النص المفهرس
صفحات 1-20
شَرَعُ الْعَلَامَةِ الرَّقَانِىّ المتوفى سنة ١١٢٢ هـ. اعلے المواهب المدنيّة بالريح المحمديّة للعَلَّامَة القسطَلاني المتوفى سنة ٩٢٣ هـ. ضَبَطَرَ وَمَحْهُ محمد عبد العزيز الخالدي الجزء الثامن دار الكتب العلمية بيروت - لبنان جميع الحقوق محفوظة جميع حقوق الملكية الادبية والفلية محفوظة لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملا" أو مجزأ، أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر. أو برمجته على اسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطياً". Copyright @ All rights reserved Exclusive rights by DAR al-KOTOB al- ILMIYAH Beirut - Lebanon. No part of this publication may be translated, reproduced, distributed in any form or by any means, or stored in a data base or retrieval system, without the prior written permission of the publisher. الطَّبعَة الأولى ١٤١٧ هـ - ١٩٩٦م دار الكتب العلمية بيروت - لبنان : رمل الظريف، شارع البحتري، بناية ملكارت العنوان تليفون وفاكس: ٢٦٤٣٩٨ - ٣٦٦١٣٥ - ٦٠٢١٣٣ (١ ٩٦١ ) .. صندوق بريد: ٩٤٢٤ - ١١ بيروت - لبنان DAR al-KOTOB al-ILMIYAH Beirut - Lebanon Address : Ramel al-Zarif, Bohtory st., Melkart bldg., 1 st Floore. Tel. & Fax : 00 (961 1) 60.21.33 - 36.61.35 - 36.43.98 P.O.Box : 11 - 9424 Beirut - Lebanon £ ٠۶ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء، وتعميمه بعموم لطائف التكريم في حضرة التقريب بالمكالمة والمشاهدة والآيات الكبرى. اعلم - منحني اللَّه وإياك الترقي في معارج السعادات، وأوصلنا به إليه في حظائر الكرامات - أن قصة الإسراء والمعراج من أشهر المعجزات، وأظهر البراهين البينات، وأقوى الحجج المحكمات، وأصدق الأنباء، وأعظم الآيات، وأتم الدلالات الدالة على تخصيصه عليه الصلاة والسلام بعموم الكرامات. (المقصد الخامس: في) بيان (تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء،) أي: جعلها مخصوصة به لا تتجاوزه إلى غيره، والمراد بها الأمور الخارقة التي اختص بها ليلته كرؤية اللَّه والجنة، وقطعه في زمن قليل، واتساع الزمن حتى صلى بالأنبياء إلى غير ذلك، فلما كانت تلك الأمور كلها لم تتعده إلى غيره جعل المصنف همته في الترجمة بيانها، لأنه صار بها مقدماً على من عداه ومقرباً في حضرة التقديس عن كل ما سواه، وقدم المعراج في الذكر لتعلقه بالحضرة الإلهية، وآخره في الترتيب مطابقة للواقع. (وتعميمه)) أي: تغطيته وستره، (بعموم،) أي: كثرة (لطائف التكريم،) أي: النعم التي أكرمه الله بها التي لا تحصى بجعلها شاملة كالملاءة التي تشتمل على جميع جسد من جعلت عليه (في حضرة التقريب،) أي: المكان الذي خاطبه فيه، (بالمكالمة والمشاهدة) له سبحانه وتعالى (والآيات الكبرى) العظمى. (اعلم منحني) أعطاني، (اللَّه وإياك الترقي في معارج السعادات،) أي: المراتب المحصلة لها لمن أراد الله به الخير والمعراج عند أهل الطريق منتهى سير المقربين الذي هو عروجهم، أي: سلوكهم، لأن كل سالك إلى طريق كان غايته الحق بشرط فوزه منه بسعادة ما، فذلك السالك صاحب معراج