النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره
أتى بجميع ما أتوا به من الخصال الحميدة فقد اجتمع فيه ما كان متفرقًا فيهم،
فيكون أفضل منهم. وبأن: دعوته عليه الصلاة والسلام في التوحيد والعبادة وصلت
إلى أكثر بلاد العالم بخلاف سائر الأنبياء، فظهر أن انتفاع أهل الدنيا بدعوته عَ ليه.
أكل من انتفاع سائر الأمم بدعوة سائر الأنبياء، فوجب أن يكون أفضل من سائر
الأنبياء. انتهى.
وقد روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال قال عَّاله: أنا سيد ولد آدم
يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي آدم فمن سواه إلا
فيكون تاركًا للأمر؛) وهو محال، (وإذا أتى بجميع ما أتوا به من الخصال الحميدة، فقد
اجتمع فيه ما كان متفرقًا فيهم، فيكون أفضل منهم،) لأن الواحد إذا فعل مثل فعل الجماعة
كان أفضل منهم، قيل عليه: لا شك أنه أفضل من كل واحد منهم، ومن الجميع أيضًا، لكن في
هذا الدليل خفاء، لأنه لا يلزم من إتيانه بكل ما أتى به كل واحد منهم إلا مساواته للمجموع، لا
أفضليته عليهم، وكأنه الداعي للعزبن عبد السلام على قوله: إنه أفضل من كل واحد منهم، لا
من جميعهم، فتمالاً جماعة من علماء عصره على تكفيره، فعصمه الله، بل قد يتوقف في
المساواة أيضًا، لأنك لو أنعمت على أربعة فأعطيت واحدًا دينارًا، وآخر دينارين، وآخر ثلاثة،
وآخر أربعة، لزاد صاحب الأربعة على كل واحد دون جميع ما لغيره، ولو أعطيته ستة لساواهم،
ولو أعطيته عشرة زاد عليهم، فينبغي أن يقال إنه عَّله ساواهم في العمل، وزاد عليهم، بأنه أعلم
منهم باللّه، وأكثر من جميعهم خصائص ومعجزات، وهذا التفضيل في القرب والمنزلة، وهو أكثر
ثوابًا، وأمته أكثر من جميع الأمم، وأجرهم له إلى يوم القيامة، ولو كانت للناس مساكن بعضها
فوق بعض، لكان الذي فوق الأخير أعلى من الجميع، وفي آية تلك الرسل إيماء لهذا، حيث أبهم
وعبر برفع الدرجات دون أن يسميه، ويقول إنه أعظم وأفضل. انتهى.
(وبأن دعوته عليه الصلاة والسلام في التوحيد والعبادة، وصلت إلى أكثر بلاد
العالم، بخلاف سائر الأنبياء، فظهر أن انتفاع أهل الدنيا بدعوته عند أكمل من انتفاع سائر
الأمم بدعوة سائر الأنبياء، فوجب أن يكون أفضل من سائر الأنبياء. انتهى) استدلال الرازي.
(وقد روى الترمذي،) وقال: حسن صحيح، وأحمد وابن ماجه، وصححه الحاكم (عن
أبي سعيد الخدري، قال: قال عَ له: أنا سيد ولد آدم يوم القيامة،) خصه، لأنه يوم مجموع له
الناس، فيظهر سودده لكل أحد عيانًا ووصف نفسه بالسودد، المطلق المفيد، للعموم في المقام
الخطابي، فيفيد سيادته على جميع أولاد آدم حتى أولى العزم واحتياجهم إليه، وتخصيص ولد

٢٨٢
النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره
تحت لوائي.
وفي حديث أبي هريرة مرفوعًا - عند البخاري -: أنا سيد الناس يوم القيامة
وهذا يدل على أنه أفضل من آدم عليه السلام ومن كل أولاده بل أفضل من
الأنبياء، بل أفضل الخلق كلهم.
وروى البيهقي في فضائل الصحابة، أنه ظهر علي بن أبي طالب من البعد،
فقال مَّهِ: هذا سيد العرب فقالت عائشة: ألست يا رسول اللَّه بسيد العرب؟ قال:
أنا سيد العالمين وهو سيد العرب. وهذا يدل على أنه عَّةٍ أفضل الأنبياء.
آدم ليس للاحتراز، فهو أفضل حتى من خواص الملائكة بإجماع من يعتد به، (ولا فخر،) بل إنما
قلته شكرًا، كقول سليمن: ﴿علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء﴾، أي: لا أقوله تكبرًا
وتعاظمًا على الناس في الدنيا، وإن كان فيه فخرًا الدارين، أولاً افتخر بذلك، بل فخري بمن
أعطاني هذه الرتبة، (وبيدي لواء») بالكسر والمد، علم (الحمد،) والعلم في العرصات مقامات
لأهل الخير والشر، نصب في كل مقام لكل متبوع لواء، يعرف به قدره، وأعلى تلك المقامات
مقام الحمد، ولما كان عَّةٍ أعظم الخلائق أعطى أعظم الألوية، لواء الحمد ليأوي إليه الأولون
والآخرون، فهو حقيقي ولا وجه لحمله على لواء الجمال والكمال، (ولا فخر) لي بذلك فخر
تكبرًا، ولا فخر بالعطاء، بل بالمعطي، (وما من نبي) يومئذ (آدم، فمن سواه إلا تحت لوائي).
قال الطيبي: آدم فمن سواه اعتراض بين النفي والاستثناء، وآدم بالرفع بدل، أو بيان من
محله، ومن موصولة، وسواه صلته، وصح، لأنه ظرف، وآثر الفاء التفصيلية في، فمن للتريب على
منوال الأمثل فالأمثل، وبقية هذا الحديث: وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر، وأنا أول
شافع ولا فخر.
(وفي حديث أبي هريرة، مرفوعًا عند البخاري) ومسلم والترمذي وأحمد: (أنا سيد
الناس يوم القيامة،) وهل تدرون مم ذلك؟، يجمع اللَّه الأولين والآخرين في صعيد واحد، فذكر
حديث الشفاعة بطوله، (وهذا) المذكور من حديثي أبي سعيد وأبي هريرة، (يدل على أنه
أفضل من آدم عليه السلام ومن كل أولاده، بل أفضل من الأنبياء،) إضراب انتقالي لدفع
توهم، أن المراد بأولاده من عد الأنبياء، (بل أفضل الخلق كلهم،) لأنه من ناس، إذا تحرك،
فشمل الملائكة حتى أمين الوحي بإجماع حتى من المعتزلة، وجهل الزمخشري مذهبه، كما
حققه جماعة من المحققين.
(وروى البيهقي في فضائل الصحابة؛ أنه ظهر على ابن أبي طالب من البعد،
فقال ◌َله: هذا سيد العرب، فقالت عائشة: ألست يا رسول اللَّه بسيد العرب؟، قال: أنا سيد

