاب في طلبه لامه الناس، فيجوز أن هذا إخبار عما بعد الوحي، وأن يكون
إخبارًا عن أحواله على التعميم، أي: كان أبدًا موحدًا لله تعالى، وهو الصحيح.
(واختلف المفسرون في المزاد بالنجم بأقاويل معروفة:) جمع أقوال، جمع قول، فهو
جمع الجمع، عبر به للدلالة على كثرتها، والباء متعلقة بالمفسرين، أو بمقدر من جنسه، لأنه
يقال: فسره بكذا، فيتعدى بالباء، وهو وإن كان بعيدًا أظهر من تقدير اختلافًا مصحوبًا بأقاويل
(منها النجم على ظاهره،) سمي الكوكب نجمًا لطلوعه، وكل طالع نجم، يقال: نجم السن
والقرن والنبت، إذا طلع قاله ابن عادل والقرطبي، وزاد: ونجم فلان ببلد كذا.
إذا خرج على السلطان، (وتكون أل لتعريف العهد في قول:) والمعهود الثريا أو غيرها،
كما يأتي، (ولتعريف الجنس في آخر، وهي النجوم التي يهتدى بها) في ظلمات البر والبحر،
وإلى هذا ذهب أبو عبيدة، قائلاً: بأنه من إطلاق الواحد على الجمع، ونقله ابن عطية والماوردي
عن الحسن، ونقله غيرهما عن مجاهد، وبه رد قول ابن جرير، هذا التأويل له وجه، ولكن لا
أعلم أحدًا من أهل التأويل قاله، (فقيل: الثريا) بالمثلثة تفريع على أن أل للعهد، (إذا سقطت
وغابت،) تفسير لهوى، وهويها مغيبها، (وهو مروي عن ابن عباس في رواية علي بن أبي
طلحة،) سالم مولى بني العباس، سكن حمص، وأرسل عن ابن عباس، ولم يره، صدوق، قد
يخطىء، مات سنة ثلاث وأربعين ومائة، (وعطية) بن سعد العوفي، الكوفي، صدوق، يخطىء
كثيرًا، وكان شيعيًا مدلسًا، مات سنة إحدى عشرة ومائة، (والعرب إذا أطلقت النجم تريد بها
الثرياء) قال الشاعر:
طلع النجم عشاء فابتغى الراعي الكساء
وفي الحديث: ما طلع نجم قط، وفي الأرض من العاهة شىء إلا ارتفع، رواه أحمد وأراد

٤٥٤
الفصل الثالث في قسمه تعالى على تصديقه عليه الصلاة والسلام
الشياطين إذا سقطت في آثارها عند استراق السمع، وهذا قول الحسن، وعن
السدي الزهرة، وعن الحسن أيضًا النجوم إذا سقطت يوم القيامة.
وقيل المراد به النبت الذي لا ساق له، و((هوى)) أي سقط على الأرض.
وقيل: القرءان، رواه الكلبي عن ابن عباس، لأنه نزل نجومًا على رسول
اللَّه عَِّ وهو قول مجاهد ومقاتل والضحاك.
وقال جعفر بن محمد بن علي بن الحسين: هو محمد عَّه ((إذا هوى)) أي
نزل من السماء ليلة المعراج.
الثريا، واختار هذا القول ابن جرير والزمخشري، وقال السمين: إنه الصحيح، لأن هذا صار علمًا
بالغلبة، وقال عمر بن أبي ربيعة:
أحسن النجم في السماء الثريا والثريا في الأرض زين النساء
(وعن ابن عباس في رواية عكرمة بن عبد اللّه البربري، أراد (النجوم التي ترمى بها
الشياطين، إذا سقطت في آثارها،) لأن الهوى السقوط من علو، قاله الراغب (عند استراق
السمع وهذا قول الحسن)، البصري، وهو تفريع على أن أل جنسية، (وعن السدي) (بضم السين
وشد الدال المهملتين) إسماعيل بن عبد الرحمن الكوفي، صدوق، يهم، مات سنة سبع وعشرين
ومائة، (الزهرة:) بزنة رطبة نجم في السماء الثالثة.
