النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
ودعتني بالعبد يومًا فقالوا قد دعته بأشرف الأسماء
ولبعض الإشارات:
كأن اللَّه تعالى قال له: محمد، إني أعطيتك نورًا تنظر به جمالي، وسمعًا
تسمع به كلامي، يا محمد، إني أعرفك بلسان الحال معنى عروجك إلي، يا
محمد، أرسلتك إلى الناس شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، والشاهد مطالب بحقيقة ما يشهد
به، فأريك جنتي لتشهد ما أعددت فيها لأوليائي، وأريك ناري لتشهد ما أعددت
فيها لأعدائي، ثم أشهدك جلالي، وأكشف لك عن جمالي لتعلم أني منزه في
وبرع في الفنون، ودرس بعدة أماكن، وفاق في النظم، وله دیوان مشهور، مات بمكة سنة إحدى
وثمانين وسبعمائة.
(فلقد أجاد حيث قال:)
ودعتني بالعبد يومًا فقالوا قد دعته بأشرف الأسماء
وقد أخذ قول القائل:
يا قوم قلبي عبد زهراء يعرفه السامع والرائي
لا تدعني الأبيا عبدها فـإنه أشرف أسمائي
أنشده الأستاذ أبو القسم القشيري.
(ولبعض الإشارات) من محققي الصوفية الذين يستخرجون من النصوص معاني، كأنها
منطوق بها، بحسب أفهامهم وأحوالهم، (كأن اللَّه تعالى قال له محمد) بحذف ياء النداء، لأنها
للبعيد، وهو قد حصل له غاية القرب: (إني أعطيتك نورًا:) قوة في بصرك، شديدة زائدة على
المعتاد، (تنظر به جمالي:) إذ لو لم أعطك ذلك ما قدرت على نظره، (وسمعًا) زائدًا على
سمعك، (تسمع به كلامي،) فلولاه ما سمعت، ثم لما ثبت وتحقق له القرب المعنوي، ذکر یاء
النداء على الأصل، فقال: (يا محمد إني أعرفك بلسان الحال معنى عروجك إلى يا
محمد،) وذلك لأنى (أرسلتك إلى الناس شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، والشاهد مطالب بحقيقة ما
يشهد به،) كما قال عَّ له على مثل الشمس: ((فاشهد وإلا فدع)) رواه الحاكم والبيهقي.
(فأريك جنتي لتشهد ما أعددت فيها لأوليائي) المؤمنين، (وأريك ناري لتشهد ما
أعددت فيها لأعدائي) الكافرين، إذ ليس الخبر كالعين، وفي التنزيل عن إبراهيم: ﴿بلى ولكن
ليطمئن قلبي﴾، (ثم أشهدك جلالي:) عظمتي، (وأكشف لك عن جمالي لتعلم أني منزه
في جمالي) وجلالي (عن الشبيه والنظير والوزير) المعين (والمشير، فرآه عَّ بالنور الذي

٢٢٢
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
جمالي عن الشبيه والنظير، والوزير والمشير، فرآه ◌َه بالنور الذي قواه من غير
إدراك ولا إحاطة فردًا صمدًا، لا في شىء، ولا من شىء، ولا قائمًا بشىء، ولا
على شىء، ولا مفتقرًا إلى شىء، ﴿ليس كمثله شىء﴾ فلما كلمه شفاها،
وشاهده كفاحًا، فقال: يا محمد لا بد لهذه الخلوة من سر لا يذاع ورمز لا
يشاع، ﴿فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾، فكان سرًا من سر، لم يقف عليه ملك
مقرب ولا نبي مرسل، وأنشد لسان الحال:
بين المحبين سر ليس يفشيه قول ولا قلم في الكون يحكيه
سر يمازجه أنس يقابله نور تحير في بحر من التيه
ولما انتهى إلى العرش تمسك العرش بأذياله، وناداه بلسان حاله: يا محمد،
قواه من غير إدراك ولا إحاطة) عطف تفسير، كما فسر به قوله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار﴾
[الأنعام/١٠٣]، أي: لا تحيط به، (فردًا صمدًا،) مقصودًا في الحوائج على الدوام، أو لا جوف
له، كما في الطبراني عن بريدة، وقاله كثير من المفسرين وكأنه بمعنى المصمود.
وقال الشعبي: لا يأكل ولا يشرب، ونظر فيهما ابن عطية، بأن الجسم في غاية البعد عن
صفات اللَّه، فما الذي يعطينا هذه العبارات، (لا في شىء) يحويه أي: مكان، (ولا من شىء)
متولدًا، (ولا قائمًا بشىء) بعينه، (ولا على شيء، ولا مفتقرًا إلى شىء،) لأنه خالق كل شىء
(﴿ليس كمثله شىء﴾﴾ [الشورى/١١]، الكاف زائدة، لأنه تعالى لا مثل له، (فلما كلمه شفاها)،
أي: بلا واسطة، (وشاهده كفاحًا:) (بكسر الكاف) أي: مواجهة، أي: بلا حائل، (فقال:
يا محمد لا بدء) لا فراق، ولا محالة (لهذه الخلوة من سر لا يذاع:) لا ينتشر، ولا يظهر،
(ورمز) إشارة (لا يشاع) لا يظهر، فمعناهما واحد، حسنه اختلاف اللفظ لرعاية السجع،
(﴿فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾، فكان سرًا من سر لم يقف عليه ملك مقرب، ولا نبي
مرسل، وأنشد لسان الحال:
بين المحبين سر ليس يفشيه قول ولا قلم في الكون يحكيه)
يقال: فشا الشىء فشوًا وفشوًا: ظهر وانتشر،
وأفشيته بالألف:
(سر يمازجه أنس يقابله نور تحير في بحر من التيه)
(ولما انتهى إلى العرش تمسك العرش بأذياله:) جمع ذيل كذيول، قال في سبل الرشاد:
لم يرد في أحاديث المعراج الثابتة أنه معَّة عرج به إلى العرش، فقول ابن المنير أنه عرج به إليه

٢٢٣
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
أنت في صفاء وقتك آمنا من مقتك أشهدك جمال أحديته، وأطلعك على جلال
ليس على ما ينبغي، وقد سئل الإمام رضي الدين القزويني عن وطء النبي عَب العرش بنعله، وقول
الرب جل جلاله: لقد شرف العرش بتعلك يا محمد، هل ثبت أم لا؟، فأجاب: أما حديث وطء
النبي ◌َّةُ العرش بنعله، فليس بصحيح ولا ثابت، بل وصوله إلى ذروة العرش لم يثبت في خبر
صحيح، ولا حسن ولا ثابت أصلاً، وإنما صح في الأخبار انتهاؤه إلى سدرة المنتهى فحسب،
وأما إلى ما وراءها، فإنما ورد ذلك في أخبار ضعيفة ومنكرة، لا يعرج عليها، انتهى.
قال بعض المحدثين: قاتل اللَّه من وضع أنه رقي العرش بنعله ما أعدم حياءه، وما أجرأه
على سيد المتأدبين ورأس العارفين عَ له، قال: وجواب الرضي القزويني هو الصواب، فقد وردت
قصة الإسراء والمعراج مطولة ومختصرة عن نحو أربعين صحابيًا، وليس في حديث أحد منهم
أنه عَّ كان تلك الليلة في رجليه نعل، وإنما وقع ذلك في نظم بعض قصاص جهلة، ولم يذكر
العرش، بل قال: وأتى البساط، فهم بخلع نعله، فنودي: لا تخلع، وهذا باطل، لم يذكر في شىء
من الأحاديث بعد الاستقراء التام، ولم يرد في حديث صحيح، ولا حسن، ولا ضعيف أنه جاوز
سدرة المنتهى، بل ذكر فيها أنه انتهى إلى مستوى سمع فيه صريف الأقلام فقط، ومن ذكر أنه
جاوز ذلك، فعليه البيان، وأنى له به ولم يرد في خبر ثابت، ولا ضعيف أنه رقي العرش، وافتراء
بعضهم لا يلتفت إليه، ولا أعلم خبرًا ورد فيه أنه رأى العرش إلا ما رواه ابن أبي الدنيا عن أبي
المخارق أنه عَّ اللّه قال: مررت ليلة أسري بي برجل مغيب في نور العرش، فقلت: من هذا،
ملك؟، قيل: لا، قلت: نبي؟، قيل: لا، قلت: من هو؟، قيل: هذا رجل كان في الدنيا لسانه
رطب من ذكر الله، ولم يستسب لوالديه قط، وهو خبر مرسل لا تقوم به الحجة في هذا الباب.
انتهى، أي: لأن المرسل ضعيف عند جماهر النقاد للجهل بالساقط في الإسناد، ما أن
أبا المخارق مجهول، لكن دعواه أنه لم يرد أنه جاوز سدرة المنتهى في حديث ضعيف، ولا
حسن، ولا صحیح فيها نظر.
فقد أخرج ابن أبي حاتم عن أنس أنه معَّهُ لما انتهى إلى سدرة المنتهى غشيته سحابة فيه
من كل لون، فتأخر جبريل والقزويني الذي صوب هذا المحدث كلامه، قد اعترف بورود هذا،
بقوله: ﴿وأما إلى ما وراءها﴾، فإنما ورد في أخبار ضعيفة ومنكرة.
(وناداه بلسان حاله) قصره عليه، ليس لامتناع كونه بلسان القال، لأنه جماد، وقد عهد
نطقه، کتسبيح الحصا وغيره، بل لأنه لم يرد في حدیث نطقه، وبقوله: (یا محمد أنت) کائن
(في صفاء،) أي: خالص (وقتك) حال كونك (آمنًا،) فهو حال من الضمير في الخبر
المحذوف، وهذا أولى من جعله حالاً من المبتدأ لضعفه، بخلاف الخبر، فالراجح جوازه، (من
مقتك،) مصدر مضاف لمفعوله، أي: من وصول مقت إليك، والمراد من جميع المشوشات،

