النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
النوع الثالث في وصفه تعالى له بالشهادة وشهادته له بالرسالة
بابن مريم لأنه ليس بيني وبينه نبي)) وهذا فيه رد على من زعم أنه بعث بعد
عيسى نبي يقال له: خالد بن سنان، كما حكاه القاضي وغيره.
والمقصود: أن اللَّه بعث محمدًا على فترة من الرسل وطموس من السبل
وتغير الأديان، وكثرة عبادة الأوثان والنيران والصلبان، فكانت النعمة به أتم والنفع به
أعم.
وفي حديث عند الإمام أحمد مرفوعًا: (إن اللَّه نظر إلى أهل الأرض فمقتهم
عجمهم وعربهم إلا بقايا من بني إسرائيل وفي لفظ مسلم ((من أهل الكتاب)) فكان
المهملة) الضرائر، وأصله أن من تزوج امرأة، ثم أخرى، كأنه عل منها بعدما كان ناهلاً من
الأخرى، والعلل الشرب بعد الشرب، وأولاد العلات الأخوة من الأب وأمهاتهم شتى، فقوله
أمهاتهم الخ، من باب التفسير كقوله تعالى: ﴿إن الإنسان خلق هلوعًا إذا مسه الشر جزوعًا وإذا
مسه الخير منوعًا﴾ [المعارج/١٩]، ومعنى الحديث أن أصل دينهم واحد، وهو التوحيد، وإن
اختلفت فروع الشرائع، وقيل: المراد أن أزمنتهم مختلفة.
(وهذا فيه رد على من زعم أنه بعث بعد عيسى نبي، يقال له خالد بن سنان) العبسي،
(كما حكاه القاضي) عياض، وفي نسخة: القضاعي (وغيره).
وفي فتح الباري: استدل به على أنه لم يبعث بعد عيسى أحد إلا نبينا معَّةٍ، وفيه نظر،
لأنه ورد أن الرسل الثلاثة الذين أرسلوا إلى أصحاب القرية، المذكورة قصتهم في سورة يس
كانوا من أتباع عيسى، وإن جرجيس وخالد بن سنان كانا نبيين وكانا بعد عيسى، والجواب أن
هذا الحديث يضعف ما ورد من ذلك، فإنه صحيح بلا تردد، وفي غيره مقال، أو المراد أنه لم
يبعث بعد عيسى نبي بشريعة مستقلة، وإنما بعث بعده بتقرير شريعة عيسى.
(والمقصود أن اللَّه بعث محمدًا على فترة من الرسل، وطموس:) مصدر طمس،
محى ودرس (من السبل،) أي: ذهاب الشرائع وعدم العلم بشىء منها، (وتغير الأديان،)
بتحريف ما يدل عليها وتبديله، (وكثرة عبادة الأوثان والنيران والصلبان:) جمع صليب
للنصارى، (فكانت النعمة به أتم، والنفع به أعم).
(وفي حديث عند الإمام أحمد، مرفوعًا: إن اللّه نظر إلى أهل الأرض) نظر غضب،
(فمقتهم،) أبغضهم أشد البغض، لقبح ما ارتكبوه، والمراد من هذا ونحوه غايته (عجمهم)
(بفتحتين)، وفي لغة بضم فسكون، خلاف العرب، (وعربهم إلا بقايا من بني إسرائيل) فلم
يمقتهم لتمسكهم بالحق. (وفي لفظ مسلم: من أهل الكتاب،) بدل قوله من بني إسرائيل،
ومعناهما واحدًا، (فكان الدين قد التبس على أهل الأرض كلهم، حتى بعث الله محمدًا

٣٨٢
النوع الثالث في وصفه تعالى له بالشهادة وشهادته له بالرسالة
الدين قد التبس على أهل الأرض كلهم، حتى بعث اللَّه محمدًا عَُّله فهدى به
الخلائق، وأخرجهم اللَّه به من الظلمات إلى النور، وتركهم على المحجة البيضاء،
والشريعة الغراء، صلوات اللَّه وسلامه عليه.
وقال تعالى: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص
عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾ [التوبة/١٢٨].
◌َّة، فهدى به الخلائق وأخرجهم اللَّه به من الظلمات) الكفر (إلى النور:) الإيمان (وتركهم
على المحجة) (بفتح الميم) (البيضاء،) أي: الطريقة الواضحة بنيانه لهم الحق من الباطل،
(والشريعة الغراء، صلوات الله وسلامه عليه).
قال الإمام الرازي: كان العالم مملوء من الكفر والضلال، أما اليهود، فكانوا في المذاهب
الباطلة من التشبيه والافتراء على الأنبياء وتحريف التوراة، وأما النصارى، فقالوا بالتثليث، والابن
والأب والحلول والاتحاد، وأما المجوس، فأثبتوا الهين، وأما العرب، فانهمكوا في عبادة الأصنام
والفساد في الأرض، فلما بعث عَّ انقلبت الدنيا من الباطل إلى الحق، ومن الظلمة إلى النور،
وانطلقت الألسنة بتوحيد اللَّه، فاستنارت العقول بمعرفة اللَّه، ورجع الخلق من حب الدنيا إلى
حب المولى. انتھی.
(وقال تعالى: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾) (بضم الفاء)، في قراءة الجمهور،
أي: منكم، وقرىء شاذًا (بفتح الفاء) أي: من خياركم وأشرفكم.
وأخرج ابن مردويه عن أنس، قال: قرأ النبي عَّه: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾
(بفتح الفاء)، وقال: (أنا أنفسكم نسبًا وصهرًا وحسبًا، ليس في آبائي من لدن آدم سفاح، كلنا
نکاح)، (عزیز) شدید (علیه ما عنتم، حریص علیکم) أن تهتدوا (بالمؤمنين، رؤوف) شديد
الرحمة (رحيم،) يريد لهم الخير والرأفة مع الرحمة حيث وقعت مقدمة لا للفاصلة، كما قال
البيضاوي ومن تبعه لوقوعه كذلك في غير الفواصل.
قال تعالى: ﴿وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة﴾ [الحديد/٢٧]، بل لأن أصل
معنى الرأفة التلطف والشفقة، كما صرح به القرطبي في شرح الأسماء، فقال: قال اللَّه تعالى:
﴿وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه﴾ الآية، حيث ذكر الوصفان، قدم الرؤوف على الرحيم في
الذكر، وسببه أن الرحمة في الشاهد إنما تحصل بمعنى المرحوم من فاقته وضعفه وحاجته، والرأفة
تطلق عندنا على ما يحصل الرحمة من شفقة على المرحوم.
وقال المشايخ: الرؤوف المتعطف، والذي جاد بلطفه ومن بعطفه. انتهى، (أي: عزيز
عليه عنتكم، أي: إثمكم بالشرك والمعاصي) بيان للمراد بالعنت، وإلا فهو لغة المشقة

٣٨٣
النوع الثالث في وصفه تعالى له بالشهادة وشهادته له بالرسالة
أي: عزيز عليه عنتكم، أي إثمكم بالشرك والمعاصي. قال الحسن: عزيز
عليه أن تدخلوا النار، حريص عليكم أن تدخلوا الجنة، ومن حرصه عَ ليه علينا أنه
لم يخاطبنا بما يريد إبلاغه إلينا، وفهمنا إياه على قدر منزلته، بل على قدر منزلتنا،
وإلى هذا أشار صاحب البردة بقوله:
لم يمتحنا بما تعيا العقول به حرصًا علينا فلم نرتب ولم نهم
أي لم نتحير ولم نشك فيما ألقاه إلينا. وقال تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا
رحمة للعالمين﴾ [الأنبياء/١٠٧]، ولا رحمة مع التكليف بما لا يفهم.
ومن حرصه عليه السلام على هدايتنا أنه كان كثيرًا ما يضرب المثل
بالمحسوس ليحصل الفهم، وهذه سنة القرءان، ومن تتبع الكتاب والسنة رأى من
والخطأ، (قال الحسن) البصري: (عزيز عليه أن تدخلوا النار،) من عزا إذا صعب وشق، قال
الشاعر:
يعز علينا أن نفارق من نهوى
(حريص عليكم أن تدخلوا الجنة،) والحرص فرط الشدة، أو الشح على الشىء أن
يضيع، والمراد هنا شدة الطلب لما يريده ويحبه، (ومن حرصه عَّ علينا) على الرفق بنا (أنه
لم يخاطبنا بما يريد إبلاغه إلينا، و) يريد (فهمنا إياه على قدر منزلته) بأن يأتي بالألفاظ
المتناهية في البلاغة والقرابة خشية عدم فهمنا للمراد منهما، (بل على قدر منزلتتا) بالألفاظ
المتداولة بين الناس، وإن نزلت في الرتبة عن غيرها ليسهل فهمها علينا، ويتضح المراد منها.
(وإلى هذا أشار صاحب البردة بقوله: لم يمتحنا،) لم يبتلنا (بما،) أي: بخطاب، (تعيا
العقول،) أي: تقصر عن فهمه لغموضه، فلا نهتدي إلى المراد (به، حرصًا علينا) أن لا نضل،
(فلم نرتب ولم نهم، أي: لم نتحير) تفسير لنرتب، (ولم نشك فيما ألقاه إلينا،) بل
تحققناه لسهولته، (وقال تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة﴾) أي: للرحمة، (﴿للعالمين))
[الأنبياء/١٠٧]، الإنس والجن وغيرهم، (ولا رحمة مع التكليف بما لا يفهم،) بل هو عقاب.
(ومن حرصه عليه السلام على هدايتنا أنه كان كثيرًا ما يضرب المثل بالمحسوس،
ليحصل الفهم) كقوله: ((لأن يهدي اللَّه بك رجلاً واحدًا خير من أن يكون لك حمر النعم)».
(وهذه سنة القرآن،) عادته المستمرة أن اللَّه لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما، (ومن تتبع
الكتاب والسنة رأى من ذلك العجب العجاب،) البالغ فيما يتعجب منه، لاشتماله على الأشياء
البالغة في زيادة البيان والإيضاح والرفق بالمؤمنين، (ولما ساوى سبحانه وتعالى بين الناس،)

٣٨٤
النوع الثالث في وصفه تعالى له بالشهادة وشهادته له بالرسالة
ذلك العجب العجاب، ولما ساوى اللَّه سبحانه وتعالى بين الناس في حرص رسوله
عليه السلام على إسلامهم، خص المؤمنين برأفته ورحمته لهم.
وقال: ﴿من أنفسكم﴾ ولم يقل: من أرواحكم، فقيل يحتمل أن يكون
مراده: أنه منا بجسده المنفس، لا بروحه المقدس، ويرحم الله القائل:
إذا رمت مدح المصطفى شغفًا به تبلد ذهني هيبة لمقامه
فأقطع ليلي ساهر الجفن مطرقًا هوى فيه أحلى من لذيذ منامه
رؤف رحيم في سياق كلامه
إذا قال فيه الله جل جلاله
فمن ذا يجاري الوحي والوحي معجز بمختلفيه نثره ونظامه
مؤمنهم وكافرهم، (في حرص رسوله عليه السلام على إسلامهم، خص المؤمنين برأفته
ورحمته لهم،) المستفادة من التقديم، كأنه قيل بالمؤمنين لا بغيرهم.
(وقال: ﴿من أنفسكم﴾ ولم يقل من أرواحكم، فقيل: يحتمل أن يكون مراده) على
مغايرة النفس للروح؛ (أنه منا بجسده المنفس،) (بالتشديد) للمبالغة، أي: المكرم، ولرعاية (لا
بروحه المقدس،) المطهر، وإن كان أصل المنفس (بالتخفيف)، (ويرحم الله القائل: إذا
رمت:) قصدت (مدح المصطفى شغفًا:) ولوعًا (به،) ومحبة له (تبلد) من البلادة: عدم الذكاء
والفطنة، أي: انكسرت حدة (ذهني،) وبرد عن الأوصاف اللائقة بمقامه.
وفي نسخة: تبدد، أي: تفرق، (هيبة لمقامه،) لأني أرى الأوصاف قاصرة عنه، فيعلوني
الخجل عند إرادة مدحه، (فأقطع ليلي ساهر الجفن،) أي: جنسه (مطرقًا) (بكسر الراء
وفتحها) (هوى) القصر، أي: ميلاً، (فيه أحلى من لذيذ منامه)) إذ السهر في هوى المحبوب
ألذ، (إذا قال فيه الله جل جلاله: رؤوف رحيم،) وهما من أسمائه (في سياق كلامه») ومعنى
إذا الظرفية المجردة لا الشرط، لأن القول تحقق من اللَّه، فلا يليق جعله مستقبلاً، ويجوز أن إذا
منون، أي: لأجل هذا، (فمن ذا يجاري:) يأتي بما يشابه (الوحي) بثنائه على المصطفى نثرًا، أو
نظمًا، (والوحي معجز بمختلفيه،) (بالفاء متعلق بيجاري) (نثره ونظامه،) أي: نظمه، والمعنى أن
الوحي معجز للكلام نثرًا كان، أو نظمًا، فلا يمكن مشابهته لأحد.
(تنبيه): إيقاظ وتبيين، (وأما قول القاضي عياض بعد ذكره الآية) ﴿لقد جاءكم﴾ في.
الشفاء، بما لفظه: أعلم اللَّه تعالى المؤمنين، أو العرب، أو أهل مكة، أو جميع الناس على
اختلاف المفسرين من المواجه بهذا الخطاب؛ أنه بعث فيهم رسولاً من أنفسهم، يعرفونه
ويتحققون مكانته، ويعلمون صدقه وأمانته، ولا يتهمونه بالكذب، وترك النصيحة لهم لكونه منهم،

٣٨٥
النوع الثالث في وصفه تعالى له بالشهادة وشهادته له بالرسالة
تنبيه: وأما قول القاضي عياض بعد ذكره الآية:
(ثم وصفه بعدُ بأوصاف حميدة، وأثنى عليه بمحامد كثيرة، من حرصه على
هدايتهم، ورشدهم وإسلامهم، وشدة ما يعنتهم ويضربهم في دنياهم وأخراهم،
وأنه لم يكن في العرب قبيلة إلا ولها على رسول اللَّه عَليه ولادة، أو قرابة، وكونه من أنفسهم
وأرفعهم وأفضلهم على قراءة الفتح، (ثم وصفه بعد،) أي: بعد الإعلام المذكور، (بأوصاف
حميدة،) أي: محمودة عند اللَّه والناس، أو حامدة على التجوز في النسبة، (وأثنى عليه
بمحامد:) جمع محمدة (كثيرة،) والثناء بها، لا يغاير الوصف بصفات حميدة، ولا يعاب مثله
في مقام الخطابة، مع أنه لما كانت أوصاف جمع قلة، عقبه بجمع الكثرة دفعًا للإِيهام، والأول
مطابق لظاهر الآية، والثاني لما تضمنته مما لا يحصى، (من حرصه) بيان لما قبله من
الأوصاف وما بعده، أي: من فرط شدته (على هدايتهم،) أي: دلالتهم، والمراد طلب تأثيرها لا
مجردها، (ورشدهم،) أي: صلاحهم ظاهرًا وباطنًا، ليغاير الهداية، كما يقتضيه ظاهر العطف، فلا
يفسر بضد الغي، لأنه الهداية، (وإسلامهم) مغاير لما قبله، فلذا عطف بالواو، وجعل ذلك كله
متعلق الحرص، لدلالة السياق عليه ولقوله: ﴿إن تحرص على هداهم﴾ [النحل/٣٧]، فالقرآن
يفسر بعضه بعضًا، والحرص لا يتعلق بالذوات، فإن قيل: لم قدم عياض هذه الصفة، وهي
حريص عليكم مع تأخرها في الآية، أجيب: بأنه لما كانت العزة منشأ لحرصه قدمت في الآية
على وفق الواقع لبيان حاله في ابتداء أمره، فلما حكاه عياض بيانًا لمحامده، قدم المقصود
بالذات الذي هو الحمد، أو لأن المقام مقام مدح، وهو في الحرص أتم وأكمل، وسياق الآية
للامتنان، وهو كونه يعز عليه حالهم، فأشار إلى تفاوت المقامين، ولا يرد أن المنة في الحرص
أتم، لأن مسلك الآية على الترقي، وما هنا بخلافه للتفتن.
(وشدة ما يعنتهم))) روي بسكون العين وخفة النون من الإعنات، قال الله تعالى: ﴿ولو
شاء اللَّه لأعنتكم﴾، وروي بفتح العين وتثقيل النون، وهما لغتان، أعنت وعنت، بمعنى المشقة
والوقوع فيها، ويجيء بمعنى الإثم والفساد والهلاك.
(ويضربهم) (بفتح الياء وضم الضاد)، وروي بضم الياء وكسر الضاد، مضارع أضر، لأنه
يقال: ضره وأضر به، ومعناهما أوقعه في الضرر، (في دنياهم وأخراهم،) الدنيا تقال في مقابل
آخره، وأخرى، كما عبر به، (وعزته عليه) عطف تفسير على شدة، كقوله: ﴿إنما أشكو بثي
وحزني﴾ [يوسف/٨٦]، وكان المناسب لعطف التفسير تأخير الأشهر الأظهر، فيقول عزته
وشدته، لكنه عكس للمبادرة، للمراد حتى يسلم السامع من عنت الانتظار، ولا حاجة لجعل
الشدة غير العزة للتنازع في عليه، فإن التفسير لا ينافي التنازع، وبقية كلام عياض: ورأفته ورحمته