وسلوكه عروج، (وأوصلنا) اللَّه (به،) أي: النبي ◌َِّ (إليه،) أي: إلى قرب المكانة إلى اللَّه (في حظائر الكرامات،) أي: المحلات التي تنزل بها الكرامات وتليق بها، أو المراد بها الجنة، وأصل الحظيرة ما يعمل للإبل من الشجر ليقيها البرد ونحوه، (أن قصة الإسراء والمعراج،) بزنة مفتاح السلم، وجمعه معارج ومعاريج، ويقال: معرج للواحد، بكسر الميم وفتحها (من أشهر المعجزات وأظهر البراهين البينات) الواضحات، (وأقوى الحجج) بالضم، جمع حجة (المحكمات وأصدق الأنباء:) جمع نبأ، بالهمز، وهو الخبر، (وأعظم الآيات وأتم الدلالات الدالة على تخصيصه عليه الصلاة والسلام بعموم الكرامات) لما اشتملت عليه من الأمور الخارقة للعادة التي تقصر العقول عن إدراك مثلها. ٤ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء وقد اختلف العلماء في الإسراء. هل هو إسراء واحد في ليلة واحدة؟ يقظة أو منامًا؟ أو إسرآان كل واحد منهما في ليلة، مرة بروحه وبدنه يقظة، ومرة منامًا، أو يقظة بروحه وجسده؟ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم منامًا من المسجد الأقصى إلى العرش، أو هي أربع إسرآات؟ احتج القائلون بأنه رؤيا منام - مع اتفاقهم على أن رؤيا الأنبياء وحي - بقوله: ﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس﴾ [الإسراء/٦٠]، لأن الرؤيا مصدر الحُلميَّة، وأما البصرية: فالرؤية بالتاء، وقد أنكر ابن مالك والحريري وغيرهما - كما أفاده الشيخ بدر الدين الزركشي - ورود («الرؤيا)) للبصرية، ولحنوا المتنبي في قوله: ورؤياك أحلى في العيون من الغض وأجيب: بأنه إنما قال ((الرؤيا)) لوقوع ذلك المرئيفي الليل، وسرعة تقضيه كأنه (وقد اختلف العلماء) بحسب اختلاف الأخبار (في الإسراء،) أي: في جواب قول السائل (هل هو إسراء واحد في ليلة واحدة،) فقيل كان كذلك، ثم اختلف بناء على ذا القول هل كان (يقظة أو منامًا،) وعلى أنه يقظة هل إلى المسجد الأقصى فقط، أو إلى العرش منامًا، (أو) هما (إسراءان) واحد يقظة، وآخر منامًا، (كل واحد منهما في ليلة مرة بروحه وبدنه يقظة، ومرة منامًا،) وليلة اليقظة غير ليلة المنام، وبهذا فارق القول الذي قبله، (أو يقظة بروحه وجسده من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم منامًا من المسجد الأقصى إلى العرش،) فالإسراء كان يقظة، والمعراج منامًا، عند هذا القائل، وقد علم تفريع هذا القول على اتحاد الليلة فيهما، (أو هي أربع إسراءات) يقظة كلها كما يأتي. (احتج القائلون بأنه رؤيا منام مع اتفاقهم على أن رؤيا الأنبياء وحي بقوله: ﴿وما جعلنا الرؤيا التي أويناك﴾ [الإسرء/ ٦٠] الآية،) ليلة الإسراء، (﴿إلا فتة للناس﴾،) أهل مكة إذ كذبوا بها، وارتد بعضهم لما أخبرهم، (لأن الرؤيا) بالألف (مصدر الحلمية،) وهي المنامیة، منسوبة إلى الحلم (بضمتين وقد تسكن اللام تخفيفًا)، (وأما البصرية، فالرؤية بالتاء) بالألف (وقد أنكر ابن لملك والحريري وغيرهما، كما أفاده الشيخ بدر الدين الزركشي ورود الرؤيا) بالألف (البصرية، ولحنوا) أبا الطيب أحمد بن الحسين (المتنبي) الشاعر المشهور (في قوله: ورؤياك أحلى في العيون من الغض،) لأنه استعمل الرؤيا بالألف في البصرية التي