٢٨٣
النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره
وقد روى هذا الحديث - أيضًا - الحاكم في صحيحه عن ابن عباس، لكن
بلفظ: أنا سيد ولد آدم، وعلي سيد العرب. وقال: إنه صحيح ولم يخرجاه.
وله شاهد من حديث عروة عن عائشة، وساقه من طريق أحمد بن عبيد عن
ناصح قال حدثنا الحسين بن علوان - وهما ضعيفان - عن هشام بن عروة عن أبيه،
عن عائشة بلفظ: ادعوا لي سيد العرب، قالت: فقلت يا رسول اللَّه ألست سيد
العرب؟ فقال: وذكره.
وكذا أورده من حديث عمر بن موسى الوجيهي - وهو ضعيف أيضًا - عن
أبي الزبير عن جابر مرفوعًا: ادعوا لي سيد العرب فقالت عائشة: ألست سيد العرب
وذ کره.
العالمين، وهو سيد العرب، وهذا يدل على أنه عَّةٍ أفضل الأنبياء) والملائكة، لأن العالم ما
سوی اللَّه.
(وقد روى هذا الحديث أيضًا الحاكم في صحيحه) المستدرك من طريق أبي عوانة،
عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، (عن ابن عباس،) مرفوعًا، (لكن بلفظ: أنا سيد ولد آدم،
وعلي سيد العرب).
(وقال) الحاكم: (إنه صحيح ولم يخرجاه،) أي: البخاري ومسلم، مع أن إسناده على
شرطهما، (وله شاهد من حديث عروة) بن الزبير، (عن) خالته (عائشة، وساقه») أي: رواه
الحاكم، (من طريق أحمد بن عبيد بن ناصح،) أبي جعفر النحوي، يعرف بأبي عصيدة، قيل:
إن أبا داود حكى عنه، مات بعد السبعين ومائتين.
(قال: حدثنا الحسين بن علوان، وهما ضعيفان،) لكن اقتصر في التقريب على أن
أحمد ابن عبيد، لين الحديث، (عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة،) مرفوعًا (بلفظ:
ادعوا لي سيد العرب، قالت) عائشة: (فقلت: يا رسول اللَّه ألست سيد العرب؟، فقال:
وذكره، وكذا أورده) الحاكم (من حديث عمر بن موسى الوجيهي:) بفتح الواو وكسر الجيم،
نسبة إلى وجيه، (وهو ضعيف أيضًا عن أبي الزبير) محمد بن مسلم المكي، (عن جابر،
مرفوعًا: ادعوا لي سيد العرب، فقالت عائشة: ألست سيد العرب، وذكره،) ورواه أبو نعيم
في الحلية عن الحسن بن علي، رفعه: ادع سيد العرب، يعني عليًا، فقالت له عائشة: ألست
سيد العرب؟، فقال: أنا سيد ولد آدم، وعلي سيد العرب.

٢٨٤
النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره
قال شيخنا: وكلها ضعيفة. بل جنح الذهبي إلى الحكم على ذلك بالوضع.
انتھی.
ولم يقل عَُّله: أنا سيد الناس عجبًا وافتخارًا على من دونه، حاشاه اللَّه من
ذلك، وإنما قاله إظهارًا لنعمة اللَّه عليه، وإعلامًا للأمة بقدر إمامهم ومتبوعهم عند
اللَّه، وعلو منزلته لديه، لتعرف نعمة اللَّه عليهم وعليه. وكذلك العبد إذا لاحظ ما
هو فيه من فيض المدد، وشهده من عين المنة ومحض الجود، وشهد مع ذلك
فقره إلى ربه في كل لحظة، وعدم استغنائه عنه طرفة عين أنشأ له ذلك في قلبه
سحائب النور، فإذا انبسطت هذه السحائب في سماء قلبه وامتلأ أفقه بها أمطرت
عليه وابل الطرب مما هو فيه من لذيذ السرور، فإن لم يصبه وابل فطل، وحينئذ
يجري على لسانه الافتخار من غير عجب ولا فخر، بل هو فرح بفضل اللَّه
(قال شيخنا) السخاوي: (وكلها ضعيفة، بل جنح:) مال (الذهبي إلى الحكم على
ذلك بالوضع.) انتهى، ولم يتبين لي ذلك، إذ ليس فيها وضاع ولا كذاب ولا متهم، والحاكم
إنما أورد حديث عائشة من الطريقين، وإن كان فيهما ضعف، شاهد الحديث ابن عباس الذي
صححه، لأن رواته من رجال الصحيح.
(ولم يقل عَّه: أنا سيد الناس عجبًا وافتخارًا على من دونه،) والفخر ادعاء العظم
والمباهاة، (حاشاه من ذلك،) إذ هو سيد المتواضعين، (وإنما قاله إظهارًا لنعمة الله عليه،)
لقوله: ﴿وأما بنعمة ربك فحدث﴾ [الضحى/١١]، (وإعلامًا للأمة بقدر إمامهم ومتبوعهم عند
اللَّه، وعلو منزلته لديه، لتعرف نعمة اللَّه عليهم وعليه،) وليعتقدوا فضله على من سواه.
قال القرطبي: ولأنه مما أمر بتبليغه، لما يترتب عليه من وجوب اعتقاد ذلك، وأنه حق في
نفسه، فإن قيل: هذا راجع للاعتقاد، فكيف يحصل القطع به من أخبار الآحاد، قلنا: من سمع
شيئًا من هذه الأمور منه عَّه مشافهة حصل له العلم به، كالصحابة، ومن لم يشافهه حصل له
العلم به من طريق التواتر المعنوي، لكثرة أخبار الآحاد به.
(وكذلك العبد،) أي: عبد من عباد اللَّه الكاملين، (إذا لاحظ ما هو فيه من فيض
المدد، وشهده من عين المنة ومحض الجود، وشهد مع ذلك فقره إلى ربه في كل لحظة،
وعدم استغنائه عنه طرفة عين، أنشأ له ذلك في قلبه سحائب النور،) وفي نسخة: السرور والنور
أولى، (فإذا انبسطت هذه السحائب في سماء قلبه، وامتلأ أفقه بها أمطرت عليه وابل:
الطرب مما هو فيه من لذيذ السرور، فإن لم يصبه وابل) مطر شديد، (فطل) مطر خفيف،
والمعنى أنه يزكو وينمو، كثر المطر، أو قل، (وحينئذ يجري على لسانه الافتخار من غير

٢٨٥
النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره
وبرحمته، كما قال تعالى: ﴿قل بفضل اللَّه وبرحمته فبذلك فليفرحوا﴾ [يونس/
٥٨] فالافتخار على ظاهره، والافتقار والإنكسار في باطنه، ولا ينافي أحدهما
الآخر، وإلى هذا المعنى يشير قول العارف الرباني سيد علي الوفائي في قصيدته
التي أولها:
من أنت مولاه حاشا علاه أن يتلاشى
واللَّه يا روح قلبي لامات من بك عاشا
لا يرجعون عطاشا
قوم لهم أنت ساقٍ
له وفاؤك راشا
لاقص دهر جناحا
لمن وهبت انتعاشا
بك النعيم مقيم
لن يضعف الدهر جاشا
ومن بحولك يقوى
فكيف لا يتحاشى
عبدله بك عز
حاشا وفاؤك يرمي من أنت مولاه حاشا
عجب ولا فخر، بل هو فرح بفضل اللَّه وبرحمته، كما قال تعالى: ﴿قل بفضل الله ورحمته﴾
(﴿فبذلك﴾) الفضل والرحمة، (﴿فليفرحوا﴾ فالافتخار) كائن (على ظاهره) بحسب اللفظ،
(والافتقار والانكسار في باطنه، ولا ينافي أحدهما الآخر، وإلى هذا المعنى يشير قول
العارف:) هو من أشهده الحق نفسه، وظهرت عليه الأحوال والمعرفة حاله، هكذا ذكره الشيخ،
فالعالم عنده أعلى مقامًا من العارف خلافًا للأكثرين، وقد قرر ذلك في الفتوحات ومواقع النجوم
(الرباني سيد علي الوفائي في قصيدته التي أولها: من أنت مولاه) ناصره ومعينه (حاشا،
علاه) رفعته (أن يتلاشى:) يخس بعد رفعته، (والله يا روح) حياة (قلبي، لا مات من بك
عاشا،) بل يحيا حياة طيبة، (قوم لهم أنت ساق، لا يرجعون عطاشاء) بل على غاية من الري
(لا قص) بمهملة ثقيلة (دهر جناحًا، له وفائك راشاء) أصلح حاله ونفعه، (بك النعيم مقيم،
لمن وهبت انتعاشًا،) أي: رفعة وجبرًا وذكرًا حسنًا.
قال المجد: نعشه اللَّه، كمنعه ورفعه، كأنعشه ونعشه، وفلانًا جبره بعد فقره، والميت
ذكره ذكرًا حسنًا، (ومن بحولك) قوتك (يقوى، لن يضعف الدهر) بالنصب (جاشاء) أي:
نفسًا.
قال المجد: الجأش نفس الإنسان، وقد لا يهمز (عبد له بك عز) قوة ومنعة، (فكيف لا
يتحاشىء) يكرم ويعظم (حاشا وفاؤك يرمي، من أنت مولاه حاشاء) أي: تنزيهًا له أن يفعل

