النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
ووقع عند البخاري في أول بدء الخلق بلفظ بينما أنا عند البيت وهو أعم.
وفي رواية الزهري عن أنس عن أبي ذر فرج سقف بيتي وأنا بمكة.
وفي رواية الواقدي بأسانيده: أنه أسري به من شعب أبي طالب.
وفي حديث أم هانىء - عند الطبراني - أنه بات في بيتها، قالت: ففقدته من
الليل، فقال: إن جبريل أتاني.
والجمع بين هذه الأقوال - كما في فتح الباري - أنه بات في بيت أم
هانىء، وبيتها عند شعب أبي طالب، ففرج سقف بيته، وأضاف البيت إليه لأنه
كان يسكنه فنزل منزله الملك، فنزل منه الملك فأخرجه من البيت إلى المسجد،
فكان به مضطجعًا وبه أثر النعاس، ثم أخرجه الملك فأخرجه من المسجد إلى باب
وهو وإن كان مختلفًا في الحطيم، هل هو الحجر أم لا؟، لكن المراد هنا البقعة التي وقع ذلك
فيها، ومعلوم أنها لم تتعدد، لأن القصة متحدة لاتحاد مخرجها.
(ووقع عند البخاري في أول بدء الخلق) أولية نسبية، إذ هو في باب ذكر الملائكة
بعد خمسة أبواب من كتاب بدء الخلق من طريق قتادة، عن أنس، عن لملك بن صعصعة أيضًا،
(بلفظ: بينا،) بإسقاط ما المذكورة في باب المعراج، (أنا عند البيت، وهو أعم) من قوله في
الحطيم، وربما قال في الحجر، أي: أنه محتمل لهما، ولمحل آخر من المسجد بقرب البيت.
(وفي رواية الزهري عن أنس، عن أبي ذر،) عند البخاري ومسلم: (فرج) بضم الفاء
وكسر الراء أي: فتح، (سقف بيتي وأنا بمكة) جملة حالية إسمية.
(وفي رواية الواقدي بأسانيده: أنه أسري به من شعب أبي طالب) بكسر الشين
المعجمة.
(وفي حديث أم هانيء) فاختة، أو هند، أو عائكة شقيقة علي، لها أحاديث في الكتب
الستة وغيرها، (عند الطبراني؛ أنه بات في بيتها، قالت: ففقدته من الليل،) فسألته لما رجع
ذهب إلى أي: محل في الوقت الذي فقدته فيه، (فقال: إن جبريل أتاني،) فذكر الحديث ...
(والجمع بين هذه الأقوال،) أي: الروايات، (كما في فتح الباري، أنه بات في بيت
أم هانيء، وبيتها عند شعب أبي طالب) أبيها، (ففرج سقف بيته، وأضاف البيت إليه،) في
رواية أبي ذر: (لأنه كان يسكنه، فنزل منزلة الملك،) والإضافة تكون بأدنى ملابسة، ولأن
البيت ينسب لساكته، (فنزل منه الملك) جبريل، (فأخرجه من البيت إلى المسجد) الحرام،
(فكان به مضطجعًا، وبه أثر النعاس)، فلذا قال: بينما أنا نائم في الحطيم مضطجعًا، (ثم أخرجه

٤٢
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
المسجد، فأركبه البراق. قال: وقد وقع في مرسل الحسن عند ابن إسحق أن
جبريل أتاه فأخرجه إلى المسجد فأركبه البراق، وهو يؤيد هذا الجمع.
فإن قيل: لم فرج سقف بيته عليه الصلاة والسلام ونزل منه الملك، ولم
يدخل من الباب، مع قوله تعالى: ﴿وأتوا البيوت من أبوابها﴾ [البقرة/١٨٩].
أجيب: بأن الحكمة من ذلك أن الملك انصب من السماء انصبابة واحدة
على جهة الإستقامة ولم يعرج على شىء سواه، فكان نزوله على السقف مبالغة في
المفاجأة، وتنبيهًا على أن الطلب وقع على غير ميعاد، كرامة له عليه الصلاة
والسلام.
وهذا بخلاف موسى عليه الصلاة والسلام، فكانت كرامته بالمناجاة عن
ميعاد واستعداد بخلاف نبينا عَّه فإنه حمل عنه ألم الانتظار، كما حمل عنه ألم
الملك فأخرجه من المسجد إلى باب المسجد، فأركبه البراق).
(قال) في الفتح: (وقد وقع في مرسل الحسن) البصري (عند ابن إسحق؛ أن جبريل
أتاه، فأخرجه إلى المسجد، فأركبه البراق، وهو يؤيد هذا الجمع) تأييدًا قويًا، (فإن قيل: لم
فرج سقف بيته عليه الصلاة والسلام، ونزل منه الملك، ولم يدخل من الباب مع قوله
تعالى: ﴿وأتوا البيوت من أبوابها﴾ [البقرة/١٨٩] (أجيب)، كما قال ابن دحية: (بأن الحكمة في:
ذلك أن الملك انصب)، أي: نزل (من السماء، انصبابة واحدة على جهة الاستقامة، ولم
يعرج على شىء سواه،) أي: من غير تعريج عن الجهة التي نزل منها إلى غيرها، (فكان نزوله
على السقف مبالغة في المفاجأة، وتنبيهًا على أن الطلب وقع على غير ميعاد، كرامة له
عليه الصلاة والسلام،) كما أفهمه قوله: بينما أنا نائم، إذ مجيئه له فجأة يشعر بأنه لا موعد
بينهما، وكذا قوله: فرج سقف بيتي، إذ لو كان بينهما موعد لانتظر مجيئه فيه، ولأتاه من الباب
على عادة الجائي لمن ينتظره، وفيه إشارة إلى طلب الاستقامة في الأمور وإلى المبادرة إليها،
وأخذها من أقرب الطرق، (وهذا بخلاف موسى عليه الصلاة والسلام، فكانت كرامته
بالمناجاة) لله سبحانه وتعالى، (عن میعاد واستعداد) بالصوم قال تعالى: ﴿وواعدنا موسی ثلاثین
ليلة﴾، قال الجلال: أي؛ نكلمه عند انتهائها بأن يصومها، وهي ذو القعدة، فلما تمت أنكر
خلوف فمه، فاستاك، فأمره اللَّه تعالى بعشرة أخرى ليكلمه بخلوف فمه، كما قال تعالى:
﴿وأتممناها بعشر﴾ [الأعراف/١٤٢] الآية، أي: من ذي الحجة، (بخلاف نبينا عليه الصلاة
والسلام، فإنه حمل عنه ألم الانتظار) الواقع لموسی مدة الصوم، حتی کلمه ربه، (كما حمل

٤٣
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
الاعتذار. ويؤخذ من هذا: أن مقام نبينا عليه الصلاة والسلام بالنسبة إلى مقام
موسى عليه الصلاة والسلام مقام المراد بالنسبة إلى مقام المريد. ويحتمل أن يكون
توطئة وتمهيدًا لكونه فرج عن صدره، فأراه الملك بإفراجه عن السقف ثم التئام
السقف على الفور كيفية ما يصنع به، وقرب له الأمر في نفسه بالمثال المشاهد
في بيته، لطفًا في حقه عليه الصلاة والسلام وتثبيتًا لصبره، والله أعلم بحقيقة
السر.
وقوله: مضطجعًا زاد في بدء الخلق بين النائم واليقظان.
وهو محمول على ابتداء الحال، ثم لما خرج به إلى باب المسجد فأركبه
البراق، استمر في يقظته.
وأما ما وقع في رواية شريك عنده أيضًا فلما استيقظت فإن قلنا بالتعدد فلا
إشكال، وإلا حمل على أن المراد استيقظت: أفقت، يعني أنه أفاق مما كان فيه
عنه ألم الاعتذار) الذي اعتذر به موسى، أنه إنما استاك لإنكار رائحة فمه، (ويؤخذ من هذا: أن
مقام نبينا عَّ بالنسبة إلى مقام موسى عليه الصلاة والسلام مقام المراد،) حيث طلب
للمناجاة بلا سؤال، (بالنسبة إلى مقام المريد،) بقوله: ﴿رب أرني أنظر إليك﴾ [الأعراف/
١٤٣]، (ويحتمل أن يكون توطئة وتمهيد لكونه فرج عن صدره، فأراه الملك بإفراجه عن
السقف، ثم التئام السقف على الفور كيفية،) أي: صفة (ما يصنع به، وقرب له الأمر في
نفسه بالمثال المشاهد في بيته لطفًا في حقه عليه السلام وتثبيتًا لبصره،) وفي الفتح قيل:
الحكمة في نزوله عليه من السقف الإشارة إلى المبالغة في مفاجآته بذلك، والتنبيه على أن
المراد منه أن يعرج به إلى جهة العلو، (والله أعلم بحقيقة السر) في ذلك، (وقوله: مضطجعًا،
زاد) البخاري (في بدء الخلق بين النائم واليقظان) أي: أن نومه قريب من اليقظة، (وهو
محمول على ابتداء الحال، ثم لما خرج به إلى باب المسجد، فأركبه البراق استمر في
يقظته) التي لا يخالطها نوم.
وفي نسخة؛ لما أخرج به بزيادة الباء في المفعول، والأصل أخرجه، فهو مبني للفاعل،
(وأما ما وقع في رواية شريك عنده،) أي: البخاري، (أيضًا) في كتاب التوحيد في آخر
الحديث، (فلما استيقظت) لفظ الحديث في الصحيح: واستيقظ وهو بالمسجد الحرام، (فإن
قلنا بالتعديد) للمعاريج، (فلا إشكال،) لأنه معراج آخر في النوم، (وإلا حمل على أن المراد
استيقظت أفقت، يعني أنه أفاق مما كان فيه من شغل البال بمشاهدة الملكوت،) باطن

