النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
ولا يعارض قوله في حديث ابن مسعود هذا، أنها في السادسة، ما دل عليه
بقية الأخبار أنه وصل إليها فى السماء السابعة، لأنه يحمل على أن أصلها في
السماء السادسة وأغصانها وفروعها في السابعة، وليس في السادسة منها إلا أصل
ساقها، قاله في فتح الباري.
وجاء في حديث أبي ذر عند البخاري في الصلاة: فغشيها ألوان لا أدري ما
هي.
إلا اللَّه
قال الحافظ: وهذا لا يغاير حديث ابن مسعود، لكنه ثابت في الصحيح، فهو أولى
بالاعتماد، وأورده النووي بصيغة التمريض، فقال: وحكي عن ابن مسعود .. الخ، فأشعر بضعفه
عنده، ولا سيما، ولم یصرح بأنه رفعه، وهو صحيح مرفوع، انتهى.
وأطنب القرطبي، فعد تسعة أقوال لم سميت بذلك، فذكر ما في مسلم، وقال: أو لأن
علم الأنبياء ينتهي إليها، ويعزب عما وراءها، قاله ابن عباس، والأعمال تنتهي إليها وتقبض منها؛
أو لانتهاء الملائكة والأنبياء إليها، ووقوفهم عندها؛ أو لأن أرواح الشهداء تنتهي إليها، قاله الربيع
ابن أنس؛ أو تأوي إليها أرواح المؤمنين، قاله قتادة؛ أو لأنه ينتهي إليها كل من كان على سنة
رسول اللَّه عَّه ومنهاجه، قاله علي بن أبي طالب، والربيع بن أنس أيضًا؛ أو لأن علم الخلائق
ينتهي إليها؛ أو لأن من رفع إليها فقد انتهى به إلى الكرامة. انتهى.
والظاهر أن هذه الأقوال كلها يمكن دخولها في لفظ من أوتي جوامع الكلم، إذ ما يعرج
من الأرض شامل للأعمال، وأرواح الشهداء، والمؤمنين ومن كان على سنته، ومن رفع إليها،
فهذه الخمسة ظاهر شمول ما يعرج من الأرض لها، وباقيها يشمله بضرب من المجاز.
(ولا يعارض قوله في حديث ابن مسعود هذا؛ أنها في السادسة، ما دل عليه بقية
الأخبار،) كحديث أنس، وهو قول الأكثر، (أنه وصل إليها في السماء السابعة،) كما زعمه
في المفهم، فقال: وهذا تعارض لا شك فيه، ويترجح حديث أنس؛ بأنه مرفوع، وحديث ابن
مسعود موقوف. (لأنه يحمل على أن أصلها في السماء السادسة، وأغصانها وفروعها في
السابعة، وليس في السادسة منها إلا أصل ساقها، قاله في فتح الباري») ودعوى القرطبي أن
حديث ابن مسعود موقوف لا تصح، لأنه صرح برفعه ..
(وجاء في حديث أبي ذر عند البخاري في) أول (الصلاة، فغشيها:) علاها ولابسها
(ألوان) أنواع، وإطلاقها عليها حقيقي، كما في القاموس، (لا أدري ما هي،) قال الكرماني: «.
كقوله تعالى: ﴿إذا يغشى السدرة ما يغشى﴾، في أن الإبهام للتفخيم والتهويل، وإن كان معلومًا

١٦٢
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
وفي حديث ابن مسعود، المذكور عند مسلم، قال اللَّه تعالى: ﴿إِذ يغشى
السدرة ما يغشى﴾، قال: فراش من ذهب.
وفي رواية يزيد بن أبي لملك عن أنس جراد من ذهب.
قال البيضاوي: وذكر الفراش وقع على سبيل التمثيل، لأن من شأن الشجر
أن يسقط عليها الجراد وشبهه، وجعلها من الذهب حقيقة، والقدرة صالحة لذلك.
وفي حديث أبي سعيد وابن عباس فغشيها الملائكة.
وفي حديث أبي سعيد على كل ورقة منها ملك.
انتهى. وفيه أنه لا إبهام هنا، وإنما هو إخبار بنفي درايته، ولذا قال شيخنا الحافظ البابلي: الأولى
حمل النفي على حقيقته، لأنه عٍَّ من شدة الخشية لم يقدر على النظر إلى جميع ألوانها، وقد
قال تعالى: ﴿ما زاغ البصر وما طفى﴾ [النجم/١٧].
(وفي) بقية (حديث ابن مسعود، المذكور عند مسلم، قال اللَّه تعالى: ﴿إِذ يغشى
السدرة ما يغشى﴾ [النجم/١٦]، قال/فراش:) بالفتح، جمع فراشة الطير، الذي يلقي نفسه في
ضوء السراج (من ذهب،) ففسر المبهم في ما يغشى بذلك.
(وفي رواية يزيد بن أبي ملك، عن أنس) تفسير المبهم، بقوله: (جراد من ذهب).
(قال البيضاوي) في شرح المصابيح، (وذكر الفراش وقع على سبيل التمثيل،) أي:
أنه يسقط عليها أشياء تشبه الفراش، وخصه بالذكر، لأنه يتهافت في السراج، فشبه ما ينزل عليها
به في سرعة سقوطه، (لأن من شأن الشجر أن يسقط عليها الجراد، وشبهه) كالفراش،
وجعلها من ذهب لصفاء لونها، وإضاءتها في نفسها، انتهى كلام البيضاوي.
قال الحافظ: (و) يجوز (جعلها من الذهب حقيقة)) ويخلق فيه الطيران، (والقدرة
صالحة لذلك،) فما أوهمه المصنف؛ أن جعلها حقيقة من كلام البيضاوي، وهم نشأ عن
سقط، أو انتقال نظر حين نقل من فتح الباري، ويحتمل أن يكون قوله: وجعلها من الذهب من
المصنف اختيارًا لما جوزه الحافظ، مبتدأ حذف خبره أولى، أي: للعلم به من قوله: والقدرة
صالحة، فيكون عطف علة على معلول.
(وفي حديث أبي سعيد) عند البيهقي، (وابن عباس: فغشيها الملائكة، (وفي حديث
أبي سعيد) عند البيهقي، (على كل ورقة منها ملك،) قال بعضهم: كأنهم طيور يرتقون إليها،
متشوقين متبر كين بها زائرين، كما يزور الناس الكعبة، وفي حديث أبي هريرة عند البزار
والبيهقي: فغشيها أنوار الخلاق، وغشيها من الملائكة أمثال الغربان حين يقعن على الشجر.

١٦٣
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
وفي رواية ثابت عن أنس عند مسلم فلما غشيها من أمر اللَّه ما غشي
تغيرت، فما أحد من خلق اللَّه يستطيع أن ينعتها.
وفي رواية حميد عن أنس عند ابن مردويه، نحوه، لكن قال: تحولت
یاقوتًا، ونحو ذلك.
قال ابن دحية: واختيرت السدرة دون غيرها لأن فيها ثلاثة أوصاف: ظل
مديد وطعم لذيذ، ورائحة ذكية، فكانت بمنزلة الإيمان الذي يجمع القول والعمل
والنية، فالظل بمنزلة العمل، والطعم بمنزلة النية، والرائحة بمنزلة القول.
وقال العارف ابن أبي جمرة: وهل الشجرة مغروسة في شىء أم لا، يحتمل
(وفي رواية ثابت، عن أنس عند مسلم: فلما غشيها من أمر الله ما غشي، تغيرت)،
عن حالها الأول، فزادت حسنًا، لأن الذي غشيها أنوار الخلاق، لأن النبي عَّه لما وصل إليها
تجلى ربه لها، كما تجلى للجبل، فظهرت الأنوار، لكن كانت أقوى من الجبل وأثبت، فجعل
الجبل دكًا، ولم تتحرك الشجرة، وخر موسى صعقًا، ولم يتزلزل محمد عَّ له عليهما، (فما أحد
من خلق اللَّه يستطيع أن ينعتها،) يصفها ببيان ما هي عليه من حسنها، وقدم المصنف هذه
الرواية قريبًا، وكأنه أعادها لقوله.
(وفي رواية حميد، عن أنس، عند ابن مردويه نحوه، لكن قال: تحولت ياقوتًا، ونحو
ذلك).
وفي رواية ابن عائذ: تحولت ياقومًا وزبرجدًا، قال الشامي: ولا منافاة بين هذه
الروايات، لأن كلا منها يغشاها، وقيل: أبهمه تعظيمًا، كأنه قيل: إذا يغشى السدرة ما اللَّه
أعلم به من دلائل ملكوته وعجائب قدرته.
(قال ابن دحية: واختيرت السدرة دون غيرها، لأن فيها ثلاثة أوصاف:) جمع وصف،
وهو ذكر ما في الموصوف من آثار تقوم به، والمراد هنا الصفات التي هي نفس الآثار، (ظل
مديد، وطعم لذيذ) لثمرها، (ورائحة ذكية، فكانت بمنزلة الإيمان الذي يجمع القول والعمل
والنية، فالظل بمنزلة العمل) لتجاوزه، (والطعم بمنزلة النية) لكمونه، أي: استتاره، (والرائحة
بمنزلة القول) لظهوره، وكذا قاله الماوردي معللاً بما ذكرته.
(وقال العارف ابن أبي جمرة: وهل الشجرة مغروسة في شيء، أم لا؟، يحتمل

