النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء على أي شىء أنت؟ قال على الرياح والجنود، قال: وعلى أي شىء ميكائيل؟ قال: على النبات والقطر، قال: وعلى أي شىء ملك الموت؟ قال: على قبض الأرواح، الحديث، وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وقد ضعف لسوء حفظه ولم يترك. وروى الترمذي من حديث أبي سعيد مرفوعًا: ((فوزيراي من أهل السماء: جبريل وميكائيل)). الحديث. وروى النقاش أن إسرافيل أول من سجد من الملائكة، وأنه جوزي على ذلك بولاية اللوح المحفوظ. تقوم به وتدبره، (قال: على الرياح والجنود، قال: وعلى أي شىء ميكثيل؟، قال: على النبات والقطر٤) أي: أنهما رأسا الموكلين بذلك، (قال: وعلى أي شىء ملك الموت؟، قال: على قبض الأرواح). وفي لفظ: الأنفس، أي: وله أعوان، قال تعالى: ﴿توفته رسلنا﴾ [الأنعام/٦١]، (الحديث) بقيته: وما ظننت أنه هبط إلا بقيام الساعة، وما ذاك الذي رأيت مني إلا خوفًا من قيام الساعة، (وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى) الأنصاري، الكوفي، القاضي أبو عبد الرحمن، مات سنة ثمان وأربعين ومائة، (وقد ضعف لسوء حفظه) جدًا، (ولم يترك،) بل روى له أصحاب السنن الأربعة، لأنه صدوق. (وروى الترمذي) بإسناد صحيح، والحاكم، وصححه (من حديث أبي سعيد، مرفوعًا:) إن لي وزيرين من أهل السماء، ووزيرين من أهل الأرض، (فوزيراي من أهل السماء جبريل وميكئيل،) ووزيراي من أهل الأرض أبو بكر وعمر، هذا تمامه المشار له بقوله: (الحديث،) وأخرجه الحكيم الترمذي من حديث ابن عباس. وأخرج البزار والطبراني، وأبو نعيم، عن ابن عباس، رفعه: إن اللَّه أيدني بأربعة وزراء اثنين من أهل السماء، جبريل وميكئيل، واثبين من أهل الأرض أبي بكر وعمر، قال القرطبي: وفيه دلالة أن المصطفى أفضل من جبريل وميكتيل، والوزير من الوزر، وهو الثقل، فإنه يتحمل عن الملك أوزاره، قال تعالى حكاية عن موسى: ﴿واجعل لي وزيرًا من أهلي﴾ [طه/٢٩]. وروى أبو يعلى وابن عساكر، عن أبي ذر، مرفوعًا: ((إن لكل نبي وزيرين، ووزيراي وصاحباي أبو بكر وعمر». (وروى النقاش أن إسرافيل أول من سجد) لآدم (من الملائكة) حين أمروا بالسجود، (وأنه جوزي على ذلك بولاية اللوح المحفوظ،) بأن جعل مطلعًا عليه، ومتصرفًا فيه بنقل ما ١٨٢ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء وفي كتاب ((العظمة)) لأبي الشيخ ابن حبان من ذلك العجب العجاب، وعندي منه الجزء الثاني. وقد وقعت في غير رواية البخاري هنا زيادات: فمنها ما وقع في رواية أبي سعيد الخدري عند البيهقي في دلائله: ثم صعدت إلى السماء السابعة فإذا إبراهيم الخليل ساند ظهره إلى البيت المعمور، كأحسن الرجال، ومعه نفر من قومه، فسلمت عليه وسلم علي، وإذا أنا بأمتي شطرين، شطر عليهم ثياب بيض كأنهم القراطيس، وشطر عليهم ثياب رمدة، قال: فيه للملائكة، كما في حديث ابن عباس المتقدم قريبًا. وروى أبو الشيخ، عن عائشة، رفعته: لإسرافيل أربعة أجنحة، منها جناحان: أحدهما بالمشرق، والآخر بالمغرب، واللوح بين عينيه، فإذا أراد اللَّه أن يكتب الوحي ينقر بين جبهته. وروى أبو الشيخ وابن أبي حاتم، عن ضمرة، قال: بلغني أن أول من سجد لآدم إسرافيل، فأثابه اللَّه أن كتب القرآن في جبهته، ولا منافاة، فكلاهما جوزي به. (وفي كتاب العظمة لأبي الشيخ) عبد اللَّه (بن حبان،) بفتح المهملة والتحتية الثقيلة، الحافظ المشهور، (من ذلك،) أي: ما يدل على كثرة الملائكة جدًا (العجب العجاب، وعندي منه الجزء الثاني، وقد وقعت في غير رواية البخاري هنا،) أي: في ذكر السموات (زيادات،) لا بقيد كونها بعد السدرة، ورؤية الأنهار، لأن رؤيته لإبراهيم كان قبل ذلك. (فمنها،) أي: الزيادات، (ما وقع في رواية أبي سعيد الخدري عند البيهقي في دلائله،) والبزار، وأبي يعلى، وابن جرير، وابن أبي حاتم، (ثم صعدت إلى السماء السابعة، فإذا إبراهيم الخليل ساند) برفعه خبر مبتدأ محذوف (ظهره إلى البيت المعمور، كأحسن الرجال، ومعه نفر من قومه، فسلمت عليه وسلم عليّ،) أي: رد السلام علي، سماه سلامًا لاشتماله عليه معنى، (وإذا أنا بأمتي) متقسمة، أو أراها (شطرين،) فنصب بمقدر، وإلا فالظاهر شطران، خبر أمتي زيدت فيه الباء، والشطر لغة النصف، وقد يستعمل في البعض قل أو كثر، وهو المراد هنا، فلا يلزم استواء القسمين عددًا، (شطر عليهم ثياب بيض، كأنهم القراطيس:) جمع قرطاس ما يكتب فيه، وكسر القاف أشهر من ضمها، والقرطس، وزان جعفر لغة فيه، (وشطر عليهم ثياب رمدة،) أي: لونها كلون الرماد، لكن الذي في دلائل البيهقي رمد بلا هاء، قال في النهاية: أي: غير، فيها كدورة كلون الرماد، وأحدها أرمد. (قال: فدخلت البيت المعمور،) نقل في النور: أن السلطان برقوق سأل عن البيت المعمور من أي شىء هو؟، فأجابه بعض الحاضرين، بأنه من عقيق، ونقله عن بعض التفاسير، ١٨٣ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء فدخلت البيت المعمور ودخل معي الذين عليهم الثياب البيض، وحجب الآخرون الذين عليهم الثياب الرمدة، فصليت أنا ومن في البيت المعمور. وفي رواية الطبراني: فإذا هو برجل أشمط جالس عند باب الجنة على كرسي، وعنده قوم جلوس بيض الوجوه أمثال القراطيس، وقوم في ألوانهم شىء، فدخلوا نهرًا فاغتسلوا فيه فخرجوا وقد خلص من ألوانهم شىء، ثم دخلوا نهرًا آخر فاغتسلوا فيه فخرجوا وقد خلص من ألوانهم شىء، ثم دخلوا نهرًا آخر فاغتسلوا فيه فخرجوا وقد خلصت ألوانهم وصارت مثل ألوان البيض الوجوه، فقال: من هذا ومن هؤلاء الذين في ألوانهم شىء، وما هذه الأنهار التي دخلوا فيها فجاؤا وقد صفت ألوانهم؟ قال: هذا أبوك إبراهيم أول من شمط على الأرض، وأما هؤلاء البيض الوجوه فقوم لم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون، وأما (ودخل معي الذين عليهم الثياب البيض، وحجب الآخرون،) أي: منعوا من الدخول، (الذين عليهم الثياب الرمدة،) وهم على خير، كما في رواية البيهقي وغيره، أي: لأنهم لما تاب اللَّه عليهم صارت سيئاتهم مغفورة، فبقيت أعمالهم التي يجاوزون عليها كل حسنة، (فصليت أنا ومن في البيت المعمور،) إمامًا على الظاهر. (وفي رواية الطبراني: فإذا هو برجل أشمط،) أي: أبيض شعر الرأس يخالط سواده، كما في القاموس، وفي المغرب الشمط في الرجل شيب اللحية، وأطلق ابن الأثير، فقال: الشمط الشيب، (جالس عند باب الجنة على كرسي، وعنده قوم جلوس بيض الوجوه، أمثال القراطيس، وقوم في ألوانهم شيء،) أي: غبرة، كما في الحديث قبله، (فدخلوا نهرًا، فاغتسلوا فيه، فخرجوا وقد خلص) بفتحات، (من ألوانهم شىء،) أي: صفا بعض الصفاء، (ثم دخلوا نهرًا آخر، فاغتسلوا فيه، فخرجوا وقد خلص من ألوانهم شيء، ثم دخلوا نهرًا آخر) ثالثًا، (فاغتسلوا فيه،) هكذا في النسخ الصحيحة، ذكر ثلاثة أنهار موافقة للرواية، خلاف ما في نسخ سقيمة من الاقتصار على نهرين، فإنه خطأ نشأ عن سقط، ويدل عليه بقية الحديث، (فخرجوا وقد خلصت ألوانهم وصارت مثل ألوان البيض الوجوه،) فجاؤًا، فجلسوا إلى أصحابهم، كما في الرواية، (فقال:) يا جبريل (من هذا؟،) لفظ الرواية من هؤلاء البيض الوجوه؟، (ومن هؤلاء الذين في ألوانهم شيء؟، وما هذه الأنهار التي دخلوا فيها، فجاءوا وقد صفت ألوانهم، قال) جبريل: (هذا أبوك إبراهيم أول من شمط:) بكسر الميم، كفرح (على الأرض، وأما هؤلاء البيض الوجوه، فقوم لم يلبسوا،) يخلطوا (إيمانهم بظلم،) أي: شرك، كما فسره به ١٨٤ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء هؤلاء النفر الذين في ألوانهم شىء فقوم خلطوا عملاً صالحًا وآخر سيئًا، فتابوا فتاب اللَّه عليهم، وأما الأنهار، فأولها رحمة، والثاني نعمة اللَّه، والثالث وسقاهم ربهم شرابًا طهورًا. وفي رواية البخاري في الصلاة ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام الحديث. والمستوى: المصعد. النبي عَّةٍ في الصحيحين، (أولئك لهم الأمن) من العذاب (وهم مهتدون،) وتوقف بعض في تفسيره هنا بالشرك، لمقابلته بقوله: (وأما هؤلاء النفر الذين في ألوانهم شيء، فقوم خلطوا عملاً صالحًا)، وهو جهادهم، أو اعترافهم بذنوبهم، أو غير ذلك، (وآخر سيئًا)، ولا وقفة أصلاً، فالمراد بالعمل السيء ما يشمل ادعاء الشريك للَّه تعالى، وقوله: (فتابوا) منه، بمعنى أسلموا، (فتاب اللَّه عليهم،) وأما البيض الوجوه، فما خلطوه بشرك أصلاً، فلذا ميزوا عليهم، وإن سبقت لمن لم يشرك معصية وتاب منها. (وأما الأنهار فأولها رحمة اللَّه، والثاني نعمة اللَّه، والثالث، وسقاهم ربهم شرابًا طهورًا،) مبالغة في طهارته ونظافته، وظاهره أن الجملة اسم للنهر، وليس مرادًا، وإنما المراد أن الثالث هو النهر الذي يقال للذين يشربون منه سقاهم ... الخ، وعليه، فاسم النهر الشراب الطهور. (وفي رواية البخاري في الصلاة،) عن ابن عباس، وأبي حبة الأنصاري، قال النبي معَّئله: (ثم عرج) بفتحات، أو ضم الأول وكسر الثاني، (بي حتى ظهرت)، أي: ارتفعت (المستوى) بفتح الواو منون، أي: موضع مشرف يستوي عليه، أي: يصعد. قال المصنف: وفي بعض الأصول: بمستوى بموحدة بدل اللام، (أسمع فيه صريف الأقلام،) قال القرطبي: لعلها المعبر عنها بالقلم المقسم به في نون والقلم، ويكون القلم للجنس، (الحديث، والمستوى: المصعد،) وقيل: المكان المستوي، وعليهما فالباء ظرفية، وعلى رواية اللام، قال التوربشتي: اللام للعلة، أي: ارتفعت لاستعلاء مستوى، أو لرؤيته، أو لمطالعته، ويحتمل أن يكون متعلقًا بالمصدر، أي: ظهرت ظهور المستوى، ويحتمل أن تكون بمعنى إلى، قال تعالى: ﴿أوحى لها﴾، أي: إليها، والمعنى أني أقمت مقامًا، ما بلغت فيه من رفعة المحل إلى حيث اطلعت على الكوائن، وظهر لي ما يراد من أمر اللَّه وتدبيره في خلقه، وهذا هو المنتهى الذي لا تقدم فيه لأحد عليه، وقال الطيبي: لام الغرض، وإلى الغائية يلتقيان في المعنى. قال في الكشاف في قوله تعالى: ﴿كل يجري لأجل مسمى﴾ [الرعد/٢] ﴿ويجري إلى ١٨٥ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء وصريف الأقلام : - هو بفتح الصاد المهملة - تصويتها حالة الكتابة. والمراد: ما تكتبه الملائكة من أقضية اللَّه تعالى. والقدر المكتوب قديم، وإنما الكتابة حادثة، وظاهر الأخبار أن اللوح المحفوظ فرغ من كتابته، وجف القلم بما فيه قبل خلق السموات والأرض، وإنما هذه الكتابة في مصحف الملائكة كالفروع المنتسخة من الأصل، وفيها الإثبات والمحو على ما ذكر في الأثر. أجل مسمى﴾ [الرعد/١٣] الآية، أهو من تعاقب الحرفين، قلت: كلا، ولن يسلك هذه الطريقة إلا بليد الطبع، ضيق العطن، ولكن المعنيين، أعني الانتهاء والاختصاص، كل واحد منهما ملائم لصحة الغرض، لأن قوله: ﴿إلى أجل مسمى﴾، معناه يبلغه وينتهي إليه، وقوله: ﴿لأجل مسمى﴾، يريد، يجري لإدراك أجل مسمى. انتهى. فالحاصل أن اللام وإلى وإن كان معناهما، أعني الإدراك والانتهاء ملائمًا لصحة الغرض، فلیستا، متعاقبتین، فمعنى ظهرت إلى مستوى بلغته وانتهيت إليه، أي: لو روى بذلك، ومعنى لمستوى الذي الرواية به أدركت مستوى، وجعل البيضاوي اللام صالحة للعلة والغاية. (وصريف الأقلام هو (بفتح الصاد المهملة) وكسر الراء وآخره فاء، وفي النور عن بعضهم: صرير بالراء آخره عوض الفاء، وهو الأشهر في اللغة (تصويتها حالة الكتابة، والمراد،) كما قال عیاض والنووي: (ما تكتبه الملائكة من أقضية اللّه تعالى) ووحيه، وما ينسخون من اللوح المحفوظ، أو ما شاء اللَّه من ذلك أن يكتب ويرفع، لما أراده من أمره وتدبيره، وفيه حجة لأهل السنة في الإيمان بصحة كتابة الوحي والمقادير في كتب اللَّه من اللوح المحفوظ بالأقلام، التي هو يعلم كيفيتها على ما جاءت به الآيات والأحاديث الصحيحة، وأن ما جاء من ذلك على ظاهره، لكن كيفية ذلك، وصورته وجنسه لا يعلمه إلا اللَّه، ومن أطلعه على شىء منه من ملائكته ورسله، وما يتأول هذا، ويحيله إلا ضعيف النظر والإيمان، إذ جاءت به الشريعة، ودليل العقول لا يحيله، واللَّه يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، حكمة من اللَّه وإظهارًا لما يشاء من غيبه لمن يشاء من ملائكته وسائر خلقه، وإلا فهو غني عن الكتب والاستذكار. انتهى. (والقدر المكتوب قديم، وإنما الكتابة حادثة،) فلا يتوهم أن القدر الذي تكتبه الملائكة حادث، إنما الحادث والكتابة ونفس القدر لايكتب، فيؤول بما تعلق به القدر وأمضاه، والمتعلق حادث كالكتابة، (وظاهر الأخبار أن اللوح المحفوظ فرغ من كتابته وجف القلم،) كناية عن فراغ لكتابة وانتهائها، عبر به على عادة الكتاب؛ أنهم إذا فرغوا من الكتابة نظفوا أقلامهم، فيجف بإزالة أثر المداد الذي كان عليها (بما فيه قبل خلق السموات والأرض، وإنما هذه الكتابة في مصحف الملائكة، كالفروع المنتسخة من الأصل، وفيها الإثبات والمحو على ما ذكر في ١٨٦ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء وذكر ابن القيم: أن الأقلام اثنا عشر قلمًا، وأنها متفاوتة في الرتب: فأعلاها وأجلها قدرًا، قلم القدر السابق، الذي كتب اللَّه به مقادير الخلق، كما في سنن أبي داود، عن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول اللَّه عٍَّ يقول: (إن أول ما خلق اللَّه القلم، قال له: اكتب، قال: يا رب، وما أكتب؟ قال: اكتب الأثر،) وهذا ذكره ابن دحية، وتبعه ابن المنير، وزاد: أو أصل اللوح المحفوظ الذي انتسخ منه اللوح هو علم الغيب القديم في أزل القدم، وهو الذي لا محو فيه، ولا إثبات حيث لا لوح، ولا قلم، والحكمة البالغة، والله أعلم في سماعه لصريف الأقلام حصول الطمأنينة بجفاف القلم بما في القدر، حتى يتمكن التفويض للقدر لا للسبب، وحتى يتعاطى السبب تعبدًا لا تعوذًا، وبذلك يتم التوكل، ويسكن الاضطراب عند اختلاف الأسباب، قالا: والمناسبة بين هذا المعراج التاسع، والعام التاسع من الهجرة؛ أنه كان فيه غزوة تبوك، خرج عَدُ من المدينة إلى الشام في العدد الذي لم يتم قبله مثله، كان العدد ثلاثين ألفًا والشقة بعيدة، ولهذا لم يور فيها، بل أعلم الناس بوجههم، ليكون ناهيهم بحسب ذلك، ومع هذا الاجتهاد في الاستعداد لم يلق عَنَّهُ حربًا، ولا افتتح فيها بلدًا، لأن أجل فتح الشام لم يكن بعده، فانتسخ العزم بالقدر وبجفاف القلم، ورجع ◌َّه إلى المدينة وعلى المسلمين الوقار والسكينة من غير اضطراب عند انصراف العزيمة. (وذكر ابن القيم: أن الأقلام اثنا عشر قلمًا، وأنها متفاوتة في الرتب:) جمع رتبة المنزلة، (فأعلاها وأجلها قدرًا، قلم القدر السابق الذي كتب اللَّه به مقادير الخلق،) بمعنى القدر، وهو عبارة عن تعلق علم اللَّه وإرادته أزلاً بالكائنات قبل وجودها، وهو سبحانه أزلي لا يتقيد وجوده بزمان، قال الأبي، وقال النووي: قال العلماء: المراد تحديد وقت الكتابة في اللوح المحفوظ، أو غيره لا أصل التقدير، لأنه أزلي لا أول له، (كما في سنن أبي داود عن عبادة بن الصامت) الخزرجي، النقيب، البدري، من فضلاء الصحابة، (قال: سمعت رسول اللَّه يقول: إن أول ماء) أي: شيءٍ، (خلق اللَّه القلم،) بالرفع على الخبرية، والأولية نسبية، أي: بعد العرش، لأن الجمهور، وهو الأصح؛ أن العرش خلق قبل القلم. قال ابن السيد: الوجه رفع القلم، وما أعلم أحدًا رواه بالنصب، وهو خطأ، لأن القلم أول مخلوق، كما دلت عليه الأحاديث، فإن صحت رواية بنصبه، خرجت على لغة نصب أن الجزأين، لا على أنه مفعول خلق لفساده في المعنى والإعراب، انتهى. وظاهر الأحاديث أنه قلم حقيقي من نور، كحديث ابن عباس: قلمه نور، وعن مجاهد: أنه من اليراع: القصب، فإن صح، فلعل تجسمه من نور على صفة اليراع، وطوله خمسمائة عام، ١٨٧ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء مقادير كل شىء حتى تقوم الساعة)). فهذا القلم أول الأقلام وأجلها، وقد قال غير واحد من أهل التفسير: إنه القلم الذي أقسم اللَّه به. والقلم الثاني: قلم الوحي. الثالث: قلم التوقيع عن اللَّه ورسوله. والرابع: قلم طب الأبدان الذي يحفظ به صحتها. والخامس: قلم التوقيع عن الملوك ونوابهم وبه تساس الممالك. رواه أبو الشيخ عن ابن عمر، وعنده أيضًا بسند واه، وعرضه كذلك، وسنه مشقوقة، ينبع منه المداد، وفي خبر مرسل: إنه من لؤلؤ، طوله سبعمائة عام ولا معارضة، فالأقل لا ينفي الأكثر، وكونه لؤلؤًا على التشبيه لشدة بياضه، إذ هو نور، وأغرب شيخ الإسلام السراج البلقيني، فيما حكاه عنه ولده في ترجمته، فقال: القلم ملك من الملائكة، لأنه من نور، والملائكة مخلوفة من النور؛ وأنه عاقل قائم بكل ما يؤمر به. (قال له: اكتب، قال) القلم، بأن خلق اللَّه له قوة النطق والإدراك، كما خلقها في الأعضاء واحد، وغير ذلك، وتجويز غير هذا خروج عن الظاهر بلا دليل: (يا رب وما أكتب؟، قال: اكتب مقادير كل شيء،) زاد في رواية الترمذي: ما كان وما هو كائن إلى الأبد، أي: ما كان قبل القلم، لأن أوليته نسبية، فلا يرد تصريحه أنه أول مخلوق، وما هو كائن إلى انقضاء هذا العالم، كما قال إلى الأبد، وكقوله: (حتى تقوم الساعة،) وكذا ما بعدها مما يمكن تناهيه، لا نعيم الآخرة وعذابها، إذ لا نهاية له، فلا يدخل تحت الكتابة. وبقية حديث أبي داود: من مات على غير هذا فليس مني. هـ (فهذا القلم أول الأقلام وأجلها، وقد قال غير واحد من أهل التفسير أنه القلم الذي أقسم اللَّه به،) في قوله: ﴿ن والقلم﴾، إنه الذي خط في اللوح، وقيل: المراد الذي يكتب به، وأقسم له لكثرة فوائده الحاصلة بالكتابة به. (والقلم الثاني: قلم الوحي). (والثالث: قلم التوقيع)، أي: الذي يكتب به ما يقع، صادرًا (عن الله ورسوله)، والتوقيع ما يوقع في الكتاب، كما في القاموس. (والرابع: قلم طب الأبدان الذي يحفظ به صحتها). (والخامس: قلم التوقيع عن الملوك ونوابهم، وبه تساس الممالك،) أي: يدبر أمرها. ١٨٨ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء والسادس: قلم الحساب، وهو الذي تضبط به الأموال، مستخرجها ومصرفها ومقاديرها، وهو قلم الأرزاق. والسابع: قلم الحكم الذي تثبت به الحقوق وتنفذ به القضايا. والثامن: قلم الشهادة الذي تحفظ به الحقوق. والتاسع: قلم التعبير، وهو كتاب وحي المنام وتفسيره وتعبيره. والعاشر: قلم تواريخ العالم ووقائعه. والحادي عشر: قلم اللغة وتفاصيلها. والثاني عشر: القلم الجامع، وهو قلم الرد على المبطلين، ودفع شبه المحرفين. فهذه الأقلام بها انتظام مصالح العالم. قال: ويكفي في جلالة القلم أنه لم تكتب كتب اللَّه إلا به، وأنه تعالى أقسم به في كتابه. انتهى ملخصًا من كتاب ((أقسام القرءان)). وقد وقع في رواية أبي ذر عند مسلم وغيره من الزيادة أيضًا: ثم أدخلت (والسادس: قلم الحساب، وهو الذي تضبط به الأموال، مستخرجها ومصرفها ومقاديرها، وهو قلم الأرزاق). (والسابع: قلم الحكم الذي تثبت به الحقوق، وتنفذ به القضايا). (والثامن: قلم الشهادة الذي تحفظ به الحقوق). (والتاسع: قلم التعبير،) تفسير الرؤيا، (وهو كتاب وحي المنام، وتفسيره وتعبيره). (والعاشر: قلم تواريخ العالم ووقائعه). (والحادي عشر: قلم اللغة وتفاصيلها). (والثاني عشر: القلم الجامع، وهو قلم الرد على المبطلين، ودفع شبه المحرفين، فهذه الأقلام بها انتظام مصالح العالم، قال: ويكفي في جلالة القلم، أنه لم تکتب کتب اللَّه إلا به، وأنه تعالى أقسم به في كتابه) في أحد القولين، كما مر، (انتهى ملخصًا من كتاب أقسام القرآن) لابن القيم رحمه اللّه. (وقد وقع في رواية أبي ذر عند مسلم) في الإيمان (وغيره)، كالبخاري في أحاديث الأنبياء، والترمذي في التفسير، والنسائي في الصلاة، (من الزيادة أيضًا: ثم أُدخلت الجنة، فإذا ١٨٩ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك الحديث. والجنابذ : - بالجيم ثم النون المفتوحتين ثم ألف ثم موحدة ثم ذال معجمة - هي القباب. ويؤيده ما في ((التفسير)) من البخاري من طريق قتادة عن أنس: لما عرج به عَّه قال: أتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ. وأما ما في ((كتاب الصلاة)) من البخاري فإذا فيها حبائل اللؤلؤ - بالمهملة والموحدة وآخره لام - فقال القاضي عياض وغيره: هو تصحيف. فيها جنابذ اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك) حقيقة، وقول المصنف: أي: تراب الجنة كرائحة المسك، تعقب بأنه لا ضرورة إلى هذا التأويل، وقد تظاهرت الأحاديث على أن ترابها المسك. وفي حديث أبي بن كعب عند ابن مردويه، فقال: يا جبريل إنهم يسألوني عن الجنة؟، فقال: أخبرهم أنها قيعان، وأن ترابها المسك (الحديث.). (والجنابذ: بالجيم، ثم النون المفتوحتين، ثم ألف ثم موحدة، ثم ذال معجمة، هي القباب،) وفي الفتح: شبه القباب، واحدها جنبذ بالضم، وهو ما ارتفع من البناء، فارسي معرب، وأصله بلسانهم، كنبذة بوزنه، لكن الموحدة مفتوحة، والكاف ليست خالصة، وفي القاموس: الجنبذة، وقد تفتح الباء، أو هو لحن كالقبة. (ويؤيده،) أي: تفسيره بالقباب، (ما في التفسير) لسورة الكوثر، (من البخاري من طريق قتادة، عن أنس لما عرج به،) أي: بالنبي، كما هو لفظه، (عَـ . قال: أتيت على نهر، حافتاه قباب اللؤلؤ مجوف، فقلت: ما هذا يا جبريل؟، قال: هذا الكوثر، وللترمذي: حافتاه فيهما مثل القباب. (وأما ما في كتاب الصلاة من البخاري) من حديث أبي ذر: ثم أُدخلت الجنة، (فإذا فيها حبائل اللؤلؤ (بالمهملة والموحدة وآخره لام)، كذا لجميع الرواة في الصلاة. (فقال القاضي عياض وغيره) من الأئمة: (هو تصحيف،) وإنما هو جنابذ، كما عند البخاري في أحاديث الأنبياء، وكذا عند غيره من الأئمة، ووقع في نسخة معتمدة من رواية أبي ذر في الصلاة: جنابذ، على الصواب. قال الحافظ: وأظنه من إصلاح بعض الرواة، وقال صاحب المطالع: الحبائل القلادة والعقود، أو هي من حبال الرمل: أي: فيها لؤلؤ مثل حبال الرمل، جمع حبل، وهي ما استطال من الرمل، وتعقب بأن الحبائل لا تكون إلا جمع حبالة، أو حبيلة بوزن عظيمة. وقال بعض من اعتنى بالبخاري: الحبائل جمع حبالة، وحبالة جمع حبل علی غیر قیاس، والمراد أُن فیھا عقودًا أو قلائد من اللؤلؤ، انتهى. ١٩٠ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء وفي حديث الإمام أحمد من رواية حذيفة: فتحت لهما أبواب السماء، قال: فرأيت الجنة والنار. وفي حديث أبي سعيد: أنه عرضت عليه الجنة، وأن رمانها كأنه الدلاء، وإذا طيرها كأنه البخت، وأنه عرضت عليه النار، فإذا هي لو طرح فيها الحجارة والحديد لأكلتها. ووقع عند مسلم من طريق همام عن قتادة عن أنس: رفعه بينما أنا أسير في (وفي حديث الإمام أحمد) والترمذي (من رواية حذيفة: فتحت لهما،) أي: للمصطفى وجبريل (أبواب السماء، قال) عَّه: (فرأيت الجنة والنار،) وعد الآخرة أجمع. (وفي حديث أبي سعيد،) عند البيهقي، وابن جرير، وابن أبي حاتم: (أنه) عَّةٍ (عرضت علیه الجنة، وأن رمانها کأنه الدلاء:) بکسر الدال والمد جمع دلو. وفي رواية للبيهقي وغيره أيضًا: وإذا فيها رمان كأنه جلود الإبل المقتبة، أي: التي بأقتابها، (وإذا طيرها كأنه البخت:) نوع من الإبل الواحد، بختى مثل روم ورومي، ثم يجمع على البخاتي، ويخفف ويثقل، كما في المصباح. وفي رواية للبيهقي وغيره: وإذا بطيرها كالبخاتي، فقال أبو بكر: يا رسول اللَّه، إن تلك الطير لنا عمة، قال: أكلتها أنعم منها، وإني لأرجو أن تأكل منها، وفى عرضها عليه كرامة عظيمة، لأنه كان يعرضها على أمته ليشتروها، كما قال تعالى: ﴿إن اللَّه اشترى﴾، فأراد أن يعاين نبيه ما يعرضه على أمته ليكون وصفه لها عن مشاهدة، ولأنه كان يدعو إليها، فأراها له ليعلم أنها تسع الخلائق كلهم، ولا تمتلىء حتى ينشىء اللَّه لها خلقًا، كما في الحديث، وليعلم خسة الدنيا في جنبها، فيكون فيها أزهد، وعلى الشدائد اصبر، ولئلا يكون لأحد كرامة إلا وله مثلها، وكان لإدريس كرامة دخول الجنة قبل القيامة، فأراد تعالى أن يكون ذلك لصفيه ونجيه أيضًا، قاله ابن دحية ملخصًا. (وأنه عرضت عليه النار، فإذا هي لو طرح فيها الحجارة والحديد لأكلتها)، وفي مسلم عن ابن عباس، وابن مردويه عن عمر: ورأى مالكًا خازن النار، فإذا رجل عابس يعرف الغضب في وجهه، وفي حديث أبي هريرة في مسلم، والنسائي: فبدأ النبي عَّةُ بالسلام. (ووقع عند مسلم،) وكذا عند البخاري في الرقائق، والترمذي (من طريق همام) بن منبه ابن كامل الصنعاني، أخو وهب، ثقة، روى له الجميع، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة على الصحيح، (عن قتادة) بن دعامة بن قتادة السدوسي، البصري، ثقة، روى له الجميع، ويقال: ولد أکمه، مات سنة بضع عشرة ومائة. ١٩١ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء الجنة إذا أنا بنهر حافتاه قباب الدر المجوف، وإذا طينه مسك أذفر، فقال جبريل: هذا الكوثر. وفي رواية أبي عبيدة بن عبد اللَّه بن مسعود عن أبيه: أن إبراهيم عليه السلام قال للنبي عَّه يا بني، إنك لاق ربك الليلة، وإن أمتك آخر الأمم وأضعفها، فإن استطعت أن تكون حاجتك في أمتك فافعل. (عن أنس رفعه: بينما) بالميم، (أنا أسير في