٤٤
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
من شغل البال بمشاهدة الملكوت ورجع إلى العالم الدنيوي، فالمراد: الإفاقة
البشرية من الغمرة الملكية.
وقوله: إذا أتاني آت هو جبريل عليه السلام، وفي رواية شريك أنه جاءه ثلاثة
نفر، قبل أن يوحى إليه، وهو نائم في المسجد الحرام، فقال أولهم: أيهم هو؟ قال
أوسطهم: هو خيرهم، فقال آخرهم: خذوا خيرهم وكانت تلك الليلة - أي كانت
تلك القصة الواقعة تلك الليلة ما ذكر هنا- فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى فيما
الملك، (ورجع إلى العالم الدنيوي فالمراد: الإفاقة البشرية) التي يكون البشر عليها عادة (من
الغمرة الملكية) التي كان عليها.
وقال ابن أبي جمرة: لو قال ◌َّ أنه كان يقظانًا لأخبر بالحق، لأن نومه ويقظته سواء،
وعينه أيضًا لم يكن النوم تمكن منها، لكن تحرى الصدق في الإخبار بالواقع، فيؤخذ منه أنه لا
يعدل عن حقيقة اللفظ إلا لضرورة.
(وقوله: إذ أثاني آت، وهو جبريل عليه السلام،) ووقع في بدء الخلق، وذكر بين
الرجلين وهو مختصر، أوضحته رواية مسلم بلفظ: إذ سمعت قائلاً يقول: أحد الثلاثة بين
الرجلين، فأتيت، فانطلق بي، والمراد بالرجلين حمزة وجعفر، كان عَ لّه نائمًا بينهما.
قال ابن أبي جمرة: وفيه تواضعه وحسن خلقه، إذ أنه في الفضل حيث هو، ومع ذلك
كان يضطجع مع الناس، ويقعد معهم، ولم يجعل لنفسه مزية عليهم، وفيه جواز نوم جماعة في
موضع واحد، لكن بشرط أن يكون لكل واحد منهم ما يستر به جسده.
(وفي رواية شريك،) عن أنس في الصحيحين: (أنه جاءه) بكسر الهمزة، وللكشميهني:
إذا بدل أنه، والأولى أولى، وللحموي والمستملي؛ أنه بفتح الهمزة، وجاء بلا ضمير، (ثلاثة
نفر).
قال الحافظ: لم أقف على أسمائهم صريحًا، لكن في رواية الطبري: فأتاه جبريل وميكائيل
أنھی.
وكذا رواه ابن جرير وأبو يعلى، ويقال: إن الثالث إسرافيل، (قبل أن يوحى إليه وهو نائم
في المسجد الحرام، فقال أولهم) جبريل، (أيهم هو) لأنه كان نائمًا بين حمزة وجعفر كما
علم، (قال: أوسطهم،) أي: الثلاثة الذين جاءوه وهو ميكائيل، (هو خيرهم، فقال آخرهم:)
الثالث.
ولأبي ذر عن الكشميهني: أحدهم بالدال، أي: أحد الثلاثة، (خذوا خيرهم، وكانت تلك
الليلة، أي: كانت تلك القصة الواقعة تلك الليلة ما ذكر هنا) بالضمير المستتر في كانت

٤٥
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
يرى قلبه وتنام عينه ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم فلم
یکلموه حتى احتملوه ...
وقد أنكر الخطابي قوله: قبل أن يوحى إليه ولذلك قال القاضي عياض
والنووي، وعبارة النووي: وقع في رواية شريك - يعني هذه - أوهام أنكرها العلماء،
أحدها قوله: قبل أن يوحى إليه وهو غلط لم يوافق عليه، وأجمع العلماء على أن
فرض الصلاة كان ليلة الإسراء، قبل الوحي. انتهى. فقد صرح هؤلاء بأن شريكًا
تفرد بذلك.
لكن قال الحافظ ابن حجر: في دعوى التفرد نظر، فقد وافقه كثيربن
خينس - بالمعجمة ونون مصغرًا - عن أنس، كما أخرجه سعيدبن يحيى بن سعيد
الأموي في كتاب المغازي له من طريقه. قال: ولم يقع التعيين بين المجيئين،
المحذوف، وكذا خبر كان، وهذا شرح من المصنف لقوله، وكانت تلك الليلة، (فلم يرهم
حتى أتوه ليلة أخرى) هي ثالثة على ما يفيده رواية ابن مردويه عن أنس بلفظ: حتى أتوه ليلة
أخرى، فقال الأول: هو هو، فقال الأوسط: نعم، وقال الآخر: خذوا سيد القوم، فرجعوا عنه،
حتى إذا كانت الليلة الثالثة رآهم، فقال الأول: هو، فقال الأوسط: نعم، وقال الآخر: خذوا سيد
القوم الأوسط بين الرجلين، فاحتملوه حتى جاءوا به زمزم، فاستلقوه على ظهره، وكان مجيء
الملائكة له، (فيما يرى قلبه وتنام عينه ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام
قلوبهم،) الثابت في الروايات أنه كان يقظة، فإن قلنا بالتعدد فلا إشكال، وإلا حمل على أنه كان
في طرفي القصة نائمًا، وليس في ذلك ما يدل على كونه نائمًا في كلها، (فلم يكلموه) عَـ
(حتی احتملوه،) فوضعوه عند بئر زمزم، فتولاه منهم جبريل، کما في نفس حديث شريك.
(وقد أنكر الخطابي قوله قبل أن يوحى إليه، ولذلك قال القاضي عياض، والنووي،)
وابن حزم وعبد الحق، (وعبارة النووي: وقع في رواية شريك، يعني هذه أوهام،) أزيد من
عشرة، فصلها الحافظ، وأجاب عن بعضها، (أنكرها العلماء، أحدها) مبتدأ خبره (قوله: قبل أن
يوحى إليه، وهو غلط) من شريك، (لم يوافق عليه، وأجمع العلماء على أن فرض الصلاة
كان ليلة الإسراء،) فكيف يكون الإسراء (قبل الوحي. انتهى) كلام النووي.
(فقد صرح هؤلاء) الخطابي ومن بعده، (بأن شريكًا تفرد بذلك، لكن قال الحافظ ابن
حجر في دعوى التفرد نظر، فقد وافقه كثير بن خنيس (بالمعجمة ونون مصغرًا) عن أنس،
كما أخرجه سعيد بن يحيى بن سعيد) بن أبان بن سعيد بن العاصي، (الأموي) أبو عثمان