١٦٤
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
الوجهين معًا، لأن القدرة صالحة لكليهما. فكما جعل اللَّه تعالى في هذه الدار
الأرض مقرًا للشجر، كذلك يجعل الهواء لتلك مقرًّا، وكما رجع عَّه يمشي في
الهواء، ولأن بالقدرة استقرت الأرض مع أنها على الماء، فلا مانع من أن تكون
الشجرة في الهواء، ويحتمل أن تكون مغروسة بأرض، وأن تكون من تراب الجنة،
واللَّه قادر على ما يشاء.
الوجهين معًا، لأن القدرة صالحة لكليهما، فكما جعل اللَّه تعالى في هذه الدار الأرض مقرًّا
للشجر، كذلك يجعل الهواء لتلك مقرًّا،) وجاء عن كعب الأحبار ما قد يعين هذا الاحتمال،
حيث قال: هي في أصل العرش على رؤوس حملة العرش، وإليها ينتهي علم الخلائق، وما خلفها
غيب لا يعلمه إلا الله.
(وكما رجع عَُّ يمشي في الهواء، ولأن بالقدرة استقرت الأرض مع أنها على الماء،
فلا مانع من أن تكون الشجرة في الهواء،) لأن قدرة اللَّه لا يعجزها شيء، (ويحتمل أن تكون
مغروسة بأرض، وأن تكون) تلك الأرض (من تراب الجنة، واللَّه قادر على ما يشاء،) وقد
استظهر ابن أبي جمرة نفسه هذا الاحتمال، لقوله: ونهران باطنان، ولا يطلق هذا اللفظ وما أشبهه
إلا على ما يفهم، والباطن لا بد أن يكون سريانه تحت شيء، وحينئذ يطلق عليه اسم الباطن.
انتهى، لكنه ميني على الشاهد، ولا يتم قياس الغائب عليه لعدم الجامع، وقد جاء عن كعب ما
قد یعین الأول، كما علم.
قال ابن المنير: وجه مناسبة المعراج الثامن إلى سدرة المنتهى، لما اشتملت عليه السنة
الثامنة من الهجرة، أنها اشتملت على فتح مكة، ومكة هي أم القرى، وإليها المنتهى، وإليها
المبتدأ على ما ورد، أن الأرض كلها دحيت من مكة، فلذا سميت أم القرى، أو لأن أهل القرى
يرجعون إليها في الدين والدنيا، حتجا واعتمارًا، وجوارًا، وكسبًا وإنجارًا.
قال الله تعالى: ﴿جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس﴾ [المائدة/٩٧]، أي: يقوم
بأبدانهم وأديانهم، وقال تعالى: ﴿ليشهدوا منافع لهم﴾ [الحج/٢٨]، قيل: هي الأجر والتجارات
في الموسم، فبين أم القرى وسدرة المنتهى من المناسبة ما لا يخفى، إذ سدرة المنتهى ينتهي
إليها علم الخلائق، ومكة ينتهي إليها أهل الآفاق، شرقًا وغربًا، وفيها يكون الاجتماع، فكان
بلوغه إلى سدرة المنتهى تنبيهًا على بلوغه إلى فتح مكة أم القرى في العام الثامن، وقد غشيها
الجراد، أو الفراش الذي هو جند من جند اللّه، جاء اللفظان معًا في الحديث، كما غشي مكة
في الفتح جند اللَّه وحزبه، وغشيها أيضًا أجناس من الخلق، وألوان من الأسود والأحمر، كما
غشي سدرة المنتهى ألوان لا يعلمها إلا اللَّه، ولما غشيت الألوان السدرة، حسنت إلى أن لا

١٦٥
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
وأما قوله عَّه في الحديث: ثم أتيت بإناء من خمر، وإنا من لبن، وإناء من
عسل، فأخذت اللبن، فشربت منه فقال جبريل: هي الفطرة التي أنت عليها.
فيدل على أنه عرض عليه الآنية مرتين، مرة ببيت المقدس، ومرة عند
وصوله سدرة المنتهى ورؤية الأنهار الأربعة.
وأما الاختلاف في عدد الآنية وما فيها، فيحمل على أن بعض الرواة ذكر
ما لم يذكره الآخر، ومجموعها أربعة أوانٍ، فيها أربعة أشياء من الأنهار الأربعة التي
يحسن أحد أن ينعتها لفرط الحسن، كما أن ألوان الخلق لما غشيت مكة يوم الفتح حسنت
حينئذ بالإيمان وبأهل القرآن حتى لا يحسن أحدًا أن يصف حالها حينئذ من عظم الشأن، ثم كان
ظهور الأنهار الأربعة حينئذ دليلاً على أن ملك الأمة سيبلغها، ويحققه أيضًا قوله عَ له: ((زويت لي
الأرض مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها))، دل على أنه عليه الصلاة والسلام
يكشف له رأى العين علامات تدل على ما سيكون في المستقبل، ولم يكن ذلك منامًا يعبر عنه،
ولكنه علم يظهر، ويتفرس فيه بنور النبوة ما سيقع حتى تكون الصور في حقه عليه السلام دالة
دلالة الألفاظ على المعاني، كذلك هذه الإشارات الواقعة في حديث الإسراء انتهى.
(وأما قوله تعٍَّ في الحديث) السابق من رواية لملك بن صعصعة: (ثم أتيت بإناء من
خمر، وإناء من لبن، وإناء من عسل، فأخذت اللبن، فشربت منه، فقال جبريل: هي الفطرة)
علامة الإسلام (التي أنت عليها) وأمتك، (فيدل) مع رعاية ما مر من أحاديث عرضها عليه
ببيت المقدس، (على أنه عرض عليه الآنية مرتين،) وإلا فهو لا يدل بذاته إلا على مرة واحدة
عند السدرة، (مرة ببيت المقدس،) وسببه ما وقع له من العطش، (ومرة عند وصوله إلى سدرة
المنتهى، ورؤية الأنهار الأربعة) السابقة في قوله: وإذا أربعة أنهار، نهران باطنان، ونهران ظاهران،
وتقدم أن جمعًا من الحفاظ جمعوا بينهما بالتعدد أعمالاً للأحاديث لصحة جميعها، وأن الحافظ
زاد احتمال أن (ثم)» هنا على غير بابها من الترتيب، وإنما هي بمعنى الواو.
(وأما الاختلاف في عدد الآلية:) جمع إناء، كوعاء وزنا ومعنى، ففي هذا الحديث قال:
إنها ثلاثة.
وفي مسلم، عن أنس والصحيحين، عن أبي هريرة: إناءين، إناء من خمر وإناء من لبن،
وللبزار، عن أبي هريرة والبيهقي، عن أنس، فعرض عليه الماء والخمر واللبن، (وما فيها،) كما
رأيت، (فيحمل على أن بعض الرواة ذكر ما لم يذكره الآخر،) لنسيان أو نقص في السماع،
أو نحو ذلك، (ومجموعها،) أي: الأواني، التي اشتملت عليها الروايات المختلفة (أربعة أوان،)