بالتاء، (وأجيب: بأنه) لا حجة في الآية على أنه منام، لأنه (إنما قال الرؤيا لوقوع ذلك المرئي في ٥ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء منام، وبأن ((الرؤيا)) و((الرؤية)) واحدة كقربى وقربة، ويشهد له قول ابن عباس في الآية - كما عند البخاري -: هي رؤية عين أربها عَُّلّهِ ليلة أسري به. وزاد سعيد بن منصور عن سفيان في آخر الحديث: وليس رؤيا منام. ولم يصرح في رواية البخاري بالمرئي. وعند سعيد بن منصور من طريق أبي مالك هو ما أري في طريقه إلى بيت المقدس وهذا مما يستدل به على إطلاق لفظ ((الرؤيا)) على ما يرى بالعين في الليل وسرعة تقضيه) حتى (كأنه منام) فهو مجاز علاقته المشابهة، (وبأن الرؤيا) بالألف (والرؤية) (بالتاء) (واحدة،) يعني أن كلاً منهما يستعمل موضع الآخر (كقربى وقربة)) وهذا نقله ابن دحية ولفظه. قال أهل اللغة: رأيت رؤية ورؤيا مثل قربة وقربى، (ويشهد له قول ابن عباس) وهو من أئمة اللسان (في) تفسير (الآية، كما عند البخاري: هي رؤية عين أربها عَّ ليلة أسري به،) فاستعمل ابن عباس الرؤيا (بالألف) في البصرية، (وزاد سعيد بن منصور عن سفين) بن عيينة راويه عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، (في آخر الحديث وليس رؤيا منام،) فهو دليل قوي على استعمال كل منهما موضع الآخر. قال الحافظ: وقد تمسك بكلام ابن عباس هذا من قال: الإسراء منام، ومن قال: يقظة، فالأول أخذه من لفظ الرؤيا لاختصاصها برؤيا المنام، والثاني من قوله: أربها ليلة الإسراء إذ لو كان منامًا كذبه الكفار ولا فيما هو أبعد منه، وإذا كان يقظة والمعراج تلك الليلة تعين كونه يقظة أيضًا إذ لم ينقل أنه نام لما وصل بيت المقدس، ثم عرج به وهو نائم، (ولم يصرح في رواية البخاري بالمرئي،) بل لفظه ما قدمه المصنف. قال الحافظ عقب ما نقلته عنه: وإذا كان يقظة فإضافة الرؤيا إلى العين للاحتراز عن رؤيا القلب، وقد أثبت اللَّه في القرآن رؤيا القلب، فقال: ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى﴾ [النجم/١١] الآية، ورؤيا العين، فقال: ﴿ما زاغ البصر وما طغى* لقد رأى﴾ [النجم/١٧، ١٨] الآية. وروى الطبراني في الأوسط بإسناد قوي عن ابن عباس قال: رأى محمد ربه مرتين، ومن وجه آخر قال: نظر محمد إلى ربه، جعل الكلام لموسى والخلة لإبراهيم والنظر لمحمد، فإذا تقرر ذلك ظهر أن مراد ابن عباس هنا برؤيا العين جميع ما ذكره عَّه من الأشياء في تلك الليلة. (وعند سعيد بن منصور من طريق أبي لملك هو ما أُري في طريقه إلى بيت المقدس) مما يأتي بعضه، (وهذا مما يستدل به على إطلاق لفظ الرؤيا على ما يرى بالعين في اليقظة،) كما تطلق على رؤيا المنام، (وهو يرد على من خطأ المتنبي،) ولا عبرة بإنكار ذلك، ٦ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء اليقظة. وهو يرد على من خطأ المتنبي. على أنه اختلف المفسرون في هذه الآية، فقيل: أن الرؤيا التي أريناك ليلة المعراج. قال البيضاوي ففسر الرؤيا بالرؤية. وقيل: رؤيا عام الحديبية، حين رأى أنه دخل مكة فصده المشركون وافتتن بذلك ناس. وقيل: رؤيا وقعة بدر. وسأل ابن النقيب شيخه أبا العباس القرطبي فقال: إذ من حفظ حجة خصوصًا وابن عباس من فصحاء بني هاشم