٢٢٤
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
صمديته، وأنا الظمآن إليه اللهفان عليه المتحير فيه لا أدري من أي وجه آتيه،
جعلني أعظم خلقه، فكنت أعظمهم منه هيبة، وأكثرهم فيه حيرة، وأشدهم منه
خوفًا. يا محمد، خلقني فكنت أرعد لهيبة جلاله، فكتب على قائمتي، لا إله إلاّ اللَّه
فازددت لهيبة اسمه ارتعادًا وارتعاشًا، فكتب محمد رسول اللَّه، فسكن لذلك
(أشهدك جمال أحديته،) أي: أحديته الجميلة، وهي تنزهه عن الجسمية والتعدد والتحيز.
قال البيضاوي: الأحد يدل على مجامع صفات الكمال، إذ الواحد الحقيقي ما يكون
منزه الذات عن أنحاء التركيب والتعدد، وما يستلزم أحدهما كالجسمية والتحيز والمشاركة في
الحقيقة، وخواصها، كوجوب الوجود والقدرة الذاتية، والحكمة التامة المقتضية للألوهية،
(وأطلعك على جلال صمديته،) أي: سيديته، واحتياج غيره إليه، وقصدهم إليه.
قال البيضاوي: الصمد السيد المصمود إليه في الحوائج من صمد إذا قصد، وهو
المقصود على الإطلاق، فإنه مستغن عن غيره مطلقًا، وكل ما عداه محتاج إليه في جميع جهاته،
(وأنا الظمآن،) أي: المشتاق (إليه،) فهو مجاز من إطلاق الملزوم على لازمه، فالظمأ بالهمز:
العطش وزنا ومعنى، ويلزمه الاشتياق للماء، (اللهفان) المتحسر (عليه المتحير فيه، لا أدري
من أي: وجه،) أي: طريق (آتيه، جعلني أعظم خلقه) من حيث الجسم.
قال عَّلهُ: ((والذي نفسي بيده ما السموات السبع والأرضون السبع عند الكرسي إلا
كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وإن فضل العرش على الكرسي، كفضل الفلاة على تلك الحلقة)، رواه
ابن مردويه وابن أبي شيبة عن أبي ذر.
وروى ابن جرير عنه، رفعه: ما السموات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة، ألقيت في
ترس، وما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض، وهذا نص
صريح في أن الكرسي غير العرش.
وما روي عن الحسن البصري: أن الكرسي هو العرش، فضعيف لا يصح عنه، والصحيح
عنه وعن غيره من الصحابة والتابعين أنه غيره.
(فكنت أعظمهم منه هيبة،) أي: أعظم الخلق الذي أشابههم ويشبهوني، كالكرسي
واللوح والقلم، لا الأنبياء والملائكة، كيف وقد قال غـ
ـد: (أنا أعلمكم بالله وأشدكم له خشية))،
(وأكثرهم فيه حيرة،) مصدر حار من باب تعب، لم يدر وجه الصواب.
قال الأزهري: وأصله أن ينظر الإنسان إلى شىء فيغشاه ضوؤه، فيصرف بصره عنه.
(وأشدهم منه خوفًا، يا محمد خلقني فكنت أرعد:) بضم العين وفتحها، قال المجد:
رعد: كمنع ونصر اضطرب (لهيبة جلاله، فكتب على قائمتي لا إله إلا اللَّه، فازددت لهيبة

٢٢٥
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
قلقي، وهدأ روعي، فكان اسمك لقاحًا لقلبي، وطمأنينة لسري، فهذه بركة كتابة
اسمك علي، فكيف إذا وقع جميل نظرك علي، يا محمد أنت المرسل رحمة
للعالمين، ولا بد لي من نصيب من هذه الرحمة، ونصيبي يا حبيبي أن تشهد لي
بالبراءة مما نسبه أهل الزور إلي، وتقوله أهل الغرور علي، زعموا: أني أسع من لا
مثل له، وأحيط بمن لا كيفية له. يا محمد، من لا حدَّ لذاته، ولا عدَّ لصفاته
.كيف يكون مفتقرًا إلي؟ ومحمولاً علي؟ إذا كان الرحمن اسمه، والاستواء صفته
وصفته متصلة بذاته فكيف يتصل بي أو ينفصل عني؟ يا محمد، وعزته، لست
اسمه ارتعادًا وارتعاشًا) عطف تفسير.
قال المجد: رعش: كفرح ومنع أخذته الرعدة، (فكتب محمد رسول اللَّه، فسكن لذلك
قلقي:) اضطرابي، (وهدأ:) سكن (روعي:) فزعي.
روى الحاكم وصححه عن ابن عباس: أن اللَّه أوحى إلى عيسى، لقد خلقت العرش على
الماء، فاضطرب، فكتبت عليه لا إله إلا اللَّه، محمد رسول اللَّه، فسكن، موقوف حكمه الرفع، إذ
لا يقال رأيًا، (فكان اسمك لقاحًا،) كذا في نسخ بلام قبل القاف، أي: كمالاً (لقلبي،) لأن
الناقة لا تلقح حتى تكمل، فكذا العرش لم يكمل حتى كتب عليه محمد رسول اللَّه، وبهذا
سقط اعتراض بعضهم، بأنه لا معنى للقاح هنا، لأنه من لقحت الناقة حملت، فما كان ينبغي لهذا
الصوفي إلا إبداله بنحو شفاء.
وفي نسخ: نفاحًا، بنون، ثم فاء، أي: راحة من نفحت الريح هبت، فكما أن هبوبها بريح
ما تتصل به، كذلك اسمه ◌ّ لما ظهر أشبه هبوب المريحة للأجسام الواصلة إليها،
(وطمأنينة:) اسم من اطمأن القلب سكن، ولم يقلق (لسري،) أي: جوفي.
قال المجد في معاني السر: وجوف كل شىء ولبه، (فهذه بركة كتابة اسمك عليّ،
فكيف إذا وقع جميل نظرك عليّ، يا محمد أنت المرسل رحمة للعالمين،) وأنا من جملتهم،
(ولا بد لي من نصيب من هذه الرحمة) لعمومها، (ونصيبي يا حبيبي أن تشهد لي بالبراءة
مما نسبه أهل الزور إليّ،) أي: الكذب، قال تعالى: ﴿والذين لا يشهدون الزور﴾ [الفرقان/
٧٢]، (وتقوله أهل الغرور،) أي: ادعوا (عليّ) ما لا حقيقة له، وبينه بقوله: (زعموا أني أسع
من لا مثل،) لا شبيه (له، وأحيط بمن لا كيفية له، يا محمد من لا حد لذاته ولا عد لصفاته،
كيف يكون مفتقرًا إلىّ ومحمولاً علىّ،) لا يتأتى ذلك، ولا يكون (إذا كان الرحمن اسمه،
والاستواء صفته،) كما قال: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه/٥]، (وصفته متصلة بذاته،
فكيف يتصل بي أو ينفصل عني،) فإنما الاستواء صفة لا تفسر، إذ لا يعلمها إلا هو، أو تفسر