وكذا قال سفين الثوري: على أن أل عهدية، (وعن الحسن) البصري (أيضًا: النجوم إذا
سقطت يوم القيامة،) فهو بمعنى قوله: وإذا الكواكب انتثرت على إنها جنسية.
وقيل: المراد الشعري على أنها عهدية، (وقيل: المراد به النبت الذي لا ساق له،)
ومنه: ﴿والنجم والشجر يسجدان﴾ الآية، (وهوى، أي: سقط على الأرض،) وهذا قول
الأخفش، (وقيل: القرآن، رواه الكلبي) محمد بن السائب، (عن ابن عباس؛ لأنه نزل
نجومًا،) أي: أجزاء مقدرة في أوقات، قاله ابن عطية، وفي ابن القيم، أربع آيات وثلاث آيات،
والسورة (على رسول اللّه عَّله) في ثلاث وعشرين سنة، أو عشرين (بالفاء) مدة الفترة، (وهو
قول مجاهد ومقاتل والضحاك،) وهوی بمعنی نزل.
وفي هذا القول بعد وتحامل على اللغة، قاله ابن عطية، (وقال جعفر) الصادق، لصدقه في
مقاله (بن محمد) الباقري، لبقره العلم، (ابن علي) زين العابدين (بن الحسين) السبطء (هو
محمد عَّة، إذا هوى، أي: نزل من السماء ليلة المعراج).
قال النعماني: ويعجبني هذا التفسير لملاءمته من وجوه، فإنه عَ الُ نجم هداية، خصوصًا

٤٥٥
الفصل الثالث في قسمه تعالى على تصديقه عليه الصلاة والسلام
وأظهر الأقوال - كما قاله ابن القيم - أنها النجوم التي ترمى بها الشياطين،
ويكون سبحانه قد أقسم بهذه الآية الظاهرة المشاهدة التي نصبها اللَّه تعالى آية
وحفظًا للوحي من استراق الشياطين. على أن ما أتى به رسوله حق وصدق لا
سبيل للشيطان ولا طريق له إليه، بل قد حرس بالنجم إذا هوى رصدًا بين يدي
الوحي، حرسًا له، وعلى هذا فالارتباط بين المقسم به والمقسم عليه في غاية
الظهور. وفي المقسم به دليل على المقسم عليه.
وليس بالبين تسمية القرءان عند نزوله: بالنجم إذا هوى، ولا تسمية نزوله
هويًّا، ولا عهد في القرءان بذلك، فيحمل هذا اللفظ عليه.
لما هدى إليه من فرض الصلاة تلك الليلة، وقد علمت منزلة الصلاة من الدين، ومنها أنه أضاء
في السماء والأرض، ومنها التشبيه بسرعة السير، ومنها أنه كان ليلاً، وهو وقت ظهور النجم،
فهو لا يخفي على ذي بصر، وأما أرباب البصائر، فلا يمترون، كالصديق رضي اللّه عنه، وعن
جعفر أيضًا أنه قلب محمد عَّله، كما في الشفاء، أي: لإشراقه بالأنوار الإلهية، وهو منبعها ومنبع
الهداية، وإن كان فيه خفاء، وأبعد منه أنه الصحابة، لحديث: أصحابي كالنجوم، حكاه التجاني،
وهو يهم موتهم، (وأظهر الأقوال، كما قاله ابن القيم؛ أنها النجوم التي ترمى بها الشياطين،)
لأنها تبعد الشياطين عن أهل السماء، والأنبياء يبعدون الشياطين عن أهل الأرض، فناسب أن
يقسم برجمها عند البعثة، (ويكون سبحانه قد أقسم بهذه الآية، الظاهرة، المشاهدة) بالبصر،
(التي نصبها اللّه تعالى آية وحفظًا للوحي من استراق الشياطين) السمع، فيزيدون فيه، فيكون
ما زادوه باطلاً، (على أن ما أتى به رسوله حق وصدق، لا سبيل للشيطان ولا طريق له إليه)