وأئمة اللسان. وفي كلام الأشموني إفادة أن مصدر رأي: حلمية، أو بصرية أو علمية بالدليل، أو السمع يجيء بالألف في لغة، وأن المشهور كونها مصدرًا للحلمية؛ (على أنه اختلف المفسرون في هذه الآية) على هذه للاستدراك، وقيل: تتعلق بما قبلها من الكلام، وقيل: لا تتعلق بشىء، (فقيل: إن الرؤيا التي أريناك ليلة المعراج) كما مر عن ابن عباس. (قال البيضاوي:) وتعلق به من قال كان في المنام، ومَن قال كان في اليقظة، (ففسر الرؤيا) (بالألف) (بالرؤية) (بالتاء)، (وقيل: رؤيا عام الجديبية حين رأى أنه دخل) المسجد الحرام، فسافر قاصدًا (مكة فصده المشركون وافتتن بذلك ناس،) أي: تحيروا من ذلك، لأن رؤياه وحي حتى قال عَّه: ((أقلت لكم في هذا العام))، وفي الفتح قال هذا القائل، والمراد بقوله فتنة للناس ما وقع من صد المشركين له في الحديبية عن دخول المسجد الحرام، وهذا وإن أمكن أنه مراد الآية لكن الاعتماد في تفسيرها على ترجمان القرآن أولى. (وقيل: رؤياه وقعة بدر، وسأل ابن النقيب) الإمام المفسر العلامة المفتي جمال الدين أبو عبد الله محمد بن سليمان بن حسن البلخي، ثم المقدسي الحنفي مدرس العاشورية بالقاهرة، ولد سنة إحدى عشرة وستمائة، قدم مصر فسمع بها من يوسف المخلي، وأقام مدة بالجامع الأزهر، وصنف بها تفسيرًا كبيرًا إلى الغاية، وكان إمامًا عابدًا زاهدًا، أمارًا بالمعروف، كبير القدر، يتبرك بدعائه وزيارته، مات بالقدس في المحرم سنة ثمان وتسعين وستمائة، ذكره الذهبي في العبر (شيخه أبا العباس) أحمد بن عمر بن إبراهيم (القرطبي،) الأنصاري، المالكي، الفقيه المحدث، نزيل الإسكندرية، ولد سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، وسمع الكثير، وقدم الإسكندرية، فأقام بها يدرس، وصنف المفهم في شرح صحيح مسلم، واختصر الصحيحين، مات في ذي القعدة سنة ست وخمسين وستمائة، وليس المراد بابن النقيب هنا شهاب الدين بن النقيب أحمد أبو العباس، أحد علماء الشافعية، لأنه ولد بالقاهرة سنة اثنين وسبعمائة، ومات بها في رمضان ٧ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء الصحيح أنها رؤية عين، أراه جبريل مصارع القوم ببدر، فأرى النبي عَّه الناس مصارعهم التي أراه جبريل، فتسامعت به قريش فاستخروا منه. انتهى. واستدل القائلون بأنها رؤيا منام أيضًا بقول عائشة: ((ما فقد جسده الشريف)). وأجيب بأن عائشة لم تحدث به عن مشاهدة، لأنها لم تكن إذ ذاك زوجا، ولا في سن من يضبط، أو لم تكن ولدت بعد على الخلاف في الإسراء متى كان. سنة تسع وستين، كما ذكر السيوطي فلم يدرك القرطبي،(فقال: الصحيح أنها رؤية عين أراه جبريل مصارع القوم ببدر، فأري النبي عَّ الناس) أصحابه الحاضرين (مصارعهم،) أي: القوم الهالكين ببدر من المشركين (التي أراه جبريل،) فصار يقول قبل الوقعة واضعًا يده على الأرض: هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان، (فتسامعت به قريش فاستخروا) مثل سخروا، أي: هزؤوا (منه،) فلما التقى الجمعان كان كما قال (انتهى). لكن ما صححه خلاف ما صححه الشامي أنها رؤيا عين ليلة الإسراء، ونحوه للحافظ في الفتح قائلاً: وما روى ابن مردويه عن ابن عباس؛ أن المراد رؤيا الحديبية، وعن الحسن بن