النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره
العجيبة عالمة بالكوائن ماضيها وآتيها من غير غلط.
والجواب: أن مبنى ذلك على الأصول الفلسفية دون الأصول الإسلامية.
الثاني: أن الأنبياء مع كونهم أفضل البشر يتعلمون ويستفيدون منهم بدليل
قوله تعالى: ﴿علمه شديد القوى﴾ [النجم/٥] وقوله تعالى: ﴿نزل به الروح الأمين.
على قلبك﴾ [الشعراء/١٩٣] ولا شك أن المعلم أفضل من المتعلم.
والجواب: أن التعليم إنما هو من اللَّه والملائكة إنما هم مبلغون.
الحدث، ثم حلت به الصفة، واعترضت به الأعراض، فحدث منه العالم، (والصورة) قالوا: وهذه
الصفات هي الحجب القوية عن تجلي نور اللّه، ولا كمال إلا بحصول ذلك التجلي، ولا نقص
إلا بحصول ذلك الحجاب، فلما كان هذا التجلي حاصلاً لهم أبدًا، والأرواح البشرية محجوبة
عن ذلك التجلي في أكثر الأوقات، علم أنه لا نسبة لكمالهم إلى كمال البشر، والقول؛ بأن
الخدمة مع كثرة العوائق أعلى منها بلا عوائق، كلام خيالي، لأن المقصود من جميع العبادات
والطاعات حصول ذلك التجلي، فأي: موضع كان فيه التجلي أكثر، وعن المعاوق أبعد كان فيه
الكمال والسعادة أتم، ولذا قال تعالى في الملائكة: ﴿يسبحون الليل والنهار لا يفترون﴾ [الأنبياء/
٢٠]، (قوية على الأفعال العجيبة،) لا تستثقل حمل الأثقال، ولا تستصعب نقل الجبال، والرياح
تهب بتحريكها، والسحاب تعرض وتزول بتصرفاتها، والزلازل تطوى بقوتها، (عالمة بالكوائن،
ماضيها وآتيها من غير غلط،) لأنهم ناظرون إلى اللوح المحفوظ أبدًا، فيعلمون ما وجد في
الماضي، وما سيوجد في المستقبل، (والجواب أن مبني ذلك) الذي احتجوا به (على
الأصول الفلسفية) إذ هم القائلون؛ بأنهم أرواح مجردة، (دون الأصول الإسلامية،) القائلين
بأنهم أجسام ذات أرواح، والتفاوت في هذا غير مسلم عندنا.
وأما في باقي الصفات المذكورة، فغير مسلمة على ما عرف من أصولنا، قاله الآمدي.
(الثاني: أن الأنبياء مع كونهم أفضل البشر) باتفاق الفريقين، (يتعلمون ويستفيدون
منهم بدليل قوله تعالى: ﴿علمه شديد القوي﴾ [النجم/٥]،) أي: جبريل، (وقوله تعالى:
﴿نزل به الروح الأمين على قلبك﴾ [البقرة/٣١]، ولا شك أن المعلم أفضل من المتعلم،
والجواب أن التعليم إنما هو من اللّه، والملائكة إنما هم مبلغون،) فلا يلزم تفضيلهم على
الأنبياء، لأن مجرد كونهم وسائط في التبليغ لا يقتضي التفضيل، ألا ترى أن السلطان لو أرسل
إلى الوزير مثلاً رسالة مع بعض أتباع السلطان، لا يلزم منه أن الرسول أفضل من الوزير، ولا مساو
له، ولا يلزم أيضًا كون المعلم أعلم، كما ادعوه.
قال الآمدي: آدم كان أعلم منهم، لقوله: ﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾، الآيات، والمراد

٣٠٢
النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره
الثالث: أنه اطرد في الكتاب والسنة تقديم ذكرهم على ذكر الأنبياء، وما
ذاك إلا لتقدمهم في الشرف والرتبة.
والجواب: أن ذلك لتقدمهم في الوجود، أو لأن وجودهم أخفى فالإيمان
بهم أقوی وبالتقديم أولى.
الرابع: قوله تعالى: ﴿لن يستنكف المسيح أن يكون عبدًا للَّه ولا
الملائكة المقربون﴾ [النساء/١٧٢]، فإن أهل اللسان يفهمون من ذلك أفضلية
الملائكة من عيسى، إذ القياس في مثله الترقى من الأدنى إلى الأعلى، يقال: لا
يستنكف من هذا الأمر الوزير ولا السلطان، ولا يقال: السلطان ولا الوزير. ثم لا
أصحاب الأسماء، وهي المسميات لقوله: ﴿ثم عرضهم﴾، ولو أراد الأسماء لقال: ثم عرضها،
كما قاله ثعلب، ولو سلم أنهم أعلم، فإنما يدل على اختصاصهم بالأعلمية، ولا يلزم أن يكونوا
أفضل عند اللَّه، بمعنى أكثر ثوابًا وأرفع درجة.
(الثالث: أنه اطرد في الكتاب والسنة تقديم ذكرهم على الأنبياء،) كقوله: ﴿کل آمن
بالله وملائكته وكتبه ورسله اللَّه يصطفى من الملائكة رسلاً ومن الناس﴾ [الحج/٧٥]، (وما
ذاك إلا لتقدمهم في الشرف والرتبة،) لأن العرف شاهد بفضيلة المتقدم في الذكر، والأصل
تنزيل الشرع عليه، ويدل عليه قول عمر للقائل:
كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا لو قدمت الإسلام لأعطيتك
(والجواب: أن ذلك لتقدمهم في الوجود،) لا للدلالة على الفضيلة، بدليل أنه تعالى
قدم ذكرهم على كتبه، والكتب على الرسل، والكتب إن كانت هي الكلام القديم النفساني، فهي
أفضل من الملائكة، وإن كانت العبارات والكتابات الدالة، فالرسل أفضل منها باتفاق، وقد أخر
الرسل عنها في الذكر، قاله الآمدي. (أو لأن وجودهم أخفى) لعدم رؤيتنا لهم، ولذا استدلوا
على وجودهم بالأدلة السمعية، كذكرهم في الكتب السماوية، وأخبار الأنبياء بهم، (فالإيمان بهم
أقوى، وبالتقديم أولى،) لأن اللَّه أثنى على الذين يؤمنون بالغيب، أي: بما غاب عنهم.
(الرابع: قوله تعالى: ﴿لن يستنكف،) يتكبر ويأنف (المسيح،) الذي زعمتم أنه إله عن
(أن يكون عبداً للَّه ولا الملائكة المقربون﴾) [النساء/١٧٢]، عنده، أن يكونوا عبيد اللَّه، (فإن
أهل اللسان يفهمون من ذلك أفضلية الملائكة من) أي: على (عيسى، إذ القياس في مثله
الترقي من الأدنى إلى الأعلى، يقال: لا يستكف من هذا الأمر الوزير، ولا السلطان، ولا
يقال السلطان ولا الوزير،) إذ لا يحسن ذلك لاقتضائه زيادته على السلطان، ولا كذلك، فدل

