النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء ومن يحكم عليه خياله من أهل التشبيه والتجسيم ما يتخيله في حق الحق سبحانه من الجهة والحد والمكان، ولذا قال: ﴿لنريه من آياتنا﴾ يعنى ما رأى في تلك الليلة من عجائب الآيات، كأنه سبحانه وتعالى يقول: ما أسريت به إلا لرؤيته الآيات، لا (إلي) فإني لا يحدني مكان، ونسبة الأمكنة إلي نسبة واحدة، فكيف أسري به إلي، وأنا عنده، وأنا معه أينما كان. ولله در القائل لا محا معنى ما ذكر: سبحان من أسرى إليه بعبده ليرى الذي أخفاه من آياته في صحوه والمحو في إثباته كحضوره في غيبة وكسكره ويرى الذي عنه تكون سره في منعه إن شاءه وهباته أهل التشبيه والتجسيم ما يتخيله في حق الحق سبحانه من الجهة والحد والمكان) حملاً لقوله: ﴿أسرى بعبده من المسجد﴾، على ظاهره، فيكون معناه صاحبه في سيره من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وذلك محال في حقه. وفي البيضاوي تصديره بالتسبيح للتنزيه عن العجز عما ذكر بعد. (ولذا قال: ﴿لنريه من آياتنا﴾، يعني ما رأى في تلك الليلة من عجائب الآيات، كأنه سبحانه وتعالى: يقول ما أسريت به إلا لرؤيته الآيات، لا إليّ فإني لا يحدني مكان،) لأنه الخالق له وموجده فكيف يحده، (ونسبة الأمكنة إلي نسبة واحدة، فكيف أسري به) (بضم الهمزة مضارع من أسرى)، أي: كيف أنقله من المكان الذي هو به لأحضره (إليّ، وأنا عنده وأنا معه أينما كان،) أي: في أي مكان حل به، (وللَّه در القائل: لا محا معنى ما ذكر:) (سبحان من أسرى إليه بعبده ليرى الذي أخفاه من آياته) أي: ستره عن عامة خلقه، ويرى مبني للفاعل بفتح أوله أو بضمه وحذف المفعول، أي: ليريه، ومثل لذلك على طريق أهل الإشارات بقوله: (كحضوره في غيبة) يعنون بها غيبة القلب عن علم ما يجري من أحكام الخلق لشغل الحس بما ورد عليه من الحق حتى أنه قد يغيب عن إحساسه بنفسه فضلاً عن غيره، والغيبة بإزاء الحضور، والغيب بإزاء الشهادة، فيقال الغيب عن عالم الشهادة حضور في عالم الغيب، والحضور في عالم القدس غيبة عن عالم الحس، (وكسكره،) وهو غيبة بوارد قوي (في صحوه،) وهو الرجوع إلى الإحساس بعد الغيبة بوارد قوي، وذلك أن العبد إذا كوشف بنعت الجمال سكر وطرب وهام قلبه، فإذا عاد من سكره سمى صاحيًّا، (والمحو) رفع أوصاف العادة (في إثباته،) وهو إقامة أحكام العادة مقابل للمحو. (ويرى الذي عنه تكوّن سره،) السر يعني به عن حصة كل موجود من الحق بالتوجه ٢٢ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء ويريه ما أبدى له من جوده بوجوده والفقد من هيئاته سبحانه من سيد ومهيمن في ذاته وسماته وصفاته وأكد اللَّه تعالى بقوله: ﴿ليلاً﴾، مع أن الإسراء لا يكون في اللسان العربي إلا ليلاً، لا نهارًا، ليدفع الإشكال حتى لا يتخيل أنه أسرى بروحه فقط، ويزيل من خاطر من يعتقد من الناس أن الإسراء ربما يكون نهارًا، فإن القرءان وإن كان نزوله بلغة العرب. فإنه خاطب به الناس أجمعين، أصحاب اللسان العربي وغيرهم. الإيجادي المنبه عليه بقوله تعالى: ﴿إنما قولنا لشىء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون﴾ [النحل/ ٤٠] الآية، (في منعه إن شاءه،) أي: المنع (وهباته:) جمع هبة، ذكره كله في لطائف الأعلام، (ويريه) من الإراءة (ما أبدى:) أظهر (له من جوده) تعالى عليه عَّة (بوجوده والفقد من هيئاته). (سبحانه من سيد) من أسمائه تعالى، كما في حديث (ومهيمن،) كما في التنزيل، المهيمن، أي: الشاهد الحافظ، أو المؤمن، أو الأمين، أو الرقيب، أو القائم على خلقه، (في ذاته وسماته) (بتثليث السين) لغة في الأسماء، وهو ما دل على الذات باعتبار صفة (وصفاته:) جمع صفة، وهي المعنى القائم بالذات، (وأكد اللَّه تعالى بقوله ليلاً مع أن الإسراء لا يكون في اللسان العربي إلا لیلاً لا نهارًا،) و کذا سری عند الأکثر کما مر. قال الحافظ: ولم تختلف القراء في ﴿أسرى﴾ بخلاف قوله تعالى في قصة لوط، ﴿فأسر﴾ [هود/٨١]، فقرئت بالوصل والقطع، ففيه تعقب على من قال سرى وأسرى بمعنى واحد. قال السهيلي: السرى من سريت إذا سرت ليلاً، يعني فهو لازم، والإسراء يتعدى في المعنى، لكن حذف مفعوله حتى ظن من ظن أنهما بمعنى واحد، وإنما معنى ﴿أسرى بعبده﴾ جعل البراق يسري به، كما تقول أمضيت كذا، أي: جعلته يمضي، لكن حذف المفعول لقوّة الدلالة عليه والاستغناء عن ذكره، إذ المقصود بالذكر المصطفى لا الدابة التي سارت به. وأما قصة لوط، فالمعنى سر بهم على ما يتحملون عليه من دابة ونحوها، هذا معنى قراءة القطع، ومعنى الوصل سر بهم ليلاً، ولم يأت مثل ذلك في الإسراء، لأنه لا يجوز أن يقال سرى بعبده پوجه من الوجوه. قال الحافظ: والنفي الذي جزم به إنما هو من هذه الحيثية التي قصد فيها الإشارة إلى أنه سار ليلاً على البراق، وإلا فلو قال قائل: سرت بزيد، بمعنى صاحبته لكان المعنى صحيحًا (ليدفع الإشكال: حتى لا يتخيل أنه أسرى بروحه فقط) دون جسده، (ويزيل من خاطّر من يعتقد من ٢٣ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء وقال البيضاوي تبعًا لصاحب الكشاف: وفائدته الدلالة بتنكيره على تقليل مدة الإسراء، ولذلك قرىء ((من الليل)) أي بعضه: كقوله تعالى: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك﴾ [الإسراء/٧٩] وتعقبه القطب في حاشيته على الكشاف كما نبهت عليه في حاشية الشفاء. والمعاريج ليلة الإسراء عشرة، سبع إلى السموات، والثامن إلى سدرة المنتهى. والتاسع إلى المستوى الذي سمع فيه صريف الأقلام في تصاريف الناس أن الإسراء ربما يكون نهارًا، فإن القرآن وإن كان نزوله بلغة العرب، فإنه خاطب به الناس أجمعين أصحاب اللسان العربي وغيرهم). وهذا على قول الأكثر من اختصاصه بالليل وإلا ففي الفتح ليلاً ظرف للإسراء للتأكيد، وفائدته دفع توهم المجاز، لأنه قد يطلق على سير النهار أيضًا. (وقال البيضاوي تبعًا لصاحب الكشاف) الزمخشري، (وفائدته الدلالة بتكيره على تقليل مدة الإسراء) أي: أنه وقع في بعض الليل لا في جميعه، والعرب تقول سرى فلان ليلاً إذا سار بعضه، وسرى ليلة إذا سار جميعها، كما في الفتح، (ولذلك قرىء) في الشواذ: (من الليل، أي: بعضه، كقوله تعالى: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك﴾ [الإسراء/٧٩]الآية). وقيل: يقال: أسرى ليلاً إذا سار أثناء الليل، وإذا سار في أوله، ويقال: أدلج منه، ومنه