علي مرفوعًا: ((إنى أريت كأن بني أمية يتعاورون منبري هذا، فقيل: دنيا تنالهم))، ونزلت الآية، فكلاهما إسناده ضعيف. (واستدل القائلون بأنها رؤيا منام أيضًا بقول عائشة) المروي عند ابن إسحق: حدثني بعض آل أبي بكر أن عائشة كانت تقول: (ما فقد جسده الشريف) ولكن أسرى بروحه. قال الشامي: كذا فيما وقفت عليه من نسخ السير فقد بالبناء للمفعول، والذي وقفت عليه من نسخ الشفاء ما فقدت بالبناء للفاعل وإسناد الفعل لتاء المتكلم، كذا قال وقد حكاهما في الشفاء روايتين، فقال أولاً: وأما قول عائشة: ما فقد جسده، فهي لم تحدث به عن مشاهدة ... الخ، ثم قال بعد أسطر، وأيضًا قد روي حديث عائشة: ما فقدت، يعني بالبناء للفاعل، قال: ولم يدخل بها النبي عَّ﴾ إلا بالمدينة، وكل هذا يوهنه، بل الذي يدل عليه صحيح قولها: إنه بجسده الشريف لإنكارها رؤيته لربه رؤية عين، ولو كانت عندها منامًا لم تنكره، وحديثها هذا ليس بالثابت عنها انتهى، يعني لما في متنه من العلة القادحة، وفي سنده من انقطاع ورأوٍ مجهول. وقال ابن دحية في التنوير: إنه حديث موضوع عليها، وقال في معراجه الصغير: قال إمام الشافعية أبو العباس بن سريج: هذا حديث لا يصح، وإنما وضع ردًا للحديث الصحيح. (وأجيب) على تقدير صحته؛ (بأن عائشة لم تحدث به عن مشاهدة، لأنها لم تكن إذ ذاك زوجًا، ولا في سن من يضبط،) لأنها سنة الهجرة، و کانت بنت ثمان سنين، (أو لم تكن ٨ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء وقال التفتازاني: أي ما فقد جسده عن الروح، بل كان مع روحه، وكان المعراج للجسد والروح جميعًا. انتهى. واحتج القائلون بأنه بالجسد يقظة إلى بيت المقدس، وإلى السماء بالروح، بقوله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾ [الإسراء/١]، فجعل المسجد الأقصى غاية الإسراء الذي وقع التعجب به بعظيم القدرة، والتمدح بتشريف النبي عَّ له، وإظهار الكرامة له بالإسراء. ولو كان الإسراء بجسده إلى زائد على المسجد الأقصى لذكره، فيكون أبلغ في المدح. ولدت بعده) بالبناء على الضم، أي: بعد هذه القصة، وهي ضد قبل، ويستعملان في التقدم والتأخر المتصل والمنفصل، والمراد هنا الأول، أو المراد زمن وقوعه للمحاورة والتضاد، وهو استعمال شائع (على الخلاف في الإسراء متى كان،) فعلى أنه كان بعد المبعث بعام لم تكن ولدت، وعلى أنه قبل الهجرة بعام تكون ابنة سبع، وعلى أنه قبلها بأكثر تكون أصغر من سبع. قال عياض: وإذا لم تشاهد ذلك عائشة دل على أنها حدثت بذلك عن غيرها، فلم يرجح خبرها على خبر غيرها، وكان الظاهر أن يقول فرجح خبر غيرها على خبرها، أي: لعدم ثبوته عنها كما أنصح به بعد، وقد قدمت كلامه لا لروايتها عن مجهول إذ لو ثبت لكان مرسل صحابي وهو حجة. (وقال التفتازاني) في الجواب على تقدير الصحة، (أي: ما فقد جسده عن الروح، بل كان مع روحه وكان المعراج للجسد والروح جميعًا. انتهى،) وهو جواب حسن على ما فيه من كونه خلاف المتبادر من اللفظ. (واحتج القائلون بأنه بالجسد يقظة إلى بيت المقدس، وإلى السماء بالروح،) فالإسراء يقظة، والمعراج منام، (بقوله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾ [الإسراء/١] الآية، فجعل المسجد الأقصى غاية