٣٨٦
النوع الثالث في وصفه تعالى له بالشهادة وشهادته له بالرسالة
وعزته عليه .. )).
فهو وإن كان المقصد منه صحيحًا، ففي ظاهره شىء، لأنه يوهم أن قوله
(وشدة ما يعنتهم) معطوف على متعلق المصدر الذي هو ((الحرص)) فيكون
مخفوضًا به.
ومما يقوي هذا التوهم قوة إعطاء الكلام، أن الضمير الأول من قوله ((وعزته
عليه)) عائد على النبي عَّه، والضمير الثاني عائد على اللَّه تعالى، فلا تبقى
(الشدة)) إلا أن تكون معطوفة على متعلق المصدر. ولا يخفى ما في هذا.
وقد تأوله بعض العلماء على حذف مضاف أي: وكراهة شدة ما يعنتهم،
ونحو ذك من المضافات.
والأولى - أو الصواب، إن شاء اللَّه تعالى - أن تكون ((الشدة)) معطوفة على
بمؤمنیهم.
(فهو وإن كان المقصد منه صحيحًا، ففي ظاهره شىء، لأنه يوهم أن قوله وشدة ما
يعنتهم، معطوف على متعلق المصدر الذي هو الحرص،) بيان للمصدر، ومتعلقه قوله على
هدايتهم، (فيكون مخفوضًا به،) فيصير المعنى من حرصه على شدة ما يعنتهم، وهذا فاسد.
(ومما يقوي هذا التوهم قوة إعطاء الكلام؛ أن الضمير الأول من قوله: وعزته عليه
عائد على النبي عَّةٍ، والضمير الثاني عائد على اللَّه تعالى، فلا تبقى الشدة إلا أن تكون
معطوفة على متعلق المصدر،) أي: قوله على هدايتهم، (ولا يخفى ما في هذا) من الفساد
الموهم خلاف المراد، (وقد تأوله بعض العلماء على حذف مضاف) مجرور، معطوف على
الحرص المجرور بمن، (أي: وكراهة شدة ما يعنتهم، ونحو ذلك من المضافات) المصححة
للمراد.
قال في النسيم: لا حاجة إلى تقدير، لأن معنى شدته عليه إنه صعب شاق عليه، فيراد به
أنه مكروه تأباه نفسه، فالمعنى من حرصه على هدايتهم، ومن كراهته لما يضرهم، وصاحب
المواهب لم يخف عليه العطف، ولكن أوقعه التقدير فيما وقع فيه. انتهى.
وكأنه لم ير بقية الكلام وهو قوله: (والأولى) من تأويله على حذف مضاف، (أو
الصواب) على إبقائه على ظاهره، (إن شاء اللَّه تعالى أن تكون الشدة معطوفة على نفس
المصدر الذي هو الحرص،) وكان هذا أولى من تقدير المضاف لما فيه من الاحتياج لتقدير
الأصل عدمه، (ويكون قوله عزته معطوفًا على وشدة، والضمير فيه راجع إلى الموصول،

٣٨٧
النوع الثالث في وصفه تعالى له بالشهادة وشهادته له بالرسالة
نفس المصدر الذي هو ((الحرص)) ويكون قوله ((وعزته)) معطوفًا على ((وشدة))
والضمير فيه راجع إلى الموصول وهو ((ما) في قوله ((ما يعنتهم)) والهاء الثانية في
بلدٍ. انتهى.
(عليه)) عائدة على النبي عـ
وقال تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ [الأنبياء/١٠٧].
يجوز أن يكون ((رحمة)) مفعولاً له، أي لأجل الرحمة، ويجوز أن ينصب
على الحال مبالغة في أن جعله نفس الرحمة، وإما على حذف مضاف أي: ذا
رحمة، أو بمعنى: راحم. قاله السمين.
قال أبو بكربن طاهر - فيما حكاه القاضي عياض -: زين اللَّه تعالى
وهو ما في قوله ما يعنتهم،) أي: الذي، (والهاء الثانية في عليه عائدة على النبي معَّه ..
انتھی).
والمعنى وصفه وأثنى عليه بمحامد من شدة الذي يعنتهم وعزة الذي يعنتهم على
المصطفى.
(وقال تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين﴾، يجوز أن يكون) قوله (رحمة مفعولاً
له أي: لأجل الرحمة)، وللعالمين متعلق به، أي: إلا لترحم بك العالمين، بهدايتك إياهم لسعادة
الدارين.
وفي الصحيح قيل: يا رسول اللَّه ادع على المشركين؟، فقال: ((إني لم أبعث لعانًا إنما
بعثت رحمة)، (ويجوز أن ينصب على الحال) من الكاف (مبالغة في أن جعله نفس الرحمة،
وإما على حذف مضاف، أي: ذا رحمة،) وليس للعالمين متعلقًا بأرسلنا، لأن ما قبل إلا لا
يعمل فيما بعدها إلا في الاستثناء المفرغ نحو: ما مررت إلا بزيد، والمعنى إلا لأرحم العالمين
بالبناء للفاعل، لا للمفعول كما زعم، (أو بمعنى راحم) اسم فاعل، (قاله السمين) الشيخ شهاب
الدين أحمد بن يوسف بن عبد الدائم الحلبي، النحوي، نزيل القاهرة، مات سنة ست وخمسين
وسبعمائة، له إعراب القرآن، وأيضًا تفسير كبير في عدة أجزاء.
(قال أبو بكر بن طاهر) بن مفوز بن أحمد بن مفوز المعافري، الشاطبي، كما جزم به
البرهان الحلبي في المقتفى والشمني وغيرهما، (فيما حكاه القاضي عياض) في الشفاء، (زين
اللّه تعالى محمدًاً مَ ◌ّ بزينة الرحمة،) استعارة مكنية، بجعلها كالحلة والخلعة البهية والزينة: ما
يتزين به لباسًا وغيره، وإضافته للرحمة بيانية، أو من إضافة الأعم للأخص، كلجين الماء، وقيل:
الزينة هنا اللباس، أي: ألبسه الله رحمة رحمانية شاملة له، وفيه إشارة إلى أنها منة من اللَّه بها.