١٦٦
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
رآها تخرج من أصل سدرة المنتهى.
ووقع في حديث أبي هريرة عند الطبري: سدرة المنتهى يخرج من أصلها
أربعة أنهار نهر من ماء غير آنس، ونهر من لبن لم يتغير طعمه، ونهر من خمر لذة
للشاربین، ونهر من عسل مصفى.
فلعله عرض عليه من كل نهر إناء.
وجاء عن كعب: أن نهر العسل نهر النيل، ونهر اللبن نهر جيحان، ونهر
الخمر نهر الفرات، ونهر الماء نهر سيحان.
ولنهر النيل فضائل ولطائف أفردها بالتأليف غير واحد من الأئمة.
ووقع في بعض الطرق: أنه عٍَّ صلى بالأنبياء في السموات.
كما علمت: جمع إناء أيضًا، والأولى رسم أوان بلا ياء، كما في أكثر النسخ، وهو الأكثر،
ويجوز إثباتها، كما في نسخة: وأما النطق فيلا ياء اتفاقًا، وهذا بخلاف ما عرف بأل، فالأكثر
رسمه بالياء، كالقاضي، (فيها أربعة أشياء من الأنهار الأربعة التي رآها تخرج من أصل سدرة
المنتهى).
(ووقع في حديث أبي هريرة عند الطبري) محمد بن جرير بيان ما في الأنهار الأربعة،
ففيه لما ذكر، (سدرة المنتهى يخرج من أصلها أربعة أنهار، نهر من ماء غير آسن،) بالمد
والقصر، كضارب وحذر، أي: متغير طعمه وريحه، بخلاف ماء الدنيا، فيتغير لعارض، (ونهر من
لبن لم يتغير طعمه،) بخلاف لبن الدنيا، لخروجه من الضرع بتغير إذا مكث، (ونهر من خمر
لذة) لذيذة (للشاربين)) بخلاف خمر الدنيا، كريهة عند الشرب، (ونهر من عسل مصفى،)
بخلاف عسل الدنيا، لخروجه من بطون النحل، يخالطه الشمع وغيره، وهذا قد يفيد بيان
المحال التي جيء بها بهذه الأواني، منها كما قال: (فلعله عرض عليه من كل نهر إناء،)
إکراما له.
(وجاء عن كعب) عند البيهقي وغيره: (أن نهر العسل) في الجنة (نهر النيل، ونهر اللبن
نهر جيحان، ونهر الخمر نهر الفرات، ونهر الماء نهر سيحان،) فهي الآن وإن كانت كلها
ماء، لكن أصولها التي خرجت منها، وهي الجنة مختلفة بالأربعة.
(ولنهر النيل فضائل ولطائف، أفردها بالتأليف غير واحد من الأئمة، ووقع في بعض
الطرق؛ أنه معَّ صلى بالأنبياء في السموات،) فإن ثبت تكون صلاته متعددة ببيت المقدس،
وفي السماء على قياس عرض الأواني، لكن قدم المصنف عن ابن كثير ما حاصله أن هذا لم

١٦٧
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
وأما قوله عليه السلام في الحديث: ثم رفع إلي البيت المعمور.
فمعناه أنه أري البيت المعمور له، ويحتمل أن يكون المراد الرفوع والرؤية
معًا، لأنه قد يكون بينه وبين البيت المعمور عوالم حتى لا يقدر على إدراكه،
فرفع إليه وأمد في بصره وبصيرته حتى رآه.
وروى الطبري من حديث سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال: ذكر لنا أن
النبي عَ ◌ٍّ قال: ((البيت المعمور مسجد في السماء بحذاء الكعبة لو خرّ لخرّ
يصح، والذي تظاهرت به الروايات أنه إنما أمهم ببيت المقدس.
(وأما قوله عليه السلام:) وكان الأولى تقديمه على قوله: ثم أتيت .. الخ، لأنه (في
الحديث) مقدم على قوله، (ثم رفع) بضم الراء وكسر الفاء، (إلى البيت المعمور، فمعناه أنه
أري البيت المعمور له) وهو مكانه، لا أنه جیء له به.
(ويحتمل أن يكون المراد الرفوع) صوابه الرفع، كما عبر به الشامي، وهو ما ذكره
الجوهري وأتباعه مصدر الرفع، وزعم بعضهم أنه مصدر لرفع عدل إليه، لئلا يتوهم أنه أحد
علامات الإعراب ليس بشيء، إذ لا يخطر ببال عاقل ذلك، مع قوله: البيت المعمور، ولا نعلم
أحدًا ذكر الرفوع مصدرًا، (والرؤية معًا، لأنه قد يكون بينه وبين البيت عوالم:) بكسر اللام،
جمع عالم، بفتحها، قياسًا مطردًا باتفاق، (حتى لا يقدر على إدراكه، فرفع إليه، وأمد في
بصره وبصيرته حتى رآه).
زاد الشامي على هذا وقد يحتمل أن تلك العوالم التي كانت بينه وبينه أزيلت حتى أدركه
ببصره، وقد يحتمل أن العالم بقي على حاله والبيت على حاله، وأمد في بصره وبصيرته حتى
أدركه وعاينه، والقدرة صالحة للكل. انتهى، ولم أعلم حقيقة المراد من هذه الاحتمالات، وقد
قال عَّ له: (((فدخلت البيت المعمور)، أخرجه البيهقي كما يأتي، وليس هذا كقوله: رفع لي بيت
المقدس، لأن قوله هذا لما سألوه بمكة عنه، عن أشياء لم يكن أثبتها، قال: فرفعه الله لي أنظر
إليه، وأما البيت المعمور، فقد أخبر أنه رفع إليه بعد إخباره أنه رأى إبراهيم مسندًا ظهره إليه،
فالمتبادر أنه رفع ورؤية معا، وتأيد بدخوله وصلاته فيه، حينئذ كما يأتي.
(وروى الطبري) محمد بن جرير (من حديث سعيد بن أبي عروبة) مهران اليشكري،
مولاهم البصري، ثقة، حافظ، من رجال الجميع، من أثبت الناس في قتادة، له تصانيف، (عن
قتادة) ابن دعامة، (قال: ذكر لنا) الذاكر له ذلك الحسن البصري، ففي رواية الحسن بن سفين
في مسنده، عن قتادة، حدثنا الحسن، عن أبي هريرة (أن النبي عٍَّ قال: البيت المعمور
مسجد في السماء) السابعة، كما في أكثر الروايات، وجاء من وجه آخر عن أنس مرفوعًا؛ أنه

١٦٨
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
عليها، يدخله سبعون ألف ملك كل يوم للعبادة، إذا خرجوا منه لم يعودوا)).
وفي هذا دليل على عظيم قدرة اللَّه تعالى، وأنه لا يعجزها شىءٍ ممكن،
لأن هذا البيت المعمور يصلي فيه كل يوم هذا العدد العظيم منذ خلق اللَّه الخلق
إلى الأبد، ثم طائفة هذا اليوم لا ترجع إليه أبدًا. ومع أنه قد روي أنه ليس في
السماء ولا في الأرض موضع شبر إلا وملك واضع جبهته هناك ساجدًا، ثم البحار
في السماء الرابعة، وبه جزم شيخنا في القاموس، وقيل: في السماء السادسة، وقيل: هو تحت
العرش، وقيل: بناه آدم لما أهبط إلى الأرض، ثم رفع زمن الطوفان، وكان هذا شبهة من قال: إنه
الكعبة، جاء ذلك عن الحسن، ومحمد بن عباد بن جعفر، والأول أكثر وأشهر، أي: كونه غير
الكعبة، كذا ذكره الحافظ في بدء الخلق، وهو ينافي قوله في الصلاة أنه في السابعة، بلا
خلاف.
وما ورد عن علي أنه في السادسة، وعن غيره أنه في سماء الدنيا، محمول على ما جاء
عن علي أيضًا، أن في كل سماء بيتًا يحاذي الكعبة، وكل منها معمور بالملائكة، وقدمت عبارته
(بحذاء الكعبة، لو خر لخر عليها،) وقوله: (يدخله سبعون ألف ملك كل يوم للعبادة، إذا
خرجوا منه لم يعودوا،) هذه الجملة أيضًا في مسلم من رواية ثابت، عن أنس، ووقعت في بدء
الخلق من البخاري مدرجة في حديث لملك بن صعصعة، كما مر.
وروى إسحق بن راهويه، والطبري، وغيرهما: أن ابن الكوّاء سأل عليًا عن السقف
المرفوع، قال: السماء، وعن البيت المعمور قال: بيت في السماء السابعة، بحيال البيت، حرمته
في السماء كحرمته في الأرض، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه.
ولابن مردويه عن ابن عباس نحوه، وزاد: وهو على مثل البيت الحرام، لو سقط لسقط
علیه.
ومن حديث عائشة نحوه پاسناد صالح.
ومن حديث عبد الله بن عمر ونحوه بإسناد ضعيف، وهو عند الفاكهي في كتاب مكة
بإسناد صحيح عنه، لكن موقوفًا عليه.
(وفي هذا دليل على عظيم قدرة اللّه تعالى، وأنه لا يعجزِها شيء ممكن، لأن هذا البيت
المعمور يصلي فيه كل يوم هذا العدد العظيم منذ خلق اللَّه الخلق إلى الأبد، ثم طائفة
هذا اليوم لا ترجع إليه أبدًا) إلى يوم القيامة، كما جاء في حديث أبي سعيد عند ابن إسحق،
(ومع) ذلك الأمر الدال على عظم القدرة؛ (أنه قد روي) ما هو أعظم في الدلالة منه؛ (أنه ليس
في السماء، ولا في الأرض موضع شبر إلا وملك واضع جبهته هناك ساجدًا).