٢٨٦
النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره
فإن قلت: ما الجمع بين هاتين الآيتين، وبين قوله تعالى: ﴿قولوا آمنا باللّه
وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط
وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم
ونحن له مسلمون﴾ [البقرة/١٣٦].
ذلك (فإن قلت: ما الجمع بين) كل من (هاتين الآيتين:) ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على
بعض﴾ [البقرة/٢٥٣] الآية، و﴿لقد فضلنا بعض النبيين على بعض﴾ [الإسراء/٥٥] الآية، فإن
كلاً منهما صريح في التفضيل وعدم التفريق في قوله تعالى: ﴿لا نفرق بين أحد منهم﴾ [البقرة/
١٣٦] الآية، دال على التسوية، كجملة أحاديث، كما قال، (وبين قوله تعالى) خطابًا للمؤمنين:
(﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا﴾) من القرءان (﴿وما أنزل إلى إبراهيم﴾) من الصحف العشر،
(﴿وإسمعيل، وإسحق، ويعقوب والأسباط﴾) أولاد يعقوب، (﴿وما أوتي موسى﴾) من التوراة،
(﴿وعيسى﴾) من الإنجيل، (﴿وما أوتي النبيون من ربهم)) من الكتب والآيات، (﴿لا نفرق
بين أحد منهم﴾) فنؤمن ببعض، ونكفر ببعض، كاليهود والنصارى، (﴿ونحن له مسلمون﴾
[البقرة/١٣٦]،١) وأورد أن بين إنما تقع على اثنين، كجلست بين زيد وعمرو، وأحد في الآية
مفرد، لأنه بمعنى واحد لا بعينه، فکیف صح دخول بین علیه، وأجيب بأنه باعتبار معطوف حذف
لظهوره، أي: بين أحد منهم وبين غيره، وفيه دلالة صريحة على تحقيق عدم التفريق بين كل فرد
منهم وبين من عداهم، كائنًا من كان، بخلاف ما لو قيل لا نفرق بينهم، وأجاب الكشاف؛ بأن
أحد في معنى الجماعة بحسب الوضع.
قال التفتازاني: لأنه اسم لمن يصلح أن يخاطب، يستوي فيه المفرد والمثنى والجمع،
والمذكر والمؤنث، ويشترط أن يكون استعماله مع كلمة كل، أو في كلام غير موجب، وهذا
غير الأحد الذي هو أول العدد في مثل: ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص/١]، قال: وليس كونه
في معنى الجماعة من جهة كونه نكرة في سياق النفي على ما سبق إلى كثير من الأوهام، ألا
ترى أنه لا يستقيم، لا نفرق بين رسول من الرسل، إلا بتقدير عطف، أي: رسول ورسول،
وقال في: ﴿لا نفرق بين أحد من رسله﴾، من زعم أن معنى الجمع في أحد أنه نكرة في
سياق النفي، فقد سها، وإنما معناه ما ذكر في كتب اللغة؛ أنه اسم لمن يصلح أن يخاطب،
فحين أضيف بين إليه، أو أعيد ضمير جمع إليه، أو نحو ذلك، فالمراد به جمع من الجنس
الذي يدل عليه الكلام، فمعنى: ﴿لا نفرق بين أحد﴾، بين جمع من الرسل، ومعنى: ﴿فما
منكم من جماعة﴾، ومعنى: ﴿لستن كأحد﴾ [الأحزاب/٣٢] الآية، كجماعة من جماعات
النساء، انتهى.

٢٨٧
النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره
والحديث الثابت في الصحيحين، عن أبي هريرة قال: استب رجل من
المسلمين ورجل من اليهود فقال اليهودي في قسمه: لا والذي اصطفى موسى
على العالمين، فرفع المسلم يده فلطم اليهودي وقال: أي خبيث، وعلى محمد؟
(والحديث الثابت في الصحيحين عن أبي هريرة، قال: استب،) أي: سب (رجل من
المسلمين،) قال عمرو بن دينار: هو أبو بكر الصديق، أخرجه سفين بن عيينة في جامعه، وابن
أبي الدنيا في كتاب البعث، ويعكر عليه أن في رواية للشيخين من حديث أبي هريرة أيضًا، وأبي
سعيد؛ أنه من الأنصار، إلا أن كان المراد، المعنى الأعم، فإن الصديق من أنصاره عَله، بل هو
رأس من نصره ومقدمهم وسابقهم، قاله الحافظ في الفتح، زاد في المقدمة: أو يحمل، على
تعدد القصة، لكن لم يسم من اليهود غير واحد.
(ورجل من اليهود،) أي: سب كل منهما الآخر بمعنى غيره، قال الحافظ: لم أقف على
اسم هذا اليهودي، وزعم ابن بشكوال أنه فنحاص، وهو (بكسر الفاء وسكون النون ومهملتين)،
وعزاه لابن إسحق، والذي ذكره ابن إسحق لفنحاص مع أبي بكر في لطمه إياه قصة أخرى في
نزول قوله تعالى: ﴿لقد سمع اللَّه قول الذين قالوا إن اللَّه فقير﴾ [آل عمران/١٨١]، (فقال
اليهودي في قسمه،) أي: حلفه.
وفي رواية للشيخين عن أبي هريرة، فقال المسلم: والذي اصطفى محمدًا على العالمين،
وقال اليهودي: والذي اصطفى موسى على العالمين، فرفع المسلم عند ذلك يده فلطم وجه
اليهودي.
وفي رواية لهما أيضًا: بينما يهودي يعرض سلعته أعطى فيها شيئًا كرهه، فقال: (لا،
والذي اصطفى موسى على العالمين،) وفي رواية لهما على البشر، فقال ذلك ردًا على
المسلم فيما قاله، وأكده بالقسم، (فرفع المسلم يده) عند ذلك، أي: سماعه قوله، لما فهمه
من غموم لفظ العالمين، أو البشر، فدخل فيه محمد عَادٍ، وقد تقرر عند المسلم أنه أفضل، وقد
جاء ذلك مبينًا في حديث أبي سعيد أن الضارب قال له: أي خبيث أعلى محمد، فدل على أن
لطمه عقوبة له على كذبه عنده، قاله الحافظ. (فلطم اليهودي،) وفي رواية لهما: فلطم وجه
اليهودي وقال: أتقول هذا ورسول اللَّه بين أظهرنا. وفي رواية للإمام أحمد: فلطم عين اليهودي،
وقوله،(وقال: أي خبيث) (بفتح الهمزة وسكون الياء) حرف نداء، (وعلى محمد،) هذه
الجملة أدخلها المصنف في حديث أبي هريرة، وليست منه، فقد أخرجه مسلم في الفضائل،
والبخاري في الخصومات، والرقاق، والتوحيد وأحاديث الأنبياء مختصرًا ومطولاً، وليس فيه هذه
الجملة، إنما هي عنده في مواضع عن أبي سعيد، قال: بينما رسول اللَّه عَ لآل جالس جاء يهودي