٢٢٦
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
بالقريب منه وصلاً، ولا بالبعيد عنه فصلاً، ولا بالمطيق له حملاً، أوجدني منه
رحمة وفضلاً، ولو محقني لكان حقًا منه، وعدلاً، يا محمد، أنا محمول قدرته،
ومعمول حكمته.
فأجاب لسان حال سيدي، زاده اللَّه فضلاً وشرفًا لديه، وواصل صلاته
وسلامه عليه: أيها العرش إليك عني، أنا مشغول عنك، فلا تكدر علي صفوتي،
ولا تشوش علي خلوتي، فما أعاره عَ له منه طرفًا، ولا أقرأه من مسطور ما أوحي
إليه حرفًا، ﴿ما زاغ البصر وما طغى﴾.
وقد ورد في بعض أخبار الإسراء مما ذكره العلامة ابن مرزوق في شرحه
البردة المديح: أنه عٍَّ لما كان من ربه قاب قوسين قال: اللَّهم إنك عذبت الأمم
بالاستيلاء، كقوله:
قد استوى بشر على العراق
أو بغيره، فيه المذهبان الشهيران.
(يا محمد، وعزته لست بالقريب منه وصلاً،) أي: لا أتصل به، (ولا بالبعيد عنه فضلاً،)
بل أنا من جملة مخلوقاته، (ولا بالمطيق له حملاً، أوجدني منه،) متعلق بقوله: (رحمة) مقدم
عليه، لأجل السجع، (وفضلاً) عليّ وعلى عباده، حيث جعلني سقف المخلوقات، (ولو
محقني) أذهبني كلي، حتى لا يرى لي أثر، كقوله: ﴿يمحق اللَّه الربا﴾ [البقرة/٢٧٦]، (لكان
حقًا منه وعدلاً،) إذ لا حجر على الملك الحقيقي فيما يفعل بملكه.
(يا محمد، أنا محمول قدرته،) فكيف أحمله، (ومعمول حكمته، فأجاب لسان حال:
سيدي زاده اللَّه فضلاً وشرفًا لديه) عنده، (وواصل صلاته وسلامه عليه، أيها العرش إليك
"عني، أنا مشغول عنك فلا تكدر، علي صفوتي). مثلث الصاد، أي: خالص ما أنا فيه من
إشتغالي بالحضرة العلية، (ولا تشوش عليّ خلوتي) بشين معجمة أوله، أي: تخلط عليّ، قاله
الفارابي، وتبعه الجوهري.
وقال بعض الحذاق: هي كلمة مولدة، والصحيح هوش بالهاء أوله.
وقال ابن الأنباري: قال أئمة اللغة: إنما يقال هوشت، وتبعه الأزهري وغيره، وقالوا: شوش
خطأ، (فما أعاره عَِّ منه طرفًا:) نظرًا، (ولا أقرأه من مسطور ما أوحي إليه حرفًا، ﴿ما زاغ
البصر وما طغى﴾،) استدلال لقوله: فما أعاره منه طرفًا.
(وقد ورد في بعض أخبار الإسراء) والمعراج (مما ذكره العلامة) محمد (بن مرزوق
في رواية شريك: ((ودنا
في شرحه لبردة المديح: أنه عَّ لما كان من ربه،) كما قال

٢٢٧
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
بعضهم بالحجارة وبعضهم بالخسف، وبعضهم بالمسخ، فما أنت فاعل بأمتي؟
قال: أنزل عليهم الرحمة وأبدل سيئاتهم حسنات، ومن دعاني منهم لبيته، ومن
سألني أعطيته، ومن توكل علي كفيته، وفي الدنيا أستر على العصاة، وفي الآخرة
أشفعك فيهم، ولولا أن الحبيب يحب معاتبة حبيبه لما حاسبت أمتك.
ولما أراد عَِّ الانصراف قال: يا رب، إن لكل قادم من سفره تحفة، فما
تحفة أمتي؟ قال اللَّه تعالى: أنا لهم ما عاشوا، وأنا لهم إذا ماتوا، وأنا لهم في
الجبار فتدلى))، ﴿فكان (قاب قوسين)، أو أدنى﴾ فليس فاعل قال عائداً على اللَّه، فلا يخالف
ما مر له، أن المراد في الآية جبريل على الصحيح، (قال: اللهم إنك عذبت الأمم بعضهم،)
بدل (بالحجارة،) كقوم لوط، (وبعضهم بالخسف،) كقارون، (وبعضهم بالمسخ،) كطائفة من
بني إسرائيل، (فما أنت فاعل بأمتي؟، قال) تعالى: (أنزل عليهم الرحمة، وأبدل سيئاتهم
حسنات)، أي: يجعل في الآخرة مكان السيئة حسنة.
قال عَّئله: ((إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولاً الجنة، وآخر أهل النار خروجًا منها، رجل
يؤتى به يوم القيامة، فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه، وارفعوا عنه كبارها، فيعرض اللَّه عليه
صغار ذنوبه، فيقال عملت يوم كذا وكذا كذا وكذا، وعملت يوم كذا وكذا كذا وكذا، فيقول:
نعم لا يستطيع أن ينكر، وهو مشفق من كبار ذنوبه أن تعرض عليه، فيقال له: إن لك مكان كل
سيئة حسنة، فيقول: يا رب قد عملت أشياء لا أراها ههنا.، قال أبو ذر: فلقد رأيت
رسول اللَّه مَّلل ضحك حتى بدت نواجذه))، رواه مسلم وغيره.
(ومن دعائي:) ناداني بنحو يا اللَّه (منهم، لبيته:) أجبته بلبيك، (ومن سألني أعطيته) ما
سأل، أو نظيره فورًا، أو بعد مدة، سبق في علمه تأخيرًا لا عطاء إليها، لحكمة اقتضت ذلك، أو
تدخر له دعوته في الآخرة، فيجازى عليها، (ومن توكل عليّ كفيته،) وفي التنزيل: ﴿ومن
يتوكل على الله فهو حسبه﴾ [الطلاق/٣]، (وفي الدنيا أستر على العصاة، وفي الآخرة
أشفعك فيهم، ولولا أن الحبيب يحب معاتبة حبيبه،) أي: ملاطفته بالكلام، (لما حاسبت
أمتك،) وقال الخليل: حقيقة العتاب مخاطبة الإدلال ومذاكرة الموجدة.
(ولما أراد ◌َّ الانصراف، قال: يا رب، إن لكل قادم من سفره تحفة،) بزنة رطبة،
وحكى سكون الخاء ما أتحفت به غيرك، (فما تحفة أمتي؟،) التي أتحفهم بها في قدومي،
(قال اللَّه تعالى: أنا لهم ما عاشوا) في الدنيا بالحفظ والنصر، وتيسيرهم لصالح الأعمال وغير
ذلك، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها، (وأنا لهم إذا ماتوا،) أي: وقت نزع أرواحهم بطرد
الشياطين عنهم وتوفيهم على الإسلام وغير ذلك، (وأنا لهم في القبور،) بجعلها روضة من رياض

