النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره العلم، وهذا معلوم بالعرف: أن من دعي بأفضل أوصافه وأخلاقه كان ذلك مبالغة في تعظيمه واحترامه. انتهى. وانظر ما في نحو قوله تعالى: ﴿وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة﴾ [البقرة/٣٠] من ذكر ((الرب) تعالى وإضافته إليه مَ له، وما في ذلك من التنبيه على شرفه واختصاصه وخطابه، وما في ذلك من الإشارة اللطيفة، وهي أن المقبل علية بالخطاب، له الحظ الأعظم، والقسم الأوفر من الجملة المخبر بها إذ هو في الحقيقة أعظم خلفائه. ألا ترى إلى عموم رسالته ودعائه، وجعله أفضل أنبيائه، أمّ بهم ليلة إسرائه، وجعل آدم فمن دونه يوم القيامة تحت لوائه، فهو المقدم في أرضه وسمائه، وفي دار تكليفه وجزائه. وبالجملة: فقد تضمن الكتاب العزيز من التصريح بجليل رتبته، وتعظيم فالمقدر جواب، إذا لأن لفظ أن الفرد لا يقع جوابًا لإذا، وجملة إذا من الشرط والجواب خبر أن السيد .. الخ. (وهذا معلوم بالعرف؛ أن من دعي بأفضل أوصافه وأخلاقه كان ذلك مبالغة في تعظيمه واحترامه. انتهى.) إذ العدول عن الاسم العلم يقتضي ذلك عرفًا، ولذا قال اللَّه تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضًا﴾ [النور/٦٣]. (وانظر) نظر تأمل وتدبر في المعاني المستنبطة من الألفاظ، (ما في نحو قوله تعالى: ﴿وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة﴾ [البقرة/٣٠] الآية، من ذكر الرب تعالى،) المشعر بمزيد الرأفة (وإضافته،) أي: رب، (إليه عَّهُ)) بقوله: ربك، (وما في ذلك من التنبيه على شرفه) بإضافته إليه، (واختصاصه وخطابه، وما في ذلك من الإشارة اللطيفة، وهي أن المقبل عليه بالخطاب له الحظ الأعظم والقسم الأوفر من الجملة المخبر بها،) وهي هنا خلافة اللَّه في الأرض، فلا ريب أن له النصيب الأوفى منها، (إذ هو في الحقيقة أعظم خلفائه، ألا ترى إلى عموم رسالته ودعائه) الخلق إلى ذلك: ﴿إني رسول اللَّه إليكم جميعًا﴾ [الأعراف/١٥٨] (وجعله أفضل أنبيائه)، بدليل أنه (أُمَّ بهم ليلة إسرائه)، بتقديم جبريل له، والحق في الإمامة للأفضل، (وجعل آدم فمن دونه،) أي: فمن بعده، (يوم القيامة تحت لوائه، فهو المقدم في أرضه وسمائه، وفي دار تكليفه) الدنيا (وجزائه) الآخرة، (وبالجملة فقد ٣٤٢ النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره قدره، وعلو منصبه، ورفعة ذكره ما يقضي بأنه استولى على أقصى درجات التكريم، ويكفي إخباره تعالى بالعفو عنه ملاطفة قبل ذكر العتاب في قوله تعالى: ﴿عفا الله عنك، لم أذنت لهم﴾ [التوبة/٤٣]، وتقديم ذكره على الأنبياء تعظيمًا له، مع تأخره عنهم في الزمان في قوله تعالى: ﴿ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم﴾ [الأحزاب/٧]. وإخباره بتمني أهل النار طاعته في قوله تعالى: ﴿يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا اللَّه وأطعنا الرسول﴾ [الأحزاب/ ٦٦]، وهذا بحر لا ينفد وقطر لا يعد. تضمن الكتاب العزيز) القوي الغالب، (من التصريح بجليل رتبته وتعظيم قدره))) أي: رتبته وشرفه، (وعلو منصبه،) بزنة مسجد العلو والرفعة، كما في المصباح كغيره، (ورفعة ذكره ما يقضي بأنه استولى على أقصى درجات التكريم،) أي: أعلاها، (ويكفي إخباره تعالى بالعفو عنه ملاطفة،) معاملة وشفقة، والمفاعلة مجازية لتنزيل استحقاقه بمنزلة فعله، أو هي الأصل الفعل بلا مشاركة، (قبل ذكر العتاب في قوله تعالى: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم)) [التوبة/ ٤٣] فقدم عفا اللَّه عنك، دعامة تقصد بها الملاطفة، إذ هو خبر معناه: لا عهدة عليك، وليس المعنى أن الإذن ذنب يتعلق به العقوبة، لأن مسامحته لهم مع أذاهم إسقاط للحظوظ، فهو عتب بلطف، لا ملامة فيه، أي: قد بلغت في الامتثال والاحتمال الغاية، وزدت في طاعة اللَّه ومحبته، والرفق بالبر والفاجر ما أجحف بك، فهو من عتب الحبيب في حيفه على نفسه، وتخفيف لا تعنيف، ومدح لا قدح، ويأتي بسط هذا إن شاء الله. (و) يكفي في ذلك أيضًا (تقديم ذكره على الأنبياء تعظيمًا له،) إذ التقديم يعطيه، (مع تأخره عنهم في الوجود في قوله تعالى: ﴿وإذ أخذا من النبيين ميثاقهم (ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم﴾،) قيل معناه: تبليغ الرسالة وتصديق بعضهم بعضًا، وقيل: أن يعلنوا بنبوة المصطفى، ويعلن هو بأنه لا نبي بعده، ففيها تفضيل له من وجوه، منها: أنه ذكر النبيين جملة، ثم خص بالذكر بعضهم تشريفًا لهم، وقدمه عَّهُ عليهم تشريفًا على تشريف، وهؤلاء الخمسة هم أولوا العزم في قول، وإخباره بتمني أهل النار طاعته في قوله تعالى: ﴿يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا،) للتنبيه، (ليتنا أطعنا اللَّه وأطعنا الرسول﴾ [الأحزاب/ ٦٦]، وهذا بحر لا ينفد،) (بفتح الفاء: لا يفرغ (وقطر) (بفتح القاف وسكون الطاء)، أي: مطر (لا يعد) لكثرته، أو (بضم القاف)، أي: إقليم لا يمكن عد نواحيه وبلاده لكثرتها، جوزهما شيخنا في التقرير، واقتصر في الحاشية على الفتح، لأنه أظهر واللَّه أعلم. ٣٤٣ النوع الثاني في أخذ اللَّه تعالى له الميثاق على النبيين النوع الثاني في أخذ الله تعالى له الميثاق على النبيين فضلا ومنة ليؤمنن به إن أدركوه ولينصرنه قال الله تعالى: ﴿وإذ أخذ اللَّه ميثاق النبيين لما آنيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه﴾ الآية [آل عمران/٨١]. أخبر تعالى أنه أخذ ميثاق كل نبي بعثه، من لدن آدم إلى محمد عَِّ أن يصدق بعضهم بعضًا، قاله الحسن وطاوس وقتادة. (النوع الثاني:) (في أخذ اللَّه تعالى له الميثاق على النبيين،) عداه بعلى، إشارة إلى أنه ألزمهم به، وعداه فيما يأتي بمن، إشارة إلى أنهم التزموه (فضلاً،) أي: إحسانًا (ومنة،) أي: إنعامًا، (ليؤمنن به إن أدركوه، ولينصرنه ) على عدوه، (قال اللَّه تعالى: ﴿وإذ﴾،) أي: حين متعلق بمقدر، أي: اذكر، وقيل: بأقررتم وإن أخر عنه (﴿أخذ الله ميثاق النبيين﴾) عهدهم كلهم، أو مع أممهم وأنبياء بني إسرائيل (﴿لما﴾) (بفتح اللام للابتداء)، أو توكيد معنی القسم الذي في أخذ الميثاق، وكسرها متعلقة بأخذ، وما موصولة على الوجهين، أي: للذي (﴿آتيتكم﴾) إياه، وفي قراءة: آتيناكم، (﴿من کتاب وحکمة، ثم جاءکم رسول مصدق لما معكم﴾) من الكتاب والحكمة، وتنوین