النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
النوع الرابع في التنويه به عَّ في الكتب السالفة
فدلائل نبوة نبينا في كتابيهما - بعد تحريفهما - طافحة، وأعلام شرائعه
ورسالته فيهما لائحة، وكيف يغني عنهم إنكارهم، وهذا اسم النبي بالسريانية
(مشفح))، فمشفح، محمد بغير شك، واعتباره أنهم يقولون ((شفحا لاها)) إذا أرادوا
أن يقولوا: الحمد لله، وإذا كان الحمد، شفحا، فمشفح: محمد، ولأن الصفات
التي أقروا بها هي وفاق لأحواله وزمانه، ومخرجه ومبعثه وشريعته عَّةِ، فليدلونا
على من هذه الصفات له، ومن خرجت له الأمم من بين يديه، وانقادت له
أي: ظاهرة، مالئة لكتابيهما من طفح الإِناء امتلاً (وأعلام شرائعه ورسالته فيهما لائحة)، فالباقي
بعد التحريف كافٍ في بيان صدقه وإظهاره رسالته عليه السلام، (وكيف يغني عنهم إنكارهم،
وهذا اسم النبي بالسريانية،) كما جزم به عياض وغيره.
(مشفح) بضم الميم وشين معجمة وفاء شديدة مفتوحتين، ثم حاء مهملة، مرفوع في
النسخ الصحيحة، وفي كثيرها مشفحًا، بالنصب على الحال، أي: جاء حال كونه مشفحًا أو
بتقدير يرى مشفحًا، لكن قال الدلجى: مشفح ممنوع الصرف للعلمية والعجمة.
وبالفاء جزم ابن دحية، وقال: أنه بوزن محمد، ومعناه: وروى، كما قال المصنف بالقاف،
وبه جزم الشمني والدلجي، وقال: القاف مفتوحة أو مكسورة، واقتصر المجد على الفتح، فقال:
مشقح، كمعظم.
قال الحافظ البرهان: لا أعرف صحته ولا معناه، أي: سواء كان بالفاء أو بالقاف، وقال
الدلجي: لا أعرف له معنى، ولعل مرادهما لا يعرفان هل معناه شافع، أو صاحب الحوض، أو
اللواء، أو نحو ذلك، فلا ينافي قول عياض وابن دحية وغيرهما.
وتبعهم المصنف بقوله: (فمشفح محمد بغير شك،) أي: معناه محمد، وهو ثابت في
كتبهم بهذا الوصف، (واعتباره) أي: دليله؛ (أنهم يقولون ((شفحا لاها)، إذا أرادوا أن يقولوا:
الحمد للّه، وإذا كان الحمد،) أي: معناه في لغتهم (شفحا، فمشفح محمد،) وقد يقال
لا يلزم من التعبير عن الحمد لله بشفحا لاها أن مشفح اسم لمحمد، لجواز أن يراد به اسم آخر،
کمحمود أو ممدوح ونحوه.
إلا أن يقال وجه الملازمة أنه إذا ثبت أن الحمد معناه الشفح، كان مصدرًا واسم المفعول
المأخوذ من الحمد مصدرًا، هو محمد، فيكون مشفح بمعنى محمد، (ولأن الصفات التي أقروا
بهاء) أي: بورودها في كتبهم (هي وفاق،) أي: مطابقة (لأحواله وزمانه ومخرجه ومبعثه
وشريعته عَّةٍ) فإن أنكروا أنه هو، (فليدلونا على من هذه الصفات له) قائمة به، فالعطف على
مقدر، وحيث عجزوا ثبت المطلوب، أن من قامت به هذه الصفات هو النبي عـ

٤٠٢
النوع الرابع في التنويه به عليّ في الكتب السالفة
واستجابت لدعوته. ومن صاحب الجمل الذي هلكت بابل وأصنامها به؟
إذ لو لم نأت بهذه الأنباء والقصص من كتبهم، لم يك فيما أودع اللَّه عز
وجل القرءان دليل على ذلك؟ وفي تركهم جحد ذلك وإنكاره - وهو يقرعهم به-
دليل على اعترافهم له؟ فإنه يقول: الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه
مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل. ويقول حكاية عن المسيح: ﴿إِني رسول الله
إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرًا برسول يأتي من بعدي اسمه
أحمد﴾ [الصف/٦]. ويقول: ﴿يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل
وتكتمون الحق وأنتم تعلمون﴾ [آل عمران/٧١]، ويقول: ﴿الذين آتيناهم
الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم﴾ [البقرة/١٤٦]، وكانوا يقولون لمخالفيهم
ولزمتهم الحجة، (ومن خرجت له الأمم،) أي: جاءت له طائعة مذعنة (من بين يديه،)
وقوله: (وانقادت له واستجابت:) أجابت (لدعوته))) بيان للمراد به، (ومن صاحب الجمل
الذي هلكت بابل:) بلد في سواد العراق، ينسب إليه السحر والخمر، (وأصنامها به إذا) وفي
نسخة على أنا (لو لم نأتٍ بهذه الأنباء:) الأخبار (والقصص من كتبهم،) وجواب لو قوله: (لم
يكٍ فيما أودع اللّه عزّ وجلّ القرءان دليل على ذلك،) وفي نسخ: ألم يكِ بهمزة الاستفهام
الإِنكاري، وعليها، فجواب لو محذوف، أي: لا يضرنا ذلك، أو كنا في غنية عنه، لكن حذف
الهمزة أولى، لأن ذكرها لا يحصل المقصود من إلزامهم الحجة.
وقد يقال: بل يحصله بضميمة قوله، (وفي تركهم جحد ذلك وإنكاره) بالنصب، (وهو
يقرعهم): يثربهم ويوبخهم (به دليل على اعترافهم له، فإنه يقول الذين يتبعون الرسول النبي الأمي،
الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل،) باسمه وصفته، (ويقول حكاية عن
المسيح)، ﴿وإذا قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من
التوراة ومبشرًا﴾) في حال تصديقي لما تقدمني من التوراة، وبتذكيري (﴿برسول يأتي من بعدي
اسمه أحمد﴾) والعامل في الحالين ما في الرسول من معنى الإرسال لا الجار، لأنه لغو إذ هو صلة
للرسول، فلا يعمل، قاله البيضاوي، (ويقول: ﴿يا أهل الكتاب لم تلبسون﴾) تخلطون (﴿الحق
بالباطل﴾) بالتحريف والتزوير، (﴿وتكتمون الحق﴾،) أي: نعت النبي عَّة. (﴿وأنتم تعلمون﴾)
أنه حق، (ويقول: ﴿الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه﴾،) أي: محمدًا عليه السلام، (﴿كما يعرفون
أبناءهم﴾) بنعته في كتبهم.
قال ابن سلام: بل معرفتي لمحمد أشد، (وكانوا يقولون لمخالفيهم عند القتال: هذا

٤٠٣
النوع الرابع في التنويه به عليه في الكتب السالفة
عند القتال: هذا نبي قد أظل مولده، ويذكرون من صفته ما يجدون في كتابهم،
فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به حسدًا وخوفًا على الرياسة.
ويحتمل أنهم كانوا يظنون أنه من بني إسرائيل، فلما بعثه اللَّه من العرب، من
نسل إسماعيل عظم ذلك عليهم، وأظهروا التكذيب، فلعنة اللَّه على الكافرين.
وقد كان عَّ يدعوهم إلى اتباعه وتصديقه، فكيف يجوز أن يحتج بباطل
من الحجج، ثم يحيل ذلك على ما عندهم وما في أيديهم، ويقول من علامة
نوتي وصدقی أنکم تجدونتي عند کم مکتوبًا وهم لا يجدونه كما ذكر؟! أوليس
ذلك مما يزيدهم عنه بعد استفهام انكاري، وقد كان غنيًا أن يدعوهم بما ينفرهم،
وأن يستميلهم بما يوحشهم. وقد أسلم من أسلم من علمائهم كعبد الله بن سلام،
نبي قد أظل،) أي: قرب (مولده، ويذكرون من صفته ما يجدون في كتابهم).
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس: أن يهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج
برسول اللّه عَ له قبل مبعثه، فلما بعثه الله من العرب كفروا به وجحدوا، ما كانوا يقولون فيه،
فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن البراء، وداود بن سلمة: يا معشر يهود اتقوا اللّه وأسلموا، فقد
كنتم تستفتحون علينا بمحمد ونحن أهل شرك، وتخبرونا بأنه مبعوث وتصفونه بصفته، فقال
سلام بن مشكم أحد بني النضير: ما جاءنا نبي نعرفه، وما هو الذي كنا نذكر لكم، فأنزل الله
﴿ولما جاءهم كتاب من عند اللّه مصدق لما معهم)، وكانوا من قبل يستفتحون على الذين
كفروا، (فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به حسدًا وخوفًا على الرياسة،) وجواب لما الأولى دل
عليه جواب الثانية، (ويحتمل أنهم كانوا يظنون أنه من بني إسرائيل، فلما بعثه اللّه من العرب
من نسل إسمعيل، عظم:) شق (ذلك عليهم وأظهروا التكذيب) بغيًا أن ينزل الله من فضله
على من يشاء من عباده، (فلعنة اللّه على الكافرين)، أي: عليهم، وأتى بالمظهر للدلالة على
أنهم لعنوا لكفرهم، فاللام للعهد، ويجوز أنها للجنس، ويدخلون فيه دخولاً أوليًا، لأن الكلام
فيهم، (وقد كان عَّ يدعوهم إلى اتباعه وتصديقه، فكيف يجوز أن يحتج بباطل من
الحجج، ثم يحيل ذلك على ما عندهم، وما في أيديهم، ويقول: من علامة نبوتي وصدقي
أنکم تجدولمي عند کم مکتوبا) باسمي وصفتي، (وهم لا یجدونہ کما ذکر) في کتبھم، (أو
ليس ذلك مما يزيدهم عنه بعد استفهام إنكاري، وقد كان غنيًا) عن (أن يدعوهم بما
ينفرهم) عن اتباعه، (و) عن (أن يستميلهم بما يوحشهم).
(وقد أسلم من أسلم من علمائهم، كعبد اللّه بن سلام،) بالتخفيف، الإسرائيلي أبي)