٣٠٣
النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره
قائل بالفرق بين عيسى وغيره من الأنبياء عليهم السلام.
والجواب: أن النصارى استعظموا المسيح بحيث يرتفع من أن يكون عبدًا
من عباد اللَّه، بل ينبغي أن يكون ابنا له، لأنه مجرد لا أب له، وكان يبرىء
على فضل الملائكة على الأنبياء، ثم أجابوا عن قصور الدليل على فضلهم على عيسى، فلا يلزم
ذلك على بقية الأنبياء بقولهم، (ثم لا قائل بالفرق،) وفي نسخ: بالفصل، بصاد مهملة، أي:
التمييز (بين عيسى وغيره من الأنبياء عليهم السلام،) فثبت الدليل بقياس المساواة، لكن قد
اعترض الفخر هذا الاستدلال بوجوه، بأن محمدًا أفضل من المسيح، ولا يلزم من فضل الملائكة
عليه فضلهم على محمد عَّه، وبأن قوله: ﴿ولا الملائكة المقربون﴾، صيغة جمع تتناول
الكل، فتفيد أن مجموعهم أفضل من المسيح، لا أن كل واحد أفضل منه، ولأن الواو حرف
عطف، فتفيد الجمع المطلق لا الترتيب، فأما المثال المذكور، فليس بحجة، لأن الحكم الكلي
لا يثبت بالمثال الجزئي، ثم هو معارض بسائر الأمثلة، كقولك: ما أعانني على هذا الأمر لا
عمرو ولا زيد، فلا يفيد فضل المتأخر في الذكر، ومنه قوله تعالى: ﴿ولا الهدى ولا القلائد ولا
آمين البيت﴾ [المائدة/٢]، فلما اختلفت الأمثلة امتنع التعويل عليها، ثم تحقيق المسألة، إذا قيل
هذا العالم لا يستنكف عن خدمته الوزير ولا السلطان، فنحن نعلم بعقولنا أن السلطان أعظم
درجة من الوزير، فعرفنا أن الغرض من ذكر الثاني المبالغة، وإنما عرفناها بالعقل، لا بمجرد
الترتيب، فلا يمكننا أن نعرف أن المراد في: ﴿ولا الملائكة﴾،، بيان المبالغة، إلا إذا عرفنا قبل
ذلك أن الملائكة أفضل من المسيح، وحينئذ تتوقف صحة الدليل على صحة المطلوب وهو
دور.
(والجواب) على تقدير أن الآية دالة على أن منصب الملك أعلى من المسيح، لكنها لا
تدل على أن تلك الزيادة في جميع المناصب، بل في بعضها، فقولك: لا يستنكف من خدمة
هذا العالم الوزير، ولا السلطان، إنما يفيد أن السلطان أكمل منه في بعض الأشياء وهي القدرة
والسلطنة، ولا يفيد زيادته على الوزير في العلم والزهد، فإذا ثبت هذا، فنحن نقول بموجبه، وهو
أن الملك أفضل من البشر في القدرة والقوة والبطش، فإن جبريل قلع مدائن قوم لوط، والبشر لا
يقدر على ذلك، فلم قلتم بفضل الملك على البشر في كثرة الثواب الذي هو محل الخلاف في
المسألة، وكثرته إنما تحصل بنهاية التواضع والخضوع، ووصف العبد بذلك لا يلائم صيرورته
مستنكفًا عن العبودية للَّه، بل يناقضها، فامتنع كون المراد من الآية هذا المعنى، أما اتصافه
بالقدرة الشديدة، والقوة الكاملة، فمناسب للتمرد وترك العبودية، وذلك (أن النصارى استعظموا
المسيح بحيث يرتفع،) وفي نسخة: يترفع، أي: يتعالى، (من أن يكون عبدًا من عباد الله، بل
ينبغي أن يكون ابدًا له،) كما قال تعالى: ﴿وقالت النصارى المسيح ابن اللَّهِ﴾ [التوبة/٢٠] الآية،

٣٠٤
النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره
الأكمه والأبرص ويحيي الموتى، بخلاف سائر العباد من بني آدم، فرد عليهم بأنه
لا يستنكف من ذلك المسيح ولا من هو أعلى منه في هذا المعنى وهم الملائكة
الذين لا أب لهم ولا أم، ويقدرون بإذن اللَّه تعالى على أفعال أقوى وأصعب
وأعجب من إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن اللَّه تعالى فالترقي والعلو إنما
هو في أمر التجرد وإظهار الآثار القوية لا في مطلق الشرف والكمال، فلا دلالة في
الآية على أفضلية الملائكة البتة. انتهى.
(لأنه مجرد لا أب له، و) لأنه (کان پیریء الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى، بخلاف سائر
العباد من بني آدم، فرد) اللَّه (عليهم بأنه لا يستنكف من ذلك) ، أي: عبودية اللَّه، (المسيح،
ولا من هو أعلى منه في هذا المعنى، وهم الملائكة، الذين لا أب لهم، ولا أم، ويقدرون
بإذن اللَّه تعالىٍ على أفعال أقوى وأصعب وأعجب من إبراء الأكمه والأبرص، وإحياء
الموتى بإذن اللَّه تعالى،) الذي شاهد تموه من المسيح، (فالترقي والعلو إنما هو في أمر
التجرد) من الأب والأم، (وإظهار الآثار القوية،) كالشدة والقوة والبطش، (لا في مطلق
الشرف والكمال،) المؤدي إلى كثرة الثواب، ومزيد الرفعة عند اللَّه، (فلا دلالة في الآية على
أفضلية الملائكة البتة. انتهى) ما أورده من هذا المبحث، وليس المراد انتهى ما في الشعب،
لأنه ليس فيها ذلك، وقدم قوله انتهى يعني ما في الشعب قبل قوله وذهبت.
والقول الثالث الوقف، حكاه الكلاباذي عن جمهور الصوفية، قال شارحه القونوي: وهو
أسلم الأقوال، والسلامة لا يعد لها شىء، كيف وأدلة الجانبين متجاذبة، وليست المسألة مما
كلفنا اللَّه تعالى بمعرفة الحكيم فيها، فالصواب تفويض علمها إلى اللَّه، واعتقاد أن الفضل لمن
فضله اللَّه ليس بشرف الجوهر، ليقال الملائكة أفضل، لأن جوهرهم أشرف، فإنهم خلقوا من
نور، وخلق البشر من طين، وأصل إبليس وجوهره، وهو النار أشرف وأصفى من جوهر البشر، وما
أفاده ذلك فضلاً، ولا بالعمل، ليقال عمل الملائكة أكثر، لأن إبليس أكثر عملاً أيضًا.
وقال في منع الموانع عن والده: المسألة ليست مما يجب اعتقاده ويضر الجهل به، ولو
لقي الله ساذتجا منها بالكلية، لم يأثم.
قال القاضي تاج الدين: فالناس ثلاثة: رجل عرف أن الأنبياء أفضل واعتقده بالدليل، وآخر
جهل المسألة ولم يشتغل بها، وهذان لا ضرر عليهما، وثالث قضى بأن الملك أفضل، وهذا
على خطر، وهل من فضل الأنبياء على خطر: فالساذج أسلم منه، أو لأنه لإصابة الحق إن شاء
اللَّه ناج من الخطر، هذا موضع نظر، والذي كنت أفهمه عن الوالد أن السلامة في السكوت،
وأن الدخول في التفضيل بين هذين الصنفين الكريمين على اللَّه بلا دليل قاطع دخول في خطر

٣٠٥
النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره
ثم الملائكة بعضهم أفضل من بعض، وأفضلهم الروح الأمين جبريل،
المزكى من رب العالمين، المقول فيه من ذي العزة ﴿إنه لقول رسول كريم ذي
قوة عند ذي العرش مكين، مطاع ثم أمين﴾ [التكوير/٢٠] فوصفه بسبع صفات،
وهو أفضل الملائكة الثلاثة - الذين هم أفضل الملائكة على الإطلاق - وهم:
میکائیل وإسافیل وعزرائيل.
عظيم، وحكم في مكان أسنا أهلاً للحكم فيه، وجاءت أحاديث مشيرة إلى عدم الدخول في
ذلك، كقوله ◌َ: ((لا تفضلوني على يونس بن متى))، ونحوه، ولا خلاف أنه أفضل منه، فلعله
إشارة إلى أنكم لا تدخلوا في أمر لا يعنيكم، وما للسوقة والدخول بين الملوك، أعني بالسوقة
أمثالنا، وبالملوك الأنبياء والملائكة انتهى.
وقد بسط في الحبائك المسألة، (ثم إن الملائكة بعضهم أفضل من بعض،) فأعلاهم
درجة حملة العرش، الحافون حوله، فأكابرهم كالأربعة، فملائكة الجنة والنار، فالموكلون بيني
آدم، فالموكلون بأطراف هذا العالم، كذا ذكر الرازي، (وأفضلهم الروح الأمين جبريل المزكى)
صفة بمنزلة التعليل، كأنه قال لأنه المزكي (من رب العالمين، المقول فيه من ذي العزة)
سبحانه (﴿إنه﴾) أي: القرآن، (﴿لقول رسول كريم﴾) على اللَّه، أضيف إليه القرآن بنزوله به،
(﴿ذي قوة﴾) أي: شديد القوة، ((عند ذي العرش)) أي: اللَّه (﴿مكين)) ذي مكانة (﴿مطاع
ثم﴾) أي: تطيعه الملائكة في السموات، وثم إما متعلقة بمطاع، أو بقوله: ((أمين﴾ [التكوير/
٢٠]،) على الوحي، (فوصفه بسبع صفات) على ما قاله الزمخشري، وهو ظاهر بجعل عند ذي
العرش صفة مستقلة لا متعلقة بما قبلها ولا بما بعدها، وعدها الرازي سنة، فجعلها متعلقة بقوله:
﴿ذي قوة﴾، (وهو أفضل الملائكة الثلاثة الذين هم أفضل الملائكة على الإطلاق، وهم:
ميكئيل، وإسرافيل، وعزرائيل،) كما قال كعب الأحبار: جبريل أفضل الملائكة، نقله النعماني،
وكأن هذا لم يصح عند السيوطي، فقد قال في الحبائك: سئلت هل الأفضل جبريل، أو إسرافيل،
والجواب: لم أقف على نقل في ذلك لأحد من العلماء والآثار متعارضة، فحديث الطبراني عن
ابن عباس، مرفوعًا: ألا أخبركم بأفضل الملائكة جبريل، وأثر وهب أن أدنى الملائكة من اللَّه
جبريل، ثم ميكئيل، يدل على تفضيل جبريل. وحديث ابن مسعود، مرفوعًا: أن أقرب الخلق من
اللَّه إسرافيل، صاحب الصور، جبريل عن يمينه، وميكتيل عن يساره.
وحديث عائشة، مرفوعًا: إسرافيل ملك اللَّه، ليس دونه شىء، وأثر كعب أن أقرب
الملائكة إلى اللَّه إسرافيل، وأثر الهذلي ليس شىء من الخلق أقرب إلى اللَّه من إسرافيل.
وحديث ابن أبي جبلة: أول من يدعى يوم القيامة إسرافيل، وأثر ابن سابط: يدبر أمر الدنيا