٤٦
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء .
فيحمل على أن المجيء الثاني كان بعد الوحي، وحينئذٍ وقع الإسراء والمعراج.
وإذا كان بين المجيئين مدة فلا فرق بين أن تكون تلك المدة ليلة واحدة أو ليالي
أو عدد سنين. وبهذا يرتفع الإشكال عن رواية شريك، ويحصل به الوفاق أن
الإسراء كان في اليقظة بعد البعثة وقبل الهجرة وسقط تشنيع الخطابي وغيره بأن
شريكًا خالف الإجماع في دعواه أن المعراج كان قبل البعثة، وأقوى ما يستدل به
على أن المعراج كان بعد البعثة، قوله في هذا الحديث نفسه: إن جبريل قال
لبواب السماء إذ قال: أبعث؟ قال: نعم، فإنه ظاهر في أن المعراج كان بعد البعثة.
ووقع في رواية ميمون بن سياه - عند الطبراني -: فأتاه جبريل وميكائيل،
البغدادي، ثقة، روى له الشيخان وغيرهما، وربما أخطأ، مات سنة تسع وأربعين ومائتين، (في
كتاب المغازي له من طريقه).
(قال) الحافظ مجيبًا عن إشكال قوله قبل أن يوحى إليه، (ولم يقع التعيين بين
المجيئين) أي: زمن، (فيحمل على أن المجيء الثاني كان بعد الوحي، وحينئذ وقع
الإسراء والمعراج،) فقوله قبل أن يوحى إليه ظرف للمجيء الأول، لا لهما الذي هو منشأ
التغليظ، (وإذا كان بين المجيئين مدة، فلا فرق بين أن تكون تلك المدة ليلة واحدة، أو
ليالي) كثيرة، (أو عدد سنين، وبهذا) التقرير (يرتفع الإشكال عن رواية شريك، ويحصل به
الوفاق) على (أن الإسراء كان في اليقظة بعد البعثة، وقبل الهجرة،) وفي ليلته فرضت
الصلاة، (وسقط تشنيع الخطابي وغيره؛ بأن شريكًا خالف الإجماع في دعواه أن المعراج
كان قبل البعثة).
وقال الحافظ أبو الفضل بن طاهر تعليل الحديث بتفرد شريك، ودعوى ابن حزم؛ أن الآفة
منه شىء لم يسبق إليه، فإن شريكًا قبله أئمة الجرح والتعديل، ووثقوه ورووا عنه، وأدخلوا حديثه
في تصانيفهم، واحتجوا به قال: وحديثه هذا رواه عنه سليمن بن بلال، وهو ثقة، وعلى تقدير
تفرد بقوله قبل أن يوحى إليه، فلا يقتضي طرح حديثه، فوهم الثقة في موضع من الحديث لا
يسقط جميع الحديث، ولا سيما إذا كان الوهم لا يستلزم ارتكاب محذور، ولو ترك حديث من
وهم في تاريخ، لترك حديث جماعة من أئمة المسلمين انتهى.
(وأقوى ما يستدل به على أن المعراج كان بعد البعثة قوله في هذا الحديث نفسه،
أن جبريل قال لبواب السماء: إذ قال: أبعث) إليه، لم يقع في لفظ الحديث إليه، لكن حملها
على المصنف كغيره، فقال إليه للاستواء وصعود السموات وليس الاستفهام عن أصل البعثة
والرسالة، لأنه لا يخفى عليه إلى هذه المدة، ولاشتهار أمر النبوة في الملكوت الأعلى، (قال:

٤٧
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
فقالا: أيهم؟ وكانت قريش تنام حول الكعبة، فقال: أمرنا بسيدهم، ثم ذهبا، ثم
جاؤه وهم ثلاثة نفر. وفي رواية مسلم: سمعت قائلاً يقول: أحد الثلاثة بين الرجلين،
فأتيت فانطلق بي. والمراد بالرجلين: حمزة بن عبد المطلب وجعفر بن أبي طالب، وكان
النبي معَِّ نائمًا بينهما.
وقوله: ((فقدًّ)) بالقاف والدال الثقيلة وفي رواية فشق.
(من ثغره)) بضم المثلثة وسكون الغين المعجمة بعدها، راء الموضع
المنخفض الذي بين الترقوتين.
إلى شعرته بكسر الشين المعجمة، أي شعر العانة الشريفة. وفي رواية مسلم:
إلى أسفل البطن.
نعم، فإنه ظاهر في أن المعراج كان بعد البعثة،) ولفظه: ثم عرج به إلى السماء الدنيا، فضرب
بابًا من أبوابها، فناداه أهل السماء من هذا؟، فقال: جبريل، قالوا: ومن معك؟، قال: محمد، قال:
وقد بعث؟، قال: نعم.
(ووقع في رواية ميمون بن سياه) بكسر السين المهملة وخفة التحتية، البصري، أبي بجر
التابعي، صدوق، عابد، يخطىء، روى له البخاري والنسائي (عند الطبراني، فأتاه جبريل
وميكائيل، فقالا:) المطلوب (أيهم؟،) أي: الثلاثة حمزة، وجعفر والمصطفى، (وكانت قريش
تنام حول الكعبة، فقال:) الملك الآخر الذي لم يسم، (أمرنا بسيدهم، ثم ذهبا، ثم جاؤه وهم
ثلاثة نفر) كما جاؤه أولاً، وكون هذا يقتضي أن الجائين جاؤه أولاً اثنان فقط، ليس بمراد، لأن
الثالث لم يسم كما مر.
(وفي رواية مسلم) من طريق سعيد، عن قتادة، عن أنس، (سمعت قائلاً يقول: أحد
الثلاثة بين الرجلين، فأتيت، فانطلق بي، والمراد بالرجلين حمزة بن عبد المطلب، وجعفر
بن أبي طالب، وكان النبي عَّه نائمًا بينهما،) من مزيد تواضعه، وأجيب أيضًا؛ بأن المراد قبل
أن يوحى إليه في شأن الصلاة، ومنهم من أجراه على ظاهره، ملتزمًا أن الإسراء كان مرتين قبل
النبوة وبعدها، حكاه في المصابيح.
(وقوله: فقد - بالقاف والدال الثقيلة ــ وفي رواية: فشق) وأخرى فرج، والمعنى
واحد، (من ثغرة:) نحره، (بضم المثلثة وسكون الغين المعجمة بعدها راء) الموضع
المنخفض الذي بين الترقوتين) تثنية ترقوة، بزنة فعلوة بفتح الفاء وضم اللام، وهي العظم الذي
بين ثغره النحر والعائق من الجانبين، والجمع التراقي.
قال بعضهم: ولا تكون الترقوة لشىء من الحيوان إلا للإنسان، خاصة (إلى شعرته

٤٨
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
وفي رواية البخاري: إلى مراق البطن.
وفي رواية شريك: فشق جبريل ما بين نحره إلى لبته - بفتح اللام وتشديد
الموحدة - وهو موضع القلادة من الصدر.
وقد أنكر القاضي عياض في ((الشفاء» وقوع شق صدره الشريف ليلة
الإسراء، وقال: إنما كان وهو صبي قبل الوحي في بني سعد.
ولا إنكار في ذلك - كما قاله الحافظ أبو الفضل العسقلاني رحمه الله -
فقد تواترت الروايات به، وثبت شق الصدر أيضًا عند البعثة، كما أخرجه أبو نعيم
(بكسر الشين المعجمة، أي: شعر العانة الشريفة،) أي: الشعر النابت عليها، من إضافة اسم
الحال للمحل.
قال الأزهري: وجماعة العانة منبت الشعر فوق قبل المرأة، وذكر الرجل والشعر الثابت
عليها يقال له الإسب بكسر الهمزة وسكون المهملة وموحدة، وقال الجوهري: هي شعر الركب
بالتحريك، أي: فتح الراء والكاف، منبت العانة للمرأة خاصة عند الخليل، وللرجل أيضًا عند
الفراء.
وقال ابن السكيت وابن الأعرابي: استعان واستحد حد عانته، وعلى هذا فالعانة الشعر
النابت، وذكر الكرماني؛ أنه وقع في رواية إلى ثنته، بضم المثلثة وتشديد النون، أي: ما بين
السرة والعانة.
(وفي رواية مسلم إلى أسفل البطن، وفي رواية البخاري) في بدء الخلق (إلى
مراق،) بفتح الميم وخفة الراء فألف فقاف ثقيلة، وأصله مرافق بقافين، فأدغمت الأولى في
الثانية، أي: ما سفل من بطنه ورق من جلده.
(وفي رواية شريك) عن أنس، (فشق جبريل ما بين نحره إلى لبته) حتى فرغ من
صدره وجوفه (بفتح اللام وتشديد الموحدة - وهو موضع القلادة من الصدر،) وفيه تنحر
الإبل، (وقد أنكر القاضي عياض في الشفاء،) وسبقه إلى الإنكار ابن حزم (وقوع شق صدره
الشريف ليلة الإسراء، وقال: إنما كان وهو صبي وقبل الوحي)، يعني (في بني سعد) بن بكر،
وهو عند مرضعته حليمة، وادعى ابن حزم وعياض؛ أن ذلك من تخليط شريك.
قال الحافظ العراقي: وليس كذلك، فقد ثبت في الصحيحين من غير طريق شريك، وقال
في المفهم: لا يلتفت لإنكاره، لأن رواته ثقات مشاهير، (ولا إنكار في ذلك كما قاله الحافظ
أبو الفضل) أحمد بن حجر (العسقلاني رحمه اللَّه) في الفتح، (فقد تواترت الروايات به،) فقد