٣٨٨
النوع الثالث في وصفه تعالى له بالشهادة وشهادته له بالرسالة
محمدًا عَّه بزينة الرحمة، فكان كونه رحمة، وجميع شمائله وصفاته رحمة على
الخلق، فمن أصابه شىء من رحمته فهو الناجي في الدارين من كل مكروه،
والواصل فيهما إلى كل محبوب، انتهى.
وقال ابن عباس: رحمة البر والفاجر، لأن كل نبي إذا كذب أهلك اللَّه من
كذبه. ومحمد عَِّ أخّر من كذبه إلى الموت أو إلى القيامة. وأما من صدقه فله
الرحمة فى الدنيا والآخرة.
عليه، غير الحلية البشرية، (فكان كونه،) أي: وجوده، فهي تامة لا خبر لها، وتقدير من ربنا
قبيح، (رحمة) خبر فكان، والفاء فيه للتفسير والتفصيل، (وجميع شمائله:) جمع شمال
(بالكسر).
قال الأزهري: الشمال خلقة الرجل، أي: خلقه، وجمعه شمائل، ورجل كريم الشمائل،
أي: في أخلاقه ومخالطته. انتهى، فعطف، (وصفاته رحمة) عام على خاص، إذ لم يخصص
الصفات بالظاهرة، والشمائل بخلافها.
وقال شراح الشفاء: صفاته تشمل غضبه وظاهر مرآه، لأنه لا يغضب لنفسه، وإنما يغضب
للَّه، وغضبه للإصلاح، وهو رحمة في ذاته، وأما مرآه الحسن، فإنه لمحبته والتصديق به، ألا ترى
أن عبد الله بن سلام لما رآه آمن به، وقال: لما رأيت وجهه عرفت أنه ليس بوجه كذاب، (فمن
أصابه شىء من رحمته) أي: اهتدى بهدايته، لأن من يهتد، كمن لم تصبه الرحمة، كما أن من
شرب الماء ولم يرو، كأنه لم يشرب، (فهو الناجي،) أي: السالم، (في الدارين) الدنيا والآخرة
(من كل مكروه) يصيب من لم يهتد في الدنيا، كقتل وسبي وأخذ جزية، وفي الآخرة العذاب
المخلد، وأما أسقام الدنيا وآلامها التي تصيب المؤمن فلا تعد مكروهة بعد العلم بما فيها من
تكفير السيئات ونيل الحسنات، (والواصل فيهما إلى كل محبوب،) أما في الآخرة، فغني عن
البيان، وأما في الدنيا، فإن كان ذا غنى ونعمة فظاهر، وإلا فالمؤمن العاقل إذا صبر وقام بوظائف
العبودية في دنيا سريعة الزوال كان ما أصابه من المكروه لإيصاله للنعم الأخروية محبوبًا عنده.
(انتهى) كلام ابن طاهر.
(وقال ابن عباس: رحمة للبر،) أي: المؤمن (والفاجرِ،) أي: الكافر، (لأن كل نبي:) من
سبق (إذا كذب) (بشد الذال) مبني للمجهول، (أهلك الله من كذبه، ومحمد عَّ أُخر من
كذبه إلى الموت، أو إلى القيامة،) فتأخير عذاب الدنيا عنهم بنحو الاستئصال والخسف
والمسخ والعذاب النازل من السماء رحمة، فلا يرد عليه من قتل من الكفار في غزوات
المصطفى، (وأما من صدقه،) أي: آمن به، (فله الرحمة في الدنيا والآخرة،) وإن عذاب

٣٨٩
النوع الثالث في وصفه تعالى له بالشهادة وشهادته له بالرسالة
وقال السمرقندي: رحمة للعالمين يعني: الجن والإنس.
وقيل: لجميع الخلق للمؤمنين رحمة بالهداية، ورحمة للمنافقين بالأمان من
القتل، ورحمة للكافرين بتأخير العذاب لما بعد الموت.
العاصي فمآله إلى الجنة مع خفة عذابه عن الكفار بمراحل، بل لا مشابهة.
وعن ابن عباس أيضًا عند الطبري وغيره: هو رحمة للمؤمنين والكافرين، إذ عوفوا مما
أصاب غيرهم من الأمم الكاذبة.
(وقال) أبو الليث (السمرقندي) نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم الفقيه، الحنفي،
الإمام المشهور، له التصانيف، كالتفسير، والنوازل، وخزانة الفتاوى، وتنبيه الغافلين، والبستان،
توفي سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة، منسوب إلى سمرقند، مدينة بفارس بما وراء النهر.
قال التلمساني المصحح في النسخ، بفتح السين والراء وسكون الميم، والمعروف فتح
الميم وسكون الراء، وتبع قول المجد إسكان الميم وفتح الراء، لحن، وفيه نظر، وهو معرب
شمر كند، وشمر اسم رجل، وكندة بمعنى قرية (رحمة للعالمين، يعني الجن والإنس،) تفسير
للآية بجنس العقلاء من الثقلين، بقرينة جمع المذكر السالم، وإن كان جمع عالم، وهو كل ما
يعلم به الصانع من العقلاء وغيرهم، فالمفرد أعم من جمعه، فخص ثم جمع بجعله صفة أو
ملحقًا بها، لأن فاعل بالفتح اسم آلة، كالخاتم والقالب، وقيل: غلب العقلاء، أو جعل اسمًا لذي
العلم من الثقلين، أو هما والملك، أو الإنس.
(وقيل: لجميع الخلق) مقابل لما اختاره.
قال الشريف الجرجاني: يطلق على كل جنس لا فرد، فهو القدر المشترك بين الأجناس،
فيصح إطلاقه على كل جنس وعلى مجموعها، وإذا عرف بلام الاستغراق شمل كل فرد من
جنس، كالأقاويل، فمن فسره بجميع الخلق، فعلى الأصل، ومن فسره بالإنس والجن فعلى بعض
الوجوه، أو خصه، لأنه عَّه مبعوث إليهما، ومن فسره بالمؤمن والكافر أراد أنه يشملهما، لا أن
معناه ذلك. انتهى.
وآخذ في بيان ما به تكون الرحمة على مختاره، فقال (للمؤمنين،) بدل من للعالمين، أو
متعلق بمقدر، أي: أرسله، وعلى الأول، وهو الظاهر هو بيان لمختاره، وعلى الثاني يصلح لهما،
وفي نسخة للمؤمن بالإفراد، (رحمة بالهداية) الزائدة على هداية الإيمان، أو لمن قدر إيمانه،
(ورحمة للمنافقين).
وفي نسخة: للمنافق بالإفراد على إرادة الجنس، (بالأمان من القتل،» مطلقًا بخلاف
الكافر، فإنما يأمن بجزية، أو أمان، (ورحمة للكافرين).

٣٩٠
النوع الثالث في وصفه تعالى له بالشهادة وشهادته له بالرسالة
فذاته عليه السلام رحمة تعم المؤمن والكافر كما قال تعالى: ﴿وما كان
اللَّه ليعذبهم وأنت فيهم﴾ [الأنفال/٣٣]، وقال عليه الصلاة والسلام: ((إنما أنا
رحمة مهداة)) رواه الديلمي والبيهقي في (الشعب)) من حديث أبي هريرة.
وقال بعض العارفين: الأنبياء كلهم خلقوا من الرحمة، ونبينا عَّ له عين
الرحمة، ولقد أحسن القائل:
غنيمة عمر الكون بهجة عيشه سرور حياة الروح فائدة الدهر
هو النعمة العظمى هو الرحمة التي تجلى بها الرحمن في السر والجهر
فبيانه عليه السلام ونصحه رحمة، ودعاؤه واستغفاره رحمة، فرزِقَ ذلك منْ
وفي نسخة بالإفراد، (بتأخير العذاب لما بعد الموت،) وأما عذاب الدنيا بالقحط وغيره،
فلا يختص بطائفة، أو المراد الاستئصال والمسخ والخسف والزنديق، سواء أدخل في المنافق، أو
الكافر عذابه مؤخر أيضًا، فالظاهر اشتراكهما فيه، وتمييز المنافق بإجراء أحكام الإسلام عليه
ظاهرًا، أو يقال أراد في كل قسم ذكر رحمة مخصوصة من غير تخصيص، (فذاته عليه السلام
رحمة تعم المؤمن والكافر، كما قال تعالى: ﴿وما كان اللَّه ليعذبهم وأنت فيهم﴾) [الأنفال/
٣٣]، لأن العذاب إذا نزل عم، ولم تعذب أمة إلا بعد خروج نبيها والمؤمنين منها.
(وقال عليه الصلاة والسلام: إنما أنا رحمة مهداة:) (بضم الميم) معطاة من اللَّه بلا
عوض، (رواه الديلمي والبيهقي في الشعب) للإيمان (من حديث أبي هريرة،) ورواه الحاكم،
وصححه على شرطهما، وأقره الذهبي، ومر شرحه في الأسماء الشريفة.
(وقال بعض العارفين: الأنبياء كلهم خلقوا من الرحمة، ونبينا عَ لّ عين الرحمة،)
أعلاها وأجلها.
(ولقد أحسن القائل:)
(غنيمة عمر الكون بهجة عيشه سرور حياة الروح فائدة الدهر)
.(هو النعمة العظمى هو الرحمة التي تجلى بها الرحمن في السر والجهر)
ومعنى البيتين ظاهر، (فبيانه،) أي: ظهوره أو تبيينه (عليه السلام ونصحه رحمة،) أي:
كل واحد منهما، (ودعاؤه واستغفاره) كل منهما (رحمة،) سواء في حياته وبعد مماته، كما
قال ◌َله: ((حياتي خير لكم ومماتي خير لكم، أما حياتي فأبين لكم السنن وأشرع لكم الشرائع،
وأما موتي، فإن أعمالكم تعرض عليّ، فما رأيت منها حسنًا حمدت اللَّه، وما رأيت منها سيئًا
استغفرت اللّه لکم» رواه البزار وغيره بسند جيد.