١٦٩
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
ما من قطرة إلا ولها ملك موكل، فإذا كانت السموات والأرض والبحار هكذا،
فهؤلاء الملائكة الذين يدخلون أين يذهبون؟ هذا من عظيم القدرة التي لا يشبهها
شىء.
وفي هذا دليل على أن الملائكة أكثر المخلوقات، لأنه إذا كان سبعون
روى البيهقي، عن ابن مسعود، قال: ما في السموات سماء منها موضع إلا وعليه جبهة
ملك، أو قدماه.
وأخرج أبو الشيخ، عن عائشة، رفعته: ((ما في السماء موضع قدم إلا عليه ملك ساجد، أو
قائم)).
وروى أحمد، والترمذي، وابن ماجه، وصححه الحاكم، عن أبي ذر رفعه: ((أطت السماء،
وحق لها أن تئط، ما منها موضع أربعة أصابع إلا وعليه ملك واضع جبهته).
وروى ابن أبي حاتم، والطيراني، والضياء، عن حكيم بن حزام: إني لأسمع أطيط السماء،
وما تلام أن تعط، ما فيها موضع قدم إلا عليه ملك ساجد، أو قائم.
وروى ابن منده عن العلاء بن سعيد، ممن بايع يوم الفتح مرفوعًا: أطت السماء، وحق لها
أن تئط، ليس منها موضع قدم إلا وعليه ملك قائم، أو راكع، أو ساجد، ثم قرأ: ﴿وإنا لنحن
الصَّافُّونَ وإنا لنحن المسبحون﴾ [الصافات/١٦٥، ١٦٦]، ولم أقف على مثل ذلك في الأرض، كما
ذكر المصنف.
نعم، روى ابن أبي حاتم، عن كعب، قال: ما من موضع خرم إبرة من الأرض إلا وملك
موكل بها، يرفع علم ذلك إلى اللّه، وعلى المؤلف مغمز في حصره ذلك في السجود، مع أن
الأحاديث، كما ترى ناصة على أنه فيه، وفي الركوع والقيام. هذا وأورد النعماني على هذا
كيف مر عَّليه ليلة المعراج، وأجاب بأن الملك رفع رأسه حتى مر، أو حمله على يديه، كما في
حديث حجاب الذهب؛ أن الملك احتمله حتى وضعه بين يديه، وهذا على القول الصحيح؛ أن
الملائكة متحيزة، تملأ الحيز، أما على أنها أرواح غير متحيزة، ولا تملأ حيزًا، فلا سؤال.
(ثم البحار ما من قطرة إلا ولها ملك موكل، فإذا كانت السموات والأرض والبحار
هكذا) مملوءة بالملائكة، (فهؤلاء الملائكة الذين يدخلون أين يذهبون، هذا من عظيم القدرة
التي لا يشبهها شيء، وفي هذا دليل على أن الملائكة أكثر المخلوقات،) وقد قال
((ليس شىء من خلق اللَّه أكثر من الملائكة، ما من شىء ينبت إلا وملك موكل به)) رواه أبو
الشيخ.
وقال ابن عمر: ليس أكثر من الملائكة، رواه البزار، وقال تعالى: ﴿وما يعلم جنود ربك

١٧٠
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
ألف ملك كل يوم يصلون في البيت المعمور على ما تقدم، ثم لا يعودون إليه،
مع أن الملائكة في السموات والأرض والبحار.
وفي حديث أبي هريرة عند ابن مردويه وابن أبي حاتم: أن في السماء نهرًا
يقال له: الحيوان، يدخله جبريل كل يوم فينغمس فيه، ثم يخرج فينتفض، فيخرج
عنه سبعون ألف قطرة، يخلق اللَّه من كل قطرة ملكًا، هم الذين يصلون فيه، أي
في البيت المعمور، ثم لا يعودون إليه. وإسناده ضعيف.
إلا هو﴾ [المدثر/٣١]، (لأنه إذا كان سبعون ألف ملك كل يوم يصلون في البيت المعمور،
على ما تقدم، ثم لا يعودون إليه) إلى يوم القيامة، (مع أن الملائكة في السموات والأرض
والبحار،) لزم أن تكون الملائكة أكثر من جميع المخلوقات غير الملائكة، فإن المخلوقات
بأسرها في بعض الأرض، وأكثر الأرض خال منها، فحذف جواب الشرط لدلالة السياق عليه.
وفي فتح الباري: واستدل به على أن الملائكة أكثر المخلوقات، لأنه لا يعرف من جميع
العوالم من يتجدد من جنسه في كل يوم سبعون ألفًا غير الملائكة.
(وفي حديث أبي هريرة عند ابن مردويه، وابن أبي حاتم،) والعقيلي عن النبي ◌َّه:
في السماء السابعة بيت يقال له: البيت المعمور، بحيال الكعبة، (أن) زائدة من المصنف
لإسقاطه أول الحديث المذكور، ولفظه: و(في السماء) الرابعة، كما في نفس حديث
أبي هريرة هذا (نهرًا،) بالنصب، اسم إن التي زادها، والرواية بالرفع، لأنه ليس فيها أن (يقال له
الحيوان، يدخله جبريل كل يوم، فينغمس فيه) انغماسة، كما هو الرواية، (ثم يخرج فينتفض)
انتفاضة، كما في الرواية، (فيخرج)، أي ينفصل، (عنه سبعون ألف قطرة، يخلق الله من كل
قطرة ملكا، هم الذين يصلون فيه، أي: في البيت المعمور،) لفظ الرواية: يؤمرون أن يأتوا
البيت المعمور، فيصلون، فيفعلون، (ثم لا يعودون إليه،) ولفظ الرواية: ثم يخرجون، فلا
يعودون إليه أبدًا، ويولي عليهم أحدهم، ثم يؤمر أن يقف بهم في السماء موقفًا، يسبحون اللَّه فيه
إلى أن تقوم الساعة، (وإسناده ضعيف،) كما جزم به الحافظ في بدء الخلق.
وزاد، وروى ابن المنذر ونحوه بدون ذكر النهر من طريق صحيحة، عن أبي هريرة، لکن
موقوفًا، انتهى. لكن حكمه الرفع، إذ لا يقال رأيا، فاعتضد ضعف طريق رفعه، ولذا قال الشامي:
الصواب أنه ليس بموضوع، أي: كما زعمه بعضهم.
وروى أبو الشيخ عن الليث: حدثني خالد بن سعد، قال: بلغني أن إسرافيل مؤذن أهل
السماء، فيؤذن لاثنتي عشرة ساعة من النهار، ولاثنتي عشرة ساعة من الليل، لكل ساعة تأذين،