٤٩
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
-
في الدلائل، ولكل منها حكمة:
فالأول: وقع فيه من الزيادة، كما عند مسلم من حديث أنس: فاستخرج منه
علقة فقال: هذا حظ الشيطان منك. وكان هذا في زمن الطفولية، فنشأ على أكمل
الأحوال من العصمة من الشيطان. ولعل هذا الشق كان سببًا في إسلام قرينه
المروي عند البزار من حديث ابن عباس. ويحتمل أن يكون الإشارة إلى حظ
الشيطان المباين كالعفريت الذي أراد أن يقطع عليه صلاته وأمكنه اللَّه منه.
وأما شق الصدر عند البعث، فلزيادة الكرامة، وليتلقى ما يوحى إليه بقلب
ثبت في الصحيحين من حديث لملك بن صعصعة، وفي مسلم وغيره عن أنس في روايته عن
النبي ◌َّهُ بلا واسطة، وفي الصحيحين من رواية أنس عن أبي ذر وله طرق أخرى.
(وثبت شق الصدر أيضًا عند البعثة، كما أخرجه أبو نعيم في الدلائل،) والطيالسي
والحرث بن أبي أسامة، والبيهقي في الدلائل من حديث عائشة، وقدمته في المقصد الأول في
المبعث النبوي، (ولكل منها،) أي: المرات الثلاث المذكورة في بني سعد، ثم عند المبعث، ثم
ليلة الإسراء، (حكمة، فالأول) الذي وقع، وهو عند حليمة (وقع فيه من الزيادة، كما عند
مسلم من حديث أنس؛) أن رسول اللَّه عَّ أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه وصرعه،
فشق عن قلبه، واستخرج القلب، ثم شقه، (فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان،)
أي: الموضع الذي يتوصل منه إلى وسوسة الناس، ولا ينافيه قوله (منك) لجواز تقدير مضاف، أي:
من مثلك من بني آدم، وبقية خبر مسلم، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه،
فأعاده مكانه، وجعل الغلمان يسعون إلى أمه، يعني ظهره، فقالوا: إن محمدًا قد قتل، فجاؤوا وهو
منتقع اللون.
قال أنس: فلقد كنت أرى أثر المخيط في صدره. (وكان هذا في زمن الطفولية، فنشأ
على أكمل الأحوال من العصمة من الشيطان) وغيره، وخلقت هذه العلقة، لأنها من جملة
الأجزاء الإنسانية، فخلقت تكملة للخلق الإنساني، ونزعها كرامة ربانية أبلغ من خلقه بدونها،
قاله التقي السبكي، وقال غيره: لو خلق سليمًا منها لم يطلع الآدميون على حقيقته، فأظهره اللَّه
على يد جبريل، ليتحققوا كمال باطنه، كما برز لهم مكمل الظاهر.
(ولعل هذا الشق كان سببًا في إسلام قرينه،) أي: صاحبه الموكل به من الجن،
(المروي عند البزار من حديث ابن عباس،) رفعه: فضلت على الأنبياء بخصلتين: كان شيطاني
كافرًا، فأعانني اللَّه عليه، فأسلم، قال: ونسيت الأخرى، (ويحتمل أن يكون) قوله هذا حظ
الشيطان منك، (الإشارة إلى حظ الشيطان المباين،) أي: خلاف القرين، (كالعفريت الذي

٥٠
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
قوي على أكمل الأحوال من التطهير.
وأما شقه عند إرادة العروج إلى السماء، فللتهيؤ للترقي إلى الملأ الأعلى،
والثبوت في المقام الأسنى، والتقوي لاستجلاء الأسماء الحسنى، ولهذا لما لم
يتفق لموسى عليه والسلام مثل هذا التهيؤ لم تتفق له الرؤية، وكيف يثبت الرجل
لما لا يثبت له الجبل؟ !.
ويحتمل أن تكون الحكمة في هذا الغسل، لتقع المبالغة في الإسباغ
بحصول المرة الثالثة، كما تقرر في شرعه عليه السلام.
ثم إن جميع ما ورد من شق الصدر، واستخراج القلب، وغير ذلك من
أراد أن يقطع عليه صلاته، وأمكنه اللّه منه،) وقدمت لفظ الحديث قريبًا في الخصائص، وإن
لفظ عفريت ظاهر في أن المراد غير إبليس، كما قال الحافظ.
(وأما شق الصدر عند البعث فلزيادة الكرامة، وليتلقى ما يوحى إليه بقلب قوي على
(كمل الأحوال من التطهير،) وكذلك كان.
(وأما شقه عند إرادة العروج إلى السماء، فللتهيؤ للترقي إلى الملأ الأعلى والثبوت
في المقام الأسنى، والتقوى لاستجلاء) بالجيم، (الأسماء الحسنى،) يعني رؤية اللَّه سبحانه،
بدليل قوله، (ولهذا لما لم يتفق لموسى عليه السلام مثل هذا التهيؤ، لم تتفق له الرؤية) مع
كونه سألها، (وكيف يثبت الرجل لما لا يثبت له الجبل) المذكور في قوله: ﴿لن تراني ولكن
أُنظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكًا﴾ [الأعراف/
١٤٣]، والحافظ قال حكمة ذلك ليتأهب للمناجاة، (ويحتمل أن تكون الحكمة فى هذا
الغسل لتقع المبالغة في الإسباغ بحصول المرة الثالثة، كما تقرر في شرعه عليه السلام،)
كذا أبدى هذا الاحتمال تبعًا للحافظ، مع أنه قال في المقصد الأول.
روى أبو نعيم الشق أيضًا، وهو ابن عشر قال: وروى خامسة، ولا تثبت، وحكمته أن
العشر قريب من سن التكليف، فشق قلبه وقدس حتى لا يتلبس بشىء مما يعاب على الرجال،
إلا أن يكون جعل مرتي الصبا بمنزلة المرة الواحدة.
قال النعماني: وقد سن لداخل الحرم الغسل، فما ظنك بداخل الحضرة المقدسة، فلما
كان الحرم من عالم الملك، وهو ظاهر الكائنات، نيط الغسل له بظاهر البدن في عالم
المعاملات، ولما كانت الحضرة الشريفة من عالم الملكوت، وهو باطن الكائنات، نيط لها
الغسل بباطن البدن في التحقيقات، وقد عرج به لتفرض عليه الصلوات، وليصلي بملائكة
السموات، ومن شأن الصلاة الطهور، فقدس ظاهرًا وباطنًا، قال: وقد رأيت في بعض المعاريج أن