رسول، وإبهامه للتعظيم، والمراد محمد عَّه، أو للتعميم على القولين الآتيين للمصنف، (﴿لتؤمنن به ولتنصرنه﴾ [آل عمران/٨١]،) جواب القسم إن أدركتموه، وأممهم تبع لهم في ذلك. ((أخبر تعالى) في الأزل، كما حكاه المصنف أول الكتاب، (أنه أخذ ميثاق كل نبي بعثه،) صفة نبي، ولا يرد أنه قاصر على الرسل، مع أن المتبادر العموم، لجواز أن معناه: أوحى إليه، والبعث يطلق على الإيحاء، (من لدن آدم إلى محمد عَّ أن يصدق بعضهم بعضًا) على نبوته، ومعناه، كما في البغوي: أنه أخذ العهد على كل نبي أن يؤمن بمن يأتي بعده، وينصره إن أدركه وأن يأمر قومه بنصره، فأخذ الميثاق من موسى أن يؤمن بعيسى، ومن عيسى أن يؤمن بمحمد. انتهى. فليس معنى هذا القول يصدق بعضهم بعضًا على نبوة المصطفى، وأنهم من أتباعه ومؤمنون به كما توهم، إذ لو كان كذلك ما صح قول المصنف الآتي: أن ذا القول لا يخالف قول علي وابن عباس، إذ هو عينه على ذا الفهم، (قاله الحسن) البصري، (وطاوس) ٣٤٤ النوع الثاني في أخذ اللَّه تعالى له الميثاق على النبيين وقيل معناه: أنه تعالى أخذ الميثاق من النبيين وأممهم، واستغنى بذكرهم عن ذكر الأمم. وعن علي بن أبي طالب وابن عباس: ما بعث اللَّه نبيًا من الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد علّه - وهو حي - ليؤمنن به ولينصرنه. وما قاله قتادة والحسن وطاوس لا يضاد ما قاله علي وابن عباس، ولا ينفيه بل يستلزمه ويقتضيه. وقيل معناه: أن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - كانوا يأخذون الميثاق من أممهم بأنه إذا بعث محمد علّ أن يؤمنوا به وينصروه، واحتج له بأن الذين اليماني، (وقتادة) السدوسي، الثلاثة من التابعين. (وقيل معناه: أنه تعالى أخذ الميثاق من النبيين وأممهم، واستغنى بذكرهم عن ذكر الأمم،) لأنهم تبع لهم، فهو من الاستغناء بذكر الملزوم عن لازمه، ولا يراد أنه خاص بالرسل، لأنهم هم الذين لهم أمم، أما النبيون فلا أمم لهم، لجواز أن يراد بأممهم الأناس الموجودون في زمانهم، وأطلق عليهم أممهم من حيث وجودهم في زمانهم، وإن لم يرسلوا إليهم، فالنبي وإن لم يأمر بشرع، يجب عليه أن يخبر بنبوته، لئلا يحتقر ولا يمنتع عليه الوعظ ونحوه، ومنه أخباره للناس بالإيمان بمحمد إذا جاء، أو الأنبياء. (وعن علي بن أبي طالب،) عند ابن جرير وغيره، (وابن عباس) عند ابن جرير وابن عساكر، ووقع للزركشي، وابن كثير، والحافظ في الفتح في كتاب الأنبياء: أنهم عزوه لصحيح البخاري. قال الشامي: ولم أظفر به، فيه (ما بعث اللَّه نبيًا من الأنبياء،) وفي رواية: لم يبعث اللَّه نبيًا من آدم، فمن بعده، (إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد عَّة، وهو،) أي: ذلك النبي (حي ليؤمنن به ولينصرنه،) ويأخذ العهد بذلك على قومه، هذا بقية المروي عن علي وابن عباس، كما تقدم، ثم هو موقوف لفظًا، مرفوع حكمًا، لأنه إخبار عن غيب، فلا مجال للرأي: فيه، ويحتمل أنهما قالاه فهمّا للآية، والظاهر الأول، ولذا اقتصرت عليه أول الكتاب، (وما قاله قتادة والحسن وطاوس،) من أن المعنى أخذ على كل نبي أن يؤمن بمن بعده (لا يضاد،) لا يخالف (ما قاله علي وابن عباس، ولا ينفيه، بل يستلزمه،) لأنه إذا صدق بعضهم بعضًا، لزم أن يكونوا مأمورين بالإيمان بالمصطفى ونصره، (ويقتضيه) عطف تفسير. (وقيل معناه: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا يأخذون الميثاق من أممهم، بأنه إذا بعث محمد عَّ أن يؤمنوا به وينصروه،) وعلى هذا، فإضافة الميثاق إلى النبيين إضافته للفاعل، والمعنى وإذ أخذ اللَّه الميثاق الذي وثقه الأنبياء على أممهم، قاله البيضاوي. ٣٤٥ النوع الثاني في أخذ اللَّه تعالى له الميثاق على النبيين أخذ اللَّه الميثاق منهم يجب عليهم الإيمان بمحمد عَُّلِه عند مبعثه، وكان الأنبياء عند مبعث محمد عَّله من جملة الأموات، والميت لا يكون مكلفًا، فتعين أن يكون الميثاق مأخوذًا على الأمم. قالوا: ويؤكد هذا، أنه تعالى حكم على الذين أخذ عليهم الميثاق أنهم لو تولوا لكانوا فاسقين، وهذا الوصف لا يليق بالأنبياء، وإنما يليق بالأمم. وأجاب الفخر الرازي: بأن يكون المراد من الآية أن الأنبياء لو كانوا في الحياة لوجب عليهم الإيمان بمحمد علّة. ونظيره قوله تعالى ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ [الزمر/٦٥]، وقد علم اللَّه تعالى أنه لا يشرك قط، ولكن خرج هذا الكلام على سبيل التقدير والفرض، وقال تعالى: ﴿ولو تقوَّل علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين﴾ [الحاقة/٤٦] وقال في (واحتج له بأن الذين أخذ اللّه الميثاق منهم يجب عليهم الإيمان بمحمد عبد عند مبعثه، وكان الأنبياء عند مبعث محمد عٍَّ من جملة الأموات،) لا يرد عيسى وإدريس على حياتهما، والخضر على حياته.ونبوته، لأن الحكم للأكثر، (والميت لا يكون مكلفًا، فتعين أن يكون الميثاق مأخوذًا على الأمم، قالوا: ويؤكد،) أي: يقوى (هذا) القول؛ (أنه تعالى حكم على الذين أخذ عليهم الميثاق، أنهم لو تولوا لكانوا فاسقين،) بقوله تعالى بعد ذلك: ﴿فأولئك هم الفاسقون﴾ [آل عمران/٨٢]، (وهذا الوصف لا يليق بالأنبياء)) أي: لا يجوز عليهم، (وإنما يليق بالأمم،) لجوازه عليهم. (وأجاب الفخر الرازي،) وفي نسخة: وأجاب القفال، والظاهر فسادها، وفي أخرى: وأجيب، (بأن يكون المراد من الآية أن الأنبياء لو كانوا في الحياة لوجب عليهم الإيمان بمحمد لمَ ل) كما قال: ﴿لو كان موسى حيًا ما وسعه﴾، إلا إتباعي، (ونظيره قوله تعالى: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ [الزمر/٦٥]، وقد علم الله تعالى؛ أنه لا يشرك قط، ولكن خرج هذا الكلام على سبيل التقدير والفرض،) والمراد به تهييج الرسل، وإقناط الكفرة، والإشعار على حكم الأمة، والخطاب باعتبار كل واحد. (وقال تعالى: ﴿ولو تقول﴾،) النبي، ((علينا بعض الأقاويل﴾،) بأن قال علينا ما لم نقله، سمى الافتراء تقولاً، لأنه قول متكلف، والأقوال المفتراة أقاويل، تحقيرًا لها، كأنها جمع أفعولة من القول، كأضاحيك، (﴿لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين﴾﴾ [الحاقة/٤٤]، أي: نياط قلبه بضرب عنقه، وهو تصوير لإهلاكه بأفظع ما يفعله الملوك ممن يغضبون عليه، وهو أن ٣٤٦ النوع الثاني في أخذ اللّه تعالى له