٤٠٤
النوع الرابع في التنويه به عَّةٍ في الكتب السالفة
وتميم الداري، وكعب، وقد وقفوا منه على مثل هذه الدعاوى.
وقد روى ابن عساكر في تاريخ دمشق من طريق محمد بن حمزة بن
يوسف بن عبد اللَّه بن سلام عن أبيه عن جده عبد الله بن سلام: أنه لما سمع
بمخرج النبي عَّه بمكة، خرج فلقيه، فقال له النبي عَّةٍ: أنت ابن سلام عالم أهل
يثرب؟ قال نعم: قال: ناشدتك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، هل تجد
يوسف حليف بني الخزرج، قيل كان اسمه الحصين، فسماه النبي عَِّ عبد الله، له أحاديث
وفضل، مات بالمدينة سنة ثلاث وأربعين، (وتميم) بن أوس بن خارجة (الداري،) أبي رقية بقاف
مصغر، صحابي مشهور سكن بيت المقدس بعد عثمن، مات سنة أربعين، (وكعب) بن مانع
الحميري، المعروف بكعب الأحبار، كان يهوديًا من أحبارهم، من أهل اليمن، وأدرك الزمن
النبوي، قيل: وأسلم فيه، وقيل: في خلافة أبي بكر، وقيل: عمر، وهو الراجح، وسكن الشام،
ومات في خلافة عثمن، وقد زاد على المائة، وفي نسخة: وكم أسلم، ومعناها التكثير، لكن
الثلاثة الذين ذكرهم قليل، فالمراد أن المسلمين من علمائهم كثير، لكن ليسوا من أضراب ابن
سلام، فلم يذكرهم، واقتصر على عظمائهم، (وقد وقفوا منه على مثل هذه الدعاوي،) واعترفوا
ثبوتها في كتبهم، (وقد روى ابن عساكر في تاريخ دمشق،) والطبراني وأبو نعيم في الدلائل،
كلهم (من طريق محمد بن حمزة بن يوسف بن عبد الله بن سلام،) صدوق، من السادسة،
ومنهم من زاد بين حمزة ويوسف محمدًا، روى له ابن ماجه (عن أبيه) حمزة بن يوسف، ويقال
أن يوسف جده، واسم أبيه محمد، مقبول من السابعة.
روى له ابن ماجه، كما في التقريب (عن جده) يوسف بن عبد الله بن سلام الإِسرائيلي،
المدني، أبي يعقوب، صحابي صغير.
وقد ذكره العجلي في ثقات التابعين، وقوله (عبد الله بن سلام أنه) يقتضي أن المراد جده
الأعلى فيكون منقطعًا لأنه لم يدركه.
وفي رواية الطبراني وأبي نعيم، عن أبيه: أن عبد الله بن سلام، وهو منقطع أيضًا، (لما
سمع بمخرج النبي عَ لي بمكة، خرج فلقيه،) ولأبي نعيم والطبراني: أنه قال لأخبار يهود: إني
أردت أن أحدث بمسجد أبينا إبراهيم عهدًا، فانطلق إلى رسول اللّه وهو بمكة، فوافاه بمنى والناس
حوله، فقام مع النبي، (فقال له النبي عَّه) لما نظر إليه: (أنت) عبد اللّه (بن سلام، عالم أهل
يثرب،) فهو من معجزاته حيث أخبره بذلك بمجرد رؤيته له، (قال: نعم، قال عَله:) إِدن، فدنا
منه كما في الطبراني وأبي نعيم، فقال: (ناشدتك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، هل
تجد صفتي في كتاب الله) التوراة، وفي رواية: أنشدك باللّه، أما تجدوني في التوراة رسول الله

٤٠٥
النوع الرابع في التنويه به عَّ في الكتب السالفة
صفتي في كتاب اللَّه؟ قال: انسب ربك يا محمد، فارتج النبي عَّ فقال له
جبريل: ﴿قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا
أحد﴾ [الإخلاص/١ - ٤]، فقال له ابن سلام: أشهد أنك رسول اللَّه، وإن اللَّه مظهرك
ومظهر دينك على الأديان، وإني لأجد صفتك في كتاب اللَّه: ﴿يا أيها النبي إنا
(قال: انسب ربك يا محمد) وفي رواية أنعت لنا ربك (فارتج) بالبناء للمفعول ومخففًا، أي:
لم ينطق (النبي عَهُ) بجواب، ويقال: ارتج بهمزة وصل وتثقيل الجيم، وبعضهم يمنعها، وربما
قيل ارتتج، وزان اقتتل بالبناء للمفعول أيضًا، كما في المصباح.
وفي رواية: فارتعد عَّه حتى خر مغشيًا عليه، (فقال له جبريل: ﴿قل هو الله أحد﴾)
خبر ثانٍ (﴿اللّه الصمد﴾) المقصود في الحوائج على الدوام، أو الذي لا جوف له، كما
للطبراني عن بريدة، وبه قال كثير من المفسرين، قال ابن عطية: كأنه بمعنى المصمت.
وقال الشعبي: هو الذي لا يأكل ولا يشرب، وفي هذا التفسير كله نظر، لأن الجسم في
غاية البعد عن صفات اللّه تعالى، فما الذي تعطينا هذه العبارات، قال: والصمد في كلام العرب
السيد الذي يصمد إليه في الأمور ويستقل بها، وأنشدوا:
ألا بكر الناعي بخير بني أسد بعمرو بن مسعود بالسيد الصمد
وبهذا نفسر هذه الآية، لأن اللّه موجود الموجودات، وإليه بصمد، وبه قوامها، ولا غنى
بنفسه إلا هو تبارك وتعالى. انتهى.
(﴿لم يلد﴾،) لأنه لم يجانس، ولم يفتقر إلى ما يعينه، أو يخلف عنه، لامتناع الحاجة
والفناء عليه، (﴿ولم يولد﴾،) لأنه لا يفتقر إلى شىء، ولا يسبقه عدم، (﴿ولم يكن له كفوا
أحد﴾،) مكافئًا ومماثلاً، فله متعلق بكفؤًا قدم عليه، لأنه محط القصد بالنفي، وأخر أحد، وهو
اسم يكن عن خبرها رعاية للفاصلة، (فقال له ابن سلام: أشهد أنك رسول اللّه، وأن اللّه
مظهرك ومظهر دينك على الأديان) كلها، بإبطال باطلها، ونسخ حقها.
وفي رواية الطبراني وأبي نعيم؛ فقال ابن سلام: أشهد أن لا إله إلا اللّه، وأنك رسول اللّه،
ثم انصرف إلى المدينة، وكتم إسلامه، وقضية هذا؛ أنه أسلم بمكة قبل الهجرة، لكن هذا حديث
ضعيف، متكلم فيه، معارض بما في البخاري؛ أن النبي عٍَّ لما هاجر أتاه ابن سلام، وقال: إني
سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي، فسأله، وأجابه النبي عَ له عن مسائله، فقال: أشهد أنك
رسول اللّه.
الحديث، وفيه قد علمت اليهود أني سيدهم وابن سيدهم، وأعلمهم وابن أعلمهم،
فسلهم عني قبل أن يعلموا بإسلامي، وأنه سألهم عنه، فاعترفوا بما قال: فلما قال لهم إني أسلمت

