النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء لأجله، فلما فتحت له تحقق عليه السلام أن المحل مصون، وأن فتحه له كرامة وتبجيل. وأما قوله في الحديث: (أرسل إليه؟)) وفي رواية وقد ((بعث إليه؟)) فيحتمل أن يكون استفهم عن الإرسال إليه للعروج إلى السماء، وهو الأظهر لقوله: ((إليه)» لأن أصل بعثه قد اشتهر في الملكوت الأعلى. وقيل: سألوا تعجبًا من نعمة اللَّه تعالى عليه بذلك، أو استبشارًا به، وقد علموا أن بشرًا لا يترقى هذا الترقي إلا بإذن من اللَّه تعالى، وأن جبريل لا يصعد بمن لم يرسل إليه. قيل: إن اللَّه تعالى أراد إطلاع نبيه على أنه معروف عند الملأ الأعلى، لم يتحرر،) أي: لم يعلم (أنها فتحت لأجله،) ولا بد، بل كان يحتمل أنها مفتوحة دائمًا، وأنها فتحت لغيره، تصادف مجيئه بعده، (فلما فتحت له تحقق عليه السلام أن المحل مصون، وأن فتحه له كرامة وتبجيل:) تعظيم، وقال ابن دحية: وإنما لم تهيأ له بالفتح قبل مجيئه، وإن كان أبلغ في الإكرام، لأنه لو رآها مفتحة لظن أنها لا تزال كذلك، ففعل ذلك ليعلم أن ذلك فعل من أجله، ولأن اللَّه تعالى أراد أن يطلعه على كونه معروفًا عند أهل السموات. (وأما قوله في الحديث: أرسل إليه) بهمزة واحدة، ولأبي ذر: أأرسل بهمزتين، الأولى للاستفهام، والثانية للتعدية، وهي مضمومة، وللكشميهني أوأرسل، بواو مفتوحة بين الهمزتين. (وفي رواية) لشريك، عن أنس: (وقد بعث إليه، فيحتمل أن يكون استفهم عن الإرسال إليه للعروج إلى السماء) والإسراء، (وهو الأظهر لقوله؛ إليه،) إذ لو كان المراد أصل البعثة، لم يحتج لقوله إليه، (لأن أصل بعثه قد اشتهر في الملكوت الأعلى،) فلا يخفى عليهم إلى هذه المدة. قال الحافظ: بعدها استظهر هذا تبعًا لابن المنير وغيره: ويحتمل أن يكون خفي عليه أصل إرساله لاشتغاله بعبادته، قال: ويؤيده رواية شريك: وقد بعث إليه. انتهى، وقد يقال: لا تأييد فيه، لأن المراد البعث الخاص للإسراء وصعود السموات، لا عن أصل البعثة. (وقيل: سألوا تعجبًا من نعمة اللَّه تعالى عليه بذلك، أو استبشارًا به، وقد علموا أن بشرًا لا يترقى هذا الترقي إلا بإذن من اللَّه تعالى،) إذ لا قدرة له على ذلك حتى يأذن، (وأن جبريل لا يصعد بمن لم يرسل إليه،» فليس سؤالاً حقيقيا. (وقيل: إن اللَّه تعالى أراد إطلاع نبيه على أنه معروف عند الملأ الأعلى، لأنهم ١٢٢ المقصد الخامس: فى تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء لأنهم قالوا: وقد بعث إليه؟ أو: أرسل إليه؟ فدل على أنهم كانوا يعرفون أن ذلك سيقع له، وإلا لكانوا يقولون: ومن محمد مثلاً؟ ولذلك أجابوا بقولهم: مرحبًا به ولنعم المجيء جاء، وكلامهم بهذه الصيغة أدل دليل على ما ذكرناه من معرفتهم بجلالته وتحقيق رسالته، ولأن هذا أحسن ما يكون من حسن الخطاب والترفيع، على المعروف من عادة العرب. وأما قوله: (من معك؟) فيشعر بأنهم أحسوا به عليه الصلاة والسلام، وإلا لكان السؤال بلفظ: أمعك أحد؟ وهذا الإحساس إما بمشاهدة لكون السماء شفافة، وإما لأمر معنوي كزيادة أنوارها ونحوها. قاله الحافظ ابن حجر. ولعله أخذه من كلام العارف ابن أبي جمرة، حيث قال في ((بهجته)): الثاني أن يكون سؤالهم له لما رأوا حين رأوا إقبالهم عليه من زيادة الأنوار وغيرها من قالوا: وقد بعث إليه،) بحذف همزة الاستفهام، للعلم بها، (أو أرسل إليه))) بحذفها وإثباتها روايتان كما علم، (فدل على أنهم كانوا يعرفون أن ذلك سيقع له) عَّة، (وإلا لكانوا يقولون: ومن محمد مثلاً، ولذلك أجابوا بقولهم: مرحبًا به، ولنعم المجيء جاء، وكلامهم بهذه الصيغة أدل دليل على ما ذكرناه من معرفتهم بجلالته وتحقيق رسالته، ولأن هذا أحسن ما يكون من حسن الخطاب والترفيع:) المبالغة في إظهار قدره وشرفه بين الملائكة، بناء (على المعروف من عادة العرب،) فيمن خاطبوه بذلك، وهذا ذكره ابن أبي جمرة. وذكر ابن المنير: أن موقع قول الخازن، وقد بعث إليه استنطاق جبريل بالسبب الموجب للإذن والفتح، لأن مجرد قوله: معي محمد، لا يوجب الإذن إلا بواسطة البعث من اللَّه تعالى، ويلزم منه الإذن في إزالة الموانع وفتح أبواب السماء، فلم يتوقف الخازن على أن يوحى إليه بالفتح، لأنه لزم عنده من البعث الإذن. (وأما قوله: من معك، فيشعر بأنهم أحسوا به عليه الصلاة والسلام،) لفظ الحافظ؛ بأنهم أحسوا معه برفيق، (وإلا لكان السؤال بلفظ أمعك أحد؟، وهذا الإحساس إما بمشاهدة، لكون السماء شفافة) لا تحجب ما وراءها، (وإما لأمر معنوي، كزيادة أنوار ونحوها، قاله الحافظ ابن حجر في فتح الباري: (ولعله أخذه من كلام العارف ابن أبي جمرة، حيث قال في بهجته،) أي: كتابه بهجة النفوس وتحليلها بمعرفة ما لها وعليها، وهو اسم شرحه على الأحاديث التي انتخبها من البخاري. (الثاني: أن يكون سؤالهم له) لجبريل، (لما رأوا حين رأوا إقبالهم عليه)، على جبريل (من ١٢٣ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء المآثر الحسان زيادة على ما يعهدونه منه. قال: وهذا هو الأظهر، كأنهم قالوا: من الشخص الذي من أجله هذه الزيادة التي معك؟ فأخبرهم بما أرادوا وهو تعيين الشخص باسمه حتی عروفه، انتهى. وقد قال بعض العلماء: ﴿لقد رأى من آيات ربه الكبرى﴾ [النجم/١٨] أنه ◌َّ رأى صورة ذاته المباركة في الملكوت فإذا هو عروس المملكة. وأما قولهم له: ((مرحبًا به ولنعم المجيء جاء)) فيحتمل أن يكونوا قالوه لما عاينوه من بركاته عليه السلام التي سبقته للسماء مبشرة بقدومه. وفيه تقديم وتأخير، والتقدير: جاء فنعم المجيء مجيئه، وإنما لم يقل الخازن: مرحبًا بك، زيادة الأنوار وغيرها،) بیان لما رأوا (من المآثر الحسان، زيادة على ما يعهدونه منه، قال: وهذا هو الأظهر) من احتمال أن ذلك، لأن السماء شفافة، (كأنهم قالوا: من الشخص الذي من أجله هذه الزيادة التي معك، فأخبرهم بما أرادوا، وهو تعيين الشخص باسمه حتى عرفوه. انتهى) .. (و) يؤيده أنه (قد قال بعض العلماء في قوله تعالى: ﴿لقد رأى من آيات ربه الكبرى﴾ [النجم/١٨]، أنه عَّ رأى صورة ذاته المباركة في الملكوت، فإذا هو عروس المملكة) لشدة أنواره، (وأما قولهم له: مرحبًا به،) أي: أصاب رحبًا وسعة، كنى بذلك عن الانشراح، وأخذ منه ابن المنیر جواز رد السلام بغير لفظه، وتعقب بأن مرحبا به لیس ردا، لأنه كان قبل فتح الباب، والسياق يرشد إليه، وقد نبه على ذلك ابن أبي جمرة. (ولنعم المجيء جاء، فيحتمل أن يكونوا قالوه لما عاينوه من بركاته عليه السلام التي سبقته للسماء مبشرة بقدومه،) وفيه دلالة على أن للحاشية إذا فهموا من سيدهم عزمًا إكرام وافد أن يبشروه بذلك، وإن لم يأذن لهم فيه، ولا يكون إفشاء سر، لأن الخازن أعلم النبي عَّ حال استدعائه؛ أنه استدعاء إكرام وإعظام، فعجل بالبشرى والفراسة الصادقة عند أهلها، وفي محلها تحصل العلم، کما يحصله الوحي، قاله ابن المنير. (وفيه تقديم وتأخير، والتقدير جاء، فنعم المجيء مجيئه،) كذا قاله بعض الشراح، وخرجه ابن ملك في التوضيح على وجه لا تقديم فيه ولا تأخير، فقال: في هذا الكلام شاهد على الاستغناء بالصلة عن الموصول، أو الصفة عن الموصوف في باب، نعم، لأنها تحتاج إلى فاعل هو المجيء، وإلى مخصوص بمعناها، وهو مبتدأ مخبر عنه بنعم وفاعلها، فهو في هذا الكلام، وشبهه موصول أو موصوف بجاء، والتقدير نعم المجيء الذي جاء، أو نعم المجيء ١٢٤ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء بصيغة الخطاب، بل قال به بصيغة الغيبة لأنه حياة قبل أن يفتح الباب، وقبل أن يصدر من النبي عَّة خطاب، ويحتمل أن يكون حياه بصيغة الغيبة تعظيمًا له، لأن ((هاء) الغيبة ربما كانت أهم من كاف الخطاب. وأما قوله في الحديث: فإذا رجل قاعد عن يمينه أسودة وعن يساره أسودة، إذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى، فقال: مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح، قلت: لجبريل: من هذا؟ قال: هذا آدم، وهذه الأسودة التي عن مجيء جاء، وكونه موصولاً أجود، لأنه مخبر عنه، والمخبر عنه إذا كان معرفة أولى من كونه نكرة، نقله في الفتح، وقدمته في شرح الحديث. (وإنما لم يقل الخازن: مرحبًا بك، بصيغة الخطاب، بل قال به بصيغة الغيبة، لأنه حياه قبل أن يفتح الباب، وقبل أن يصدر من النبي عَّ خطاب،) ولهذا قال الملك لجبريل: ومن معك؟، فخاطبه بصيغة الخطاب، لأن جبريل خاطب الملك، فارتفع حكم الغيبة بالتخاطب من الجانب، قاله ابن المنير. (ويحتمل أن يكون حياه بصيغة الغيبة تعظيمًا له، لأن هاء الغيبة ربما كانت أهم من كاف الخطاب،) لما فيها من إجلال المخاطب على مخاطبه، لأنه لم ينزل نفسه أهلاً لخطابه، لجلالته عليه، وهذان الاحتمالان ذكرهما ابن المثير. (وأما قوله في الحديث) ليس يعني به حديث لملك بن صعصعة الذي قدمه، لأنه ليس فيه ذكر النسم، كما في البخاري ومسلم، وإنما عني به حديث أنس، عن أبي ذر عند البخاري أول كتاب الصلاة، ولفظه: فلما فتح علونا السماء الدنيا، (فإذا) بالفاء، وللأصيلي وابن عساكر بدونها، (رجل قاعد عن يمينه أسودة) أشخاص: جمع سواد، كأزمنة جمع زمان، (وعن يساره أسودة، إذا نظر قبل) بكسر القاف وفتح الموحدة، أي: جهة (يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى، فقال) ذلك الرجل القاعد: (مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح). وفي رواية شريك:، فقال: مرحبًا وأهلا بابتي، نعم الابن أنت، والصالح القائم بما يلزمه من حقوق الله، وحقوق العباد، فهي صفة جامعة لمعاني الخير، فوصفه بها مكررًا مع النبوة، والبنوّة إشارة إلى أنه جمع بين صلاح الأنبياء وصلاح الأبناء، كأنه قال مرحبًا بالنبي التام في نبوته، والابن البار في تبوته، وفيه افتخار بأبوّته للنبي عَّله، ولجمع الصلاح لخلال الخير، اقتصر الأنبياء على وصفه بالصالح، وتواردوا على ذلك، وكررها كل منهم عند كل صفة، ولم يقولوا بالنبي الصادق، أو الأمين، قال بعضهم: وصلاح الأنبياء غير صلاح الأمم، فصلاح الأنبياء صلاح کاملی، لأنهم یزول بهم كل فساد، فلهم صلاح خاص لا يتناول عموم الصالحين، لأن كثيرًا من ١٢٥ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء يمينه وشماله نسم بنيه. فأهل اليمين منهم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر عن شماله بكى. فالأسودة: بوزن أزمنة، مفرد سواد، هي الأشخاص. والنسم : - بالنون والسين المفتوحتين - جمع نسمة، وهي الروح. وقد قال القاضي عياض: جاء أن أرواح الكفار في سجين، وأن أرواح المؤمنين منعمة في الجنة، يعني: فكيف تكون مجتمعة في سماء الدنيا؟ الأنبياء تمنى أن يلحق بالصالحين، ولا يتمنى الأعلى أن يلحق بالأدنى، فهذا يحقق أن صلاح الأنبياء غير صلاح الأمم، ومن دونهم الأمثل فالأمثل، فكل واحد يستحق اسم الصلاح على قدر ما زال به، أو منه من الفساد. (قلت لجبريل: من هذا؟، قال: هذا آدم،) ظاهره أنه سأل عنه بعد أن قاله له آدم مرحبًا، ورواية لملك بن صعصعة بعكس ذلك، وهي المعتمدة، فتحمل هذه عليها، إذ ليس في هذه أداة ترتيب، كذا في فتح الباري، وتبعه الشامي، أي: لأنه لم يقل هنا، فقلت لجبريل، بالفاء، إنما قال قلت، فيحمل على أن القول وقع قبل قول آدم مرحبًا، والمراد بالعكس المخالفة، فلفظ رواية ابن صعصعة: فلما خلصت، فإذا فيها آدم، فقال: هذا أبوك آدم، فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد السلام، ثم قال: مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح. (وهذه الأسودة التي عن يمينه وشماله نسم بنيه:) أرواحهم، (فأهل اليمين منهم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر قبل يميته ضحك) سرورًا، (وإذا نظر قبل شماله بكى) حزنًا، (فالأسودة بوزن أزمنة مفرد سواد) بوزن زمان، (هي الأشخاص) من كل شىء، وتطلق بمعان أخر، (والنسم: بالنون والسين المفتوحتين، جمع نسمة)، بزنة قصب وقصبة، (وهي الروح») بيان للمراد بها هنا، وإلا ففي المصباح النسم والنسمة نفس الريح، ثم سميت بها النفس بالسكون. قال الحافظ: وحكى ابن التين؛ أنه رواه شيم: (بكسر الشين المعجمة وفتح الياء آخر الحروف بعدها ميم)، وهو تصحيف، وظاهره أن أرواح بني آدم من أهل الجنة والنار في السماء، وهو مشكل. (وقد قال القاضي عياض: جاء أن أرواح الكفار في سجين:) مكان يعذبون فيه أسفل الساقلين، كما في ابن المنير، وفي المصنف: في سجين الأرض السابعة، وفي القاموس: سجين موضع فيه كتاب الفجار، وواد في جهنم .. (وأن أرواح المؤمنين متعمة في الجنة،) روى الطبراني والبيهقي بسند حسن عن أم ١٢٦ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء وأجاب: بأنه يحتمل أنها تعرض على آدم أوقاتًا، فوافق عرضها مرور النبي عَّه، ويدل على كونهم في النار في أوقات دون أوقات، قوله تعالى: ﴿النار يعرضون عليها غدوا وعشيًا﴾ [غافر/٤٦]. واعترض: بأن أرواح الكفار لا تفتح لها أبواب السماء، كما هو نص القرآن. والجواب عنه: ما أبداه هو احتمالاً أن الجنة كانت فى جهة يمين آدم، والنار كانت في جهة شماله: وكان يكشف له عنهما، ولا يلزم من رؤية آدم لها - وهو في السماء - أن تفتح لها أبواب السماء ولا تلجها. وفي حديث أبي هريرة عند البزار: فإذا عن يمينه باب يخرج منه ريح طيبة، وعن شماله باب يخرج منه ريح خبيثة، إذا نظر عن يمينه استبشر، وإذا نظر عن مبشر، وكعب بن مالك، أن النبي عَّه قال: ((إن نسمة المؤمن تسرح في الجنة حيث شاءت، ونسمة الكافر في سجين))، وسئل النبي عَّهُ عن أرواح المؤمنين، فقال: ((في طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت))، قالوا: وأرواح الكفار، قال: ((محبوسة في سجين))، رواه الطبراني، (يعني: فكيف تكون مجتمعة في سماء الدنيا) مع أرواح الكفار في سجين الأرض السابعة. (وأجاب) عياض: (بأنه يحتمل أنها تعرض على آدم أوقاتًا، فوافق:) صادف (عرضها مرور النبي عَّةٍ، ويدل على أن كونهم في النار في أوقات دون أوقات قوله) تعالى: (﴿النار يعرضون عليها،) يحرقون بها ((غدوّاً وعشيًا﴾ [غافر/٤٦]) صباحا ومساءً، (واعترض بأن أرواح الكفار لا تفتح لها أبواب السماء، كما هو نص القرآن) في قوله تعالى: ﴿إِن الذین کذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء﴾ (والجواب عنه ما أبداه هو، احتمالاً أن الجنة كانت في جهة يمين آدم، والنار كانت في جهة شماله، وكان يكشف له عنهما،) وحين مر المصطفى على آدم كشف له عن ذلك، فرأى ما رآه آدم، وإلى هنا جواب عياض، كما في الفتح. زاد المصنف: (ولا يلزم من رؤية آدم لها، وهو في السماء؛ أن تفتح لها أبواب السماء ولا تلجها،) فلا اعتراض على عياض، وإن كان الحافظ في الفتح، إنما ذكر هذا عقب احتمال؛ أن المراد من خرجت من أجسادها حين خروجها، لا أنها مستقرة، ولا يلزم إلى آخر ما هنا، ويأتي كلامه. (وفي حديث أبي هريرة عند البزار،) وأبي يعلى، وابن جرير والبيهقي: (فإذا عن يمينه،) أي: آدم، (باب يخرج منه ربح طيبة، وعن شماله باب يخرج منه ريح خبيثة، إذا نظر عن يمينه ١٢٧ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء شماله حزن. وهذا - لو صح- لكان المصير إليه أولى من جميع ما تقدم، ولكن سنده ضعيف. قاله الحافظ ابن حجر. استبشر، وإذا نظر عن شماله حزن، وهذا لو صح لكان المصير إليه أولى من جميع ما تقدم،) لعدم احتياجه لتأويل، لأن المستفاد منه رؤية البابين حين مروره على آدم، وهو لا يستلزم أن عنده شيئًا من النسم التي رآها عند آدم، لجواز أنه رآها من وراء الأبواب، (ولكن سنده ضعيف، قاله الحافظ ابن حجر) في كتاب الصلاة ببعض تصرف من المصنف. وفيه أيضًا قبل ذكر هذا الحديث الضعيف، ويحتمل أن النسم المرئية هي التي لم تدخل الأجساد بعد، وهي مخلوقة قبل الأجساد، ومستقرها عن يمين آدم وشماله، وقد أعلم بما سيصيرون إليه، فلذلك كان يستبشر إذا نظر إلى من على يمينه، ويحزن إذا نظر إلى من على يساره، بخلاف التي في الأجساد، فليست مرادة قطعًا، وبخلاف التي انتقلت من الأجساد إلى مستقرها، فليست مرادة أيضًا فيما يظهر، وبهذا يندفع الإيراد، ويعرف أن قوله نسم بنيه عام مخصوص، أو أريد به الخصوص انتهى، وهو مبني على أن الأرواح كلها خلقت قبل الأجساد، كما جزم به، ثم إذا أراد اللَّه إحياء شخص أرسل الروح التي سبق في علمه أنها معدة لذلك الجسد. وقال في الفتح هنا في باب المعراج: وظهر لي الآن احتمال آخر، وهو أن يكون المراد من خرجت من الأجساد حين خروجها إلا أنها مستقرة، ولا يلزم من رؤية آدم لها، وهو في السماء أن تفتح لها أبواب السماء، ولا تلجها. وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي ما يؤيده، ولفظه: فإذا أنا بآدم تعرض عليه أرواح ذريته المؤمنين، فيقول: روح طيبة ونفس طيبة، اجعلوها في عليين، ثم تعرض عليه أرواح ذريته الفجار، فيقول: روح خبيثة ونفس خبيثة، اجعلوها في سجين. ويظهر منه ومن حديث أبي هريرة عدم اللزوم المذكور، وهذا أولى مما جمع به القرطبي في المفهم؛ أن ذلك في حالة مخصوصة اهـ وهو مخصص للأرواح بالخارجة من الأجساد حين الموت، لا مطلقًا، فهو أيضًا عام مخصوص، أو أريد به الخصوص، وأجاب بعضهم عن الإشكال بحمل الأسودة التي عن شماله على العصاة من الموحدين، لا على الجاحدين، وعضده بيكاء آدم رحمة لهم، ولا يرحم الكفار. وتعقبه ابن المنير، بأن المؤمنين، برهم وفاجرهم، مطيعهم وعاصيهم من أهل اليمين، وقد فسر اللَّه أصحاب الشمال بالكفار، فقال: ﴿وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال في سموم وحميم وظل من يحموم﴾ [الواقعة/٤١]، وهذا إنما هو لكافر لا حظ له في الإيمان، ولا حجة في بكاء آدم، لأنه ليس فيه استغفار لهم، ولا خلاف أن من مات أبوه كافرًا، وهو مسلم، لا يحرم عليه البكاء عليه، لا سيما الطبيعي والرقة الطبيعية. ١٢٨ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء وأما قوله في الحديث: ثم صعد بي، حتى أتى السماء الثانية، فاستفتح فقيل من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، فقيل: مرحبًا به، فنعم المجيء جاء، ففتح فلما خلصت إذا بيحيى وعيسى، وهما ابنا الخالة، قال: هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما، فسلمت عليهما فردا، ثم قالا: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح. إلى قوله: ثم صعد بي إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: نعم، قال: مرحبًا به، فنعم المجيء جاء، فلما خلصت فإذا إبراهيم، قال: هذا أبوك إبراهيم فسلم عليه، قال: فسلمت عليه فرد وقال ابن دحية: فإن قيل: کیف یکون نسمُ السعداء کلهم في السماء، وقد كان حین الإسراء جماعة من الصحابة في الأرض وهم من السعداء، فالجواب أن آدم إنما رآهم في مواضعهم ومقارهم في الأرض، ولكنه براهم من الجانب الأيمن، فالتقييد للنظر لا للمنظور اهـه وتبعه ابن المنیر وهو واضح. وقال السهيلي: فإن قيل: كيف رأى عن يمينه أرواح أصحاب اليمين، ولم يكن إذ ذاك منهم إلا نفر قليل، ولعله لم يكن مات تلك الليلة منهم أحد. وظاهر الحديث يقتضي أنهم جماعة، فالجواب أن الإسراء إن كان منامًا، فتأويله أن ذلك سيكون وإن كان يقظة، فمعناه أن أرواح المؤمنين رآها هنالك، لأن اللَّه يتوفى الخلق في منامهم، فصعد بالأرواح إلى هنالك، فرآها، ثم أعيدت إلى أجسادها انتهى، وهو مبني على تخصيص الأرواح بالخارجة من الأجساد بالموت، ولو بالنوم. (وأما قوله في الحديث،) أي: حديث ملك بن صعصعة، (ثم صعد بي حتى أتى السماء الثانية،) كذا في رواية أبي ذر، للبخاري ولغيره: ثم صعد بي إلى السماء، وهي التي قدمها المصنف، (فاستفتح، فقيل: من هذا؟