٢٢٨
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
القبور، وأنا لهم في النشور. نسأل اللَّه الوفاة على الإسلام.
واعلم أنه قد اختلف العلماء قديمًا وحديثًا في رؤيته عَلِّ لربه تعالى ليلة
الإسراء.
فروى البخاري في التفسير تامًا من حديث مسروق قال: قلت لعائشة: يا
أمتاه، هل رأى محمد ربه؟ فقالت: لقد قف شعري مما قلت، أين أنت من ثلاث
من حدث بهن فقد كذب: من حدثك أن محمدًا رأى ربه فقد كذب، ثم قرأت
الجنة، وتثبيتهم لسؤال الملكين وغير ذلك، (وأنا لهم في النشور) يوم القيامة، بجعل الفزع
الأكبر لا يحزنهم، وجعلهم على مكان عال، وغرّا محجلين من آثار الوضوء، وغير ذلك حتى
يدخلهم الجنة قبل الأمم، (نسأل اللَّه الوفاة على الإسلام) والإيمان بلا محنة.
(واعلم أنه قد اختلف العلماء قديمًا وحديثًا في رؤيته مَّ لربه تعالى ليلة الإسراء،)
وعلى أنه رآه هل بعيني رأسه، أو بقلبه، أو مرة بالبصر، وأخرى بالقلب، وثالثها الوقف، هذا
حاصل ما ذكره، (فروى البخاري في التفسير تامًا،) وفي التوحيد مقطعًا، ومسلم في الإيمان،
والترمذي والنسائي في التفسير، (من حديث مسروق) بن الأجدع بن ملك الهمداني الوادعي،
الكوفي، ثقة، فقيه، عابد مخضرم، روى له الأئمة، مات سنة اثنتين، ويقال: سنة ثلاث وستين،
وله ثلاث وستون سنة، (قال: قلت لعائشة) رضي اللَّه عنها، وفي رواية عبد الرزاق وابن حميد
والترمذي وغيرهم، عن مسروق، قال: لقي ابن عباس كعبًا بعرفة، فسأله عن شيء، فقال ابن
عباس: إنا بني هاشم نزعم، وفي لفظ: نقول إن رسول الله عێه رأى ربه مرتین، فکېر کعب حتى
جاوبته الجبال، وقال: إن اللَّه قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى، فرآه محمد مرتين، وكلمه
موسى مرتين، قال مسروق: فدخلت على عائشة، فقلت: (يا أمتاه،) بضم الهمزة وشد الميم،
ففوقية فألف فهاء ساكنة، قال في الفتح: والأصل: يا أمه، والهاء للسكت، فأضيف إليها ألف
الاستغاثة، فأبدلت تاء، ثم زيدت هاء السكت بعد الألف.
وقال الخطابي: إذا نادوا قالوا: يا أمه بهاء السكت، وعند الوصل يا أمت، فإذا تفجعوا
للندبة، قالوا: يا أمتاه، والهاء للسكت، وتعقبه الكرماني، بأن قول مسروق ليس للندبة، إذ ليس هو
متفجعًا عليها، قال الحافظ: وهو كما قال: (هل رأى محمد ربه) ليلة الإسراء؟، (فقالت: لقد
قف:) بفتح القاف وشد الفاء، قام (شعري مما قلت،) ولأبي ذر: مما قلته بالضمير، (أين أنت
من ثلاث،) أي: كيف يغيب فهمك عنها، وكان ينبغي أن تكون مستحضرها ومعتقدًا، كذب
من يدعي وقوعها، (من حدث بهن، فقد كذب) في حديثه (من حدثك أن محمدًا رأى ربه)
ليلة المعراج، (فقد كذب، ثم قرأت) مستدلة لذلك بطريق الاستنباط: (﴿لا تدركه الأبصار﴾)

٢٢٩
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير﴾ [الأنعام/١٠٣]
﴿وما كان لبشر أن يكلمه اللَّه إلا وحيًا أو من وراء حجاب﴾ [الشورى/٥١]
ومن حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب، ثم قرأت ﴿وما تدري نفس ماذا
تكسب غدًا﴾ [لقمان/٣٤] ومن حدثك أنه كتم فقد كذب، ثم قرأت ﴿يا أيها
الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾ [المائدة/
٦٧]، ولكنه رأى جبريل في صورته مرتين.
أي: لا تراه، (﴿وهو يدرك الأبصار﴾،) أي: يراها ولا تراه، ولا يجوز في غيره أن يدرك البصر
وهو لا يدركه، أي: يحيط بها علمًا، (﴿وهو اللطيف﴾) بأوليائه (﴿الخبير﴾ [الأنعام/١٠٣]
الآية) بهم، وقرأت مستدلة أيضًا: ((وما كان لبشر أن يكلمه اللَّه إلا،﴾) أن يوحى إليه
(﴿وحيًّا﴾) في المنام، أو بإلهام، (﴿أُو من وراء حجاب﴾ [الشورى/٤٥١) بأن يسمعه كلامه
ولا يراه، كما وقع لموسى عليه السلام.
وأجيب بأن هذه الآية لا تدل على نفي الرؤية مطلقًا، بل على أن البشر لا يرى اللَّه في
حال التكلم، فنفي الرؤية مقيد بهذه الحالة دون غيرها، وبأنه عام مخصوص بما تقدم، وبأن
المراد بالوحي الكلام بلا واسطة، والقول وإن كان محتملاً، لكن الجمهور على أن المراد
بالوحي هنا الإلهام والرؤيا في المنام، وكلاهما يسمى وحيًا، وأما قوله تعالى: ﴿أو من وراء
حجاب﴾، فقال الواحدي وغيره: معناه غير مجاهر لهم بالكلام، بل يسمعون كلامه تعالى من
حيث لا يرونه، وليس المراد أن يكون هناك حجاب يفصل موضعًا عن موضع، ويدل على
تحديد المحجوب، فهو بمنزلة ما يسمع من وراء حجاب، حيث لم ير المتكلم.
(ومن حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب، ثم قرأت: ﴿وما تدري نفس ماذا
تكسب﴾،) أي: تعمل ((غدًا﴾،) من خير أو شر، ويعلمه الله، وفي رواية مسلم: فقد أعظم
على اللَّه الفرية، والله تعالى يقول: ﴿قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا اللَّه﴾
[النحل: ٦٥].
(ومن حدثك أنه كتم) شيئًا مما أمر بتبليغه، ولأبي ذر: أنه قد كتم، (فقد كذب، ثم
قرأت: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾،) جميعه، ولا تكتم منه شيئًا خوفًا أن
تنال بمكروه، (﴿وإن لم تفعل﴾) أي: لم تبلغ جميع ما أنزل إليك، (﴿فما بلغت رسالته﴾)
بالإفراد والجمع، لأن كتمان بعضها كتمان كلها.
زاد مسلم في رواية: ولو كان محمد كائماً شيئًا مما أنزل عليه لكتم هذه الآية: ﴿وإذ
تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق اللَّه وتخفي في نفسك ما

٢٣٠
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
وفي رواية مسلم من حدثك أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم الفرية.
وقوله: ((قف)) أي قام من الفزع، لما حصل عندها من هيبة اللَّه، واعتقدته
من تنزيهه واستحالة وقوع ذلك.
قال النووي - تبعًا لغيره -: لم تنف عائشة وقوع الرؤيا بحديث مرفوع، ولو
كان معها لذكرته، وإنما اعتمدت الاستنباط على ما ذكرته من ظاهر الآية، وقد
خالفها غيرها من الصحابة، والصحابي إذا قال قولاً وخالفه غيره منهم لم يكن
ذلك القول حجة اتفاقًا.
قال الحافظ أبو الفضل العسقلاني: جزمه بأن عائشة لم تنف الرؤية بحديث
مرفوع، تبع فيه ابن خزيمة، وهو عجيب، فقد ثبت ذلك عنها في صحيح مسلم - الذي
اللّه مبديه وتخشى الناس واللَّه أحق أن تخشاه﴾ [الأحزاب/ ٣٧]، (ولكنه) مَّ، وللمستملي:
ولكن (رأى جبريل في صورته مرتين)) مرة بالأرض وهو بالأفق الأعلى، ومرة في السماء عند
سدرة المنتهى.
(وفي رواية مسلم: من حدثك أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم الفرية،) بدل قوله
کذب، والغریة (بالکسر الكذب، وجمعها فری کعنب.
(وقوله») أي: الشخص، وهو عائشة، (قف، أي: قام من الفزع لما حصل عندها من
هيبة اللَّه، واعتقدته من تنزيهه واستحالة وقوع ذلك) في الدنيا، وليس إنكارًا لوقوع الرؤية
مطلقًا، كما تزعم المعتزلة.
قال النضر بن شميل: القفة (بفتح القاف وشد الغاء) كالقشعريرة، وأصله القبض
والاجتماع، لأن الجلد ينقبض عند الفزع، فيقوم الشعر لذلك.
(قال النووي تبعًا لغيره: لم تنف عائشة وقوع الرؤيا بحديث مرفوع، ولو كان معها
لذكرته،» لأن النص أقوى من الاستنباط، (وإنما اعتمدت الاستنباط على ما ذكرته من ظاهر
الآية، وقد خالفها غيرها من الصحابة)، فلم يفهمها على ظاهرها كابن عباس، (والصحابي إذا
قال قولاً، وخالفه غيره منهم،) أي: الصحابة، (لم يكن ذلك القول حجة اتفاقًا) ممن قال بأنه
حجة، ومن قال ليس بحجة.
(قال الحافظ أبو الفضل العسقلاني: جزمه،) أي: النووي، (بأن عائشة لم تنف الرؤية
بحديث مرفوع تبع فيه ابن خزيمة) محمد بن إسحق، إمام الأئمة، كما تبعه جماعة، (وهو
عجيب، فقد ثبت ذلك عنها في صحيح مسلم الذي شرحه الشيخ) النووي، (فعنده من طريق