الإسراء الذي وقع التعجب به،) من الكفار تعجب استحالة، ومن المؤمنين تعجب تعظيم (بعظيم القدرة) بالباء الجارة، وفي نسخة بالفوقية منصوب على أنه مفعول له، أي: لتعظيم قدرة اللَّه الباهرة (والتمدح بتشريف النبي عَّدٍ وإظهار الكرامة له بالإسراء، ولو كان الإسراء بجسده إلى) مكان (زائد عن المسجد الأقصى لذكره، فيكون أبلغ في المدح،) فلما لم يقع ذكر المعراج في هذا الموضع مع كون شأنه أعجب وأمره أغرب بكثير من الإسراء، دل على أنه كان ٩ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء وأجيب: بأن حكمة التخصيص بالمسجد الأقصى سؤال قريش له على سبيل الامتحان على ما شاهدوه وعرفوه من صفة بيت المقدس، وقد علموا أنه لم يسافر إليه، فيجيبهم بما عاين ويوافق ما يعلمونه، فتقوم الحجة عليهم، وكذلك وقع، ولهذا لم يسألوه عما رأى في السماء، ولا عهد لهم بذلك. وقال النووي في فتاويه: وكان الإسراء به عليه الصلاة والسلام مرتين: مرة في المنام، ومرة في اليقظة. وذكر السهيلي تصحيح هذا المذهب عن شيخه القاضي أبي بكر بن العربي، منامًا، وأما الإسراء فلو كان منامًا لما كذبوه ولا استنكروه لجواز وقوع مثل ذلك وأبعد منه الآحاد الناس. (وأجيب) كما ذكر ابن المنير؛ (بأن حكمة التخصيص بالمسجد الأقصى سؤال قريش له على سبيل الامتحان على ما شاهدوه وعرفوه من صفة بيت المقدس، وقد علموا أنه لم يسافر إليه فيجيبهم بما عاين،) كما يأتي بيانه، (ويوافق ما يعلمونه، فتقوم الحجة عليهم، وكذلك وقع، ولهذا لم يسألوه عما رأى في السماء، ولا عهد لهم بذلك،) عطف علة على معلول، أي: لأنه لا عهد، أي: لا علم لهم به. وفي الشامي، وأجاب الأئمة عن ذلك، بأنه استدرجهم إلى الإيمان بذكر الإسراء، فلما ظهرت أمارات صدقه ووضحت له براهين رسالته، واستأنسوا بتلك الآية أخبرهم بما هو أعظم منها، وهو المعراج، فحدثهم به، وأنزله اللَّه في سورة النجم. قال الحافظ: ويؤيد وقوع الإسراء عقب المعراج في ليلة واحدة رواية ثابت عن أنس عند مسلم: أتيت بالبراق فركبت حتى أتيت بيت المقدس، فذكر القصة إلى أن قال: ثم عرج بنا إلى السماء الدنيا، وحديث أبي سعيد عند ابن إسحق؛ فلما فرغ مما كان في بيت المقدس أتى بالمعراج. (وقال النووي في فتاويه: وكان الإسراء به عليه الصلاة والسلام مرتين: مرة في المنام، ومرة في اليقظة،) وإلى هذا ذهب المهلب شارح البخاري، وحكاه عن طائفة، وأبو نصر بن القشيري ومن قبلهم أبو سعد في شرف المصطفى قال: كان النبي معَ ﴾ معاريج، منها ما كان في اليقظة، ومنها ما كان في المنام. (وذكر السهيلي تصحيح هذا المذهب عن شيخه القاضي أبي بكر بن العربي) واختاره؛ (وأن مرة النوم توطئة له) وتمهيد (وتيسير عليه، كما كان بدء نبوته الرؤيا الصادقة،) ١٠ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء وأن مرة النوم توطئة وتيسير عليه، كما كان بدء نبوته الرؤيا الصادقة ليسهل عليه أمر النبوة، فإنه أمر عظيم تضعف عنه القوى البشرية، وكذلك الإسراء سهلت عليه بالرؤيا، لأن هوله عظيم، فجاءت اليقظة على توطئة وتقدمة، رفقًا من اللَّه بعبده وتسهيلاً عليه. وقد جوز بعض قائلي ذلك أن تكون قصة المنام قبل المبعث، لأجل قول شريك في روايته: ((وذلك