٤٠٦
النوع الرابع في التنويه به عبّر في الكتب السالفة
أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا﴾، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس
كذبوه، وقالوا فيه ما ليس فيه، ومن ثم لم يعرج الحافظ على رواية ابن عساكر ومن معه، هذه
بل جزم في الفتح والإصابة؛ بأنه أسلم أول ما دخل النبي عَّ المدينة، وغلط من قال: أسلم
قبل وفاة النبي عَّه بعامين.
وقد أخرج أحمد وأصحاب السنن عن عبد الله بن سلام، قال: لما قدم النبي عَّ المدينة
انجفل الناس لقدومه، فكنت فيمن انجفل، فلما تبينت وجهه، عرفت أن وجهه ليس بوجه
كذاب، فسمعته يقول: أفشوا السلام، وأطعموا الطعام ... الحديث، ومحال على من أسلم قبل
ذلك أن يشك بعد ذلك، وأنه يسأله امتحانًا ليعلم، أهو نبي أم لا؟، وقد اختلف في أن سورة
الإِخلاص مكية أو مدنية، وأخرج الترمذي والحاكم وابن خزيمة، عن أبي بن كعب أن المشركين
قالوا للنبي عَّ ◌ُله: انسب لنا ربك، فأنزل اللّه ﴿قل هو الله أحد﴾ إلى آخرها.
وأخرج الطبراني وابن جرير، مثله من حديث جابر، فاستدل به على أنها مكية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس: أن اليهود جاءت إلى النبي عَّه، منهم كعب بن
الأشرف، وحيي بن أخطب، فقالوا: يا محمد صف لنا ربك الذي بعثك، فأنزل اللَّه ﴿قل هو الله
أحد﴾، وروى ابن جرير عن قتادة، وابن المنذر عن سعيد بن جبير مثله، فاستدل بهذا على أنها
مدنية، ولابن جرير عن أبي العالية، قال: قال قادة الأحزاب: انسب لنا ربك، فأتاه جبريل بهذه
السورة، قال في اللباب: وهذا يبين المراد بالمشركين في حديث أبي، فتكون السورة مدنية، كما
دل عليه حديث ابن عباس، وينتفي التعارض بين الحديثين، لكن روى أبو الشيخ في العظمة، عن
أنس، أتت يهود خيبر إلى النبي عَ له، فقالوا: يا أبا القسم خلق اللّه الملائكة من نور الحجاب،
وآدم من حما مسنون، وإبليس من لهب النار والسماء من دخان، والأرض من زبد الماء، فأخبرنا
عن ربك، فلم يجبهم فأتاه جبريل بهذه السورة ﴿قل هو الله أحد﴾ انتهى.
نعم بقية الحديث ثابتة عن ابن سلام، علقها البخاري تلو حديث ابن عمر، والآتي،
وأخرجها الدارمي، ويعقوب بن سفين، والطيراني، وهي قوله: (وإني لأجد صفتك في كتاب
اللّه))) يعني التوراة، ففي رواية الجماعة عنه: إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرءان
(﴿يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا﴾) على أمتك بما يفعلون لهم وعليهم، مقبولاً عند اللَّه،
(﴿ومبشرًا﴾) لمن أجابك بالثواب (﴿ونذيرًا﴾،) مخوفًا لمن عصاك بالعذاب، (أنت عبدي
ورسولي، سميتك المتوكل،) أي: على اللّه، لقناعته باليسير من الرزق، واعتماده على اللّه في
السر والجهر، والصبر على انتظار الفرج، والأخذ بمحاسن الأخلاق، واليقين بتمام وعد الله،
فتوكل على الله، فسماه اللّه المتوكل، (ليس بفظ) سيء الخلق جاف.
وفيه التفات من الخطاب إلى الغيبة، إذ لو جرى على نسق الأول، لقال لست بفظ

٤٠٧
النوع الرابع في التنويه به عية في الكتب السالفة
بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة مثلها، ولكن يعفو
ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، حتى يقولوا لا إله إلا اللَّه،
ويفتح به أعينًا عميًا، وآذانًا صمًا وقلوبًا غلفًا.
وقوله: ((ليس بفظ ولا غليظ)) موافق لقوله تعالى: (﴿فبما رحمة من اللَّه لنت
لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ [آل عمران/١٥٩] ولا
(ولا غليظ:) قاسي القلب، (ولا سخاب) (بسين مهملة وخاء معجمة ثقيلة)، لغة أثبتها الفراء
وغيره بالصاد، أشهر من السين، بل ضعفها الخليل، أي: لا يرفع صوته على الناس لسوء خلقه،
ولا يكثر الصياح عليهم (في الأسواق،) بل يلين جانبه ويرفق بهم، وفيه ذم أهل السوق، الذين
يكونون بالصفة المذمومة من صخب ولغط، وزيادة مدحه لما يبيعونه، وذم لما يشترونه، والإِيمان
الحانثة، ولذا كانت شر البقاع لما يغلب على أهلها من هذه الأحوال المذمومة، وقيد بالأسواق،
والمراد نفيه عنه مطلقًا، لأنه إذا أنتفى في المحل المعتاد فيه، انتفى في غيره بالطريق الأولى،
وهو أبلغ وأفصح من الإطلاق، لأنه نفي بدلیل نحو قوله: لا ترى الضب بها ينحجر، فهو من
نفي المقيد دون قيده، (ولا يجزي بالسيئة مثلها،) أي: السيئة، (ولكن يعفو ويصفح،) يعرض ما
لم تنتهك حرمات الله، (ولن يقبضه:) يميته (الله حتى يقيم به الملة العوجاء،) ملة إبراهيم،
فإنها اعوجت في الفترة، فزيدت، ونقصت، وغيرت عن استقامتها، وأميلت بعد قوامها، وما زالت
كذلك حتى أقامها معَّةٍ بنفي الشرك وإثبات التوحيد، كما قال: (حتى يقولوا لا إله إلا اللّه،)
أي: ومحمد رسول اللّه، فالمراد كلمة التوحيد.
هكذا فسر شراح الحديث قاطبة: الملة العوجاء بملة إبراهيم، وكذا ابن الأثير في النهاية،
قائلاً: إن العرب كانوا يزعمون أنهم على ملته، وأبعد من قال؛ أنها الملة التي رآها خارجة عن
الحق، فأزال اعوجاجها، وإن لم تنسب إلى إبراهيم، كملة اليهود والنصارى، فانهم حرفوا وبدلوا،
ولم يتركوا ما نسخ من شرعهم، فجاهدهم حتى اهتدى من اهتدى، وقتل من قتل، (ويفتح به)
بالنبي.
وفي رواية البخاري بها، أي: بكلمة التوحيد (أعينًا عميًا) (بضم العين وسكون الميم صفة
لا عين، أي: عن الحق، (وآذانًا صمًا) عن استماع الحق، (وقلوبًا غلفًا) (بضم المعجمة وسكون
اللام صفة قلوبًا جمع أغلف، أي: مغطى ومغشى، (وقوله ليس بفظ ولا غليظ، موافق لقوله
تعالى ﴿فبما) زائدة، أي: فـ﴿نرحمة من اللَّه لنت لهم﴾،) أي: سهلت أخلاقك حيث خالفوك
(﴿ولو كنت فظًا غليظ القلب﴾:) جافيًا، فأغلظت لهم (﴿لانفضوا﴾) تفرقوا (﴿من حولك)

٤٠٨
النوع الرابع في التنويه به عَّ في الكتب السالفة
يعارض قوله: ﴿واغلظ عليهم﴾ [التوبة/٧٣] لأن النفي محمول على طبعه الكريم
الذي جبل عليه، والأمر محمول على المعالجة، أو النفي بالنسبة إلى المؤمنين
والأمر بالنسبة إلى الكفار والمنافقين كما هو مصرح به في نفس الآية.
و((قلوبًا غلفًا)): أي مغشاة مغطاة، واحدها: أغلف، ومنه غلاف السيف
وغيره.
وأخرج البيهقي وأبو نعيم عن أم الدرداء - أو امرأة أبي الدرداء- قالت: قلت
لكعب، كيف تجدون صفة رسول اللَّه عَّهِ في التوراة؟ قال: كنا نجده موصوفًا
فيها: محمد رسول اللَّه اسمه المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في
[آل عمران/١٥٩] (ولا يعارض) هذا (قوله) تعالى: ﴿يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين﴾
(وأغلظ عليهم)) [التوبة/٧٣]، (لأن النفي محمول على طبعه الكريم الذي جبل عليه،
والأمر محمول على المعالجة) لنفسه، على خلاف ما طبع عليه، (أو النفي بالنسبة إلى
المؤمنين، والأمر بالنسبة إلى الكفار والمنافقين، كما هو مصرح به في نفس الآية،) ذكر
الجوابين الحافظ والثاني، كما قاله شيخنا أظهر لموافقة الآية، وإن كان الأول من حيث عمومه
شاملاً لعصاة المؤمنين إذا فعلوا منكرًا، ولا سيما إذا ظهر منهم التصميم عليه، (وقلوبًا غلفًا، أي:
مغشاة مغطاة، واحدها أغلف، ومنه غلاف السيف وغيره،) والمعنى: أن قلوبهم كانت محجوبة
عن الهداية، فأزال عَّ حجابها وكشف غطاءها.
(وأخرج البيهقي وأبو نعيم، عن أم الدرداء، أو امرأة أبي الدرداء) شك من الراوي في
اللفظ الذي قاله شيخه، وإن اتحد المعنى، ولأبي الدرداء زوجتان، تکنی كل منهما بذلك،
إحداهما الكبرى واسمها خيرة بنت أبي حدود، صحابية، من فضلاء النساء وعقلائهن، وذوات
الرأي: منهن، مع العبادة والنسك، ماتت قبل زوجها بالشام في خلافة عثمن، والثانية الصغرى
اسمها هجيمة أو جهيمة، ثقة، فقيهة، ماتت سنة إحدى وثمانين، وهي التي روى لها أصحاب
الكتب الستة، لا صحبة لها ولا رؤية، وذكر في الإصابة للكبرى حديثين، سمعتهما من
النبي عَّةٍ، وكل منهما يحتمل أنها التي (قالت: قلت لكعب بن مانع الحميري، المعروف
بكعب الأحبار: (كيف تجدون صفة رسول اللّه عَّ في التوراة؟، قال: كنا نجده موصوفًا
فيها محمد رسول اللّه،) كما في القرآن، (اسمه المتوكل:) الذي يكل أمره إلى اللّه، فإذا أمره
بشىء نهض بلا جزع، وفي التنزيل: وتوكل على الله، وتوكل على الحي الذي لا يموت، (ليس
بفظ، ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق) التي هي محل السخب وارتفاع الأصوات، ففي