٢٣١
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
شرحه الشيخ، فعنده من طريق داود بن أبي هند عن الشعبي عن مسروق، في
الطريق المذكورة، قال مسروق: وكنت متكئًا فجلست، فقلت: ألم يقل: ﴿ولقد
رآه نزلة أخرى﴾ فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل رسول اللَّه عَّله عن هذه الآية
فقلت: يا رسول اللّه، هل رأيت ربك؟ قال: لا، إنما رأيت جبريل منهبطًا.
داود بن أبي هند) القشيري، مولاهم البصري، ثقة، متقن، مات سنة أربعين ومائة، وقيل: قبلها.
روى له مسلم وأصحاب السنن (عن الشعبي) عامر بن شراحيل، (عن مسروق في
الطريق المذكورة.
(قال مسروق: وكنت متكئًا، فجلست، فقلت:) يا أم المؤمنين، انظريني ولا تعجليني،
ألم يقل الله عز وجل: ﴿ولقد رآه بالأفق المبين﴾ [التكوير/٢٣] الآية، ولقد رآه نزلة أخرى،
فقالت: أنا أول هذه الأمة، سأل رسول اللَّه عَ لُه عن ذلك، فقال: إنما هو جبريل، لم أره على
صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين، رأيته منهبطًا من السماء ساد أعظم خلقه ما بين
السماء والأرض، هذا لفظ مسلم في كتاب الإيمان.
قال في الفتح: وأخرجه ابن مردويه أيضًا عن مسروق، فقلت، (ألم يقل: ﴿ولقد رآه نزلة
أخرى﴾ [النجم/١٣] الآية، فقالت: أنا أول هذه الأمة، سأل رسول اللَّه عظيمٍ عن هذه الآية،
فقلت: يا رسول الله هل رأيت ربك؟، قال: لا، إنما رأيت جبريل منهبطًا،) أي: نازلاً من
السماء، فسقط من قلم المصنف أو نساخه بعض الكلام، كما رأيت، إذ لم يقع في مسلم
تصريح بأن النبي عَُّ نفى رؤيته للَّه تعالى، وبهذا بطل تعجب الحافظ من النووي، لأن غاية ما
في رواية مسلم أنها زيفت دليل الخصم بإسنادها إلى المصطفى، أن المراد جبريل، فلا يلتفت
إلى غيره، ولكن لا يدل على نفي الرؤية، كما صرح به الأبي، لأنه لا يلزم من إبطال الدليل
بطلان المدلول.
وأما رواية ابن مردويه المصرحة بنفي الرؤية ورفعها إليه عَّة، فمعناه في الآية المسؤول
عنها، وهي: ﴿ولقد رآه نزلة أخرى﴾، إن سلم أن رواية ابن مردويه تعادل رواية مسلم، وإلا فما
فيه أصح، ولم يقع فيه تصريح بنفي الرؤية مرفوعًا.
وقد قال التقي السبكي في تفسيره: قول ابن عطية حديث عائشة عن النبي عَّة قاطع
لكل تأويل في اللفظ، لأن قول غيرها إنما هو منتزع من ألفاظ القرآن، فيه نظر، لأنه إن كان
سؤالها عن ﴿ولقد رآه نزلة أخرى﴾، فليس مما نحن فيه، وجائز أن يكون ذلك جبريل، وهذا،
أي: اللَّه سبحانه، وإن كان عن الآيتين فيقرب ما قاله ابن عطية، والاحتمال حاصل فيما سألت
عنه، ليس في لفظها صراحة بذكره، ثم قال: فلذلك يستمر ما ادعاه هؤلاء الأئمة من أن عائشة

٢٣٢
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
نعم، احتجاج عائشة - رضي اللَّه عنها - بالآية، خالفها فيه ابن عباس. فأخرج
الترمذي من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما قال:
رأى محمد ربه، فقلت: أليس يقول اللَّه تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ قال:
ويحك، ذاك إذا تجلى بنوره الذي هو نور، وقد رأى ربه مرتين.
وقال القرطبي: ((الأبصار) في الآية جمع محلى بالألف واللام، فيقبل
التخصيص، وقد ثبت دليل ذلك سمعًا في قوله تعالى: ﴿كلا إنهم عن ربهم
يومئذٍ لمحجوبون﴾ [المطففين/١٥] فيكون المراد: الكفار، بدليل قوله تعالى في
الآية الأخرى: ﴿وجوه يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ [القيامة/٢٣]، وإذا جازت
لم تذكر فيه نصًا، وبأن بهذا أن الراجح في تفسير الآية؛ أن الرؤية بالبصر، وأنها للَّه تعالى.
انتھی، وفيه تأمل، لأن رواية ابن مردويه صرحت بأن السؤال عن ﴿ولقد رآه نزلة أخرى﴾، لكن
كلامه إنما هو مع رواية مسلم، ومن قال: إنه عَّ خاطبها على قدر عقلها وحاول تخطئتها فيما
ذهبت إليه، فهو مخطىء، قليل الأدب.
(نعم احتجاج عائشة رضي اللَّه عنها بالآية) الأولى، (خالفها فيه ابن عباس، فأخرج
الترمذي) وحسنه (من طريق الحكم بن أبان) العدني أبي عيسى، صدوق، عابد، له أوهام، مات
سنة أربع وخمسين ومائة، وكان مولده سنة ثمانين.
روي له أصحاب السنن (عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: رأی محمد ربه،
قال عكرمة: قلت: أليس يقول الله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار)) [الأنعام/١٠٣]، أي: لا تراه.
(قال) ابن عباس: (ويحك) يا عكرمة (ذاك إذا تجلى) ظهر (بنوره الذي هو نور) وأما
إذا تجلى بغيره، فتمكن رؤيته على الوجه الذي يليق بالرائي، (وقد رأى ربه مرتين) مرة ببصره،
ومرة بفؤاده، رواه الطبراني بإسناد صحيح عن ابن عباس.
قال الشامي: وحاصله أن المراد بالآية نفي الإحاطة به عند رؤيته، لا نفي أصل رؤيته،
وقال النووي: المراد بالإدراك الإحاطة، واللَّه تعالى لا يحاط به، وإذا ورد النص بنفي الإحاطة
لا يلزم منه نفي الرؤية بغير إحاطة.
(وقال القرطبي) الشيخ أبو العباس في المفهم: (الأبصار في الآية جمع محلى بالألف
واللام، فيقبل التخصيص، وقد ثبت دليل ذلك سمعًا في قوله تعالى: ﴿كلا﴾) حقًّا،
(﴿إنهم عن ربهم يومئذ﴾) يوم القيامة (﴿لمحجوبون﴾) [المطففين/٥١]،) فلا يرونه، (فيكون
المراد الكفار بدليل قوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿وجوه يومئذ﴾،) يوم القيامة،