(عطف مساوٍ)، (بل قد حرس بالنجم إذا هوى رصدًا،) أي: رصدًا له (بين يدي الوحي،)
يمنعهم عن استماعه (حرسًا له)) منهم عطف تفسير لرصدًا، (وعلى هذا، فالارتباط بين المقسم
به والمقسم عليه في غاية الظهور،) لأن المقسم به هو النجم الذي قصد بسقوطه حفظ
الوحي، والمقسم عليه هو نفس الوحي، (وفي المقسم به دليل على المقسم عليه،) فإن
النجوم التي ترمى بها الشياطين آيات من آيات الله، يحفظ بها دينه ووحيه وآياته المنزلة على
رسوله، بها ظهر دينه وشرعه، وأسمائه وصفاته، وجعلت هذه النجوم المشاهدة حرسًا لهذه
النجوم الهاوية، هذا أسقطه من ابن القيم قبل قوله مبينًا لخفاء ما عدا القول الذي استظهره،
(وليس بالبين تسمية القرآن عند نزوله بالنجم إذا هوى، ولا تسمية نزوله هويًا) (بضم الهاء
وفتحها)، (ولا عهد في القرآن بذلك،) أي: تسميته بالنجم، (فيحمل) بالنصب (هذا اللفظ

٤٥٦
الفصل الثالث في قسمه تعالى على تصديقه عليه الصلاة والسلام
وليس بالبين تخصيص هذا القسم بالثريا وحدها إذا غابت.
وليس بالبين أيضًا القسم بالنجوم عند انتشارها يوم القيامة. بل هذا مما
يقسم الرب عليه، ويدل عليه بآياته، فلا يجعله نفسه دليلاً لعدم ظهوره للمخاطبين
ولاسيما منكرو البعث، فإنه تعالى إنما يستدل بما لا يمكن جحده ولا المكابرة فيه،
ثم إنه بين المقسم به والمقسم عليه من المناسبة ما لا يخفى.
فإن قلنا إن المراد النجوم التي للاهتداء فالمناسبة ظاهرة، وإن قلنا إن المراد
الثريا فلأنه أظهر النجوم عند الرائي، لأنه لا يشتبه بغيره في السماء، وهو ظاهر لكل
أحد، والنبي عَُّ تميز عن الكل بما منح من الآيات البينات، ولأن الثريا إذا ظهرت
من المشرق حان إدراك الثمار، وإذا ظهرت من المغرب قرب أوان الخريف فتقل
الأمراض، والنبي ◌َّةٍ لما ظهر قل الشرك والأمراض القلبية.
عليه،) بل قال ابن عطّي: إنه تحامل على اللغة مع بعده، (وليس بالبين) أيضًا (تخصيص هذا
القسم بالثريا وحدها إذا غابت،) لأنه تخصيص بلا مخصص، لكن فيه أن العرب إذا أطلقت
النجم، تعني الثريا والقرآن، وأراد بلغتهم، فهو وجه التخصيص، (وليس بالبين أيضًا القسم
بالنجوم عند انتشارها:) تساقطها متفرقة (يوم القيامة، بل هذا مما يقسم الرب عليه،) لا به،
(ويدل عليه بآياته، فلا يجعله نفسه دليلاً لعدم ظهوره للمخاطبين، ولا سيما منكرو البعث،
فإنه تعالى إنما يستدل بما لا يمكن جحده ولا المكابرة فيه،) فيذكر الدليل لمن هو بصدد
الإِنکار.
قال ابن كثير: وهذا القول له اتجاه، (ثم إنه بين المقسم به والمقسم عليه من
المناسبة ما لا يخفى،) كلام مستأنف غرضه، به توجيه الأقوال التي أسلفها، وإن استظهر واحدًا
منها واستبعد غيره، (فإن قلنا: أن المراد النجوم التي للاهتداء، فالمناسبة ظاهرة،) لأنه
يهتدى بها في معرفة الطرقات وغيرها.