الجنة، إذا أنا بنهر،) وذلك ليلة المعراج، كما في رواية البخاري السابقة قريبًا عن أنس: لما عرج بالنبي ◌َّله، قال: أتيت على نهر، (حافتاه:) بحاء مهملة وخفة الفاء، جانباه، لأنه ليس مستطيلاً يجري فيه الماء حتى يكون له حافتان، بل سائل على وجه أرض الجنة، كما قال ◌َله: ((لعلكم تظنون أن أنهار الجنة أخدود في الأرض، لا واللَّه إنها لسائحة على وجه الأرض)، رواه أبو نعيم، وصححه الضياء عن أنس: والأخدود شق مستطيل في الأرض. (قباب الدر المجوف، وإذا طينه) بالنون، وشك هدية بن خالد شيخ البخاري هل هو بالنون، أو الموحدة، ولم يشك فيه أبو الوليد شيخ البخاري أيضًا، فقاله بالنون، وهو المعتمد. وفي رواية البيهقي بلفظ: ترابه (مسك أذفر:) بدال معجمة، يقال ذفر الشىء بالكسر ذفرًا بفتحتين، اشتدت رائحته، طيبة كانت أو كريهة، وأما بدال مهملة، فالريح المنتنة، (فقال جبريل: هذا الكوثر،) ولمسلم أيضًا من طريق شيبان عن قتادة، عن أنس: لما عرج بالنبي عَه، فذكر نحوه. (وفي رواية أبي عبيدة بن عبد اللَّه بن مسعود،) مشهور بكنيته، والأشهر أنه لا اسم له غيرها، ويقال: اسمه عامر، كوفي ثقة، والراجح أنه لا يصح سماعه من أبيه، مات بعد سنة ثمانين، (عن أبيه: أن إبراهيم عليه السلام قال للنبي عَّ: يا بني) تصغير تحبب، (إنك لاق ربك الليلة،) يحتمل أن يكون إبراهيم علم بذلك في حياته، ويحتمل غير ذلك، (وأن أمتك آخر الأمم، وأضعفها، فإن استطعت أن تكون حاجتك) كلها بدليل قوله فيما أسقطه من الحديث أو جلها: بضم الجيم، أي: معظمها، وكان معناه إن لم تستطع كلها (في أمتك فافعل،) ودعا له بالبر كة. وهذا الحديث ساقه الشامي في القصة قبل دخوله بيت المقدس، فقال: ومر على شجرة تحتها شیخ وعیاله، فرأی مصابیح وضوء، فقال: من هذا يا جبريل؟، قال: هذا أبوك إبراهيم، فسلم عليه، فرد عليه السلام، وقال: من هذا معك يا جبريل؟، قال: هذا ابنك أحمد، فقال: مرحبًا بالنبي العربي، الأمي، الذي بلغ رسالة ربه، ونصح لأمته، يا بني إنك لاق، فذكره، ثم قال: ١٩٢ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء في حديث أبي سعيد الخدري، عند البيهقي: ثم صعد بي إلى السماء السابعة، قال: ثم رفعت لي سدرة المنتهى، فإذا كل ورقة منها تغطي هذه الأمة، وإذا فيها عين تجري يقال لها: السلسبيل، فينشق منها نهران، أحدهما الكوثر، والآخر يقال له: الرحمة، فاغتسلت فيه فغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر، ثم دفعت إلى الجنة، فاستقبلتني جارية، فقلت لها: لمن أنت؟ قالت: لزيد بن حارثة. وفيه: فإذا رمانها كالدلاء عظمًا، ثم عرضت علي النار، فإذا فيها غضب اللَّه ثم سار حتى أتى المدينة، يعني مدينة القدس، فما أوهمه سياق المصنف أن إبراهيم وصاه بذلك لما اجتمع به في السماء السابعة ليس بمراد. (وفي حديث أبي سعيد الخدري عند البيهقي: ثم صعد) جبريل (بي إلى السماء السابعة، قال: ثم رفعت لي) بضم الراء، مبني للمفعول ونائبه، (سدرة المنتهى، فإذا كل ورقة منها تغطي،) لفظ رواية البيهقي وغيره عن أبي سعيد: تكاد تغطي، (هذه الأمة). نعم في حديث أبي هريرة عند البزار، والبيهقي وغيرهما: الورقة منها مغطية للأمة كلها. وفي لفظ الطبري: الورقة منها تظل الخلق، (وإذا فيها،) أي: في أصلها كما مر، (عين تجري يقال لها السلسبيل، فيتشق منها نهران، أحدهما الكوثر، والآخر يقال له الرحمة، فاغتسلت فيه، فغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر،) المراد تشريفه بهذا الأمر، أي: لو كان له ذنوب لغفرت، ولم يكن له ذنب البتة، قاله التقي السبكي تبعًا لابن عطية، ونحوه قول عياض عن بعضهم المغفرة هنا تنزيه من العيوب. وقال بعض المحققين: المغفرة هنا كناية عن العصمة، أي: فعصمت فيما تقدم من عمري، وفيما تأخر منه عن الذنوب، وهذا قول في غاية الحسن، وسيكون لنا إن شاء اللَّه تعالى عودة إلى بسط ذلك حيث تكلم فيه المصنف. (ثم دفعت إلى الجنة، فاستقبلتني جارية فقلت لها: لمن أنت؟، قالت: لزيد بن حارثة) الكلبي، مولى المصطفى، وحبه أبي أسامة البدري، المختص؛ بأن اللَّه تعالى لم يصرح في كتابه باسم أحد سواه من الصحابة. (وفيه،) أي: حديث أبي سعيد، (فإذا رمانها كالدلاء عظمًا) بكسر ففتح، وفي رواية؛ كأنه جلود الإبل المقتبة، ولا منافاة، لجواز أنه رأى فيها ما يشبه بكل منهما، فأخبر بكل مرة، ويحتمل غير ذلك، (ثم عرضت عليّ) بالبناء للمجهول ونائبه (النار، فإذا فيها غضب اللَّه وزجره،) عذابه (ونقمه:) جمع نقمة، (لو طرحت فيها الحجارة والحديد لأكلتها) من شدة توقدها. ١٩٣ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء وزجره ونقمه، لو طرحت فيها الحجارة والحديد لأكلتها، ثم أغلقت دوني. وفي الطبراني من حديث عائشة: لما كان ليلة أسري بي إلى السماء، أُدخلت الجنة، فوقفت على شجرة من أشجار الجنة لم أر في الجنة شجرة أحسن منها، ولا أبيض منها، ولا أطيب منها ثمرة، فتناولت ثمرة من ثمرها فأكلتها وفي حديث شداد بن أوس: فإذا جهنم تكشف عن مثل الزرابي، ووجدتها مثل الحمة السخنة، وزاد فيه: أنه رآها في وادي بيت المقدس، كذا في فتح الباري، فيحتمل أنها لما عرضت عليه، وهو في السماء رآها في وادي بيت المقدس، أي: من جهته، بأن قوى اللَّه بصره حتى رآها، وأورد الشامي الحديث في القصة قبل دخوله بيت المقدس، ثم قال: الزرابي بزاي فراء، كما رأيته بخط جماعة، منهم الذهبي في تاريخ الإسلام، والهيثمي في مجمع الزوائد، والشيخ، يعني السيوطي في تفسيره: جمع زريبة بتثليث الزاي، وهي الطنفسة بكسر الطاء والفاء وبضمهما وبكسر الطاء وضم الفاء، وهي البساط الذي له خمل رقيق، ورأيت بخط بعض المحدثين الروابي براء فواو، وأظنه تصحيفًا، وإن كان قريب المعنى، والحمة: بحاء مضمومة، الفحمة، والسخنة بضم السين المهملة وسكون الخاء المعجمة، أي: حارة، (ثم أغلقت دوني،) حتى لا يحصل له نوع ضجر. قال ابن دحية: إنما عرضت عليه النار، ليكون آمنًا يوم القيامة، فيفزع إلى الشفاعة، ولو لم يؤمن لكان مشغولاً بنفسه كغيره من الأنبياء، لأنهم لم يروا قبل يوم القيامة شيئًا منها، فإذا رأوها جزعوا، وكفت ألسنتهم عن الخطبة والشفاعة من هو لها، وقال كل منهم: نفسي نفسي، وهو عَّله