٤٠٩
النوع الرابع في التنويه به عَّ في الكتب السالفة
الأسواق، وأعطى المفاتيح، ليبصر الله به أعينًا عورًا، ويسمع به آذانًا صمًا، ويقيم
به ألسنة معوجة، حتى يشهدوا أن لا إله اللَّه وحده لا شريك له، يعين المظلوم
ويمنعه من أن يستضعف.
وفي البخاري: عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد اللَّه بن عمرو بن العاص،
فقلت: أخبرني عن صفة رسول اللَّه عَّه قال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة
ببعض صفته في القرءان: ﴿يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا﴾.
غيرها أولى، (وأعطي المفاتيح ليبصر اللّه به أعينًا عورًا) وهو الفاقد إحدى عينيه، ولكون
الفتح والأبصار مجازًا عن الهداية، عبر تارة بعميًا، وأخرى بعورًا: جمع أعور، صفة أعينًا،
(ويسمع به آذانا صمًا) عن سماع الحق، (ويقيم به ألسنة معوجة:) جمع لسان (حتى يشهدوا
أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له،) أي: ومحمد رسول اللّه، ففيه اكتفاء نحو سرابيل تقيكم
الحر، أي: والبرد (يعين المظلوم) على الظالم، (ويمنعه من أن يستضعف؛) بأن ينصره، بحيث
يصير فيه قوة تحمله على أن يدفع عن نفسه، (وفي البخاري) في البيوع، ثم في تفسير الفتح،
(عن عطاء بن يسار) الهلالي، أبي محمد المدني، مولى ميمونة.
ثقة، فاضل، صاحب مواعظ وعبادة، مات سنة أربع وتسعين، وقيل بعدها، روى له الستة،
(قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاصي،) الصحابي ابن الصحابي رضي اللّه عنهما، (فقلت:
أخبرني عن صفة رسول اللّه عَّله)) أي: في التوراة بدليل الجواب، فإن السؤال يعاد في
الجواب صراحة، أو ضمنًا، وهو من القواعد الأصولية، (قال) عبد الله: (أجل) (بفتح الهمزة
والجيم، وباللام حرف جواب كنعم)، فيكون تصديقًا للمحبر، وإعلامًا للمستخبر، ووعدًا
للطالب، فيقع بعد نحو قام زيد، ونحو أقام زيد، واضرب زيدًا فيكون بعد الخبر، وبعد الاستفهام
والطلب.
وقيل يختص بالخبر، وهو قول الزمخشري وابن لملك، وقيد المالقي الخبر بالمثبت،
والطلب بغير النهي.
وفي القاموس: أجل كنعم، إلا أنه أحسن منه في التصديق، ونعم أحسن منه في
الاستفهام، وهذا قاله الأخفش، كما في المعنى، وغيره قال الطيبي: أجل في الحديث جوابًا
للأمر على تأويل: قرأت التوراة هل وجدت صفة رسول اللّه فيها، فأخبرني، قال: أجل (والله إنه
لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن،) أكده بمؤكدات الخلف باللّه، والجملة
الإِسمية، ودخول أن عليها، ودخول لام التأكيد على الخبر، وإنما سأله عما في التوراة، لأنه كان
یحفظها.

٤١٠
النوع الرابع في التنويه به عَّ في الكتب السالفة
وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا
وقد روى البزار من حديث ابن لهيعة، عن وهب: أن عبد الله بن عمرو بن العاصي رأى في
المنام في إحدى يديه عسلاً، وفي الأخرى سمنًا، وهو يلعقهما، فلما أصبح ذكر ذلك
للنبى معافى
◌َّةُ، فقال: له تقرأ الكتابين التوراة والقرآن، فكان يقرؤهما، فالنهي عن قراءتها ليس على
إطلاقه لوقوعه في الزمن النبوي لكثير من الصحابة بلا إنكار، فهو مقيد بمن لم يميز المنسوخ
والمحرف منها، ويضيع وقته في الاشتغال بها، أما غيره فلا يمنع، بل قد يطب لإِلزامهم فيما
أُنکروه منها.
وقد أخرج الدارمي ويعقوب بن سفين في تاريخه، والطيراني عن عطاء بن يسار عن ابن
سلام مثله، وعلقه البخاري، قال الحافظ: ولا مانع أن يكون عطاء حمله عن كل منهما، فقد
أخرجه ابن سعد عن زيد بن أسلم، قال: بلغنا أن عبد الله بن سلام، كان يقول إنه لموصوف في
التوراة ببعض صفته في القرآن (﴿يا أيها النبي﴾) بدل من بعض، أو بيان له (﴿إنا أرسلناك
شاهدًا﴾) لأمتك المؤمنين بتصديقهم، وعلى الكافرين بتكذيبهم، وانتصاب شاهدًا على الحال
المقدر من الكاف أو من الفاعل أي: مقدرًا أو مقدرين شهادتك على من بعثت إليهم وعلى
تكذيبهم وتصديقهم، أي: مقبولاً عند اللّه لهم وعليهم، أو شاهدًا للرسل قبله بالبلاغ
(﴿ومبشرًا﴾) للمؤمنين (﴿ونذيرًا﴾،) للكافرين، أو مبشرًا للمطيعين بالجنة، ونذيرًا للعصاة بالنار،
(وحرزًا) بكسر المهملة، وإسكان الراء، ثم زاي، أي: حصنًا (للأميين،) أي: للعرب، لأن أكثرهم
لا يقرؤن ولا يكتبون، يتحصنون به عن غوائل الدهر، أو سطوة العجم وتغلبهم، فخصهم لذلك
أولاً رسالة بين أظهرهم، أو لشرفهم، أو من مطلق العذاب ما دام فيهم، وما كان اللّه ليعذبهم
وأنت فيهم، أو من عذاب الاستئصال، فلا يرد أن دعوته عامة، وجعله نفسه حرزًا، مبالغة لحفظه
لهم في الدارين، (أنت عبدي) الكامل في العبودية (ورسولي،) فقدم العبودية لشرفها، فإن له بها
مزيد اختصاص، ولذا اقتصر عليها في الإِسراء وإنزال الكتاب، وليست بالمعنى العام الذي يتصف
به كل مخلوق، بل بالخاص الذي رضيه له حتى أطلعه على حظائر قدسه، وجعله رسولاً مبلغًا
عنه، وكفاه جمیع مؤناته، فقال: أليس الله بكاف عبده، فإن الملك لا يرضى بوقوف عبده بباب
غيره، واحتياجه لسواه، وإهانة أحد له، فإنه هو الذي يؤدبه، كما قال: أدبني ربي فأحسن تأديبي،
فلذا قال: (سميتك المتوكل) دون جعلتك أو وصفتك، المنادى بشدة توكله الذي صيره علمًا
له، ففيه أشعار بشدة توكله، الساري في أمته عَّه، وخطابه بما في التوراة خطاب للحاضر في
العلم، وبالماضي في أرسلناك لتحققه، أو حكاية لما يقال في المستقبل، أو لاستحضار الآتي،
وعبر بما يعبر به عنه في الآتي: (ليس بفظ:) سيىء الخلق، جاف، (ولا غليظ:) قاسي القلب،