١٧١
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
وذكره الإمام فخر الدين الرازي عند تفسير قوله تعالى: ﴿ويخلق ما لا
تعلمون﴾ [النحل/٨] أنه روي عن عطاء ومقاتل والضحاك عن ابن عباس أنه قال:
إن عن يمين العرش نهرًا من نور مثل السموات السبع والأرضين السبع والبحار
السبع، يدخل فيه جبريل عليه السلام كلٍ سحر ويغتسل فيه، فيزداد نورًا إلى نوره
وجمالاً إلى جماله، ثم ينتفض فيخلق الله تعالى من كل نقطة تقع من ريشه كذا
وكذا ألف ملك يدخل منهم البيت المعمور سبعون ألفًا، ثم لا يعودون إليه إلى أن
تقوم الساعة.
وقد روي أن ثم ملائكة يسبحون اللَّه تعالى، فيخلق اللَّه بكل تسبيحة ملكًا.
يسمع تأذينه من في السموات السبع، ومن في الأرضين السبع، إلا الجن والإنس، ثم يتقدم عظيم
الملائكة، فيصلي بهم، قال: وبلغنا أن ميكئيل يؤم الملائكة بالبيت المعمور.
وروى الديلمي عن علي، مرفوعًا: ((مؤذن أهل السموات جبريل، وإمامهم ميكئيل، يؤم بهم
عند البيت المعمور، فيجتمع ملائكة السموات، فيطوفون بالبيت المعمور، وتصلي وتستغفر،
فيجعل اللَّه ثوابهم، واستغفارهم وتسبيحهم لأمة محمد عَّل))، فإن صحا، فلعل إسرافيل وجبريل
يتناوبان الأذان، أو يؤذنان في آن واحد معًا، أو واحد بعد واحد.
(وذكره الإمام فخر الدين الرازي عند تفسير قوله تعالى: ﴿ويخلق ما لا تعلمون﴾
[النحل/٨] ، أنه روي عن عطاء ومقاتل والضحاك، عن ابن عباس أنه قال: إن عن يمين العرش
نهرًا من نور مثل السموات السبع، والأرضين السبع، والبحار السبع،) لعل المراد سيحان
وجيحان والنيل والفرات وسيحون وجيحون والملح، (يدخل فيه جبريل عليه السلام كل
سحر، ويغتسل فيه، فيزداد نوراً إلى نوره، وجمالاً إلى جماله، ثم ينقض، فيخلق اللَّه تعالى
من كل نقطة تقع من ريشة، كذا وكذا ألف ملك يدخل منهم البيت المعمور، سبعون ألفًا،
ثم لا يعودون إليه إلى أن تقوم الساعة،) وفي هذا مخالفة لما قبله من وجهين: أحدهما في
النهر الذي يدخله، والثاني صريح الأول، أنه لا يخرج منه غير سبعين ألفًا، والثاني يخرج منه
أكثر، يدخل منهم البيت سبعون ألفً، والجمع بينهما، يجوز أن المراد بالسبعين التكثير، وأن
جبريل ينغمس في البحرين، ومن يدخل البيت المعمور بعضهم يخلق من القطرات الخارجة عنه
عند انتفاضه من بحر الحيوان، وبعضهم مما ينفصل عنه حين خروجه من بحر النور.
(وقد روي أن ثم ملائكة يسبحون اللَّه، فيخلق اللَّه بكل تسبيحة ملكًا،) وأخرج أبو
الشيخ عن أبي سعيد، مرفوعًا: ((إن في الجنة نهرًا ما يدخله جبريل من دخلة، فيخرج فينتفض.

١٧٢
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
هذا ما عدا الملائكة التي للتعبد، وما عدا الملائكة الموكلين بالنبات
والأرزاق، والحفظة، والملك الموكل بتصوير ابن آدم، والملائكة الذين ينزلون في
إلا خلق اللَّه من كل قطرة تقطر منه ملكًا).
وأخرج عن الأوزاعي، قال موسى: يا رب من معك في السماء؟، قال: ملائكتي، قال:
وكم هم يا رب؟، قال: اثنا عشر سبطًا، قال: وكم عدد كل سبط؟، قال: عدد التراب.
وأخرج عن كعب: لا تقطر عين ملك منهم إلا كانت ملكًا يطير من خشية اللَّه، (هذا ما
عدا الملائكة التي للتعبد،) أي: الذين خلقوا، وأمروا به دائمًا على صفة خاصة، كركوع، أو
سجود، أو قيام.
قال عَّ له: ((إن لله ملائكة ترعد فرائصهم من مخافته، ما منهم من ملك يقطر من عينه
دمعة إلا وقعت ملكًا قائمًا يسبح، وملائكة سجودًا منذ خلق اللَّه السموات والأرض لم يرفعوا
رؤوسهم، ولا يرفعونها إلى يوم القيامة، وملائكة ركوعًا لم يرفعوا رؤوسهم ولا يرفعونها إلى يوم
القيامة، وصفوفًا لم ينصرفوا عن مصافهم، ولا ينصرفون عنها إلى يوم القيامة، فإذا كان يوم
القيامة تجلى لهم ربهم عز وجل، فنظروا إليه، وقالوا: سبحانك ما عبدناك كما ينبغي لك))، رواه
البيهقي وأبو الشيخ وغيرهما.
(وما عدا الملائكة الموكلين بالنبات،) قال عَّ له: ((ليس من خلق اللَّه أكثر من
الملائكة، ما من شىء ينبت إلا وملك موكل بها))، رواه أبو الشيخ، (والأرزاق،) قال مَ له: ((إن
لله ملائكة موكلين بأرزاق آدم، قال لهم: أيما عبد وجدتموه جعل الهم همًا واحدًا، فضمنوا رزقه
السموات والأرض، وبني آدم، وأيما عبد وجدتموه طلب، فإن تحرى الصدق، فطيبوا له، ويسروا،
وإن تعدى ذلك، فخلوا بينه وبين ما يريد، ثم لا ينال فوق الدرجة التي كتبتها له))، رواه الحكيم
الترمذي في النوادر.
(والحفظة)، قال تعالى: ﴿وإن عليكم لحافظين * كرامًا﴾ [الإنفطار/١٠، ١١]، كما تبين، فقيل:
على كل إنسان ملكان عن اليمين، وعن الشمال، وقيل: أربعة، اثنان ليلاً، واثنان نهارًا، وقيل:
: يادة ملك خامس، لا يفارقه لا ليلاً ولا نهارًا، وعن عثمن: يا رسول اللَّه كم ملك مع العبد؟،
قال: ((ملك عن يمينك على حسناتك، وهو أمين على الذي على الشمال، فإذا عملت حسنة
كتبت عشرًا، وإذا عملت سيئة، قال الذي على الشمال للذي على اليمين أكتب، قال لا، لعله،
يستغفر، فإذا قال ثلاثًا، قال: نعم، أراحنا اللَّه منه، فبئس القرين ما أقل مراقبته للَّه تعالى، وأقل
استحياءه من اللَّه، يقول الله تعالى: ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾، وملكان من بین
يديك ومن خلفك، يقول اللَّه تعالى: له معقبات من بين يديه ومن خلفه، يحفظونه من أمر اللَّه،