٣٠٦
النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره
وكذلك الرسل أفضل من الأنبياء، وكذلك الرسل بعضهم أفضل من بعض،
ومحمد عَّ له أفضل الأنبياء والرسل، كما تقدم.
وأول الأنبياء آدم وآخرهم نبينا محمد عَّه.
فأما نبوة آدم فبالكتاب الدال على أنه قد أمر ونهي، مع القطع بأنه لم يكن
في زمنه نبي آخر، فهو بالوحي لا غير، وكذا السنة والإجماع، فإنكار نبوته على ما
نقل عن البعض يكون كفرًا.
أربعة: جبريل، وميكفيل، وملك الموت، وإسرافيل، إلى أن قال: وأما إسرافيل، فأمين اللَّه بينه
وبينهم، أي: وبين الثلاثة، وأثر خالد بن أبي عمران وإسرافيل بمنزلة الحاجب، كل ذلك يدل على
تفضيل إسرافيل انتهى.
(وكذلك الرسل أفضل من الأنبياء،) الذين ليسوا برسل لزيادتهم بالرسالة، والأنبياء
بعضهم أفضل، كما قال تعالى: ﴿ولقد فضلنا بعض التبيين على بعض﴾. [الإسراء/٥٥].
قال الإمام الرازي: أجمعت الأمة على أن بعض الأنبياء أفضل من بعض، وأن محمدًا
أفضل الكل، (وكذلك الرسل بعضهم أفضل من بعض) بنص الآية، (ومحمد عَ ل أفضل
الأنبياء والرسل،) نصًا وإجماعًا، (كما تقدم) قريبًا، ويليه إبراهيم، كما نقل بعضهم عليه
الإجماع، وفي الصحيح: خير البرية إبراهيم، خص منه المصطفى، فبقي على عمومه، كذا في
النقاية.
وقال التفتازاني في شرح المقاصد: اختلف في الأفضل بعد المصطفى، فقيل: آدم لكونه
أبا البشر، وقيل: نوح لطول عبادته ومجاهدته، وقيل: إبراهيم لزيادة توكله واطمئنانه، وقيل: موسى
لكونه کلیم اللّه ونجیه، وقيل: عیسی لکونه روح الله وصفیه. انتهى.
وجزم ابن كثير في تاريخه؛ بأن إبراهيم أفضل بعد محمد عَّه وعليهم.
(وأول الأنبياء آدم،) أي: والرسل أيضًا، فالصحيح أنه مرسل إلى بنيه، كما دل عليه
حديث أبي ذر، (وآخرهم نبينا عَّة، فأما نبوة آدم فبالكتاب الدال على أنه قد أمر،) بنحو:
﴿اسكن أنت وزوجك الجنة﴾ [البقرة/٣٥]، (ونهى) بنحو: ﴿ولا تقربا هذه الشجرة﴾، (مع
القطع بأنه لم يكن في زمنه نبي آخر، فهو بالوحي لا غير، وكذا السنة) دلت على نبوته،
كحديث أبي ذر الآتي، (والإجماع) من الأمة عليها، (فإنكار نبوته على ما نقل عن البعض
يكون كفرًا) لمخالفة الإجماع والنص.

٣٠٧
النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره
وقد اختلف في عدد الأنبياء والمرسلين، والمشهور في ذلك ما في حديث
أبي ذر عند ابن مردويه في تفسيره، قال: قلت يا رسول اللَّه، كم الأنبياء؟ قال:
مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا، قال: قلت: يا رسولِ اللَّه، كم الرسل منهم؟ قال:
ثلثمائة وثلاثة عشر جم غفير، قال قلت: يا رسول اللَّه، من كان أولهم؟ قال: آدم،
قال مَُّله: يا أبا ذر، أربعة سريانيون: آدم وشيت ونوح وخنوخ - وهو إدريس وهو
أول من خط بالقلم، وأربعة من العرب: هود وصالح وشعيب ونبيك يا أبا ذر،
(وقد اختلف في عدد الأنبياء والمرسلين، والمشهور في ذلك ما في حديث أبي
ذر عند ابن مردويه في تفسيره،) وعبد بن حميد، والحاكم في المستدرك، وابن عساكر،
والحكيم الترمذي في النوادر.
(قال) أبو ذر: (قلت: يا رسول اللَّه كم الأنبياء؟، قال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا،
قال: قلت: يا رسول اللَّه كم الرسل منهم؟، قال: ثلاثمائة وثلاثة عشر،) هم (جم)) أي: جمع
(غفير،) أي: كثير، (قال: قلت: يا رسول اللَّه من كان أولهم،) أي: الرسل، (قال: آدم،
قال : يا أبا ذر أربعة سريانيون آدم وشيث) ابنه (ونوح وخنوخ،) بفتح المعجمة، وضم
النون، وسكون الواو، ثم معجمة، بوزن ثمود عند الأكثر، وقيل بزيادة ألف فى أوّله، وسكون
المعجمة الأولى، وقيل: كذلك، لكن بحذف الواو، وقيل: كذلك، لكن بدل الخاء الأولى هاء،
وقيل: كالثاني، لكن بدل المعجمة مهملة، (وهو إدريس) سرياني، وقيل: عربي مشتق من
الدراسة، لكثرة درسه الصحف، ولا يمنع الحديث كون لفظ إدريس عربيًا، إذا ثبت أن له اسمين،
(وهو أول من خط بالقلم،) وذكر ابن إسحق؛ أن له أوليات كثيرة، منها أنه أول من خاط
الثياب، ذكره كله الحافظ، (وأربعة من العرب: هود) بن عبد اللَّه بن رباح بن حرث بن عاد بن
عوص بن إرم بن سام بن نوح، وسماه في التنزيل أخا عاد، لكونه من قبيلتهم، لا من جهة أخوة
الدين، هذا هو الراجح في نسبه، وأما ابن هشام، فقال اسمه عابر بن أرفخشد بن سام، (وصالح)
ابن عبيد بن أسف بن ماشج بن عبيد بن جادر بن ثمود بن عابر بن إرم بن سام، (وشعيب) بن
سليل بن يشجن بن عنقاء بن مدين بن إبراهيم، وقيل: شعيب بن صفور بن عنقاء بن ثابت بن
مدين، وقول ابن إسحق: يشجن بن لاوى بن يعقوب لا يثبت، (ونبيك) محمد عَّه (يا أبا ذر،)
ففي هذا الحديث؛ أن شعيبًا من العرب العارية، وقيل: إنه من بني عنزة بن أسد، ففي حديث
سلمة بن سعيد العنزي؛ أنه قدم على النبي صَلّه، فاتنسب إلى عنزة، فقال: نعم الحي عنزة، مبغي
عليهم، منصورون، رهط شعيب، وأختان موسى، أخرجه الطبراني، وفي أسانيده مجاهيل.
(وأول نبي من بني إسرائيل موسى)، قد يستشكل هذا، بقوله: ﴿ولقد جاءكم يوسف من