قبل أن يوحى إليه)). وسيأتي البحث في ذلك إن شاء اللّه تعالى. واحتج القائلون بأنه أربع إسرآات يقظة بتعدد الروايات في الإسراء، واختلاف ما يذكر فيها، فبعضهم يذكر شيئًا لم يذكر الآخر، وبعضهم يسقط شيئًا ذكره الآخر. وأجيب: بأنه لا يدل على التعدد، لأن بعض الرواة قد يحذف بعض الخبر للعلم به، أو ينساه. وقال الحافظ ابن كثير: من جعل كل رواية خالفت الأخرى كما قالت عائشة: أول ما بدىء به رسول اللَّه عَّ الرؤيا الصادقة، وفي رواية: الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، (ليسهل عليه) بالرؤيا (أمر النبوة، فإنه أمر عظيم تضعف عنه القوى البشرية،) فقد ذكر أبو ميسرة التابعي الكبير وغيره؛ أن ذلك وقع في المنام، وجمعوا بينه وبين حديث عائشة؛ بأن ذلك وقع مرتين كما في الفتح، (وكذلك الإسراء سهلت) قصته (عليه بالرؤيا) في النوم قبل اليقظة، (لأن هوله عظيم، فجاءت اليقظة على توطئة وتقدمة رفقًا من اللَّه بعبده وتسهيلاً عليه). (وقد جوز بعض قائلي ذلك؛ أن تكون قصة المنام قبل المبعث لأجل قول شريك) بن أبي نمر (في روايته) عن أنس، (وذلك قبل أن يوحى إليه، وسيأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى) قريبًا مع الجواب عن إشكاله بالإجماع؛ على أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء فکیف یکون قبل الوحي. (واحتج القائلون؛ بأنه أربع إسراءات يقظة،) كما ذهب إليه جماعة (بتعدد الروايات في الإسراء واختلاف ما يذكر فيها، فبعضهم يذكر شيئًا لم يذكره الآخر، وبعضهم يسقط شيئًا ذكره الآخر، وأجيب بأنه لا يدل على التعدد، لأن بعض الرواة قد يحذف بعض الخبر للعلم به أو ينساه،) أو ما يذكر هو الأهم عنده، أو ينشط تارة فيسوقه كله، وتارة يحدث المخاطب بما هو أنفع له. ١١ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء مرة على حدة فأثبت إسرآات متعددة فقد أبعد وأغرب، وهرب إلى غير مهرب، ولم يحصل على مطلب. ولم ينقل ذلك عن أحد من السلف. ولو تعدد هذا التعدد لأخبر النبي عَ لِ أمته، بذلك ولنقله الناس على التعدد والتكرار. انتهى. وقد وقع في رواية عبثر بن القاسم الزبيدي - بموحدة ثم مثلثة بوزن جعفر - في روايته عن حصين بن عبد الرحمن، عند الترمذي والنسائي: لما أسري برسول اللّه عَ لي جعل يمر بالنبي ومعه الواحد، الحديث. فإن كان ذلك محفوظًا (وقال الحافظ ابن كثير: من جعل كل رواية خالفت الأخرى مرة على حدة، فأثبت إسراءات متعددة فقد أبعد وأغرب،) جاء بشىء غريب لا يعرف، (وهرب إلى غير مهرب») يعني أن ذلك لا يجد به نفعًا في دفع التعارض، (ولم يحصل على مطلب)) حذف من كلام ابن كثير في تاريخه تعليله بقوله، لأن كل السياقات فيها تعريفه بالأنبياء، وفى كلها تفرض عليه الصلاة، فكيف يدعي تعدد ذلك، هذا في غاية البعد، ووصله بقوله (ولم ينقل ذلك عن أحد من السلف، ولو تعدد هذا التعدد لأخبر النبي ◌َّ أمته بذلك، ولنقله الناس على التعدد والتكرار) ولم يقع ذلك. (انتهى). ونحوه في الفتح، وزاد: ويلزم أيضًا وقوع التعدد في سؤاله مي عن كل نبي، وسؤال أهل كل باب هل بعث إليه وفرض الصلوات الخمس وغير ذلك؟