قد رآها قبل، فلا يفزع منها مثل ما فزعوا، فيقدر على الخطبة، وهو المقام المحمود، ولأن الكفار لما كذبوا واستهزءوا به آذوه أشد الأذى، أراه اللَّه تعالى النار المعدة لهم تطييبًا لقلبه، وتسكينًا لفؤاده، وللإشارة إلى أن من طيب قلبه بإهانة أعدائه والانتقام منهم، فأولى أن يطيبه في أوليائه بالشفاعة والإكرام، وليعلم منة اللَّه عليه حين أنقذهم منها ببركته وشفاعته، انتهى ملخصًا. (وفي الطبراني) وابن حبان من طريق أبي واقد الحراني، قال الذهبي: وهو الآفة، والخطيب من طريق محمد بن خليل. قال ابن الجوزي: كذاب يضع، وابن غيلان من طريق أحمد بن الأحجم المروزي، وهو کذاب وابن الجوزي من طريق غلام خليل، وهو كذاب، كلهم (من حديث عائشة،) مرفوعًا: (لما كان) تامة، أي: حصل (ليلة أسرى بي إلى السماء أُدخلت الجنة، فوقفت) بالفاء، أي أطلعت (على شجرة من أشجار الجنة، لم أر في الجنة شجرة أحسن منها، ولا أبيض منها) ١٩٤ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء فصارت نطفة في صلبي، فلما أهبطت إلى الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة. وهو حديث ضعيف. وفيه التصريح بأن الإسراء كان قبل ولادة فاطمة، وهي ولدت قبل النبوة بسبع سنين وشىء، ولا ريب أن الإسراء كان بعد النبوة. وذكر أبو الحسن بن غالب، فيما تكلم فيه على أحاديث الحجب السبعين والسبعمائة والسبعين ألف حجاب وعزاها لأبي الربيع بن سبع في شفاء الصدور من حديث ابن عباس: أن رسول اللَّه عَُّلِّ قال بعد أن ذكر مبدأ حديث الإسراء، كما ورد في الأمهات: ورقّا، (ولا أطيب منها ثمرة، فتناولت) أخذت (ثمرة من ثمرها، فأكلتها، فصارت نطفة في صلبي، فلما أُهبطت إلى الأرض واقعت خديجة، فحملت بفاطمة،) فإذا اشتقت إلى رائحة الجنة شممت ريح فاطمة، هذا بقيته، (وهو حديث ضعيف،) أراد به شر الضعيف، وهو الموضوع، فقد صرح ابن الجوزي، والذهبي والحافظ؛ بأنه موضوع وإن تعددت طرقه عن عائشة، ورواه ابن الجوزي عن ابن عباس من طريق الأبرادي، وهو وضاع كذاب، والحاكم في المستدرك عن سعد بن أبي وقاص. قال الذهبي في تلخيصه: هذا كذب جلي، وهو من وضع مسلم بن عيسى الصفار، لأن فاطمة ولدت قبل النبوة فضلاً عن الإسراء، ويدل على أن المصنف أراد بالضعف الوضع قوله، (وفيه التصريح بأن الإسراء كان قبل ولادة فاطمة، وهي ولدت قبل النبوة بسبع سنين وشىء،) الذي جزم به ابن الجوزي والمدائني، وأسنده الواقدي، عن الباقري، عن العباس، أنها ولدت قبل النبوة بخمس سنين، (ولا ريب أن الإسراء كان بعد النبوة) بالإجماع، ولذا قال في اللسان: كأن واضعه خذل، وإلا ففاطمة ولدت قبل فرض الصلاة، انتهى. (وذكر أبو الحسن) علي (بن غالب، فيما،) أي: كتاب (تكلم فيه على أحاديث الحجب السبعين، والسبعمائة والسبعين ألف حجاب،) وهذه الأحوال الثلاثة نشأت من اختلاف الروايات في عدة الحجب، حيث وردت بكل منها، وجمع النعماني؛ بأن السبعين بالنسبة إلى السموات السبع والسبعمائة اعتبار عالم الكرسي وما حوى، والسبعين ألفًا باعتبار عوالم العرش وما حوى، وبسط الكلام على ذلك، (وعزاها لأبي الربيع بن سبع) بإسكان الموحدة، وقد تضم، كما في التبصير، ومقتضى المصنف أنه لم يره لابن سبع، (في شفاء الصدور،) لأنه كثير النقل عنه. (من حديث ابن عباس: أن رسول اللَّه عَ ◌ّ قال بعد أن ذكر مبدأ حديث الإسراء كما،) أي: مثل ما (ورد في الأمهات،) أي: الأصول، وهي الكتب، وظاهره أن ابن عباس رواه بلا ١٩٥ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء أتاني جبريل وكان السفير بي إلى ربي، إلى أن انتهى إلى مقام ثم وقف عند ذلك، فقلت: يا جبريل، في مثل هذا المقام يترك الخل خليله؟ فقال: إن تجاوزته احترقت بالنور، فقال النبي عَُّله: يا جبريل، هل لك من حاجة؟ فقال: يا محمد، سل اللَّه تعالى في أن أبسط جناحي على الصراط لأمتك حتى يجوزوا عليه، ثم زج بي في النور زجًّا، فخرق بي إلى سبعون ألف حجاب، ليس فيها حجاب يشبه الآخر، وانقطع عني حس كل ملك وإنس، فلحقني عند ذلك استيحاش، فعند ذلك ناداني مناد بلغة أبي بكر: قف إن ربك يصلي، فبينما أنا أتفكر في ذلك أقول: هل سبقني أبو بكر؟ فإذا النداء من العلي الأعلى، ادن يا واسطة، وليس كذلك، فالمنقول عن ابن غالب، عن ابن سبع، عن ابن عباس، قال: قال علي: سلوني قبل أن تفقدوني، سلوني عن علم لا يعلمه جبريل، ولا ميكئيل، أعلمني رسول اللَّه مما علمه ليلة الإسراء، قال: علمني ربي علومًا شتى، فأعلمني ◌َّ، قال: كنت نورًا في جسد إبراهيم، وذرة في ظهره، فلما عارضه جبريل، وهو في المنجنيق، فقال له: يا خليل الرحمن هل لك من حاجة؟، قال: أما إليك فلا، فعاد إليه ثانية ومعه ميكئيل، فقال: لا إليك ولا إلى ميكئيل، فعاد إليه الثالثة، فقال: هل لك من حاجة إلى ربك؟، قال: يا أخي، يا جبريل، من شأن الخليل أن لا يعارض خليله، قال النبي عَّةٍ: فأنطقني اللَّه أن قلت إن بعثني اللَّه نبيًا واصطفاني بالرسالة، لأجازيت أخي جبريل على فعله بأبي إبراهيم، فلما كان ليلة الإسراء بعد أن بعثني الله، (أتاني جبريل، وكان السفير،) أي: المسافر بمعنى الذاهب (بي إلى ربي، إلى أن انتهى إلى مقام، ثم وقف عند ذلك، فقلت: يا جبريل في مثل هذا المقام،) وهو سدرة المنتهى، (يترك الخل خليله؟ فقال: إن تجاوزته احترقت بالنور، فقال النبي ◌َّةُ: يا جبريل هل لك من حاجة) إلى ربك؟ (فقال: يا محمد سل الله تعالى في أن أبسط جناحي)، مفرد مضاف إلى ياء المتكلم، (على الصراط لأمتك حتى يجوزوا عليه،) إذ لو كان مثنى لقال عليهما، (ثم زج) بزاي نجيم ثقيلة، (بي في النور زجًا، فخرق بي) بالبناء للمفعول، (سبعون ألف حجاب، ليس فيها حجاب يشبه الآخر، وانقطع عني حس كل ملك وإنسي، فلحقني عند ذلك استيحاش،) أي: حالة تشبه حالة المستوحش في الانفراد، والبعد عن الخلق، وتطلق الوحشة على الخلوة، (فعند ذلك ناداني مناد بلغة أبي بكر: قف إن ربك يصلي، فبينما أنا أتفكر في ذلك، أقول: هل سبقني أبو بكر، فإذا النداء من العلي الأعلى،) سبحانه وتعالى، وتأويله؛ بأن النداء من الملك بأمر العلي يأباه المقام، كما لا يخفى، بل العلي تعالى خاطبه بلا واسطة، بقوله: (ادن يا خير البرية،) أي: الخلق، وأصله بالهمزة، قلبت ياء لوقوعها بعد ياء زائدة، وأدغمت الزائدة في المبدلة ١٩٦ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء خير البرية، ادن يا أحمد، ادن يا محمد، ليدن الحبيب، فأدناني ربي حتى كنت كما قال تعالى: ﴿ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى﴾ [النجم/٩] قال: وسألني ربي فلم أستطع أن أجيبه، فوضع يده بين كتفي - بلا تكييف ولا تحديد۔ فوجدت بردها بين ثديي، فأورثني علم الأولين والآخرين، وعلمني علومًا شتى، فعلم أخذ علي كتمانه إذ علم أنه لا يقدر على حمله أحد غيري، وعلم خيرني فيه، وعلمني القرءان فكان جبريل يذكرني به، وعلم أمرني بتبليغه إلى العام والخاص من أمتي. قال ولقد عاجلت جبريل في آية نزل علي بها، فعاتبني ربي وأنزل علي ﴿ولا تعجل بالقرءان من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل ربي زدني علمًا﴾ [طه/١١٤]، ثم قلت: اللَّهم إنه لما لحقني استيحاش قبل قدومي عليك عن الهمزة، (ادن يا أحمد، ادن يا محمد، ليدن الحبيب،) مجزوم بلام الأمر مساو لأدن، فجمع بین الأمر بالصيغة وباللام، (فأدناني ربي حتى كنت كما قال تعالى: (﴿ثم دنا:) قرب (فتدلى:) زاد في القرب، (فكان:) منه (قاب:) قرب: (قوسين أو أدنى))) من ذلك، (قال: وسألني ربي،» لم يبين ما سأله عنه، (فلم أستطع أن أجيبه، فوضع يده بين كتفي بلا تكييف ولا تحديد،) لاستحالتهما عليه، (فوجدت بردها بين ثديي، فأورثني علم الأولين والآخرين، وعلمني علومًا شتى، فعلم أخذ علي كتمانه،) بكسر الكاف، أي: أمرني بإخفائه، (إذا علم،) أي: لعلمه (أنه لا يقدر على حمله أحد غيري، وعلم خيرني فيه،) أي: في إخفائه وإظهاره. قال في الحديث: فكنت أسر إلى أبي بكر، وإلى عمر، وإلى عثمن، وإليك يا أبا الحسن، يعني عليًا، لأنه راويه، (وعلمني القرآن، فكان جبريل يذكرني به:) بضم الياء وسكون الذال وكسر الكاف مخففة، وبضم الياء وفتح الذال وكسر الكاف مشددة، وكأنه نزل معارضته بالقرآن حين كان يدارسه منزلة من يغفل عن الشىء فيذكر به، أو كان يحصل له سهو عن بعض الكلمات، فيذكره به، (وعلم أمرني بتبليغه إلى العام والخاص من أمتي،) وهو قوله: ﴿یا أيها الرسول، بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾، كذا في الرواية قبل قوله، (قال: ولقد عاجلت جبريل في آية نزل عليّ بها،) لم يبينها، ولم نر من بينها، (فعاتبني ربي وأنزل عليّ ﴿ولا تعجل بالقرآن﴾،) أي: بقراءته ((من قبل أن يقضى إليك وحيه﴾،) أي: يفرغ جبريل من إبلاغه، (﴿وقل ربي زدني علمًا﴾) الآية، بالقرآن، فكلما نزل عليه شىء منه زاد به علمه، (ثم) ألهمني ربي أن (قلت،) كما في الرواية: (اللهم إنه لما لحقني استيحاش قبل قدومي عليك، ١٩٧ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء سمعت مناديًا ينادي بلغة تشبه لغة أبي بكر فقال لي: قف إن ربك يصلي، فعجبت من هاتين، هل سبقني أبو بكر إلى هذا المقام؟ وإن ربي لغني عن أن يصلي، قال فناداني: أنا الغني عن أن أصلي لأحد، وإنما أقول: سبحاني سبحاني، سبقت رحمتي غضبي، اقرأ يا محمد: ﴿هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيمًا﴾ [الأحزاب/٤٣] فصلاتي رحمة لك ولأمتك، وأما أمر صاحبك يا محمد، فإن أخاك موسى كان أنسه بالعصا، فلما أردنا كلامه قلنا: ﴿وما تلك بيمينك يا موسى، قال هي عصاي﴾ [طه/١٨]، وشغل بذكر العصا عن عظيم الهيبة، وكذلك أنت يا محمد، لما كان أنسك بصاحبك أبي بكر وأنك خلقت أنت وهو من طينة واحدة، وهو أنيسك في الدنيا والآخرة، خلقنا ملكًا على صورته يناديك بلغته ليزول عنك سمعت مناديًا ينادي بلغة تشبه لغة أبي بكر، فقال لي: قف، إن ربك يصلي، فعجبت من هاتين،) وبينهما بقوله (هل سبقني أبو بكر إلى هذا المقام؟، وإن ربي لغني عن أن يصلي، قال: فناداني: أنا الغني عن أن أصلي لأحد:) أتكمل به، أو لغرض يحمل على صلاتي، وإنما أصلي على غير رحمة، وتفضلاً مني من غير إجبار، ولا ألجاء على ذلك، فإني أنا الغني المطلق، لا إله غيري، (وإنما أقول سبحاني سبحاني:) تنزيهًا إليّ عما لا يليق، (سبقت رحمتي غضبي، اقرأ يا محمد، ﴿هو الذي يصلي عليكم﴾،) أي: يرحمكم، (﴿وملائكته﴾،) أي: يستغفرون لكم، (﴿ليخرجكم﴾) ليديم إخراجه إياكم (﴿من الظلمات﴾) أي: الكفر (﴿إلى النور﴾) أي: الإيمان، (﴿وكان بالمؤمنين رحيمًا﴾) ومن رحمته صلاته عليهم، كما قال: (فصلاتي رحمة لك ولأمتك). وروى ابن المنذر وغيره: لما نزلت: ﴿إن الله وملائكته﴾ [الأحزاب/٥٦]، قال الصديق: يا رسول اللَّه ما خصك اللَّه بشرف إلا وأشركنا فيه، فنزلت: ﴿هو الذي يصلي عليكم﴾ [الأحزاب/٤٣]. (وأما أمر صاحبك يا محمد،) وهو سماعك صوتًا يشبه صوته، فسببه تأنيسك بسماع شبهه، ليزول عنك عظيم الهيبة، فتقوى على قبول ما يلقى إليك، كما أشار إليه بقوله: (فإن أخاك موسى كان أنسه بالعصا، فلما أردنا كلامه، قلنا: ﴿وما تلك﴾) كائنة (﴿بيمينك يا موسى﴾) الاستفهام للتقرير، ليرتب عليه المعجزة فيها، (﴿قال هي عصاي﴾ [طه/١٧]، وشغل بذكر العصا عن عظيم الهيبة، وكذلك أنت يا محمد لما كان أنسك) التام (بصاحبك ١٩٨ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء الاستيحاش، لئلا يلحقك من عظيم الهيبة ما يقطعك عن فهم ما يراد منك. ثم قال اللَّه تعالى: وأين حاجة جبريل؟ فقلت: اللَّهم إنك أعلم، فقال: يا محمد، قد أجبته فيما سأل، ولكن في من أحبك وصحبك. وفي رواية: فتقدمت وجبريل على أثري، حتى انتهى بي إلى حجاب فراش الذهب فحرك الحجاب، فقيل من هذا؟ قال: أنا جبريل ومعي محمد عَّله فقال الملك: اللَّه أكبر، فأخرج يده من تحت الحجاب فاحتملني فوضعني بين يديه في أسرع من طرفة عين، وغلظ الحجاب مسيرة خمسمائة عام، فقال لي: تقدم يا محمد، فمضيت فانطلق بي الملك في أسرع من طرفة عين إلى حجاب اللؤلؤ، فحرك الحجاب، فقال الملك من وراء الحجاب: من هذا؟ فقال أنا فلان صاحب أبي بكر، وأنك خلقت) (بكسر الهمزة) جملة حالية، (أنت وهو من طينة واحدة، وهو أنيسك في الدنيا،) كما وقع ليلة الغار (والآخرة، خلقنا ملكًا على صورته، يناديك بلغته ليزول عنك الاستيحاش لئلا يلحقك من عظيم الهيبة ما يقطعك عن فهم،) مصدر مضاف للمفعول، أي: عن فهمك (ما يراد منك) فهمه، (ثم) أنساني ربي حاجة أخي جبريل، وأراد أن يمن عليّ بأن أذكرنيها، فـ(قال اللَّه تعالى: وأين حاجة جبريل؟