٢٨٨
النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره
فجاء اليهودي إلى رسول اللَّه عَ لّه واشتكى على المسلم فقال عَّله: لا تفضلوني
على الأنبياء وفي رواية لا تفضلوا بين الأنبياء.
وحديث أبي سعيد الخدري عند البخاري ومسلم أنه عَّه قال: لا تخيروا
بين الأنبياء.
وحديث ابن عباس عند البخاري ومسلم مرفوعًا ما ينبغي لعبد أن يقول: أنا
خیر من يونس بن متى.
وحديث أبي هريرة عند الشيخين، من قال: أنا خير من يونس بن متى فقد
فقال: ضرب وجهي رجل من الأنصار، فقال: ادعوه، فقال: أضربته؟ قال: سمعته بالسوق يحلف:
والذي اصطفى موسى على البشر، قلت: أي خبيث أعلى محمد علّله، فأخذتني غضبة ضربت
وجهه، فقال: لا تخيروا بين الأنبياء .. الحديث، وأخرجه مسلم بنحوه.
وقد صرح الحافظ، كما رأيت؛ بأن هذه الجملة من حديث أبي سعيد، (فجاء اليهودي
إلى رسول اللّه عَد. واشتكى) ضمنه معنى اعترض، فعده بقوله (على المسلم،) وهذا نقل
بالمعنى، وإلا فلم تقع هذه اللفظة في الصحيحين، لا في حديث أبي هريرة، ولا في حديث أبي
سعید.
ولفظ البخاري في الأشخاص في حديث أبي هريرة: فذهب اليهودي إلى النبي عَّـ
فأخبر بما كان من أمره وأمر المسلم، وكذلك في أولى روايتيه في أحاديث الأنبياء.
ولفظه في الثانية: يا أبا القسم إن لي ذمة وعهدًا، فما بال فلان لطم وجهي، فقال: لم
لطمت وجهه، فذكره، فغضب عَّه حتى رؤي في وجهه، وكذا أخرجه مسلم في الفضائل
باللفظين من طريق، (فقال ◌َّةٍ: لا تفضلوني على الأنبياء).
(وفي رواية) لهما: (لا تفضلوا بين الأنبياء،) وفي رواية: لا تخيروني على موسى،
(وحديث أبي سعيد الخدري عند البخاري) في التفسير والتوحيد والخصومات، (ومسلم) في
الفضائل: (أَنه ◌َّ قال: لا تخيروا بين الأنبياء،) بأن تقولوا فلان خير من فلان، (وحديث ابن
عباس عند البخاري ومسلم) أيضًا في الفضائل، (مرفوعًا: ما ينبغي) ما يصح، ولا يجوز (لعبد)
من عباد اللَّه، (أن يقول أنا خير من يونس،) يحتمل أن يكون رجوع أنا إلى القائل، وإلى
النبي مَالِ.
قال الحافظ في التفسير: والأول أولى، لكنه قال في أحاديث الأنبياء: حديث عبد الله بن
جعفر عند الطبراني: لا ينبغي لنبي أن يقول أن .. الخ، يؤيد رجوعها للنبي عَّده، والطبراني في

٢٨٩
النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره
كذب.
أجاب العلماء: بأن قوله عز وجل: ﴿لا نفرق بين أحد منهم﴾ يعني: في
حديث ابن عباس ما ينبغي لأحد، وللطحاوي: أنه سبح اللَّه في الظلمات، فأشار إلى جهة
الخیریة، انتھی.
(ابن متى) بفتح الميم، والفوقية الثقيلة، وألف مقصورة، وقع في تفسير عبد الرزاق أنه
اسم أمه، ورده الحافظ بقوله في بقية هذا الحديث، ونسبه إلى أبيه، ففيه رد على من زعم أنه
اسم أمه، وهو محكي عن وهب بن منبه، وذكره الطبري، وتيعه ابن الأثير في الكامل، والذي في
الصحيح أصح، وقيل: سبب قوله ونسبه إلى أبيه؛ أنه كان في الأصل يونس ابن فلان، فنسيه
الراوي، وكنى عنه بفلان، وذلك سبب نسبته إلى أمه، فقال الذي نسي يونس بن متى، وهي أمه،
ثم اعتذر، فقال ونسبه، أي: شيخه إلى أبيه، أي: سماعًا، فنسيته، ولا يخفى بعد هذا التأويل،
وتكلفه. انتهى، بل يرده ما في الثعلبي عن عطاء: سألت كعب الأحبار عن متى، فقال: هو أبو
يونس، واسم أمه برورة، أي: صديقة بارة قانتة، وهي من ولد لهرون. انتهى.
فقول السيوطي: التأويل عندي أقوى، وإن استبعده الحافظ، فيه نظر.
قال الحافظ: ولم أقف في شيء من الأخبار على اتصال نسبه، وقد قيل: إنه كان في
زمن ملوك الطوائف من الفرس.
(وحديث أبي هريرة عند الشيخين: من قال أنا خير من يونس بن متى، فقد كذب،)
هذا لفظ البخاري في التفسير مختصرًا بلا واو أوله، فزيادتها في نسخ خطا، ولم يخرجه مسلم
بهذا اللفظ.
وقد أحسن السيوطي، فعزاه في الزوائد للبخاري، والترمذي وابن ماجه.
نعم أخرجه مسلم والبخاري في آخر الحديث السابق، بلفظ: ولا أقول إن أحد أفضل من
يونس بن متى، ورواه البخاري أيضًا مختصرًا، بلفظ: لا ينبغي للعبد أن يقول: أنا خير من يونس
ابن متی.
وفي رواية مسلم عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّة، أنه قال يعني اللَّه»: لا ينبغي لعبد لي،
وقال ابن المثنى: لعبدي أن يقول أنا خير من يونس بن متى، ومسلم رواه عن شيوخه ابن أبي
شيبة، وابن بشار ومحمد بن المثنى، فلذا بين اختلاف لفظهم، فالأولان بلام، والثالث بدونها،
والإضافة لياء المتكلم.
(أجاب العلماء؛ بأن قوله عز وجل: ﴿لا نفرق بين أحد منهم﴾، يعني في الإيمان، بما

٢٩٠
النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره
الإيمان بما أنزل إليهم والتصديق بأنهم رسل اللَّه وأنبياؤه، والتسوية بينهم في هذا لا
تمنع أن يكون بعضهم أفضل من بعض.
وأجابوا عن الأحاديث بأجوبة.
فقال بعضهم: أن نعتقد أن اللَّه تعالى فضل بعضهم على بعض في الجملة.
ونكف عن الخوض في تفصيل التفضيل بآرائنا، قال ابن ظفر: فإن أراد هذا
القائل إنا نكف عن الخوض في تفصيل التفضيل بآرائنا فصحيح، وإن أراد أنا لا
نذكر في ذلك ما فهمناه من كتاب اللَّه وروي لنا من حديث رسول اللَّه مَ افّ.
فسقیم.
أنزل إليهم، والتصديق بأنهم رسل اللَّه وأنبياؤه،) عطف عام على خاص، على أن الرسول
أخص من النبي، ومرادف على تساويهما، وإن كلاً منهما إنسان أوحى إليه بشرع، وأمر بتبليغه،
أو المعنى التصديق بأن منهم رسلاً وأنبياء ليسوا برسل، (والتسوية بينهم في هذا) المذكور من
الإيمان بما أنزل ... الخ، (لا تمنع أن يكون بعضهم أفضل من بعض،) كما هو نص الآيتين بسبب
خواص ترجح من قامت به على غيره بالنظر، لتلك الخصوصية.
(وأجابوا عن الأحاديث بأجوبة) سبعة أو ثمانية، (فقال بعضهم: أن) مخففة من الثقيلة،
(نعتقد) بالرفع، أي: إنا نعتقد (أن اللَّه تعالى فضل بعضهم على بعض في الجملة) وجاز
حذف اللام مما دخلت عليه لظهور المراد، كقوله: إن الحق لا يخفى على ذي بصيرة، ولكن
عدم الفصل بينها وبين الفعل الغير الناسخ نادر، والمضارع أندر من الماضي، كما في: أن يزينك
لنفسك وأن يشينك لهيه، ويحتمل قراءته بفتح الهمزة، (ونكف:) نمتنع (عن الخوض في
تفصيل:) تبيين (التفضيل بآرائنا،) لأنه هجوم على عظيم.
(قال ابن ظفر: فإن أراد هذا القائل: إنا نكف عن الخوض في تفصيل التفضيل بآرائنا)
المجردة عن فهم كتاب، أو سنة، (فصحيح،) وبهذا الإيراد إن هذا عين ما قاله ذلك البعض،
فکیف یجعله احتمالاً فیه.
(وإن أراد أنا لا نذكر في ذلك ما فهمناه من كتاب اللَّه، وروي لنا من حديث
رسول اللَّه عَّله) وهو رأى أيضًا، لكن في فهم الدليل من غير أن تكون دلالته عليه قطعية،
(فسقيم،) أي: ضعيف، لأن الأخبار على غلبة الظن، وما أدى إليه الاجتهاد لا يمتنع، ومحصله
أن التفضيل بالرأي: المحض مجمع على منعه، وبالدليل لا وجه لمنعه، وما أحسن اختصار
الحافظ لهذا بقوله.