٥١
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
الأمور الخارقة للعادة، مما يجب التسليم له دون التعرض لصرفه عن حقيقته،
لصلاحية القدرة، فلا يستحيل شىء من ذلك.
قال العارف ابن أبي جمرة: فيه دليل على أن قدرة اللَّه تعالى لا يعجزها
ممكن، ولا تتوقف لعدم شىء ولا لوجوده، وليست مربوطة بالعادة إلا حيث شاءته
القدرة، لأنه على ما يعهد ويعرف أن البشر مهما شق بطنه كله وانجرح القلب
مات ولم يعش، وهذا النبي عَّه قد شق بطنه المكرمة، حتى أخرج القلب وغسل،
جبريل وضأه بعد غسل قلبه، قلت ليصير مطهرًا متطهرًا انتهى.
(ثم إن جميع ما ورد،) وبينه بقوله، (من شق الصدر واستخراج القلب، وغير ذلك من
الأمور الخارقة للعادة،) كاختراق السموات (مما يجب التسليم له،) أي: تسليمه، فاللازم زائدة
للتقوية (دون التعرض لصرفه عن حقيقته لصلاحية القدرة، فلا يستحيل شىء من ذلك،) لأن
القدرة إنما تتعلق بالممكن دون المستحيل، هكذا قاله القرطبي في المفهم، والطيبي، والتوربشتي
والحافظ في الفتح، والسيوطي وغيرهم، ويؤيده الحديث الصحيح، أنهم كانوا يرون أثر المخيط
في صدره . .
قال السيوطي: وما وقع من بعض جهلة العصر من إنكار ذلك، وحمله على الأمر المعنوي،
وإلزام قائله القول بقلب الحقائق، فهو جعل صراح، وخطأ قبيح، نشأ من خذلان اللَّه تعالى لهم،
وعكونهم على العلوم الفلسفية، وبعدهم عن دقائق السنة، عافانا اللَّه من ذلك انتهى.
(قال العارف ابن أبي جمرة:) بجيم وراء، (فيه دليل على أن قدرة اللَّه تعالى لا
يعجزها ممكن،) أي: لا يمنعها من التعلق به، بل يجوز تعلقها بسائر الممكنات، لا
بالمستحيلات، فلا تتعلق بها أصلاً، ولذا قيد بممكن، فلا يفهم منه أنها تعجز عن التعلق
بالمستحيل، لأنها لا تتعلق به أصلاً، فلا يلتفت إلى مثل هذا الإيهام، (ولا تتوقف،) أي: لا
تتخلف عن إيجادها إرادة، (لعدم) وجود (شىء) يؤثر فيما تعلقت به، (ولا لوجوده،) أي: شىء
يمنع تأثيرها فيما تعلقت به، (وليست مربوطة بالعادة،) أي: ليس تأثيرها قاصرًا على ما جرت به
العادة، بل عام في جميع الممكنات، (إلا حيث شاءته،) أي: ربط التأثير بالعادة (القدرة،) ونسبة
المشيئة إلى القدرة تسمح، إذ المشيئة إنما تنسب للقادر لا لشىء من صفاته، فهو إما على
حذف مضاف، أي: ذو القدرة، أو مصدر بمعنى القادر، (لأنه على ما يعهد ويعرف أن البشر)
(بفتحتين)، ذكرًا أو أنثى، واحدًا أو جمعًا، وقد يثنى ويجمع أبشارًا، كما في القاموس.
وفي المصباح؛ أن العرب ثنوه ولم يجمعوه من التثنية، أنؤمن لبشرين، (مهما شق بطنه
كله، وانجرح القلب مات ولم يعش،) وكذا سائر الحيوان، واقتصر على البشر لكون
1

٥٢
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
وقد شق بطنه كذلك أيضًا وهو صغير وشق قلبه وأخرج منه نزغة الشيطان. ومعلوم
أن القلب مهما وصل له الجرح مات صاحبه، وهذا النبي عليه الصلاة والسلام شق
بطنه في هاتين المرتين، ولم يتألم بذلك، ولم يمت لما أن أراد اللَّه تعالى أن لا
يؤثر ما أجرى به العادة، أن يؤثر بها موت صاحبها، فأبطل تلك العادة. وقد رمي
إبراهيم عليه الصلاة والسلام في النار فلم تحرقه، وكانت عليه بردًا وسلامًا. انتهى.
وقد حصل من شق صدره الكريم إكرامه عليه السلام بتحقيق ما أوتي من
الصبر، فهو من جنس ما أكرم به إسماعيل الذبيح بتحقيق صبره على مقدمات
الذبح شدًا وكتفًا وتلاً للجبين، وإهواء بالمدية إلى المنحر فقال: ﴿ستجدني إن
المصطفى منهم لا لإخراج غيره، (وهذا النبي ◌َّةُ قد شق بطنه المكرمة،) أنثه باعتبار
الجارحة، وإلا فالبطن خلاف الظهر مذكر، (حتى أخرج القلب وغسل) وهو حي، (وقد شق
بطنه كذلك،) كهذا الشق الواقع في المعراج (أيضًا، وهو صغير، وشق قلبه، وأخرج منه نزغة
الشيطان) أي: محل نزغته، أي: وسوسته الحاملة على خلاف ما أمر به كاعتراه غضب وفكر،
(ومعلوم أن القلب مهما وصل له الجرح، مات صاحبه، وهذا النبي ◌َّ شق بطنه في هاتين
المرتين،) وأخرج قلبه وشق، (ولم يتألم بذلك، ولم يمت لما أراد اللَّه تعالى أن لا يؤثر
ماء) أي: شيئًا، أو الذي (أجرى به العادة أن يؤثر بها موت صاحبها، فأبطل تلك العادة،)
جواب لما، ودخول الفاء فيه قليل، قاله شيخنا، والأظهر أن اللام في لما تعليلية لعدم موته،
فالفاء للتفريع على التعليل.
(وقد رُمي إبراهيم عليه الصلاة والسلام في النار، فلم تحرقه، وكانت عليه بردًا
وسلامًا،) أي: إن شق الصدر الشريف، وإن كان خارقًا للعادة، لا بعد فيه، لأنه ممكن، وقد وقع
مثله للخليل حيث فعل به ما هو مهلك عادة، ولم يؤثر فيه شىء، فذكره للتقريب. (انتهى) كلام ابن
أبي جمرة.
(وقد حصل من شق صدره الكريم إكرامه عليه السلام، بتحقيق ما أوتي من الصبر،)
بجعله صفة قائمة به، وكان ذلك تحقيقًا له لبروزه إلى الوجود الخارجي، (فهو من جنس ما
أكرم به إسمعيل الذبيح) على أحد القولين الشهيرين، والثاني إسحق، وليت شعري، أي: اقتضاء
فيمن حكى هذين القولين في الذبيح أن إبراهيم ليس له غيرهما من الأولاد، مع أن أولاده ثلاثة
عشر، كلهم ذكور، كما في تاريخ ابن كثير، أو خمس منهم أناث على ما في الروض (بتحقيق
صبره على مقدمات الذبح شدًا وكتفًا، وتلا) إلقاء (للجبين، وإهواء بالمدية) السكين، (إلى

٥٣
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
شاء اللَّه من الصابرين﴾ [الصافات/١٠٢]، ووفي بما وعد اللّه تعالى، فأكرمه اللَّه
بالثناء على صبره إلى الأبد.
ولا مرية أن الذي حصل من صبر نبيناعَّ له أشد وأجل، لأن تلك مقدمات
وهذه نتيجة، وتلك معاريض وهذه حقيقة، والمنحر مقتل وما أصابه من إسماعيل
إلا صورة القتل لا فعله، وشق صدر نبينا عَّهُ. واستخراج قلبه ثم شقه ثم كذا
مقاتل عديدة وقعت كلها، ولكن انخرقت العادة ببقاء الحياة، فهذا الابتلاء أعظم
من ابتلاء الذبيح بما ذكر.
فإن قلت: إنما يتحقق الصبر أن لو كانت هناك مشقة، فلعل العادة لما
المنحر،) يعني أنه لما تلّه للجبين، بأن ألقاه على جنبه انقلب على جبهته، أو أنه فعل ذلك
بإشارته لئلا يرى فيه تغيرًا، فيرق له فلا يذبحه، (فقال: ﴿ستجدني إن شاء الله من الصابرين)
[الصافات/١٠٢] ،) على الذبح، أو على قضاء اللَّه، وترتيب ما ذكر على ما قبله يقتضي أن قوله
ذلك بعده، وسوق الآية صريح أنه قال ذلك جوابًا لقول أبيه: ﴿يا بني إني أرى في المنام أني
أذبحك فانظر ماذا ترى﴾، إلا أن تجعل الفاء في المصنف بمعنى الواو، ولفظ ابن المنير متبوع
المؤلف، وقد قال: ستجدني بالواو، (ووفي بما وعد اللّه تعالى) بقوله: ﴿ستجدني) الآية
(فأكرمه اللَّه بالثناء على صبره إلى الأبد، ولا مرية) بكسر الميم، أي: لا شك، (أن الذي
حصل من صبر نبينا معَّ أشد وأجل، لأن تلك) الأحوال الواقعة لإسمعيل من الشد والكتف
والتل (مقدمات) للذبح، (وهذه) الواقعة للمصطفى (نتيجة) ما يفعل بمن أريد ذبحه، أو نحوه
من الأثر الذي قصد ترتبه على الفعل.
(وتلك معاريض،) أي: مقدمات لا حقائق، وتسميتها معاريض تجوز، إذ هي لغة التورية،
فشبه المقدمات بالمعاريض، واستعار له اسمه لما سبق في علم اللَّه، أن حقيقة ما أمر به أبوه من
الذبح لا يقع، (وهذه حقيقة، والمنحر مقتل،) أي: يصدق عليه، وليس مفهومهما واحدًا، إذ
المنحر موضع النحر من الحلق، ويكون مصدرًا أيضًا، (وما أصابه)) أي: المنحر (من إسماعيل)
ظاهره أنه أمر السكين على منحره، مع أن الفداء وقع قبل مرور السكين إليه، فقوله (إلا صورة
القتل لا فعله،) أي: الصورة التي تحصل عند إرادة القتل، (وشق صدر نبينا عَنّده، واستخراج
قلبه ثم شقه، ثم كذا،) أي: نزع العلقة منه وغسله، ونحو ذلك، (مقاتل عديدة:) جمع مقتل،
(وقعت كلها، ولكن انخرقت العادة ببقاء الحياة، فهذا الابتلاء أعظم من ابتلاء الذبيح بما
ذکر).