قوله تعالى في قصة موسى: ﴿فأسر بعبادي ليلاً﴾ [الدخان/٢٣] الآية، أي: من وسط الليل، (وتعقبه القطب في حاشيته على الكشاف، كما نبهت عليه في حاشية الشفاء) أي: نقل القطب التعقب عن غيره وأقره، فلذا نسبه إليه، وعبارته قال بعضهم، وفيه نظر، لأن التنكير للتقليل لا يكون إلا فيما يقبل القلة والكثرة، والليل لا يقبلهما ولا يسلم له أيضًا على تقدير أنه بالاعتبار، لأن هذا المعنى وهو البعض حاصل ولو لم ينكر، فإن قولك دخل زيد البلد الليل، أو ليلاً، يفيد هذا المعنى، إذ ليس الدخول في كل الليل انتهى. قال النعماني: وفيه نظر، إذ لا نسلم أن هذا وزانه، وإنما وزانه طاف الأمير البلد ليلاً، فإن طوافه قد يكون مستغرقًا لكل الليلة، ولما استشعر صاحب الكشاف هذا استشهد بقراءة عبد الله وحذيفة من الليل، ولا يسلم أيضًا كونها تبعيضية، بل يجوز أنها ابتدائية، فالسؤال باق انتهى. (والمعاريج ليلة الإسراء عشرة، سبع إلى السموات) السبع، (والثامن إلى سدرة المنتهى، والتاسع إلى المستوى الذي سمع فيه صريف الأقلام:) تصويتها (في تصاريف ٢٤ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء الأقدار، والعاشر إلى العرش والرفرف والرؤية وسماع الخطاب بالمكافحة والكشف الحقيقي. وقد وقع له عليه الصلاة والسلام في سني الهجرة العشرة ما كان فيه مناسبات لطيفة بهذه المعاريج العشرة، ولهذا ختمت سني الهجرة بالوفاة، وهي لقاء الحق جل جلاله، والانتقال من دار الفناء إلى دار البقاء، والعروج بالروح الكريمة إلى المقعد الصدق، وإلى الموعد الحق وإلى الوسيلة، وهي المنزلة الرفيعة. كما ختمت معاريج الإسراء باللقاء والحضور بحظيرة القدس. وقد أفاد الإمام الذهبي أن الحافظ عبد الغني جمع أحاديث الإسراء في جزأين، ولم يتيسر لي الوقوف عليهما بعد الفحص الشديد. وقد صنف الشيخ أبو إسحق النعماني - رحمه اللَّه - في الإسراء والمعراج كتابًا جامعًا لإطناب بزيادة الرقائق والإشحان بفواضل الحقائق، ولم أقف عليه الأقدار، والعاشر إلى العرش والرفرف والرؤية) للَّه عز وجل، (وسماع الخطاب) منه (بالمكافحة:) المخاطبة (والكشف الحقيقي، وقد وقع له عليه الصلاة والسلام في سني الهجرة:) بكسر السين، جمع سلامة لسنة، وبسكون الياء، فحذفت النون للإضافة، فالتقى ساكنان الياء واللام، فحذفت الياء لفظًا لالتقاء الساكنين، فبقي هكذا سني خطأ فتكتب الياء ولا تقرأ (العشرة ما كان فيه مناسبات لطيفة بهذه المعاريج العشرة،) ويأتي ذكرها للمصنف، (ولهذا ختمت سني الهجرة،) كذا في جميع النسخ بالياء، والصواب سنو بالواو، لأنه جمع مذكر سالم نائب فاعل، ختمت (بالوفاة، وهي لقاء الحق جل جلاله والانتقال من دار الفناء إلى دار البقاء، والعروج بالروح الكريمة إلى المقعد الصدق،) مجلس حق لا لغو فيه ولا تأثيم، وأريد به الجنس، وقرىء مقاعد صدق، والمعنى أن مجالس الجنات سالمة من اللغو والتأثيم بخلاف مجالس الدنيا، فقل أن تسلم من ذلك، (وإلى الموعد الحق وإلى الوسيلة، وهي المنزلة الرفيعة، كما ختمت معاريج الإسراء باللقاء والحضور بحظيرة القدس، وقد أفاد الإمام الذهبي) محمد الحافظ، العالم الشهير، نسبة إلى الذهب (أن الحافظ عبد الغني) المقدسي (جمع أحاديث الإسراء في جزأين، ولم يتيسر لي الوقوف عليهما بعد الفحص) الطلب (الشديد، وقد صنف الشيخ أبو إسحق) إبراهيم (النعماني، ) تلميذ الحافظ ابن حجر (رحمه اللَّه في الإسراء والمعراج كتابًا جامعًا للإطناب بزيادة الرقائق والإشحان بفواضل الحقائق،) أي: بزيادة بيانها، (ولم أقف عليه حال كتابتي هذا المقصد الشريف،) وقد ٢٥ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء حال كتابتي هذا المقصد الشريف. واللَّه تعالى يرحم شيخ الإسلام والحافظ الشهاب ابن حجر العسقلاني، فإنه جمع في كتابه ((الفتح)) كثيرًا مما تشتت من طرق حديث الإسراء وغيره من الأحاديث، مع تدقيق مباحث فقهية، والكشف عن أسرار معاني كلمه وبدائع ألفاظه وحکمه. وكل من صنف في شىء من المنح النبوية، والمناقب المحمدية لا يستغني عن استجناء معارف اللطائف من رياض ((عياض)) والاستشفاء من أدواء المشكلات بدواء ((شفائه) المبرىء لمعضل الأمراض. واللَّه تعالى يفيض عليه وعلى سائر علماء الأمة سجال رحمته ورضوانه ويسكننا معهم في بحبوحة جنانه. وقد وردت أحاديث الإسراء من حديث أنس، وأبي بن كعب، وجابر بن وقفت عليه، (واللَّه تعالى يرحم شيخ الإسلام والحافظ الشهاب ابن حجر العسقلاني، فإنه جمع في كتابه الفتح كثيرًا مما تشتت من طرق حديث الإسراء وغيره من الأحاديث مع تدقيق مباحث فقهية والكشف عن أسرار معاني كلمه وبدائع ألفاظه وحكمه،) وأكثر ما ذكره المصنف هنا منه، (وكل من صنف في شىء من المنح:) العطايا (النبوية والمناقب المحمدية لا يستغني عن استجناء معارف اللطائف من رياض عياض،) أي: فوائده المذكورة في الشفاء سماها رياضًا لكثرة نفعها، كنفع الأشجار المثمرة للعامة، (والاستشفاء من أدواء المشكلات بدواء شفائه المبريء لمعضل) بكسر الضاد، أي: شديد (الأمراض، واللَّه تعالى يفيض عليه وعلى سائر علماء الأمة سجال رحمته ورضوانه، ويسكننا معهم في بحبوحة) بضم الباءین، (جنانه،) أي: وسطها. (وقد وردت أحاديث الإسراء من حديث أنس بن لملك في روايته عن النبي عند بلا واسطة، رواه أحمد ومسلم عن ثابت، والشيخان عن شريك، وابن مردویه عن کثیر بن خنیس، والنسائي وابن مردويه عن يزيد بن أبي ملك، وابن أبي حاتم، وابن جرير، وابن مردويه، والبيهقي عن عبد الرحمن بن هاشم، وعبد العزيز بن صهيب والطيراني عن ميمون بن سیار، وابن جرير عن كثير بن سليم، وابن مردويه عن أبي هاشم، وعلي بن زيد، وثمامة، وابن سعد، وسعيد بن منصور، والبزار عن أبي عمراني الجوني، الأحد عشر عن أنس عن المصطفى بلا واسطة، (وأبي ابن كعب)، رواه عنه ابن مردويه عن طريق عبيد بن عمير، ومن طريق مجاهد عن ابن عباس، ٢٦ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء عبد الله، وبريدة، وسمرة بن جندب، وابن عباس، وابن عمر، وابن مسعود، وابن عمرو، وحذيفة بن اليمان، وشداد بن أوس، وصهيب، وعلي بن أبي طالب، وعمر بن الخطاب، ولملك بن صعصعة، وأبي أمامة، وأبي أيوب، وأبي حبة، وأبي وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند، بلفظ حديث أنس عن أبي ذر حرفًا حرفًا. قال الحافظ في أطراف المسند، أنه وقع فيه تحريف، وكان في الأصل