الميثاق على النبيين الملائكة: ﴿ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم﴾ [الأنبياء/ ٢٩]، مع أنه تعالى أخبر عنهم بأنهم ﴿لا يسبقونه بالقول﴾ [الأنبياء/٢٧] وبأنهم ﴿يخالفرن ربهم من فوقهم﴾ [النحل/٥٠]، فكل ذلك خرج على سبيل الفرض والتقدير. وإذا نزلت هذه الآية على أن اللَّه أوجب على جميع الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد لو كانوا في الأحياء، وأنهم لو تركوا ذلك لصاروا في جملة الفاسقين، فلأن يكون الإيمان بمحمد عَّه واجبًا على أممهم من باب أولى. فكان صرف هذا الميثاق إلى الأنبياء أقوى في تحصيل المقصود. وقال السبكي في هذه الآية: إنه عليه الصلاة والسلام على تقدير مجيئهم في زمانه يكون مرسلاً إليهم. فتكون نبوته ورسالته عامة لجميع الخلق، من زمن آدم إلى يوم القيامة، وتكون الأنبياء وأممهم كلهم من أمته، ويكون قوله عليه الصلاة والسلام: وبعثت إلى الناس كافة لا يختص به الناس من زمانه إلى يوم يأخذ القتال بيمينه، ويكفحه بالسيف، ويضرب جيده، وقيل: اليمين بمعنى القوة، قاله البيضاوي. (وقال في الملائكة: ﴿ومن يقل منهم إني إله من دونه)،) أي: اللَّه، أي: غيره، (فذلك نجزيه جهنم﴾)، كذلك، كما جزيناه نجزي الظالمين، (مع أنه تعالى أخبر عنهم؛ بأنهم ﴿لا يسبقونه بالقول﴾،) لا يأتون بقولهم إلا بعد قوله، (وبأنهم ﴿يخافون﴾،) أي: الملائكة حال من ضمير يستكبرون، (﴿ربهم من فوقهم﴾) حال من هم، أي: عاليًا عليهم بالقهر، (فكل ذلك خرج على سبيل الفرض والتقدير، وإذا نزلت هذه الآية:) ﴿وإذ أخذ اللَّه ميثاق النبيين﴾، (على أن اللَّه أوجب على جميع الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد، لو كانوا في الأحياء، وأنهم لو تركوا ذلك) فرضًا وتقديرًا، (لصاروا في جملة الفاسقين،) حاشاهم، (فلأن يكون الإيمان بمحمد عَّ واجبًا على أممهم من باب أولى،) لأنه إذا أمر المتبوع بذلك، فكيف بالتابع، (فكان صرف هذا الميثاق إلى الأنبياء أقوى في تحصيل المقصود،) بالتعظيم له، لشموله للأمم بالأخروية، بخلاف حمله على الأمم. (وقال السبكي) الكبير في رسالة صغيرة، سماها التعظيم والمنة في: ﴿ليؤمنن به ولينصرنه﴾ [آل عمران/٨١]، (في هذه الآية،) أفادت (إنه عليه الصلاة والسلام على تقدير مجيئهم،) أي: النبيين (في زمانه، يكون مرسلاً إليهم، فتكون نبوته ورسالته عامة لجميع الخلق من زمن آدم إلى يوم القيامة، وتكون الأنبياء وأممهم كلهم من أمته) مع بقاء الأنبياء على نبوتهم، (ويكون قوله عليه الصلاة والسلام،) في حديث رواه الشيخان وغيرهما: (وبعثت ٣٤٧ النوع الثاني في أخذ اللَّه تعالى له الميثاق على النبيين القيامة، بل يتناول من قبلهم أيضًا، وإنما أخذ المواثيق على الأنبياء ليعلموا أنه المقدم عليهم، وأنه نبيهم ورسولهم. وفي أخذ المواثيق - وهي في معنى الاستحلاف، ولذلك دخلت ((لام)) القسم في لتؤمنن به ولتتصرنه - لطيفة: وهي كأنها أيمان البيعة التي تؤخذ للخلفاء، ولعل أيمان الخلفاء أخذت من هنا. فانظر هذا التعظيم العظيم للنبي ◌َّه من ربه تعالى، فإذا عرف هذا فالنبي عَّه نبي الأنبياء، ولهذا ظهر ذلك في الآخرة جميع الأنبياء تحت لوائه، إلى الناس كافة،) قومي وغيرهم من العرب والعجم، (لا يختص به الناس،) الكائنون (من زمانه إلى يوم القيامة، بل يتناول من قبلهم أيضًا،) وذكر نحوه البارزي في توثيق عرا الإيمان، وادعى بعض أن ما ذكره السبكي غريب، لا يوافقه عليه من يعتد به، والجمهور على أن المراد بالكافة ناس زمنه، فمن بعدهم إلى يوم القيامة، ودفعه شيخنا لما ذكرته له بأنه لا ينافي كلام الجمهور، إلا إذا أريد التبليغ بالفعل، أما إذا أريد بالبعث اتصافه بكونهم مأمورين في الأزل؛ بأن يتبعوه إذا وجد، كما هو صريح كلامه، فلا يخالفه واحد فضلاً عن الجمهور. (وإنما أخذ المواثيق على الأنبياء ليعلموا أنه المقدم عليهم، وأنه نبيهم ورسولهم،) مع بقائهم على النبوة والرسالة، ولذا لما أثنى على ربه في المعراج، قال إبراهيم: بهذا فضلكم محمد، (وفي أخذ المواثيق) خبر مقدم، (وهي في معنى الاستخلاف) (بحاء مهملة)، أي: طلب اليمين، قال ذلك، لأن الميثاق لغة العهد، (ولذلك دخلت لام) جواب (القسم في ﴿لتؤمنن به ولتنصرنه﴾،) وجواب الشرط محذوف إن جعلت ما بمعنى الشرط، وقرىء بفتح اللام، أما على قراءة لما بكسرها، وجعل ما مصدرية، فهو جواب القسم في: ﴿وإذ أخذ اللَّه .. ﴾، الخ. (لطيفة) مبتدأ مؤخر، (وهي كأنها إيمان البيعة التي تؤخذ للخلفاء) على الناس بالطاعة، (ولعل إيمان الخلفاء أخذت من هنا، فانظر) نظر تدبر وتأمل، (هذا التعظيم العظيم للنبي: من ربه تعالى، فإذا عرف هذا، فالنبي عَِّ نبي الأنبياء))) أي: مبعوث إليهم لأخذ الميثاق عليهم بإيمانهم به، أن أدركوه، والمراد بالنبوة هنا الرسالة، أي: أنه رسول إلى جميع الأنبياء، أي: أوحى إليه بتبليغهم عن اللَّه تعالى حتى لو اجتمع بواحد منهم في زمانه كان مرسلاً إليه، مع بقائه على رسالته ونبوته، (ولهذا ظهر ذلك في الآخرة،) أي: كونه نبي الأنبياء، (جميع الأنبياء،) بالرفع بدل من ذلك، أو بيان له (تحت لوائه،) كما قال في أحاديث، (و) ظهر (في ٣٤٨ النوع الثاني في أخذ اللَّه تعالى له الميثاق على النبيين وفي الدنيا كذلك ليلة الإسراء صلى بهم، ولو اتفق مجيئه في زمن آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى وجب عليهم وعلى أممهم الإيمان به ونصرته، وبذلك أخذ اللَّه الميثاق عليهم، فنبوته عليه السلام عليهم ورسالته إليهم معنى حاصل لهم في حياتهم، وإنما أمره يتوقف على اجتماعهم معه، فتأخر ذلك الأمر راجع إلى وجودهم لا إلى عدم اتصافهم بما يقتضيه. وفرق بين توقف الفعل على قبول المحل وتوقفه على أهلية الفاعل، فههنا لا توقف من جهة الفاعل، ولا من جهة ذات النبي الشريفة، وإنما هو من جهة وجود العصر المشتمل عليه، فلو وجد في عصرهم لزمهم اتباعه بلا شك، ولهذا يأتي عيسى عليه السلام في آخر الزمان على شريعته، وهو نبي كريم على حاله، لا كما يظن بعض الناس أنه يأتي واحدًا من هذه الأمة، نعم هو واحد من هذه الأمة لما قلنا من اتباعه للنبي، وإنما يحكم بشريعة نبينا محمد عَّله بالقرءان والسنة، وكل ما فيهما من أمر ونهي، فهو متعلق الدنيا كذلك ليلة الإسراء صلى بهم) إمامًا، (ولو اتفق مجيئه في زمن آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى،) وباقي الأنبياء والمرسلين، (وجب عليهم وعلى أممهم الإيمان به ونصرته، وبذلك أخذ اللّه الميثاق عليهم، فنبوته عليه السلام عليهم ورسالته إليهم، معنى حاصل لهم في حياتهم، وإنما أمره يتوقف على اجتماعهم معه، فتأخر ذلك الأمر راجع إلى وجودهم لا إلى عدم اتصافهم بما يقتضيه، وفرق بين توقف الفعل على قبول المحل،) وهو ذاته معلّه من حيث قابلة للرسالة؛ بأن يوحى إليها، (وتوقفه على أهلية الفاعل،) وهو أمر بالتبليغ، لأنه يفعل ما أمر به من تبليغ ما أمر به، ويأمر وينهي، وهي ذاته، فتطلق عليها محلاً وفاعلاً باعتبارين، (فههنا لا توقف من جهة الفاعل، ولا من جهة ذات النبي الشريفة، وإنما هو من جهة وجود العصر:) الزمن (المشتمل عليه، فلو وجد في عصرهم، لزمهم اتباعه بلا شك، ولهذا يأتي عيسى في آخر الزمان على شريعته،) أي: نبينا، بمعنى أنه مأمور بالعمل بها، لكونه مأمورًا بأتباعه، (وهو نبي كريم على حاله لا كما يظن بعض الناس؛ أنه يأتي واحدًا من هذه الأمة،) ليس متصفًا بنبوته، وحذف هذه الصفة تأدبًا، قال السيوطي: وسبب هذا الظن تخيله ذهاب صفة النبوة منه، وهو فاسد، لأنه لا یذهب أبدًا ولا بعد موته. (نعم، هو واحد من هذه الأمة لما قلنا من إتباعه للنبي، وإنما يحكم بشريعة نبينا محمد عَّ بالقرآن والسنة،) وأخذه لها من النبي عَّه بلا واسطة، لأنه اجتمع به غير مرة، فلا مانع أنه تلقى منه أحكام شريعته، المخالفة لشرع الإنجيل، لعلمه بأنه ينزل في أمته، ويحكم فيهم بشرعه، وإلى هذا أشار جماعة من العلماء، أو يتلقاها عنه، إذا نزل، لأنه يجتمع به في ٣٤٩ النوع الثاني في أخذ اللّه تعالى له الميثاق على النبيين به كما يتعلق بسائر الأمة، وهو نبي كريم على حاله لم ينقص منه شىء. وكذلك لو بعث النبي حُّ﴾. في زمانه أو في زمان موسى وإبراهيم ونوح وآدم كانوا مستمرين على نبوتهم ورسالتهم إلى أممهم، والنبي ◌َّه نبي عليهم ورسول إلى جميعهم، فنبوته ورسالته أعم وأشمل وأعظم. وتتفق مع شرائعهم في الأصول، لأنها لا تختلف، وتقدم شريعته فيما عساه يقع الاختلاف فيه من الفروع، إما على سبيل التخصيص، وإما على سبيل النسخ، أو لا نسخ ولا تخصيص بل تكون شريعة النبي عَّة في تلك الأوقات بالنسبة إلى أولئك الأمم ما جاءت به أنبياؤهم، وفي هذا الوقت بالنسبة إلى هذه الأمة هذه الشريعة، والأحكام تختلف باختلاف الأرض، كما صرح به في أحاديث، فلا مانع أن يأخذ عنه ما احتاج إليه من أحكام شرعه، ذكره السيوطي، وتقدم له مزيد في خصائص الأمة. (وكل ما فيهما من أمر ونهي، فهو متعلق به، كما يتعلق بسائر الأمة،) من حيث كونه مأمورًا بهما كغيره، وفي نسخة: لا، كما يتعلق بلا النافية، أي: لأن تعلقه به قطعي من حيث إنه إذا اجتهد في أخذ شىء منهما كان قطعيًا مطابقًا للواقع، بخلاف أخذ غيره من الأمة، فظني قد لا يصيب فيه، (وهو نبي كريم على حاله، لم ينقص منه شىء،) إذ النبوة لا تذهب بالموت، فكيف بمن هو حي، (وكذلك لو بعث النبي عَّ في زمانه، أو في زمان موسى وإبراهيم ونوح وآدم، كانوا مستمرين على نبوتهم ورسالتهم إلى أممهم، والنبي ◌َُّ نبي عليهم، ورسول إلى جميعهم، فنبوته ورسالته أعم وأشمل وأعظم،) لكونها للأنبياء والأمم جميعًا، بخلاف غیره، فکل إلى أمته. (وتتفق مع شرائعهم في الأصول، لأنها لا تختلف،) كما قال تعالى: ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه﴾ [الشورى/١٣]، وقال عَة في حديث: ((والأنبياء أولاد علاّت، أمهاتهم شىء ودينهم واحد)) رواه الشيخان، وعلات بفتح المهملة وشد اللام وفوقية، أي: ضرائر من رجل واحد. (وتقدم شريعته فيما عساه) يختلف، أو (يقع الاختلاف فيه من الفروع، إما على سبيل التخصيص، وإما على سبيل النسخ، أو لا نسخ ولا تخصيص، بل تكون شريعة النبي عَّه. في تلك الأوقات بالنسبة إلى أولئك الأمم ما جاءت به أنبياؤهم، وفي هذا الوقت بالنسبة إلى هذه الأمة هذه الشريعة) التي جاء بها عليه السلام. ٣٥٠ (النوع الثاني في أخذ اللَّه تعالى له الميثاق على النبيين الأشخاص والأوقات، وبهذا بان لنا معنى حديثين كانا خفيا عنا. أحدهما: قوله عَّله: بعثت إلى الناس كافة، كنا نظن أنه من زمانه إلى يوم القيامة، فبان أنه جميع الناس أولهم وآخرهم. والثاني: قوله عَّه كنت نبيًا وآدم بين الروح والجسد، كنا نظن أنه بالعلم، فبان أنه زائد على ذلك، وإنما يفترق الحال بين ما بعد وجود جسده الشريف (والأحكام تختلف باختلاف الأشخاص والأوقات،) كعادم الماء لمرض أو سفر فرضه التيمم، واعترض بأن النصوص العقلية والنقلية ناطقان بخلافه، كقوله تعالى: ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده﴾ [النساء/١٦٣]، وما في معناها من الآيات، والأنبياء مع تعظیمهم له، ومحبتهم ليسوا مكلفين بأحكام شرعه، وإلا لم يكونوا أصحاب شرع، فالمحبة والتعظيم معنى، والتعبد بشرعه معنى آخر، ولا عبرة بظنهما أمرًا واحدًا، وقوله: ﴿لتؤمنن به﴾، دون بشرعه، مناد علیه، فما تبجح به السبكي واستحسنه هو ومن بعده لا وجه له عند من له أدنى بصيرة نقادة، وكيف يتأتى ما قاله مع قوله تعالى: ﴿أن اتبع ملة إبراهيم حنيفًا﴾ [النحل/ ١٢٣]، فإنه عكسه، وقد طلب موسى أن يكون من أمته، فأجابه اللّه بقوله: استقدمت واستأخر، ولكن سأجمع بينك وبينه في دار الجلال. انتهى، وتعسفه لا يخفى، فإن قوله ذلك من جملة مدخول لو في قوله: لو بعث في زمان عيسى أو موسى إلى آخره، فسقط جميع ما قاله، ومن أقوى تعسفه قوله: ليسوا مكلفين بأحكام شرعه، فإنه لم يدع تكليفهم به، بل إن شعائرهم على تقدير وجوده في أزمانهم شرع له فيهم. (وبهذا بان:) ظهر واتضح (لنا معنى حديثين كانا خفيا،) أي: بعد إدراكهما (عنا، أحدهما قوله عَ له: بعثت إلى الناس كافة، كنا نظن أنه من زمانه إلى يوم القيامة، فبان أنه جميع الناس أولهم وآخرهم. (والثاني قوله عليه: كنت نبيًّا وآدم بين الروح والجسد،) رواه أحمد والبخاري في التاريخ، وأبو نعيم وغيرهم: (كنا نظن أنه بالعلم، فبان أنه زائد على ذلك) على ما شرحناه، يعني بقوله أولاً أنه قد جاء أن اللَّه تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد، فقد يكون قوله كنت نبيًا، إشارة إلى روحه وحقيقة من الحقائق، والحقائق تقصر عقولنا عن معرفته، وإنما يعلمها خالقها، ومن