وبالمصطفى من ظلمات الجهل ومعرفة الحق من الباطل، فأقسم بها لما بينهما من
المناسبة والمشابهة، قاله الرازي: (وإن قلنا أن المراد الثريا، فلأنه أظهر النجوم عند الرائي،
لأنه) لكونه له علامة (لا يشتبه بغيره في السماء، وهو ظاهر لكل أحد، والنبي عَّه تميز عن
الكل بما منح،) أي: أعطى (من الآيات البينات،) فأقسم به، (ولآن الثريا إذا ظهرت من) جهة
(المشرق) وقت الفجر، (حان،) أي: قرب (إدراك الثمار،) أي: طيبها، (وإذا ظهرت من
المغرب قرب أوان الخريف، فتقل الأمراض)، معناه إنها تظهر بعيد الغروب، بحيث يكون
ابتداء ظهورها بين المغرب والعشاء، وتستمر ظاهرة إلى الفجر، (والنبي عَّةُ لما ظهر قل

٤٥٧
الفصل الثالث في قسمه تعالى على تصديقه عليه الصلاة والسلام
ـر على صدقه
وإن قلنا إن المراد بها القرءان فهو استدلال بمعجزته عـ
وبراءته، وأنه ما ضل ولا غوى، وإن قلنا المراد به النبات، فالنبات به نبات القوى
الجسمانية وصلاحها، والقوى العقلية أولى بالصلاح، وذلك بالرسل وإيضاح السبل.
وتأمل كيف قال اللَّه تعالى: ﴿ما ضل صاحبكم) ولم يقل: محمد، تأكيدًا
لإقامة الحجة عليهم بأنه صاحبهم، وهم أعلم الخلق به وبحاله وأقواله وأعماله،
وأنهم لا يعرفونه بكذب ولا غي ولا ضلال، ولا ينقمون عليه أمرًا واحدًا قط، وقد
نبه تعالى على هذا المعنى بقوله عز وجل: ﴿أم لم يعرفوا رسولهم﴾ [المؤمنون/
٦٩].
ثم نزه نطق رسوله عَّله عن أن يصدر عن هوى فقال تعالى: ﴿وما ينطق
الشرك والأمراض القلبية،) وأدركت الثمار الحكمية، والحكمية هذا بقية المناسبة التي أبداها
الإِمام الرازي، (وإن قلنا: أن المراد بها القرآن، فهواستدلال بمعجزته عَّ على صدقه وبراءته،
وأنه ما ضل ولا غوى).
زاد الرازي: فهو كقوله: ﴿يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين﴾، (وإن قلنا: المراد
به النبات فالنبات به نبات، القوى الجسمانية،) أي: المتعلقة بالجسم (بكسر الجيم)، وهو
كل شخص مدرك، وقال أبو زيد: الجسم الجسد، (و) به (صلاحها والقوى العقلية،) وهي
الصفة التي يميز بها الإنسان الحسن من القبيح، (أولى:) أحق (بالصلاح، وذلك بالرسل
وإيضاح السبل،) وبعد أن أبدى الرازي هذه المناسبات، قال: ومن هذا يظهر أن المختار هو
النجوم التي في السماء، لأنه أظهر عند السامع، وقوله: إذا هوى دال عليه، ثم بعده القرآن لما
فيه من الظهور، ثم الثريا، (وتأمل كيف، قال اللّه تعالى: ﴿ما بضل صاحبكم﴾ ولم يقل محمد،
تأكيدًا لإقامة الحجة عليهم؛ بأنه صاحبهم) الذي نشأ بين ظهرانيهم، (وهم أعلم
الخلق به، وبحاله وأقواله وأعماله، وأنهم لا يعرفونه بكذب، ولا غي، ولا ضلال، ولا ينقمون)