عن أبي ذر، فسقط من النسخة لفظة ذر، فظن أنه ابن كعب فأدرج في مسند أبي بن كعب، غلطًا. قال الشامي: نبه الدارقطني في العلل على أن الوهم فيه من أبي حمزة أنس بن عياض، (وجابر بن عبد الله) عند الشيخين، ورواه الطبراني وابن مردويه بلفظ آخر بسند صحيح، (وبريدة) (بضم الموحدة وفتح الراء وسكون التحتية) ابن الحصيب (بمهملتين مصغر)، رواه الترمذي والحاكم وصححه، (وسمرة بن جندب) عند ابن مردويه، (وابن عباس) عبد اللَّه رواه أحمد، والشيخان، وأبو يعلى، وأبو نعيم، وابن مردويه، والنسائي، والبزار بطرق كلها مختصرة، (وابن عمر) رواه أبو داود والبيهقي، (وابن مسعود) رواه مسلم، وابن عرفة، وأحمد، وابن ماجه، والبزار، وأبو يعلى، والطبراني، والبيهقي بطرق عندهم عنه، (وابن عمرو) (بفتح العين) ابن العاصي عند ابن سعد، وابن عساكر، (وحذيفة ابن اليمان) عند ابن أبي شيبة، وأحمد والترمذي وصححه، (وشداد بن أوس) عند البزار، والطبراني والبيهقي وصححه، (وصهيب) بن سنان عند الطيراني وابن مردويه، (وعلي بن أبي طالب) عند أحمد وابن مردويه، (وعمر بن الخطاب) رواه أحمد وابن مردويه، (ولملك بن صعصعة) رواه أحمد، والشيخان، وابن جرير، والبيهقي وغيرهم، (وأبي أمامة) عند ابن مردويه في تفسيره، (وأبي أيوب) الأنصاري، رواه الشيخان في أثناء حديث أبي ذر، (وأبي حبة) (بموحدة على الصحيح) الأنصاري، الأوسي، البدري، رواه ابن مردویه. قال في الإصابة: وقع ذكره في الصحيح من رواية الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبي حبة البدري عقب حديث الزهري، عن أنس، عن أبي ذر في الإسراء، وروي عنه أيضًا عمار بن عمار وحديثه عنه في مسند ابن أبي شيبة، وأحمد، وصححه الحاكم، وصرح بسماعه منه، وعلى هذا فهو غير الذي ذكر ابن إسحق أنه استشهد بأحد. قال أبو حاتم: اسمه عامر بن عبد عمرو بن عمير بن ثابت، وقال أبو عمر: يقال بالموحدة وبالنون وبالياء، والصواب بالموحدة، وقيل: اسمه عامر، وقيل: لملك، وبالنون ذكره ابن عقبة وابن أبي خيثمة، وأنكر الواقدي أن يكون في البدريين من يكنى أبا حبة بالموحدة، وقد خلطه غير واحد بأبي حية بن غزية بن عمرو الخزرجي، النجاري، وفرق بينهما غير واحد، وصوبه ابن عبد ٢٧ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء ذر، وأبي سعيد الخدري، وأبي سفين بن حرب، وأبي هريرة، وعائشة، وأسماء بنت أبي بكر، وأم هانىء، وأم سلمة، وغيرهم رضي اللَّه تعالى عنهم أجمعين. وفي تفسير الحافظ ابن كثير من ذلك ما يكفي ويشفي. وبالجملة: حديث الإسراء أجمع عليه المسلمون، وأعرض عنه الزنادقة البر، فقال: هذا خزرجي، وذاك أوسي، وهذا لم يشهد بدرًا، وذاك شهدها، (وأبي ذر) رواه الشيخان، (وأبي سعيد الخدري) رواه ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي من طريق لهرون العبدي، وهو متكلم فيه. وقد روى البيهقي عن أبي الأزهر، قال: حدثنا زيد بن أبي حكيم، قال: رأيت رسول اللَّه عٍَّ في النوم فقلت: يا رسول اللَّه رجل من أمتك يقال له سفين لا بأس به، فقال ێ: «لا بأس به)). حدثنا عن أبي لهرون عن أبي سعيد، عنك؛ أنك ليلة أسري بك قلت: رأيت في السماء، فحدثته بالحديث، فقال: نعم، فقلت: إن أناسًا من أمتك يحدثون عنك في الإسراء بعجائب، فقال: ذلك حديث القصاص. (وأبي سفين بن حرب) عند أبي نعيم في الدلائل، (وأبي هريرة،) رواه مطولاً ابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي، والحاكم، وصححه مختصرًا الشيخان، وأحمد، وابن ماجه، وابن مردويه، وابن سعد، والطبراني، وسعيد بن منصور بطرق عنه، (وعائشة) عند الحاكم وصححه، والبيهقي وابن مردويه، (وأسماء بنت أبي بكر) رواه ابن مردويه، (وأم هانيء) عند الطبراني، (وأم سلمة) عند الطبراني، وأبي يعلى، وابن عساكر، وابن إسحق (وغيرهم،) فأخرجه ابن عساكر عن سهل بن سعد، والبزار، والبغوي، وابن قانع عن عبد الله بن أسعد بن زرارة، والطبراني عن أبي الحمراء، وابن مردويه والطبراني عن أبي ليلى الأنصاري، وسعيد بن منصور عن عبد الرحمن بن قرط، وذكره ابن دحية عن أبي بكر الصديق، وعبد الرحمن بن عابس، وأبي سلمة وعياض. وذكره أبو حفص النسفي عن العباس بن عبد المطلب، وعثمن بن عفان، وأبي الدرداء، وأبي سلمى راعي النبي ◌َّه، وأم كلثوم بنت المصطفى، وبلال بن حمامة، وبلال بن سعد، وابن الزبير، وابن أبي أوفى، وأسامة بن زيد. قال الشامي: ولم أقف على حديثه، فهؤلاء خمسة وأربعون صحابة رووا القصة (رضي اللَّه تعالى عنهم أجمعين). (وفي تفسير الحافظ ابن كثير من ذلك ما يكفي ويشفي، وبالجملة حديث الإسراء ٢٨ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء الملحدون، ﴿يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون﴾ [الصف/٨]. وقد روى البخاري، عن قتادة عن أنس بن لملك عن لملك بن صعصعة أن نبِي اللَّه عَ ◌ِّ حدثه عن ليلة أسري به. بينما أنا نائم في الحطيم - وربما قال: في الحجر ـ مضطجعًا، إذ أتاني آت فقدَّ - قال: سمعته يقول: فشق - ما بين هذه إلى هذه. قال: فقلت للجارود وهو أجمع عليه المسلمون، وأعرض عنه الزنادقة الملحدون،) لاستحالته في زعمهم الكاذب، ﴿يريدون ليطفئوا﴾، منصوب بأن مقدرة، واللام مزيدة (﴿نور الله﴾)، وشرعه وبراهينه (﴿بأفواههم﴾)، بأقوالهم فيه، (﴿والله متم﴾) مظهر (﴿نوره ولو كره الكافرون﴾﴾ [الصف/٨] الآية، ذلك وقد، ساق البرهان النعماني غالب ألفاظ الصحابة الذين رووا القصة، والمصنف اقتصر على حديث البخاري في باب المعراج، وتكلم بعده بما غالبه من فتح الباري، فقال: (وقد روى البخاري) بسنده، وهو حدثنا هدية بن خالد، حدثنا همام (عن قتادة) بن دعامة، وليس هذا من التعليق في شىء، (عن أنس بن لملك،) وكذا رواه مسلم والنسائي، وأخرجه البخاري في بدء الخلق من وجه آخر عن قتادة، حدثنا أنس، فزال ما يخشى من تدليس قتادة لتصريحه بالتحديث، (عن ملك ابن صعصعة) بن وهب بن عدي بن ملك الأنصاري، من بني النجار ما له في البخاري ولا في غيره سوى هذا الحديث، ولا يعرف من روى عنه إلا أنس بن لملك قاله في الفتح. وذكر في الإصابة الخلاف في أنه من بني عدي بن النجار، وبه جزم ابن سعد، أو من بني مازن بن النجار، وبه جزم البغوي، وقال: سكن المدينة. حديثين، وذكر الخطيب في المبهمات أنه الذي قال له النبي وروي عن النبي ◌ُ أكل تمر خيبر هكذا، (أن نبي اللَّه عٍَّ حدثه عن ليلة أسري به) فيها صفة الليلة، هكذا رواه الكشميهني والنسفي، ورواه الأكثر عن ليلة الإسراء وبين ما حدثه به بقوله، (بينما،) أي: فقال المصطفى: بينما وثبت في بعض نسخ البخاري قال: بينما بالميم، (أنا نائم في الحطيم، وربما قال: في الحجر) بكسر فسكون، والشك من قتادة كما يأتي، والمراد بالحطيم الحجر، (مضطجعًا) نصب على الحال (إذا أتاني آت) هو جبريل، (فقد) بالقاف والدال الثقيلة، (قال) قتادة: (سمعته)، أي: أنسًا (يقول): فالقائل قتادة، والمقول عنه أنس، ولأحمد قال قتادة: وربما سمعت أنسًا يقول: قاله الحافظ، فلم يصب من قال الظاهر أن ضمير قال للملك بن صعصعة، (فشق ما بين هذه إلى هذه، قال) قتادة: (فقلت للجارود:) بفتح الجيم فألف فراء مضمومة فواو فدال مهملة. ٢٩ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء إلى جنبي: ما يعني به؟ قال: من ثغره نحره إلى شعرته. فاستخرج قلبي، ثم أتيت بطست من ذهب مملوءة إيمانًا، فغسل قلبي، ثم حشي ثم أعيد. قال الحافظ: لم أر من نسبه من الرواة، ولعله ابن أبي سبرة البصري، صاحب أنس، فقد أخرج له أبو داود من روايته، عن أنس حديثًا غير هذا انتهى، وجزم المصنف بما ترجاه، (وهو إلى جنبي ما يعني) أنس (به،) أي: بقوله: فشق ما بين هذه إلى هذه، (قال:) يعني (من ثغره نحره) بضم المثلثة وسكون المعجمة: الموضع المنخفض بين الترقوتين (إلى شعرته) بكسر المعجمة، أي: شعر العانة، ووقع السؤال: هل كان شق صدره الشريف بآلة أم لا؟، ولم يجب عنه أحد، ولم أر من تعرض له بعد التتبع، وظاهر قوله: فشق أنه كان بآلة، ويدل له قول الملك في حديث أبي ذر خط بطنه فخاطه، وفي لفظ عتبة بن عبد حصه فحاصه. وفي حديث أنس: كانوا يرون أثر المخيط في صدره عَّله، ذكره الشامي، وزعم بعض أن . الشق في المرات كلها لم يكن بآلة، ولم يسل منه دم، ولم يجد لذلك ألمًا، كما صرح في بعض الروايات، لأنه من خرق العادات وظهور المعجزات، (فاستخرج قلبي، ثم أتيت) (بضم الهمزة) (بطست) (بفتح الطاء وبكسرها وسكون السين المهملة وبمثناة وقد تحذف)، وهو الأكثر إثباتها لغة طييء، وأخطأ من أنكرها، قاله الحافظ (من ذهب) قبل تحريم استعماله، (مملوءة) بالجر على الصفة والتأنيث على لفظ الطست، لأنها مؤنثة (إيمانًا) نصب على التمييز ملئًا حقيقة، وتجسد المعاني جائز، كتمثيل الموت كبشًا، ووزن الأعمال وغير ذلك من أحوال الغيب، أو مجازًا من باب التمثيل، إذ تمثيل المعاني قد وقع كثيرًا، كما مثلت له الجنة والنار في عرض الحائط، وفائدته كشف المعنوي بالحسي، ثم هذا لفظ البخاري في المعراج، وله في بدء الخلق بطست ملىء حكمة وإيمانًا بالتذكير باعتبار الإناء، وللمستملي والحموي ملآن بفتح الميم وسكون اللام وهمزة ونون، وللکشمیھني ملأى بفتح الميم وسكون اللام وفتح الهمزة مؤنث على لفظ الطست، فزاد في هذه الرواية حكمة. قال ابن أبي جمرة فيه: إن الحكمة ليس بعد الإيمان أجل منها، ولذا قرنت معه، ويؤيده قوله تعالى: ﴿ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا﴾ [البقرة/٢٦٩]الآية، وأوضح ما قيل فيها، أنها وضع الشىء في محله أو الفهم في كتاب اللَّه، وعلى الثاني قد توجد الحكمة دون الإيمان وقد لا توجد، وعلى الأوّل قد يتلازمان، لأن الإيمان يدل على الحكمة، (فغسل) بضم الغين، أي: غسل جبريل (قلبي). وفي مسلم والبخاري في الصلاة بماء زمزم، لأنه أفضل المياه ويقوّي القلب، (ثم حشي) بضم المهملة وكسر المعجمة إيمانًا وحكمة، (ثم أعيد) موضعه من الصدر المقدس، وللبخاري ٣٠ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء ثم أتيت بدابة، دون البغل وفوق الحمار أبيض - فقال له الجارود: هو البراق يا أبا حمزة؟ قال أنس: نعم - يضع خطوه عند أقصى طرفه، فحملت عليه، فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قال: في الصلاة: ثم جاء بطست من ذهب ممتلىء حكمة وإيمانًا، فأفرغه في صدري، ثم أطبقه، (ثم أتيت) بضم الهمزة، (بدابة دون البغل وفوق الحمار أبیض،) ذکر باعتبار كونه مرکوبًا أو نظرًا للفظ البراق، وحكمة كونه بهذه الصفة الإشارة إلى أن الركوب كان في سلم وأمن لا في حرب وخوف، أو لإظهار المعجزة بوقوع الإسراع الشديد بدابة لا توصف بذلك عادة. (فقال له الجارود: هو البراق) استفهام حذفت أداته (يا أبا حمزة) بمهملة وزاي، كنية أنس، (قال أنس: (نعم) هو البراق بضم الموحدة وتخفيف الراء، ضبطه الحافظ وغيره، وكثيرًا ما يخطيء المتشدقون، فيقرؤنه بكسر الباء، (يضع خطوه) بفتح المعجمة المرة الواحدة وبضمها الفعلة (عند أقصى طرفه) بسكون الراء وبالفاء، أي: نظره، أي: يضع رجله عند منتهى ما يرى بصره. قال الحافظ: والتعبير بالخطو مجاز، لأنه مصدر وهو لا يتصف بالوضع، (فحملت عليه) بضم الحاء مبنيًا للمفعول، (فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا،) ظاهره أنه استمر على البراق حتى عرج إلى السماء، وليس بمراد، بل هذا اختصار من الراوي، ويأتي بسطه للمصنف. وقال النعماني: ما المانع من أنه عَّة رقي المعراج فوق ظهر البراق بظاهر هذا الحديث انتهى، والمانع من ذلك ربطه ببيت المقدس، كما يأتي بيانه، (فاستفتح،) أي: طلب فتح باب السماء بقرع أو صوت، والأشبه الأوّل، لأن صوته معروف، قاله الحافظ، وصرح به في رواية مسلم عن ثابت عن أنس بلفظ: فقرع الباب. وفي حديث أبي ذر: قال جبريل لخازن السماء: افتح، فيجمع بينهما بأنه فعل القرع والصوت معًا، والتعليل بمعرفة صوته لا ينهض مع كون السماء شفافة. وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي في ذكر الأنبياء إلى باب من أبواب السماء الدنيا، يقال له باب الحفظة، وعليه ملك يقال له إسمعيل تحت يده اثنا عشر ألف ملك. وفي حديث جعفر بن محمد عند البيهقي أيضًا: يسكن الهواء لم يصعد إلى السماء قط ولم يهبط إلى الأرض قط إلا يوم مات النبي ـ وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي في الدلائل وبين يديه سبعون ألف ملك مع كل ملك جنده مائة ألف. (قيل: من هذا) الذي يقرع الباب؟، (قال: جبريل، قال: ومن معك؟، قال: محمد،) ٣١ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به فنعم المجيء جاء، ففتح فلما خلصت فإذا فيها آدم، قال: هذا أبوك فسلم عليه، فسلمت عليه فرد السلام، ثم قال: مرحبًا بالابن الصالح النبي الصالح. ثم صعد بي إلى السماء الثانية، فاستفتح قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قال: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل مرحبًا به، فنعم وهذا يشعر بأنهم أحسوا معه برفيق إما بمشاهدة، لأن السماء شفافة، وإما بأمر معنوي، كزيادة أنوار ونحوها، تشعر بتجدد أثر يحسن معه السؤال بهذه الصيغة، وإلا كان السؤال بلفظ: أمعك أحد؟