٤١١
النوع الرابع في التنويه به عد في الكتب السالفة
سخاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه اللَّه
حتى يقيم به الملة العوجاء، بإن يقولوا: لا إله إلا اللَّه، ويفتح به أعينًا عميًا وآذانًا
بل ملته سمحة، ولا ينافيه وقوع الغلظة اللائقة أو الواجبة أحيانًا، لأنها لا تنافي حسن الخلق، أو
المراد نفيهما، بحسب الخلقة أو في غير محلهما، وقول النسوة لعمر: أنت أفظ أغلظ من
رسول اللّه عَّله، ليس القصد به التفضيل، بل أصل الفعل، أو من قبيل العسل أحلى من الخل،
أي: غلظتك يا عمر أشد من رقته عَّله، واختاره في المصابيح، ثم يحتمل أن تكون هذه آية
أخرى في التوراة، لبيان صفته، وأن تكون حالاً من المتوكل، أو من الكاف في سميتك، ففيه
التفات من الخطاب إلى الغيبة حتى لا يواجهه بمثله، وإن كان منفيًا، (ولا سخاب) بشد الخاء
بعد السين، ويقال: بالصاد، وهو أفصح، وادعى بعض أنه روى بهما، أي: لا يرفع صوته على
الناس لسوء خلقه ولا يكثر الصياح عليهم (في الأسواق،) بل يلين جانبه ويرفق بهم، وهو من
نفي المقيد بدون قيده، ففيه دخوله عَّلِ الأسواق تواضعًا وتركًا لعادة الجبارين من الملوك، وردًا
لقول الكفرة: ما لهذا الرسول، يأكل الطعام، ويمشي في الأسواق، ويحتمل أنه من نفي القيد
والمقيد معًا، كما قال الطيبي: المراد نفي السخابية وكونه في الأسواق.
انتهى على معنى نفي اعتياد دخوله في الأسواق، كأرباب الدنيا، بل إنما يدخلها لحاجة،
فلا يشكل ما قاله بأنه خلاف الواقع والمبالغة للنسبة، كخياط أو بذي سخب، كما في: وما
ربك بظلام في أحد الوجوه أو على بابها، لثبوت أصل الخسب له في محله، كخطبة وتلبية
ونحوهما، (ولا يدفع،) هكذا الرواية في البخاري في المحلين، فنسخة: ولا يجزي تصحيف
(بالسيئة السيئة،) هو كقوله تعالى: ﴿إدفع بالتي هي أحسن السيئة﴾ [المؤمنون/٩٦]، وخلقه
القرآن.
وقد قال تعالى: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾ [الشورى/
٤٠]، ولذا قال: (ولكن يعفو:) يمحو ويزيل السيئة من ظاهره وخاطره، (ويغفر:) يستر السيئة،
ولا يلزم منه إزالتها، أو يعفو تارة، ويستر أخرى، فلا يفضح، فيقول في خطبته: ما بال أقوام
يفعلون كذا، أو هما متساويان، فالثاني تأكيد، ونقل القرطبي عن بعضهم؛ أن الغفر ستر،
لا يقع معه عقاب ولا عتاب، والعفو إنما يكون بعد عقاب أو عتاب، فإن استعمل في غيره،
فهو مجاز.
وفي نسخة: ويصفح، (ولن يقبضه:) يميته (الله)) وأصله أخذ المال واستيفاؤه، أطلق على
الموت بتشبيه الحياة والروح بالمال، كما قيل:
إذا كان رأس المال عمرك فاحترس عليه من الإنفاق في غير واجب
أو هو من استعمال المقيد في المطلق، ثم شاع حتى صار حقيقة فيه، (حتى يقيم به

٤١٢
النوع الرابع في التنويه به عَّ في الكتب السالفة
صمًا وقلوبًا غلفًا.
وعند ابن إسحق: ولا صخب في الأسواق، ولا متزين بالفحش، ولا قوال
الملة العوجاء،) ملة إبراهيم التي غيرتها العرب عن استقامتها، لأنهم ذرية إسماعيل بن إبراهيم،
وكانوا يزعمون؛ أنهم على ملته الحنيفية، والحنيف من يوحد اللّه تعالى ويعبده، لأن الحنف في
اللغة الاستقامة، قاله ابن الأثير (بأن يقولوا،) أي: أهلها: (لا إله إلا اللّه،) اقتصر عليها، وجعلها
إقامة الملة، لأن العوج الواقع عموده الشرك وعبادة الأصنام، يستقيم بها، أو أنهم يأتون بكلمة
التوحيد التي هي عبارة عن لا إله إلا الله محمد رسول اللّه، لأن الكلمتين صارتا كالكلمة
الواحدة، أو اكتفاء، كسرابيل تقيكم الحر، (ويفتح به،) أي: بالنبي، كذا وقع بتذكير الضمير هنا
تبعًا للشفاء مع عز، وكليهما للبخاري، والذي فيه في الموضعين بها، أي: كلمة التوحيد (أعينًا
عميًا) (بضم فسكون).
وفي رواية القابسي: أعين عمي بالإِضافة، ولا تنافي بين هذا وبين قوله: وما أنت بهادي
العمي عن ضلالتهم، لأنه دل إيلاء الفاعل المعنوي، حرف النفي على أن الكلام في الفاعل،
وذلك أنه تعالى نزله لحرصه على إيمانهم منزلة من يدعي استقلاله بالهداية، فقال له: أنت لست
بمستقل بها، بل إنك لتهدي إلى صراط مستقيم بإذن الله وتيسيره، وعلى هذا، فيفتح معطوف
على يقيم، أي: يقيم اللّه بواسطته الملة العوجاء؛ بأن يقولوا: لا إله إلا اللّه، ويفتح بواسطة هذه
الكلمة أعينًا عميًا، (وآذانًا صمًّا، وقلوبًا غلفًا) (بضم وسكون).
وفي رواية أبي ذر: ويفتح بها أعين عمي، وآذان صم، وقلوب غلف (بضم أوله مبني
للمفعول، ورفع أعين وآذان وقلوب على النيابة).
(وعند) محمد (بن إسحق بن يسار: بدل قوله ولا سخاب (ولا صخب) (بكسر الخاء).
صفة مشبهة تفيد المبالغة، باعتبار إفادة الثبوت هكذا في عدة نسخ صحيحة، موافقة لما عند ابن
إسحق والشفاء عنه، فلا عبرة بنسخ ولا صخاب (في الأسواق،) وعنده زيادة هي، (ولا متزين)
بزاي منقوطة من الزينة.
وروى بدال من الدين، وروى متزي بلا نون من الزي، والهيئة (بالفحش:) القبح وزنا
ومعنى فعلاً كان أو قولاً، أي: لا يتجمل، أو لا يتدين، أو لا يتلبس به، ولا يرد أن ظاهره يوهم أنه
قد يأتي به غير متجاوز، أو غير متزين به، لأنه لا مفهوم له لحرية، على عادة أرباب الفحش في
المباهاة به، أو هو استعارة تهكمية، أو التزين بمعنى الاتصاف تجريدًا، أو المراد: لا يرى الفحش
زينة، فهي مكنية، وهذا من آياته، لأنه نشأ بين قوم يتزينون بالفواحش، كالقتل والزنا والطواف
عراة، فأتى بما يخالف عادتهم، (ولا قوال) فعال صيغة مبالغة، أي: كثيرًا لقول (للخنا:) (بمعجمة

٤١٣
النوع الرابع في التنويه به عَّة في الكتب السالفة
للخنا، أسدده بكل جميل، وأهب له كل خلق كريم، ثم أجعل السكينة لباسه، والبر
شعاره، والتقوى ضميره، والحكمة معقوله، والصدق والوفاء طبيعته، والعفو
والمعروف خلقه، والعدل سيرته، والحق شريعته، والهدى إمامه، والإسلام ملته،
ونون مقصورة) قبيح الكلام، وهذا مع ما قبله يفيد أنه لا يصدر عنه من آله شىء منه قليل
ولا كثير، لأن الفحش بمعناه، أو فعال للنسبة، كتمًا رأى ليس بذي قول للخنا، ولما ذكر صفات
التخلية، بقوله: ليس بفظ، إلى هنا ذكر صفات التحلية بطريق وعد من لا يخلف وعده، مستأنفًا
لمقصد أعلى مما قبله، ولذا لم يعطفه، أو في جواب سؤال هو، فما تفعل به بعد أن صنته عن
النقائص، فقال: (اسدده) أوفقه للسداد، وهو الصواب، واقصد من القول والعمل (بكل جميل)
حسن صورة كان، أو معنى يليق به، (وأهب) (بفتحتين) أعطي (له كل خلق) (بضمتين وتسكن
اللام) السجية والطبيعة، (كريم) عزيز نفيس، (ثم اجعل) مضارع المتكلم، وهو اللّه (السكينة)
(بالفتح والتخفيف) الوقار والطمأنينة، وفيها لغة بالكسر والتشديد، حكاها في المشارق، وبها
قرىء شذا (لباسه،) أي: ما يظهر عليه من الخشوع والتثبت، فشبه المعقول بالمحسوس تقريبًا
للفهم، ومبدأ هذا الوقار يلوح للقلب في مراقبته، فلذا قال تعالى: ﴿أنزل السكينة في قلوب
المؤمنين﴾ [الفتح/٤]، فلكل وجهة، (و) اجعل (البر) الطاعة والإِحسان، أي: زيادته، والخير
والرحمة (شعاره:) لباسه الذي يلي جسده، سمي به لأنه لابس شعره وبدئه، ويقابله الدثار، وهو
ما يتغطى به، ولما كانت السكينة ظاهرة فيه عَّة في سائر أحواله، ويراها كل أحد، برًا
وفاجرًا، جعلها لباسًا، والبر والخير والرحمة، وإن لازمه أيضًا وعم أحواله إنما يقف عليه
المؤمنون بيصائرهم، جعله شعارًا، فانظر حسن موقعه مع ما قبله وما بعده أيضًا، وهو (والتقوى
ضميره،) لأن الضمير ما يضمر في القلب وينوي في الخاطر، بحيث لا ينسى، فتأمل كيف
انتقل من الظاهر للخفي، ثم الأخفى مع ما فيه من شبه اللف والنشر مع الأمور السلبية
والتقوى ما بقي العذاب في الآخرة، ولها مراتب: أولها التبري عن الكفر، والثاني: التنزه عن
كل ما يؤثم، والثالث: التنزه عما يشغل السر عن اللّه، وبهذا علم التعامها مع الضمير
(والحكمة:) كل كلام جامع لما يرشد إلى الحق، فيشمل المواعظ والأمثال لانتفاع الناس
بها، وتطلق على القرآن والعلوم الشرعية، والقضاء بالعدل، وبه فسر ادع إلى سبيل ربك
بالحكمة، (معقوله) مصدرًا واسم مفعول، فالمراد إنها تعقله وإدراكه، أو ما یعقله، کله حكم
ومواعظ وعلوم نافعة؛ لأنه لا ينطق عن الهوى، (واجعل (الصدق والوفاء طبيعته،) أي: إن اللّه
جبله أنه لا ينطلق بغير ما وافق الواقع، وإذا عاقد أحدًا أو عدلاً يخلفه، (والعفو والمعروف) ما
يعرفه ويألفه العقلاء.