أمده بنور إلهي، ويؤتي اللَّه كل حقيقة منها ما يشاء في الوقت الذي يشاء، فحقيقته عَّله قد تكون من حين خلق آدم، أتاها ذلك الوصف، بأن يكون خلقها متهيئة لذلك، وإفاضة عليها من ذلك الوقت، فصار نبيًا، فحقيقته موجودة من ذلك الوقت، وإن تأخر جسده المتصف بها، إلى أن قال: فقد علم أن من فسره بعلم اللَّه؛ بأنه سيصير نبيًا لم يصل إلى هذا المعنى، لأن علمه. ٣٥١ النوع الثاني في أخذ اللَّه تعالى له الميثاق على النبيين وبلوغه الأربعين، وما قبل ذلك بالنسبة إلى المبعوث إليهم وتأهلهم لسماع كلامه لا بالنسبة إليه ولا إليهم، لو تأهلوا قبل ذلك، وتعليق الأحكام على الشروط قد يكون بحسب المحل القابل، وقد يكون بحسب الفاعل المتصرف فههنا التعليق إنما هو بحسب المحل القابل، وهو المبعوث إليهم وقبولهم سماع الخطاب والجسد الشريف الذي يخاطبهم بلسانه. وهذا كما يوكل الأب رجلاً في تزويج ابنته إذا وجدت كفؤًا، فالتوكيل صحيح وذلك الرجل أهل للوكالة، ووكالته ثابتة، وقد يحصل التوقف أي توقف التصرف على وجود الكف، ولا يوجد إلا بعد مدة، وذلك لا يقدح في صحة الوكالة وأهلية التوكيل، انتهى. محيط بجميع الأشياء، ووصفه علّله بالنبوة في ذلك الوقت ينبغي أن يعلم منه أمر ثابت له في ذلك الوقت، ولو كان المراد مجرد العلم لم تكن له خصوصية؛ بأنه نبي وآدم بين الروح والجسد، لأن جميع الأنبياء يعلم اللَّه نبوتهم في ذلك الوقت وقبله، فلا بد من خصوصية له لأجلها، أخبر بهذا الخبر ليعرف قدره عند اللَّه. انتهى. (وإنما يفترق الحال بين ما بعد وجود جسده الشريف وبلوغه الأربعين، وما قبل ذلك بالنسبة إلى المبعوث إليهم، وتأهلهم لسماع كلامه، لا بالنسبة إليه، ولا إليهم، لو تأهلوا قبل ذلك، وتعليق الأحكام على الشروط قد يكون بحسب المحل القابل، وقد يكون بحسب الفاعل المتصرف، فههنا التعليق إنما هو بحسب المحل القابل، وهو المبعوث إليهم، وقبولهم سماع الخطاب، والجسد الشريف الذي يخاطبهم بلسانه، وهذا كما يوكل الأب رجلاً في تزويج ابنته إذا وجدت كفؤًا، فالتوكيل صحيح، وذلك الرجل أهل للوكالة، ووكالته ثابتة، وقد يحصل التوقف، أي: توقف التصرف،) الأظهر في التعبير بقوله، والتصرف متوقف، (على وجود الكفء، ولا يوجد إلا بعد مدة، وذلك لا يقدح في صحة الوكالة وأهلية التوكيل،) وهذا المثال ظاهر في حديث: ((بعثت إلى الناس كافة)). (انتهى،) كلام السبكي في رسالته، وهي نحو ورقتين، كما ذكر المصنف سواء بسواء، فمن كتب على قوله والأوقات، إلى هنا انتهى كلام السيوطي، لم يقف على رسالته فرجم بالغيب، والله تعالى أعلم ٣٥٢ النوع الثالث في وصفه تعالى له بالشهادة وشهادته له بالرسالة النوع الثالث في وصفه تعالى له بالشهادة وشهادته له بالرسالة قال الله تعالى حكاية عن إبراهيم وإسمعيل - عليهما السلام - عند بناء البيت الحرام: ﴿ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم * ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم * ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم﴾ [البقرة/ ١٢٧- ١٢٩]. فاستجاب الله دعاءهما، وبعث في أهل مكة منهم رسولاً بهذه الصفة من (النوع الثالث:) (في) بيان ما يدل على (وصفه تعالى له) عَّةٍ، (بالشهادة) على وحدانية اللَّه وغيرها، مما يأتي في: ﴿إنا أرسلناك شاهدًا﴾ [الأحزاب/٤٥]، (وشهادته) تعالى (له بالرسالة،) أي: إخباره بذلك، فالشهادة خبر قاطع، كما في القاموس وغيره. (قال اللَّه تعالى حكاية عن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام،) أي: ما وقع منهما من الألفاظ الحادثة، المنزلة على المصطفى، وإيجادها متأخر عن بعثته، فلا يرد أن كلامه تعالى قديم سابق على قولهما، فكيف يكون حكاية لما قالاه (عند) تمام (بناء البيت،) إذ الدعاء إنما كان بعد أن فرغا من بنائه (الحرام،) أي: الكعبة، إذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل، (﴿ربنا تقبل منا إنك أنت السميع﴾) للقول، ((العليم)) بالفعل، (﴿ربنا واجعلنا مسلمين﴾(،) منقادين (﴿لك، و﴾) اجعل (﴿من ذريتنا﴾) أولادنا (﴿أمة﴾) جماعة ((مسلمة لك﴾،) ومن للتبعيض، وأتى به لتقدم قوله له: ﴿لا ينال عهدي الظالمين﴾ [البقرة/١٢٤] الآية، (﴿وأرنا﴾) علمنا ((مناسكنا﴾) شرائع عبادتنا، أو حجنا، (﴿وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم﴾٤) سألاه التوبة مع عصمتهما تواضعًا وتعليمًا لذريتهما، (﴿ربنا وابعث فيهم﴾،) أي: أهل البيت، (﴿رسولاً منهم﴾،) من أنفسهم (﴿يتلو عليهم آياتك﴾) القرآن، (﴿ويعلمهم الكتاب﴾) القرآن (﴿والحكمة﴾) ما فيه من الأحكام، (﴿ويزكيهم﴾،) يطهرهم من الشرك (﴿إنك أنت العزيز﴾،) الغالب (﴿الحكيم﴾) في صنعه، (فاستجاب الله دعاءهما،) بقولهما: ﴿ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم﴾، (وبعث فى أهل مكة منهم رسولاً بهذه الصفة من ولد إسمعيل الذي دعا مع أبيه إبرهيم عليهما السلام بهذا الدعاء،) أفاد أن المبتدىء بالدعاء إبراهيم، فوافقه إسمعيل، فلذا خص إبراهيم في الخبر الآتي، لكونه المبتدىء به، وزعم أن الدعاء كان من إبراهيم وضم إليه إسمعيل لمشاركته له في الدعاء، بتأمينه عليه أو غيره فاسد، لأن التأمين من خصوصية هذه الأمة، ٣٥٣ النوع الثالث في وصفه تعالى له بالشهادة وشهادته له بالرسالة ولد إسمعيل الذي دعا مع أبيه إبراهيم عليهما السلام بهذا الدعاء. فإن قلت: من أين علم أن الرسول هنا المراد به محمد عَّةٍ؟ فالجواب من وجوه: أحدها: إجماع المفسرين وهو حجة. الثاني: قوله عليه الصلاة والسلام: أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى، قالوا: وأراد بالدعوة هذه الآية، وبشارة عيسى هي ما ذكر في سورة الصف من قوله تعالى: ﴿ومبشرًا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد﴾ [الصف/٦]. الثالث: إن إبراهيم إنما دعا بهذا الدعاء بمكة لذريته الذين كانوا بها وبما كما مر في الخصائص، قال عَ له: ((وأعطيت آمين، ولم يعطها أحد ممن كان قبلكم إلا أن يكون اللَّه أعطاها نبيه لهرون، فإن موسى كان يدعو اللَّه ويؤمن لهرون)، رواه ابن مردويه وغيره. (فإن قلت: من أين علم أن الرسول هنا، المراد به محمد عَّده، فالجواب من وجوه) ثلاثة. (أحدها: إجماع المفسرين وهو حجة) قوية. (الثاني: قوله عليه الصلاة والسلام) في حديث أخرجه الطيالسي والحارث والديلمي وابن عساكر: (أنا دعوة أبي إبراهيم،) أي: صاحب دعوته، إذ لا يصح الإخبار بالمصدر، (وبشارة) أخي (عيسى،) وفي رواية ابن عساكر: وكان آخر من بشر بي عيسى بن مريم، وفائدة إخبار المصطفى بذلك بعد علمه ثبوت وقوعه، مقدرًا له ذلك في الأزل، التنويه بشرفه وكونه مطلوب الوجود، تاليًا للآيات، معلمًا للكتاب والحكمة، مطهرًا للناس من الشرك، معروفًا عند جميع الأنبياء، (قالوا) ليس مراده التبري، بل الحكاية عن كل العلماء، (وأراد بالدعوة هذه الآية،) وخصه، لأنه المبتدىء كما مر، (وبشارة عيسى هي) هكذا في النسخ الصحيحة خبر بشارة، وفي نسخة سقيمة وهي بزيادة واو، ولا يحسن عطف بشارة على قوله هذه الآية، لأن المعنى عليه يصير حاصله أراد بيشارة عيسى، ولا يخفى ما فيه (ما ذكر في سورة الصف من قوله تعالى: ﴿ومبشرًا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد﴾﴾ [الصف/٦]،) سماه به، لأنه مسمى به في الإنجيل، ولأنه أبلغ من محمد، بشر عيسى قومه بذلك، ليؤمنوا به عند مجيئه، أو ليكون معجزة لعيسى عند ظهوره. (الثالث: أن إبراهيم إنما دعا بهذا الدعاء بمكة لذريته الذين كانوا بها وبما حولها، ولم يبعث الله تعالى إلى من بمكة) من ذرية إبراهيم وإسماعيل، (إلا محمدًا عَنّة،) فتعين أنه المراد، ٣٥٤ النوع الثالث في وصفه تعالى له بالشهادة وشهادته له بالرسالة حولها، ولم يبعث اللَّه تعالى إلى من بمكة إلا محمدًا عَّهِ. وقد امتن اللَّه تعالى على المؤمنين ببعث النبي منهم على هذه الصفة فقال: ﴿لقد منَّ اللَّه على المؤمنين بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب﴾ الآية، [آل عمران/١٦٤]، فليس لله تعالى منة على المؤمنين أعظم من إرسال محمدًا عَّ يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم، وإنما كانت النعمة على هذه الأمة بإرساله أعظم النعم، لأن النعمة به عَّه تمت بها مصالح الدنيا والآخرة، وكمل بسببها دين اللَّه تعالى الذي رضيه لعباده. وقوله: ﴿من أنفسهم﴾ يعني أنه بشر مثلهم، وإنما امتاز عليهم بالوحي. وقرىء في الشواذ من أنفسهم - بفتح الفاء- يعني من أشرافهم، لأنه من بني (وقد امتن اللَّه تعالى،) وفي نسخة: من، وهما بمعنى أنعم مطلقًا، أو على من لا يطلب، ويكون بمعنى تعداد النعم (على المؤمنين، ببعث النبي منهم على هذه الصفة، فقال: ﴿لقد منّ أنعم (﴿اللَّه على المؤمنين﴾،) ولا يحمد المن إلا من اللّه تعالى، لأنه منه يذكر العبد، فيبعثه على الشكر، فيثيبه، ومن الخلق قبيح مطلقًا، ولذا قال لنبيه: ﴿ولا تمنن تستكثر﴾ [المدثر/٦]، فالمن إذًا حرام عليه، مكروه لغيره، وقيل بحرمته أيضًا، (﴿بعث فيهم رسولاً من أنفسهم﴾) من جنسهم يعرفون حاله، وأنه ما قرأ ولا درس، وقد جاءه العلم دفعة، فقص سير الأولين والآخرين على ما هي عليه، فيعلم العاقل أنه أمر خارق من عند الخالق، كل ذلك إبلاغ في ظهور حجته ووضوح معجزته، فكيف يليق أن يجعل المقتضى مانعًا، فليحدون ويجحدون، قاله ابن المنير في تفسيره. (﴿يتلو عليهم آياته﴾) القرآن (﴿ويزكيهم))، يطهرهم من الذنوب، (﴿ويعلمهم الكتاب﴾ القرآن، بالنصب، أي: اقرأ أو اذكر، (فليس لله تعالى منة على المؤمنين أعظم من إرسال محمد عَّ يهدي إلى الحق:) الإسلام، أو العقائد، (وإلى طريق مستقيم) من الشرائع، (وإنما كانت النعمة على هذه الأمة بإرساله أعظم النعم، لأن النعمة به عَّةٍ تمت بها مصالح الدنيا والآخرة، وكمل بسببها دين اللَّه تعالى:) أحكامه وفرائضه، (الذي رضيه:) اختاره (لعباده،) كما قال تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا﴾ [المائدة/٣] الآية، (وقوله: ﴿من أنفسهم﴾، يعني أنه بشر مثلهم، وإنما امتاز عليهم بالوحي،) لا ملك ولا أعجمي، (وقرىء في الشواذ: من أنفسهم (بفتح الفاء)، يعني من أشرافهم،) وإذا كان من أشرفهم كان منهم ضرورة، (ولأنه من بني هاشم وبنو هاشم، أفضل قريش، وقريش أفضل العرب، والعرب أفضل من غيرهم،) وقد مر تفاصيل ذلك في المقصد الأول، وكذا ٣٥٥ النوع الثالث في وصفه تعالى له بالشهادة وشهادته له بالرسالة هاشم، وبنو هاشم أفضل قريش، وقريش أفضل العرب، والعرب أفضل من غيرهم. ثم قيل: لفظ المؤمنون عام، ومعناه خاص في العرب، لأنه ليس حي من أحياء العرب إلا وقد ولده، وخص المؤمنين بالذكر لأنهم هم المنتفعون به أكثر، فالنعمة عليهم أعظم. فإن قلت: هل العلم بكونه عَّه بشرًّا، ومن العرب، شرط في صحة الإيمان، وهو من فروض الكفاية. أجاب الشيخ ولي الدين بن العراقي: أنه شرط في صحة الإيمان. قال: فلو قال شخص: أؤمن برسالة محمد عٍَّ إلى جميع الخلق، ولكن لا أدري هل هو من البشر أو من الملائكة، أو من الجن، أو لا أدري أو هو من العرب أو العجم، قريء، ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾ الآية، (بفتح الفاء)، كما مر أيضًا. (ثم قيل: لفظ المؤمنون عام، ومعناه خاص في العرب،) لأن المراد المؤمنين منهم، وفي الظرفية تسمح، إذًا التخصيص إنما هو بكون المؤمنين من العرب، لا بكون المؤمنين فيهم، ولو من غيرهم، ويمكن تعلق في العرب بمقدر، كالدليل معناه خاصًا، أي: وإنما كان مخصوصًا بالعرب، لأن بعثه فيهم، ويحتمل تعلقه بمعناه تجوزًا لا حقيقة، إذ العموم والخصوص من عوارض الألفاظ دون المعنى، (لأنه ليس حي من أحياء العرب إلا وقد ولده) (بفتحات)، أي: له عليه ولادة، إما بكونه جدة، أو جدًا. وفي البغوي قيل: أراد العرب، لأنه ليس حي منهم إلا وله فيهم نسب إلا بني تغلب، دليله هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم، وقيل: أراد جميع المؤمنين، ومعنى قوله من أنفسهم بالإيمان، والشفقة بالنسب، دليله: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾، (وخص المؤمنين بالذكر) مع أن نعمة البعثة عامة، (لأنهم هم المنتفعون به أكثر، فالنعمة عليهم أعظم،) فلا ينافي قوله: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ [الأحزاب/٤٥]، (فإن قلت: هل العلم بكونه عَُّ بشرًا، ومن العرب شرط في صحة الإيمان، وهو من فروض الكفاية) على الأبوين مثلاً، فإذا علم أحدهما ولده المميز ذلك سقط طلبه عن الآخر. (أجاب الشيخ ولي الدين) أحمد (بن) عبد الرحيم (العراقي،) الحافظ، ابن الحافظ: (أنه شرط في صحة الإيمان، قال: فلو قال شخص أؤمن برسالة محمد عَّه إلى جميع الخلق، ولكن لا أدري هل هو من البشر، أو من الملائكة، أو من الجن، أو لا أدري، أو هو من العرب، أو العجم، فلا شك في كفره لتكذيبه القرآن،) لقوله تعالى: ﴿هو الذي بعث في ٣٥٦ النوع الثالث في وصفه تعالى له بالشهادة وشهادته له بالرسالة فلا شك في كفره لتكذيبه القرءان وجحده ما تلقته قرون الإسلام خلفًا عن سلف، وصار معلومًا بالضرورة عند الخاص والعام، ولا أعلم في ذلك خلافًا. فلو كان غبيًا لا يعرف ذلك وجب تعليمه إياه، فإن جحده بعد ذلك حكمنا بكفره. انتهى. فإن قلت: هل هو عليه الصلاة والسلام باق على رسالته إلى الآن؟ أجاب أبو المعين النسفي: بأن الأشعري قال: إنه عليه الصلاة والسلام الآن الأميين رسولاً منهم﴾ [الجمعة/٢]، وقال تعالى: ﴿ولا أقول لكم إني ملك﴾ [هود/٣١]، (وجحده ما تلقته قرون الإسلام خلفًا عن سلف، وصار معلومًا بالضرورة عند الخاص والعام، ولا أعلم في ذلك خلافًا، فلو كان غبيًا:) (بمعجمة فموحدةم جاهلاً قليل الفطنة، (لا يعرف ذلك وجب تعليمه إياه، فإن جحده،) أي: المعلوم بالضرورة، (بعد ذلك حكمنا بكفره،) لأن إنكاره كفر، أما إنكاره أليس ضروريًا، فليس كفرًا، ولو جحده بعد التعليم على ما اقتضاه شراح البهجة لشيخ الإسلام زكريا. (انتهى) جواب الولي. وتعقبه بعض شراح مسلم بقول الحليمي في منهاجه الإيمان به عَّةٍ، أي: التصديق بأنه رسول إلى الأنس والجن إلى قيام الساعة، يتضمن الإيمان بجميع الأنبياء والمرسلين، فلذا اكتفي به في المقارنة للإيمان بالله تعالى، ومن آمن به عَّه، وقال: لا أدري أكان بشرًا، أم ملكًا، أم جنيهًا، لم يضره ذلك إن كان ممن لم يسمع شيئًا من أخباره سوى أنه رسول اللَّه، كما لو يعلم أنه كان شابًا، أو شيخًا مكيًّا، أو عراقيًا، أو عجميًا، لأن شيئًا من ذلك لا ينافي الرسالة، لإمكان اجتماعهما، بخلاف ما لو قال آمنت بالله، ولا أدري أجسم هو أم لا؟، لأن الجسم لا يمكن أن يكون إلهًا، فتبين بذلك أن معرفته عَ له ليست شرطًا في صحة ابتداء الإيمان، وإنما هي واجبة بعد ذلك لأجل أن لا يقع في شىء مما ينقص مقامه الشريف، فليتأمل. انتهى. (فإن قلت: هل هو عليه الصلاة والسلام باق على رسالته إلى الآن،) بعد الموت إلى الأبد؟. (أجاب أبو المعين) ميمون بن محمد بن سعيد بن مكحول (النسفي) الحنفي، صاحب التبصرة، في علم الكلام والتمهيد لقواعد التوحيد وغيرهما، وهو غير صاحب الكنز عبد الله بن أحمد، وغير صاحب التفسير عمر بن محمد، وغير صاحب العقائد البرهان محمد بن محمد، وكلهم حنفيون من نسف: (بفتح النون والمهملة وبالفاء) مدينة بما وراء النهر، (بأن الأشعري قال: إنه عليه الصلاة والسلام الآن في حكم الرسالة، وحكم الشىء يقوم مقام أصل الشيء، ألا ترى أن العدة تدل على ما كان من أحكام النكاح. انتهىء) قضيته أن وصفه بأنه رسول ٣٥٧ النوع الثالث في وصفه تعالى له بالشهادة وشهادته له بالرسالة في حكم الرسالة، وحكم الشىء يقوم مقام أصل الشىء، ألا ترى أن العدة تدل على ما كان من أحكام النكاح. انتهى. وقال غيره: إن النبوة والرسالة باقية بعد موته عليه الصلاة والسلام حقيقة، كما يبقى وصف الإيمان للمؤمن بعد موته، لأن المتصف بالنبوة والرسالة، والإيمان هو الروح وهي باقية لا تتغير بموت البدن بإجماع انتهى. وتعقب: بأن الأنبياء أحياء في قبورهم، فوصف النبوة باق للجسد والروح معًا. وقال القشيري: كلام اللَّه تعالى لمن اصطفاه: أرسلتك أو بلغ عني، وكلامه تعالى قديم، فهو عليه الصلاة والسلام قبل أن يوجد كان رسولاً. وفي حال كونه وإلى الأبد رسولاً، لبقاء الكلام وقدمه، واستحالة البطلان على الإرسال الذي هو انقطع بموته، لكن بقاء حكمها نزل منزلة بقائها، فهي باقية حكمًا لا حقيقة. (وقال غيره: إن النبوة والرسالة باقية) كل منهما، أو لاتحادهما في صفة الإيحاء، فكأنهما شىء واحد، أو بناء على اتحادهما، فلا يرد أن الأولى للمطابقة باقيتان، (بعد موته عليه الصلاة والسلام حقيقة، كما يبقى وصف الإيمان للمؤمن بعد موته، لأن المتصف بالنبوة والرسالة والإيمان هو الروح، وهي باقية لا تتغير بموت البدن بإجماع. انتهى). (وتعقب) هذا التعليل، (بأن الأنبياء أحياء في قبورهم،) كما صرحت به الأحاديث، (فوصف النبوة باق للجسد والروح معًا،) أي: الاتصاف بالنبوة مع الرسالة، وإن انقطع العمل بشرائعهم سوی شريعة نبينا. (وقال القشيري: كلام اللَّه تعالى) النفسي، الأزلي، لا الألفاظ الدالة عليه، (لمن اصطفاه أرسلتك، أو بلغ عني، وكلامه تعالى قديم، فهو عليه الصلاة والسلام قبل أن يوجد كان رسولاً،) بقوله: ﴿أرسلتك﴾، أو بلغ عني، (وفي حال كونه،) أي: وجوده خارجًا بعد تكوينه وإيجاده رسولاً، وإن تأخر الأمر بالتبليغ إلى بعد الوحي، وتقدم تقريبه، بأن من أقر لولده الصغير بشىء يصح أن يقال أعطاه ذلك الشىء، مع أن الصبي في هذا الحال ليس أهلاً للتصرف، وفي نسخة: وفي حال موته، وعليها يكون ساكتًا عن حال وجوده للعلم به، (وإلى الأبد رسولاً لبقاء الكلام، وقدمه، واستحالة البطلان على الإرسال الذي هو كلام اللّه تعالى،) وهذا ظاهر على ما هو الراجح من أن كلامه تعالى الأزلي، يتنوع حقيقة إلى أمر ونهي، وخبر واستخبار وغير ذلك. ٣٥٨ النوع الثالث في وصفه تعالى له بالشهادة وشهادته له بالرسالة كلام اللّه تعالى. ونقل السبكي في طبقاته، عن ابن فورك أنه قال إنه عليه السلام حي في قبره، رسول اللَّه أبد الآباد على الحقيقة لا المجاز. وقال تعالى: ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين﴾ [الجمعة/٢]. والمراد بالأميين: العرب، تنبيهًا لهم على قدر هذه النعمة وعظمها حيث كانوا أميين، لا كتاب لهم، وليس عندهم شىء من آثار النبوة، كما كان عند أهل (ونقل السبكي في طبقاته عن ابن فورك،) (بضم فسكون) (أنه عليه السلام حي في قبره، رسول اللَّه أبد الآباد،) أي: في جميع الأزمنة، الصادق بما بعد موته إلى قيام الساعة، (على الحقيقة لا المجاز،) لحياته في قبره، يصلي فيه بأذان وإقامة. قال ابن عقيل الحنبلي: ويضاجع أزواجه ويستمتع بهن أكمل من الدنيا، وحُلف ذلك، وهو ظاهر ولا مانع منه. (وقال تعالى: ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم﴾) نسبًا محمدًا عَّ، (﴿يتلو عليهم آياته﴾،) القرآن، (﴿ويزكيهم)) يطهرهم من الشرك» (﴿ويعلمهم الكتاب﴾) القرآن (﴿والحكمة﴾) ما فيه من الأحكام، (﴿وإن﴾) مخففة من الثقيلة، واسمها محذوف، أي: وإنهم (﴿كانوا من قبل﴾) قبل مجيئه (﴿لفي ضلال مبين﴾) بيّ. (والمراد بالأميين العرب،) سموا بذلك، لأنهم كانوا لا يكتبون ولا يقرؤون، وكانت الكتابة معدومة فيهم إلا نادرًا لا حكم له، ثم أطلق على من كتب منهم، ومن لم يكتب تغليبًا، والأمي هو الذي لا يكتب ولا يقرأ الخط، وإن قرأ ما حفظه بالسماع من غيره، وقيل: الذي يقرأ ولا یکتب. (تنبيهًا لهم على قدر هذه النعمة وعظمها حيث كانوا أميين، لا كتاب لهم، وليس عندهم شىء من آثار النبوة،) لا يرد أنه كان عندهم بقايا من شرع إبراهيم، كالحج والغسل من الجنابة، لأنهم لما اشتغلوا عنها بعبادة الأصنام، وغيروا البقايا عن وجهها، كأنها لم تكن عندهم، (كما كان عدد أهل الكتاب) بقايا قليلة، (فمنّ اللَّه عليهم بهذا الرسول وبهذا الكتاب، حتى صاروا أفضل الأمم،) أي: الذين آمنوا منهم. ٣٥٩ النوع الثالث في وصفه تعالى له بالشهادة وشهادته له بالرسالة الكتاب، فمنَّ اللَّه عليهم بهذا الرسول وبهذا الكتاب، حتى صاروا أفضل الأمم. وفي كونه عليه الصلاة والسلام منهم فائدتان: إحداهما: أن هذا الرسول كان أيضًا أميًّا كأمته المبعوث إليهم، لم يقرأ كتابًا قط ولم يخطه بيمينه، كما قال تعالى: ﴿وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك﴾ [العنكبوت/٤٨]، ولا خرج عن ديار قومه فأقام عند غيرهم حتى تعلم منهم، بل لم يزل أميًا بين أمة أمية لا يكتب ولا يقرأ حتى بلغ الأربعين من عمره، ثم جاء بعد ذلك بهذا الكتاب المبين، وهذه الشريعة الباهرة، وهذا الدين القيم الذي اعترف حذاق الأرض ونظارها أنه لم يقرع العالم ناموس أعظم منه، وفي هذا برهان عظيم على صدقه. (وفي كونه عليه الصلاة والسلام منهم فائدتان: إحداهما: أن هذا الرسول كان أيضًا أميًّا، كأمته المبعوث إليهم، لم يقرأ كتابًا قط، ولم يخطه:) يكتبه (بيمينه، كما قال تعالى: ﴿وما كنت تتلو﴾،) تقرأ (﴿من قبله﴾) أي: الكتاب المذكور في قوله: ﴿وكذلك أنزلنا عليك الكتاب﴾ [العنكبوت/٤٧] الآية، أي: القرآن، ((من كتاب ولا تخطه بيمينك)) [العنكبوت/ ٤٨]، الجارحة التي يكتب بها، وذكرها زيادة تصوير لما نفى عنه من الكتابة، (ولا خرج عن ديار قومه،) عطف على قوله لم يقرأ، أي: خروجًا يقتضي تعلم شىء من غيره، كما أفاده قوله، (فأقام عند غيرهم حتى تعلم منهم،) فلا يرد خروجه مع عمه، وفي تجارة خديجة، لأنه لم يقم فيهما إقامة تقتضي التعلم منهم، (بل لم يزل أميًّا بين أمة:) طائفة (أمية) لا تقرأ ولا تكتب، كيوم ولدتها أمهاتها على جبلتها، وتطرف من قال: من أعجب الأشياء إني امرؤ عمي خالي وأبي أمي (لا يكتب ولا يقرأ حتى بلغ الأربعين من عمره، ثم جاء بعد ذلك،) أي: حضرا، وظهرا، وبعث (بهذا الكتاب المبين) اسم فاعل من أبان، بمعنى البين الواضح، أو بمعنى المظهر للشرائع وما فيها، والموضح لها، (وهذه الشريعة الباهرة،) الغالبة، الفاضلة على غيرها من الشرائع، (وهذا الدين القيم) هو أبلغ من المستقيم، باعتبار الوزن، لأنه صفة مشبهة تدل على الثبوت والدوام، والمستقيم أبلغ باعتبار صيغته الدالة على الطلب، فكأنه نفسه الذي يطلب قوامه، (الذي اعترف حذاق الأرض ونظارها؛ أنه لم يقرع،) أي: يصل (العالم ناموس،) رسول صاحب سر يبلغهم ما جاء به عن اللَّه (أعظم منه، وفي هذا برهان عظيم على صدقه،) وامتنان وثناء عظيم. (الفائدة الثانية: التنبيه على أن المبعوث منهم، وهم الأميون، خصوصًا أهل مكة ٣٦٠ النوع الثالث في وصفه تعالى له بالشهادة وشهادته له بالرسالة الفائدة الثانية: التنبيه على أن المبعوث منهم وهم الأميون، خصوصًا أهل مكة، يعرفون نسبه وشرفه وصدقه وأمانته وعفته، وأنه نشأ بينهم معروفًا بذلك، وأنه لم يكذب قط، فكيف كان يدع الكذب على الناس ثم يفتري الكذب على اللَّه عز وجل؟ هذا هو الباطل. ولهذا سأل هرقل عن هذه الأوصاف واستدل بها على صدقه فيما ادعاه من النبوة والرسالة. يعرفون نسبه وشرفه وصدقه، وأمانته وعفته، وأنه نشأ بينهم معروفًا بذلك، وأنه لم یکذب قط، فكيف كان يدع) أي: يترك (الكذب على الناس، ثم يفتري،) يقول (الكذب على الله عز وجل) من تلقاء نفسه، (هذا هو الباطل،) والاستفهام إنكاري، (ولهذا سأل هرقل) (بكسر الهاء وفتح الراء، وإسكان القاف على المشهور) لا ينصرف للعلمية والعجمة. وحكى الجوهري وغيره: سكون الراء وكسر القاف (عن هذه الأوصاف، واستدل بها على صدقه فيما ادعاه من النبوة والرسالة،) فقال: سألتك عن نسبه، فذكرت أنه فيكم ذو نسب، فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها، وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال، فذكرت أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس، ويكذب على اللَّه، إلى أن قال: وسألتك بما يأمركم، فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا اللَّه ولا تشركوا به شيئًا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف، فإن كان ما تقول حقًّا، فسيملك موضع قدمي هاتين. (وقد قال اللَّه تعالى خطابًا له،) خطاب شفقة وتسلية ﴿قد نعلم أنه ليحزنك الذين يقولون، (﴿فإنهم لا يكذبونك) ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون﴾ [الأنعام/٣٣]، واستشكل ظاهره، لأن كذب القول يستلزم كذب قائله إلا أن يكون ناقلاً غير ملتزم للصحة، والنبي عَية إنما ذكره على أنه حق من عند الله، وأجيب بأن المراد ليس قصدهم تكذيبك، لأنك عندهم موسوم بالصدق، وإنما يقصدون تكذيبي والجحود بآياتي، أو لا يعتقدونك كاذبًا، وإنما ينسبون الكذب، لما جئت به عنادًا، أو لا يقولون عادتك الكذب لكننا ننكر النبوة، فلا يلزم أن تكون كذابًا، أو أنك غير متعمد للكذب، بل تخيلت أمرًا باطلاً، فالتكذيب المنفي بالنسبة لافتعاله وتعمده، فلا یکون عيبًا، قيل: وهذا أحسن التأويلات، وقيل: لا يخصونك بالتكذيب، وقيل: لا يكذبونك في السر ونقل ابن الجوزي عن قتادة: لا يكذبونك بحجة، بل بهتاناً وعنادًا. وقال عياض: ففي هذه الآية منزع لطيف المأخذ، من تسليته تعالى له عَّةٍ وألطافه في القول؛ بأن قرر عنده أنه صادق عندهم، وأنهم غير مكذبين له، معترفين بصدقه قولاً واعتقادًا، وكانوا يسمونه قبل النبوة الأمين، فدفع عنه بهذا التقرير ارتماض نفسه بسمة الكذب، ثم جعل الذم