٣٩١
النوع الثالث في وصفه تعالى له بالشهادة وشهادته له بالرسالة
قبله، وحرمه من رده.
فإن قلت: كيف كان رحمة، وقد جاء بالسيف واستباحة الأموال؟
فالجواب من وجهين:
أحدهما: أنه إنما جاء بالسيف لمن استكبر وعاند، ولم يتفكر ولم يتدبر،
ومن أوصاف اللَّه تعالى: الرحمن الرحيم، ثم هو منتقم من العصاة، وقال تعالى:
﴿ونزلنا من السماء ماء مباركًا﴾ [ق/٩] ثم قد يكون سببًا للفساد.
وثانيهما: أن كل نبي من الأنبياء قبل نبينا إذا كذبه قومه أهلك اللَّه
المكذبين بالخسف والمسخ والغرق، وقد أخر اللَّه عذاب من كذب نبينا إلى
(فرزق ذلك من قبله،) بأن آمن به، وإن عاصيًا، (وحرمه من رده،) فلم يؤمن به نسأل اللَّه
الثبات على الإيمان، (فإن قلت: كيف كان رحمة، وقد جاء بالسيف؟،) قال تعالى: ﴿جاهد
الكفار﴾ [التوبة/٧٣]، أي: بالسيف، (واستباحة الأموال) بالغنائم التي لم تحل لأحد قبله، ومنها
استرقاق الذراري والنسائي، (فالجواب من وجهين):
(أحدهما: أنه إنما جاء بالسيف لمن استكبر وعاند ولم يتفكر ولم يتدبر،) فعذابه إنما
جاء من نفسه، كعين جرت فانتفع بها قوم وكسل آخرون، فهي رحمة لهما، وهو عََّةٍ لم يرد
ضررًا لأحد، وقد اجتهد في نفع كل أحد، وإيصال تلك الرحمة إليه، ولكن من يضلل اللَّه فما له
من هاد.
(ومن أوصاف اللَّه تعالى الرحمن الرحيم، ثم هو منتقم من العصاة،) ولا تنافي بين
الوصفين، فكذا لا تنافي بين بعثه بالسيف وكونه رحمة، (وقال تعالى: ﴿ونزلنا من السماء
ماء﴾) مطرًا (﴿مباركًا﴾) [ق/٩]، كثير البركة والمنافع، (ثم قد يكون سببًا للفساد،) بإهلاك
الزرع وغيره، والقصد أنه لا مانع من وصف الشىء بالشىء، وضده لاختلاف من يقع عليه الأمران.
(وثانيهما: أن كل نبي من الأنبياء قبل نبينا، إذا كذبه قومه أهلك اللَّه المكذبين
بالخسف،) كقارون، (والمسخ) قردة، كأصحاب أيلة بدعاء داود، وخنازير، كأصحاب المائدة
بدعاء عيسى، قال تعالى: ﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم﴾
[المائدة/٧١]، (والغرق،) كقوم نوح وفرعون وقومه، وبالريح العاصف فيها حصباء، كقوم لوط،
وبالصيحة، كثمود، قال تعالى: ﴿فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبًا ومنهم من
أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا﴾ [العنكبوت/٤٠] (وقد أخر اللَّه
عذاب من كذب نبينا إلى الموت، أو إلى يوم القيامة،) فتأخيره رحمة، لأنه لم يجمع

٣٩٢
النوع الثالث في وصفه تعالى له بالشهادة وشهادته له بالرسالة
الموت، أو إلى يوم القيامة.
لا يقال: إنه تعالى قال: ﴿قاتلوهم یعذبهم الله بأیدیکم ويخزهم﴾ [التوبة/
١٤]، وقال تعالى: ﴿ليعذب اللَّه المنافقين﴾ [الأحزاب/٧٣]، لأنا نقول:
تخصيص العام لا يقدح فيه.
وفي ((الشفاء) للقاضي عياض: وحكى أنه مَّم قال لجبريل: هلِ أصابك من
هذه الرحمة شىء؟ قال: نعم، كنت أخشى عاقبة الأمر فأمنت، لثناء اللَّه تعالى عليَّ
بقوله: ﴿ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين﴾ [التكوير/٤٠]. انتهى.
وذكر السمرقندي في تفسيره بلفظ: وذكر أن النبي عَّهِ قال لجبريل يقول
عليهم عذابين، كالأمم السابقة، (لا يقال إنه تعالى قال: ﴿قاتلوهم يعذبهم اللَّه﴾ يقتلهم ﴿بأيديكم
ويخزهم)، أي: يذلهم بالأسر والقهر، (وقال تعالى: ﴿ليعذب اللَّه المنافقين﴾ والمنافقات،
والمشركين، والمشركات﴾ [الأحزاب/٧٣]، (لأنا نقول تخصيص العام،) وهو العالمين من
رحمة للعالمين ببعض إفراده، وهو المنافق والمشرك، (لا يقدح فيه،) لأنه يكفي في عمومه
صدقه على غير ما خصص به.
(وفي الشفاء للقاضي عياض: وتحكي) بالبناء للمجهول كما قال البرهان؛ (أنه عَ لِّ قال
لجبريل: هل أصابك من هذه الرحمة شيء؟،) فيه إشارة إلى أنه مرحوم مقرب، وإنما السؤال
عن رحمة نالته من رحمة المصطفى، كما أفاده اسم الإشارة، (قال: نعم، كنت أخشى العاقبة،)
أي: سوءها، أو المراد بالعاقبة السيئة بجعل التعريف للعهد بقرينة الخشية، فإنها بمعنى الخوف،
وإنما يكون في المكروه، والعاقبة ما يعقب الشيء، ويحصل منه خيرًا كان أو شرًّا، (فأمنت) (بفتح
الهمزة المقصورة، وكسر الميم الخفيفة، مبني للفاعل من الأمن ضد الخوف)، وضبطه(بضم
الهمزة مبني للمفعول)، خلاف المشهور، ثم إن كان بشد الميم، فظاهر، وإن كان بتخفيفها،
فركيك جدًا، لأنه إن كان من ضد الخيانة، فلا يناسب المقام، أو من الأمن، فكذلك، لأن
مفعوله الثاني من المعاني، لا الذوات، فيحتاج لتقدير وحذف، أي: أمنت سوء عاقبتي، ولا داعي
له، (لثناء اللّه تعالى عليّ، بقوله): ﴿إنه لقول رسول كريم﴾ (ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم
أمين﴾)، عند اللَّه في علمه، أو في حكمه وقضائه، لأن ثناءه يقتضي رضاه وقبوله، وهو لا يرضى،
ويقبل الأمن، كان مرحومًا مقربًا، فلما علم ذلك من القرآن الذي هو رحمة نازلة بالمصطفى،
اطمأن خاطره وأمن سوء الخاتمة. (انتهى).
نقل عياض: قال السيوطي: ولم أجده مخرجا في شىء من كتب الحديث.
(وذكر السمرقندي في تفسيره بلفظ، وذكر أن النبي عٍَّ قال لجبريل: يقول اللَّه