١٧٣
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
السحاب، والملائكة الذين يكتبون الناس يوم الجمعة، وخزنة الجنة، والملائكة
الذين يتعاقبون، والذين يؤمنون على قراءة المصلي، والذين يقولون: ربنا ولك
وملك قابض على ناصيتك، فإذا تواضعت للَّه رفعك، وإذا تجبرت على اللَّه قصمك، وملكان
على شفتيك ليس يحفظان عليك إلا الصلاة على النبي، وملك قائم على فيك لا يدع الحية أن
تدخل في فيك، وملكان على عينيك، فهؤلاء عشرة يبدلون، لأن ملائكة الليل سوى ملائكة
النهار، فهؤلاء عشرون ملگا علی کل آدمي)، أخرجه ابن جرير.
وروى أبو داود في كتاب القدر، والطبراني وغيرهما، مرفوعًا: وكل بالمؤمن ستون
وثلاثمائة ملك يدفعون ما لم يقدر عليه، الحديث.
: ((إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث
(والملك الموكل بتصوير ابن آدم،) قال عنهـ
اللَّه إليها ملكًا، فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها وشحمها وعظامها)) الحديث، رواه
مسلم.
وفي رواية الطبراني: إن النطفة إذا استقرت في الرحم، فمضى لها أربعون يومًا، جاء ملك
الرحم، فصور عظمه ولحمه ودمه وشعره وبشره، وهذا غير الملك الموكل بالجنين.
روى أبو الشيخ بسند جيد، عن ابن عباس، قال: وكل بالجنين ملك، إذا نامت الأم
واضطجعت، رفع رأسه، لولا ذلك لغرق في الدم، (والملائكة الذين ينزلون في السحاب،)
يصرفونه حيث أمروا به، كما في حديث مرفوع عند أبي الشيخ.
(والملائكة الذين يكتبون الناس يوم الجمعة،) روى أحمد والشيخان، عن أبي هريرة،
مرفوعًا: إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الناس على
قدر منازلهم الأول فالأول، فإذا جلس الإمام طووا الصحف، وجاءوا يستمعون الذكر.
وروى أحمد، وصححه الضياء، عن أبي سعيد، مرفوعًا: ((إذا كان يوم الجمعة قعدت
الملائكة على أبواب المسجد يكتبون من جاء من الناس على قدر منازلهم، فرجل قدم جزور أو
رجل قدم بقرة، ورجل قدم شاة، ورجل قدم دجاجة، ورجل قدم عصفورًا، ورجل قدم بيضة، فإذا
أذن المؤذن وجلس الإمام على المنبر طووا الصحف، ودخلوا المسجد يستمعون الذكر).
(وخزنة الجنة) رضوان وأتباعه، وكذا خزنة النار لملك وجنده، قال تعالى: ﴿عليها تسعة
عشر﴾ [المدثر/٣٠]، قال القرطبي: المراد بهم رؤساؤهم، وأما جملة الخزنة، فلا يعلم عدتهم إلا
الله.
(والملائكة الذين يتعاقبون،) روى الإمام لملك والبخاري ومسلم، عن أبي هريرة: أن
رسول اللَّه مَ الله قال: «يتعاقبون فيكم، ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة

١٧٤
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
الحمد، والذين يدعون لمنتظر الصلاة، والذين يلعنون من هجرت فراش زوجها.
وروي أن في السماء الدنيا - وهي من ماء ودخان - ملائكة خلقوا من ماء
الفجر، وصلاة العصر، ثم يعرج الذين يأتوا فيكم، فيسألهم وهو أعلم: كيف تركتم عبادي؟،
فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون)).
قال ابن حبان: في هذا دليل واضح أن ملائكة الليل إنما تنزل، والناس في صلاة العصر،
وحينئذ تصعد ملائكة النهار، ضد قول من زعم أن ملائكة الليل تنزل بعد غروب الشمس.
(والذين يؤمنون على قراءة المصلي،) روى لملك والبخاري وغيرهما، عن أبي هريرة،
مرفوعًا: إذا قال الإمام ﴿ولا الضالين﴾، فقولوا آمين، فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له
ما تقدم من ذنبه، وظاهر المصنف هنا؛ أنهم غير الحفظة، وبه قيل لرواية وافق قوله قول أهل
السماء، وقيل: هم الحفظة، وأنهم إذا قالوها قالها من فوقهم حتى تنتهي إلى أهل السماء، قال
بعض: ولو قيل بأنهم الحفظة وسائر الملائكة، لكان أقرب.
وقال الحافظ: الذي يظهر أن المراد بهم من يشهد تلك الصلاة من الملائكة ممن في
الأرض، أو السماء .. الحديث.
وقالت الملائكة في السماء، ولمسلم: فوافق ذلك قول أهل السماء.
(والذين يقولون ربنا ولك الحمد .. ) الحديث، لملك والشيخين مرفوعًا، ((إذا قال الإمام:
سمع اللَّه لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد، فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم
من ذنبه».
(والذين يدعون لمنتظر الصلاة) قال معَة: ((الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في
مصلاه الذي صلى فيه ما لم يحدث، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه))، رواه لملك وأحمد والبخاري
ومسلم، زاد في رواية لأبي داود والنسائي وأحمد: أو يقوم بعد قوله يحدث.
(والذين يلعنون من هجرت فراش زوجها،) قال مَّ لة: ((إذا باتت المرأة هاجرة فراش
زوجها، لعنتها الملائكة حتى تصبح)، رواه أحمد والشيخان، قيل: هم الحفظة أو من وكل منهم
بذلك، أو أعم، ويرشد إليه رواية في مسلم: لعنتها الملائكة الذين في السماء، إن كان المراد به
سكانها، وبسط القول في هذه الأحاديث يخرج عن المقصود، فإن المراد منها الاستدلال على
کثرة الملائكة، مع أن المصنف لم يستوف جزئیات ذلك، کالملائكة المو کلین بالشمس،
والريح، والمطر، وقبر المصطفى، والمبلغين له السلام من أمته، وغير ذلك مما يحتمل مؤلفًا
حافلاً، ثم زاد في الاستدلال، فقال:
(وروي أن في السماء الدنيا، وهي من ماء ودخان) قال تعالى: ﴿ثم استوى إلى

١٧٥
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
وريح عليهم ملك يقال له الرعد، وهو ملك موكل بالسحاب والمطر، يقولون:
سبحان ذي الملك والملكوت.
وأن في السماء الثانية ملائكة على ألوان وصفات شتى، رافعين أصواتهم يقولون:
سبحان ذي العزة والجبروت، وأن فيها ملكًا نصف جسده من نار ونصف جسده
السماء وهي دخان﴾ [فصلت/١١]، روى عثمن بن سعيد الدارمي، عن ابن عمر، قال: لما أراد
الله أن يخلق الأشياء، إذ كان عرشه على الماء، ولا أرض، ولا سماء خلق الريح، فسلطها على
الماء حتى اضطربت أمواجه، وأثار أركانه، فأخرج من الماء دخانًا وطينًا وزيدًا، فأمر الدخان فعلاً،
وسما ونما، فخلق منه السماء، وخلق من الطين الأرضين، ومن الزبد الجبال.
وأخرج ابن المنذر وابن جرير، عن ابن مسعود، وناس من الصحابة لما أراد اللَّه أن يخلق
الخلق، أخرج من الماء دخانًا، فارتفع فوق الماء، فسما عليه، فسماه سماء، وهذا نحو قول من
قال: من موج مكفوف، إذ الموج لغة اضطراب الماء، فهو مكفوف عن الاضطراب.
(ملائكة خلقوا من ماء وربح، عليهم ملك، يقال له الرعد، وهو ملك موكل بالسحاب
والمطر،) روى أحمد والترمذي وصححه، والنسائي عن ابن عباس: أقبلت يهود إلى
رسول اللَّه عَ له، فقالت: أخبرنا ما هذا الرعد؟، قال: ((ملك من ملائكة اللَّه موكل بالسحاب،
بيديه مخراق من نار يزجر به السحاب، يسوقه حيث أمر اللَّه))، قالوا: فما هذا الصوت الذي
نسمع؟، قال: ((صوته))، قالوا: صدقت.
(يقولون،) أي: الرعد وجنده، (سبحان ذي الملك والملكوت)) وفي العظمة عن ابن
عباس: الرعد ملك يسوق السحاب بالتسبيح، كما يسوق الحادي الإبل بحدائه، ولا ينافي
الحديث قبله في سوقه بمخراق من نار، لأنه يفعله بيده، ويسبح بلسانه حال سوقه.
وعن جابر سئل رسول اللَّه عَ له عن منشأ السحاب، فقال: إن ملكًا موكل بالسحاب يلم
القاصية، ويلحم الدانية، في يده مخراق، فإذا رفع برقت، وإذا زجر رعدت، وإذا ضرب صعقت.
وعن عمرو بن بجاد، مرفوعًا: ((اسم السحاب عند اللَّه العنان، والرعد ملك، والبرق طرف
ملك، يقال له روقيل)). رواهما ابن مردويه.
(وأن في السماء الثانية،) وهي من مرمرة بيضاء، كما عند ابن راهويه، وأبي الشيخ
والطبراني وغيرهم، عن الربيع بن أنس (ملائكة على ألوان،) أي: أنواع، (وصفات شتى،)
متفرقين فيما أمروا به من العبادة المختلفة، (رافعين أصواتهم، يقولون: سبحان ذي العزة
والجبروت، و) روي مما هو افتراء؛ (أن فيها ملكًا، نصف جسده) الأسفل (من نار، ونصف