٣٠٨
النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره
وأول نبي من بني إسرائيل موسى وآخرهم عيسى، وأول النبيين آدم وآخرهم نبيك يا
أبا ذر. وقد روى هذا الحديث بطوله الحافظ أبو حاتم بن حبان في كتابه «الأنواع
والتقاسیم، وقد وسعه بالصحيح.
وخالفه ابن الجوزي فذكره في الموضوعات واتهم به إبراهيم بن هشام.
قال الحافظ بن كثير: ولا شك أنه قد تكلم فيه غير واحد من أئمة الجرح
والتعديل من أجل هذا الحديث، واللَّه أعلم.
وروى أبو يعلى عن أنس مرفوعًا: كان من خلا من إخواني من الأنبياء
ثمانية آلاف نبي، ثم كان عيسى ابن مريم، ثم كنت أنا والذين نص اللَّه تعالى
على أسمائهم في القرآن: آدم وإدريس ونوح وهود وصالح وإبراهيم، ولوط وإسماعيل
وإسحق، ويعقوب ويوسف وأيوب وشعيب، وموسى وهرون ويونس، وداود وسليمان
قبل بالبينات﴾ [غافر/٣٤]، سواء قلنا إنه ابن يعقوب، أو ابن أفرايم بن يوسف بن يعقوب،
وكلاهما قبل موسى، وهما من بني إسرائيل، الذي هو يعقوب، إلا أن يقال المعنى أول نبي أمر
جميع من يأتي من أنبيائهم بعده باتباع شرعه والدعاء إليه.
(وآخرهم عيسى، وأول النبيين) على الإطلاق (آدم، وآخرهم نبيك يا أبا ذر. (وقد
روى هذا الحديث بطوله الحافظ أبو حاتم) محمد (بن حبان) بكسر المهملة وشد الموحدة،
(في كتابه الأنواع والتقاسيم، وقد وسعه بالصحيح،) وكذا صححه الحاكم، (وخالفه ابن
الجوزي، فذكره في الموضوعات، واتهم به إبراهيم بن هشام) الغساني.
(قال الحافظ ابن كثير: ولا شك أنه قد تكلم فيه،) أي: إبرهيم، (غير واحد من أئمة
الجرح والتعديل من أجل هذا الحديث،) فقال أبو حاتم: إنه غير ثقة، وكذبه أبو زرعة الرازي،
(والله أعلم) بصحته في نفس الأمر وعدمها.
(وروى أبو يعلى) وأبو نعيم في الحلية بسند ضعيف، (عن أنس، مرفوعًا: كان من خلا
من إخواني من الأنبياء ثمانية آلاف نبي،) لا يعارض ما قبله بغرض صحتهما، لأن الأخبار
بالأقل لا ينافي الأكثر لدخوله فيه، ولعله أوحى إليه بهذا، فأخبر به، ثم بالأول، وما ينطق عن
الهوى، (ثم كان عيسى ابن مريم، ثم كنت أنا والذين نص اللَّه على أسمائهم في القرآن: آدم
وإدريس ونوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط وإسماعيل وإسحق) ولدا إبراهيم، (ويعقوب) بن
إسحق، (ويوسف) بن يعقوب، وكذا حفيده يوسف بن أفرايم بن يوسف في قوله: ﴿ولقد جاءكم
يوسف من قبل بالبينات﴾، في أحد القولين، والثاني: أنه ابن يعقوب، وحكى النقاش والماوردي؛

٣٠٩
النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره
وإلياس واليسع، وزكريا ويحيى وعيسى. وكذا ذو الكفل عند كثير من المفسرين
واللَّه أعلم.
قال اللَّه تعالى: ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾.
روى ابن جرير من حديث أبي سعيد، أن رسول اللَّه مٍَّ قال: أتاني جبريل
أنه رسول من الجن بعث إليهم، قال السيوطي: وهو غريب جدًا، (وأيوب).
قال ابن إسحق: والصحيح أنه من بني إسرائيل، ولم يصح في نسبه شىء إلا أن اسم أبيه
أبيض.
وقال ابن جرير: هو أيوب بن موص بن رازح بن عيص بن إسحق.
وحكى ابن عساكر: أن أمه بنت لوط، وأن أباه آمن بإبراهيم، فعلى هذا كان قبل موسى.
وقال ابن جرير: كان بعد شعيب.
وقال ابن أبي خيثمة: بعد سليمن ابتلى وهو ابن سبعين سنة سبع وسنين، وقيل: ثلاث
عشرة، وقيل: ثلاث سنین.
وروى الطبراني: أن مدة عمره ثلاث وتسعون سنة.
(وشعيب، وموسى، ولهرون) أخوه: شقيقه، وقيل: لأمه، وقيل: لأبيه، حكاهما الكرماني
في عجائبه، (ويونس، وداود، وسليمن) ابنه، (وإلياس، واليسع، وزكريا، ويحيى) ولده،
(وعيسى) ابن مريم، (وكذا ذو الكفل) نبي، (عند كثير من المفسرين،) وقيل: هو ابن أيوب
في المستدرك.
عن وهب: بعث اللَّه بعد أيوب ابنه بشرًا نبيًّا، وسماه ذا الكفل، وأمره بالدعاء إلى
توحيده، وكان مقيمًا بالشام عمره حتى مات، وعمره خمس وستون سنة، وكفل مائة نبي، فروا
إليه من القتل، وتكفل بصيام جميع النهار، وقيام جميع الليل، وأن يقضي بين الناس، ولا يغضب،
فوفى بذلك، وقيل: هو إلياس، وقيل: يوشع، وقيل: زكريا، وقيل: اليسع، وإن له اسمين، وقيل:
اسمه ذو الكفل، وقيل: لم يكن نبيًا، بل رجلاً صالحًا يتكفل بأمور فيوفي بها، (والله أعلم)
بذلك.
ومن جملة المختلف في نبوته لقمان وذو القرنين، وكذا الخضر، لكن لم يفصح باسمه
في القرآن.
(قال الله تعالى: ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾ [الانشراح/٤]،) واستأنف بیانیًا، فقال: (روى ابن
جرير) محمد الطبري، الحافظ، أحد الأعلام في تفسيره، وأبو يعلى، والطبراني (من حديث أبي
سعيد) الخدري (أن رسول اللَّه عَُّ قال: أتاني جبريل، فقال: إن ربي وربك،) المحسن إلي

٣١٠
النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره
فقال: إن ربي وربك يقول: تدري كيف رفعت ذكرك؟ قلت: اللَّه أعلم، قال: إذا
ذكرتُ ذكرتَ معي. وذكره الطبراني، وصححه ابن حبان.
وإليك، بجليل التربية، المزكي لي ولك بجميل التزكية، وإضافة رب للتشريف، فكما تفيده
إضافة العبد إليه تعالى تشريفه، فكذا إضافته إليه تعالى تفيده، بل ذلك أقوى إفادة له، (يقول:)
زاد في رواية لك تنبيهًا على كمال العناية، ومزيدًا لوجاهة عنده والرعاية، (تدري،) استفهام
حذفت أداته تخفيفًا لكثرة وقوعها فيه، وفي رواية: أتدري بإثباتها، وهو غير حقيقي لاستحالته
على علام الغيوب، بل تقريري ليقر بعدم علمه، فيعلمه من لدنه، أي: أتدري جواب (كيف،)
أي: على أي: حال، ومعنى (رفعت ذكرك،) وكيف في محل نصب حال من المفعول على
القاعدة المشهورة، إن وقعت بعد كلام تام فحال، وإلا فخبر، وليست منصوبة بتدري، لأن لها
الصدر، فتدري معلق عن الجملة بعده، كقوله:
وما أدري وسوف أخال أدري أقوم آل حصن أم نساء
وزعم أن كيف خرجت عن الاستفهام، أي: أتدري كيفية الرفع، وهذا من الانبساط مع
المحبوب لأجل زيادة التوجه والانتظار، نكتة أعجمية مع أن لفظ كيفية لم تسمع من العرب،
كما صرح به أهل اللغة.
(قلت:) وفي رواية: فقلت: (اللَّه أعلم،) وكان هذا إخبار من جبريل عما وقع من
المخاطبة بينه وبين اللَّه قبل نزوله، واللَّه عالم بأنه يجيب برد العلم إليه، فكأنه قال: إذا أُجابك،
فقل، (قال: إذا ذكرت) (بضم التاء، والضمير للَّه) (ذكرت) (بفتحها) خطاب للمصطفى،
والفعل مجهول فيهما.
وفي رواية: لا أذكر إلا ذكرت (معي) بصيغة الحصر، وأي: رفع أعظم من ذلك، وأفادت
هذه الرواية الثانية؛ أن الحصر هو المراد في الأولى، أي: إذا ذكرت، فاللائق أو المطلوب أن
تذكر معي، فمن لم يذكرك ترك المطلوب، وفيه رد العلم إلى اللَّه، ورد على من كرهه مطلقًا،
أو عقب ختم نحو الدرس، ولا إيهام فيه خلافًا لزاعمه، بل هو في غاية التفويض المطلوب، وقد
قال تعالى: ﴿اللَّه أعلم حيث يجعلِ رسالاته﴾ [الأنعام/١٢٤]، وقال علي: ما أبردها على كبدي،
إذا سئلت عما لا أعلم أن أقول اللَّه أعلم، ولا يعارضه ما في البخاري؛ أن عمر سأل الصحب
عن سورة النصر، فقالوا: اللَّه أعلم، فغضب، وقال: قولوا: نعلم أو لا نعلم، لأنه فيمن جعل
الجواب به ذريعة إلى عدم إخباره عما سئل عنه، وهو يعلم، وفي المعالم أنه معَّ سأل جبريل
عن الآية، فقال: قال اللَّه، فكأنه بعد السؤال جاء وقال: ﴿إن ربي ... ﴾ ... الخ، وقوله: قال الله،
نقل بالمعنى، هكذا قال بعض المحققين، ثم قد وقع في بعض نسخ الشفاء: الله ورسوله أعلم،