٢٩١
النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره
وقال آخر: نفضل من رفع اللَّه درجته بخصائص الحظوة والزلفى، ولا
نخوض في تفضيل بعضهم على بعض في سياسة المنذرين والصبر على الدين،
والنهضة في أداء الرسالة، والحرص على هدى الضلاَّل، فإن كلا منهم قد بذل في
ذلك وسعه الذي لا يكلفه اللَّه تعالى أكثر منه.
وقال الآخر - مما ذكره القاضي عياض -: إن نهيه عليه السلام عن التفضيل
كان قبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم، فنهى عن التفضيل إذا يحتاج إلى توقيف، وإن
من فضل بلا علم فقد كذب.
قال الحافظ عماد الدين بن كثير: وفي هذا نظر. انتهى.
قال العلماء: إنما نهى عن ذلك من يقوله برأيه، لا من يقوله بدليل.
(وقال آخر: نفضل)) أي: نعتقد فضل (من رفع اللَّه درجته:) منزلته (بخصائص
الحظوة:) بضم الحاء المهملة وكسرها ومعجمة، المحبة ورفع المنزلة، (والزلفى:) القربى،
مصدر بمعنى التقريب، (ولا نخوض:) لا نتكلم (في تفضيل بعضهم على بعض،) عبر عن
المتكلم بالخوض لما فيه من المشقة بلوم الدنيا، وعقوبة الأخرى.
وفي القاموس: خاض الماء دخله، والغمرات اقتحمها، (في سياسة) أمر ونهي
(المنذرين) بفتح الذال، القوم الذين أرسلوا إليهم وبينوا لهم عواقب الفواحش، (والصبر على
الدين،) أي: القيام به، وهو هنا ما شرع من الأحكام التي من جملتها: وجوب تبليغ ما أمروا به،
ومنع المخالفين لهم، الخارجين عن الطاعة، (والنهضة،) أي: السرعة (في أداء الرسالة،
والحرص على هدى الضلال:) بضم الضاد وشد اللام، جمع ضال، ويجوز فتحها، والتخفيف
بتقدير أهل الضلال، والأول أولى، (فإن كلاً منهم قد بذل في ذلك وسعه الذي لا يكلفه اللَّه
أكثر منه)، لأنه ﴿لا يكلف اللَّه نفسا إلا وسعها﴾ [البقرة/٢٨٦].
(وقال الآخر مما ذكره القاضي عياض) في الشفاء: (إن نهيه عليه السلام عن التفضيل
كان قبل أن يعلم،) بالبناء للفاعل، أو المفعول، أي: يعلمه اللَّه، (أنه سيد ولد آدم، فنهى عن
التفضيل، إذ يحتاج إلى توقيف،) أي: إعلام به وأذن فيه، فلا يقدم عليه بالعقل، (وإن من
فضل بلا علم،) بل بالرأي: المجرد، (فقد كذب،) لأنه لا يطابق ما في نفس الأمر، والجملة
حالية، أو استئنافية فيه، مقوية لما قبلها.
(قال الحافظ عماد الدين بن كثير: وفي هذا) الذي قاله الجماعة الآخرون (نظر.

٢٩٢
النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره
ولعل وجه النظر من جهة معرفة المتقدم تاريخًا من ذلك. ثم رأيت في
تاريخ ابن كثير أن وجه النظر - من جهة - أن هذا من رواية أبي سعيد وأبي هريرة،
وما هاجر أبو هريرة إلا عام خيبر، فيبعد أنه لم يعلمه بهذا إلا بعد هذا.
وقال آخر: إنما قاله عَّه على طريق التواضع ونفي التكبر والعجب.
قال القاضي عياض: وهذا لا يسلم من الاعتراض.
وقيل: لا نفضل بعضهم تفضيلاً يؤدي إلى تنقيص بعضهم أو الغض منه.
انتهى. ولعل وجه النظر من جهة معرفة المتقدم تاريخًا من ذلك،) يعني أنه يتوقف على العلم
بتقدم النهي على العلم؛ بأنه سيد ولد آدم ولم يعلم التاريخ، أو فيه مضاف، أي: جهة جهل
معرفة ... الخ، (ثم رأيت في تاريخ ابن كثير: أن وجه النظر من جهة، إن هذا من رواية أبي
سعيد) الخدري، (وأبي هريرة) الدوسي، (وما هاجر أبو هريرة إلا عام خيبر) بالمعجمة وراء
آخره، على الصواب في المحرم سنة سبع، ونسخة حنين تصحيف، (فيبعد أنه لم يعلمه) اللَّه
تعالی (بهذا إلا بعد هذا،) بل أعلمه فضله قبل ذلك.
قال السبكي: وفي حديث الإسراء ما يدل عليه. انتهى، ومن جملته قول إبراهيم: بهذا
فضلكم محمد، (وقال آخر: إنما قاله عَّتِ على طريق التواضع،) لين الجانب، وخفض الجناح،
(ونفي التكبر،) إظهارًا لعظمة، (والعجب:) بضم فسكون، استحسان النفس والمدح لها.
(قال القاضي عياض: وهذا لا يسلم من الاعتراض،) لأنه عد الإخبار بخلاف الواقع
الذي هو كذب مذموم تواضعًا، قيل: ولأن نفي التكبر والعجب يقتضي ثبوتهما له، وأنه مع ما
علم من حاله كيف يتوهم فيه ما لا يتوهم في صالحي أمته، ولا يخفى أنه اعتراض ساقط، فإن
التواضع صفة محمودة، وهو من شأنه عمله، كذا في شرح الشفاء.
وقال شيخنا: لأنه عَّ له كثيرًا ما يفتخر من باب التحدث بالنعمة، بل المطلوب منه أن
يظهر فضله لأمته، ليقوى إيمانهم به، ولئلا يجهلوا مقامه فيضلوا.
(وقيل:) مما ذكر عياض أيضًا: (لا نفضل بعضهم تفضيلاً يؤدي) بضم التحتية وفتح
الهمزة وشد الدال، يجر ويوصل (إلى تنقيص بعضهم،) تفعيل من النقص، أي: يقتضي وصفهم
بما فيه نقص، (أو الغض منه) بفتح الغين والضاد المعجمتين، أي: انتقاصه، كما في القاموس
وغيره، فهو مساو لما قبله، ولا يصلح أنه عطف تفسير، لأنه إنما يكون بالواو إلا أن تكون، أو
استعملت بمعنى الواو مجازًا، فعوملت معاملتها.
وقد ورد هذا الجواب؛ بأنه إن أريد مطلق النقص، فهذا لا يقوله مسلم، وإن أريد نقص

٢٩٣
النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره
وقيل: منع التفضيل إنما هو في حق النبوة والرسالة، فإن الأنبياء عليهم الصلاة
والسلام فيها على حد واحد، لا تتفاضل. وإنما التفاضل في زيادة الأحوال
والخصوص والكرامات والرتب، وأما النبوة نفسها فلا تتفاضل، وإنما التفاضل
بأمور أخرى زائدة عليها، ولذلك كان منهم رسل وأولو عزم، انتهى، وهذا قريب
من القول الثاني.
بعضهم عن بعض في الفضل، فلا معنى لأفعل التفضيل إلا ذلك.
(وقيل:) مما ذكره عياض أيضًا: (منع التفضيل) بين الأنبياء والرسل، (إنما هو في حق
النبوة والرسالة) نفسهما لا الأنبياء والرسل، (فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فيها،) أي:
النبوة (على حد واحد،) فرتبتها وقدرها متحد فيهم، إذ هي شىء واحد، (لا تتفاضل،) أي: لا
يزيد بعضها على بعض، (وإنما التفاضل في زيادة الأحوال،) أي: العوارض الطارئة عليها،
(والخصوص،) أي: ما خص به بعضهم دون بعض، (والكرامات) التي أكرم اللَّه بها بعضهم،
(والرتب) الدنيوية والأخروية، (وأما النبوة نفسها فلا تتفاضل).
قال السنوسي في شرح عقائده: ويدل عليه منع أن يقال لفلان النبي النصيب الأقل من
النبوة، ولفلان النصيب الأوفر منها، ونحوه من العبارات التي تقتضي أن النبوة مقولة بالتشكيك،
ولا شك أن امتناع ذلك معلوم من الدين بالضرورة بين السلف والخلف، فدل على أن حقيقة
النبوة من المتواطىء المستوى إفراده، ولا يلتفت لمن خالف مقتضاه لوضوح فساده.
(وإنما التفاضل بأمور أخرى زائدة عليها) ليست من نفس حقيقتها، كما تبين، وفي
ذكره ذلك في النبوة دون الرسالة إيماء إلى الفرق بينهما.
(ولذلك) المذكور من أن التفاضل لأمر زائد، (كان منهم رسل وأولو عزم،) أي: شدة
وقوة وتصميم على تنفيذ ما يراد به وبغيره. (انتهى، وهذا قريب من القول الثاني،) وليس عينه
لاختلاف ملحظهما.
وفي فتح الباري قال العلماء: إنما نهى عَّ عن ذلك من يقوله برأيه، لا من يقوله بدليل،
أو من يقوله بحيث يؤدي إلى تنقيص المفضول، أو يؤدي إلى الخصومة والتنازع، أو المراد لا
تفضلوا بجميع أنواع الفضائل، بحيث لا يترك للمفضول فضيلة، فالإمام مثلاً إذا قلنا أنه أفضل من
المؤذن لا يستلزم نقص فضيلة المؤذن بالنسبة إلى الأذان، وقيل: النهي إنما هو في حق النبوة
نفسها لقوله: ﴿لا نفرق بين أحد من رسله﴾، ولم ينه عن تفضيل الذوات لقوله: ﴿تلك الرسل
فضلنا بعضهم على بعض﴾ [البقرة/٢٥٣].
وقال الحليمي: الأخبار الواردة في النهي عن التخيير إنما هي في مجادلة أهل الكتاب،