، قال: جبريل، قيل: ومن معك؟، قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟، قال: نعم،) أرسل إليه، (فقيل: مرحبًا به، فنعم المجيء جاء، ففتح) الخازن الباب، (فلما خلصت إذا بيحيى وعيسى، وهما ابنا الخالة، قال: هذا يحيى وعيسى، فسلم عليهما، فسلمت عليهما، فردا) عليّ السلام، (ثم قالا: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، إلى قوله: ثم صعد بي إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟، قال: جبريل، قيل: ومن معك؟، قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟، قال: نعم، قال: مرحبًا به، فنعم المجيء جاء، فلما خلصت) بفتح اللام، وصلت (فإذا إبراهيم قال: هذا أبوك إبراهيم، فسلم عليه، قال: فسلمت عليه، فرد السلام، وقال: مرحبًا بالنبي الصالح والابن ١٢٩ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء السلام وقال: مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح. فهذه الرواية موافقه لرواية ثابت عن أنس عند مسلم: أن في السماء الأولى؛ آدم، وفي الثانية يحيى وعيسى، وفي الثالثة يوسف، وفي الرابعة إدريس، وفي الخامسة لهرون وفي السادسة موسى وفي السابعة إبراهيم. وخالف ذلك ابن شهاب الزهري في روايته عن أنس عن أبي ذر - كما في أول الصلاة من البخاري أيضًا - أنه لم يثبت كيف منازلهم. وقال فيه: وإبراهيم في السماء السادسة. وفي رواية شريك عن أنس أن إدريس في الثانية ولهرون في الرابعة، وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه، وإبراهيم في السادسة وموسى في السابعة، بتفضيل الصالح،) وقصد المصنف زيادة البيان لطول العهد بسوق لفظ الحديث، وإلا فالأوجز لو قال، وأما ما ذكره في الحديث من أماكن الأنبياء في السموات. (فهذه الرواية موافقة لرواية ثابت) البناني، (عن أنس، عند مسلم،) وفيه: (أن في السماء الأولى آدم، وفي الثانية يحيى وعيسى، وفي الثالثة يوسف، وفي الرابعة إدريس، وفي الخامسة لهرون، وفي السادسة موسى، وفي السابعة إبراهيم) فهذا بيان للموافقة، محکي بالمعنى. (وخالف ذلك ابن شهاب الزهري في روايته، عن أنس، عن أبي ذر، كما في أول الصلاة من البخاري أيضًا). وقد خرج مسلم حديثه أيضًا في الإيمان، وذكر (أنه لم يثبت) من الإثبات أبو ذر، (كيف منازلهم،) أي: لم يعين أبو ذر، لكل نبي سماء، والمراد منازل الجميع، فلا ينافي أنه قال آدم في السماء الدنيا. (وقال فيه: وإبزهيم في السماء السادسة،) ولفظ البخاري، قال أنس: فذكر، أي: أبو ذر، أنه وجد في السموات آدم، وإدريس، وموسى، وعيسى وإبراهيم، ولم يثبت كيف منازلهم، غير أنه ذكر أنه وجد آدم في السماء الدنيا، وإبراهيم في السماء السادسة. (وفي رواية شريك، عن أنس) في الصحيحين: ثم عرج به إلى السابعة، فقالوا له مثل ذلك، كل سماء فيها أنبياء، قد سماهم وعيت منهم (أن إدريس في الثانية، ولهرون في الرابعة، وآخر في الخامسة، لم أحفظ اسمه، وإبرهيم في السادسة، وموسى في السابعة. بتفضيل كلام اللّه تعالى،) أي: بسبب أن له فضل كلام اللَّه إياه، وفيه دلالة على أن شريكًا ١٣٠ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء كلام اللَّه تعالى. وسياقه يدل على أنه لم يضبط منازلهم أيضًا كما صرح به الزهري. ورواية من ضبط أولى، لاسيما من اتفاق قتادة وثابت، وقد وافقهما يزيد بن أبي لملك عن أنس، إلا أنه خالف في إدريس ولهرون، فقال: لهرون في الرابعة، وإدريس في الخامسة. ووافقهم أبو سعيد الخدري إلا أن في روايته: يوسف في الثانية، وعيسى ويحيى في الثالثة. والمشهور في الروايات: أن الذي في السابعة هو إبراهيم، وأكد ذلك في حديث لملك بن صعصعة: بأنه كان مسندًا ظهره إلى البيت المعمور. ضبط كون موسى في السابعة، فيتعين أحد الجموع الآتية. (وسياقه يدل على أنه لم يضبط منازلهم،) أي: جميعهم، وإلا فقد صرح بقوله: وعيت، أنه ضبط أربعة، (أيضًا، كما صرح به الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب في حديث أبي ذر. (ورواية من ضبط أولى،) أحق بتقديمها على من لم يضبط، (لا سيما) مع ما حصل فيها من القوة (من) أجل (اتفاق،) ولفظ الفتح مع اتفاق فلا يحتاج لهذا التعسف (قتادة) بن دعامة عند الشيخين، (وثابت) البناني عند مسلم، (وقد وافقهما يزيد بن أبي لملك،) هو ابن عبد الرحمن، نسب إلى جده الهمداني (بالسكون) الدمشقي، القاضي، صدوق، ربما وهم، مات سنة ثلاثين ومائة أو بعدها، وله أكثر من سبعين سنة، روى له أبو داود، والنسائي وابن ماجه، (عن أنس: إلا أنه خالف في إدريس ولهرون، فقال لهرون في الرابعة،) فوافق شريكًا في ذلك، (وإدريس في الخامسة،) فخالف قتادة وثابتًا في أنه في الرابعة، وشريكًا في أنه في الثانية، (ووافقهم أبو سعيد الخدري) عند ابن مردويه، وكان الأولى وافقهما بتثنية الضمير، عائدًا على قتادة وثابت، وجمعه قد يوهم موافقة أبي ذر، وشريك، وليس بمراد، فإن رواية أبي سعيد إنما وافقت رواية قتادة وثابت، (إلا أن في روايته يوسف في الثانية، وعيسى ويحيى في الثالثة) وجمع باحتمال الانتقال لا التعدد، لأنه خلاف الصحيح. (والمشهور في الروايات) كلها، غير روايتي أبي ذر وشريك، (أن الذي في السابعة هو إبراهیم. قال الحافظ: وهو الأرجح، (وأكد:) قوى (ذلك في حديث ملك بن صعصعة، بأنه كان