٣١١
النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره
وروينا عن الإمام الشافعي قال: أخبرنا ابن عيينة عن ابن أبي نجيح: معناه لا
أذكر إلا ذكرت معي، أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأشهد أن محمدًا رسول اللَّه، قال
الإمام الشافعي يعني - والله أعلم - ذكره عند الإيمان بالله، والأذان، قال: ويحتمل
أن يكون المراد ذكره عند تلاوة القرءان وعند العمل بالطاعة والوقوف عن المعصية
انتھی.
وقيل: رفعه بالنبوة. قاله يحيى بن آدم الكوفي.
فإن صحت رواية، فالمراد به جبريل، لأنه من رسل الملائكة، يرسل بالوحي للأنبياء والرسل،
وتفضيله عليه في خصوص هذا العلم، لأنه علمه قبل أن يبلغه إليه.
(وذكره،) أي: رواه أيضًا (الطبراني) سليمان بن أحمد، وإسناده حسن، وفي نسخة
الطبري: ولا فائدة فيها، إذ هو ابن جرير الذي نسبه له أولاً، (وصححه ابن حبان،) وكذا صححه
الضياء المقدسي في الأحاديث المختارة.
(وروينا عن الإمام الشافعي، قال: أخبرنا ابن عيينة) سفين، (عن) عبد اللَّه (بن أبي
نجيح) بفتح النون وكسر الجيم وحاء مهملة، يسار المكي، أبي يسار الثقفي، مولاهم، ثقة، من
رجال الجميع، ورمي بالقدر، وربما دلس، مات سنة إحدى وثلاثين ومائة أو بعدها، (معناه،) أي:
ورفعنا لك ذكرك، (لا أذكر) مجهول المتكلم، (إلا ذكرت) مجهول المخاطب (معي) في قول
(أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا رسول اللَّه») وفي التفسير بهذا إشارة إلى أن
الحصر هو المراد بما قبله.
(قال الإمام الشافعي، يعني واللَّه أعلم، ذكره عند الإيمان) باللَّه تعالى، (وفي الأذان،)
كما أشار له ابن أبي نجيح، فلا يرد على الحصر، أن الكافر كثيرًا ما يذكر اللَّه وحده، بل
والمؤمن كثيرًا ما يقول: لا إله إلا اللَّه مقتصرًا عليها، وكثيرًا ما يذكر اللَّه، ولا يطلب ذكره!
كسمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، والتسمية في الوضوء والأكل والشرب.
(قال) الشافعي: (ويحتمل أن يكون المراد ذكره عند تلاوة القرآن، وعند العمل بالطاعة
والوقوف عن المعصية) بأن يتذكر في نفسه؛ أن فعلها والكف عن ضده سببه تبليغ النبي صَلّ.
الثواب الحاصل للمطيع، والعقاب الحاصل للعاصي، فيصلي عليه جزاء لتبليغه، وتحمل أعباء
الرسالة. (انتهى) قول الشافعي.
(وقيل) معناه: (رفعه بالنبوة) الخاصة، وهي رسالته إلى جميع الخلائق، وبقاء شرعه إلى
يوم الدين، وكونها رحمة للعالمين، فلا يرد أن وصف النبوة شاركه فيه الأنبياء، فلا يكون مرفوعًا
بها عليهم، أو المراد بها سبقه بالنبوة جميع الأنبياء، وكونه أول الأنبياء في الخلق، أو على من

٣١٢
النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره
وعن ابن عطاء: جعلتك ذكرًا من ذكري. فمن ذكرك ذكرني، وعنه أيضًا:
جعلت تمام الإيمان بذكري معك.
وعن جعفر بن محمد الصادق: لا يذكرك أحد بالرسالة إلا ذكرني بالربوبية.
في عصره، والفضل للمتقدم، (قاله يحيى بن آدم) بن سلين، (الكوفي) أبو زكريا، مولى بني
أمية، ثقة، حافظ، فاضل، روى عنه أحمد وغيره، وروى له الستة، ومات سنة ثلاث ومائتين.
(وعن ابن عطاء) بلا إضافة، هو أبو العباس أحمد بن محمد بن سهل بن عطاء البغدادي،
الزاهد، الآدمي: (بفتحتين) نسبة إلى بيع الأدم، له لسان في فهم القرآن، يختص به صحب
الجنيذ وغيره، ومات سنة تسع أو إحدى عشرة وثلاثمائة.
(جعلتك،) أي: ذكرك (ذكرًا من ذكري») أو جعلت ذاتك مبالغة حتى كان من رأى ذاته
ذكر اللَّه، أو المعنى كان ذكرك عين ذكرى، لعدم انفكاكه عنه غالبًا، أو هو مثله في التقرب به
والأجر، أو هو معدود من أفراده، لأن كل مطيع للَّه ذاكره، (فمن ذكرك ذكرني،) الفاء تفسيرية،
أو تفريعية، (وعنه أيضًا: جعلت تمام الإيمان بذكري معك،) وفي نسخة من الشفاء: بذكرك معي،
وهذه واضحة، والأولى مخالفة لقاعدة أن مع تدخل على المتبوع غالبًا، وقد تجيء لمطلق
المصاحبة، كما هنا، أي: جعلته يحصل بذكر اللَّه مصحوبًا بذكره عليه السلام، بأن يأتي
بالشهادتين على الوجه المعروف، وجعله تمام الإيمان، إما لأن الإيمان عنده تصديق القلب
واللسان، کما هو قول لأهل السنة، وأما من يقول مجرد التصدیق، فباعتبار أنه لا يعتد به بدونه،
ولا تترتب عليه الأحكام، ما لم يأت به لسانًا.
(وعن جعفر بن محمد) الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب،
(الصادق،) صفة لجعفر لصدقه في مقاله أبي عبد اللَّه الهاشمي، فقيه، إمام، صدوق، روى له
مسلم، وأصحاب السنن، ومات سنة ثمان وأربعين ومائة، (لا يذكرك أحد بالرسالة إلا ذكرني
بالربوبية،) صيغة مصدر من الرب، والياء للمصدرية، فلا بد معها من تاء التأنيث، يعني لا
يعترف أحد برسالتك إلا بعد أن يعترف بربوبية الله ووحدانيته، لوجوب معرفة اللَّه عقلاً قبل
ذلك، لئلا يلزم الدور، كما ذهب إليه الماتريدية، أو سمعًا، كما ذهب إليه غيرهم، وقيل: المراد
أو أراد ذلك، أو عبر بالماضي عن المضارع مبالغة في تحقق وقوعه، ولا يشكل الأول بعدم
مقارنة الحال للعامل، لتقدم الإيمان بالله، أو إرادته على الإيمان بالرسول، وأما التلفظ بما يدل على
ذلك، فذكره عقبه بلا فاصل بعده، مقارنًا عرفًا، ومثله يكفي عند النحاة، فلا حاجة لجعل الحال
مقدرة، ودعوى عدم اختصاصه عَّ بذلك مدفوعة، بأن هذه المقارنة في الأذان، والإقامة،
والخطب، والصلاة والإيمان، وهذا كله مختص بهذه الأمة، فتختص المقارنة على هذه الصفة

٣١٣
النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره
قال البيضاوي: وأي رفع مثل أن قرن اسمه باسمه في كلمتي الشهادة،
وجعل طاعته طاعته، انتهى، يشير إلى قوله تعالى: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع
اللَّه﴾ [النساء/٨٠]، ﴿والله ورسوله أحق أن يرضوه﴾ [التوبة/٦٢]، ﴿ومن يطع
اللَّه ورسوله﴾، ﴿وأطيعوا الله والرسول﴾ [آل عمران/١٣٢].
وقول قتادة: رفع اللَّه ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا متشهد ولا
صاحب صلاة إلا يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول اللَّه انتهى.
بنبيها لاختصاصها به، دون من عداه من الأمم والرسل، وهذا في غاية الظهور.
(قال البيضاوي: وأي: رفع مثل أن قرن اسمه باسمه في كلمتي الشهادة، وجعل
طاعته طاعته،) وصلى عليه في ملائكته، وأمر المؤمنين بالصلاة، وخاطبه بالألقاب، وإنما زاد ذلك
ليكون أيها ما قبل إيضاح، فيفيد المبالغة. (انتهى) كلام البيضاوي بما زدته، فاقتصر المصنف
على حاجته منه هنا لأجل شرحه بقوله.
(يشير) البيضاوي (إلى قوله تعالى: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع اللَّهِ﴾ [النساء/٤٣٨٠)
فجعل طاعته طاعته، (﴿والله ورسوله أحق أن يرضوه﴾) أحق بالإرضاء بالطاعة والوفاق وتوحيد
الضمير لتلازم الرضاءين، ولأن الكلام في إيذاء الرسول وإرضائه، أو لأن التقدير، واللَّه أحق أن
يرضوه والرسول، كذلك قاله في الأنوار.
(﴿ومن يطع الله ورسوله) فقد فاز فوزًا عظيمًا﴾ [الأحزاب/٧١]، (﴿وأطيعوا الله
والرسول﴾ [آل عمران/١٣٢]،) لأنه بمعنى: ﴿وأطيعوا الرسول﴾، فجمع بينهما بواو العطف
المشركة، ولا يجوز جمع هذا الكلام في غير حقه عليه الصلاة والسلام، قاله عياض، واعترض
بأنه لا مانع أن يقال أطع اللّه، والقاضي كقوله تعالى: ﴿أطيعوا اللَّه وأطيعوا الرسول وأولي الأمر
منكم﴾ [النساء/٥٩] الآية، حتى قال بعض: إنه وهم، وما أظن أحدًا منعه، وأجيب بأنه أراد أنه
منهي عنه تنزيهًا وأد بالورود الحديث، بما يدل على رعاية الأدب في اللفظ، وترك ما يوهم
خلافه، وأطلق نفي الجواز اعتمادًا على تصريح الخطابي وغيره بالكراهة، ولا دلالة في آية:
﴿وأولي الأمر﴾، لاحتمال الجواز بالتبعية، ولذا لم يكرر أطيعوا مرة أخرى، كما لم تكرر اللام
في عامتهم في حديث: ((الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم).
(و) يشير إلى (قول قتادة) بن دعامة، عند ابن أبي حاتم، والبيهقي، (رفع اللَّه ذكره).
(في الدنيا والآخرة، فليس خطيب) يخطب على جهة الكمال، وفي الحديث: ((كل خطبة
ليس فيها شهادة، فهي كاليد الجدماء»، (ولا متشهد،) أي: آت بكلمة الشهادة في غير الخطية
والصلاة، (ولا صاحب صلاة،) المراد بها الفرد الكامل المتبادر، فلا ترد صلاة الجنازة، (إلا

٣١٤
النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره
فهو مذكور معه في الشهادة والتشهد، ومقرون ذكره بذكره في القرءان
والخطب والآذان، ويؤذن باسمه في موقف القيامة.
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة رفعه: لما نزل آدم عليه السلام
بالهند استوحش فنزل له جبريل عليه السلام فنادى بالأذان: الله أكبر، الله أكبر
مرتين، أشهد أن لا إله إلا اللَّه مرتين، أشهد أن محمدًا رسول اللَّه مرتين، الحديث.
يقول) مستثنى من أعم الأحوال، أي: ليس في حال من الأحوال إلا قائلاً: (أشهد أن لا إله إلا اللّه،
وأن محمدًا رسول الله. انتهى) قول قتادة.
وأورد أن أمر الآخرة لا يعلم بالمقايسة، فرفع ذكره في الدنيا لا يستلزم رفعه في الآخرة،
وأجيب؛ بأنه أخذه من إطلاق الآية، والحديث: ورفع ذكره في الدنيا عنوان رفعه في الأخرى،
ووجه التفريع، أن من رفع ذكره في الدارين حقيق بأن يشهد له بذلك، فهو بيان لبعض الأحوال
التي تفعل في الدنيا، وليس فيها شىء من أحوال الآخرة، وإن شمله قوله في الدنيا والآخرة لما
ذكره ولغيره، فيندرج فيه ما يفعل في الآخرة، (فهو مذكور معه،) تفريع على قول قتادة، (في
الشهادة،) دخولاً في الإيمان، وثناء عليه بعده، (والتشهد،) لأن الشهادة من جملة ألفاظه الواردة
فيه، سواء كان بلفظ حديث ابن مسعود: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا عبده ورسوله، أو
بلفظ حديث غيره: وأن محمدًا رسول اللَّه، (ومقرون ذكره بذكره في القرآن،) أي: مصاحب
له، فالمقارنة المصاحبة، كما قيل:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدى
(والخطب) الشرعية الكاملة، (والأذان، ويؤذن باسمه في موقف القيامة) إظهار الرفعة
قدرة في ذلك الموطن.
روى ابن زنجويه عن كثير بن مرة الخضرمي، مرفوعًا: يبعث بلال علی ناقة من نوق
الجنة، ينادي على ظهرها بالأذان، فإذا سمعت الأنبياء وأممها، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأن
محمدًا رسول اللّه، قالوا: ونحن نشهد على ذلك.
(وأخرج أبو نعيم في الحلية، عن أبي هريرة، رفعه: لما نزل آدم عليه السلام بالهند،
استوحش:) حصل له وحشة لانفراده، (فنزل له جبريل عليه السلام، فنادى بالأذان: اللَّه أكبر،
الله أكبر، مرتين، أشهد أن لا إله إلا الله، مرتين، أشهد أن محمدًا رسول اللّه، مرتين ..
الحدیث،) ورواه أيضًا الحاکم وابن عساکر، وحکمة ذلك التنويه باسمه في عهد آدم،
ومصاحبته لاسم الله، وأن الأذان ينفع المستوحش الحزين.

٣١٥
النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره
وكتب اسمه الشريف على العرش، وعلى كل سماء، وعلى الجنان وما فيها.
رواه ابن عساكر.
وأخرج البزار عن ابن عمر مرفوعًا: لما عرجٍ بي إلى السماء، ما مررت
بسماء إلا وجدت إسمي فيها مكتوبًا: محمد رسول اللّه.
وفي الحلية عن ابن عباس رفعه: ما في الجنة شجرة عليها ورقة إلا مكتوب
عليها لا إلّه لا اللَّه محمد رسول اللَّه.
وأخرج الطبراني من حديث جابر مرفوعًا: كان نقش خاتم سليمان بن داود
عليهما السلام لا إله إلا الله محمد رسول اللَّه. وعزاه الحافظ ابن رجب في كتاب
وقد روى الديلمي عن علي: رآني رسول اللَّه عَ ليه حزينًا، فقال: يا ابن أبي طالب ما لي
أراك حزينًا، فمر بعض أهلك يؤذن في أذنك، فإنه دواء للهم، فجربته فوجدته كذلك،وقال کل
من رواته: جرته، فوجدته كذلك.
(وكتب اسمه الشريف على العرش،) أي: على ساقه، كما قدمه في الأسماء، أي:
قوائمه.
ولابن عدي: لما عرج بي، رأيت مكتوبًا على ساق العرش: لا إله إلا اللّه، محمد رسول
الله، أيدته بعلي.
(وعلى كل سماء،) أي: السموات السبع، (وعلى الجنان وما فيها) من قصور وغرف،
وعلى نحور الحور العين، وورق شجرة طوبى، وسدرة المنتهى، وأطراف الحجب، وبين أعين
الملائكة، (رواه ابن عساكر) عن كعب الأحبار، وهو من الإسرائيليات، وقيل: إنه موضوع،
وقدمه في الأسماء والمعجزات، وأعاده هنا لبيان رفع الذكر.
(وأخرج البزار عن ابن عمر، مرفوعًا: لما عرج بي إلى السماء، ما مررت بسماء إلا
وجدت اسمي فيها مكتوبًا محمد رسول الله،) وكتب مع أنه مشهور في السموات بأحمد
أكثر ليحصل به الرد ممن علم ذلك على منكري رسالته، وإنما يعرف بينهم بمحمد دون أسمائه.
(وفي الحلية عن ابن عباس، رفعه: ما في الجنة شجرة عليها ورقة إلا مكتوب
عليها،) أي: الورقة، (لا إله إلا اللّه، محمد رسول اللّه،) وكل من هذين شاهد وبيان لقوله في
حديث كعب: على كل سماء وعلى الجنان.
(وأخرج الطبراني من حديث جابر، مرفوعًا: كان نقش خاتم سليمن بن داود عليهما
السلام: لا إله إلا الله، محمد رسول اللَّه).
ويروى عن عبادة بن الصامت، مرفوعًا عند الطبراني أيضًا: أن فص خاتم سليمان بن داود