٤١٤
النوع الرابع في التنويه به عَّةٍ في الكتب السالفة
وأحمد، أهدي به بعد الضلالة، وأعلم به بعد الجهالة، وأرفع به بعد الخمالة،
ولذا قيل المعروف كاسمه (خلقه،) وفي المصباح: المعروف الخير والرفق والإِحسان،
ومنه قولهم: من كان آمرًا بالمعروف فليأمر بالمعروف، أي: من أمر بخير فليأمر برفق، (والعدل:)
القصد في الأمر ضد الجور (سيرته:) طريقته الحميدة.
وفي التنزيل: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإِحسان﴾ [النحل/ ٩٠]، قال ابن عطية: العدل فعل
كل مفروض من العقائد والعبادة، وإداء الأمانات، والإنصاف والإِحسان فعل المندوب.
وفي البغوي: العدل بين العبد وربه إيثار حقه على حظ نفسه، واجتناب الزواجر، وامتثال
الأوامر، وبينه وبين نفسه منعها عما فيه هلاكها والتصبر، وبينه وبين غيره بذل النصيحة وترك
الخيانة، وإنصافهم من نفسه، والصبر على أذاهم، وجعل العدل سيرته عَه، لا ينافي أن يكون
الإحسان سيرته في محل يليق به، ولا أن يكون العفو طبيعة له أيضًا لمصلحة تليق بالمقام،
(والحق شريعته،) بنصبهما عطف على مفعول اجعل، كما هو في نسخ الشفاء الصحيحة
المقروءة، لا برفعهما لاقتضاء تعريف الطرفين الحصر، فیفهم أن شرائع غيره باطلة، ولیس کذلك،
وأن وجه؛ بأن المراد الحق الكامل الذي لا ينسخ، أو في زمانه لا غيرها لنسخها بشريعته وبغير
ذلك، لأن هذا إنما يحتاج إليه لو ثبت رواية.
(والهدى إمامه) (بكسر الهمزة)، كما ضبطه الحافظ البرهان، أي: مقتداه ومتبعه، وهو
كناية عن ملازمته له وعدم انفكاكه عنه، ويجوز أن يراد بالإمام الطريق، كما قيل في قوله: وإنهما
لبامام مبين، وضبطه بعضهم (بفتح الهمز)، بمعنى قدام، فالمراد بطريق الكناية؛ أنه ملاحظ له،
كما يقال: في ضده أنه ظهري وخلف ظهري، والهدى الدلالة بلطف، ولذا اختصت بالخير،
وقيل: تعريفه للعهد، أي: هدى الأنبياء، لقوله أولئك الذين هدى اللّه، فبهداهم اقتده، أي: ما
اتفقوا عليه من التوحيد والأصول للفروع، (والإِسلام ملته،) بنصبهما على الصحيح، أي: أنه اسم
لملته، أي: دينه خاصة دون الأمم على أحد القولين، وعلى الآخر بالعموم، لکل دین حق،
فالمراد الكامل ليكون من خصائصه التي تميز بها عن غيره وكماله بنسخ غيره، وكونه سمحًا بين
اللين والشدة، وغير ذلك.
وفي التنزيل: هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا، (واجعل (أحمد) اسمه، وبه سماه
في الكتب قبل وجوده، ومبشرًا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد، ولما ذكر صفاته الموصوف
بها في نفسه، ذكر صفاته التي لوحظ فيها غيره، جوابًا لسؤال: هل تنفع بهذا الطاهر المطهر،
الکامل في نفسه غيره؟، فقال: (أُهدی) (بفتح الهمز) مضارع هدی (به) بسببه، أو هدیه (بعد
الضلالة،) بمعنى الضلال سلوك غير الطريق الموصلة، وقيل: إنما فصله لعلو رتبة الهداية، سواء

٤١٥
النوع الرابع في التنويه به عٍَّ في الكتب السالفة
وأسمي به بعد النكرة، وأكثر به بعد القلة، وأغني به بعد العيلة، وأجمع به بعد
الفرقة، وأؤلف به بين قلوب مختلفة، وأهواء متشتتة، وأمم متفرقة، وأجعل أمته خير
كانت الإِيصال أو الدلالة الموصلة، وفيه تقوية لمدحه السابق، والمراد الهداية إلى ما به النجاة،
وإلى ما به يكمل الناجي، فلذا قال: (واعلم) (بضم الهمزة وشد اللام)، كما في المقتفي (به
بعد الجهالة) (بفتح الجيم مصدر)، كالجهل ضد العلم، وهو الاعتقاد الذي لا يطابق الواقع،
(وأرفع به بعد الخمالة) (بفتح الخاء المعجمة والميم)، أي: الخفاء، وادعى بعض أنه لا يقال
خمالة، بل خمولة.
وفي الصحاح: الخامل: الساقط الذي لا نباهة له، وقد خمل يخمل خمولاً.
وفي الجمهرة: رجل خامل الذكر بين الخمول والخمولة، وهو ضد التبيه والنابه.
وفي القاموس: خمل ذكره وصوته خمولاً: خفي، وأخمله اللّه، فهو خامل، ساقط، لا نباهة
له، جمعه خمل محركة.
وأجيب بأن ثبوت الخمالة في هذا الحديث الصحيح شاهد لصحتها، وإن كانت على غير
قياس، أو لمشاكلة الضلالة والازدواج معها، والمراد برفعه جعل الدين والتوحيد بعد ما ترك في
الفترة، لغلبة الجهل مشهورًا شائعًا، فهو مجاز، كقوله: ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾ [الانشراح/٤]،
(وأسمي): روى (بضم الهمزة وفتح السين والتشديد)، وبه ضبطه في المقتفى، وروى بضم
الهمزة وسكون السين (به) بسببه (بعد النكرة) (بضم فسكون وبفتح فكسر)، خلاف المعرفة،
وتطلق بمعنى المجهول، أي: أعرف الناس بسببه، أو بما أوحيه إليه الناس المجهولين، أو أعرفهم
ما جهلوه من التوحيد، أو أعرف الناس ما لم يعرفوه من الأنبياء وقصصهم، والأولى التعميم، كما
قيل: (وأكثر) (بضم الهمزة وسكون الكاف وكسر المثلثة مخففة وبفتح الكاف وشد المثلثة
يتعدى بالهمزة والتضعيف)، (به بعد القلة،) أي: أكثر به الأرزاق مطلقًا، أو على من اتبعه، أو
أكثر أمته بعد قلتها، أو بعد عدمها، لورود القلة بمعنى العدم، لكنه بعيد هنا، أو المراد قواعد الملة
بعد اعوجاجها، فأعاد منها ما نقص بكلمة التوحيد، وهو تكلف مستغنى عنه لتقدم معناه،
(وأغني): أعطى الغني (به بعد العيلة) (بفتح فسكون): الفقر، أي: ما كانوا عليه في الابتداء،
ففتح لهم الفتوحات والممالك، وأحل لهم الغنائم، (وأجمع به) الناس (بعد الفرقة:) الافتراق،
وتنافر القلوب، والعداوة المؤدية للحروب وترك الديار، كما كان بين الأوس والخزرج من
الحروب قبل الإِسلام، فلما جاء اللّه به ألف بين قلوبهم، وسل أحقادهم وضغائنهم، وصيرهم
أخوة، (وأؤلف:) أجمع (به بين قلوب مختلفة،) وذلك يستلزم التأليف بين الذوات، وكونه
بسبب المصطفى، لأنه السبب الظاهري، والمؤلف الحقيقي هو اللّه، فلا ينافي إسناد التأليف إليه