٢٩٤
النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره
وقال ابن أبي جمرة في حديث يونس: يريد بذلك نفي التكييف والتحديد
على ما قاله ابن خطيب الري، لأنه قد وجدت الفضيلة بينهما في عالم الحس،
لأن النبي صَّةِ أسري به إلى فوق السبع الطباق، ويونس نزل به إلى قعر البحر، وقد
قال عَّله: أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وقال عليه السلام: آدم ومن دونه تحت
لوائي، وقد اختص عَّ بالشفاعة الكبرى التي لم تكن لغيره من الأنبياء عليهم
الصلاة والسلام. فهذه الفضيلة وجدت بالضرورة، فلم يبق أن يكون قوله عليه
الصلاة والسلام: لا تفضلوني على يونس بن متى إلا بالنسبة إلى القرب من اللَّه
وتفضيل بعض الأنبياء على بعض بالمخايرة، لأن المخايرة إذا وقعت بين دينين لم يؤمن أن
يخرج أحدهما إلى الأزراء بالآخر، فيفضي إلى الكفر، فأما إذا كان التخيير مستندًا إلى مقابلة
الفضائل ليحصل الرجحان، فلا يدخل في النهي، ثم قال، أعني في الفتح، في قوله: ما ينبغي
لعبد أن يقول أنا خير من يونس.
قال العلماء: إنما قاله عَِّ تواضعًا، إن كان قاله بعد أن علم أنه أفضل الخلق، وإن قاله قبل
علمه، فلا إشكال.
وقيل: خص يونس بالذكر لما يخشى على من سمع قصته أن يقع في نفسه تنقيص له،
فبالغ في ذكر فضله لسد هذه الذريعة. انتهى، وذكرته برمته لحسن تلخيصه، وإن تكرر بعضه مع
ما ذكره المصنف.
(وقال ابن أبي جمرة) بجيم وراء، (في حديث يونس، يريد بذلك نفي التكييف
والتحديد على ما قاله ابن خطيب الري،) الإمام فخر الدين محمد بن عمر بن الحسن بن
الحسين التميمي، البكري، الطيرستاني، الرازي، بحر العلوم، ناصر السنة، الورع، الدين، صاحب
التصانيف الكثيرة، تفقه على أبيه وغيره، ولد سنة ثلاث، وقيل: أربع وأربعين وخمسمائة، وتوفي
بهراة يوم عيد الفطر يوم الاثنين سنة ست وستمائة، مر بعض ترجمته أيضًا، كان أبوه خطيبًا
بالري: بفتح الراء وشد التحتية، مدينة مشهورة من أعلام البلاد، كانت أعظم من أصبهان والنسبة
إليها بزيادة زاي، (لأنه قد وجدت الفضيلة بينهما في عالم الحس، لأن النبي ◌ٍَّ أسري به
إلى فوق السبع الطباق،) أي: السموت، (ويونس نزل به إلى قعر البحر، وقد قال عَّ: أنا
سيد ولد آدم يوم القيامة،) خصه، لأنه يوم ظهور ذلك كل الظهور.
(وقال عليه السلام: آدم ومن دونه تحت لوائي،) فالمراد بولد آدم جنس البشر، كما
تقرر، فدخل آدم، (وقد اختص عَّ بالشفاعة الكبرى التي لم تكن لغيره من الأنبياء عليهم
الصلاة والسلام، فهذه الفضيلة وجدت بالضرورة، فلم يبق أن يكون قوله عليه الصلاة

٢٩٥
النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره
سبحانه والبعد، فمحمد عَّه وإن أسري به لفوق السبع الطباق واخترق الحجب،
ويونسن عليه الصلاة والسلام وإن نزل به لقعر البحر فهما بالنسبة إلى القرب والبعد
من اللَّه سبحانه وتعالى على حد واحد. انتهى.
وهو مروي عن الإمام دار الهجرة لملك بن أنس وعزي نحوه لإمام الحرمين.
وقال ابن المنير: إن قلت إن لم يفضل على يونس باعتبار استواء الجهتين
بالنسبة إلى وجود الحق تعالى، فقد فضله باعتبار تفاوت الجهتين في تفضيل الحق
فإنه تعالى فضل الملأ الأعلى على الحضيض الأدنى، فكيف لا نفضله عليه
والسلام: ((لا تفضلوني على يونس بن متى))، إلا بالنسبة إلى القرب من اللَّه سبحانه والبعد،
فمحمد عَّ وإن أسري به لفوق السبع الطباق، واخترق الحجب، ويونس عليه الصلاة
والسلام؛ وإن نزل به لقعر البحر، فهما بالنسبة إلى القرب والبعد من اللَّه سبحانه وتعالى
على حد واحد. انتهى، وهو مروي عن الإمام دار الهجرة لملك بن أنس،) وهو حمل حسن لا
يرد عليه شىء، (وعزى نحوه لإمام الحرمين،) أبي المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف
الجويني.
ذكر القرطبي في التذكرة: أن القاضي أبا بكر بن العربي، قال: أخبرني غير واحد أن إمام
الحرمين سئل هل الباري في جهة؟، فقال: لا هو متعال عن ذلك، قيل: ما الدليل عليه، قال:
قول النبي عَ: ((لا تفضلوني على يونس بن متى))، قيل: ما وجه الدليل منه؟، قال: لا أقول
حتى يأخذ ضيفي هذا ألف دينار يقضي بها دينًا، فقام رجلان، فقالا: هي علينا، فقال: لا يتبع
بها اثنين، لأنه يشق عليه، فقال واحد: هي عليّ، فقال: إن يونس رمى بنفسه في البحر، فالتقمه
الحوت، وصار في قعر البحر في ظلمات ثلاث، ونادى: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من
الظالمين، كما أخبر اللَّه، ولم يكن محمد عَّه حين جلس على الرفرف الأخضر، وارتقى به
صعدا حتى انتهى به إلى موضع يسمع فيه صريف الأقلام، وناجاه ربه بما ناجاه، وأوحى إليه ما
أوحى بأقرب إلى الله من يونس في ظلمة البحر، فاللَّه سبحانه قريب من عباده، يسمع دعاءهم
ولا يخفى عليه حالهم، كيفما تصرفت من غير مسافة بينه وبينهم. انتهى.
(وقال ابن المنير) في معراجه: (إن قلت: إن لم يفضل) نبينا عَّه (على يونس باعتبار
استواء الجهتين بالنسبة إلى وجود الحق تعالى، فقد فضله باعتبار تفاوت الجهتين في
تفضيل الحق) سبحانه، (فإنه تعالى فضل الملأ الأعلى،) أي: السموت (على الحضيض
الأدنى،) أي: الأرض عند الأكثرين، لأنه لم يعص فيها، ومعصية إبليس لم تكن فيها، أو وقعت
نادرة، فلم يلتفت إليها، وقيل: الأرض أفضل، لأنها مستقر الأنبياء ومدفنهم، ونسب للأكثر أيضًا،