، (قيل: وقد أرسل إليه) للعروج إلى السماء على الأظهر لقوله إليه، لأن أصل بعثه قد اشتهر في الملكوت الأعلى، كما يأتي في المتن، (قال: نعم، قيل: مرحبًا به،) أي: لقي رحبًا (بضم الراء وفتحها وسكون الحاء وبفتحها) وسعة، وكني بذلك عن الانشراح، (فنعم) لفظ البخاري في المعراج، وله في بدء الخلق، ولنعم (المجيء جاء). قال ابن لملك: فيه شاهد على الاستغناء بالصلة عن الموصول، أو الصفة عن الموصوف في باب نعم لأنها تحتاج إلى فاعل هو المجيء وإلى مخصوص، بمعناها وهو مبتدأ مخبر عنه بنعم، وفاعلها، فهو في هذا وشبهه موصول أو موصوف بحاء، والتقدير نعم المجيء الذي جاء، أو نعم المجيء مجىء جاء، وكونه موصولاً أجود، لأنه مخبر عنه، والمخبر عنه إذا كان معرفة أولى من كونه نكرة انتهى، فلا حذف فيه ولا تقديم خلافًا لقول المظهري المخصوص المدح محذوف، وفيه تقديم وتأخير تقديره جاء، فنعم المجيء مجيئه، (ففتح) الباب، (فلما خلصت) بفتح اللام، أي: وصلت، (فإذا فيها آدم). وفي حديث أنس عن أبي ذر عند البخاري في الصلاة: فإذا رجل قاعد عن يمينه أسودة، وعن يساره أسودة، إذا نظر قبل يميته ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى، فقلت لجبريل: من هذا؟، (قال: هذا أبوك،) ووقع ذكر الإسم هنا في بعض النسخ، والصواب إسقاطه، إذ ليس في حديث أنس عن ملك بن صعصعة الذي هو في سياق لفظه، وإنما هو في حديث أنس عن أبي ذر، كما في البخاري، (فسلم عليه،) لأن المار يسلم على القاعد، وإن كان المار أفضل، (فسلمت عليه، فرد عليّ السلام، ثم قال: مرحبًا بالابن الصالح،) فيه إشارة إلى افتخاره بأبوّة (النبي) عَّهُ و(الصالح) القائم بما يلزمه من حقوق اللَّه وحقوق العباد، فلذا كانت كلمة جامعة لمعاني الخير وتوارد الأنبياء على وصفه بها، وكررها كل منهم عند كل صفة. (ثم صعد بي إلى السماء الثانية، فاستفتح) جبريل بابها، (وقيل: من هذا؟، قال: جبريل، قال: ومن معك؟، قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟، قال: نعم، قيل: مرحبًا به، ٣٢ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء المجيء جاء ففتح لنا، فلما خلصت إذا يحيى وعيسى، وهما ابنا الخالة، قال: هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما، فسلمت عليهما فردا ثم قالا: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صعد بي إلى السماء الثالثة، فاستفتح قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل مرحبًا به، فنعم المجيء جاء، ففتح فلما خلصت إذا يوسف، قال: هذا يوسف فسلم عليه، فسلمت عليه فرد ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح. فتعم المجيء مجيء جاء، أو الذي (جاء، ففتح لنا) الخازن الباب، (فلما خلصت إذا يحيى)، بن زكريا (وعيسى) ابن مريم. زاد في حديث أبي سعيد عند ابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي شبيه أحدهما بصاحبه ثيابهما وشعرهما ومعهما نفر من قومهما، وإذا عيسى جعد مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض سبط الرأس، كأنما خرج من ديماس، أي: حمام شبهه بعروة بن مسعود الثقفي، (وهما ابنا الخالة،) لأن أم يحيى إيشاع، بنت فاقود أخت حنة بمهملة ونون شديدة، بنت فاقود أم مريم، وذلك أن عمران بن ماثان تزوج حنة، وتزوج زکریا إیشاع، فولدت إيشاع يحيى، وولدت حنة مريم، فتكون إيشاع خالة مريم، وحنة خالة يحيى، فهما ابنا خالة بهذا الاعتبار، وليس عمران هذا أبا موسى، إذ بينهما فيما قيل ألف وثمانمائة سنة. قال ابن السكيت: يقال ابنا خالة ولا يقال ابنا عمة، ويقال ابنا عم ولا يقال ابنا خال. قال الحافظ: والسبب فيه أن ابني الخالة أم كل منهما خالة الآخر لزومًا بخلاف ابني العمة، (قال: هذا يحيى وعيسى، فسلم عليهما، فسلمت عليهما فردا) عليّ السلام، (ثم قالا: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي إلى السماء الثالثة، فاستفتح) جبريل الباب، (قيل: من هذا؟، قال: جبريل، قيل: ومن معك؟، قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟، قال: نعم، قيل: مرحباً به. فنعم المجيء جاء، ففتح فلما خلصت، إذا يوسف قال) لي جبريل: (هذا يوسف فسلم عليه،) ولعل حكمة أمره بالسلام على كل من ورد عليه، ولم يكتف بالأمر الأول مع حصول العلم بطلب السلام على كل من مر عليه منهم، الإشارة إلى استحقاق كل منهم للتعظيم، وإن من مر على جماعة مترتبين يطلب منه السلام على كل منهم بخصوصه، (فسلمت عليه، فرد، ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح،) زاد في مسلم في رواية ثابت عن أنس: فإذا هو قد أعطى شطر الحسن، أي: الذي أُوتيه نبينا معَّه، كما ٣٣ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء ثم صعد بي حتى أتى السماء الرابعة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به فنعم المجيء جاء، فلما خلصت إذا إدريس، قال: هذا إدريس فسلم عليه، فسلمت عليه فرد، ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح. قال ابن المنير، أو المراد غير المصطفى بالمرة، ويأتي بسطه للمصنف، (ثم صعد بي حتى أتى السماء الرابعة، فاستفتح، قيل: من هذا؟، قال: جبريل، قيل: ومن معك؟، قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟، قال: نعم، قيل: مرحبًا به، فنعم المجيء) الذي (جاء، فلما خلصت، فإذا إدريس،) زاد في حديث أبي سعيد عند ابن جرير، وابن أبي حاتم والبيهقي: قد رفعه اللَّه مكانًا عليًا، واستشكل بأنه رأى لهرون وموسى وإبراهيم في مكان أرفع منه، وأجيب بأن وجهه ما ذكر كعب الأحبار؛ أن إدريس خص من بين جميع الأنبياء برفعه حيًّا، رفعه الملك الموكل بالشمس، وكان صديقًا له، وكان إدريس يسأله أن يريه الجنة، فإذن له اللَّه في ذلك، فلما كان في السماء الرابعة، رآه ملك الموت، فعجب، وقال: أمرت أن أقبض روح إدريس في السماء الرابعة، فقبضه هناك، فرفعه حيًا إلى ذلك المقام، خاص به دون الأنبياء، قاله السهيلي، وتعقبه الحافظ في كتاب الأنبياء، فقال: فيه نظر، لأن عيسى أيضًا رفع وهو حي على الصحيح، وكون إدريس رفع وهو حي لم يثبت من طريق مرفوعة قوية. وروى الطبري، أن كعبًا قال لابن عباس: إن إدريس سأل صديقًا له من الملائكة، فحمله بين جناحيه، ثم صعد به، فلما كان في السماء الرابعة تلقاه ملك الموت، فقال له: أريد أن تعلمني كم بقي من أجل إدريس؟