٤١٦
النوع الرابع في التنويه به عٍَّ في الكتب السالفة
أمة أخرجت للناس.
وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال: قدم الجارود فأسلم وقال: والذي بعثك
سبحانه في قوله تعالى: ﴿واذكروا نعمة اللّه عليكم إذ كنتم أعداء، فألف بين قلوبكم فأصبحتم
بنعمته إخوانًا﴾ [آل عمران/١٠٣]، (وأهواء:) جمع هوى، وهو ميل النفس لما تحبه وتشتهيه
(متشتتة:) متفرقة، أي: اجعل مهويهم واحدًا، متفقًا محمودًا، وإن غلب إطلاقه على المذموم،
كما قال: ولئن اتبعت أهواءهم، (وأمم:) جمع أمة، فرقة من الناس (متفرقة،) بتقديم التاء على
الفاء من التفرق، وبتقديم الفاء على التاء من الافتراق روايتان: يعني أن كل أمة كانت على دين
واعتقاد وطريقة، منهم من يعيد الأصنام، ومنهم من يعبد الكواكب، ومنهم يهودي ونصراني،
ومنهم غير ذلك، فنسخ اللّه بشرعه ◌َدُ جميع الشرائع، وجعل الدين دينًا واحدًا قيمًا، من حاد
عنه هلك وشقي في الدارين، وإن حمل قوله وأجمع به بعد الفرقة على جميع العقائد والملل
على التوحيد، أو الأعم كان ما بعده عطف تفسير له، (وأجعل أمته:) الذين أجابوه (خير أمة
أخرجت:) أوجدت وخلقت أو أخرجت من العدم (للناس).
وفي التنزيل: ﴿كنتم خير أمةٍ﴾، أي: أنه تعالى قضي بذلك وقدره أزلا، وفي عالم الذر،
وقيل: المراد كنتم مذكورين في الأمم الذين قبلكم، موصوفين بذلك لخيرية نبيكم ودينكم، أو
لما بينه، بقوله: تأمرون ... الخ.
ومر الكلام فيه، (وأخرج البيهقي عن ابن عباس، قال: قدم الجارود) بن المعلى،
ويقال: ابن عمرو بن المعلى العبدي أبو المنذر، ويقال: أبو غثان، بمعجمة ومثلثة على الأصح،
ويقال: (بمهملة وموحدة)، اسمه بشر بن خنش (بمهملة ونون مفتوحتين، ثم معجمة)، وقيل:
مطرف، وقيل: غير ذلك لقب الجارود، لأنه غزا بكر بن وائل، فاستأصلهم، قال الشاعر:
فلسناهم بالخيل من كل جانب كما جرد الجارود بكر بن وائل
وحكى ابن السكن: أن سبب تلقيبه بذلك أن إبل عبد القيس جربت، وبقيت للجارود
بقية من إبله، فتوجه بها إلى قديد بن سنان وهم أخواله، فجربت إبل أخواله، فقال: الناس جردهم
بشر، فلقب الجارود، (فأسلم).
قال ابن إسحق: وكان نصرانيًا وحسن إسلامه، وكان صلبًا على دينه، قال في الإصابة:
قدم الجارود سنة عشر في وفد عبد القيس الأخير، وسر التبي عَلَّهُ بإسلامه.
روى الطبراني عن أنس: لما قدم الجارود وافدًا على رسول اللّه عَّة، فرح به وقربه وأدناه،
وروى الطبراني أيضًا عن الجارود، قال: أتيت النبي عليه، فقلت: إن لي دينًا، فلي إن تركت
ديني ودخلت في دينك أن لا يعذبني اللّه، قال: نعم، (وقال) الجارود: (والذي بعثك بالحق

٤١٧
النوع الرابع في التنويه به عبير في الكتب السالفة
بالحق لقد وجدت صفتك في الإنجيل، ولقد بشر بك ابن البتول.
وأخرج ابن سعد قال: لما أمر إبراهيم الخليل بإخراج هاجر حمل على
البراق، فكان لا يمر إبراهيم بأرض عذبة سهلة إلا قال: أنزل ههنا يا جبريل، فيقول:
لا، حتى أتى مكة فقال جبريل: انزل يا إبراهيم، قال: حيث لا ضرع ولا زرع؟
قال: نعم ههنا يخرج النبي الذي من ذرية ابنك الذي تتم به الكلمة العليا.
لقد وجدت صفتك في الإنجيل، ولقد بشر بك ابن البتول) عيسى ابن مريم، وقتل الجارود
بأرض فارس بعقبة الطير، فصار يقال لها: عقبة الجارود، وذلك سنة إحدى وعشرين في خلافة
عمر، وقيل: قتل بنهاوند مع النعمان بن مقرن، وقيل: بقي إلى خلافة عثمن، قال أبو عمر: من
محاسن شعره:
شهدت بأن اللّه حق وشاء بي ثبات فؤادي بالشهادة والنهض
بأني حنيف حيث كنت من الأرض
فأبلغ رسول اللّه عني رسالة
فإني بكم عند الإقامة والخفض
فإن لا تكن داري سرت بي فيكم
واجعل نفسي عند كل ملمة لكم خصة من دون عرضكم عرضي
وابنه المنذر كان من رؤساء عبد القيس بالبصرة، مدحه الأعشى وغيره، وحفيده الحكم
هو الذي يقول فيه الأعشى:
يا حكم بن المنذر بن الجارود سرادق المجد عليك ممدود
أنت الجواد ابن الجواد المحمود نبت في الجود وفي بيت السجود
والعود قد ينبت في أصل العود
قال: وكان الحجاج يحسد الحكم على هذه الأبيات، (وأخرج ابن سعد، قال: لما أمر
إبراهيم الخليل بإخراج هاجر،) بالهاء، ويقال: بالألف والجيم من أرض الشام حين غارت منها
سارة زوجه، (حمل على البراق، فكان لا يمر إبرهيم بأرض عذبة،) أي: عذب ماؤها، (سهلة)
لينة، يمكن زرعها، (إلا قال: إنزل) (بصيغة المضارع وحذف همزة الاستفهام)، أي: أنزل (ههنا
يا جبريل، فيقول: لا،) ولم يزل كذلك (حتى أتى مكة،) فالغاية لمقدر، (فقال جبريل: إنزل
يا إبراهيم، قال: حيث لا ضرع) (بفتح الضاد وسكون الراء)، وهو لذات الظلف، كالثدي للمرأة،
(ولا زرع،) قال ذلك تعجبًا من أمره له، بنزوله في موضع قفر، أي: كيف أنزل في أرض لا أنيس
بها، ولا ما يتأتى به المعيشة، (قال) جبريل: (نعم: ههنا يخرج النبي الذي من ذرية ابنك)
إسماعيل، (الذي تتم به الكلمة العلياء) وهي كلمة اللّه، وفي ذلك تسلية له وترغيب بنزول تلك

