النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء الحجب إنما تحيط بقدر محسوس، فالخلق كلهم محجوبون عنه تعالى بمعاني الأسماء والصفات والأفعال، وسائر المخلوقات من معاني الأنوار والظلمات كل له مقام من الحجب معلوم، وحظ من الإدراك والمعرفة مقسوم، وأقرب الخلق إلى اللَّه تعالى الملائكة الحافون والكروبيون، وهم محجوبون بنور المهابة والعظمة والكبرياء والجلال والقدس والقيومية، حجب الذات بالصفات. وهم في الحجب عنه على طبقات مختلفات، كل على مقام معلوم ودرجات. وبالجملة، فالمخلوقات كلها ما كانت حجاب عن الخالق؟ فقوم حجبوا جائز، (لا في حق الخالق عز وجل،) إذ الحجاب لغة المنع، والحاجب المانع، ومنه حاجب العين، وحاجب الأمير، فيقتضي تناهيه وتحيزه، (والله سبحانه وتعالى منزه عما يحجبه، إذ الحجب:) (بضمتين) جمع حجاب، أو بفتح فسكون مصدر، (إنما تحيط بقدر محسوس،) له طول وعرض في جهة يحس بتوجه الناظر، فيقتضي الجهة، وهو منزه عن ذلك، (فالخلق كلهم محجوبون عنه تعالى بمعاني الأسماء والصفات والأفعال وسائر المخلوقات من معاني الأنوار والظلمات، كل له مقام من الحجب معلوم، وحظ من الإدراك،) أي: أنواع العلم (والمعرفة) به، (مقسوم) بحسب ما أراده تعالى، وقد قال تعالى في الكفار: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾ [المطففين/١٥]، فجعلهم هم المحجوبين لا هو، وأورد أن الحجب أمر نسبي لا بد من تعلقه بالطرفين، فكيف يصح ذلك، وأجيب بأنه نسبي، لكن بين حاجب ومحجوب، والحاجب سبحات الأنوار وستائر العظمة، والمحجوب مخلوقاته لا هو، لأنه محجوب عنه لا محجوب، فيجوز أن يوصف بأنه محجوب عنه، وحاجب ومحتجب خلافًا لمن أنكره، (وأقرب الخلق إلى اللَّه تعالى الملائكة الحافون) بعرشه، (والكروبيون) بخفة الراء سادات الملائكة من كرب، إذا قرب، كما مر، (وهم محجوبون) عن رؤيته (بنور المهابة والعظمة والكبرياء والجلال والقدس، والقيومية حجب الذات بالصفات،) أي: كما أن الذات حجبت بالصفات التي قامت بها عن معرفة حقيقتها وتعلقها بهيئة تميزها، كذلك حجب الحافون والكروبيون عنه تعالى بأنوار المهابة، (وهم في الحجب عنه على طبقات مختلفات، كل على مقام معلوم ودرجات،) وفي التنزيل: ﴿وما منا إلا له مقام معلوم﴾ [الصافات/١٦٤]، (وبالجملة، فالمخلوقات كلها،) أي: التي تقوم بالعالم يشتغل بها عما يقربه إلى اللَّه (ما كانت) ما ظرفية، أي: مدة كونها، أي: وجدانها، (حجاب،) بالرفع خبر المخلوقات (عن الخالق،) أي: هي التي تحجبهم عن القيام بحقوق الخالق، وجعلها بعض معترضة بين المبتدأ والخبر، والأظهر جعلها ظرفًا من المبتدأ، (فقوم حجبوا برؤية النعم) التي أسبغت عليهم (عن ٢٠٢ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء برؤية النعم عن المنعم، وبرؤية الأحول عن الحول، وبرؤية الأسباب عن المسبب، وقوم حجبوا بالعلم عن المعلم وبالفهم عن المفهم، وبالعقل عن المعقل، وكل ذلك من معنى حجاب النعم عن المنعم، والمواهب عن الواهب. وقوم حجبوا بالشهوات المباحة، وقوم حجبوا بالشهوات المحرمات والمعاصي والسيئات، وقوم حجبوا بالمال والبنين وزينة الحياة الدنيا. اللَّهم لا تحجب قلوبنا عنك في الدنيا ولا أبصارنا عنك في الآخرة يا کریم. وقد ورد في الصحيح عن أنس قال: عرج بي جبريل إلى سدرة المنتهى. المنعم) جل وعلا، (وبرؤية الأحوال) المشاهدة لهم من نحو صحة وغنى وضديهما (عن) ذي (الحول) والقوة، الذي خلق ذلك وقدره، وفي نسخة عن المحول، أي: الموجد لتلك الأحوال، لكن في إطلاقه على اللَّه نظر، (وبرؤية الأسباب،) كالشبع والري وضديهما (عن المسبب) الخالق لذلك، (وقوم حجبوا بالعلم عن المعلم،) فتراهم أبدًا إنما يبحثون ويتكلمون في العلم وما يتفرع منه، غافلين عن التفكر في آلاء من علمهم، (وبالفهم عن المفهم، وبالعقل عن المعقل،) وفي إطلاق ذلك كله على اللَّه تعالى نظر، فأسماؤه توقيفية، (وكل ذلك من معنى حجاب النعم عن المنعم، والمواهب عن الواهب،) إذ هي بعض تفاصيل للنعم والمواهب، (وقوم حجبوا بالشهوات المباحة،) فهم أبدًا فيها يرتعون، (وقوم حجبوا بالشهوات المحرمات والمعاصي والسيئات،) وإن لم يكن فيها شهوات، فتغاير العطف، (وقوم حجبوا بالمال والبنين وزينة الحياة الدنيا، اللهم لا تحجب قلوبنا عنك في الدنيا، ولا أبصارنا عنك في الآخرة، يا كريم،) واجعل وجوهنا ناضرة إلى ربها ناظرة، وما أحلى قول الحكم الحق ليس بمحجوب، إنما المحجوب أنت عن النظر إليه، إذ لو حجبه شىء لستره ما حجبه، ولو كان له ساتر لكان لوجوده حاصر، وكل حاصر لشىء، فهو له سائر، وهو القاهر فوق عباده، كيف يتصور أن يحجبه شيء، وهو الذي ظهر في كل شيء، کیف يتصور أن يحجبه شىء، وهو الذي ظهر بكل شىء، كيف يتصور أن يحجبه شىء، وهو الذي ظهر لكل شىء، كيف يتصور أن يحجبه شيء، وهو الظاهر قبل وجود كل شيء، كيف يتصور أن يحجبه شىء، وهو أظهر من كل شىء. انتهى. (وقد ورد في الصحيح) للبخاري من طريق شريك، (عن أنس، قال: عرجٍ بي جبريل إلى سدرة المنتهى،) لفظ الصحيح: ثم علا به جبريل فوق ذلك بما لا يعلمه إلا اللَّه حتى جاء سدرة المنتهى، ففي قول المصنف بي شىء، لأنه لم يصرح برفعه، (ودنا الجبار رب العزة) دنو ٢٠٣ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء ودنا الجبار رب العزة فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى، قرب ومكانة، لا دنو مكان، ولا قرب زمان، (فتدلى،) زاد في القرب، (فكان قاب قوسين أو أدنى:) أقرب، وهو بالنسبة للمصطفى عبارة عن نهاية القرب، ولطف المحل، وإيضاح المعرفة، وبالنسبة إلى اللَّه تعالَى إجابته ورفع درجته، وهذا مما أنكر من رواية شريك. قال الخطابي: ليس في البخاري أشنع ظاهرًا، ولا أمنع مذاقًا من هذا، فإنه يقتضي تحديد المسافة بين أحد المذكورين وبين الآخر، وتمييز مكان كل واحد منهما، هذا مع ما في التدلي من التشبيه والتمثيل له بالشىء الذي تعلق من فوق إلى أسفل، فمن لم يبلغه من هذا الحديث إلا هذا القدر مقطوعًا عن غيره، ولم يعتبره بأول القصة ولا بآخرها، اشتبه عليه وجهه ومعناه، وكان قصاره إما رد الحديث من أصله، وإما الوقوع في التشبيه، وهما مرغوب عنهما، وأما من اعتبر أول الحديث بآخره، فإنه يزول عنه الإشكال، فإنه مصرح فيهما، بأنه كان رؤيا لقوله: أوله وهو نائم، وفي آخره استيقظ، وبعض الرؤيا مثل يضرب ليتأول على الوجه الذي يجب أن يصرف إليه معنى