٥٤
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
انخرقت في إبقاء الحياة انخرقت في دفع المشاق وحمل الآلام.
أجيب: بأنه ورد في حديث شق صدره: فأقبل وهو منتقع اللون أو ممتقع،
بالميم بدل النون، وهو يدل على أن الصبر على مشقة المعالجة المذكورة محقق.
انتھی.
قال القاضي عياض: وأصل ((انتقع)) صار كلون النقع، والنقع الغبار، وهو
شبيه بلون الأموات، وهذا يدل على غاية المشقة.
وأما قول ابن الجوزي: فشقه وما شق عليه، فيحمل على أنه صبر صبر من
لا یشق عليه. انتهى.
وكذلك الابتلاء أيضًا من حيث الشق، فإن ذلك وقع لنبينا عَِّ بعيد ما
وفي المصباح: المقتل الموضع الذي إذا أصيب لا يكاد صاحبه يسلم، والواقع للمصطفى
أسباب تفضي إلى القتل، فلعل المقاتل في المصنف جمع: مقتل، بمعنى القتل، وأطلقه على
سببه مجازًا، (فإن قلت: إنما يتحقق الصبر أن لو كانت هناك مشقة، فلعل العادة لما انخرقت
في إبقاء الحياة،) أي: لم تؤثر إزالتها، بل استمرت بعدما يوجب إزالتها عادة، وفي نسخ في
بقاء، وهي أظهر، لأن البقاء استمرار الحياة، وهو أثر الإبقاء، (أنخرقت) أيضًا (في دفع المشاق
وحمل الآلام،) فلا تتم المفاضلة المذكورة بينه وبين الذبح، (أجيب،) أي: أجاب ابن المنير؛
(بأنه ورد في حديث شق صدره) في بني سعد وهو صغير، (فأقبل، وهو منتقع اللون) بنون
ففوقية فقاف مفتوحة، أي: متغير، (أو ممتقع بالمیم بدل النون)، روايتان قاله ابن المنير.
قال الكسائي: انتقع مبنيًا إذا تغير من حزن أو فزع، قال: وكذا ابتقع بالموحدة، وامتقع
بالميم أجود، قاله الجوهري، أي: مبنيًّا للمفعول، صرح به المجد وغيره، وفي المصباح ما يفيد
بناءه للفاعل، (وهو يدل على أن الصبر على مشقة المعالجة المذكورة محقق) فتتم
المفاضلة. (انتهى) ما أجيب به.
(قال القاضي عياض: وأصل انتقع صار كلون النقع، والنقع الغبار، وهو شبيه بلون
الأموات، وهذا يدل على غاية المشقة،) إذ لا يصير كلون الأموات إلا بعد مشقة شديدة،
(وأما قول ابن الجوزي، فشقه وما شق عليه،) أي: ما آلمه ذلك الشق، (فيحمل على أنه
صبر صبر من لم يشق عليه،) ويحمل أيضًا على أنه ما شق عليه المشقة التي تحصل مثلها
عادة من ذلك الفعل، فلا ينافي حصول مشقة دون المعتاد، فنزلها منزلة العدم، (انتهى) كلام ابن
المنير.

٥٥
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
فطم، وأيضًا: فإنه كان منفرداً عن أمه ويتيمًا من أبيه، واختطف من بين الأطفال،
وفعل به ما فعل من الأهوال تسهيلاً لما يلقاه في المآل، وتعظيمًا لما يناله على
الصبر من الثواب والثناء، ولهذا لما شج وجهه الشريف وجرح وكسرت رباعيته
قال: ((اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون))، زاده اللَّه شرفًا وفضلاً.
وقوله: ((ثم أتيت بطست من ذهب)) إنما أتي بالطست لأنه أشهر آلات
الغسل عرفًا.
فإن قلت: إن استعمال الذهب حرام في شرعه عليه السلام فكيف استعمل
الطست الذهب هنا؟.
أجاب العارف ابن أبي جمرة: بأن تحريم الذهب إنما هو لأجل الاستمتاع به
وفي الشامي: اختلف هل وقع له مع ذلك مشقة أم لا؟، فقال الحافظ: من غير مشقة، وبه
جزم ابن الجوزي، فقال: فشقه وما شق عليه، وقال ابن دحية: بمشقة عظيمة، ولهذا انتقع لونه،
أي: صار كلون النقع، قلت رواية انتقع لونه حكاية لما وقع في المرة الأولى وهو صغير في بني
سعد، وأما ما وقع بعدها، فلم ينقل أنه تأثر لذلك. انتهى.
(وكذلك الابتلاء أيضًا من حيث الشق، فإن ذلك وقع لنبينا معَِّ بعيد،) بلفظ التصغير،
(ما فطم) بشهرين أو ثلاثة، وكان فطامه بعد عامين، (وأيضًا كان منفردًا عن أمه) في بني سعد،
وأمه بمكة، (ويتيمًا من أبيه،) لموته وهو حمل على الصحيح، (واختطف من بين الأطفال)
الذين كان معهم في البرية، (وفعل به ما فعل من الأهوال تسهيلاً لما يلقاه في المآل،
وتعظيمًا لما يناله على الصبر من الثواب والثناء) من الكبير المتعال، (ولهذا لما شُجّ وجهه
الشريف) في أحد، (وجرح وكسرت رباعيته) بفتح الراء الموحدة وخفة التحتية، (قال: اللهم
اغفر لقومي) مغفرة تصرف عنهم عذاب الاستئصال، (فإنهم لا يعلمون) رفع قدري عندك،
فأعتذر عنهم بالجهل الحكمي، وإن كان بعد الآيات البينات ليس بعذر، ولم يقل يجهلون
تحسينًا للعبارة ليجذبهم بزمام لطفه إلى الإيمان، ويدخلهم بعظيم عفوه، حرم الأمان، (زاده الله
شرفًا وفضلاً)
(وقوله: ثم أتيت بطست من ذهب، إنما أتى بالطست لأنه أشهر،) أي: أظهر (آلات
الغسل عوفًا) من حيث إن استعماله للغسل أكثر من استعمال غيره، (فإن قلت: إن استعمال
الذهب حرام في شرعه عليه السلام،) بنصه على حرمته، (فكيف استعمل الطست الذهب