مسندًا ظهره إلى البيت المعمور). ١٣١ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء فمع التعدد: فلا إشكال. ومع الاتحاد فقد جمع: بأن موسى كان حالة العروج في السادسة وإبراهيم في السابعة على ظاهر حديث لملك بن صعصعة. وعند الهبوط: كان موسى في السابعة، لأنه لم يذكر في القصة أن إبراهيم كلمه في شىء مما يتعلق بما فرض على أمته من الصلاة، كما كلمه موسى عليه السلام، والسماء السابعة هي أول شىء انتهى إليه حالة الهبوط، فناسب أن يكون موسى بها، لأنه هو الذي خاطبه في ذلك، كما ثبت في جميع الروايات. ويحتمل أن يكون لقي موسى في السادسة فأصعد معه إلى السابعة تفضيلاً قال الحافظ: وهو في السابعة، بلا خلاف، وما جاء عن علي أنه في السادسة عند شجرة طوبى، فإن ثبت، حمل على البيت الذي في السادسة بجانبه شجرة طوبى، لأنه جاء عنه؛ أن في كل سماء بيتًا يحاذى الكعبة، وكل منهما معمور بالملائكة، وكذا القول فيما جاء عن الربيع بن أنس وغيره، أن البيت المعمور في السماء الدنيا، فإنه محمول على أول بيت يحاذي الكعبة من بيوت السموات، (فمع التعدد،) أي: مع القول بتعدد المعراج، (فلا إشكال) بين الثابت المشهور في الروايات أنه في السابعة، وبين روايتي أبي وشريك؛ أذرنه في السادسة يحمل كل على مرة، (ومع الاتحاد) الذي هو الصحيح وقول الجمهور. (فقد جمع بأن موسى كان حالة العروج في السادسة، وإبراهيم في السابعة على ظاهر حديث لملك بن صعصعة، وعند الهبوط كان موسى في السابعة؟) بأن يكون صعد معه أو بعده، لأجل المراجعة في أمر الصلاة، (لأنه لم يذكر في القصة، أن إبراهيم كلمه في شىء مما يتعلق بما فرض على أمته من الصلاة،) لكن لا يلزم من عدم الكلام أن يكون في السادسة حين الرجوع الذي هو تمام الجمع بين الروايتين، إذ تركه وإن كان في السابعة، لأن الخليل شأنه التسليم لخليله، (كما كلمه موسى عليه السلام،) وجزاه عنا خيرًا، (والسماء السابعة هي أول شىء انتهى إليه حالة الهبوط،) مما هو أعلى منها. (فناسب أن يكون موسى بها، لأنه هو الذي خاطبه في ذلك،) أي: أمر الصلاة، (كما ثبت في جميع الروايات،) لأن شأن الكليم التكلم، ولا بأس بهذا الجمع، لكن قد علمت أن تمامه بوجوده إبراهيم حين رجع في السادسة، وأن تعليله بعدم تكلمه في الصلاة لا ينهض، بل قد يخدش فيه قوله في حديث أنس عند ابن أبي حاتم: ثم انجلت عنه السحابة، وأخذ بيده، فانصرف سريعًا، فأتى على إبراهيم، فلم يقل شيئًا. فظاهر هذا أنه مر على إبراهيم قبل موسى. (ويحتمل) في الجمع أيضًا، (أن يكون لقي موسى في السادسة، فأصعد معه إلى ١٣٢ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء له على غيره من أجل كلام اللَّه تعالى، وظهرت فائدة ذلك في كلامه مع نبينا فيما يتعلق بأمر أمته في الصلاة. قاله في فتح الباري. وقال: إن النووي أشار إلى شىء من ذلك. وفي رواية شريك عن أنس في قصة موسى: لم أظن أن أحدًا يرفع علي. قال ابن بطال: فهم موسى عليه الصلاة والسلام من اختصاصه بكلام اللَّه تعالى له في الدنيا دون غيره من البشر: لقوله تعالى: ﴿إِني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي﴾ [الأعراف/١٤٤] أن المراد بالناس هنا: البشر كلهم، وأنه استحق بذلك أن لا يرفع عليه أحد، فلما فضل اللَّه تعالى محمدًا عليه الصلاة والسلام بما أعطاه من المقام المحمود وغيره، ارتفع على موسى وغيره بذلك. السابعة، تفضيلاً له على غيره من أجل كلام اللَّه تعالى، وظهرت فائدة ذلك مع كلامه مع نبينا فيما يتعلق بأمر أمته في الصلاة،) وهو قريب من الاحتمال قبله، ولم يعرج في هذا أيضًا على رواية: وإبراهيم في السادسة، (قاله في فتح الباري). (وقال: إن النووي أشار إلى شىء من ذلك،) وجمع الكرماني في كتاب الصلاة، بأنه رأى إبراهيم في السادسة، ثم ارتقى إبراهيم إلى السابعة، ليراه في مكانين تعظيمًا له، وتبعه شيخ الإسلام زكريا، وهو عندي أولى من الاحتمالين. (وفي رواية شريك، عن أنس في قصة موسى:) تلو قوله بتفضيل كلام اللَّه، فقال موسى: رب (لم أظن) فيما مضى، (أحدًا يرفع علي)، لا في الماضي ولا في المستقبل، ولفظ الصحيح: لم أظن أن يرفع على أحد. قال المصنف: بضم التحتية وفتح الفاء، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: أن ترفع على أحدًا بالنصب وفتح الفوقية. (قال ابن بطال: فهم موسى عليه الصلاة والسلام من اختصاصه بكلام اللَّه تعالى له في الدنيا دون غيره من البشر، لقوله تعالى:) تعليل لفهم اختصاصه، (﴿إني اصطفيتك على الناس برسالاتى وبكلامى﴾ [الأعراف/١٤٤]، أن المراد بالناس هنا: البشر كلهم)، من في زمنه ومن تقدمه ومن تأخره، (وأنه استحق بذلك أن لا يرفع عليه أحد، فلما فضل الله تعالى محمدًا عليه الصلاة والسلام بما أعطاه من المقام المحمود وغيره، ارتفع على موسى وغيره بذلك،) فكان المراد بالناس ناس زمانه، لا جميع البشر. ٠ ١٣٣ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء وفي حديث أبي سعيد قال موسى: تزعم بنو إسرائيل أني أكرم الخلق على اللَّه، وهذا أكرم على اللَّه مني. زاد الأموي في روايته: ولو كان هذا وحده لهان علي، ولكن معه أمته، وهم أفضل الأمم عند اللَّه. وفي حديث لملك بن صعصعة: ولما جاوزته - بقي موسى - يبكي، فنودي: ما يبكيك؟ قال: رب، هذا غلام بعثته من بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخل من أمتي. ولم يكن بكاء موسى حسدًا، معاذ اللَّه، فإن الحسد في ذلك العالم منزوع من آحاد المؤمنين، فكيف بمن اصطفاه اللَّه تعالى، بل كان آسفًا على ما فاته من (وفي حديث أبي سعيد) عند البيهقي وغيره، (قال موسى: تزعم بنو إسرائيل إني أكرم الخلق على اللَّه، وهذا أكرم على اللَّه مني،) وأخرج البزار، والبيهقي وغيرهما من حديث أبي هريرة، قال موسى: تزعم بنو إسرائيل إني أكرم بني آدم على اللَّه، وهذا رجل من بني آدم خلفني في دنيا، وأنا في أخرى، فلو أنه بنفسه لم أبالٍ، ولكن مع كل نبي أمته. (زاد) سعيد بن يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاصي بن أمية، (الأموي) بفتح الهمزة، على غير قياس، وضمها على القياس، وهو الأشهر عندهم، كما في المصباح نسبة لجده الأعلى أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وجزم الجوهري بالفتح، ثم قال: وربما ضموا (في روايته) لحديث المعراج في مغازيه، (ولو كان هذا وحده لهان عليّ، ولكن معه أمته، وهم أفضل الأمم عند اللَّه)) ومعلوم أن هذا من الغبطة لا الحسد، معاذ اللَّه. (وفي حديث لملك بن صعصعة: ولما جاوزته بقي موسى يبكي، فنودي) لفظ الحديث، كما مر: فلما تجاوزت بكى، قيل له: ما يبكيك؟