التعبير في مثله، وبعض الرؤيا لا يحتاج إلى ذلك، بل يأتي كالمشاهدة، قال: وهو كما قال: ولا التفات إلى من تعقبه، بأن في الحديث الصحيح: إن رؤيا الأنبياء وحي، فلا يحتاج إلى تعبير، لأنه كلام من لم يمعن النظر، فإن بعض مرائي الأنبياء يقبل التعبير، كقول بعض الصحابة في القميص، فما أولته يا رسول اللَّه، قال: الدين، وفي رؤيا اللبن، قال: العلم، لكن جزم الخطابي، بأنه منام متعقب، بأن الراجح أنه يقظة بالأدلة، ثم دفع الخطابي الحديث من أصله، بأن القصة بطولها إنما هي حكاية يحكيها أنس من تلقاء نفسه، لم يعزها إلى النبي معَّه، ولا نقلها عنه، فحاصل الأمر في النقل أنها من جهة الراوي، إما أنس، وإما شريك، فإنه كثير التفرد بمناكير الألفاظ التي لا يتابعه عليها سائر الرواة. قال الحافظ: وما نفاه من أن أنسا لم يسند هذه القصة إلى النبي عٍَّ لا تأثير له، فأدنى أمره فيها أن تكون مرسل صحابي، فإما أن يكون تلقاها عن النبي ◌َّة، أو عن صحابي تلقاها عنه، ومثل ما اشتملت عليه لا يقال بالرأي، فيكون لها حكم الرفع، ولو أثر ما ذكره لم يحمل حدیث أحد. روى مثل ذلك على الرفع أصلاً وهو خلاف عمل المحدثين قاطبة، فالتعليل بذلك مردود، ثم قال الخطابي: نسبة التدلي للجبار مخالف لعامة السلف والعلماء، وأهل التفسير من تقدم ومن تأخر، والذي قيل فيه ثلاثة أقوال: أحدها: دنا جبريل من محمد فتدلى، أي: تقرب منه، وقيل: هو على التقديم والتأخير، أي: تدلی فدنا، لأن التدلي سبب الدنو. الثاني: تدلى جبريل بعد الانصباب والاندفاع حتى رآه مرتفعًا، وذلك من آيات الله حيث ٢٠٤ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء أقدره على أن يتدلى في الهواء من غير اعتماد على شيء، وتمسك بشيء. الثالث: دنا جبريل فتدلى محمد ساجدًا لربه شكرًا على ما أعطاه من الزلفى، قال: وقد روى هذا الحديث عن أنس من غير طريق شريك، فلم يذكر هذه الألفاظ الشنيعة، وذلك مما يقوى الظن أنها صادرة من شريك. قال الحافظ: قد أخرج البيهقي من طريق الأموي في مغازيه، عن محمد بن عمر بن أبي سلمة، عن ابن عباس في قوله: ولقد رآه نزلة أخرى، قال: دنا منه ربه، وهذا سند حسن، وهو شاهد قوي لرواية شريك، ثم قال الخطابي: وفي هذا الحديث لفظة أخرى، تفرد بها شريك أيضًا، لم يذكرها غيره، وهي قوله فعلاً به، يعني جبريل إلى الجبار تعالى، فقال وهو مكانه: يا رب خفف عنا، والمكان لا ينسب إلى اللَّه، إنما هو مكان النبي عٍَّ في مقامه الأول الذي قام فيه قبل هبوطه. قال الحافظ: وهذا الأخير متعين، وليس في السياق تصريح بإضافة المكان إلى اللَّه، قال: وما جزم به من مخالفته السلف والخلف، فقد ذكرنا من وافقه، وقد نقل القرطبي عن ابن عباس؛ أنه قال: دنا اللَّه. قال القرطبي: والمعنى دنا أمره وحكمه، وأصل التدلي النزول إلى الشىء حتى يقرب منه، وقيل: تدلى الرفرف لمحمد حتى جلس عليه، ثم دنا محمد من ربه، وقد أزال العلماء إشكاله، فقال القاضي عياض: إضافة الدنو والقرب هنا من اللَّه، أو إلى اللَّه، ليس بدنو مكان وقرب مدى ينتهي إليه، وإنما دنا ◌َّكلّ من ربه، وقربه، ومنه إبانة عظیم منزلته وتشريف رتبته، اعتناء بشأنه، وإظهارًا لما لم يؤته أحدًا غيره، وإشراق أنوار معرفته، ومشاهدة أسرار غيبه وقدرته، مما لم يطلع عليه غيره، كما قال جعفر بن محمد: الدنو من اللّه لا حد له ينتهي إليه مطمح فهم، أو مطرح وهم، ومن العباد بالحدود الغائية المنتهية إلى غاية. وقال أيضًا: انقطعت الکیفیة عن الدنو، ألا تری کیف حجب جبريل عن دنوه، ودنا ٠= عمد إلى ما أودع قلبه من المعرفة والإيمان، فتدلى بسكون قلبه إلى ما أدناه إليه، وأزال عن قلبه الشك والارتياب، أي: الذي عرا خاطره هل يغشى حضرة هذا القرب، وينال مواهبه من أناقة وإكرام وشرف وأنعام، فأنجح اللَّه أمنيته لا الشك في ذلك، إذ كان أثبت الناس معرفة وإيمانًا، وأسكنهم جنانًا، وأملكهم طمأنينة وسكونًا، وإنما الدنو والقرب من اللَّه تعالى، أو إليه، كناية عن جزيل فوائده إليه، وجميل عوائده عليه، وتأنيس لاستيحاشه بانقطاع الأصوات عنه، وبسط بالمكالمة، وإكرام بشرائف منيفة، أو هو دنو إفضال وإجمال على أحد الوجوه في حديث: ((ينزل ربنا إلى سماء الدنيا كل ليلة)). ٢٠٥ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء فأوحى إلى عبده ما أوحى الحديث. وهذا الدنو والتدلي المذكور في هذا الحديث وغيره من أحاديث المعراج غير الدنو والتدلي المذكور في قوله تعالى في سورة النجم: ﴿ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين﴾ [النجم/٩] وإن اتفقا في اللفظ. فإن الصحيح أن المراد في الآية جبريل، لأنه الموصوف بما ذكر من أول السورة إلى قوله: ﴿ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى﴾ [النجم/١٤] هكذا فسره النبي عَّةٍ في الحديث الصحيح. قالت عائشة رضي الله عنها: سألت رسول اللَّه عَ ◌ّ عن هذه الآية فقال: وقال الواسطي: من توهم أنه تعالى بنفسه دنا، فقد جعل ثم مسافة، ولا مسافة لاستحالتها، بل كلما دنا بنفسه من الحق تدلى بعدًا، يعني: كلما قرب منه نزل بساحة البعد، كناية عن نفيهما جميعًا، أو عن إدراك حقيقته، إذ لا يدركها أحد، إذ لا دنو للحق، ولا بعد لاستحالتهما، وقوله: ﴿فإني قريب﴾ [البقرة/١٨٦]، تمثيل لكمال علمه وإجابته لتعاليه عن القرب مكانًا. (فأوحى إلى عبده ما أوحى،) كذا في النسخ، ولفظ البخاري: فأوحى اللَّه فيما أوحى خمسين صلاة (الحديث،) ذكر في بقيته: الهبوط والمراجعة في الصلاة، (وهذا الدنو والتدلي المذكور في هذا الحديث وغيره من أحاديث المعراج غير الدنو والتدلي المذكور في قوله تعالى في سورة النجم: ﴿ثم دنا فتدلى فكان قاب﴾) قدر (﴿قوسين﴾ [النجم/٩]٤) ما بين مقبض القوس، والسية بكسر السين المهملة وتحتية خفيفة، وهي ما عطف من طرفها، ولكل قوس قابان، (وإن اتفقا في اللفظ،) لاختلافهما في المسند إليه، لأنه في الحديث مسند إلى اللَّه تعالى بخلاف الآية. (فإن الصحيح أن المراد في الآية جبريل، لأنه الموصوف بما ذكر من أول السورة،) يعني قوله: ﴿علمه شديد القوى﴾، (إلى قوله: ﴿ولقد رآه نزلة﴾) مرة من النزول، كجلسة من الجلوس، والواو العطف، أو الحال، أي: كيف تجادلونه فيما رآه، وهو قد رآه على وجه لا شك فيه (﴿أخرى﴾﴾ [النجم/٥]، يدل على سبق رؤية قبلها (﴿عند سدرة المنتهى﴾) [النجم/١٣] ظرف مكان الرأى، (هكذا فسره النبي عَّ في الحديث الصحيح) الذي