، قال: وأين إدريس؟، قال: هو معي، قال: إن هذا لشىء عجيب، أمرت أن أقبض روحه في السماء الرابعة، فقلت: كيف ذلك وهو في الأرض، فقبضٍ روحه، فذلك قوله تعالى: ﴿ورفعناه مكانًا عليًا﴾ [مريم/٥٧)الآية، وهذا من الإسرائيليات، والله أعلم بصحته انتھی. والجواب عن السهيلي؛ أنه قيد خصوصية إدريس برفعه حيًّا إلى السماء الرابعة، فلا يرد عيسى، لأنه رفع حيًا إلى السماء الثانية، وذكر ابن قتيبة؛ أن إدريس رفع وهو ابن ثلاثمائة وخمسين سنة. (قال: هذا إدريس فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد، ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح،) قيل: فيه رد على النسابة في قولهم إدريس جد نوح، وإلا لقال والابن الصالح، كما قال آدم، ولا رد فيه، لأنه خاطبه بالأخوّة نادًا وتلطفًا، وإن كان أبًا، والمؤمنوا إخوة، وكان وجه الخطاب بذلك لرفعه مكانًا عليًا، (ثم صعد بي حتى أتى السماء الخامسة، ٣٤ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء ثم صعد بي حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قال: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به فنعم المجيء جاء، فلما خلصت فإذا لهرون، قال: هذا لهُرون فسلم عليه، فسلمت عليه فرد ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قال: ومن معك؟ قال: محمد، قيل وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به فنعم المجيء جاء، فلما خلصت فإذا موسى، قال: هذا موسى فسلم عليه، فسلمت عليه فرد ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، فلما تجاوزت بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلامًا بعث من بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي. فاستفتح، فقيل: من هذا؟، قال: جبريل، قال: ومن معك؟، قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟، قال: نعم، قيل: مرحباً به، فنعم المجيء جاء، فلما خلصت، فإذا لهرون) زاد في حديث أبي سعيد عند ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه والبيهقي: ونصف لحيته بيضاء، ونصف لحيته سوداء، تكاد تضرب إلى سرته من طولها. وفي حديث أبي هريرة عند ابن جرير، والبيهقي وغيرهما: وحوله قوم من بني إسرائيل، وهو يقص عليهم، (قال: هذا لهُرون، فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد، ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة، فاستفتح، فقيل: من هذا؟، قال: جبريل، قال: ومن معك؟، قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟، قال: نعم،) هكذا ثبت في البخاري في باب المعراج هنا، وفي السابعة قال نعم أيضًا، وسقط في الموضعين في بدء الخلق، وهو الذي وقف عليه الشارح فتجرأ وقال: لم يذكر البخاري، قال: نعم، لا في السادسة ولا في السابعة، (قيل: مرحبا به، فنعم المجيء جاء، فلما خلصت، فإذا موسى) بن عمران، رجل آدم طوال، كأنه من رجال شنوأة، کما في البخاري عن أبي هريرة، ومسلم عن ابن عباس. وفي حديث أبي سعيد: كثير الشعر، لو كان عليه قميصان لنفذ شعره دونهما، (قال: هذا موسى، فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد، ثم قال: مرحبًا بالأُخ الصالح والعبي الصالح، فلما تجاوزت) بجيم وزاي حذف الضمير المنصوب، (بكى) موسى، (فقيل له: ما يبكيك؟، قال: أبكي لأن غلامًا) صغير السن بالنسبة إليه، وقد أنعم اللّه عليه بما لم ينعم به عليه مع طول عمره، (بعث من بعدي، يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي،) وليس بكاؤه ٣٥ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء ثم صعد بي إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قال: مرحبًا به فنعم المجيء جاء، فلما خلصت فإذا إبرهيم، قال: هذا أبوك إبراهيم فسلم عليه، قال: فسلمت عليه، فرد السلام، فقال: مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح. ثم رفعت إلى سدرة المنتهى، فإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل حسدًا، معاذ اللَّه، فإنه منزوع عن آحاد المؤمنين في ذلك العالم، فكيف بمن اصطفاه اللَّه، بل لا وجه تأتي في المتن. (ثم صعد بي إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟، قال: جبريل، قال: ومن معك؟، قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟، قال: نعم، قال: مرحبًا، فنعم المجيء جاء، فلما خلصت فإذا إبراهيم، قال) جبريل: (هذا أبوك إبراهيم، فسلم عليه، قال: فسلمت عليه، فرد السلام، فقال:) بالفاء وحذفها روايتان في البخاري (مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح،) زاد في حديث أبي أيوب عند ابن أبي حاتم، وابن حبان، وابن مردويه، وأحمد، وقال: مر أمتك فليكثروا من غراس الجنة، فإن تربتها طيبة وأرضها واسعة، فقال له: وما غراس الجنة؟، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وأخرج الترمذي وقال: حسن، والطبراني عن ابن مسعود رفعه؛ أن إبراهيم قال: أقريء أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأن غراسها سبحان اللَّه، والحمد لله، ولا إله إلا اللَّهِ، واللَّه أكبر. قال النووي: وقد منّ اللَّه الكريم، فجعل لنا سندًا متصلاً بخليله إبراهيم. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة وهو، أي: المصطفى، أشبه ولد إبراهيم به، ويأتي في المتن توجيه روايته لهؤلاء الأنبياء في السموات، ولهم ولغيرهم في بيت المقدس مع أن أجسادهم في قبورهم. (ثم رفعت) كدًا للأكثر بضم الراء وسكون العين، وضم التاء من رفعت بضمير المتكلم، وبعده حرف الجر، وهو (إلى سدرة المنتهى،) وللكشميهني رفعت بفتح العين وسكون التاء، أي: من أجلي، وسدرة المنتهى بالرفع نائب فاعل رفعت، وكذا في بدء الخلق، ويجمع بين الروايتين، بأن المراد أنه رفع إليها، أي: ارتقى به، وظهرت له، والرفع إلى الشىء يطلق على التقريب منه، وقد قيل في قوله: ﴿وفرش مرفوعة﴾ [الواقعة/٣٤] الآية، أي: تقرب لهم. (فإذا نبقها) بفتح النون، وكسر الموحدة وبسكونها أيضًا. قال ابن دحية: والأول هو الذي ثبت في الرواية، أي: التحريك المعروف، وهو ثمر السدر، (مثل قلال،) قال الخطابي: بالكسر: جمع قلة ٣٦ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء آذان الفيلة، قال: هذه سدرة المنتهى، وإذا أربعة أنهار: نهران باطنان ونهران ظاهران، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران: فالنيل والفرات. ثم رفع إلى البيت المعمور، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ثم أتيت (بالضم) هي الجرار، يريد أن ثمرها في الكبر مثل القلال، وكانت معروفة عند المخاطبين، فلذا وقع التمثيل بها، قال: وهي التي وقع تحديد الماء الكثير بها في قوله: ((إذا بلغ الماء قلتين))، (هجر) بفتح الهاء والجيم، بلدة لا تنصرف للتأنيث والعلمية، ويجوز الصرف، (وإذا ورقها مثل آذان الفيلة) بكسر الفاء، وفتح التحتية بعدها لام: جمع فيل، وفي بدء الخلق مثل آذان الفيول، وهو جمع فيل أيضًا، قاله كله في فتح الباري، وقول الزركشي: الفيلة بفتح الفاء والياء سهو، قاله في المصابيح، (قال) جبريل: (هذه سدرة المنتهى،) ووجه تسميتها بذلك بينه عَّله بقوله: ((وإليها انتهى ما يعرج من الأرض فيقبض منها وإليها، ينتهي ما يبسط من فوقها فيقبض منها)). رواه مسلم من حديث ابن مسعود. قال الحافظ: وأورده النووي بصيغة التمريض، فقال: وحكى عن ابن مسعود، أنها سميت بذلك ... الخ، فأشعر بضعفه عنده، ولا سيما ولم يصرح برفعه، وهو صحيح مرفوع انتهى. ويأتي بعض هذا في المتن، (وإذا أربعة أنهار) تخرج من أصلها (نهران باطنان، ونهران ظاهران، فقلت: ما هذا يا جبريل؟، قال: أما الباطنان فنهران في الجنة،) ويجريان في أصل سدرة المنتهى، ثم يسيران حيث شاء اللَّه، ثم ينزلان إلى الأرض، ثم يسيران فيها، وقال مقاتل: الباطنان السلسبيل والكوثر، كذا في شرح المصنف، ويأتي في المتن أبسط منه، (وأما الظاهران فالنيل) نهر مصر (والفرات) بالفوقية خطًا ووصلاً ووقفًا، لا بالهاء، نهر بغداد. قال الحافظ: هذه في القراءات المشهورة، وجاء في قراءة شاذة؛ أنها هاء تأنيث، وشبهها أبو المظفر بن الليث بالتابوت والتابوه، (ثم رفع إلى البيت المعمور،) زاد الكشميهني (يدخله كل يوم سبعون ألف ملك،) وتقدمت هذه الزيادة في بدء الخلق بزيادة إذا خرجوا لم يعودوا آخر ما عليهم، كذا وقع مضمومًا إلى رواية قتادة عن أنس، عن لملك بن صعصعة، وهو مدرج من رواية قتادة، عن الحسن، عن أبي هريرة، لأن البخاري عقب الحديث في بدء الخلق بقوله. وقال همام عن قتادة، عن الحسن، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّدٍ في البيت المعمور. قال الحافظ: ثمة يريدان هما ما فصل في سياقه قصة البيت المعمور من قصة الإسراء. فروي أصل الحديث عن قتادة، عن أنس، وقصة البيت عن الحسن البصري، وأما سعيد، وهو ابن أبي عروبة، وهشام، وهو الدستوائي، فأدرجا قصة البيت المعمور في حديث أنس، والصواب رواية همام، وهي ٣٧ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل، فأخذت اللبن، فقال جبريل: هي الفطرة التي أنت عليها وأمتك. موصولة هنا عن هدية عنه، ووهم من زعم أنها معلقة، فقد روى الحسن بن سفين الحديث بطوله عن هدية إلى قوله: فرفع لي البيت المعمور. فقال: قال قتادة: فحدثنا الحسن عن أبي هريرة، أنه عنّ له رأى البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ولا يعودون فيه، وعرف بذلك مراد البخاري بقوله في البيت المعمور. وأخرج الطبري من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، قال: ذكر لنا أن رسول اللّه قال: البيت المعمور مسجد في السماء بحذاء الكعبة لو خر لخر عليها، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، إذا خرجوا منه لم يعودوا، وهذا وما قبله يشعر بأن قتادة كان يدرج قصة البيت المعمور في حديث أنس، وتارة يفصلها، وحين يفصلها تارة يذكر سندها، وتارة بيهمه انتهى. (ثم أتيت بإناء من خمر، وإناء من لبن، وإناء من عسل، فأخذت اللبن،) فشربت منه، (فقال جبريل: هي الفطرة التي أنت عليها وأمتك). وفي حديث أبي هريرة عند البخاري في الأشربة: ولو أخذت الخمر غوت أمتك. وفي حديث أنس عند البيهقي: ولو شربت الماء غرقت وغرقت أمتك. وفي مسلم من حديث ثابت عن أنس: أن إتيانه بالآنية كان ببيت المقدس قبل المعراج، ولفظه: ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت، فجاءني جبريل بإناء من خمر، وإناء من لبن، فأخذت اللبن، فقال جبريل: أخذت الفطرة، ثم عرج بي إلى السماء، وجمع الحافظ بحمل، ثم على غير بابها من الترتيب، وإنما هي بمعنى الواو هنا، أو بوقوع عرض الآنية مرتين، مرة عند فراغه من الصلاة ببيت المقدس، وسببه ما وقع له من العطش، ففي حديث شداد: فصليت من المسجد حيث شاء اللَّه، وأخذني من العطش أشد ما أخذني، فأتيت بإناءين أحدهما اللبن، والآخر عسل، فعدلت بينهما، ثم هداني الله، فأخذت اللبن، فقال شيخ بين يدي، يعني لجبريل، أخذ صاحبك الفطرة، ومرة عند وصوله إلى سدرة المنتهى، ورؤية الأنهار الأربعة. وأما الاختلاف في عدد الآنية وما فيها، فيحمل على أن بعض الرواة ذكر ما لم يذكر الآخر، ومجموعها أربعة أشياء من الأنهار الأربعة التي رآها تخرج من أصل سدرة المنتهى، وهي الماء واللبن والعسل والخمر، كما في حديث أبي هريرة عند الطبري، فلعله عرض عليه من كل نهر إناء. وجاء عن كعب أن نهر العسل نهر النيل، ونهر اللبن نهر جيحان، ونهر الخمر نهر الفرات، ونھر الماء نھر سيحان. ٣٨ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء ثم فرضت علي الصلاة، خمسين صلاة كل يوم، فرجعت فمررت على موسى، فقال: بما أمرت؟ قال: أمرت بخمسين صلاة كل يوم، قال: إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم، وإني والله قد جربت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فرجعت فوضع وفي حديث أبي هريرة عند ابن عائذ بعد ذكر إبراهيم: ثم انطلقنا فإذا نحن بثلاثة آنية مغطاة، فقال لي جبريل: يا محمد ألا تشرب مما سقاك ربك، فتناولت أحدها، فإذا هو عسل، فشربت منه قليلاً، ثم تناولت الآخر، فإذا هو لبن، فشربت منه حتى رويت، فقال: ألا تشرب من الثالث؟