(بكسر القاف وفتحها)، لا يعيبون (عليه أمرًا واحدًا قط، وقد نبه تعالى على هذا المعنى،
بقوله عزّ وجلّ: ﴿أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين﴾ [المؤمنون/٦٨]
الآية، ((أم لم يعرفوا رسولهم﴾) بالأمانة والصدق وحسن الخلق، وكمال العلم مع عدم
التعلم، والاستفهام للتقرير بالحق من صدق النبي، ومجيء الرسل للأمم الماضية، ومعرفة رسولهم
بما ذكر، فهم له، منكرون دعواه لأحد هذه الوجوه، إذ لا وجه له غيرها، فإن إنكار الشىء قطعًا أو
ظنًا إنما يتجه إذا ظهر امتناعه بحسب النوع، أو الشخص، أو بحسب ما يدل عليه أقصى ما
يمكن، فلم يوجد، (ثم نزه نطق رسوله عَّةٍ عن أن يصدر عن هوى،) بالقصر المحبة في

٤٥٨
الفصل الثالث في قسمه تعالى على تصديقه عليه الصلاة والسلام
عن الهوى﴾ ولم يقل: وما ينطق بالهوى، لأن نفي نطقه عن الهوى أبلغ، فإنه
يتضمن أن نطقه لا يصدر عن هوى، وإذا لم يصدر عن هوى فكيف ينطق به،
فيتضمن هو الأمرين: نفي الهوى عن مصدر، النطق، ونفيه عن النطق نفسه، فنطقه
بالحق ومصدره الهدى والرشاد، لا الغي والضلال.
الأصل، ثم أطلق على ميل النفس وانحرافها نحو الشىء، ثم استعمل في ميل مذموم، نحو: اتبع
هواه.
قال الرازي: وأحسن ما يقال فى تفسيره أنه المحبة، لكن من النفس الأمارة، وحروفه تدل
على الدنو والنزول والسقوط، ومنه الهاوية، فالنفس إذا كانت دنية، وتركت المعالي، وتعلقت
بالسفاسف، فقد هوت، فاختص الهوى بالنفس الإِشارة بالسوء.
قال الشعبي: إنما سمي هوى، لأنه يهوى بصاحبه، (فقال تعالى: ﴿وما ينطق عن
الهوى﴾،) وهذا ترتيب في غاية الحسن، عبر أولاً بالماضي، وهنا بالآتي، أي: ما ضل حين
اعتزلكم وما تعبدون، وما غوى حين اختلي بنفسه، وما ينطق عن الهوى الآن حين أرسل إليكم
وجعل شاهدًا عليكم، فلم يكن أولاً ضالاً غاويًا، وصار الآن منقذًا من الضلال ومرشدًا وهاديًا،
(ولم يقل: وما ينطق بالهوى، لأن نفي نطقه عن الهوى أبلغ) من نفي نطقه به، (فإنه يتضمن
أن نطقه لا يصدر عن هوى وإذا لم يصدر عن هوى، فكيف ينطق به، فيتضمن هو،) أي:
تفي صدوره عن الهوى (الأمرين،) بالنصب مفعول (نفي الهوى)) بالنصب أيضًا بدل مفصل من
مجمل، أو الرفع بتقدير، وهما نفي، ولا يصح جره بدلاً من الأمرين، لأنهما منفيان لا نفيان (عن
مصدر النطق، ونفيه عن النطق نفسه، فنطقه بالحق ومصدره،) أي: محله الذي يصدر عنه هو
(الهدى والرشاد، لا الغي والضلال) فعن على بابها.
قال النحاس: وهو أولى، أي: ما يخرج نطقه عن رأيه بدليل إن هو ... الخ، وقيل: بمعنى
الباء، أي: ما ينطق بالهوى، وما يتكلم بالباطل، وذلك أنهم قالوا: إنه تقوّل القرآن من تلقاء نفسه.