أخرجه مسلم. (قالت عائشة رضي الله عنها: سألت رسول اللَّه عَّر عن هذه الآية) أي: ﴿ولقد رآه ٢٠٦ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء ذاك جبريل لم أره في صورته التي خلق عليها إلا مرتين. ولفظ القرءان لا يدل على غير ذلك من وجوه: أحدها: أنه قال: ﴿علمه شديد القوى﴾. وهذا جبريل الذي وصفه بالقوة في سورة التكوير. الثاني: أنه قال: ﴿ذو مرة﴾ أي حسن الخلق وهو الكريم الذي في سورة التكوير. نزلة أخرى﴾، (فقال: ذاك جبريل لم أره في صورته التي خلق عليها إلا مرتين،) الأولى بالأرض، والنبي عَّه بحراء في أوائل البعثة بعد فترة الوحي، كما قال ابن كثير وجبريل بالأفق الأعلى، ومرة في السماء ليلة الإسراء. (ولفظ القرآن لا يدل على غير ذلك من وجوه) سبعة: (أحدها: أنه قال (علمه﴾،) أي: صاحبكم محمدًا، والمفعول الثاني محذوف، أي: علم النبي الوحي، ويجوز أن ضمير علمه للوحي، أي: الموحى، فالمفعول الأول محذوف، أي: علم الوحي النبي، (﴿شديد القوى﴾،) أي: قواه العلمية والعملية شديدة كلها، (وهذا جبريل الذي وصفه بالقوة في سورة التكوير) بقوله: ﴿ذي قوة﴾ [التكوير/٢٠]، وفي وصفه بذلك فوائد، إذ مدح المعلم مدح للمتعلم، فلو قال علمه جبريل بلا وصف لم يحصل للمصطفى فضيلة ظاهرة، وفيه رد قولهم: ﴿أساطير الأولين﴾ [الأنفال/٣١]، والوثوق بقول جبريل، لأن قوة الإدراك شرط الوثوق بقول القائل، وكذا قوة الحفظ والأمانة، فوصفه بجميع هذه الشروط. (الثاني: أنه قال: ﴿ذو مرة﴾)، قال القرطبي: قال قطرب: تقول العرب: لكل جزل الرأي: حصيف العقل ذو مرة. قال الشاعر: قد كنت قبل لقائكم ذا مرة عندي لكل مخاصم ميزانه و كانت جزالة رأيه وحصافة عقله أن اللَّه ائتمنه علی وحیه إلى جميع رسله، وفسره ابن القيم بقوله: (أي: حسن الخلق،) (بفتح فسكون، أو بضمتين)، (وهو الكريم الذي في سورة التكوير) في ﴿إنه لقول رسول كريم﴾ [التكوير/١٩]، أي: كريم خلقًا وخلقًا. قال ابن القيم أيضًا: ﴿ذو مرة﴾، أي: جميل المنظر، حسن الصورة، ذو جلالة، ليس شيطانًا، أقبح الخلق صورة، بل هو من أجمل الخلق وأقواهم، وأعظمهم أمانة ومكانة عند اللّه، قال: وهذا تعديل لسند الوحي والنبوة، وتزكية له، كما ذكر نظيره في سورة التكوير، فوصفه بالعلم والقوة، وجمال المنظر وجلالته، وهذه كانت أوصاف الرسولين البشري والملكي. ٢٠٧ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء الثالث: أنه قال: ﴿فاستوى وهو بالأفق الأعلى﴾ وهو ناحية السماء العليا، وهذا استواء جبريل عليه السلام، وأما استواء الرب جل جلاله فعلى عرشه. الرابع: أنه قال: ﴿ثم دنا فتدلی فکان قاب قوسین أو أدنی﴾ فھذا دنو جبريل وقد نزل إلى الأرض حيث كان رسول اللَّه عَ لِ بها. وأما الدنو والتدلي في حديث المعراج فرسول اللَّه عَّ ه كان فوق السموات فهناك دنا الجبار جل جلاله منه وتدلی. (الثالث: أنه قال: ﴿فاستوى﴾،) قال القرطبي: أي: ارتفع، وعلا إلى مكانه في السماء بعد أن علم محمدًا، قاله ابن المسيب وابن جبير. قال الرازي: وهو المشهور، وقيل: ظهر في صورته التي خلق عليها، (وهو،) أي: جبريل مبتدأ خبره (﴿بالأفق الأعلى﴾،) والجملة حال من فاعل استوى، قاله مكي. قال القرطبي: والمعنى فاستوى جبريل عاليًا على صورته، ولم يكن المصطفى رآه عليها حتى سأله إياها، وقيل الجملة مستأنفة، (وهو) أي: الأفق (ناحية السماء العليا، وهذا استواء جبريل عليه السلام، وأما استواء الرب جل جلاله فعلى عرشه،) كما قال: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه/٥]، لكن الآية فيها تأويل معلومة، لا يليق الجزم بظاهرها دون الإتيان بها، كما فعل ذلك، لكن هذا كلام ابن القيم، وقد رمي بالتجسيم. (الرابع: أنه قال: ثم دنا﴾) جبريل من النبي عَّه بعد استوائه بالأفق الأعلى من الأرض، (فتدلى) على المصطفى، والمعنى أنه لما رأى من عظمة جبريل ما رأى، وهاله ذلك، رده اللَّه إلى صورة آدمي، حتى قرب من المصطفى، هذا قول الجمهور، كما في القرطبي، (﴿فكان قاب قوسين أو أدنى﴾﴾ [الصافات/١٤٧]. قال ابن القيم: أو ليست للشك، بل لتحقيق قدر المسافة، وأنها لا تزيد على قوسين البتة، كما قال تعالى: ﴿وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون﴾ [الصافات/١٤٧]، تحقيقًا لهذا العدد، وأنهم لا ينقصون عن مائة ألف رجلاً واحدًا، (فهذا دنو جبريل، وقد نزل إلى الأرض حيث كان رسول اللَّه عَ ل بها، وأما الدنو والتدلي في حديث المعراج، فرسول اللَّه عَ ل. كان فوق السموات، فهناك دنا الجبار جل جلاله منه، وتدلى:) دنو منزلة، كما في الحديث القدسي: ((من تقرب إليّ شبرًا تقربت إليه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة))، وهو تمثيل يقرب المعنى إلى الإفهام، أي: من تقرب إليّ بطاعتي جازيته بأضعاف ما تقرب إليّ، ومن هرول في طاعتي سبقته بجزائه، فهو قرب بالإجابة والقبول، وإتيان بالإحسان والمأمول، ثوابًا مضاعفًا، ومر له مزيد قريبًا. ٢٠٨ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء الخامس: أنه قال: ﴿ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى﴾ والذي عند سدرة المنتهى قطعًا هو جبريل، وبهذا فسره النبي عَُّ فقال: ذاك جبريل. السادس: أن نفس الضمير في قوله: ﴿ولقد رآه﴾ وقوله: ﴿دنا فتدلى﴾ وقوله: ﴿فاستوى) وقوله: ﴿وهو بالأفق الأعلى﴾ واحد، فلا يجوز أن يخالف بین المفسرین من غير دليل. السابع: أنه سبحانه وتعالى أخبر أن هذا الذي دنا فتدلى كان بالأفق الأعلى، وهو أفق السماء، بل تحتها فدنا من الأرض فتدلى من رسول اللّه مٍَّ، ودنو الرب تبارك وتعالى وتدليه - على ما في حديث شريك - كان فوق العرش لا إلى الأرض. (الخامس: أنه قال: ولقد رآه نزلة﴾) نصب على المصدر الواقع، موقع الحال، أي: رآه نازلاً نزلة ((أخرى﴾) قاله الحوفي وابن عطية، أو على المصدر المؤكد، أو الظرف الذي هو مرة لأن فعلة اسم للمرة من الفعل، فكانت في حكمها، ورد بأنه ليس مذهب البصريين، إنما هو مذهب الفراء، (﴿عند سدرة المنتهى﴾، والذي عند سدرة المنتهى قطعًا هو جبريل، وبهذا فسره النبي عَّله، فقال: ذاك جبريل،) ولا معدل عن تفسيره. (السادس: أن نفس الضمير في قوله: ﴿ولقد رآه﴾، وقوله: ﴿دنا فتدلى﴾، وقوله: ﴿فاستوى﴾، وقوله: ﴿وهو بالأفق الأعلى﴾، واحد، فلا يجوز أن يخالف بين المفسرين:) بفتح السين والراء تثنية، بجعل ضميري ﴿استوى﴾، وهو لجبريل، و ﴿دنا فتدلى﴾ للَّه تعالى (من غير دليل،) لأنه تحكم، والأصل توافق الضمائر، لكن الاستدلال بهذا لا يصح، إذ الدليل ما سلمه الخصم، وقد قيل: الضمير إن في فاستوى، وفي: وهو لله تعالى، وهو قول الحسن البصري على معنى العظمة والقدرة والسلطان. (السابع: أنه سبحانه وتعالى أخبر أن هذا الذي دنا فتدلى كان بالأفق الأعلى، وهو أفق السماء،) أي: جانب من جوانبها، قاله ابن دريد، ومنه قوله: أخذنا بآفاق السماء عليكم لنا قمراها والنجوم الطوالع وقال مجاهد: مطلع الشمس، وقال قتادة: هو الأفق الذي يأتي منه النهار، يعني طلوع الفجر، حكاها الماوردي، ولذا قال: (بل تحتها، فدنا من الأرض، فتدلى من رسول اللّه عَلـ ودنوّ الرب تبارك وتعالى وتدليه على ما في حديثٍ شريك،) عن أنس: (كان فوق العرش، لا إلى الأرض،) فلا يصح تفسير الآية بما في حديث شريك، ولذا جزم ابن كثير بأن الدنو ٢٠٩ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء ثم نفى سبحانه وتعالى على نبينا معَّ له بقوله سبحانه: ﴿ما زاغ البصر وما طغى﴾ ما يعرض للرائي الذي لا أدب له بين يدي الملوك والعظماء من التفاته يمينًا وشمالاً، ومجاوزة بصره لما بين يديه، وأخبر عنه بكمال الأدب في ذلك المقام وفي تلك الحضرة إذ لم يلتفت جانبًا ولم يمد بصره إلى غير ما أري من الآيات، وما هناك من العجائب، بل قام مقام العبد الذي أوجب أدبه إطراقه وإقباله على ما أريه دون التفاته إلى غيره ودون تطلعه إلى ما لم يره مع ما في ذلك من ثبات الجأش وهو روع القلب إذا اضطرب، وسكون القلب وطمأنينته، وهذا غاية الكمال. والتدلي في حديث شريك غير الذي في الآية، (ثم نفى سبحانه وتعالى عن نبينا عَّه بقوله؟ سبحانه ﴿ما زاغ البصر﴾،) أي: ما مال، قال ابن عباس: ما زاخ يمينًا ولا شمالاً (﴿وما طغى﴾،) ما جاوز ما أمر به، وعلى هذا المفسرون ومفعول نفي قوله (ما يعرض للرائي الذي لا أدب له بين يدي الملوك والعظماء من التفاته يمينًا وشمالاً،) وهذا تفسير لزاغ، (و) نفي بقوله: ﴿ما طغى﴾، (مجاوزة بصره لما بين يديه، وأخبر عنه بكمال الأدب في ذلك المقام، وفي تلك الحضرة، إذ لم يلتفت جانبًا، ولم يمد بصره إلى غير ما أري من الآيات، وما هناك من العجائب) التي لا يشبهها شيء، (بل قام مقام العبد الذي أوجب أدبه)) فاعل ومفعوله (إطراقه، و) أوجب (إقباله على ما أريه دون التفاته إلى غيره ودون تطلعه إلى ما لم يره مع ما في ذلك من ثبات الجأش) بالهمز، (وهو روع) (بالفتح)، أي: خوف (القلب إذا اضطرب) عند الفزع، وقد لا يهمز والجمع جؤش، كما في القاموس. وفي النهاية: الجأش القلب والنفس والجنان، يقال: فلان ثابت الجأش، أي: ثابت القلب، لا يرتاع للعظائم والشدائد، (وسكون القلب وطمأنينته، وهذا غاية الكمال،) فزيغ البصر التفاته جانبًا، وطغيانه مده أمامه إلى حيث ينتهي، فنزه علمه عن الضلال، وقصده وعمله عن الغي، ونطقه عن الهوى، وفؤاده عن تكذيب بصره، وبصره عن الزيغ والطغيان، وهكذا يكون المدح: تلك المكارم لا قعبان من لبن شيبًا بماء فعادا بعد أبوالا قال الإمام الرازي: اللام في البصر يحتمل وجهين: أحدهما: البصر المعروف، وهو بصر محمد عَّةٍ، أي: ما زاغ بصر محمد علّ له، فعدم الزيغ إن قلنا الغاشي للسدرة هو الجراد، أو الفرش، معناه لم يلتفت إليه، ولم يشتغل به، ولم يقطع نظره عن مقصوده، وإن قلنا أنوار اللَّه، فمعناه لم يلتفت يمنة ويسرة، بل اشتغل بمطالعتها، ففيه بيان أدبه، أو ما زاغ بضعفه عن مطالعتها، ففيه بيان قوته. الثاني: أنها لتعريف الجنس، أي: ما زاغ بصر أصلاً في ذلك الموضع لعظم الهيبة، قال: ٢١٠ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء قال في (مدارج السالكين)): وفي هذه الآية أسرار عجيبة هي من غوامض الآداب اللائقة بأكمل البشر، صلوات الله وسلامه عليه، تواطأ هناك بصره وبصيرته وتوافقا، فما يشاهده بصره فالبصيرة مواطئة له، وما شاهدته بصيرته فهو أيضًا حق مشهود بالبصر، فتوطأ في حقه، أي: ما كذب الفؤاد ما رآه ببصره، ولهذا قرأها هشام وأبو جعفر ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى﴾ بتشديد الذال، أي لم يكذب القلب البصر بل صدقه وواطأه بصحة الفؤاد والبصر، وكون المرئي المشاهد بالبصر والبصيرة حقًّا. وقرأ الجمهور ﴿ما كذب الفؤاد﴾ بالتخفيف، وهو متعد، و«ما رأى)) مفعولة، أي: ما كذب وفيه لطيفة، هي أنه لم يقل ما مال وما جاوز، لأن الميل والتجاوز مذمومًا في ذلك الموضع، فاستعمل الزيغ والطغيان فيه، أو هو بيان لشدة يقينه الذي لا يقين فوقه، أي: ما مال عن الطريق، خام ير الشىء على خلاف ما هو عليه، بخلاف من ينظر إلى عين الشمس مثلاً، ثم ينظر إلى شاء أبيض، فإنه يراه أبيض وأخضر، يزيغ بصره عن جادة الأبصار، وقوله: ﴿ما طغى﴾، أي: ما تخيل المعدوم موجودًا، وقيل: ما جاوز ما أمر به انتهى. (قال) ابن القيم (في مدارج السالكين) في شرح منازل السائرين لأبي إسماعيل الهروي: (وفي هذه الآية أسرار عجيبة، هي من غوامض الآداب اللائقة بأكمل البشر صلوات اللَّه وسلامه عليه، تواطئًا هناك بصره وبصيرته،) وهي العقل المنور بنور القدس، المكحل بضياء هداية الحق، فلا يخطىء في العيان، ولا يحتاج إلى برهان، بل يتصور الحق بينًا مكشوفًا، والباطل زاهقًا مدحورًا، فلذا قال صاحب المنازل البصيرة: ما يخلص من الحيرة، (وتوافقًا) عطف تفسير لتواطا، (فيما يشاهده بصره، فالبصيرة مواطئة) موافقة (له، وما شاهدته بصيرته فهو أيضًا حق مشهود بالبصر، فتوطا في حقه، أي: ما كذب الفؤاد ما رآه ببصره،) فهو إخبار عن تصدیق فؤاده لما رأته عيناه، ولیس کمن رأی شیئا على خلاف ما هو علیه، فكذب فؤاده بصره، (ولهذا قرأها هشام وأبو جعفر: ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى﴾ بتشديد الذال، أي: لم يكذب القلب البصر، بل صدقه وواطأه بصحة الفؤاد والبصر، وكون المرئي المشاهد بالبصر والبصيرة حقًّا،) وحاصله أن قلبه صدق ما رآه بعينه، ولم يقل إنه خيال لا حقيقة له. (وقرأ الجمهور: ﴿ما كذب الفؤاد﴾ بالتخفيف، وهو متعد) بنفسه على القراءتين، (وما رأى مفعوله، أي: ما كذب قلبه ما رأت عيناه، بل واطأه ووافقه،) وما مصدرية، أي: ما كذب فؤاده رؤيته، أو موصول، والعائد محذوف، أي: الذي رآه بعينه، وقيل: قراءة التخفيف على ٢١١ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء قلبه ما رأت عيناه بل واطأه ووافقه. فلموافقة قلبه لقالبه، وظاهره لباطنه، وبصره لبصيرته، لم