، وكذا هو لفظ البخاري في المعراج، وبدء الخلق، وكذا لفظ مسلم وغيره، (ما يبكيك؟، قال:) قال ابن أبي جمرة: الظاهر أن قائل ذلك له الباري تبارك وتعالى، يدل على هذا قوله في الجواب، (رب هذا غلام بعثته من بعدي، يدخل من أمته الجنة أكثر مما يدخل من أمتي،) وفي رواية أبي عبيدة بن عبد اللَّه، ابن مسعود، عن أبيه أنه مر بموسى عليه السلام يرفع صوته، فيقول: أكرمته وفضلته، فقال جبريل: هذا موسى، قلت: من يعاتب؟، قال: يعاتب ربه، قلت: ويرفع صوته على ربه؟، قال: إن اللَّه قد عرف له حدته. قال العلماء: (ولم يكن بكاء موسى حسدًا، معاذ اللَّه)) مفعول مطلق حذف عامله، أي: أعوذ، أي: أعتصم بالله معاذًا من توهم أن بكاءه حسد، (فإن الحسد في ذلك العالم منزوع من آحاد المؤمنين، فكيف بمن اصطفاه اللَّه تعالى، بل كان آسفًا على ما فاته من الأجر ١٣٤ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء الأجر الذي يترتب عليه رفع الدرجات له بسبب ما وقع من أمته من كثرة المخالفة المقتضية لتنقيص أجورهم، المستلزمة لتنقيص أجره، لأن لكل نبي مثل أجر كل من اتبعه، ولهذا كان من اتبعه في العدد دون من اتبع نبينا عَّله، مع طول مدتهم بالنسبة لمدة هذه الأمة. وقال العارف ابن أبي جمرة: قد جعل اللَّه تعالى في قلوب أنبيائه عليهم الصلاة والسلام الرأفة والرحمة لأمتهم، وركبهم على ذلك، وقد بكى نبينا معَ ◌ّه فقيل له: ما يبكيك؟ قال: هذا رحمة وإنما يرحم اللَّه من عباده الرحماء، والأنبياء الذي يترتب عليه رفع الدرجات له بسبب ما وقع من أمته من كثرة المخالفة المقتضية لتنقيص أجورهم المستلزمة لتنقيص أجره، لأن لكل نبي مثل أجر كل من تبعه،) من غير أن ينقص من أجورهم شىء، (ولهذا كان من أتبعه في العدد دون من أتبع نبينا معَّ مع طول مدتهم بالنسبة لمدة هذه الأمة، وقال العارف ابن أبي جمرة: قد جعل اللّه تعالى في قلوب أنبيائه عليهم الصلاة والسلام الرأفة والرحمة لأمتهم وركبهم،) أي: ركب بنيتهم في أصل خلقتهم، مجبولة (على ذلك،) حتى كأنهم خلقوا من الرأفة والرحمة، (وقد بكى نبينا فقيل له: ما يبكيك؟). روی الشيخان عن أسامة: أرسلت بنت النبي عليه؛ أن ابني قد احتضر، فأشهدنا، فأرسل يقرىء السلام، ويقول: إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شىء عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب، فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتينها، فقام ومعه سعد بن عبادة، ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، ورجال، فدفع إليه الصبي، فأقعده في حجره، ونفسه تقعقع، ففاضت عيناه، فقال سعد: يا رسول اللَّه ما هذا؟، (قال: هذا رحمة) جعلها اللَّه في قلوب عباده، (وإنما يرحم الله من عباده الرحماء،) روي بالنصب مفعول يرحم، على أن ما في إنما كافة، أو أداة حصر، وبالرفع خبر أن على أنها موصولة بمعنى الذين، والرحماء جمع رحيم من صيغ المبالغة، فمقتضاه أن رحمة الله تختص بالمتصف بالرحمة الكاملة، بخلاف من فيه رحمة ما. . لكن قضية خبر أبي داود الراحمون يرحمهم اللَّه، شموله له، ورجح، وإنما بولغ في الأول، لأن ذكر الجلالة دال على العظمة، فناسب فيه التعظيم والمبالغة. وقال شيخنا: لعل مراد الحديث أنه يرحم، كثير الرحمة رحمة تامة، بحيث تمنع من قامت به من العذاب، فلا يرد أنه يرحم الكافر بتخفيف العذاب عنه، وبتأخيره في سعة عيش وصحة، وغيرهما إلى وقت قبض روحه، وقد يخفف عنه عذاب غير الكفر. ١٣٥ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء عليهم الصلاة والسلام قد أخذوا من رحمة اللَّه أوفر نصيب، فكانت الرحمة في قلوبهم لعباد اللَّه أكثر من غيرهم، فلأجل ما كان بموسى عليه الصلاة والسلام من الرحمة واللطف بكى إذ ذاك رحمة منه لأمته، لأن هذا وقت إفضال وكرم وجود، لعل أن يكون وقت القبول والإفضال فيرحم اللَّه أمته ببركة هذه الساعة. فإن قال قائل: كيف يكون هذا، وأمته لا تخلو من قسمين: قسم مات على الإيمان، وقسم مات على الكفر، فالذي مات على الإيمان لا بد له من دخول الجنة، والذي مات على الكفر لم يدخل الجنة أبدًا، فبكاؤه لأجل ما ذكر لا یسوغ، لأن الحکم فیھم قد مرّ ونفذ. قيل: إن اللَّه تعالى قدر قدره على قسمين، فقدر قدرًا وقدر أن ينفذ على كل الأحوال، وقدر قدرًا وقدر أن لا ينفذ، ويكون رفعه بسبب دعاء أو صدقة أو غير ذلك، فلأجل ما ركب في موسى عليه الصلاة والسلام من اللطف (والأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد أخذوا من رحمة اللَّه أوفر نصيب، فكانت الرحمة في قلوبهم لعباد اللَّه أكثر من غيرهم، فلأجل ما كان بموسى عليه الصلاة والسلام من الرحمة واللطف بكى إذ ذاك رحمة منه لأمته، لأن هذا وقت إفضال وكرم وجود، فرجًا) حصول ما يتمناه من الثواب لأمته، فقال: (لعل أن يكون،) والرجاء يستعمل بمعنى التمني والخوف، لأن الراجي يخاف أن لا يدرك ما يترجاه، (وقت القبول والإفضال،) أي: الزيادة من النعم والخير على العباد، (فيرحم اللَّه أمته ببركة هذه الساعة،) لأن للَّه أوقاتًا يتجلى فيها بالرحمة على العباد، فلا يرد فيها سائلاً ولا يمنع راجيًا، (فإن قال قائل: كيف يكون هذا:) الواقع من موسى، (وأمته لا تخلو من قسمين) جملة حالية، مقررة للإشكال، (قسم مات على الإيمان، وقسم مات على الكفر، فالذي مات على الإيمان لا بد له من دخول الجنة،) وإن كثر عصيانه في الدنيا، (والذي مات على الكفر لا يدخل الجنة أبدًا، ) ﴿إِن اللَّه لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء/٤٨]، (فبكاؤه لأجل ما ذكر لا يسوغ، لأن الحكم فيهم قد مر ونفذ،) عطف تفسير، (قيل) في الجواب: (إن الله تعالى قدر قدره على قسمين، فقدر قدرًا، وقدر أن ينفذ على كل الأحوال،) فلا بد من وقوعه، (وقدر