٢٩٦
النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره
الصلاة والسلام على يونس، فإن لم يكن التفضيل بالمكان فهو بالمكانة بلا
إشکال.
ثم قال: قلت لم ينه عن مطلق التفضيل، وإنما نهى عن تفضيل مقيد
بالمكان يفهم منه القرب المكاني فعلى هذا يحمل جمعًا بين القواعد، انتهى.
واختلف هل البشر أفضل من الملائكة؟
فقال جمهور أهل السنة والجماعة: خواص بنى آدم، وهم الأنبياء، أفضل من
خواص الملائكة وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل وحملة العرش، والمقربون
وصحح الأول، ومحل الخلاف، كما قال السراج البلقيني: فيما عدا قبور الأنبياء فهي أفضل
اتفاقًا.
(فكيف لا نفضله عليه الصلاة والسلام على يونس، فإن لم يكن التفضيل بالمكان،
فهو بالمكانة) الرفعة وعلو المنزلة، (بلا إشكال، ثم قال) تلو هذا السؤال بلا فاصل» (قلت: لم
ينه عن مطلق التفضيل، وإنما نهى عن تفضيل مقيد بالمكان يفهم منه القرب المكاني) الذي
يتعالى اللّه عنه، (فعلى هذا يحمل جمعًا بين القواعد. انتهى،) وهو في معنى ما قال إمام
الحرمين وملك وغيرهما.
(و) قد (اختلف) في جواب قول السائل: (هل البشر أفضل من الملائكة») أم الملائكة
أفضل، ثالثها الوقف واختاره الكيا الهراسي، ومحل الخلاف في غير نبينا عَدّ أما هو فأفضل
الخلق إجماعًا، لا يفضل عليه ملك مقرب ولا غيره، كما ذكره الرازي، وابن السبكي، والسراج
البلقيني، والزركشي، وما في الكشاف من تفضيل جبريل.
قال بعض المغاربة: جهل الزمخشري مذهبه، فإن المعتزلة مجمعون على تفضيل
المصطفى، نعم قيل: إن طائفة منهم خرقوا الإجماع، كالرماني، فتبعهم.
(فقال جمهور أهل السنة والجماعة: خواص بني آدم، وهم الأنبياء أفضل من خواص
الملائكة،) واختاره الإمام فخر الدين في الأربعين.
وفي المحصل قال ابن المنير: وفضلهم باعتبار الرسالة والنبوة لا باعتبار عموم الأوصاف
البشرية بمجردها، وإلا لكان كل البشر أفضل من الملائكة، معاذ اللَّه.
وذكر الإمام فخر الدين: أن الخلاف في التفضيل بمعنى أيهما أكثر ثوابًا على الطاعات،
ورد بذلك احتجاج الفلاسفة على تفضيل الملائكة بأنها نورانية علوية، والجسمانية ظلمانية
سفلية، وقال: هذا لم يلاق محل النزاع، وبهذا يزول الإشكال في المسألة، (وهم جبريل

٢٩٧
النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره
والكروبيون والروحانيون. وخواص الملائكة أفضل من عوام بني آدم - قال
التفتازاني: بالإجماع بل بالضرورة- وعوام بني آدم أفضل من عوام الملائكة.
فالمسجود له أفضل من الساجد، فإذا ثبت تفضيل الخواص على الخواص لآدم
ثبت تفضيل العوام على العوام، فعوام الملائكة خدم عمال الخير، والمخدوم له
ومیکئيل وإسرافيل وعزرائيل) ملك الموت، (وحملة العرش،) وهم أربعة، أو ثمانية، تقدم تحريره
في المعراج، (والمقربون والكروبيون) بفتح الكاف وخفة الراء، كما مر، (والروحانيون) بضم
الراء وفتحها، أما الضم فلأنهم أرواح ليس معها ماء ولا نار ولا تراب، ومن قال هذا قال: الروح
جوهر، ويجوز أن يؤلف اللَّه أرواحا، فيجسمها ويخلق منها خلقًا ناطقًا عاقلاً، فيكون الروح
مخترعًا، والتجسيم بضم النطق والعقل إليه حادثًا من بعد، ويجوز أن أجساد الملائكة على ما
هي عليه اليوم مخترعة، كما اخترع عيسى وناقة صالح. وأما الفتح، فبمعنى أنهم ليسوا
محصورين في الأبنية والظلل، ولكنهم في فسحة وبساط، وقيل: ملائكة الرحمة روحانيون بفتح
الراء، وملائكة العذاب الكروبيون من الكرب، قاله الحليمي والبيهقي.
(وخواص الملائكة،) وهم المذكورون (أفضل من عوام بني آدم،) يعني أولياء البشر،
وهم من عدا الأنبياء، كما في الحبائك، أي: الصلحاء، كما يأتي.
(قال التفتازانى: بالإجماع، بل بالضرورة،) لعصمتهم جميعهم.
قال السيوطي: لكن رأيت لطائفة من الحنابلة؛ أنهم فضلوا أولياء البشر على خواص
الملائكة، وخالفهم ابن عقيل من أثمتهم، وقال: إن ذلك شناعة عظيمة عليهم، (وعوام بني آدم
أفضل من عوام الملائكة،) وهم غير خواصهم في أحد القولين، وجزم به الصفار والنسفي،
كلاهما من الحنفية.
وذكر البلقيني: أنه المختار عند الحنفية، ومال إلى بعضه، وهو أنه قد يوجد من أولياء
البشر من هو أفضل من غير الخواص من الملائكة، وذهب الأكثرون إلى تفضيل جميع الملائكة
على أولياء البشر، وجزم به ابن السبكي في جمع الجوامع، وفي منظومته، فذكر المصنف ثلاث
صور استدل لها بقوله:
(فالمسجود له أفضل من الساجد،) وهو الملائكة، أي: أن مجموع البشر أفضل من
مجموع الملائكة، كما أشار له بقوله، (فإذا ثبت تفضيل الخواص،) وهم الأنبياء، (على
الخواص) من الملائكة بالسجود (لآدم، ثبت تفضيل العوام على العوام،) وهذا صريح في
تفضيل المجموع، وأورد الرازي في الأربعين: لم لا يقال السجدة كانت للَّه وآدم، كالقبلة سلمنا
أنها لآدم، لكن لم لا يكون من السجود التواضع والترحيب، سلمنا أنها وضع الجبهة على

٢٩٨
النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره
فضل على الخادم، ولأن المؤمنين ركب فيهم الهوى والعقل، مع تسليط الشيطان
عليهم بوسوسته، والملائكة ركب فيهم العقل دون الهوى ولا سبيل للشيطان
عليهم.
فالإنسان - كما قاله في شرح العقائد - يحصل الفوائد والكمالات العلمية
والعملية مع وجود العوائق والموانع من الشهوة والغضب وسنوح الحاجات
الضرورية الشاغلة عن اكتساب الكمالات، ولا شك أن العبادة وكسب الكمال مع
الأرض، لكنها قضية عرفية، يجوز أن تختلف باختلاف الأزمنة، فلعل عرف ذلك الوقت؛ أن من
سلم على غيره وضع جبهته على الأرض، وتسليم الكامل على غيره أمر معتاد، قال: والجواب
عن الأسئلة الثلاثة أن ذلك السجود، لو لم يدل على زيادة منصب المسجود له على الساجد لما
قال إبليس: أرأيتك هذا الذي كرمت عليّ، فإنه لم يوجد شىء آخر يصرف هذا الكلام إليه سوى
هذا السجود، فدل على اقتضائه ترجيح المسجود له على الساجد.
(فعوام الملائكة خدم عمال الخير،) وهم صلحاء المؤمنين، (والمخدوم له فضل على
الخادم،) وهذا استدلال للصورة الثالثة، وعطف على، فالمسجود له أفضل من الساجد باعتبار
المعنى، أي: فبنو آدم من حيث هم أفضل، لأن هذا النوع مسجود له في الجملة، (ولأن
المؤمنين) من حيث هم (ركب فيهم الهوى) بالقصر، أي: الميل إلى الشىء، ثم استعمل في
الميل المذموم نحو: ﴿ولا تتبع الهوى فيضلك﴾، (والعقل) عبر به دون الشهوة، وإن كان أظهر
في بيان المشقة الحاصلة للمؤمنين في العبادة، لبيان ما حصل به الاشتراك بين الآدمي والبشر،
وقد أوضح ذلك الفخر في الأربعين، فقال: الملائكة لهم عقول بلا شهوة، والبهائم لهم شهوة بلا
عقل، والآدمي له عقل وشهوة، فإن رجحت شهوته على عقله كان أخس من البهيمة، قال تعالى:
﴿أولئك كالأنعام بل هم أضل﴾ [الأعراف/١٧٩]، فقياسه لو رجح عقله على شهوته وجب أن
یکون أفضل من الملك. انتھی.
وذكر نحوه البيهقي، وزاد: ألا ترى من ابتلى من الملائكة بالشهوة كيف وقع في
المعصية، وذكر قصة هاروت وماروت، وساقها من ثلاثة طرق، فكان المصنف عبر عن الشهوة
بالهوى لتسببه عنها، (مع تسليط الشيطان عليهم بوسوسته، والملائكة ركب فيهم العقل دون
الهوى،) لعدم الشهوة، (ولا سبيل للشيطان عليهم) لعصمتهم، فهذه الآفة غير حاصلة
للملائكة، (فالإنسان، كما قاله) التفتازاني (في شرح العقائد) للنسفي، (يحصل الفوائد
والكمالات العلمية والعملية مع وجود العوائق والموانع من الشهوة، والغضب، وسنوح
الحاجات،) أي: ظهورها وعروضها (الضرورية) التي لا بد منها، (الشاغلة عن اكتساب