٢٣٣
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
في الآخرة جازت في الدنيا لتساوي الوقتين بالنسبة إلى المرئي، انتهى وهو
استدلال جيد.
وقال القاضي عياض: رؤية اللَّه تعالى جائزة عقلاً، وليس في العقل ما
يحيلها، والدليل على جوازها: سؤال موسى - عليه الصلاة والسلام - لها، ثم قال:
وليس في الشرع دليل قاطع على استحالتها ولا امتناعها، إذ كل موجود فرؤيته
جائزة غير مستحيلة، ولا حجة لمن استدل على منعها بقوله تعالى: ﴿لا تدركه
الأبصار﴾ لاختلاف التأويلات في هذه الآية، انتهى.
وقد روى ابن أبي حاتم بسنده عن إسماعيل بن علية في تأويل هذه الآية
(﴿ناضرة﴾،) حسنة مضيئة، (﴿إلى ربها ناظرة﴾ [القيامة/٢٢]،) فثبت النظر في الآخرة
للمؤمنين بنص الآية، (وإذا جازت في الآخرة جازت في الدنيا، لتساوي الوقتين بالنسبة إلى
المرئي،) وهو ذاته تعالى. (انتهى، وهذا استدلال جيد) من القرطبي.
-
(وقال القاضي عياض) في الشفاء، والحق الذي لا امتراء فيه، أن (رؤية اللَّه تعالى جائزة
عقلاً،) لأنه موجود حقيقة، وكل موجود تجوز رؤيته عيانًا، (وليس في العقل ما يحيلها،) أي:
ما يقتضي أنها مستحيلة، وهذا كالدليل لما قبله، فهو عطف علة على معلول، وذكر دليلاً نقليًا،
تأييدًا للعقلي بقوله: (والدليل على جوازها سؤال موسى عليه الصلاة والسلام لها،) ومحال
أن يجهل نبي. ما يجوز على. اللّه، وما لا يجوز عليه، ولكن وقوعه ومشاهدته من الغيب الذي لا
يعلمه إلا من علمه اللَّه، فقال له اللَّه: ﴿لن تراني﴾، أي: لن تطيق، ولا تحتمل رؤيتي، ثم
ضرب له مثالاً مما هو أقوى من نبيه موسى، وأثبت وهو الجبل، وكل هذا ليس فيه ما يحيل
رؤيته في الدنيا، بل فيه جوازها على الجملة.
(ثم قال) عقب هذا: (وليس في الشرع دليل قاطع على استحالتها، ولا) دليل قاطع
على (امتناعها،) وإذا لم تكن مستحيلة، فلا دليل على امتناع وقوعها مطلقًا، أو في الدنيا، (إذ
كل موجود، فرؤيته جائزة غير مستحيلة،) واللَّه موجود، وهذا تعليل للجواز، فالعلة فيه الوجود،
وهو مشترك بين اللَّه وسائر الموجودات، فكما تجوز رؤيتها تجوز رؤيته. وانتقد هذا التعليل
باقتضائه صحة رؤية الأصوات والروائح والطعوم، وكيفية الملموس، فإنها موجودة مع أنها غير
محسوسة بالبصر. وأجيب: بأنه منقول عن الأشعري، وهو قد التزم جواز رؤيتها، فالكلام في
الجواز لا الوقوع، (ولا حجة) مسلمة عند الخصم (لمن استدل على منعها،) أي: الرؤية،
(بقوله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار﴾[ الأنعام: ١٠٣]، لاختلاف التأويلات في هذه الآية،)

٢٣٤
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
قال: هذا في الدنيا.
وقال آخرون: لا تدركه الأبصار، أي جميعها، وهذا مخصص بما ثبت من
رؤية المؤمنين له في الدار الآخرة.
وقال آخرون من المعتزلة، بمقتضى ما فهموه من هذه الآية: إنه لا يرى في
الدنيا ولا في الآخرة.
فخالفوا أهل السنة والجماعة في ذلك، مع ما ارتكبوه من الجهل بما دل
عليه كتاب الله وسنة رسوله معَّه.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وجوه يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ وقوله:
فقيل: لا تدركه أبصار الكفار، وقيل: لا تحيط به، وهو قول ابن عباس، وقيل: لا تدركه
الأبصار، وإنما يدركه المبصرون، وكل هذه التأويلات لا تقتضي منع الرؤية ولا استحالتها.
(انتهى) كلام عياض بهذا الذي زدته، وحذفه المصنف استغناء بما بسطه تبعًا للحافظ بقوله.
(وقد روى ابن أبي حاتم بسنده عن إسمعيل بن علية) (بضم العين المهملة وفتح اللام
وشد التحتية)، وهي أمه اشتهر بها، وأبوه إبراهيم بن مقسم (بكسر الميم وسكون القاف وفتح
السين) البصري، ثقة، حافظ، روى له الستة، مات سنة ثلاث وتسعين ومائة، وهو ابن ثلاث
وثمانین.
(في تأويل هذه الآية، قال: هذا في الدنيا، وقال آخرون: لا تدركه الأبصار، أي:
جميعها، وهذا مخصص) بصيغة اسم المفعول، (بما ثبت) في الكتاب والسنة، (من رؤية
المؤمنين له في الدار الآخرة،) وهذا كالشرح لقول ابن علية.
(وقال آخرون من المعتزلة بمقتضى ما فهموه من هذه الآية: إنه لا يرى في الدنيا ولا
في الآخرة،) وقد بالغ عياض في الرد عليهم، بأن ما استدلوا به حجة عليهم لا لهم، فقال: وقد
استدل بعضهم بهذه الآية على جواز الرؤية، وعدم استحالتها. انتهى، أي: لأن نفي الشىء عند
البلغاء يقتضي جوازه، وإلا كان عبثاً، فلا يقال للحافظ لا علم له، والله قد ساق نفي إدراك
الأبصار في سياق المدح، وإنما يتمدح بأمر ثبوتي كمالي، لا بالعدم الصرف، فكل نفي مدح به
تضمن أمرًا وجوديًا، كنفي الموت المتضمن للحياة السرمدية، فلو كان نفي الأبصار معناه أنه لا
یری أصلاً کسائر المعدومات لم یکن فيه مدح.
(فخالفوا أهل السنة والجماعة في ذلك، مع ما ارتكبوه من الجهل بما دل عليه
كتاب الله وسنة رسوله عَّله، أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها

٢٣٥
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذٍ لمحجوبون﴾ قال الإمام الشافعي - رحمه اللَّه
تعالى -: فدل هذا على أن المؤمنين لا يحجبون عنه تبارك وتعالى.
وأما السنة: فقد تواترت الأخبار عن أبي سعيد، وأبي هريرة، وأنس، وجرير،
وصهيب، وبلال، وغير واحد من الصحابة عن النبي عَّلّهِ: أن المؤمنين يرون اللَّه
تبارك وتعالى في الدار الآخرة في العرصات، وفي روضات الجنات، جعلنا اللَّه
منهم.
وقيل: المنفي في الآية، إدراك العقول: قال ابن كثير: وهو غريب جدًا،
ناظرة﴾ [القيامة/ ٢٢]،) تراه يوم القيامة مستغرقة في مطالعة جماله، بحيث تغفل عما سواه، ولذا
قدم المفعول، وليس هذا في كل الأحوال حتى ينافيه نظرها إلى غيره، وقول المعتزلة معناه
منتظرة أنعامه، رد بأن الانتظار لا يسند إلى الوجه، وتفسير الوجه بالجملة خلاف الظاهر، فإن
المستعمل بمعناه لا يتعدى يإلى، واستشهادهم لتفسيرهم بقوله:
وإذا نظرت إليك من ملك والبحر دونك زدتني نعما
قال العلم السخاوي: لا حجة فيه، لأن النظر بمعنى التأمل لا يطلع عليه مخلوق، ولذا
قال: زدتني نعمًا. وقال البيضاوي: النظر بمعنى السؤال، فإن الانتظار لا يستعقب العطاء، وقال
الطيبي: والبحر دونك، جملة معترضة، تحتمل وجهين: أحدهما البحر بيني وبينك، وثانيهما
البحر أقل منك في الجود، وهذا أرجح، وحينئذ لا يصلح للاستشهاد.
(وقوله: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾ [المطففين/ ١٥]،) فلا يرونه بخلاف
المؤمنين.
(قال الإمام الشافعي رحمه اللَّه تعالى: فدل هذا) بالمفهوم (على أن المؤمنين لا
يحجبون عنه تبارك وتعالى،) إذ تخصيص الحجب بالكفار، يدل بمفهومه على ذلك دلالة
ظاهرة، وحاد المعتزلة عن سواء السبيل، فقدروا مضافًا متصل رحمة ربهم، أو قرب ربهم، أو هو
تمثيل لإهانتهم بإهانة من يمنع من الدخول على الملوك.
(وأما السنة، فقد تواترت الأخبار عن أبي سعيد،) سعد بن ملك بن سنان، (وأبي
هريرة،) عبد الرحمن بن صخر، (وأنس) بن لملك، (وجرير) بن عبد اللَّه البجلي، (وصهيب)
(بضم الصاد) ابن سنان الرومي، (وبلال) المؤذن، (وغير واحد من الصحابة عن النبي عَّهِ: أن
المؤمنين يرون اللَّه تبارك وتعالى في الدار الآخرة في العرصات،) قبل دخول الجنة.
(وفي روضات الجنات: جعلنا اللَّه منهم،) وتفصيل ذلك يطول، (وقيل: المنفي في