٣١٦
النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره
أحكام الخواتيم لجزء أبي علي الخالدي، وقال: إنه باطل موضوع.
وشق اسمه الكريم من اسمه تعالى، كما قال حسان:
وشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد
وسماه من أسمائه الحسنى بنحو سبعين اسمًا، كما بينت ذلك في أسمائه
صلوات اللَّه وسلامه عليه، وصلى عليه في ملائكته، وأمر المؤمنين بالصلاة عليه،
فقال تعالى: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا
عليه وسلموا تسليمًا﴾ [الأحزاب/٥٦] فأخبر عباده بمنزلة نبيه عنده في الملأ
الأعلى بأنه يثني عليه عند ملائكته المقربين، وأن الملائكة تصلي عليه، ثم أمر
كان سماويًا، ألقى إليه، فوضعه في أصبعه، وكان نقشه: أنا اللَّه لا إله إلا أنا، محمد عبدي
ورسولي، (وعزاه،) أي: نسبه (الحافظ ابن رجب) عبد الرحمن (في كتاب أحكام الخواتيم
لجزء أبي علي الخالدي، وقال: إنه باطل موضوع،) وتعقب بأنه شديد الضعف لا موضوع،
(وشق اسمه الكريم من اسمه تعالى، كما قال حسان) بن ثابت، (وشق) بالبناء للفاعل، عطفًا
على قوله قبل:
وضم الإله اسم النبي إلى اسمه
أي: أخذ (له) اسمًا، حروفه (من اسمه ليجله،) ليعظمه
(فذو العرش محمود، وهذا محمد، وسماه من أسمائه الحسنى بنحو سبعين اسمًا،
كما بينت ذلك في أسمائه صلوات الله وسلامه عليه،) من المقصد الثاني، (وصلى عليه
في ملائكته، وأمر المؤمنين بالصلاة) والتسليم (عليه،) من جملة ما رفع به ذكره، (فقال
تعالى: ﴿إِن اللّه وملائكته يصلون﴾)) اختلف المفسرون وغيرهم في أن الواو عائدة على اللَّه
تعالى وملائكته، أو على ملائكته فقط، وخبر الجلالة محذوف، أي: أن اللَّه يصلي وملائكته
يصلون، فأجازه بعضهم، ومنعه آخرون لعلة التشريك، حكاه عياض، أي: التسوية بين اللَّه
وملائكته في لفظ واحد، وهو ضمير الواو لما فيه من عدم رعاية التعظيم (﴿على النبي
يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا﴾ [الأحزاب/٥٦]،) خصه بالتأكيد وتنوين
التعظيم، أي: تسليمًا، عظيمًا، تعريضًا لمن لم يسلم، أو لأن المراد تسليمًا لا كتسليم غيره
من الأمة، والصلاة لا يشاركه فيها الأمة، فيفهم منها في نفسها التعظيم بلا تأكيد، أو لأن
التسليم لم يثبت للَّه والملائكة، فهو في معرض المساهلة في الجملة، (فأخبر عباده بمنزلة
نبيه عنده في الملأ الأعلى؛ بأنه يثني عليه عند ملائكته المقربين، وأن الملائكة تصلي

٣١٧
النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره
العالم السفلي بالصلاة والتسليم عليه، فيجتمع الثناء عليه من أهل العالمين العلوي
والسفلي جميعًا.
وكتبه نبيًا وآدم بين الروح والجسد، وختم به النبوة والرسالة، وأعلن بذكره
الكريم في الأولين والآخرين، ونوه بقدره الرفيع حين أخذ الميثاق على جميع
النبيين، وجعل ذكره في فواتح الرسائل وخواتمها، وشرف به المصاقع على المنابر،
وزين بذكره أرباب الأقلام والمحابر، ونشر ذكره في الآفاق شرقًا وغربًا، بحرًا
عليه، ثم أمر العالم السفلي،) أي: المؤمنين، (بالصلاة والتسليم عليه،) وكل ذلك إبانة
لفضله، ورفعًا لذكره، (فيجتمع الثناء عليه من أهل العالمين:) بفتح اللام والميم، تثنية العالم
(العلوي، و) العالم (السفلي جميعًا،) وقد أورد على هذا؛ أن المؤمنين شاركوه في ذلك، قال
تعالى: ﴿هو الذي يصلي عليكم وملائكته﴾ [الأحزاب/٤٣] الآية، ومثله كثير في الأحاديث،
كحديث: (إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف)، وأجيب؛ بأن الآية الأولى نزلت أولاً
من غير مزاحم فيها، مع التأكيد بأن والاسمية، وتمييزه بمجموع ما ذكر، فبان بها فضله، ورفعه
على غيره.
وقد أخرج عبد بن حميد عن مجاهد، قال: لما نزلت: ﴿إِن اللَّه وملائكته يصلون على
النبي﴾، قال أبو بكر: يا رسول اللَّه ما أنزل اللَّه عليك خيرًا إلا أشركنا فيه، فنزلت: ﴿هو الذي
يصلي عليكم وملائكته﴾.
وقال الإمام الرازي: صلاة الملائكة على المؤمنين بطريق التبعية لصلاته تعالى عليهم،
فتأخر ذكرها، وصلاتهم على النبي عَِّ بطريق الأصالة، ففيها تفضيله على غيره، كما إذا قيل
يدخل فلان وفلان، فإنه يدل على تقديم الأول، بخلاف فلان وفلان يدخلان. انتهى، ولا يرد بأن
الواو لمطلق الجمع بلا ترتيب، لأن ملحظه؛ أن التقديم الذكري يشعر بالاهتمام، والتقديم لا من
حیث الواو.
(وكتبه نبيًا وآدم بين الروح والجسد،) كما مر مبسوطًا في المقصد الأول، (وختم به
النبوة والرسالة،) فلا نبي بعده، ولا رسول، (وأعلن بذكره الكريم،) أي: أظهره (في الأولين
والآخرين، ولوّه:) رفع (بقدره الرفيع:) العالي، (حين أخذ الميثاق على جميع النبيين،) كما
قال: ﴿وإذ أخذ اللَّه ميثاق النبيين﴾ [آل عمران/٨١]، (وجعل ذكره في فواتح الرسائل
وخواتمها، وشرف به المصاقع:) بالصاد المهملة والقاف، الخطباء الفصحاء البلغاء، جمع مصقع
بكسر الميم، (على المنابر،) جمع منبر من النبر، وهو الارتفاع، (وزين بذكره أرباب الأقلام
والمحابر:) جمع محبرة بفتح الميم والباء، أو فتحها وضم الباء، أو كسرها وفتح الباء، لأنه آلة،