يكذب الفؤاد البصر، ولم يتجاوز البصر حده فيطغى، ولم يمل على المرئي فيزيغ، بل اعتدل البصر على المرئي ما جاوزه ولا مال عنه كما اعتدل القلب في الإقبال على اللَّه تعالى والإعراض عما سواه، فإنه أقبل على اللَّه بكليته وأعرض عما سواه بكليته. وللقلب زيغ وطغيان، كما أن للبصر زيغًا وطغيانًا وكلاهما منتفٍ عن قلبه وبصره، فلم يزغ قلبه التفاتًا عن اللَّه إلى غيره ولم يطغ بمجاوزته مقامه الذي أقيم فيه، وهذا غاية الكمال والأدب مع اللَّه تعالى الذي لا يلحقه فيه سواه، فإن عادة النفوس إذا أقيمت في مقام عال رفيع أن تطلعٍ إلى ما هو أعلى منه وفوقه، ألا ترى إسقاط الخافض، أي: فيما رآه، قاله مكي وغيره. وعلى التقديرين فهو إخبار عن تطابق رؤية القلب لرؤية البصر، وتوافقهما وتصديق كل واحد منهما صاحبه، وهذا ظاهر في قراءة التشديد، وقد استشكلها المبرد وغيره، بأنه إذا رأى بقلبه فقد علمه أيضًا بقلبه، وإذا وقع العلم فلا كذب معه، وأجيب بأنه قد يتخيل الشىء على خلاف ما هو به، فيكذبه قلبه إذ يريه صورة المعلوم على خلاف ما هي عليه، كما تكذبه عينه، فيقال: كذبه قلبه وكذبته عينه، فنى ذلك سبحانه عن رسوله. (فلموافقة قلبه لقالبه:) جسده، (وظاهره لباطنه، وبصره لبصيرته، لم يكذب الفؤاد البصر، ولم يتجاوز البصر حده فيطغى، ولم يمل على المرئي، فيزيغ، بل اعتدل البصر على المرئي ما جاوزه، ولا مال عنه، كما اعتدل القلب في الإقبال على الله تعالى، والإعراض عما سواه، فإنه أقبل على اللَّه بكليته وأعرض عما سواه بكليته،) قلبًا وقالبًا. وقد حكى الماوردي في الفؤاد قولين: أحدهما نفسه، لأنه محل الاعتقاد، والثاني صاحبه، وعبر عنه بالفؤاد، لأنه قطب الجسد، وبه قوام الحياة. (وللقلب زيغ وطغيان، كما أن للبصر زيفًا وطغيانًا،) بل قد يكون أشد الحديث ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب، (وكلاهما منتف عن قلبه وبصره، فلم يزغ قلبه التفاتًا عن اللّه إلى غيره، ولم يطغ بمجاوزته مقامه الذي أقيم فيه، وهذا غاية الكمال والأدب مع الله تعالى) ولا بدع، ففي الحديث: ((أدبني ربي فأحسن تأديبي)، (الذي لا يلحقه فيه) أحد (سواه، فإن عادة النفوس إذا أقيمت في مقام عال رفيع، أن تطلع إلى ما هو أعلى منه وفوقه، ألا ترى أن موسى 1 ٢١٢ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء أن موسى عليه الصلاة والسلام، لما أقيم مقام التكليم والمناجاة طلبت نفسه الرؤية، ونبينا عَّله لما أقيم في ذلك المقام وفاه حقه، ولم يلتفت بصره ولا قلبه إلى غير ما أقيم فيه البتة، ولأجل هذا ما عاقه عائق، ولا وقف به مراد، حتى جاوز السموات السبع فلم تعقه إرادة منه لشىء، ولم تقف به دون كمال العبودية همة، ولهذا كان مركوبه في مسراه يسبق خطوه الطرف، فيضع خطوة عند منتهى طرفه، مشاكلاً لحال راكبه وبعد شأوه الذي سبق به العالم أجمع في سيره، فكان قدم البراق لا يتخلف عن موضع نظره، كما كان قدمه عَ لّه لم يتأخر عن محل معرفته فلم يزل مَّه في خفارة كمال أدبه مع اللَّه تعالى، وتكميل مرتبة عبوديته له، حتى خرق حجب السموات، وجاوز السبع الطباق، وجاوز سدرة المنتهى، ووصل إلى محل من القرب سبق به الأولين والآخرين، فانصبت له هناك أقسام القرب انصبابًا، وانقشعت له سحائب الحجب ظاهرًا وباطنًا حجابًا حجابًا، وأقيم مقامًا غبطه به عليه الصلاة والسلام لما أقيم مقام التكليم والمناجاة) للَّه سبحانه (طلبت نفسه الرؤية)،) فقال: ﴿رب أرني أنظر إليك﴾، (ونبينا عَّة لما أقيم في ذلك المقام، وفاه حقه ولم يلتفت بصره ولا قلبه إلى غير ما أقيم فيه البتة) بالقطع، فلم يسأل حتى قال له ربه سل، ومع ذلك سأل بالتلويح دون التصريح، فقال: إنك اتخذت إلى آخر ما يأتي. (ولأجل هذا ما عاقه عائق ولا وقف به، مراد حتى جاوز السموات السبع، فلم تعقه إرادة منه لشيء، ولم تقف به دون كمال العبودية همة، ولهذا كان مركوبه في مسراه يسبق خطوه الطرف، فيضع خطوه،) وفي نسخة قدمه (عند منتهى طرفه:) بسكون الراء، أي: نظره، وهذا صريح في التساوي، فيدافع قوله يسبق إلا أن يكون المراد ما ينتهي إليه طرفه، وهو الجزء الأخير من المسافة التي ينتهي إليها الطرف، يضع مؤخر قدمه عنده، فتكون جملة القدم مقدمة على ما وصل إليه طرفه، (مشاكلاً لحال راكبه، وبعد شأوه:) بالشين المعجمة والهمز، بزنة فلس، أي: غايته وأمده، (الذي سبق به العالم أجمع في سيره، فكان قدم البراق لا يتخلف عن موضع نظره، كما كان قدمه عٍَّ لا يتأخر عن محل معرفته، فلم يزل عَّي في خفارة:) (بضم الخاء و کسرها)، أي: حمایة، (کمال أدبه مع اللَّه تعالى، وتکمیل مرتبة عبوديته له حتى خرق حجب السموات، وجاوز السبع الطباق،) وهي السموات، (وجاوز سدرة المنتهى، ووصل إلى محل من القرب سبق به الأولين والآخرين،) إذ لم يصل إليه نبي مرسل ولا ملك مقرب، (فانصبت له هناك أقسام القرب انصبابًا، والقشعت:) انكشفت (له سحائب الحجب:) (بضمتين) جمع حجاب، (ظاهرًا وباطنًا حجابًا حجابًا،) أي: حجابًا بعد حجاب، (وأقيم مقامًا ٢١٣ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء الأنبياء والمرسلون. فإذا كان في المعاد أقيم مقامًا من القرب ثانيًا، يغبطه به الأولون والآخرون، واستقام هناك على صراط مستقيم من كمال أدبه مع اللَّه تعالى ﴿ما زاغ البصر وما طغى﴾، فأقامه في هذا العالم على أقوم صراط على الحق والهدى، وأقسم بكلامه القديم على ذلك في الذكر الحكيم فقال: ﴿يس والقرءان الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم﴾ [يس/١ - ٤] فإذا كان يوم المعاد أقامه على الصراط، فيسأل السلامة لأتباعه وأهل سنته، حتى يجوزوا إلى جنات النعيم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. ثم أعلم إن ما ذكر هنا من القرب والدنو، المراد به تأكيد المحبة والقربة، ورفع المنزلة والرتبة، قال جعفر الصادق: لما قرب الحبيب من الحبيب غاية غبطه:) استحسنه (به الأنبياء والمرسلون، فإذا كان في المعاد) يوم القيامة (أقيم مقامًا من القرب، ثانيًا يغبطه به الأولون والآخرون، واستقام هناك على صراط مستقيم من كمال أدبه مع اللَّه تعالى ﴿ما زاغ البصر وما طغى﴾، فأقامه في هذا العالم،) أي: عالم الدنيا، (على أقوم صراط على الحق والهدى،) وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم، (وأقسم بكلامه القديم على ذلك في الذكر،) أي: القرآن (الحكيم، فقال: ﴿يس﴾) القراءة المشهورة بسكون النون، وقرىء شاذًا بالفتح للخفة، وبالكسر لالتقاء الساكنين، وبالضم على النداء، كما في الإتقان، (﴿والقرآن الحكيم﴾،) المحكم بعجيب النظم، وبديع المعاني، (﴿إِنك لمن المرسلين على﴾) متعلق بما قبله (﴿صراط مستقيم﴾ [يس/١ - ٤]) أي: طريق الأنبياء قبلك التوحيد والهدى، والتأكيد بالقسم وغيره رد لقول الكفار لست مرسلاً، (فإذا كان يوم المعاد أقامه على الصراط، فيسأل السلامة لأتباعه ولأهل سنته حتى يجوزوا إلى جنات النعيم، وذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء، واللَّه ذو الفضل العظيم، ثم اعلم أن ما ذكر هنا من القرب والدنقّ) إلى الله، ومن الله في حديث شريك، وفي الآية على أحد القولين ليس بدنو مكان ولا قرب مدی، وإنما (المراد به تأكيد المحبة) بإظهار عظيم منزلته وتشريف رتبته، (والقربة ورفع المنزلة والرتبة) عطف تفسير. (قال جعفر الصادق،) لصدقه في مقاله ابن محمد الباقر بن علي بن الحسين بن علي الهاشمي أبو عبد اللَّه، الفقيه، الإمام الصدوق، المتوفى سنة ثمان وأربعين ومائة، روى له مسلم وأصحاب السنن: (لما قرب الحبيب من الحبيب غاية القرب نالته غاية الهيبة، فلاطفه ٢١٤ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء القرب، نالته غاية الهيبة، فلاطفه الحق تعالى بغاية اللطف، وذلك قوله جل جلاله: ﴿فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾ أي كان ما كان وجرى ما جرى، وقال الحبيب للحبيب ما يقول الحبيب للحبيب: وألطف به ألطاف الحبيب بالحبيب، فخفي السر ولم يطلع عليه أحد، ولم يعلم أحد ما أوحى إلا الذي أوحى. وقال غيره في قوله تعالى: ﴿فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾ أبهمه لعظمته، فإن الإبهام قد يقع للتعظيم، فهو مبهم لا يطلع عليه بل يتعبد بالإيمان به. وقيل: هو مفسر بالأخبار الواردة، قال سعيد بن جبير: أوحى اللَّه تعالى إليه عَّته، ألم أجدك يتيمًا فآويتك، ألم أجدك ضالاً فهديتك، ألم أجدك عائلاً الحق تعالى بغاية الطف، وذلك قوله جل جلاله: ﴿فأوحى﴾) الله (﴿إلى عبده﴾) محمد عَ ◌ّه بلا واسطة ملك ولا غيره، على ما هو المنقول عن جعفر في الشفاء وغيره، فالمراد بالوحي هنا الكلام وإن كان أعم منه (﴿ما أوحى﴾،) أي: أمرًا عظيمًا، ففي إبهامه تفخيمه وتعظيمه، كما أفاده قوله، (أي: کان ما كان، وجرى ما جرى). (وقال الحبيب للحبيب ما يقول الحبيب للحبيب، وألطف به ألطاف، الحبيب للحبيب، فخفي السر ولم يطلع عليه أحد،) لأنه من أسرار المعارف التي لم يطلع عليها غيره، (ولم يعلم أحد ما أوحى إلا الذي أوحى،) وهو اللَّه سبحانه، أي: الموحي إليه محمد عَّ علمه أيضًا، ويحتمل قراءة ﴿أوحى﴾ بالبناء للمفعول، أي: أوحى إليه، لكن فيه حذف نائب الفاعل إلا أن يكون للعلم به من السياق. (وقال غيره في قوله تعالى: ﴿فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾ [النجم/١٠]، أبهمه لعظمته، فإن الإبهام قد يقع للتعظيم، فهو مبهم، لا يطلع عليه، بل يتعبد بالإيمان به،) وهذا معنى كلام جعفر وإن اختلف التعبير، (وقيل: هو مفسر بالأخبار الواردة). (قال سعيد بن جبير: أوحى اللَّه تعالى إليه عَّئَةٍ ألم أجدك))) استفهام تقرير (يتيمًا،) بفقد أبيك قبل ولادتك، أو بعدها، (فآويتك،) بضمك إلى عمك أبي طالب، وإسكان محبتك في قلبه حتى كان يقدمك على أولاده، (ألم أجدك ضالاً) عما أنت عليه الآن من الشريعة، كقوله: ﴿ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان﴾ [الشورى/٥٢]، (فهديتك) إليها، أو ضالاً في بعض شعاب مكة، فبينت لك الطريق ورددتك، أو ناسيًا فهديتك إلى الذكر، لأن الضلال جاء بمعنى النسيان، قال تعالى: ﴿أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾، وجمع بينهما في لا يضل ربي ولا ينسى، لأنه ثم بمعنى الخطأ والغفلة، (ألم أجدك عائلاً قليل المال (فأغنيتك،) ٢١٥ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء فأغنيتك، ﴿ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك ورفعنا لك ذكرك﴾ [الشرح/ ١- ٤]. وقيل: أوحى اللَّه تعالى إليه أن الجنة حرام على الأنبياء حتى تدخلها يا محمد، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك. ذكره الثعلبي والقشيري. وقيل: أوحى اللَّه تعالى إليه: خصصتك بحوض الكوثر، فكل أهل الجنة أضيافك بالماء، ولهم الخمر واللبن والعسل. ذكره القشيري. وذكر أيضًا: أنه أوحى إليه ما أوحى إلى الرسل لقوله تعالى: ﴿ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك﴾ [فصلت/٤٣]. وقيل: أوحى إليه الصلوات الخمس. ذكره النقاش. بما قنعتك به من الغنائم وغيرها. وفي الحديث: ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس، (﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ [الانشراح/١]٤) بالنبوة وغيرها، (﴿ووضعنا﴾) خططنا (﴿عنك وزرك الذي أنقض﴾) أثقل (﴿ظهرك﴾) وهذا كقوله: ﴿ليغفر لك اللَّه ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ [الفتح/٢]، وتقدم قريبًا، ويأتي للمصنف، (﴿ورفعنا لك ذكرك﴾) بأن تذكر مع ذكري في الأذان والإقامة والتشهد والخطبة وغيرها. (وقيل: أوحى الله تعالى إليه إن الجنة حرام،) ممنوع دخولها (على الأنبياء حتى تدخلها يا محمد، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك، ذكره الثعلبي) الإمام المفسر، (والقشيري) العلم الشهير. (وقيل: أوحى اللَّه تعالى إليه خصصتك بحوض الكوثر، فكل أهل الجنة أضيافك بالماء، ولهم الخمر واللبن والعسل، ذكره القشيري، وذكر أيضًا: أنه أوحى إليه ما أوحى إلى الرسل، لقوله تعالى: ﴿ما يقال لك﴾،) بناء على أن معناه: ما يوحى إليك (﴿إلا ما قد قيل للرسل من قبلك﴾ [فصلت/٤٣]،) من الوحي، وقيل: معناه ما يقال لك من التكذيب، (وقيل: أوحى إليه الصلوات الخمس، ذكره النقاش،) وقيل: ما في ما أوحى للعموم، والمراد كل ما جاء به. وفي الشفاء أكثر المفسرين على أن الموحي اللَّه إلى جبريل، وجبريل إلى محمد، إلا شذوذًا، منهم جعفر الصادق، قال: أوحى إليه بلا واسطة، ونحوه ذهب بعض المتكلمين أن ٢١٦ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء وفي رواية أبي سعيد الخدري عند البيهقي: أن اللَّه تعالى قال له صلوات اللَّه وسلامه عليه: سل، فقال: إنك اتخذت إبراهيم خليلاً وآتيته ملكًا عظيمًا، وكلمت موسى تكليمًا، وأعطيت داود ملكًا