٢٣٦
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
وخلاف ظاهر الآية.
وقال آخرون: لا منافاة بين إثبات الرؤية ونفي الإدراك، فإن الإدراك أخص
من الرؤية، ولا يلزم من نفي الأخص انتفاء الأعم.
ثم اختلف هؤلاء في الإدراك المنفي، ما هو؟ فقيل: معرفة الحقيقة، فإن
هذا لا يعلمه إلا هو، وإن رآه المؤمنون. كما أن من رأى القمر فإنه لا يدرك
حقيقته وكنهه وماهيته، فالعظيم أولى بذلك، وله المثل الأعلى.
وقال آخرون: المراد بالإدراك الإحاطة، قالوا: ولا يلزم من عدم الإحاطة عدم
الرؤية: كما لا يلزم من عدم الإحاطة بالعلم عدم العلم. وفي صحيح مسلم لا
الآية،) بقوله: ﴿لا تدركه الأبصار﴾، (إدراك العقول،) فلا ينادي إدراك الأبصار.
(قال ابن كثير: وهو غريب جدًا، وخلاف ظاهر الآية،) لأنه صرح بالأبصار.
(وقال آخرون: لا منافاة بين إثبات الرؤية ونفي الإدراك، فإن الإدراك أخص من الرؤية،
ولا يلزم من نفي الأخص انتفاء الأعم،) إذ النفي إنما وقع على خاص.
(ثم اختلف هؤلاء في الإدراك المنفي ما هو، فقيل: معرفة الحقيقة، فإن هذا لا
يعلمه إلا هو، وإن رآه المؤمنون، كما أن من رأى القمر، فإنه لا يدرك حقيقته وكنهه
وماهيته،) عطف مساو، (فالعظيم) تبارك وتعالى (أولى بذلك) من القمر، لأنه إذا لم يدرك
حقيقة المخلوق، فكيف الخالق، (وله المثل:) الوصف (الأعلى) الذي ليس لغيره مما يساويه،
ولا يدانيه، فإنما هذا تقريب للفهم.
(وقال آخرون: المراد بالإدراك الإحاطة) بجوائب المرئي وحدوده، لأن حقيقة الإدراك
اللحوق والوصول في المكان، كقول أصحاب موسى: ﴿إِنا لمدركون﴾ [الشعراء/٦١]، أو
الزمان، كما يقال: أدرك فلان النبي عَله، أو الصفة كأدرك الغلام إذا بلغ، وأدركت الثمرة إذا
نضجت، ثم نقل الأبصار الشىء المتناهى، المحدود بالجهات لتوهم معنى اللحوق فيه، كأن
« مصر قطع المسافة التي بينه وبينه حتى بلغه ووصل إليه، فإبصار ما ليس في جهة لا يتحقق
فيه معنى البلوغ، فلا يسمى إدراكًا، فلا يلزم من نفيه وهو رؤية مخصوصة نفي المطلقة، وإلى
هذا أشار بقوله.
(قالواء) أي: الآخرون: وليس المراد التبري بل النسبة، (ولا يلزم من عدم الإحاطة عدم
الرؤية، كما لا يلزم من عدم الإحاطة بالعلم عدم العلم،) فالمعنى لا تدركه الأبصار، إذا
نظرت إليه على وجه الإحاطة لتعاليه عن التناهي، وعن الاتصاف بالحدود التي هي النهايات

٢٣٧
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ولا يلزم من هذا عدم الثناء
فکذلك هذا.
وروى ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري عن رسول اللَّه عَّه في قوله
تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ قال: لو أن الجن والإنس والشياطين والملائكة منذ
خلقوا إلى أن فنوا، صفوا صفًا واحدًا ما أحاطوا باللَّه أبدًا. قال ابن كثير: غريب،
لا يعرف إلا من هذا الوجه ولم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة واللَّه أعلم.
والجوانب، والإحاطة بما لا يتناهى هي محال، وحينئذ فدلالة الآية على جواز الرؤية، بل على
تحققها بالوقوع أظهر من دلالتها على الجواز بما ذكر من التمدح.
(وفي صحيح مسلم) قوله عَله: (لا أحصي ثناء عليك،) قال ابن الأثير: الإحصاء هنا
بلوغ الواجب، أي: لا أبلغ الواجب في الثناء عليك، وقال الراغب: هو التحصيل، أي: لا أحصل
ثناء لعجزي عنه، إذ هو نعمة تستدعى شكرًا، وهكذا إلى غير نهاية أولاً أعد ثناء، كما في
الصحاح، لأن معنى الإحصاء العد بالحصا، كما قال:
ولست بالأكثر منهم حصا وإنما العزة للكاثر
وعليه، فهو من نفي الملزوم، المعبر عنه بالإحصاء، المفسر بالعدو، إرادة نفي اللازم، وهو
استيعاب المعدود، فكأنه قيل: لا أستوعب، فالمراد نفي القدرة عن الإتيان بجميع الثناءات، لا
نفي القدرة على أفراد، أو فرد منها، ولا عدها، إذ يمكن عد أفراد كثيرة من الثناء.
(أنت) مبتدأ خبره، (كما أثنيت،) أي: الثناء عليك هو المماثل لثنائك (على نفسك،)
ولا قدرة لأحد عليه، ويحتمل إن أنت، تأكيد للكاف من عليك، باستعارة الضمير المنفصل
للمتصل، والثناء: الوصف بالجميل.
قال النووي: بتقديم المثلثة، والمد المشهور في اللغة قصر استعماله في الخير، واستعماله
في الشر مجاز. وقال المجد: وصف بمدح، أو ذم، أو خاص بالمدح، (ولا يلزم من هذا عدم
الثناء،) بل وجد الثناء من المصطفى كثيرًا جدًا على ربه، (فكذلك هذا) الذي فيه الكلام
لا يلزم من عدم الإحاطة عدم الرؤية.
(وروى ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري، عن رسول اللَّه عَ ﴾ في قوله تعالى:
﴿لا تدركه الأبصار﴾، قال: لو أن الجن والإنس والشياطين:) مردة الجن، (والملائكة منذ
خلقوا إلى أن فنوا صفوا صفًا واحدًا ما أحاطوا باللَّه أبدًا،) فهذا يؤيد أن المراد بالإدراك
الإحاطة.
(قال ابن كثير: غريب لا يعرف إلا من هذا الوجه))) بمعنى أنه تفرد به الراوي، فلا متابع

٢٣٨
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
ومما ينسب لإمام الحرمين في ((لمع الأدلة)) أنه قال: من أصحابنا من قال:
إن الرب تعالى يُرى ولا يُدرَك، لأن الإدراك ينبي عن الإحاطة، ودرك الغاية، والرب
جل جلاله تقدس عن الغاية والنهاية، ثم قال: فإن عارضوا بقوله تعالى في جواب
موسى عليه الصلاة والسلام: ﴿لن تراني﴾ [الأعراف/١٤٣] وزعموا: أن ((لن))
تفيد النفي على التأبيد، قلنا: هذه الآية أوضح الأدلة على جواز الرؤية، لأنها لو
كانت مستحيلة لكان معتقد جواز الرؤية ضالاً وكافرًا، وكيف يعتقد ما لا يجوز
على اللّه تعالى من اصطفاه لرسالته واختاره لنبوته، وخصه بكرامته، وشرفه بتكليمه،
وجعله أفضل أهل زمانه، وأيده ببرهانه، وكيف يجوز على الأنبياء الريب في أمر
يتعلق بعلم الغيب. فيجب حمل الآية على أن ما اعتقد موسى عليه الصلاة
له، (ولم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة،) وذلك ظاهر في غرابته، وليس المراد أن ما
ليس فيها يكون غريبًا، (والله أعلم)، بالحق في ذلك.
(ومما ينسب لإمام الحرمين في) كتاب (لمع الأدلة:) بضم ففتح، جمع لمعة من لمع
أضاء، (أنه قال: من أصحابنا من قال: إن الرب تعالى يرى ولا يدرك، لأن الإدراك ينبىء عن
الإحاطة، ودرك:) (بفتح فسكون) بمعنى إدراك (الغاية، والرب جل جلاله تقدس:) تنزه (عن
الغاية والنهاية،) وكلامهم في الإدراك مسلم، لكنه ليس بلازم من الرؤية، كما مر، فنفيهم لها
ليس بمسلم، وإليه أشار بقوله، (ثم قال: فإن عارضوا، بقوله تعالى) في جواب قول موسى عليه
الصلاة والسلام:) ﴿رب أرني أنظر إليك﴾ قال (﴿لن تراني﴾ [الأعراف/١٤٣])، لا تقدر على
رؤيتي، (وزعموا أن لن تفيد النفي على التأبيد،) كما زعمه الزمخشري في أنموذجه، أو
تأكيده كما زعمه في كشافه في الآية، والصحيح أنها لا تفيد ذلك، (قلنا: هذه الآية أوضح
الأدلة على جواز الرؤية، لأنها لو كانت مستحيلة لكان معتقد جواز الرؤية ضالاً كافرًا،)
باعتقاد المحال على الله، (وكيف يعتقد) بالبناء للفاعل، (ما،) أي: أمرًا، (لا يجوز على الله
تعالى) مفعول والفاعل من (اصطفاه لرسالته) ﴿يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي﴾
[الأعراف/١٤٤] الآية، (واختاره لنبوته، وخصه بكرامته وشرفه، بتكليمه) بلا
واسطة، (وجعله أفضل أهل زمانة)، أشار إلى أن قوله على الناس ناس زمانه، (وأيده ببرهانه)،
كأنه أراد قوله: ﴿ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات﴾ [الإسراء/١٠١]، والاستفهام للنفي، أي: لا
يمكن اعتقاده ذلك، وكذا قوله، (وكيف يجوز على الأنبياء الريب،) الشك (في أمر يتعلق
بعلم الغيب،) وانفصل المعتزلة عن هذا، بأنه لم يسأله لجوازه عنده، بل تبكيتًا للقائلين له: ﴿أرنا
الله جهرة﴾ [النساء/١٥٣]، أو سألها مع علمه باستحالتها، ليتأكد الدليل العقلي بالسمعي،