قال: ابن القيم نفى اللّه عن رسوله الضلال المنافي للهدى، والغي المنافي للرشاد، ففي
ضمن هذا النفي الشهادة له عَّه بأنه على الهدى والرشد، فالهدى في علمه، والرشد في عمله،
وهذان الأصلان هما غاية كمال العبد، وبهما سعادته وصلاحه، إلى أن قال: فالناس أقسام، ضال
في علمه، غارٍ في قصده وعمله، وهو لا شرار الخلق، وهم مخالفو الرسل، ومهتدي في عمله،
وهؤلاء هم الأمة العصبية، ومن تشبه بهم، وهو حال كل من عرف الحق ولم يعمل به، وضال
في علمه، ولكن قصده الخير، وهو لا يشعر، ومهتدٍ في علمه، راشد في قصده، وهم ورثة

٤٥٩
الفصل الثالث في قسمه تعالى على تصديقه عليه الصلاة والسلام
ثم قال تعالى: ﴿إن هو إلا وحي يوحى﴾ فأعاد الضمير على المصدر
المفهوم من الفعل، أي: ما نطقه إلا وحي يوحى، وهذا أحسن من جعل الضمير
عائدًا إلى القرءان، فإنه نطقه بالقرءان والسنة، وإن كليهما وحي يوحي، قال اللّه
تعالى: ﴿وأنزل اللَّه عليك الكتاب والحكمة﴾ [النساء/١١٣] وهما القرءان
والسنة. وذكر الأوزاعي عن حسان بن عطية قال: كان جبريل ينزل على
رسول اللَّه عَ لّه بالسنة كما ينزل عليه بالقرءان يعلمه إياها.
الأنبياء، وإن كانوا أقل عددًا، فهم الأكثرون عند اللّه قدرًا، وصفوته من خلقه، (ثم قال تعالى:
﴿إن هو إلا وحي يوحى﴾﴾ [النجم/٤].
قال الرازي: هذا تكملة للبيان، لأنه لما قيل ﴿وما ينطق عن الهوى﴾، كان قائلاً قال:
فعماذا ينطق، أعن الدليل والاجتهاد؟، فقال: لا إنما ينطق عن اللّه بالوحي، وهذا أبلغ مما لو قيل
هو وحي يوحى، وكلمة إن استعملت مكان ما للنفي، كما استعملت ما للشرط مكان أن،
(فأعاد الضمير على المصدر المفهوم من الفعل، أي: ما نطقه إلا وحي يوحى) صفة لنفي
المجان، أي: هو وحي حقيقة، لا مجرد تسمية، كقولك: هذا قول يقال، قاله في اللباب، (وهذا
أحسن من جعل الضمير عائدًا إلى القرآن،) ووجه إلا حسنية، بقوله: (فإن نطقه بالقرآن
والسنّة، وأن كليهما وحي يوحى) أي: لإِفادته أن السنّة من الوحي، بخلاف عوده على القرآن،
فلا يفيد ذلك، (قال اللّه تعالى: ﴿وأنزل اللّه عليك الكتاب والحكمة﴾ الآية، وهما القرآن
والسنّة،) تفسير الحكمة في أحد الأقوال، ومنه أخذ منع اجتهاده. وأجيب بأنه إذا اجتهد وافق
الواقع، ولا يقع منه خطأ، ويقر عليه، وينبه على أنه حق، فصار بمنزلة الوحي، (وذكر الأوزاعي)
عبد الرحمن بن عمرو، والفقيه، الثقة، الجليل، المتوفى سنة سبع وخمسين ومائة، (عن حسان بن
عطية،) المحاربي، مولاهم الدمشقي، ثقة، فقيه، عابد، مات بعد العشرين ومائة، (قال: كان
جبريل ينزل على رسول اللّه عَ﴾. بالسنة، كما ينزل عليه بالقرآن، يعلمه إياها).
أخرجه الدارمي بإسناد صحيح عنه وهو مرسل، لأن حسان بن عطية من صغار التابعين، وله
شواهد كثيرة، منها: ما أخرجه أحمد عن أبي أمامة رفعه: ((ليدخلن الجنة بشفاعة رجل من أمتي
مثل الحيين ربيعة ومضر)، فقال رجل: يا رسول اللّه، وما ربيعة من مضر؟، فقال: (إنما أقول ما
أقول»، وإسناده حسن.