،) هكذا في الرواية: أنساني ... الخ، فكأنه أنساها له بشغله بعظيم الهيبة والجلال، أو تلذذه بسماع الخطاب، فمن عليه بإذكاره، (فقلت: اللهم إنك أعلم، فقال: يا محمد قد أجبته فيما سأل، ولكن في) طائفة من أمتك، فقلت: اللهم فمن تلك الطائفة؟، قال: (من أحبك وصحبك،) فأجابه بإذنه في بسط جناحه لخواص أمته الأتقياء دون من دنس إيمانه بتقصير في طاعة، وبالعصيان كمن أبغض بعص صحبه. (وفي رواية) من حديث ابن عباس: أن رسول اللَّه عَ لَّه بعد أن ذكر حديث الإسراء، كما في الأمهات، قال: (فتقدمت وجبريل على أثري،) فيه العطف على الضمير المتصل بلا فاصل، وهو ضعيف، ومع ضعفه هو جائز في السعة، كما قال ابن لملك، (حتى انتهى بي إلى حجاب فراش الذهب، فحرك الحجاب، فقيل: من هذا؟، قال: أنا جبريل ومعي محمد عَّله، فقال الملك: اللَّه أكبر،) تعظيمًا لما رأى، وفرحًا بقدوم المصطفى، (فأخرج يده من تحت الحجاب، فاحتملني، فوضعني بين يديه في أسرع من طرفة عين، وغلظ الحجاب مسيرة خمسمائة عام، فقال لي: تقدم يا محمد،) أسقط منه: فقلت إنك أنت تقدم، قال: يا محمد تقدم، فأنت أكرم على الله مني، (فمضيت، فانطلق بي الملك في أسرع من طرفة عين إلى حجاب اللؤلؤ، فحرك الحجاب، فقال الملك من وراء الحجاب: من هذا؟، قال: أنا فلان،) لم يسم (صاحب حجاب الذهب،) ولا شك أن سيره معه بإذن اللَّه تأنيسًا له عليه السلام، ١٩٩ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء حجاب الذهب، وهذا محمد عَّهُ رسول رب العزة معي، فقال الملك: اللَّه أكبر، فأخرج يده من تحت الحجاب فاحتملني حتی وضعني بین یدیه، فلم أزل كذلك من حجاب إلى حجاب، حتى جاوزت سبعين حجابًا، غلظ كل حجاب مسيرة خمسمائة عام، فقال لي: تقدم يا محمد، فمضيت فانطلق بي الملك، ثم دلي لي رفرف أخضر تغلب خضرته ضوء الشمس، فالتمع بصري، ووضعت على ذلك الرفرف، ثم احتملت حتى وصلت إلى العرش، فأبصرت أمرًا عظيمًا لا تناله الألسن، ثم دلي لي قطرة من العرش، فوضعت على لساني، فما ذاق الذائقون شيئًا قط أحلى منها، فأنبأني اللَّه بها نبأ الأولين والآخرين، ونور قلبي، وغشي نور عرشه بصري فلم أر شيئًا فجعلت أرى بقلبي ولا أرى بعيني، ورأيت من خلفي ومن بين كتفي، كما رأيت أمامي، الحديث. (وهذا محمد عة رسول رب العزة معي، فقال الملك: الله أکبر، فأخرج يده من تحت الحجاب، فاحتملني حتى وضعني بين يديه،) ووجود الملائكة عند الحجب معلول بما تفيده الأحاديث أن سدرة المنتهى لم يجاوزها أحد إلا المصطفى، وبه جزم النووي، كما مر، وتأويله باحتمال أن المراد لم يجاوزها أحد من ملائكة السموات ونحوها، إنما ينهض لو كان لهذا الحديث نوع تماسك، ويأتي أنه كذب، (فلم أزل كذلك من حجاب إلى حجاب حتى جاوزت سبعين حجابًا غلظ كل حجاب مسيرة خمسمائة عام، فقال لي: تقدم يا محمد، فمضيت، فانطلق بي الملك، ثم دلى لي رفرف أخضر، تغلب خضرته ضوء الشمس، فالتمع،) أي: أضاء (بصري،) فقوي إدراكه حتى تمكن من مشاهدة ما في تلك الحضرات من الأمور التي يقصر العقل عن وصفها وبيان حقيقتها، (ووضعت على ذلك الرفوف، ثم احتملت حتى وصلت إلى العرش،) أسقط قوله: فلما رأيت العرش اتضع كل شىء عند العرش، ثم إن اللَّه تعالى بحوله وقوته وتمام نعمته عليّ قربني عند العرش، (فأبصرت أمرًا عظيمًا لا تناله الألسن،) حذف منه، فسألت إلهي أن يمن عليّ بالثبات حتى أستتم نعمته، فمنّ اللَّه عليّ وقواني لذلك، (ثم دلى لي قطرة من العرش، فوضعت على لساني، فما ذاق الذائقون شيئًا قط أحلى منها، فأنبأني اللّه بها نبأ الأولين والآخرين، ونور قلبي، وغشي نور عرشه بصري، فلم أر شيئًا، فجعلت أرى بقلبي، ولا أرى بعيني). قال النعماني: أي: فقط، بل رأيت بالباطن والظاهر، وقد أرشد إلى ذلك بقوله: (ورأيت من خلفي ومن بين كتفي، كما رأيت أمامي،) وإلا فما المقتضى لكونه سلب رؤية بصره، ورأى بغيره من ظاهر جسده، وبهذا لا يشكل مع ما تقرر من الرؤية، انتهى (الحديث). ٢٠٠ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء رواه والذي قبله في كتاب ((شفاء الصدور)) كما ذكره ابن غالب والعهدة في ذلك عليه. وتكثير الحجب لم يرد في طريق صحيح، ولم يصح في ذلك غير ما في مسلم: حجابه النور. والرفرف: البساط، وقيل إنه في الأصل ما كان من الديباج وغيره رقيقًا حسن الصنعة ثم اتسع فيه. واعلم أن ما ذكر في هذا المحلِ الرفيع من الحجب فهو في حق المخلوق، لا في حق الخالق عز وجل، واللَّه سبحانه وتعالى منزه عما يحجبه، إذ ذكر النعماني تمامه: في أزيد من ورقتين، ناسبًا له لمن عزاه له المصنف بقوله، (رواه والذي قبله) ابن سبع (في كتاب شفاء الصدور، كما ذكره ابن غالب،) هذا يشعر بعدم رؤيته في ابن سبع، (والعهدة في ذلك عليه). قال الشامي بعد نقل كلام المصنف هذا: وهو كذب بلا شك، انتهى، والعجب من النعماني حيث أورد الروايتين بطولهما ساكتًا عليهما قائلاً: ولا يستبعد وقوع هذا كله في بعض لیلة. (وتكثير الحجب لم يرد في طريق صحيح، ولم يصح في ذلك غير ما في مسلم) في الإيمان عن أبي موسى، قال: قام فينا رسول اللَّه عَ لَّه بخمس كلمات، فقال: ((إن اللَّه تعالى لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، (حجابه النور،) لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه، أي: أنه محتجب بنور عزته وأشعة عظمته، وذلك الحجاب هو الذي تدهش دونه العقول وتذهب الأبصار، وتتحیر البصائر، فحجابه خلاف الحجب المعهودة، فکیف یشاهد، فهو استئناف في جواب سؤال مقدر هو، لم لا نشاهد اللَّه))، أشار إليه الطيبي. (والرفرف البساط،) أي: هو المراد هنا، (وقيل: إنه في الأصل ما كان من الديباج وغيره، رقيقًا، حسن الصنعة، ثم اتسع فيه،) فأطلق على البساط وعلى كل ثوب عريض، وعلى ذيل الخيمة، وعلى الوسائد والنمارق، وبها فسر متكئين على رفرف خضر، وفي نسخ رقيق، مبتدأ خبره من الديباج مقدم عليه، واسم كان ضمير الشأن، والجملة خبر كان. (واعلم أن ما ذكر في هذا المحل الرفيع من الحجب) على تقدير صحتها، وكذا حجابه النور، (فهو في حق المخلوق،) زاد الفاء في خبر الموصول لتضمنه معنى الشرط وهو