قدرًا، وقدر أن لا ينفذ،) أي: أن لا يوجد خارجًا، ولكن (يكون رفعه بسبب دعاؤه أوصدقه، أو غير ذلك) مما علق عليه في الأول، وحصل ذلك المعلق عليه، (فلأجل ما ركب في موسى عليه الصلاة والسلام من اللطف والرحمة بالأمة، طمع) في ذلك، وقال: (لعل أن يكون ما اتفق لأمته من القدر الذي ١٣٦ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء والرحمة بالأمة طمع لعل أن يكون ما اتفق لأمته من القدر الذي قدره اللَّه تعالى وقدر ارتفاعه بسبب الدعاء والتضرع إليه، وهذا وقت يرجى فيه التعطف والإحسان من اللَّه تعالى، لأنه وقت أسرى فيه بالحبيب الكريم، ليخلع عليه خلع القرب والفضل العميم، فطمع الكليم لعل أن يحلق لأمته نصيبًا من هذا الخير العظيم وقد قال نبينا مَ له: إن للَّه نفحات فتعرضوا لنفحات اللَّه. وهذه نفحة من النفحات فتعرض لها موسى، فكان أمرًا قد قدر، والأسباب لا تؤثر إلا بما سبقت قدره اللَّه تعالى، وقدر ارتفاعه بسبب الدعاء والتضرع إليه، وهذا وقت يرجى فيه التعطف والإحسان من اللَّه تعالى، لأنه وقت أسرى فيه بالحبيب الكريم ليخلع عليه خلع:) بكسر ففتح، جمع خلعة، بزنة سدرة وسدر، (القرب والفضل العميم، فطمع الكليم، لعل أن يلحق لأمته نصيبًا من هذا الخير العظيم). (وقد قال نبينا مٍَّ: إن للَّه نفحات، فتعرضواء) أي: تصدوا، أو من التعرض، وهو الميل إلى الشىء من أحد جوانبه، (لنفحات اللَّه،) أي: اسلكوا طرقها حتى تصير عادة، وطبيعة وسجية، وتعاطوا أسبابها، وهو فعل الأوامر، وتجنب المناهي، رجاء أن تهب من رياح رحمته نفحة يسعدكم، أو المعنى تعرضوا لها بطلبكم منه. قال الصوفية: التعرض للنفحات: الترقب لورودها بدوام اليقظة والانتباه من سنة الغفلة، حتى إذا مرت، نزلت بفناء القلوب. قال بعضهم: ومقصود الحديث إن للَّه فيوضًا ومواهب، تبدو لوامعها من أبواب خزائن الكرم والمئن في بعض الأوقات، فتهب فورتها ومقدماتها، كالأنموذج لما وراءها من مدد الرحمة، فمن تعرض لها مع الطهارة الظاهرة والباطنة، بجمع همة وحضور قلب، حصل له منها في دفعة واحدة، ما يزيد على النعم الدارة في الأزمنة الطويلة على طول الأعما، فإن خزائن الثواب بمقدار على طريق الجزاء، وخزائن المان، النفحة منها تفوق، فما يعطى على الجزاء له مقدار ووقت معلوم، ووقت النفحة مبهم في الأزمنة، والساعات ليداوم على الطلب بالسؤال، كما في ليلة القدر، وساعة الجمعة، فقصد أن يكونوا متعرضين له في كل الأوقات، قيامًا وقعودًا، وعلى جنوبهم، وفي وقت التصرف في أشغال الدنيا، فإنه إذا دام أوشك أن يوافق الوقت الذي ينفخ فيه فيسعد بسعادة الأبد، فقال عليه: «اطلبوا الخير دهركم كله، وتعرضوا لنفحات رحمة اللَّه، فإن للَّه نفحات، تصيب من يشاء من عباده)) الحديث، أخرجه البيهقي من حديث أنس وأبي هريرة. (وهذه نفحة من النفحات،) عطية من العطيات، قال المصباح: النفحة: العطية، وقيل: مبدأ شىء قليل من كثير، وفي المصباح: نفح الطيب: فاح، ونفحت الريح: هبت، (فتعرض لها ١٣٧ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء القدرة بأنها فيه تؤثر، وما كان قضاء نافذًا لا تؤثر فيه ولا ترده الأسباب، حتم قد لزم. وفي بكائه عليه الصلاة والسلام وجه آخر، وهو البشارة لنبينا عَّه وإدخال السرور عليه، وذلك قول موسى عليه الصلاة والسلام - الذي هو أكثر الأنبياء أتباعًا -: إن الذين يدخلون الجنة من أمة محمد عَّله أكثر مما يدخلها من أمتي. وأما قول موسى عليه الصلاة والسلام: لأن غلامًا ولم يقل غير ذلك من الصيغ، فإشارة إلى صغر سنه بالنسبة إليه. وفي القاموس: الغلام، الطار الشارب، والكهل ضد. وقال الخطابي: العرب تسمي الرجل المستجمع السن غلامًا، ما دامت فيه موسى، فكان أمرًا قد قدر، والأسباب لا تؤثر إلا بما سبقت القدرة؛ بأنها فيه تؤثر) من تعليقه على سبب وقوعه، (وما كان قضاء نافذًا لا تؤثر فيه، ولا ترده الأسباب،) لأنه (حتم قد لزم،) ومثال ذلك دعاء النبي عَّةٍ لأمته، أن يظهر عليهم عدوّ من غيرهم، وأن لا يهلكهم بالسنين، فأعطيهما، وأن لا يجعل بأسهم بينهم، فمنعها، فأستجيب له في الاثنتين دون الثالثة، وقيل له: هذا أمر قدرته، أي: أنفذته، فكانت الاثنتان من القدر الذي قدره اللَّه، وقدر أن لا ينفذه بسبب الدعاء، والثالثة من القدر الذي قدره، وقدر إنفاذه على كل الأحوال لا يرده راد. (وفي) حكمة (بكائه)) أي: موسى، (عليه الصلاة والسلام: وجه آخر، وهو البشارة لنبينا عَ ◌ّه وإدخال السرور عليه،) بكثرة أمته المستلزمة لكثرة أجره، (وذلك قول موسى عليه الصلاة والسلام، الذي هو أكثر الأنبياء أتباعًا، أن الذين يدخلون الجنة من أمة محمد عد أكثر مما يدخلها من أمتي،) فبكاؤه حين جاوزه المصطفى، وقبل أن يبعد عنه، لأجل أن يسمعه هذه البشارة، إذ لو لم يكن لذلك لترك البكاء حتى يبعد عنه، فلا يسمعه، ولم يبك حين كان معه، بل رحب به وأثنى عليه، ودعا له بخير لئلا يشوش عليه. (وأما قول موسى عليه الصلاة والسلام: لأن غلامًا، ولم يقل غير ذلك من الصيغ،) كرجلاً، أو نبيًا، (فإشارة إلى صغر سنه،) أي: المصطفى، (بالنسبة إليه،) إلى موسى، (وفي القاموس: الغلام الطار،) أي: الثابت، (الشارب. والكهل ضد،) فيحتمل أنه استعمله بمعنى الكهل لاستعماله فيه وفي الکھل. (وقال الخطابي: العرب تسمي الرجل المستجمع السن،) أي: البالغ مبلغ الرجال، بأن بلغ أشده، واستوت لحيته (غلامًا، ما دامت فيه بقية من القوّة في الكهولة،) إشارة إلى مدحه ١٣٨ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء بقية من القوة في الكهولة. قال في فتح الباري: ويظهر لي أن موسى عليه السلام أشار إلى ما أنعم الله به على نبينا عليه السلام من استمرار القوة في الكهولة إلى أن دخل في سن الشيخوخة، ولم يدخل على بدنه هرم، ولا اعتراه في قوته نقص، حتى إن الناس في قدومه المدينة لما رأوه مردفًا أبا بكر، أطلقوا عليه اسم الشاب وعلى أبي بكر اسم الشيخ، مع كونه عليه السلام في العمر أسن من أبي بكر والله أعلم. انتهى. وقد ذكرت ذلك في الهجرة من المقصد الأول. بقوة الشاب مع أنه كهل. وقال ابن أبي جمرة: العرب إنما يطلقون على المرء غلامًا إذا كان سيدًا فيهم، فلأجل ما في هذا اللفظ من الاختصاص على غيره من ألفاظ الأفضلية، ذكره موسى دون غيره تعظيمًا للنبى لل﴾. (قال في فتح الباري: ويظهر لي أن موسى عليه السلام، أشار إلى ما أنعم الله به. على نبينا عليه السلام، من استمرار القوة في الكهولة، إلى أن دخل في سن الشيخوخة، ولم يدخل على بدنه هرم، ولا اعتراه في قوته نقص،) وهذا غير كلام الخطابي، لأنه قال بقية من القوة، وهذا صرح ببقاء قوته كلها، (حتى أن الناس فى قدومه المدينة لما رأوه مردفًا أبا بكر) على راحلته، وإن كان له راحلة، إكرامًا له، أو على راحلة أخرى، قال تعالى: ﴿بألف من الملائكة مردفين﴾ [الأنفال/٩]، أي: يتلو بعضهم بعضًا، قاله الداودي. ورجح ابن التین الأوّل، وقال: لا یصح الثاني، لأنه يلزم منه أن يمشي أبو بکر بین يديه ، ورده الحافظ؛ بأنه إنما يلزم ذلك لو جاء الخبر بالعكس، فأما، ولفظه وهو مردف أبا بكر فلا. وفي البخاري من وجه آخر، عن أنس: فكأني أنظر إلى النبي عَّه على راحلته، وأبو بكر ردفه، (أطلقوا عليه اسم الشاب، وعلى أبي بكر اسم الشيخ). قال أنس: أقبل مَّ إلى المدينة، وهو مردف أبا بكر، وأبو بكر شيخ يعرف، والنبي: شاب لا يعرف، الحديث في البخاري، (مع كونه عليه السلام في العمر أسن من أبي بكر،) بأزيد من عامين، لأنه استكمل بمدة خلافته عمر المصطفى، (والله أعلم انتهى. وقد ذكرت ذلك،) أي: حديث أنس المذكور (في الهجرة من المقصد الأول). قال الحافظ: وقد وقع من موسى في هذه القصة من مراعاة جانب النبي ◌َّة؛ أنه أمسك ١٣٩ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء وقد وقع في حديث أبي هريرة عند الطبري في ذكر إبراهيم: فإذا هو برجل أشمط جالس عند باب الجنة على كرسي. وفي رواية مسلم من حديث ثابت عن أنس: ثم عرج بنا إلى السماء السابعة فإذا بإبراهيم مسندًا ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه، إلى يوم القيامة وفيه: فإذا أنا بيوسف، وإذا هو قد أعطي عن جميع ما وقع له حتى فارقه النبي مے أدبًا معه وحسن عشرة، فلما فارقه بکی، وقال ما قال. انتھی. (وقد وقع في حديث أبي هريرة عند الطبري) محمد بن جرير، (في ذكر إبراهيم، فإذا هو برجل أشمط) أي: أبيض الرأس يخالط سواده، (جالس عند باب الجنة على كرسي،) وفي حديث أبي سعيد: فإذا بإبرهيم خليل الرحمن مسندًا ظهره إلى البيت المعمور كأحسن الرجال. (وفي رواية مسلم من حديث ثابت) البناني، (عن أنس ، ثم عرج) بالبناء للفاعل وضمير، (بنا) للمصطفى، وجبريل، ويجوز بناؤه للمفعول، (إلى السماء السابعة، فإذا إبراهيم مسندًا ظهره إلى البيت المعمور). قال أبو عبيدة: معنى المعمور: الكثير الغاشية، ويقال له الضراح (بضم المعجمة)، واهمًا لها غلط بين، كما في ربيع الأبرار، سمي به، لأنه ضرح عن الأرض، أي: بعد. قال الحافظ: فيه جواز الاستناد إلى القبلة بالظهر وبغيره، لأن البيت المعمور كالكعبة في أنه قبلة من کل جهة، وقد أسند إباهیم ظهره إليه. انتهى. وقال التلمساني قيل: فيه دلالة على أن الأفضل فى غير الصلاة إسناد الظهر للقبلة، وقيل: الأفضل استقبالها، ولعل إبراهيم أسند ظهره ليتوجه للمصطفى ويخاطبه. انتهى. وقد يقال: إنما دل على الجواز لا على أنه أفضل، كيف وفي الحديث: ((أشرف المجالس ما استقبل به القبلة)) رواه الطبراني. (وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك،) للعبادة، (ثم لا يعودون إليه،) لأن حجه مرة، كفرض الحج علينا، أو لإشغال غير دخوله، هذا في مسلم، وزاد ابن إسحق من حديث أبي سعيد إلى يوم القيامة، هكذا بينه في الفتح، فما أوهمه قوله (إلى يوم القيامة) من أنه في رواية مسلم خطّأ نشأ عن سقط، ثم وجدت في نسخ صحيحة عدمها، ووقعت هذه الزيادة عند البخاري في بدء الخلق، مضمومة إلى رواية قتادة عن أنس، عن لملك بن صعصعة، بلفظ: إذا خرجوا لم يعودوا آخر ما عليهم، وهي مدرجة من رواية قتادة عن الحسن، عن أبي هريرة، كما المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء ١٤٠ شطر الحسن. وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي، وأبي هريرة عند الطبري: فإذا أنا برجل أحسن ما خلق اللَّه: قد فضل الناس بالحسن كالقمر ليلة البدر على سائر الكواكب. وهذا ظاهره أن يوسف عليه السلام كان أحسن من جمیع الناس، لکن روی بينه في الفتح، وإليه أشار البخاري، وقد قدمته، وآخر روي بالرفع بتقدير ذلك آخر، والنصب على الظرف. قال عياض: والرفع أجود، قال الحافظ: واستدل به على أن الملائكة أكثر المخلوقات، لأنه لا يعرف من جميع العوالم من يتحدد من جنسه في كل يوم سبعون ألفًا، غير ما ثبت من الملائكة في هذا الخبر. انتهى. ويأتي مزيد لهذا في المصنف، وسئل علي عنه، فقال: بيت في السماء السابعة بحيال البيت، حرمته كحرمة هذا في الأرض، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه، أخرجه ابن راهويه، وحكمه الرفع، إذ لا يقال رأيًا. (وفيه،) أي: حديث ثابت، المذكور عن أنس: ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة، فذكر مثل الأول، ففتح لنا، (فإذا أنا بيوسف، وإذا هو قد أعطى شطر الحسن،) أي: نصفه، والناس كلهم بعده شركاء في النصف الآخر، هذا ظاهر بيادي الرأي، لكن الحقيقة، والمراد منه أنه أوتي شطر الحسن الذي أوتي المصطفى جملته، قاله ابن المنير. وقال بعض شراح المصابيح: المراد بالشطر البعض، لأن الشطر، كما يراد به نصف الشيء، قد يراد به بعضه مطلقًا. قال الطيبي: وقد يراد به الجهة أيضًا، نحو: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ [البقرة/١٥٠]، أي: جهة من الحسن، ومسحة منه، كما يقال على وجهه مسحة ملك، ومسحة جمال، أي: أثر ظاهر، ولا يقال ذلك إلا في المدح. (وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي، وأبي هريرة عند الطبري) محمد بن جرير: (فإذا أنا برجل،) يعني يوسف، (أحسن ما خلق اللَّه، قد فضل،) زاد، (الناس بالحسن، كالقمر ليلة البدر) أربعة عشر، وهو أعلى ما يكون البدر (على سائر الكواكب، وهذا ظاهره؛ أن يوسف عليه السلام كان أحسن من جميع الناس، لكن) هذا الظاهر ليس بمراد، إذ لا نزاع أن المصطفى أحسن منه. وقد (روى الترمذي من حديث أنس: ما بعث اللَّه نبيًا إلا حسن الوجه، حسن الصوت،