عظيمًا، وألنت له الحديد، وسخرت له الجبال، وأعطيت سليمن ملكًا عظيمًا، وسخرت له الإنس والجن والشياطين، وسخرت له الرياح، وأعطيته ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده، وعلمت عيسى التوراة محمدًا كلمه ربه في الإسراء، وحكي عن الأشعري وابن مسعود وابن عباس، وأنكره آخرون. انتھی. (وفي رواية أبي سعيد الخدري عند البيهقي،) وأبي هريرة عند ابن جرير والبزار وأبي يعلى والبيهقي: (أن اللّه تعالى قال له صلوات الله وسلامه عليه،) وفي رواية: فرأى ربه سبحانه، فخر طَّلله ساجدًا، وكلمه ربه عند ذلك، فقال: يا محمد، قال: لبيك يا رب، قال: (سل؛) أصله اسأل، فخفف وحذف المفعول للعموم، أي: كل ما تريد، (فقال: إنك اتخذت إبراهيم خليلاً:) صفيًا خالص المحبة، وفي رواية أبي يعلى: أن اللَّه قال له: ﴿إني اتخذتك خليلا﴾. وروى ابن ماجه عن ابن عمر، مرفوعًا: إن اللّه اتخذني خليلاً، كما اتخذ إبراهيم خليلاً، فمنزلي ومنزل إبراهيم في الجنة يوم القيامة تجاهين، والعباس بيننا مؤمن وبين خليلين. (وآنيته ملكًا عظيمًا،) تقدم أنه لا يعهد لإبراهيم ملك عرفي، فيجوز أن المراد قهره لعظماء الملوك كالنمرود، فالقاهر هو أعظم من المقهور، أو ملك النفس، أو بالنسبة لذريته، كيوسف وداود وسليمان، (وكلمت موسى) بلا واسطة، (تكليمًا،) أكد به لإفادة أنه حقيقي، فلا عبرة بإنكار بعض المعتزلة، (وأعطيت داود ملكًا عظيمًا،) فجعلته خليفتك في الأرض، (وألنت له الحديد،) فكان في يده كالعجين يتخذ منه الدروع، (وسخرت له الجبال) تسبح معه بالعشي والإشراق، (وأعطيت سليمْن ملكًا عظيمًا،) إذ ملكته الدنيا بأسرها، (وسخرت له الإنس) جندًا، ورعايا لا يعصونه في شيء، (والجن،) فكانوا يخدمونه في بنائه وفي غيره فبنت له بيت المقدس بالرخام المزخرف بناء عاليًا حتى كان يضيء في الليلة المظلمة، ولم يزل كذلك حتى خربه بختنصر، ونقل ما فيه لمملكته بالعراق، (والشياطين،) وهم مردة الجن، فهو عطف خاص على عام، فكانوا يغوصون البحار، ويستخرجون له الدرر والجواهر، ويعملون له ما يريد، (وسخرت له الرياح) تجري بأمره رخاء حيث أصاب، وتحمل كرسيه وبساطه مسيرة شهر غدًا، ومسيرة شهر رواحًا، (وأعطيته ملكًا لا ينبغي:) لا يكون (لأحد من بعده،) كما سألك فملك ما فوق الأرض وما تحتها، (وعلمت عيسى،) وهو صغير (التوراة والإنجيل،) ٢١٧ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء والإنجيل، وجعلته يبرىء الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذنك، وأعذته وأمه من الشيطان الرجيم، فلم يكن له عليهما سبيل. فقال له ربه: قد اتخذتك حبيبًا، فهو مكتوب في التوراة: محمد حبيب الرحمن، وأرسلتك إلى الناس كافة بشيرًا ونذيرًا، وشرحت لك صدرك، ووضعت عنك وزرك، ورفعت لك ذكرك، فلا أذكر إلاَّ وتذكر الذي أنزل عليه، ولا أحكام فيه، وإنما هو حكم وحقائق التوحيد، وقيل: فيه أحكام قليلة بالنسبة للتوراة، فلذا حفظها وعمل بها، (وجعلته بيرىء الأكمه) الذي ولد أعمى، (والأبرص) بياض لون البدن، وصيرورته قبيحًا من علة مزمنة لا يتيسر علاجها، وخصهما لأنهما داءا إعياء، (ويحيي الموتى بإذنك،) فأحيا جماعة كما مر، (وأعذته) حفظته وأجرته (وأمه من الشيطان الرجيم:) المطرود اللعين، (فلم يكن له عليهما سبيل:) طريق، (فقال له ربه) جوابًا لمعنى كلامه: إن المقامات العلية سبق لها السابقون من الرسل، (قد اتخذتك حبيبًا،) هذا في مقابلة الخلة والمحبة أعظم. وفي رواية أبي يعلى أنه تعالى قال له: اتخذتك خليلاً، فجمع بين الصفتين، ولم يذكر ما يقابل ما بعده لعلمه، إذ هو لم يرض الملك لما عرض عليه، والكلام وقع له كما وقع لموسى، والقرآن أعظم من التوراة والإنجيل وإبراء الأكمه والأبرص، وقع للمصطفى نظيره، كرد عين قتادة، وبرء كثير من الأمراض بمس يده، وأعيذ من الشيطان حتى أن قرينه آمن به، ووقع له إحياء الموتى، وما هو أغرب منه كما تقدم بسط ذلك كله في المعجزات، (فهو مكتوب في التوراة محمد حبيب الرحمن،) هذا من كلام الراوي أبي سعيد، أو غيره استشهادًا وتقوية للحديث، وفي سبعيات الهمداني، ثبت في الحديث أنه عَّم قال: ((هممت ليلة المعراج أن أخلع نعلي، فسمعت النداء من قبل الله: يا محمد لا تخلع نعليك لتشرف السماء بهما، فقلت: يا رب إنك قلت لموسى: ﴿اخلع نعليك إنك بالوادي المقدس﴾ [طه/١٢]، فقال: يا أبا القسم: ادن مني، لست عندي كموسى؛ فإنه كليمي، وأنت حبيبي)). انتهى، وتعقب بأن هذا باطل لم يذكر في شىء من الأحاديث بعد الاستقراء التام، ويأتي له مزيد. (وأرسلتك إلى الناس كافة،) جامعًا في الإنذار والإبلاغ من الكف بمعنى الجمع، ومنه كف الثوب، وهو جمعه بالخياطة، والهاء للمبالغة كعلامة، وقيل: معناه مانعًا ورادعًا عن الكفر وسائر المعاصي من الكف بمعنى المنع، والهاء للمبالغة أيضًا، والنصب على الوجهين حال من المفعول في أرسلتك، أو على أنه مفعول مطلق لأرسلتك، أي: إرساله كافة، أي: عامة، كفتهم عن الخروج منها، فكأنه صفة مصدر، (بشيرًا) للمؤمنين والمتقين، (ونذيرًا) للكافرين والعاصين، (وشرحت لك صدرك، ووضعت عنك وزرك، ورفعت لك ذكرك، فلا أذكر إلا وتذكر معي،) ٢١٨ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء معي، وجعلت أمتك خير أمة أخرجت للناس، وجعلت أمتك أمة وسطًا، وجعلت أمتك هم الأولون وهم الآخرون، وجعلت أمتك لا تجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي، وجعلت من أمتك أقوامًا قلوبهم أناجيلهم، وجعلتك أول أي: كثيرًا، أو عادة، أو في مواطن معلومة، كالأذان والإقامة، والتشهد والإسلام، والخطبة وغير ذلك، وبهذا دافع إيراد أن الشهادة الثانية قد لا تذكر، وهذا بيان لرفع ذكر، ولا أرفع من ذلك، وقد قال عَّله: ((أتاني جبريل، فقال: إن ربي وربك يقول لك تدري كيف رفعت ذكرك، قلت: اللَّه أعلم، قال: لا أذكر إلا ذكرت معي)، رواه أبو يعلى والطبراني، وصححه ابن حبان والضياء من حديث أبي سعيد، فقد خاطبه بذلك بعد إرساله جبريل له به قبل ذلك على مدلول الحديثين زيادة في التعظيم والإكرام. (وجعلت أمتك خير أمة أخرجت للناس،) فيه تبشيره بذلك قبل إنزاله عليه، لأن الإسراء بمكة والسورة مدنية. (وجعلت أمتك أمة وسطاً)، خيارًا عدولاً. (وجعلت أمتك هم الأولون) في القيام من القبور والقضاء ودخول الجنة، (والآخرون) في الوجود والمنة بهذا عليه لما تضمنه من كثرتهم وقلة مكثهم في القبور، وعدم نسخ شريعته. وروى الخطيب عن أنس، مرفوعًا: لما أسري بي إلى السماء قربني ربي حتى كان بيني وبينه كقاب قوسين أو أدنى، وعلمني المسميات، قال: يا محمد، قلت: لبيك، قال: هل غمك أن جعلتك آخر النبيين، قلت: يا رب لا، قال: هل غم أمتك أني جعلتهم آخر الأمم؟