٥٦
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
في هذه الدار، وأما الآخرة فهو للمؤمنين خالصًا، لقوله عليه السلام: ((هو لهم في
الدنيا وهو لنا في الآخرة)). قال: ثم إن الاستمتاع بهذا الطست لم يحصل منه
عليه الصلاة والسلام وإنما كان غيره في السائق له والمتناول لما كان فيه حتى
وضعه في القلب المبارك.
فسوقان الطست من هناك، وكونه كان من ذهب دال على ترفيع المقام
فانتفى التعارض بدليل ما قررنا. انتهى.
وتعقبه الحافظ ابن حجر: بأنه لا يكفي أن يقال: إن المستعمل له ممن لم
يحرم عليه ذلك من الملائكة، لأنه إذا كان قد حرم عليه استعماله لتنزه أن
يستعمله غيره في أمر يتعلق ببدنه المكرم. ويمكن أن يقال: إن تحريم استعماله
مخصوص بأحوال الدنيا، وما وقع في تلك الليلة كان الغالب أنه من أحوال
الغيب، فيلحق بأحوال الآخرة، ولعل ذلك كان قبل أن يحرم الذهب في هذه
هنا،) قلت: (أجاب العارف ابن أبي جمرة؛ بأن تحريم الذهب،) أي: علته، (إنما هو لأجل
الاستمتاع به في هذه الدار) الدنيا، (وأما الآخرة فهو للمؤمنين خالصًا لقوله عليه السلام: «هو
لهم في الدنيا) الفانية، (وهو لنا في الآخرة))) الباقية، وما هنا كان الغالب أنه من أحوال الآخرة.
(قال) ابن أبي جمرة: (ثم إن الاستمتاع بهذا الطست لم يحصل منه عليه الصلاة
والسلام) حتى يجيء السؤال، (وإنما كان غيره في السائق،) أي: الحامل (له) حتى أحضره له،
يقال ساق الصداق إلى امرأته: حمله إليها، (والمتناول لما كان فيه حتى وضعه في القلب
المبارك، فسوقان) مصدر على فعلان هذا ظاهره، ولم يذكره الجوهري، ولا المجد ولا
غيرهما، وإنما قالوا في مصدر ساق سوقًا، وسياقة ومساقًا، فينظر سند المصنف (الطست من
هناك، وكونه كان من ذهب دال على ترفيع المقام،) أي: إعلائه، (فانتفى التعارض بدليل
ما قررنا، انتهى) جواب ابن أبي جمرة، وهو مشتمل على جوابين، أحدهما مسلم وهو الأول.
(و) الثاني: (تعقبه الحافظ ابن حجر؛ بأنه لا يكفي أن يقال إن المستعمل له ممن لم
يحرم عليه ذلك من الملائكة، لأنه إذا كان قد حرم عليه استعماله لتنزه أن يستعمله غيره
في أمر يتعلق ببدنه المكرم،) لأنه صين عما يخالف شرعه حتى قبل النبوّة، (ويمكن أن يقال)
في الجواب؛ (إن تحريم استعماله مخصوص بأحوال الدنيا، وما وقع تلك الليلة كان الغالب
أنه من أحوال الغيب:) ما غاب عن مشاهدة الناس، (فيلحق بأحوال الآخرة،) وهذا مستفاد من
الجواب الأول لابن أبي جمرة، فأشار إلى توافقهما عليه، والحافظ لم ينقل كلامه إنما قال:

٥٧
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
الشريعة. ويظهر لههنا مناسبات: منها أنه من أواني الجنة، ومنها أنه لا تأكله النار
ولا التراب، ومنها أنه لا يلحقه الصدأ، ومنها أنه أثقل الجواهر فناسب قلبه عليه
الصلاة والسلام لأنه من أواني أحوال الجنة، ولا تأكله النار ولا التراب، كما قال
عَّهِ: (إن اللَّه حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء))، ولا يلحقه الصدأ، ومنها
أنه أثقل الجواهر، فناسب قلبه عليه الصلاة والسلام، لأنه من أواني أحوال الجنة،
وأنه أثقل من كل قلب عدل به، وفيه مناسبة أخرى وهي ثقل الوحي فيه. انتهى.
قلت: قوله: ((ولعل ذلك قبل أن يحرم استعمال الذهب في هذه الشريعة)). قد
جزم هو في أول الصلاة من كتابه فتح الباري: بأنه تحريم الذهب إنما وقع بالمدينة.
قال السهيلي وابن دحية: إن نظر إلى لفظ الذهب ناسب من جهة إذهابه
(ولعل ذلك كان قبل أن يحرم الذهب في هذه الشريعة،) ولا يكفي أن يقال إلى آخر ما ذكر
المصنف، فقوله: ولعل جواب مستقل فهي ثلاثة، وقال، أعني الحافظ في أول كلامه: خص
الذهب لكونه أعلى الأواني الحسنة وأصفاها، ولأن فيه خواص ليست لغيره، ووصل هذا بقوله:
(ويظهر) لها (ههنا مناسبات) للناظر في المقام، لا من خصوص ما قدمه (منها، أنه من أواني
الجنة،) كما قال تعالى: ﴿يطاف عليهم بصحاف من ذهب﴾ [الزخرف/٧١]، (ومنها أنه لا
تأكله النار،) وكذلك القرآن لا تأكله النار، ولا قلبًا وعاه، ولا بدنًا عمل به يوم القيامة، ففيه
مناسبة له، (ولا التراب) لا يأكله؛ ولا يغيره، وكذلك القرآن لا يستطاع تغييره، كذا في الروض.
(ومنها أنه لا يلحقه الصدأ) بفتح المهملتين مهموز.
(ومنها أنه أثقل الجواهر، فناسب قلبه عليه الصلاة والسلام، لأنه من أوانى أحوال
الجنة،) أي: من الأواني التي تستعمل في الأحوال التي تقع في الجنة وتحتاج إلى إناءٍ، وعبارة
الحافظ: ومنها أنه أثقل الجواهر، فناسب ثقل الوحي، (ولا تأكله النار ولا التراب كما قال ءَ
ـة: ((إن
الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء)))، ولا يلحقه الصدأ، بخلاف غيره، كما قال إن
القلوب لتصدأ.
(وأنه أثقل من كل قلب عدل به، وفيه مناسبة أخرى، وهو ثقل الوحي فيه. انتهى)
كلام الحافظ.
(قلت قوله: ولعل ذلك قبل أن يحرم استعمال الذهب في هذه الشريعة،) يشعر أنه لم
يطلع فيه على شىء، وإنما ترجاه من نفسه، وينافيه أنه (قد جزم هو في أول الصلاة من كتابه
فتح الباري؛ بأنه تحريم الذهب إنما وقع بالمدينة،) حيث قال: أبعد من استدل به، أي: حديث
المعراج على جواز تحلية المصحف وغيره بالذهب، لأن المستعمل له الملك، فيحتاج إلى

٥٨
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
الرجس عنه ولكونه وقع عند الذهاب إلى ربه، وإن نظر إلى معناه، فلوضاءته ونقائه
وصفاته. انتهى.
والمراد بقوله: ملىء حكمة وإيمانًا أن الطست جعل فيها شىء يحصل به
كمال الإيمان والحكمة، فسمي حكمة وإيمانًا مجازًا.
والملء يحتمل أن يكون حقيقة وبجسد المعاني جائز، كما جاء أن سورة البقرة.
ثبوت كونهم مكلفين بما كلفنا به، ووراء ذلك أن ذلك كان على أصل الإباحة، لأن تحريم
الذهب إنما وقع بالمدينة كما سيأتي واضحًا في اللباس انتهى.
(قال السهيلي و) تلميذه (ابن دحية: إن نظر إلى لفظ الذهب ناسب من جهة إذهابه
الرجس الإثم والسوء عنه ولكونه وقع عند الذهاب إلى ربه، وإن نظر إلى معناه فلو ضاءته
ونقائه وصفائه،) ولثقله ورثوبته، والوحي ثقيل، قال اللَّه تعالى: ﴿إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً﴾
[المزمل/٥] ﴿ومن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون﴾ [المؤمنون/١٠٢] الآية، ولأنه أعز
الأشياء في الدنيا، والقرآن هو الكتاب العزيز. (انتهى) كلام السهيلي بهذا الذي زدته.
زاد ابن دحية: ولأنه رأس الإيمان وقيمة المتلفات، فهو إذا أصل الدنيا، والإيمان أصل
الدين، فوقع التنبيه على أن أصل الدنيا آلة لأصل الدين، وخادم له ووسيلة إليه، وأنه إذا قضيت
الحاجة منه عدل عنه.
قال بعض: ومن المناسبات خلق سرور القلب عند رؤيته، كما قال تعالى في البقرة:
﴿صفراء فاقع لونها تسر الناظرين﴾ [البقرة/٦٩] الآية، ويكون جعل الذهب آنية الإيمان من جنس
قوله: ((الدنيا مطية الآخرة)، (والمراد بقوله: ملىء حكمة وإيمانًا، أن الطست جعل فيها شىء
يحصل به كمال الإيمان والحكمة، فسمى حكمة وإيمانًا مجازًا).
وأورد السهيلي كيف يكون الإيمان والحكمة في طست من ذهب، والإيمان عرض من
الأعراض لا يوصف بها إلا محلها الذي تقوم به، ولا يجوز فيها الانتقال، لأنه صفة الأجسام لا
الأعراض، وأجاب؛ بأنه إنما عبر عما في الطست بهما، كما عبر عن اللبن الذي شربه وأعطى
فضله عمر بالعلم، فكان تأويل ما أفرغ في قلبه إيمانًا وحكمة، ولعل الذي كان في الطست ثلجًا
وبردًا، كما في الحديث الأول، فعبر في المرة الثانية بما يؤول إليه، وعبر عنه في الأولى بصورته
التي رآها، لأنه كان طفلاً، فلما رأى الثلج في طست الذهب، اعتقده ثلجًا حتى عرف تأويله
بعد، وفي المرة الأخرى كان نبيًّا، فلما رأى طست الذهب مملوءة ثلجًا علم التأويل لحينه،
أي: لوقته، واعتقده في ذلك المقام حكمة وإيمانًا، فكان لفظه في الحديثين على حسب اعتقاده
في المقامين، انتهى.