، قلت: قد رويت، قال: وفقك اللَّه. وفي رواية البزار: أن الثالث كان خمرًا، لكن وقع عنده أن ذلك كان ببيت المقدس، وأن الأول كان ماء، ولم يذكر العسل، ويأتي مزيد لذلك في كلام المصنف. (ثم فرضت) بالبناء للمفعول (عليّ الصلاة) بالإفراد، وفي رواية: الصلوات بالجمع، (خمسين صلاة كل يوم،) أي: وليلة، وللنسائي عن أنس: وأتيت سدرة المنتهى، فغشيتني ضبابة، فخررت ساجدًا، فقيل لي: إني يوم خلقت السموات والأرض فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة، فقم بها أنت وأمتك، قال عَّةُ: (فرجعت). وفي حديث أنس عند ابن أبي حاتم، فمر عليّ إبراهيم، فلم يقل شيئًا، (فمررت على موسى،) زاد في حديث أبي سعيد: ونعم الصاحب كان لكم، (فقال: بما) ولأبي ذر: بم، (أمرت) بضم الهمزة مبني للمفعول، وفي حديث أنس عند النسائي وغيره: ما فرض ربك عليك وعلى أمتك، (قال: أمرت بخمسين صلاة كل يوم،) ولمسلم عن ثابت عن أنس قال: فرض عليّ وعلى أمتي خمسين صلاة كل يوم وليلة. (قال) موسى: (إن أمتك لا تستطيع) أن تصلي، (خمسين صلاة كل يوم) وليلة (وإني والله قد جریت). وفي رواية: خبرت (الناس قبلك، وعالجت بني إسرئيل أشد المعالجة،) مثل المزاولة، يعني مارستهم ولقيت الشدة فيما أردت منهم. وفي رواية النسائي: فإنه فرض على بني إسرائيل صلاتان، فما قاموا بها. وفي الصحيحين من رواية شريك عن أنس: وبلوت بني إسرائيل، وعالجتهم أشد المعالجة على أدنى من هذا، فضعفوا وتركوه، وأمتك أضعف أجسادًا وأبدانًا وأبصارًا وأسماعًا، فالتفت النبي - إلى جبريل يستشيره، فأشار إليه جبريل أن نعم إن شئت، (فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فرجعت، فوضع عني عشرًا، فرجعت إلى موسى، فقال مثله:) إن أمتك لا ٣٩ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء - عني عشرًا، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فوضع عني عشرًا، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فوضع عني عشرًا، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فأمرت بعشر صلوات كل يوم، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم، فرجعت إلى موسى فقال: بم أمرت؟ قلت: أمرت بخمس صلوات كل يوم، قال: إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم، وإني قد جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك. قال: سألت ربي حتى استحييت، ولكني أرضى وأسلم. قال: فلما جاوزت ناداني مناد: أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي. تستطيع إلى آخره .. ، (فرجعت فوضع عني عشرًا) من الأربعين، (فرجعت إلى موسىء) فأخبرته، (فقال مثله، فرجعت فوضع عني عشرًا) من الثلاثين، (فرجعت إلى موسى، فقال مثله، فرجعت فأمرت بعشر صلوات،) بالإضافة. وفي رواية بتنوين عشر، (كل يوم) وليلة، (فرجعت إلى موسى، فقال مثله، فرجعت، فأمرت بخمس صلوات كل يوم)، كما في لفظ الحديث، أي: وليلة، (فرجعت إلى موسى، فقال: بم) (بلا ألف) رواية أبي ذر، ولغيره بما، بألف بعد الميم، (أمرت؟، قلت: أمرت بخمس صلوات كل يوم، قال: إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم، وإني قد جربت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك). وفي رواية: فسله، والأصل فاسأله، لأنه أمر من السؤال، فنقلت حركة الهمزة إلى السين، فحذفت تخفيفًا، واستغنى عن همزة الوصل فحذفت، (قال) عَّله لموسى: (سألت ربي حتى استحييت، ولكني) رواية أبي ذر عن الكشميهني وغيره، ولكن (أرضى وأسلم). (قال) الحافظ: فيه حذف وتقدير الكلام، سألت ربي حتى استحييت، فلا أرجع، فإني إن رجعت صرت غير راض ولا مسلم، ولكني أرضى وأسلم، (فلما جاوزت ناداني مناد: أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي.) قال الحافظ: هذا من أقوى ما استدل به على أنه تعالى كلم نبيه محمدًا ليلة الإسراء بلا واسطة. وفي رواية النسائي عن أنس: فخمس بخمسين، فقم بها أنت وأمتك، فعرفت أنها عزمة من اللَّه، فرجعت إلى موسى، فقال: ارجع، فلم أرجع. وفي الصحيح من طريق شريك عن أنس، فقال: اهبط باسم الله، قال المصنف، أي: قال چیریل لا موسى، وإن كان ظاهر السياق. (وفي رواية له،) أي: للبخاري، وكذا مسلم، كلاهما من حديث أنس عن أبي ذر: أن ٤٠ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء وفي رواية له: ففرج صدري ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلىء حكمة وإيمانًا، فأفرغه في صدري ثم أطبقه. وفي رواية شريك: فحشى به صدره ولغاديده وهي بلام مفتوحة وغين معجمة، أي عروق حلقه، وفي النهاية: جمع لغدودة: وهي لحمة مشرفة عند اللهاة. والشك في قوله: وربما قال في الحجر من قتادة، كما بينه أحمد عن عفان، ولفظه: بينما أنا نائم في الحطيم، وربما قال قتادة: في الحجر والمراد بالحطيم هنا: الحجر. رسول اللَّه عَّ الله قال: فرج سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل، (ففرج) بفتحات، أي: شق (صدري). وفي رواية: عن صدري، بزيادة عن لمجرد التأكيد، أو فرج مضمن معنى كشف، والمراد بالصدر القلب، أي: كشف عن قلبي ما منع الوصول إليه، وذلك بشق الصدر، (ثم غسله بماء زمزم،) قال ابن أبي جمرة: إنما لم يغسل بماء الجنة، لما اجتمع في زمزم من كون أصل مائها من الجنة، ثم استقر في الأرض، فأريد بذلك بقاء بركة النبي صَّةُ في الأرض، وقال السهيلي: لما كانت زمزم حفرة جبريل روح القدس لأم إسماعيل جده ناسب أن يغسل بها عند دخوله حضرة القدس لمناجاته، (ثم جاء بطست من ذهب ممتلىء حكمة وإيمانًا، فأفرغه في صدري، ثم أطبقه،) أي: الصدر الشريف. وفي رواية مسلم: فاستخرج قلبي، فغسل بماء زمزم، ثم أعيد مكانه، ثم حشي إيمانًا وحكمة. (وفي رواية شريك) بن أبى نمر عن أنس عند الشيخين، (فحشى به صدره ولغاديده، وهي،) أي: هذه اللفظة (بلام مفتوحة وغين معجمة، أي: عروق حلقه). (وفي النهاية) لابن الأثير: (جمع لغدودة، وهي لحمة مشرفة عند اللهاة والشك في قوله، وربما قال في الحجر) كائن (من قتادة، كما بينه) الإمام (أحمد) في روايته هذا الحديث، (عن عفان) (بتشديد الفاء) ابن مسلم بن عبد اللّه الباهلي، البصري، ثقة، ثبت روي له الجميع، مات في سنة تسع عشرة ومائتين، (ولفظه: بينما أنا نائم في الحطيم، وربما قال قتادة في الحجر،) أي: أنه كان يحدث به تارة، فيقول في الحطيم، وتارة يقول في الحجر، لشكه في خصوص اللفظ الذي سمعه من أنس، وإن كان المعنى واحدًا كما قال، (والمراد بالحطيم هنا الحجر،) زاد الحافظ، وأبعد من قال المراد به ما بين الركن والمقام، أو بين زمزم والحجر،