٢٣٩
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
والسلام جوازه جائز، لكن ظن أن ما اعتقد جوازه ناجز، فرجع النفي في الجواب
إلي الإنجاز، وما سأل موسى ربه رؤيته في المآل، فصرف النفي إليه،
والجواب يدل على قضية الخطاب، انتهى.
وقال البيضاوي: في هذه الآية دليل على أن رؤيته تعالى جائزة في الجملة،
لأن طلب المستحيل من الأنبياء محال، وخصوصًا ما يقتضي الجهل باللّه، ولذلك
رده بقوله: ﴿لن تراني﴾ دون: لن أرى، انتهى.
ويطمئن قلبه، كما قال إبراهيم: ﴿ولكن ليطمئن قلبي﴾، فإن العلم يتفاوت قوة وضعفًا، ورد بأن
تفاوته غير مسلم، والخليل لم يسأله لذلك، وإنما علم أن الله متخذ خليلاً، يحيي الموتى
بدعائه، فسأل ذلك ليعلم أهو هو؟، أم لا؟ ولو سلم، فلا يلزم سؤال ما لا يجوز، وينافي الأدب
إذ. كان يقول موسى: بين لي علم ذلك جوازًا، أو استحالة، (فيجب حمل الآية على أن ما
اعتقد موسى عليه الصلاة والسلام جوازه جائز، لكن ظن أن ما اعتقد جوازه ناجز:) واقع في
الحال، (فرجع النفي في الجواب إلى الإنجاز،) فكأنه قيل: لن تراني، في الحال، (وما سأل
موسى ربه رؤيته في المآل، فصرف النفي إليه) حتى يلزم أنه لا يرى أبدًا، (والجواب) بلن
تراني دون لن أرى، (يدل على قضية الخطاب. انتهى).
(وقال البيضاوي: في هذه الآية دليل على أن رؤيته تعالى جائزة في الجملة، لأن
طلب المستحيل من الأنبياء محال،) لأنهم بعثوا لتعليم الأمم الشرائع والعقائد الحقة، وهي
معرفة ما يجوز على اللَّه ويمتنع، فلو جهل ذلك كان اللَّه أمرًا له بما لا يعلمه، وهو محال، لأنه
جهل، أو عبث، (وخصوصًا ما يقتضي الجهل باللّه))) وجواب المعتزلة؛ بأنه إنما يلزم هذا لو كان
سؤالاً حقيقيًّا، لا لإلزام غيره، أو تبكيته رد بأن السياق يأباه، (ولذلك وده بقوله: ﴿لن تراني﴾،
دون لن أرى،) ففي ذلك دليل واضح على الجواز. (انتهى).
وقوله: ﴿تبت إليك﴾ [الأعراف/١٢٣]، أي: من سؤال ما لم تقدره لي، قاله عياض، أي:
في ذلك الوقت، فلا ينافي قوله، وقد ذكر القاضي أبو بكر: أن موسى رأى اللَّه، فلذا خر صعقًا،
وأن الجبل رآه پإدراك خلقه الله له، فصار مًا.
قال عياض: واستنبط ذلك، والله أعلم من قوله: ﴿ولكن أنظر إلى الجبل، فإن استقر مكانه
فسوف تراني، فلما تجلى ربه للجبل جعله دكًا وخر موسى صعقًا﴾ [الأعراف/١٤٣]، ونجليه
للجبل ظهوره حتى رآه على هذا القول.
وقال جعفر بن محمد: شغله بالجبل حين تجلى، ولولا ذلك مات صعقًا بلا إفاقة، وهذا
يدل على أن موسى رآه.

٢٤٠
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
ونقل القاضي عياض عن أبي بكر الهذلي، في الآية، أن المراد: ليس لبشر
أن يطيق أن ينظر إليَّ في الدنيا، وأنه من نظر إليَّ مات. قال: وقد رأيت لبعض
السلف المتقدمين والمتأخرين ما معناه: أن رؤيته تعالى في الدنيا ممتنعة لضعف
تركيب أهل الدنيا وقواهم، وكونها متغيرة، غرضًا للآفات والفناء، فلم يكن لهم قوة
على الرؤية، فإذا كان في الآخرة وركبوا تركيبًا آخر، ورزقوا قوى ثابتة باقية، وأتم
وقال بعض المفسرين: رآه الجبل، وبه استدل من قال برؤية نبينا معَّله، إذ جعله دليلاً على
الجواز، ولا مرية في الجواز، إذ ليس في الآيات نص في المنع. انتهى.
والراجح أن موسى لم يره، وقيل قوله: ﴿تبت إليك﴾، إنما كان لما غشيه من شدة ما
أفضى به إلى أن صعق، كما يقول من فعل جائزًا حصل له منه مشقة تبت عن فعل مثله.
(ونقل القاضي عياض عن أبي بكر الهذلي في) تفسير (الآية، أن المراد ليس لبشر
أن يطيق،) أي: يقدر (أن ينظر إليّ في الدنيا، وأنه من نظر إليّ) فيها (مات،) لضعف القوى
البشرية عن سبحات الجلال، إلا من أقدره اللّه، وفيه دليل على جواز وقوعه في الدنيا، لكن من
وقع له لا يعيش، كما روي أن من رأى جبريل من غير الأنبياء يعمى.
(قال) عياض: (وقد رأيت لبعض السلف المتقدمين، و) لبعض (المتأخرين ما معناه: أن
رؤيته تعالى في الدنيا ممتعة،) لمانع منها، لا لذاتها من حيث هي، لما مر من جوازها عقلاً،
فامتناعها لعارض، (لضعف تركيب أهل الدنيا،) أي: لضعف أبدانهم المركبة، كما قال تعالى:
﴿خلق الإنسان ضعيفًا﴾ [النساء/٢٨] وقواهم، جمع قوة، وهي أمر أودعه اللَّه في البدن، به
الإدراك، أو المراد المعنى اللغوي، (وكونها،) أي: القوى، أو هي مع التركيب، (متغيرة) بالازدياد
أول أمرها، ثم النقص بعده، وذلك يدل على ضعفها (غرضًا) بمعجمتين (للآفات،) شبه الجسد
بهدف ينصب لرمي السهام، وآفات الدهر ومصائبه بسهام لا يزال يرمى بها حتى تفنى، ويجوز
إهمال العين، أي: معرضًا لها، والأول أصح رواية ودراية، ونصب حالاً، أو خبرًا بعد خبر لكون،
ولم يعطف لكونه سببًا لما قبله قيل لكمال الاتصال بينهما، وفيه نظر، لأن ذلك مخصوص
بالجمل.
وقال التلمساني: روي معترضة، بدل قوله متغيرة، أي: ذات أعراض، وهي الآفات
والأمراض، أو من العرضة، أي: متعرضة للآفات، وهي كالعاهات: كل ما يعرض لشيء فيفسده،
(والفناء) (بفتح الفاء والمد) الزوال والعدم، (فلم يكن لهم قوة على الرؤية،) لضعف أبدانهم
وقواهم في الدنيا، (فإذا كان في الآخرة،) أي: إذا أحياهم اللَّه، (وركبوا تركيبًا آخر) غير
تركيبهم الأول، (ورزقوا قوى ثانية) بمثلثة ونون وتحتية، أي: غير القوى الأولى الدنيوية.