٣٩٣
النوع الثالث في وصفه تعالى له بالشهادة وشهادته له بالرسالة
اللَّه تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) فهل أصابك من هذه الرحمة
شىء؟ قال: نعم، كنت أخشى عاقبة الأمر فأمنت بك، لثناء اللَّه تعالى عليَّ فيّ
قوله: ﴿ذي قوة عند ذي العرش مكين﴾. [التكوير/ ٢١].
وهذا يقتضي أن محمدًا عَّله أفضل من جبريل، وهو الذي عليه الجمهور،
خلافًا لمن زعم أن جبريل أفضل واستدل: بأن اللَّه وصف جبريل بسبعة أوصاف
من أوصاف الكمال في قوله: ﴿إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش
تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾، فهل أصابك من هذه الرحمة شيء؟، قال: نعم
كنت أخشى عاقبة هذا الأمر،) أي: خاتمته، (فآمنت بك لثناء اللَّه تعالى عليّ في قوله: ﴿ذي
قوة عند ذي العرش مكين﴾﴾ [التكوير/٢١]، ولا يعارض هذا ما روي أن جبريل أتى النبي عَّة.
وهو بيكي، فقال له رسول اللَّه عَظّم: ما يبكيك؟، قال: وما لي لا أبكي، فوالله ما جفت لي عين
منذ خلق اللَّه النار، مخافة أن أعصيه فيقذفني فيها، أخرجه أحمد في الزهد عن أبي عمران
الجوني بلاغًا.
وأخرج أبو الشيخ عن عبد العزيز بن أبي داود، قال: نظر اللّه إلى جبريل وميكفيل، وهما
يبكيان، فقال اللَّه: ما يبكيكما وقد علمتما أني لا أجور، قالا: يا رب إنا لا نأمن مكرك، قال:
هكذا فافعلا، فإنه لا يأمن مكري إلا كل خاسر لأنه كلما زاد القرب زاد الخوف، فالمقرب لا
يزال خائفًا ممن بهابه، أو لأنه من عظمة اللَّه تعالى قد يذهل عن الأمان.
(وهذا يقتضي أن محمدًا عَّ أفضل من جبريل، وهو الذي عليه الجمهور،) بل حكى
الرازي عليه الإجماع، وكذا ابن السبكي والبلقيني والزركشي، وقال: إنهم استثنوه من الخلاف
في التفضيل بين النبي والملك، (خلافًا لمن زعم،) وهو الزمخشري في الكشاف، (أن جبريل
أفضل،) وقد قال بعض علماء المغاربة: جهل الزمخشري مذهبه، فإن المعتزلة مجمعون على أنه
أفضل من جبريل.
نعم قيل: إن طائفة منهم خرقوا الإجماع، كالرماني، فتبعهم الكشاف جهلاً.
(واستدل بأن اللَّه وصف جبريل بسبعة أوصاف من أوصاف الكمال في قوله: ﴿إنّه
لقول رسول كريم﴾،) أي: جامع لأنواع الخير، ففيه شهادة له بعلو، الرتبة وليس المراد كريم عند
مرسله، كما قيل به في ﴿أُلقي إليّ كتاب كريم﴾ وإن أجيز هنا للاستغناء عنه بعند ذي العرش،
(﴿ذي قوة﴾) على تبليغ ما حمله من الوحي، وعلى اقتلاع المدائن والجبال، وإهلاك صيحته
كل من سمعها، وهبوطه إلى الأرض، وصعوده في طرفة عين إلى غير ذلك، (﴿عند ذي
العرش﴾) صفة مستقلة عنده، لأنه عدها سبعًا، لا متعلقة بما قبله، ولا بما بعده، وإلا فهي ستة،

٣٩٤
النوع الثالث في وصفه تعالى له بالشهادة وشهادته له بالرسالة
مكين مطاع ثم أمين﴾، ووصف محمدًا عَّله بقوله: ﴿وما صاحبكم بمجنون﴾.
ولو كان محمد عَّه مساويًا لجبريل في صفات الفضل أو مقاربًا له لكان
وصف محمدًا بمثل ذلك.
وأجيب بأنا متفقون على أن لمحمد مّ فضائل أخرى سوى ما ذكر في
هذه الآية، وعدم ذكر اللَّه تعالى لتلك الفضائل هنا لا يدل على عدمها بالإجماع،
وإذا ثبت أن لمحمد ◌َّ فضائل أخر زائدة فيكون أفضل من جبريل.
وبالجملة: فإفراد أحد الشخصين بالوصف لا يدل ألبتة على انتفاء تلك
الأوصاف عن الثاني، وإذا ثبت بالدليل القرءاني أنه عَّه رحمة للعالمين، والملائكة
من جملة العالمين، وجب أن يكون أفضل منهم، واللَّه أعلم.
وقد عدها الرازي ستة، فعلقها بما قبلها، (﴿مكين﴾،) أي: متمكن المنزلة عند ربه، رفيع المحل
عنده، (﴿مطاع ثم﴾،) أي: في السماء (﴿أمين﴾) على الوحي، (ووصف محمدًا عَّه، بقوله:
﴿وما صاحبكم بمجنون﴾،) كما تبهته الكفرة، (ولو كان محمد عَة مساويًا لجبريل في
صفات الفضل، أو مقاربًا له لكان وصف محمدًا بمثل ذلك).
قال البيضاوي: وهو استدلال ضعيف، إذ المقصود منه نفي قولهم، إنما يعلمه بشر أفترى
على اللَّه كذبًا، أم به جنة، لا تعداد فضلهما والموازنة بينهما.
(وأجيب: بأنا متفقون على أن لمحمد عَّ. فضائل أخرى،) القرآن طافح بها: ﴿إن
كنتم تحبون اللَّه فاتبعوني يحببكم اللَّه﴾ [آل عمران/٣١]، ﴿أن تطيعوه تهتدوا﴾ [النور/٥٤]،
﴿قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم﴾ [النساء/١٧٠]، ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة
حسنة﴾ [الأحزاب/٢٢] إلى غير ذلك، (سوى ما ذكر في هذه الآية، وعدم ذكر اللَّه تعالى
لتلك الفضائل هنا لا يدل على عدمها بالإجماع) لأنه، لم يقصد المفاضلة بينهما، (وإذا ثبت
أن لمحمد ◌ّة فضائل أخرى زائدة) على هذه السبع التي تشبث بها جاهل المعتزلة، (فيكون
أفضل من جبريل،) وهو إجماع حتى من المعتزلة أيضًا، كما مر.
(وبالجملة، فإفراد أحد الشخصين بالوصف لا يدل البتة) بقطع الهمزة (على انتفاء
تلك الأوصاف عن الثاني) بل هو موصوف بها ضرورة؛ أنه لا يصح نفيها عنه، (وإذا ثبت
بالدليل القرآني؛ أنه عَّة: رحمة للعالمين، والملائكة من جملة العالمين، وجب أن يكون
أفضل منهم) حتى جبريل، (والله أعلم،) ولهذا ونحوه حذر جماعة من أكابر العلماء، كالسبكي
من قراءة الكشاف.

٣٩٥
النوع الثالث في وصفه تعالى له بالشهادة وشهادته له بالرسالة
وقال تعالى: ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول اللَّه
وخاتم النبيين﴾ [الأحزاب/٤٠].
وهذه الآية نص في أنه لا نبي بعده، وإذا كان لا نبي بعده فلا رسول
بطريق الأولى، لأن مقام الرسالة أخص من مقام النبوة، فإن كل رسول نبي، ولا
ينعكس، كما قدمنا ذلك في أسمائه الشريفة من المقصد الثاني.
وبذلك وردت الأحاديث عنه مّالآن:
فروى الإمام أحمد من حديث أبي بن كعب أن النبي عٍَّ قال: مثلي في النبيين
كمثل رجل بنى دارًا، فأحسنها وأكملها، وترك فيها موضع لبنة لم يضعها، فجعل
(وقال تعالى: ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالگم﴾).
قال ابن عطية: أذهب اللَّه بهذه الآية ما وقع في نفوس منافقين وغيرهم، من تزوج
رسول اللَّه وَّةُ زوجة دعية زيد بن حارثة، لأنهم كانوا استعظموا أن يتزوج زوجة ابنه، فنفى
القرآن تلك البنوّة، وأعلم أنه عليه السلام ما كان أبًا أحد من المعاصرين له حقيقة، ولم يقصد
بهذه الآية أنه لم يكن له ولد، فيحتاج إلى الاحتجاج في أمر بنيه بأنهم كانوا ماتوا، ولا في
الحسن والحسين إِلى أنهما ابنا بنته، ومن احتج بذلك تأول معنى البنوّة على غير ما قصد بها،
(﴿ولكن رسول اللَّه﴾،) وقريء بالرفع، أي: هو، وقرأ عاصم وأبو عمرو ونافع، بالنصب عطفًا
على أبًا، ولكن بالتخفيف، وقرأت فرقة، لكن بالتشديد، ورسول اسمها، والخبر محذوف،
(﴿وخاتم النبيين﴾) (بكسر التاء) قراءة الجمهور، بمعنى أنه ختمهم، أي: جاء آخرهم، وقرأ
عاصم بفتح التاء، أي: أنهم ختموا به، فهو كالخاتم والطابع لهم.
(وهذه الآية نص في أنه لا نبي بعده، وإذا كان لا نبي بعده، فلا رسول بطريق
الأولى، لأن مقام الرسالة أخص من مقام النبوة، فإن كل رسول نبي ولا ينعكس،) فليس كل
نبي رسولاً، (كما قدمنا ذلك في أسمائه الشريفة من المقصد الثاني، وبذلك وردت
الأحاديث عنه عَّةٍ).
(فروى الإمام أحمد) بن حنبل (من حديث أبي بن كعب) الأنصاري الخزرجي، سيد
القراء، من فضلاء الصحابة: (أن النبي ◌َُّ قال: مثلي،) مبتدأ (في النبيين،) متعلق به، وفي
حديث جابر: ومثل الأنبياء، بالعطف والخبر، (كمثل رجل بنى دارًا فأحسنها وأكملها، وترك
فيها موضع لبنة) (بفتح اللام وكسر الموحدة ونون)، ويجوز كسر اللام وسكون الموحدة: قطعة
طين تعجن، وتعد للبناء من غير إحراق، فإن أحرقت، فهي آجرة (لم يضعها، فجعل الناس يطوفون.