٣١٨
النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره
وبرًا، حتى في السموات السبع وعند المستوى وصريف الأقلام، والعرش والكرسي،
وسائر الملائكة المقربين من الكروبين والروحانيين والعلويين والسفليين، وجعله في
قلوب المؤمنين بحيث يستطيبون ذكره فترتاح أرواحهم، وربما تميل من طرب سماع
اسمه أشباحهم.
وإذا ذكرتم أميل كأنني من طيب ذكركُم سقيت الراحا
كأنه تعالى يقول: أملاً الوجود كله من أتباعك، كلهم يثنون عليك، ويصلون
عليك ويحفظون سنتك، بل ما من فريضة من فرائض الصلاة إلا ومعها سنة، فهم
يتمسكون في الفريضة بأمري، وفي السنة بأمرك، وجعلت طاعتي طاعتك، وبيعتي
بيعتك، فالقراء يحفظون ألفاظ منشورك، والمفسرون يفسرون معاني فرقانك،
أجودها الأولى، (ونشر ذكره في الآفاق:) النواحي (شرقًا وغربًا، بحرًّا وبرًا، حتى في
السموات السبع، وعند المستوى، وصريف الأقلام:) تصويتها، (والعرش، والكرسي، وسائر:)
معنى جميع (الملائكة المقربين من الكروبين،) بالتخفيف، سادة الملائكة، (والروحانيين)
(بفتح الراء وضمها)، (والعلويين،) أي: الملازمين للسموات، (والسفليين) من عداهم،
كالموكلين بحفظ بني آدم ومصالحهم، (وجعله في قلوب المؤمنين بحيث يستطيبون ذكره،)
ويتلذذون به، (فترتاح أرواحهم، وربما تميل من طرب سماع اسمه أشباحهم:) أجسادهم، وأنشد
لغيره قوله:
(وإذا ذكرتم أميل كأنني من طيب ذكركم سقيت الراحا)
قال المجد: الراح: الخمر، كالرياح (بالفتح) والارتياح؛ (كأنه تعالى يقول: أملأ الوجود
كله،) علويه وسفليه، (من أتباعك، كلهم يثنون عليك، ويصلون عليك، ويحفظون سنتك،)
وقد قال: ﴿إلا أني أوتيت الكتاب﴾، ومثله معه، الحديث رواه أحمد وأبو داود، (بل ما من
فريضة من فرائض الصلاة إلا ومعها سنة) مما سنه، كتكبيرة الإحرام معها رفع اليدين، والفاتحة
معها السورة، وهكذا (فهم يتمسكون في الفريضة بأمري، وفي السنة بأمرك،) لأنه من أمري،
(وجعلت طاعتي طاعتك) في نحو قولي: ((من يطع الرسول فقد أطاع اللَّه))، (وبيعتي
بيعتك)، إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله، وأتى بهما على القلب للمبالغة، (فالقراء يحفظون
ألفاظ منشورك،) على اختلاف القراءات الواردة عنك متواترة وغيرها، ويوجهون ما قد يخفى من
جهة اللسان بأوجه متعددة، أو وجه هؤلاء هم القراء.
(والمفسرون يفسرون معاني فرقانك،) بما ورد عنك، وعن أصحابك، وتابعيهم، وما

٣١٩
النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره
والوعاظ يبلغون بليغ وعظك، والملوك والسلاطين يقفون في خدمتك ويسلمون
عليك من وراء الباب، ويمسحون وجوههم بتراب روضتك، ويرجون شفاعتك،
فشرفك باق أبد الآبدين، والحمد لله رب العالمين.
وقال تعالى: ﴿طه ما أنزلنا عليك القرءان لتشقى﴾ [طه/١ - ٢].
اعلم أن للمفسرين في قولين، أحدهما: أنها من حروف التهجي، والثاني
أنها كلمة مفيدة.
وعلى القول الأول: قيل معناها، يا مطمع الشفاعة للأمة، ويا هادي الخلق
إلى الملة، وقيل: ((الطاء)) في الحساب بتسعة والهاء بخمسة، فالجملة أربعة عشرة،
ومعناها: يا أيها البدر، وهذه الأقوال لا يعتمد عليها إذ هي، كما قال المحققون،
استنبطوه من اللغة، واستخرجوه من علوم البلاغة، (والوعاظ) المذكرون، (يبلغون بليغ وعظك،)
من إضافة الصفة للموصوف، أي: وعظك البليغ، (والملوك والسلاطين يقفون في خدمتك،
ويسلمون عليك من وراء الباب) أدبًا واحتشامًا، (ويمسحون وجوههم بتراب روضتك،
ويرجون شفاعتك، فشرفك باق أبد الآبدين، والحمد لله رب العالمين) على ذلك الفضل
العظيم.
(وقال تعالى: ﴿طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى﴾ [طه/١ - ٢]) من الشقاء والتعب، أو
الشقاوة على ما يأتي.
(اعلم أن للمفسرين في قولين أحدهما: أنها) أي: هذه اللفظة، وإلا فهي حرفان، (من)
أسماء (حروف التهجي والثاني: أنها كلمة مفيدة،) أي: مركبة، لا مقطعة، من أسماء حروف
التهجي.
(وعلى القول الأول، قيل: معناها) الذي أريد بها، (يا مطمع،) بزنة مقعد (الشفاعة
للأمة،) أي: يا من هو محل تطمعها في الشفاعة لها، (ويا هادي الخلق إلى الملة،) يحتمل
أن الاسم مركب من مجموع النداءين، وأن كل واحد منهما مسمى لمجموع الطاء والهاء،
ومقتضى قول عياض، وقيل: هي حروف مقطعة لمعان الأول، فالطاء للأول، والهاء للثاني.
(وقيل: الطاء في الحساب بتسعة، والهاء بخمسة، فالجملة أربعة عشر، ومعناها: يا
أيها البدر،) ذكره معرفًا باللام، إشارة إلى أنه الكامل المثير، السالم من العوارض، (وهذه
الأقوال) استعمل الجمع في اثنين، لأنه الذي قدمه بناء على أنهما أقله، فهو حقيقة، أو مجاز من
استعمال الكل في البعض، بناء على أن أقله ثلاثة (لا يعتمد عليها، إذ هي، كما قال

٣٢٠
النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره
من بدع التفسير، ومثلها قول الواسطي، فيما حكاه القاضي عياض في ((الشفاء)،
أراد: يا طاهر يا هادي.
وأما على قول من قال: إنها كلمة مفيدة، فقيه وجهان: أحدهما، أن معناه:
يا رجل، وهو مروي عن ابن عباس والحسن ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة
وعكرمة. قال سعيد بن جبير: بلسان النبطية، وقال قتادة: بلسان السريانية، وقال
عكرمة بلسان الحبشة. وقال البيضاوي: إن صح أن معناه: يا رجل فلعل أصله: يا
هذا فتصرفوا فيه بالقلب والاختصار، انتهى.
قال الكلبي: لو قلت في ((عَكّ)) يا رجل، لم يجبك حتى تقول: طه.
سـ
المحققون من بدع) بكسر، فسكون، أي: غريب (التفسير،) الذي لا سند له سوى هذا التوهم
العقلي.
وفي نسخة المفسرين: والمعنى واحد، وتجوز قراءته بفتح الدال، جمع بدعة، اسم من
الابتداع، وهو الاستخراج والأحداث بلا أصل.
(ومثلها قول الواسطي) أبي بكر محمد بن موسى، الإمام العارف، من كبار أتباع الجنيد،
(فيما حكاه القاضي عياض في الشفاء: أراد يا طاهر، ويا هادي،) فالطاء من طاهر، والهاء من
هادي، وقيل: الطاء قول القراءة، والهاء هيئاتها، وقيل: طوبى والهاوية، وقيل: قسم بطوله وهدايته
عليه السلام، وهي أيضًا من البدع، وقيل: طه اسم من أسمائه مَّهِ، وقيل: من أسماء الله،
حكاهما عياض والمصنف في المقصد الثاني، قائلاً: المعتمد أنها من أسماء الحروف.
(وأما على قول من قال إنها كلمة مفيدة، ففيه وجهان: (أحدهما: أن معناه يا رجل،)
أي: معناه رجل، وحرف النداء مقدر معه، (وهو مروي عن ابن عباس) عند البيهقي، (والحسن)
البصري، (ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة، وعكرمة،) والكل من التابعين المفسرين.
(قال سعيد بن جبير بلسان النبطية،) أي: المنسوبة إلى النبط، قوم كانوا ينزلون سواد
العراق، (وقال قتادة بلسان السريانية، وقال عكرمة: بلسان الحبشة)، ولا يشكل عليهم قوله
تعالى: ﴿قرآنًا عربيًا﴾ [يوسف/٢]، لأن المراد عربي الأسلوب، لا الكلمات، أو هو اسم للجملة،
وهي كثيرة، فلا يخرجه لاشتماله على كلمات قليلة غير عربية، كقسطاس وسجين عن كونه
عربيًا، ولا أنه نزل بمكة والمدينة وبينهما، لأنه لا يلزم من نزوله بها؛ أن جميعه بلغته لجواز
اشتهار تلك اللغة في تلك الأماكن، (وقال البيضاوي: إن صح أن معناه يا رجل، فلعل أصله يا
هذا، فتصرفوا فيه بالقلب) للياء طاء، (والاختصار)، أي: الاقتصار على الهاء من هذا. (انتهى).
(قال الكلبي: لو قلت في عك) بفتح العين وشد الكاف، قال الجوهري: هو عك بن