٤١٨
النوع الرابع في التنويه به عَّةٍ في الكتب السالفة
وفي التوراة - مما اختاروه بعد الحذف والتحريف والتبديل، مما ذكره ابن
ظفر في ((البشر)) وابن قتيبة في (أعلام النبوة)) -: تجلى اللَّه من سينا، وأشرق من
ساعير، واستعلن من جبال فاران.
فسینا هو الجبل الذي كلم الله فيه موسى.
و((ساعير)) هو الجبل الذي كلم اللَّه فيه عيسى، فظهرت فيه نبوته.
وجبال ((فاران)) وهو اسم عبراني - وليست ألفه الأولى همزة - هي جبال بني
هاشم التي كان رسول اللَّه عَّلم يتحنث في أحدها وفيه فاتحة الوحي، وهو أحد
ثلاثة جبال، أحدها: أبو قبيس، والمقابل له قعيقعان إلى بطن الوادي، والثالث:
الأرض، (وفي التوراة مما اختاروه،) أي: العلماء (بعد الحذف والتحريف والتبديل،) الواقع
من اليهود، يحرفون الكلم عن مواضعه، (مما ذكره) العلامة محمد (بن ظفر) (بفتح الظاء
المعجمة والفاء) (في) كتاب (البشر) (بكسر ففتح) بخير البشر (بفتحتين)، (وابن قتيبة في)
كتاب (أعلام النبوة تجلى:) ظهر (اللّه من سيناء) بالقصر جبل بالشام.
كذا في القاموس: (وأشرق) (بالقاف) (من ساعير).
قال ابن ظفر: كناية عن ظهور أنوار كلامه، (واستعلن من جبال فاران) (بناء فألف فراء
فألف فنون).
قال ابن ظفر: أي: ظهر أمره وكتابه وتوحيده وحمده، وما شرعه رسوله من الأذان
والتلبية، (فسينا هو الجبل الذي كلم الله فيه موسى،) واصطفاه وأرسله، (وساعير هو الجبل
الذي كلم اللّه فيه عيسى،) بمعنى أنزل عليه الإِنجيل ونبأه فيه، كما يأتي عن ابن قتيبة، لا أنه
كلمه فيه، ككلامه لموسى في الجبل، كما يوهمه هذا الكلام وعبارة البشر، وساعير جبل
بالشام، منه ظهرت نبوة المسيح، وإليه يشير قوله: (فظهرت فيه نبوته، وجبال فاران،) الإضافة
من إضافة الكل إلى الجزء، كأن هذه الجبال اشتهرت بذلك، وإلا فلا معنى للإضافة هنا، مع أن
فاران أحدها، (وهو اسم عبراني) (بكسر العين المهملة) نسبة إلى العبرانية، وهي لغة اليهود،
(وليست ألفه الأولى،) التالية للفاء (همزة، هي جبال بني هاشم التي كان رسول اللّه عليه.
يتحنث) (بفتح التحتية والفوقية والحاء المهملة والنون الثقيلة ثم مثلثة، يتعبد الليالي ذوات العدد
(في أحدها، وفيه فاتحة الوحي:) ابتداء إنزاله عليه، فهو جبل حراء، (وهو أحد ثلاثة جبال،
أحدها أبو قبيس) (بضم القاف وفتح الباء) (والمقابل له قعيقعان:) (بقافين بعد كل عين مهملة،
وبعد الأولى تحتية، آخره نون بعد ألف) بصيغة التصغير، جبل يشرف على الحرم من جهة

٤١٩
النوع الرابع في التنويه به عَّ في الكتب السالفة
الشرقي فاران، ومنفتحه الذي يلي قعيقعان إلى بطن الوادي، وهو شعب بني
هاشم، وفيه مولده عَّةٍ على أحد الأقوال.
قال ابن قتيبة: وليس بهذا غموض، لأن تجلي اللَّه من سينا، إنزاله التوراة
على موسى بطور سيناء، ويجب أن يكون إشراقه من ((ساعير)) إنزاله على المسيح
الإنجيل، وكان المسيح يسكن من ساعير أرض الخليل، بقرية تدعى ناصرة،
وباسمها تسمى من اتبعه نصارى، فكما وجب أن يكون إشراقه من ساعير إنزاله
على المسيح الإنجيل فكذلك يجب أن يكون استعلانه من جبال فاران إنزاله
القرءان على محمد عَّله، وهي جبال مكة، وليس بين المسلمين وأهل الكتاب في
الغرب (إلى بطن الوادي، والثالث: الشرقي فاران،) المعروف بحراء، (ومنفتحه) بميم فنون
ففاء ففوقية فمهملة فهاء، أي: المحل الذي يصعد منه إليه، ويهبط (الذي يلي قعيقعان إلى
بطن الوادي، وهو شعب بني هاشم، وفيه مولده عٍَّ على أحد الأقوال،) والثاني: بردم بني
جمح بمكة، والثالث: بزقاق المدكك بمكة، والرابع: وهو شاذ، أنه ولد بعسفان، والصحيح الذي
عليه الجمهور؛ أنه ولد بمكة، واختلف في عين المحل على الأقوال الثلاثة، (قال ابن قتيبة:
وليس بهذا غموض) (بمعجمتين أوله وآخره)، أي: خفاء، (لأن تجلي اللّه من سينا إنزاله
التوراة على موسى بطور سيناء) قال: في الأنوار جبل موسى بين مصر وأيلة، وقيل: بفلسطين،
وقد يقال له طور سيتين، ولا يخلو أن يكون الطور اسمًا للجبل، وسينا اسم بقعة أضيف إليها، أو
المركب منهما علم له، كامرىء القيس، ومنع صرفه للتعريف والعجمة، أو التأنيث على تأويل
البقعة لا للألف، لأنه فيعال، كديماس من السنا بالمد، وهو الرفعة، وبالقصر، وهو النور، (ويجب
أن يكون إشراقه من ساعير إنزاله على المسيح الإنجيل، وكان المسيح يسكن من ساعير
أرض الخليل) إبراهيم، (بقرية تدعى:) تسمى (ناصرة،) وبها ولد على ما في البشر، (باسمها
تسمى من اتبعه نصارى:) جمع نصران، كندامي: جمع ندمان، (فكما وجب أن يكون إشراقه
من ساعير إنزاله على المسيح) الإنجيل والنبوة، (فكذلك يجب أن يكون استعلانه من جبال
فاران إنزاله القرآن على محمد عَّةٍ، وهي جبال مكة) الثلاثة المتقدمة، (وليس بين
المسلمين وأهل الكتاب في ذلك اختلاف في أن فاران هي مكة) بدل من قوله في ذلك
لبيان اسم الإِشارة، لكن هذا يخالف ما قدمه أن فاران ليس مكة، بل جيل من جبالها إلا أن يقال
هو اسم للجبل، وسميت مكة باسمه لقربها منه، وفي البشر، وفاران هي مكة، لا يخالف في
ذلك أحد من أهل الكتاب، وفي التوراة: وربي، أي: إسمعيل في برية فاران، فمكة هي منشأ

٤٢٠
النوع الرابع في التنويه به عَّة في الكتب السالفة
ذلك اختلاف في أن فاران هي مكة.
وإن أدعي أنها غير مكة قلنا: أليس في التوراة: إن اللَّه أسكن هاجر وإسماعيل
فاران؟ وقلنا: دلونا على الموضع الذي استعلن اللّه منه واسمه فاران، والنبي الذي
أنزل عليه كتاب بعد المسيح، أوليس (استعلن)) و((على)) بمعنى واحد، وهو ما ظهر
وانكشف. فهل تعلمون دينًا ظهر ظهور الإسلام، وفشا في مشارق الأرض ومغاربها
فشوه.
وفي التوراة أيضًا - مما ذكره ابن ظفر - خطابًا لموسى، والمراد به الذین
اختارهم لميقات ربه الذين أخذتهم الرجفة خصوصًا، ثم بني إسرائيل عمومًا: واللّه
ربك يقيم نبيًا من إخوتك، فاستمع له كالذي سمعت ربك في حوريت يوم
الاجتماع حين قلت لا أعود أسمع صوت اللَّه ربي لئلا أموت، فقال اللَّه تعالى:
إسماعيل وحيث ربي، وفي جبال فاران أوحى الله إلى محمد عَةٍ، (وإن ادعى،) عن معاند (إنها
غير مكة، قلنا: أليس فى التوراة إن اللّه أسكن هاجر وإسمعيل فاران،) فإن قالوا: بلى، طلبنا
منهم تعيين ذلك المحل، (وقلنا) لهم: (دلونا على الموضع الذي استعلن اللّه،) أي: أظهر
النبوة (منه، واسمه فاران، والنبي الذي أنزل عليه كتاب بعد المسيح) ابن مريم، (أو ليس
استعلن وعلن بمعنی واحد،) وسین الأول للتأکید، (وهو ما ظھر وانکشف، فهل تعلمون دیئًا
ظهر ظهور الإِسلام، وفشا في مشارق الأرض ومغاربها فشوه،) أي: انتشر واتسع، وبهذا غاير:
ظهر، (وفي التوراة أيضًا مما ذكره ابن ظفر) في الصنف الذي لا ينكر أهل الكتاب مجيئه في
التوراة، (خطابًا لموسى، والمراد به،) أي: الخطاب، (الذين اختارهم) موسى ممن لم يعبد
العجل (لميقات ربه) بأمره، أي: للوقت الذي وعده بإتيانهم فيه ليعتذروا من عبادة أصحابهم
العجل، (الذين أخذتهم الرجفة:) الزلزلة الشديدة.
قال ابن عباس: لأنهم لم يزالوا قومهم حين عبدوا العجل، قال: وهم غير الذين
سألوا الرؤية وأخذتهم الصاعقة (خصوصًا، ثم) خاطب (بني إسرائيل عمومًا، واللّه ربك يقيم
نبيًا من أخوتك، فاستمع له) ما يخاطبه قومه تعنتًا، كما قال تعالى إخبارًا عنهم: ﴿وقال الذين
لا يعلمون لولا يكلمنا اللّه أو تأتينا آية﴾ [البقرة/١١٨]، أي: هلا يكلمنا كما يكلم الملائكة،
أو يوحي إلينا أنك رسوله، أو تأتينا آية حجة على صدقه، والأول استكبار، والثاني جحود، كما
في الأنوار، فهو تسلية لموسى عليه السلام، (كالذي سمعت ربك في حوريث) (بحاء مهملة
أوله وفوقیة آخره).
قال في القاموس: موضع ولا نظير لها، أي: لهذه الكلمة (يوم الاجتماع حين قلت لا أعود