٣٩٦
النوع الثالث في وصفه تعالى له بالشهادة وشهادته له بالرسالة
الناس يطوفون بالبنيان ويتعجبون منه، ويقولون: لو تم موضع هذه اللبنة، فأنا في
النبيين موضع تلك اللبنة ورواه الترمذي عن بندار عن أبي عامر العقدي، وقال:
حديث حسن صحيح.
وفي حديث أنس بن ملك مرفوعًا: ((إن الرسالة والنبوة قد انقطعت، فلا
رسول بعدي ولا نبي)). رواه الترمذي وغيره.
وفي حديث جابر مرفوعًا: مثلي ومثل الأنبياء، كمثل رجل بنى دارًا فأكملها
وأحسنها إلا موضع لبنة، فكان من دخلها فنظر قال: ما أحسنها إلا موضع هذه
اللبنة، وأنا موضع اللبنة، ختم بي الأنبياء عليهم السلام. رواه أبو داود الطيالسي،
بالبنيان ويتعجبون،) بفوقية بعد التحتية، (منه،) أي: من حسنه وكماله، (ويقولون) وددنا (لو تم
موضع هذه اللبنة،) فلو للتمني، فلا جواب لها، أو جوابهما محذوف لعلمه من المذكور، أي:
أتم حسنها وكمالها، (فأنا في النبيين موضع تلك اللبنة)، وفي رواية أحمد عن أبي هريرة: ألا
وضعت ههنا لبنة، فيتم بنيانك.
(ورواه الترمذي عن بندار) (بضم الموحدة وإسكان النون ودال مهملة فألف فراء بلا
نقط) لقب محمد بن بشار بن عثمن العبدي، البصري أبي بكر، ثقة، روى عنه الأئمة الستة وابن
خزيمة وغيرهم، مات سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وله خمس وثمانون سنة، (عن أبي عامر)
عبد الملك بن عمرو القيسي، (العقدي) (بفتح المهملة والقاف) ثقة، مات سنة أربع، أو خمس
ومائتین، روی له الجميع.
(وقال) الترمذي: (حديث حسن صحيح) عن أبي بن كعب.
(وفي حديث أنس بن لملك، مرفوعًا: أن الرسالة والنبوة قد انقطعت، فلا رسول بعدي
ولا نبي،) قیل: ومن لا نبي بعده، یکون أشفق علی أمته، کوالد ليس له غير ولد، (رواه
الترمذي وغيره،) كالإمام أحمد، والحاكم بإسناد صحيح.
(وفي حديث جابر، مرفوعًا) قال: قال النبي عَ له: (مثلي،) مبتدأ، (ومثل الأنبياء) عطف
عليه، (كمثل رجل) خبر، (بنى دارًا فأكملها وأحسنها،) وفي رواية همام عن أبي هريرة عند
مسلم، كمثل رجل ابتنى بيوتًا فأحسنها وأجملها وأكملها، (إلا موضع لبنة،) من زاوية من
زواياها، «فكان من دخلها فنظر، قال: ما أحسنها إلا موضع هذه اللبنة).
وفي رواية الشيخين: فجعل الناس يدخلونها ويتعجبون منها، ويقولون: لولا موضع هذه
اللبنة.

٣٩٧
النوع الثالث في وصفه تعالى له بالشهادة وشهادته له بالرسالة
وكذا البخاري ومسلم بنحوه.
وفي حديث أبي سعيد الخدري: فجئت أنا فأتممت تلك اللبنة. رواه مسلم.
وفي حديث أبي هريرة: ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة.
وفي رواية همام: ألا وضعت ههنا لبنة، فيتم بنيانك، قال عٍَّ: (فأنا موضع اللبنة، ختم
بي الأنبياء،) ولمسلم: جئتم، فختمت الأنبياء، (عليهم السلام).
وفي حديث أبي هريرة، قال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين، (رواه أبو داود) سليمان بن داود
ابن الجارود، (الطيالسي:) (بفتح الطاء والتحتانية) نسبة إلى الطيالسة المعروفة، البصري، الثقة،
الحافظ، المصنف، مات سنة أربع، وقيل: ثلاث ومائتين، روى له مسلم والأربعة، (وكذا
البخاري ومسلم، بنحوه) عن جابر، وأخرجاه أيضًا من حديث أبي هريرة، وسياقه أتم، وقدمه
المصنف في الخصائص.
(وفي حديث أبي سعيد الخدري: فجئت أنا فأتممت تلك اللبنة، رواه مسلم،) فيه
شيء، لأن مسلمًا لم يسق لفظه، بل أحال به على حديث أبي هريرة الذي رواه من ثلاثة طرق،
فقال: حدثنا ابن أبي شيبة وأبو كريب، قالا: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن
أبي سعيد، قال: قال رسول اللَّه عَجٍ: ((مثلي ومثل النبيين))، فذكر نحوه هذا لفظ مسلم، وقد
علمت ثبوتها في حديث أبي هريرة، وأورد أن المشبه به واحد، والمشبه جماعة، فكيف صح
التشبيه، وأجيب بأنه جعل الأنبياء كرجل واحد، لأنه لا يتم ما أراد من التشبيه إلا باعتبار الكل،
وكذا الدار لا تتم إلا باجتماع البنيان، وبأنه من باب التشبيه التمثيلي، وهو أن يوجد وصف من
أوصاف المشبه، ويشبه بمثله من أحوال المشبه به، فكأنه شبه الأنبياء وما بعثوا به من إرشاد الناس
ببيت أسست قواعده ورفع بنيانه، وبقي منه موضع يتم به صلاح ذلك البيت، وزعم ابن العربي؛
أن اللبنة المشار إليها كانت في أس الدار المذكورة، وأنها لولا وضعها لانقضت تلك الدار، قال:
وبهذا يتم المراد من التشبيه المذكور.
قال الحافظ: وهذا إن كان منقولاً فحسن، وإلا فليس بلازم.
نعم ظاهر السياق أن اللبنة في مكان يظهر عدم الكمال في الدار يفقدها.
وفي رواية مسلم: إلا موضع لبنة من زاوية من زواياها، فظهر أن المراد أنها مكملة
محسنة، وإلا لاستلزم أن يكون الأمر بدونها ناقصًا، وليس كذلك، فإن شريعة كل نبي بالنسبة
إليه كاملة، فالمراد هنا النظر إلى الأكمل بالنسبة إلى الشريعة المحمدية مع ما مضى من الشرائع
الكاملة، وفي الحديث ضرب الأمثال للتقريب للإفهام.