وروى أبو داود وابن حبان، مرفوعًا: إلا أني أوتيت الكتاب وما يعدله، فرب شبعان على
أريكته يحدث بحديثي، فيقول بيننا وبينكم كتاب اللّه، ما كان فيه من حلال استحللناه، وما

٤٦٠
الفصل الثالث في قسمه تعالى على تصديقه عليه الصلاة والسلام
ثم أخبر تعالى عن وصف من علمه الوحي والقرءان بما يعلم أنه مضاد
الأوصاف الشياطين معلمي الضلال والغواية فقال: ﴿علمه شديد القوى﴾ وهو
جبريل، أي قواه العلمية والعملية كلها شديدة، ولا شك أن مدح المعلم مدح
للمتعلم. فلو قال: علمه جبريل ولم يصفه لم يحصل للنبي عَدُ به فضيلة ظاهرة.
وهذا نظير قوله تعالى: ﴿ذي قوة عند ذي العرش مكين﴾ [التكوير/٢٠] كما
سيأتي البحث فيه إن شاء الله تعالى.
ثم أخبر سبحانه وتعالى عن تصديق فؤاده لما رأته عيناه. وأن القلب صدق
العين، وليس كمن رأى شيئًا على خلاف ما هو به، فكذب فؤاده بصره، بل ما رآه
ببصره صدقه الفؤاد، وعلم أنه كذلك. وفي حديث الإسراء مزيد لما ذكرته هنا،
واللَّه المُؤْق والمعين.
وقال تعالى: ﴿فلا أقسم بالخنس، الجوار الكنس﴾ إلى قوله: ﴿وما هو
بقول شيطان رجيم﴾ [التكوير/١٥].
كان فيه من حرام حرمناه، ألا وإنما حرمه رسول اللّه مثل ما حرم الله، (ثم أخبر تعالى عن وصف
من علمه الوحي والقرآن بما يعلم) (بضم الياء وكسر اللام)؛ (أنه مضاد لأوصاف الشياطين
معلمي الضلال والغواية) (بفتح الغين، وفي لغة بكسرها)، على ما في المصباح، ونفاها في
القاموس، (فقال: علمه،) أي: صاحبكم (شديد القوى، وهو جبريل، أي: قواه العلمية
والعملية، كلها شديدة، ولا شك أن مدح المعلم مدح للمتعلم، فلو قال:علمه جبريل ولم
يصفه، لم يحصل للنبي عَّ به فضيلة ظاهرة،) وأيضًا فقيه الوثوق، بقول جبريل، لأن قوة
الإدراك شرط في الوثوق بقول القائل، وكذا قوة الحفظ والأمانة، فقال: ذلك ليجمع هذه
الشروط، (وهذا نظير قوله تعالى: ﴿ذي قوة عند ذي العرش مكين)) [التكوير/٢٠] الآية، (كما
((+ أتي البحث فيه إن شاء اللّه تعالى) قريبًا، (ثم أخبر سبحانه وتعالى عن تصديق فؤاده).
(لما وأنه:) أبصرته (عيناه، وأن القلب) المعبر عنه بالفؤاد (صدق العين، وليس كمن رأى شيئًا
على خلاف ما هو به، فكذب فؤاده بصره، بل ما رآه ببصره صدقه الفؤاد، وعلم أنه كذلك،
وفي حديث الإسراء مزيد لما ذكرته هنا، واللّه الموفق والمعين،) لا غيره.
(وقال تعالى: (﴿فلا أقسم بالخنس الجوار﴾) بدون ياء لجميع القراء إلا يعقوب، فأثبتها
(﴿الكنس﴾﴾ [التكوير/١٥] الآية، (إلى قوله): (﴿وما هو﴾) أي: القرآن (﴿بقول شيطان رجيم﴾)،