، قلت: لا، قال: فاقرأ أمتك مني السلام وأخبرهم أني جعلتهم آخر الأمم، لأفضح الأمم عندهم ولا أفضحهم. (وجعلت أمتك لا تجوز لهم خطبة،) أي: لا يعتد بها اعتدادًا كاملاً، (حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي،) أي: يأتوا بكلمتي الشهادة، لحديث: « کل خطية ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء»، أي: ناقصة لا بركة فيها، وبالتقييد بكاملاً اندفع ما قيل مقتضاه أن التشهد في الخطبة ركن، أو شرط، ولم يقل به أحد من الفقهاء، وتعسف الجواب؛ بأن المعنى لا يصح إلا خطبة المسلم المصدق بك، والأمة أمة الدعوة، أو النسخ، إذ لا يثبت بالاحتمال على أن الشافعي وغيره اشترطوا في الخطبة الصلاة على النبي عَاه، وهي تتضمن الشهادة بذلك، فدعوى الإجماع غير مسموعة. (وجعلت من أمتك أقوامًا قلوبهم أناجيلهم،) أي: يحفظون الكتاب المجيد، ويتلونه حفظًا، والأناجيل جمع إنجيل، وهو اسم كتاب اللَّه المنزل على عيسى. ٢١٩ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء النبيين خلقًا وآخرهم بعثًا وأولهم يقضى له، وأعطيتك سبعًا من المثاني لم أعطها نبيًا قبلك، وأعطيتك الكوثر، وأعطيتك خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم أعطها نبيًا قبلك، وأعطيتك ثمانية أسهم: الإسلام والهجرة والجهاد والصلاة والصدقة وصوم رمضان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجعلتك فاتحًا وخاتماً. وفي إسناده أبو جعفر الرازي ضعفه بعضهم، وقال أبو زرعة: متهم، وقال (وجعلتك أول النبيين خلقًا) لأنه خلق روحه قبل الأرواح، وخلق الأرواح ونبأه قبلهم في عالم الأرواح، فهو أولهم خلقًا، ونبوة، (وآخرهم بعثًا:) إرسالاً، (وأولهم يقضى له) قبل الناس، (وأعطيتك سبعًا من المثاني:) الفاتحة، لأنها تثنى وتكرر في كل ركعة أو غيرها تقدم بسطه، (لم أعطها نبيًّا قبلك، وأعطيتك الكوثر:) نهر في الجنة، كما في مسلم مرفوعًا، (وأعطيتك خواتيم سورة البقرة،) من آمن الرسول (من كنز تحت العرش). قال الحافظ العراقي: معناه أنها ادخرت له وكنزت، كما قال، (لم أعطها نبيًا قبلك،) وكثير من آي القرآن منزل في الكتب السابقة باللفظ، أو المعنى، وإن كان في القرآن أيضًا ما لم يؤت غيره، لكن في هذه خصوصية لهذه الأمة، وهي موضع الأصر الذي كان على من قبلها. قال التورشتي: ليس يعني بقوله: أعطى، أنها أنزلت عليه، بل المعنی أنه استجيب له فيما لقن من الآيتين من قوله: ﴿غفرانك ربنا﴾ [البقرة/٢٨٥] إلى آخر السورة، ولمن يقوم بحقهما من السائلین. قال الطيبي: وفي كلامه إشعار بأن الإعطاء بعد الإنزال، لأن المراد منه الاستجابة، وهي مسبوقة بالطلب، والسورة مدنية، والمعراج كان بمكة، قال: ويمكن أن يقال هذا من قبيل ﴿وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى﴾، [النجم/٣، ٤]، وإنما أوثر الإعطاء لتعبيره بكنز. (وأعطيتك ثمانية أسهم: الإسلام،) وصفًا لأمتك دون الأمم، ومر أن هذا أرجح القولين، (والهجرة، والجهاد،) وما فيه من الغنائم، (والصلاة،) أي: مجموع الصلوات الخمس، (والصدقة:) الزكاة، (وصوم رمضان،) وفيه حجة لأحد القولين في اختصاصه بالأمة المحمدية، (والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر) لك بلا شرط، ولأمتك بالشروط المعلومة، (وجعلتك فاتحًا) لكل خير، (وخاتماً) للنبيين. (وفي إسناده أبو جعفر الرازي) التميمي، مولاهم، مشهور بكنيته، واسمه عيسى بن عبد الله بن ماهان، وأصله من مرو، وكان يتجر إلى الري، مات في حدود الستين ومائة، روى له أصحاب السنن، (ضعفه بعضهم). (وقال أبو زرعة) الرازي: (متهم، وقال ابن كثير: الأظهر أنه سيء الحفظ،) وليس ٢٢٠ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء ابن كثير: الأظهر أنه سيء الحفظ. وذكر الفخر الرازي عن والده قال: سمعت أبا القسم سليمن الأنصاري يقول: لما وصل محمد عَّه إلى الدرجات العالية والمراتب الرفيعة في المعراج، أوحى الله تعالى إليه: يا محمد بم شرفك؟ قال: يا رب، بنسبتي إليك بالعبودية. فأنزل اللَّه تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده﴾ فسماه تعالى بهذا الاسم لتحققه عَّةِ بالاسم الأعظم واتصافه بجميع صفاته، فلا يصلح هذا الاسم بالحقيقة إلا له عليه الصلاة والسلام وللأقطاب من بعده بتبعيته لا بالحقيقة، وإن أطلق على غيره مجازًا، ويرحم اللَّه الأديب برهان الدين القيراطي فلقد أجاد حيث قال: بمتهم، وبه جزم الحافظ، فقال: صدوق، سيء الحفظ، خصوصاً عن مغيرة. (وذكر الفخر الرازي عن والده، قال: سمعت أبا القسم سليمن الأنصاري يقول: لما وصل محمد عَّة إلى الدرجات العالية والمراتب الرفيعة في المعراج، أوحى الله تعالى إليه: يا محمد بم) يكون (شرفك) الذي تريده، (قال: يا رب بنسبتى إليك بالعبودية، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده﴾،) لأنه ليس للمؤمن صفة أتم، ولا أشرف من العبودية، ولذا أطلقه الله على نبيه في أشرف المواطن، كقوله: ﴿أسرى بعبده﴾، الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب، تبارك الذي نزل الفرقان على عبده، فأوحى إلى عبده، قاله أبو علي الدقاق. قال الطوسي: وسبب ذلك أن الإلهية والسيادة والربوبية، إنما هي في الحقيقة للَّه لا غيره، والرتب الحقيقية أشرف المراتب، إذ ليس بعدها إلا المجاز. قال بعض: وبهذا يخرج الجواب عن وصف يحيى بالسيادة، (فسماه تعالى بهذا الاسم لتحققه عَّ. بالاسم الأعظم، واتصافه بجميع صفاته، فلا يصلح هذا الاسم بالحقيقة إلا له عليه الصلاة والسلام، وللأقطاب من بعده بتبعيته لا بالحقيقة، وإن أُطلق على غيره مجازًا،) لأن حقيقة العبد عند القوم، القائم إلى أوامر سيده على حد النشاط، حيث جعله محل أمره، قاله أبو حفص النيسابوري. وقال ابن عطاء: هو الذي لا ملك له، وقيل: هو الذي يتخلق بأخلاق ربه، وقيل: غير ذلك مما هو متقارب المعنى، مختلف اللفظ، وكل تكلم بلسان حاله على قدر مقامه. (ويرحم اللَّه الأديب برهان الدين) إبراهيم بن شرف الدين بن عبد الله بن محمد، (القيراطي،) البارع، المتفئن، ولد في صفر سنة ست وعشرين وسبعمائة، ولازم علماء عصره،