٣٩٨
النوع الثالث في وصفه تعالى له بالشهادة وشهادته له بالرسالة
وفي حديث أبي هريرة عند مسلم: وأرسلت إلى الخلق كافةٍ وختم بي
النبيون.
فمن تشريف اللَّه تعالى له ختم الأنبياء والمرسلين به، وإكمال الدين
الحنيفي له، وقد أخبر اللَّه في كتابه، ورسوله في السنة المتواترة عنه، أنه لا نبي
بعده، ليعلموا أن كل من ادعى هذا المقام بعده فهو كذاب أفاك دجال ضال، ولو
تحذلق وتشعبذ، وأتى بأنواع السحر والطلاسم والنيرنجيات، فكلها محال وضلالة
(وفي حديث أبي هريرة عند مسلم،) عن النبي عَّةٍ: فضلت على الأنبياء بست:
أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وجعلت لي الأرض مسجدًا وظهورًا، (وأرسلت إلى
الخلق كافة،) إرساله عامة محيطة بهم، لأنها إذا عمتهم فقد كفتهم أن يخرج منها أحد منهم،
(وختم بي النبيون،) أي: أغلق باب الوحي والرسالة وسد لكمال الدين، وتصحيح الحجة، فلا
نبي بعده، ومر الحديث في الخصائص.
(فمن تشريف اللَّه تعالى له ختم الأنبياء والمرسلين به وإكمال الدين الحنيفي،)
المائل عن الباطل للحق (له، وقد أخبر اللَّه تعالى في كتابه ورسوله في السنة المتواترة عنه؛
أنه لا نبي بعده، ليعلموا،) أي: المخبرون، (أن كل من ادعى هذا المقام بعده، فهو
كذاب:) كثير الكذب، (أفاك) كذاب مبالغ فيه، (دجال،) كذاب، قال ثعلب: الدجال: هو
المموه، يقال: سيف مدجل، إذا طلي مذهب.
وقال ابن دريد: كل شىء غطيته فقد دجلته، واشتقاق الدجال من هذا، لأنه يغطي الأرض
بالجمع الكثير، (ضال) لم يهتد، فالألفاظ الأربعة متقاربة، وقد علم مَّله بذلك، وأخبر به.
ففي الصحيحين، مرفوعًا: لا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون، كذابون، قريبًا من ثلاثين،
كلهم يزعم أنه رسول الله، (ولو (تحذلق): (بفوقية فمهملة فمعجمة) أظهر الحذق، وادعى أكثر
مما عنده، ومثله حذلق بلا تاء، (وتشعبذ:) (بالذال المعجمة بعد الموحدة)، أتى بما يرى الإنسان
منه ما لا حقيقة له، كالسحر، ويقال له أيضًا شعوذ: (بالواو) بدل الموحدة، (وأتى بأنواع
السحر).
قال ابن فارس: وهو إخراج الباطل في صورة الحق، ويقال هو الخديعة، وسحره بكلامه،
استمالة برقته وحسن ترتيبه.
وقال الإمام فخر الدين: هو في عرف الشرع كل أمر يخفى سببه، ويتخيل على غير
حقيقته، ويجري مجرى التمويه والخداع.
قال تعالى: ﴿يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى﴾ [طه/٦٦]، وإذا أطلق ذم فاعله.

٣٩٩
النوع الرابع في التنويه به عَّ في الكتب السالفة
عند أولي الألباب.
ولا يقدح في هذا نزول عيسى ابن مريم عليه السلام بعده، لأنه إذا نزل من
السماء كان على دين نبينا محمد عَ ◌ّله ومنهاجه، مع أن المراد: أنه آخر من نبىء.
قال ابن حبان: من ذهب إلى أن النبوة مكتسبة لا تنقطع، أو إلى أن الولي
أفضل من النبي فهو زنديق يجب قتله واللَّه أعلم.
النوع الرابع
في التنويه به عَهُ في الكتب السالفة
كالتوراة والإنجيل بأنه صاحب الرسالة والتبجيل
قال الله تعالى: ﴿الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبًا
عندهم في التوراة والإنجيل﴾ [الأعراف/١٥٧].
(والطلاسم، والنيرنجيات) (بكسر النون وإسكان التحتية وفتح الراء فنون ساكنة فجيم
فتحتية فألف ففوقية).
قال المجد: النيرنج (بالكسر) أخذ كالسحر، وليس به، (فكلها محال) باطل، (وضلالة)
زوال عن الحق، (عند أولي الألباب:) العقول، (ولا يقدح في هذا نزول عيسى ابن مريم عليه
السلام بعده، لأنه إذا نزل من السماء كان على دين نبينا محمد) عَليه، (ومنهاجه:) طريقه
في شرعه، فهو واحد من أمته، (مع) أنه لا يرد هذا أصلاً، إذ (أن المراد أنه آخر من نبيء)
وأرسل، فلا يضر وجود واحد بعد، أو أكثر ممن نبىء، أو أرسل قبله.
(قال ابن حبان: من ذهب إلى أن النبوة مكتسبة لا تنقطع، أو إلى أن الولي أفضل من
النبي فهو زنديق يجب قتله) لتكذيب القرآن، وخاتم النبيين، (والله أعلم.)
(النوع الرابع في التنويه به:)
أي: التعظيم ورفعة شأنه (عَّ) بذكره (في الكتب السالفة، كالتوراة والإنجيل؛ بأنه
صاحب الرسالة والتبجيل) متعلق بقوله في التنويه، أي: رفع ذكره بأنه صاحب، وهذا أظهر من
كونه بدلاً منه.
(قال اللّه تعالى: ﴿الذين يتبعون الرسول النبي الأمي، الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في
التوراة والإنجيل﴾،) باسمه وصفته، بحيث لا يشكون أنه هو، ولذا عدل عن يجدون اسمه أو
وصفه مكتوبًا، فتضمن ذلك إخباره تعالى بذكره في الكتابين قبل وجوده، تعظيمًا له وحثًا على

٤٠٠
النوع الرابع في التنويه به عليه في الكتب السالفة
وهذا يدل على أنه لو لم يكن مكتوبًا لكان ذكر هذا الكلام من أعظم
المنفرات، والعاقل لا يسعى فيما يوجب نقصان حاله، وينفر الناس عن قبول مقاله،
فلما قال لهم عليه السلام هذا دل على أن ذلك النعت كان مذكورًا في التوراة
والإنجيل. وذلك من أعظم الدلائل على صحة نبوته.
لكن أهل الكتاب كما قال اللَّه تعالى: ﴿يكتمون الحق وهم يعلمون﴾
[البقرة/١٤٦]، و﴿يحرفون الكلم عن مواضعه﴾ [المائدة/١٣]، وإلا فهم - قاتلهم
اللَّه - قد عرفوا محمدًا عَّ لم كما عرفوا أبناءهم، ووجدوه عندهم مكتوبًا في التوراة
والإنجيل، لكن حرفوهما وبدلوهما ليطفئوا نور اللَّه بأفواههم، ويأبى اللَّه إلاّ أن يتم
نوره ولو كره الكافرون.
اتباعه إذا وجد.
روى أبو نعيم في الحلية عن وهب بن منبه، قال: كان في بني إسرائيل رجل عصى الله
مائتي سنة، ثم مات فأخذوه، فألقوه على مزبلة، فأوحى الله إلى موسى أن أخرج فصلٍ عليه،
قال: يا رب بنو إسرائيل يشهدون أنه عصاك مائتي سنة، فأوحى الله إليه، هكذا كان إلا أَنه كان
كلما نشر التوراة ونظر إلى اسم محمد عَّةٍ قبله، ووضعه على عينيه، وصلى عليه، فشكرت له
ذلك، وغفرت له وزوجته سبعين حوراء، (وهذا يدل على أنه لو لم يكن مكتوبًا لكان ذكر هذا
الكلام من أعظم المنفرات) لهم عن اتباعه، (والعاقل لا يسعى فيما يوجب نقصان حاله،) بل
في الزيادة، (و) لا فيما (ينفر الناس عن قبول مقاله)) فكيف بأرجح الخلق عقلاً، (فلما قال لهم
عليه السلام: هذا) المذكور من كتابة اسمه، وصفه بالنبي الأمي، (دل على أن ذلك النعت،)
أي: الوصف الذي وصف لهم به نفسه (كان مذكورًا في التوراة والإنجيل، وذلك من أعظم
الدلائل على صحة نبوته، لكن أهل الكتاب، كما قال اللّه تعالى: ﴿يكتمون الحق)) نعت
محمد عَّةٍ (﴿وهم يعلمون﴾) أنه الحق، (﴿ويحرفون)) يبدلون (﴿الكلم﴾) الذي في التوراة
من نعت محمد وغيره، (﴿عن مواضعه﴾) التي وضعه اللّه عليها، (وإلا فهم قاتلهم الله قد
عرفوا محمدًا عَدُ، كما عرفوا أبناءهم،) كما قال تعالى: ﴿الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما
يعرفون أبناءهم﴾ [البقرة/١٤٦].
. قال عبد الله بن سلام رضي الله عنه: لقد عرفته عَ ل حين رأيته، كما أعرف ابني،
ومعرفتي لمحمد أشد، (ووجدوه عندهم مكتوبًا في التوراة والإنجيل، لكن حرفوهما
وبدلوهما،) عطف تفسير (ليطفئوا نور اللّه بأفواههم:) بأقوالهم، (ويأبى الله إلا أن يتم نوره:)
يظهره (ولو كره الكافرون) ذلك، (فدلائل نبوة نبينا في كتابيهما بعد تحريفهما طافحة،)