١٧٦
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
من ثلج، فلا النار تذيب الثلج، ولا الثلج يطفىء النار، وهو يقول: يا من ألف بين
الثلج والنار ألف بين قلوب عبادك المؤمنين.
وأن في الثالثة - وهي من حديد - ملائكة ذوي أجنحة ووجوه شتى وأصوات
شتى، رافعين أصواتهم بالتسبيح يقولون: سبحانك اللَّهم أنت الحي الذي لا تموت،
وهم صفوف قيام، كأنهم بنيان مرصوص، لا يعرف أحدهم لون صاحبه من خشية
اللَّه.
جسده) الأعلى (من ثلج، فلا النار تذيب الثلج، ولا الثلج يطفىء النار، وهو يقول: يا من
ألف بين الثلج والنار،) فلم يبغ أحدهما على الآخر، مع أنهما ضدان، (ألف بين قلوب عبادك
المؤمنين،) وفيه جواز إطلاق الأسماء المبهمة على اللَّه في مقام الدعاء، وبه صرح بعضهم، ولا
يرد أن كثيرًا من الناس قلوبهم مختلفة، ودعاء الملائكة مستجاب، لأن مختلفي القلوب بينهم
ائتلاف في الجملة يمنعهم من استئصال بعضهم بعضًا، واختلافهم إنما هو لأغراض دنيوية، لا من
جميع الوجوه، أو أن الإضافة في عبادك للتخصيص بالكاملين الذين استحقوا أن يضافوا إليه،
لكن هذا الحديث أخرجه ابن مردويه عن ابن عباس، مرفوعًا: ((لما أسري بي، مررت بخلق
عجيب، رأيت ملكًا نصف جسده مما يلي رأسه ثلج، والآخر نار، يكون ما بينهما رتق، فلا النار
يذيب الثلج، ولا الثلج يذيب النار، وهو قائم ينادي بصوت رفيع جدًّا، يقول: سبحان ربي الذي
كف برد هذا الثلج، فلا يطفىء حر هذه النار، سبحان ربي الذي كف حر هذه النار، فلا تذيب
الثلج، اللهم يا من ألف بين الثلج والنار، ألف بين قلوب عبادك المؤمنين، فقلت: من هذا يا أخي
جبريل؟، قال: هذا ملك من الملائكة، وكله اللَّه بأكتاف السموات وأطراف الأرضين، وهو من
أفصح الملائكة لأهل الأرض من المؤمنين، يدعو لهم بما تسمع، فهذا قوله منذ خلق)). وذكر
حديثًا طويلاً فيه عجائب، وهو موضوع، كما قاله ابن حبان، وابن الجوزي، والحافظ في اللسان،
والذهبي في الميزان.
(وأن في الثالثة، وهي من حديد ملائكة ذوي) صفة لملائكة، وفي نسخة: ذوا على لغة
من يلزم المثنى الألف، وفي أخرى: ذو خبر محذوف، أي: هم ذوو (أجنحة، ووجوه شتى:)
جمع شتيت، كمريض ومرضى، أي: متفرقات في الصور، (وأصوات شتى، رافعين) حال، وفي
نسخة: رافعو بتقديرهم (أصواتهم بالتسبيح، يقولون: سبحانك اللّهم، أنت الحي الذي
لا تموت،) (بفوقية) مراعاة للفظ أنت، وتحتية مراعاة للفظ الحي، (وهم صفوف قيام، كأنهم
بنيان مرصوص،) ملزوق بعضه إلى بعض ثابت، (لا يعرف أحدهم لون صاحبه من خشية الله))
لأنه ما نظر واحد منهم إلى وجه صاحبه، ولا ينظر إليه إلى يوم القيامة، كما في العظمة عن خالد

١٧٧
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
وأن في الرابعة - وهي من نحاس - ملائكة يضعفون على ملائكة الثالثة،
وكذلك كل سماء أكثر عددًا من السماء التى تليها، وأن ملائكة السماء الرابعة قيام
وركوع وسجود على ألوان شتى من العبادة، يبعث اللَّه الملك منهم إلى أمر من
أموره، فينطلق الملك ثم ينصرف فلا يعرف صاحبه الذي إلى جنبه من شدة
العبادة وهم يقولون. سبوح قدوس، ربنا الرحمن الذي لا إله إلا هو.
وأن في السماء الخامسة - وهي من فضة - ملائكة يزيدون على ملائكة
الأربع سنوات، وهم سجود وركوع لم يرفعوا أبصارهم إلى يوم القيامة، فإذا كان
يوم القيامة قالوا: ربنا، لم نعبدك حق عبادتك.
وأن في السماء السادسة - وهي من ذهب - جند اللَّه الأعظم الكروبيون، لا
ابن معدان، (وأن في الرابعة، وهي من نحاس ملائكة يضعفون،) يزيدون (على ملائكة
الثالثة،) مثلهم فأکثر عند الخليل.
وقال الأزهري: الضعف في كلام العرب، المثل، ثم استعمل فيه وما زاد بلا حد.
(وكذلك كل سماء أكثر عددًا من السماء التي تليها، وأن ملائكة السماء الرابعة قيام
وركوع وسجود على ألوان،) أنواع، (شتى:) متفرقات (من العبادات، يبعث اللَّه الملك منهم
إلى أمر من أموره، فينطلق الملك، ثم ينصرف، فلا يعرف) المبعوث (صاحبه الذي إلى
جنبه) ليرجع إليه، فصاحبه بالنصب، ويجوز رفعه على معنى أن الباقي بمحله لا يعرف هل
انصرف الذاهب أم لا، (من شدة العبادة) واشتغاله بها، (وهم يقولون: سبوح قدوس:) (بضم
أولهما)، أي: منزه عن كل سوء وعيب، والأظهر أنه خبر لقوله: (ربنا الرحمن الذي لا إله إلا
هو، وأن في السماء الخامسة، وهي من فضة ملائكة يزيدون على ملائكة الأربع سموات،
وهم سجوة وركوع، لم يرفعوا أبصارهم إلى يوم القيامة، فإذا كان) يوجد (يوم القيامة،
قالوا: ربنا لم نعبدك حق عبادتك،) اعتذارًا واعترافًا بالتقصير، وإظهارًا لكمال عظمته وأنعامه،
بحيث لا يقدر أحد على القيام بشكر ما يقابل نعمة من نعمه.
(وأن في السماء السادسة، وهي من ذهب جند اللَّه،) وجند اسم جنس مفرد، ولذا
وصف بقوله (الأعظم الكروبيون،) قال الحليمي: ملائكة العذاب من الكرب، وفي القاموس:
الكروبيون سادة الملائكة، منهم جبريل وميكئيل وإسرافيل، وهم المقربون من کرب، إذا قرب،
وفي تذكرة الشيخ تاج الدين بن مكتوم: سئل ابن دحية هل يعرف لغة أم لا؟، فقال: الكروبيون
بتخفيف الراء، سادة الملائكة، وهم المقربون من كرب إذا قرب، أنشد أبو علي البغدادي:

١٧٨
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
يحصي عددهم إلا اللَّه تعالى، عليهم ملك له سبعون ألف ملك جنده، وكل ملك
منهم جنوده سبعون ألف ملك، وهم الذين يبعثهم اللَّه في أموره إلى أهل الدنيا
رافعوا أصواتهم بالتسبيح والتهليل.
وأن في السماء السابعة - وهي من ياقوتة حمراء - من الملائكة ما يزيدون
على ما تقدم، وعليهم ملك مقدم على سبعمائة ألف ملك، منهم جنود مثل قطر
السماء، وتراب الثرى والرمل والسهل، وعدد الحصى والورق، وعدد كل شيء
خلق في السموات والأرض، ويخلق اللَّه تعالى في كل يوم ما يشاء، ﴿وما يعلم
جنود ربك إلا هو﴾ [المدثر/ ٣١].
كروبية منهم ركوع وسجد
وقال الطيبي عن بعضهم: في هذه اللفظة ثلاث مبالغات، إحداها أن كرب، أبلغ من قرب
حين وضع موضع كاد، تقول: كربت الشمس، أن تغرب، كما تقول: كادت، والثانية أنه على
وزن فعول، وهو للمبالغة، والثالثة زيادة الياء فيه، وهي تزاد، للمبالغة، كأحمري، ذكره في
الحبائك.
(لا يحصي عددهم إلا اللَّه تعالى، عليهم ملك) أمير (له سبعون ألف ملك جنده، و کل
ملك منهم جنوده سبعون ألف ملك، وهم الذين يبعثهم اللَّه في أموره إلى أهل الدنيا رافعوا
أصواتهم بالتسبيح والتهليل).
وأخرج ابن المنذر عن ابن عمرو يرفعه: ((الملائكة عشر أجزاء، تسعة أجزاء الكروبيون
الذين يسبحون الليل والنهار، لا يفترون، وجزء قد وكلوا بخزانة كل شيء، وما في السماء وضع
إهاب إلا فيه ملك ساجد، أو ملك راکع».
(وإن في السماء السابعة، وهي من ياقوتة حمراء من الملائكة ما،) أي: ملائكة،
(يزيدون على ما تقدم، وعليهم ملك مقدم على سبعمائة ألف ملك، منهم جنود مثل قطر
السماء وتراب الثرى) في الكثرة، (والرمل، والسهل، وعدد الحصى، والورق، وعدد كل
شىء خلق في السموات والأرض، ويخلق اللَّه تعالى في كل يوم ما يشاء، ﴿وما يعلم
جنود ربك إلا هو﴾).
وروى أبو الشيخ، مرفوعًا: خلق اللَّه السماء الدنيا، فجعلها سقفًا محفوظًا، وجعل فيها
جرسًا شديدًا، وشهبًا، ساكنها من الملائكة أولو أجنحة مثنى وثلاث ورباع في صورة البقر، مثل
عدد النجوم، لا يفترون من التسبيح والتهليل والتكبير.

١٧٩
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
وأن حملة العرش، لكل منهم وجوه شتى وأعين شتى في جسده، لا يشبه
بعضها بعضًا، رافعة أصواتهم بالتهليل، ينظرون إلى العرش لا يفترون، لو أرسل
الملك منهم جناحه لطبق الدنيا بريشة من جناحه، لا يعلم عددهم إلا اللَّه.
وأما السماء الثانية، فساكنها عدد القطر في صورة العقبان لا يسأمون، ولا يفترون، ولا
ينامون، منها ينشأ السحاب حتى يخرج من تحت الخافقين، فينشر في جو السماء، معه ملائكة
يصرفونه حيث أمروا به، أصواتهم التسبيح، ونشحهم تخويف.
وأما السماء الثالثة، فساكتها عدد الرمل في صورة الناس، يحشرون الليل النهار.
وأما السماء الرابعة، فساكنها عدد أوراق الشجر، صافون مناكبهم في صورة الحور العين
من بين راكع وساجد، تبرق وجوههم، سبحات ما بين السنوات السبع والأرض السابعة.
وأما السماء الخامسة، فإن عددها يضعف على عدد سائر الخلق على صورة البشر منهم
الكرام البررة، والعلماء السفرة.
وأما السماء السادسة، فحزب اللَّه الغالب وجنده الأعظم في صورة الخيل المسوّمة.
وأما السماء السابعة، ففيها الملائكة المقربون الذين يرفعون الأعمال في بطون الصحف،
ويحفظون الخيرات، فوقها حملة العرش الكروبيون، (و) روي: (أن حملة العرش لكل منهم
وجوه شتى، وأعين شتى في جسده لا يشبه بعضها بعضًا).
روى عبد الرزاق وابن المنذر وغيرهما، عن وهب، قال: حملة العرش أربعة، لكل ملك
منهم أربعة وجوه، وأربعة أجنحة، جناحان على وجهه من أن ينظر إلى العرش، فيصعق، وجناحان
يطير بهما، وأقدامهم في الثرى، لكل واحد منهم وجه ثور وأسد وإنسان ونسر، ليس لهم كلام
إلا أن يقولوا: سبوح، قدوس، اللّه القوي ملأت عظمته السموات والأرض.
وزاد أبو الشيخ عن وهب: ملك منهم في صورة إنسان يشفع لبني آدم في أرزاقهم، وملك
في صورة نسر يشفع للطير في أرزاقها، وملك في صورة نور يشفع للبهائم في أرزاقها، وملك في
صورة أسد يشفع للسباع في أرزاقها، فلما حملوا العرش وقعوا على ركبهم من عظمة اللَّه، فلقنوا
لا حول ولا قوة إلا بالله، فاستووا على أرجلهم قيامًا.
وروى عثمن بن سعيد الدارمي، عن ابن عباس، قال لحملة العرش: قرون لها کعوب
ككعوب القنا، ما بين أخمص أحدهم إلى كعبه مسيرة خمسمائة عام، وبين أرنبته إلى ترقوته
مسيرة خمسمائة عام، ومن ترقوته إلى موضع القرط خمسمائة عام، (رافعة أصواتهم بالتهليل،
ينظرون إلى العرش لا يفترون، لو أرسل الملك منهم جناحه لطبق:) بشد الباء، غطى (الدنيا
بريشة من جناحه، لا يعلم عددهم إلا اللّه).

١٨٠
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
حملة العرش ثمانية يتجاوبون بصوت حسن رخيم، تقول أربعة منهم:
سبحانك اللَّهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، وتقول أربعة: سبحانك اللَّهم
وبحمدك على عفوك بعد قدرتك.
وقد روى الطبراني من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله عَّه لجبريل:
(و) روى ابن المنذر وأبو الشيخ والبيهقي في الشعب، عن لهرون بن رياب، قال: (حملة
العرش ثمانية،) رؤوسهم عند العرش في السماء السابعة، وأقدامهم في الأرض السفلى، ولهم
قرون كقرون الوعلة، ما بين أصل قرن أحدهم إلى منتهاه مسيرة خمسمائة عام، (يتجاوبون
بصوت حسن رخيم،) أي: سهل، (تقول أربعة منهم: سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك
بعد علمك، وتقول أربعة: سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك،) وهذا ظاهر أن
الثمانية في الدنيا، ولكن روى ابن جرير، عن ابن زيد، عن النبي عَّه، قال: يحمله اليوم أربعة،
ويوم القيامة ثمانية، وروى أبو الشيخ، عن وهب: حملة العرش اليوم أربعة، فإذا كان يوم القيامة
أيدوا بأربعة أخرى.
وروى ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ويحمل
عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية﴾ [الحاقة/١٧]، قال: ثمانية صفوف من الملائكة، لا يعلم
عدتهم إلا اللّه، والأصل الحقيقة، لا أنه تمثيل لعظمته تعالى بالمشاهد من أحوال السلاطين يوم
خروجهم للقضاء العام بين الناس، وحكى الضحاك في الآية قولين: ثمانية أملاك، وثمانية
صفوف.
(وقد روى الطبراني،) والبيهقي، وأبو الشيخ (من حديث ابن عباس، قال:) بينا
رسول اللّه عليه ومعه جبريل بناحية إذ انشق أفق السماء، فأقبل جبريل يتضاءل ويدخل بعضه في
بعض، ويدنو من الأرض، فإذا ملك قد مثل بين يدي رسول اللَّه عَّه، فقال: يا محمد إن ربك
يقرئك السلام، ويخيرك بين أن تكون نبيًا ملكًا، أو نبيًا عبدًا، قال عَّله، فأشار جبريل إليّ بيده،
أن تواضع، فعرفت أنه لي ناصح، فقلت نبيًا عبدًا، فعرج ذلك الملك إلى السماء، فقلت: يا
جبريل قد كنت أردت أن أسألك عن هذا، فرأيت من حالك ما شغلني عن المسألة، فمن هذا
يا جبريل؟، قال: هذا إسرافيل خلقه اللَّه يوم خلقه، صافًا قدميه، لا يرفع طرفه، بينه وبين الرب
سبعون نورًا، ما منها نور يدنو منه إلا احترق، بين يديه اللوح المحفوظ، فإذا أذن اللَّه في شىء
من السماء، أو في الأرض ارتفع ذلك اللوح، فضرب جبهته، فينظر فيه، فإن كان من عملي
أمرني به، وإن كان من عمل ميكئيل أمره به، وإن كان من عمل ملك الموت أمره به.
(قال رسول اللَّه عَلَّ لجبريل: على أي: شىء أنت؟،) أي: أنت موكل على أي شىء