٥٩
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
تجيء يوم القيامة كأنها ظلة، والموت في صورة كبش، وكذلك وزن الأعمال
وغير ذلك.
وقال البيضاوي: لعل ذلك من باب التمثيل، إذ تمثيل المعاني قد وقع كثيرًا،
كما مثلت له الجنة والنار في عرض الحائط، وفائدته كشف المعنوي
بالمحسوس.
(و) هذا (الملء يحتمل أن يكون حقيقة، وبجسد المعاني جائز، كما جاء أن سورة
البقرة تجيء يوم القيامة كأنها ظلة،) كما قال عَ له: ((اقرؤوا الزهراوين البقرة وآل عمران، فإنهما
يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو غيايتان، أو كأنهما فرقان من طير صواف)، الحديث رواه
مسلم، وأو للتنويع وتقسيم القارئين، فالأول لمن قرأهما بلا فهم معناهما، والثاني لمن قرأهما مع
فهمه، والثالث لمن ضم إليهما تعليم المستفيد، وإرشاد الطالب، وبيان حقائقهما، وكشف ما
فيهما، فالأول عام في كل أحد، والثاني يختص بمثل الملوك، والثالث أرفع كما كان سليان،
وغمامتان (بالميم)، وغيايتان (بتحتية): كل شىء أظل الإنسان فوق رأسه كالسحابة وغيرها،
كما في النهاية.
قال البيضاوي: ولعله أراد ما يكون له صفاء وضوء، إذ الغيابة ضوء شعاع الشمس،
(والموت،) وهو عرض يمثل (في صورة كبش) كما قال له: «يؤتى بالموت كأنه كبش
أملح، حتى يوقف على السور بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة، ويا أهل النار، هل تعرفون
هذا؟، فيقولون: نعم، هذا الموت، فيضجع ويذيح، فلولا أن اللَّه قضى لأهل الجنة الحياة والبقاء
لماتوا فرحًا، ولو أن اللَّه قضى لأهل النار الحياة فيها لماتوا ترحًا).
وفي رواية: «فيذبح وهم ينظرون، فلو أن أحدًا مات فرحًا لمات أهل الجنة، ولو أن أحدًا
مات حزنًا لمات أهل النار)). رواهما الترمذي عن أبي سعيد، والقول إن الموت جسم لا يصح.
قال الحافظ: من الأخبار الواهية في صفة البراق ما ذكره الماوردي عن مقاتل، وأورده
القرطبي في التذكرة، ومن قبله الثعلبي من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال:
الموت والحياة جسمان، فالموت ليس يجد ريحه شىء إلا مات، والحياة فرس بلقاء أنثى، وهي
التي كان جبريل والأنبياء يركبونها، لا تمر بشىء، ولا يجد ريحها شىء إلا حيي، (وكذلك وزن
الأعمال وغير ذلك) من أحوال الغيب.
(وقال البيضاوي) في شرح المصابيح: (لعل ذلك من باب التمثيل، إذ تمثيل المعاني
قد وقع كثيرًا، كما مثلت له الجنة والنار في عرض الحائط) بضم العين، أي: جانبه، وهذا
تنظير لأن الجنة والنار ليستا من المعاني التي تنتقل في الذهن، ولا صور لها خارجية، فلا يصح

٦٠
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
وقال العارف ابن أبي جمرة: فيه دليل على أن الإيمان والحكمة جواهر
محسوسات لا معاني، لأنه عليه السلام قال عن الطست: إنه أتي به مملوءًا حكمة
وإيمانًا، ولا يقع الخطاب إلا على ما يفهم ويعرف، والمعاني ليس لها أجسام حتى
تملأ، وإنما يملأ الإناء بالأجسام والجواهر، وهذا نص من الشارع عليه الصلاة
والسلام بضد ما ذهب إليه المتكلمون في قولهم: إن الإيمان والحكمة أعراض.
والجمع بين الحديث وما ذهبوا إليه، هو أن حقيقة أعيان المخلوقات التي
ليس للحواس فيها إدراك، ولا من النبوة إخبار عن حقيقتها غير محققة، وإنما هي
غلبة ظن، لأن للعقل - بالإجماع من أهل العقل المؤيدين بالتوفيق - حدًا يقف
عنده، ولا يتسلط فيما عدا ذلك، ولا يقدر أن يصل إليه، فهذا وما أشبهه منها،
لأنهم تكلموا على ما ظهر لهم من الأعراض الصادرة عن هذه الجواهر التي
ذكرها الشارع معَّه في الحديث، ولم يكن للعقل قدرة أن يصل إلى هذه الحقيقة
جعلهما مثالين للمعاني، لكنه قصد تقريب تعقل تصوّر المعاني بتصوير الجنة والنار، فإنهما مع
عظمهما صورا له في عرض الحائط، فكما وقع خرق العادة بذلك كذلك لا بعد في تصوير
المعاني بصور محسوسة خرقًا للعادة، (وفائدته كشف المعنوي،) إظهاره وتصويره
(بالمحسوس،) أي: تصويره بصورته للتقريب.
(وقال العارف ابن أبي جمرة: فيه دليل على أن الإيمان والحكمة جواهر
محسوسات، لا معاني، لأنه عليه السلام قال عن الطست، إنه أتى به مملوءٍ حكمة وإيمانًا،
ولا يقع الخطاب إلا على ما يفهم ويعرف) للمخاطبين، فالمتبادر منه أنها جواهر، (والمعاني
ليس لها أجسام حتى تملأ) الطست، (وإنما يملأ الإناء بالأجسام والجواهر،) لا بالأعراض،
(وهذا نص من الشارع عليه الصلاة والسلام بضد ما ذهب إليه المتكلمون في قولهم: إن
الإيمان والحكمة أعراض، والجمع بين الحديث) المذكور الدال على أنها جواهر قائمة
بأنفسها، (وما ذهبوا إليه) من أنها أعراض تقوم بغيرها لا بأنفسها، (هو أن حقيقة أعيان
المخلوقات التي ليس للحواس فيها إدراك، ولا) ثبت (من) جهة (النبوّة أخبار عن
حقيقتها،) فلم يخبر بها أحد من الأنبياء (غير محققة، وإنما هو غلبة ظن، لأن للعقل بالإجماع
من أهل العقل المؤيدين بالتوفيق حدًا يقف عنده، ولا يتسلط فيما عدا ذلك، ولا يقدر أن
يصل إليه، فهذا وما أشبهه منها، لأنهم تكلموا على ما ظهر لهم من الأعراض الصادرة عن
هذه الجواهر التي ذكرها الشارع عليه السلام في الحديث، ولم يكن للعقل قدرة أن يصل