٢٩٩
النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره
الشواغل والصوارف أشق وأدخل في الإخلاص فيكون أفضل.
والمراد بعوام بني آدم - هنا - الصلحاء لا الفسقة، كما نبه عليه العلامة
كمال الدين بن أبي شريف المقدسي، قال: ونص عليه البيهقي في الشعب وعبارته: قد
تكلم الناس قديمًا وحديثًا في المفاضلة بين الملائكة والبشر، فذهب ذاهبون إلى أن
الرسل من البشر أفضل من الرسل من الملائكة، والأولياء من البشر أفضل من
الكمالات) من علم وعمل، ومع ذلك يحصلهما، (ولا شك أن العبادة وكسب الكمال مع
الشواغل والصوارف،) أي: الموانع، وهي لازمة للشواغل، وكأنه جمع صارف أو صارفة، أي:
أمر صارف، أو خصلة صارفة، لأن فواعل يجمع قياسًا على فاعل وفاعلة، والمسموع صروف
كفلس وفلوس على ما في المصباح.
(أشق وأدخل في الإخلاص، فيكون) الإنسان (أفضل.) وفي الأربعين: لأن طاعة البشر
أشق، لأن الشهوة والغضب والحرص والهوى من أعظم الموانع عن الطاعات، وهذه صفات
موجودة في البشر، مفقودة في الملائكة، والفعل مع المانع أشق منه مع غير المانع، ولأن
تكاليف الملائكة مبنية على النصوص، قال تعالى: ﴿لا يسبقونه بالقول﴾ [الأنبياء/٢٧]،
وتكاليف البشر بعضها مبني على النصوص، وبعضها على الاستنباط، قال تعالى: ﴿فاعتبروا يا
أولي الأبصار﴾ [الحشر/ ٢]، وقال تعالى: ﴿لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾ [النساء/٨٣]،
والتمسك والاجتهاد والاستنباط في معرفة الشىء أشق من التمسك بالنص، والأشق أفضل نصًا
وقياسًا، أما النص، فقوله معَ له: ((أجرك على قدر نصبك))، وحديث: ((أفضل العبادات أحمزما))،
أي: أشقها، وأما القياس، فلو اشتركت الطاعات السهلة والشاقة في الثواب لخلا تحمل الشاقة،
عن الفائدة، وتحمل الضرر الخالي عن الفائدة محظور قطعًا، فكان يجب حرمة الشاقة فلما لم
یکن کذلك علم أن الأشق أکثر ثوابًا.
(والمراد بعوام بني آدم هنا) في هذا المبحث (الصلحاء،) لا ما اشتهر أنهم مقابل
العلماء، وما في الأصول؛ أنهم خلاف المجتهدين (لا الفسقة،) جعلهم في مقابلة الصلحاء،
يقتضي أن كل من لم يرتكب كبيرة، ولم يصر على صغيرة من صلحاء المؤمنين، وإن لم يصل
درجة الأولياء، وهو قد ينافي تعريف الولي بالقائم بحق اللَّه والعباد، لكن من هذه صفته قليل.
(كما نبه عليه العلامة كمال الدين بن أبي شريف المقدسي، قال: ونص عليه
البيهقي في الشعب، وعبارته: قد تكلم الناس قديمًا وحديثًا في المفاضلة بين الملائكة
والبشر:) الإنسان سمي به لظهور بشرته، يطلق على الإنسان واحده وجمعه، وقد يثنى ويجمع
على الإبشار، كما في القاموس، (فذهب ذاهبون إلى أن الرسل من البشر) الذين يدعون الناس

٣٠٠
النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره
الأولياء من الملائكة. انتهى.
وذهبت المعتزلة والفلاسفة وبعض الأشاعرة إلى تفضيل الملائكة. وهو
اختيار القاضي أبي بكر بن الباقلاني، وأبي عبد اللَّه الحليمي، وتمسكوا بوجوه:
الأول: أن الملائكة أرواح مجردة كاملة بالعقل مبرأة عن مبادىء الشرور
والآفات كالشهوة والغضب، وعن ظلمات الهيولي والصورة، قوية على الأفعال
إلى الحق، ويبلغونهم ما نزل إليهم، (أفضل من الرسل من الملائكة،) وهم الذين يتوسطون بين
اللَّه وبين الأنبياء، فهم رسل بالمعنى اللغوي، كقوله: ﴿جاعل الملائكة رسلاً﴾ [فاطر/١]، أما
الاصطلاحي، وهو إنسان حر ذكر، أوحى إليه بشرع، وأمر بتبليغه، فلا يكونون رسلاً، إذ لا شىء
من الملائكة بإنسان، (والأولياء من البشر).
قال السيوطي: وهم من عدا الأنبياء.
(أفضل من الأولياء من الملائكة) وهم من عد خواصهم، كما أفاده السيوطي. (انتهى)
کلام البيهقي.
وإنما يوافق دعواه بتأويل أولياء البشر بالصلحاء الذين لا كبيرة لهم ولا إصرار على صغيرة،
لا بما عرفه التفتازاني؛ أنه العارف بالله، وصفاته حسبما يمكنه المواظب على الطاعات، المجتنب
عن المعاصي، المعرض عن الانهماك في اللذات والشهوات، (وذهبت المعتزلة والفلاسفة
وبعض الأشاعرة،) أي: أهل السنة، كأبي إسحق الإسفرايني، والحاكم أبي عبد اللَّه، (إلى
تفضيل الملائكة، وهو اختيار القاضي أبي بكر) محمد بن الطيب (بن الباقلاني) بتخفيف
اللام والنون، نسبة إلى بيع الباقلاء، (وأبى عبد الله الحليمي،) واختاره أيضًا الإمام فخر الدين
في المعالم، وأبو شامة.
قال البيهقي: وأكثر أصحابنا ذهبوا إلى القول الأول، والأمر فيه سهل، وليس فيه من
: الفائدة إلا معرفة الشىء على ما هو به. انتهى.
(وتمسكوا بوجوه) نحو عشرين، اقتصر منها على أربعة: (الأول:) وهو أضعفها، (أن
الملائكة أرواح مجردة).
قال الآمدي: هذا غير مسلم، بل أجسام ذات أرواح، والتفاوت في هذا المفهوم ليس
بمسلم، (كاملة بالعقل،) بمعنى أنها (مبرأة عن مبادىء الشرور والآفات، كالشهوة والغضب،)
والخيال والوهم، (وعن ظلمات الهيولي).
قال المجد: القطن، وشبه الأوائل طينة العالم به، أو هو في اصطلاحهم موصوف بما
يصف به أهل التوحيد اللَّه تعالى، أنه موجود بلا كمية وكيفية، ولم يقترن به شىء من سمات