، فإن تعدد مثل ذلك في القصة لا يتجه، فتعين رد بعض الروايات المختلفة إلى بعض أو الترجيح. وقال ابن القيم: هذه طريقة ضعفاء الظاهرية الذين إذا رأوا في القصة لفظة تخالف سياق بعض الرواة جعلوه مرة أخرى، فكلما اختلفت عليهم الرواة عددوا لهم الوقائع والصواب الذي عليه أئمة النقل؛ أن الإسراء كان مرة واحدة بمكة بعد البحثة، ويا عجباً لهؤلاء الذين زعموا أنه وقع مرارًا كيف ساغ لهم أن يظنوا أنه في كل مرة تفرض عليه الصلاة خمسين، ثم يتردد بين ربه تعالی وبین موسی حتى تصير خمسًا، فيقول أمضيت فریضتي وخففت عن عبادي، ثم يعيدها في المرة الثانية خمسين، ثم يحطها عشرًا عشرًا. (وقد وقع في رواية عبشر بن القسم الزبيدي) (بضم الزاي) أبو زبيد، كذلك الكوفي الثقة من رجال الجميع، مات سنة تسع وسبعين ومائة، وعبثر بفتح العين المهملة، و (بموحدة) ساكنة، (ثم مثلثة) مفتوحة، ونسخة فمثناة تحريف، فالذي في التقريب: وفتح المثلثة (بوزن جعفر في روايته عن حصين بن عبد الرحمن) السلمي، الكوفي، ثقة، روي له الجماعة وتغير حفظه في الآخر، مات سنة ست وثلاثين ومائة، وله ثلاث وتسعون سنة. (عند الترمذي والنسائي: لما أُسرى برسول الله تعفتح جعل يمر بالنبي ومعه الواحد .. ١ ١٢ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء كان فيه قوة لمن ذهب إلى تعدد الإسراء، وأنه وقع بالمدينة أيضًا غير الذي وقع بمكة. قال في فتح الباري: والذي يتحرر في هذه المسألة أن الإسراء الذي وقع بالمدينة ليس فيه ما وقع بمكة، من استفتاح أبواب السماء بابًا بابًا، ولا من التقاء الأنبياء كل واحد في سماء، ولا المراجعة مع موسى فيما يتعلق بفرض الصلوات، ولا طلب تخفيفها وسائر ما يتعلق بذلك. وإنما تكررت قضايا كثيرة سوى ذلك رآها مَّ ◌ُلِّ فمنها بمكة البعض، ومنها بالمدينة بعد الهجرة البعض، ومعظمها في المنام واللَّه أعلم. انتهى. الحديث، فإن كان ذلك محفوظًا كان فيه قوة لمن ذهب إلى تعدد الإسراء؛ وأنه وقع بالمدينة أيضًا) إسراء (غير الذي وقع بمكة،) فغير صفة محذوف. (قال في فتح الباري: والذي يتحرر من هذه المسألة أن الإسراء الذي وقع بالمدينة ليس فيه ما وقع بمكة من استفتاح أبواب السماء بابًا بابًا) بالتكرير، (ولا من التقاء الأنبياء كل واحد في سماء، ولا المراجعة مع موسى فيما يتعلق بفرض الصلوات، ولا طلب تخفيفها وسائر ما يتعلق بذلك، وإنما تكررت قضايا كثيرة سوى ذلك رآها النبي ◌َّة، فمنها بمكة البعض، ومنها بالمدينة بعد الهجرة البعض، ومعظمها في المنام) ضد اليقظة، (واللَّه أعلم، انتهى). وفي فتح الباري أيضًا: وجنح الإمام أبو شامة إلى وقوع المعراج مرارًا، واستند إلى ما أخرجه البزار، وسعيد بن منصور عن أنس رفعه: بينا أنا جالس إذ جاء جبريل، فوكز بين كتفي، فقمنا إلى شجرة فيها مثل وكري الطائر، فقعدت في أحدهما، وقعد جبريل في الآخر، فارتفعت حتى سدت الخافقين .. الحديث، وفيه: ففتح لي باب من السماء، فرأيت النور الأعظم، وإذا دهذه حجاب رفرف الدر والياقوت، ورجاله لا بأس بهم، إلا أن الدارقطني ذكر له علة تقتضي إرساله، وعلى كل حال، فهي قصة أخرى، الظاهر أنها وقعت بالمدينة، ولا بعد في وقوع أمثالها، وإنما المستبعد وقوع التعدد في قصة المعراج الذي وقع سؤاله عن كل نبي، وسؤال أهل كل باب هل بعث إليه وفرض الصلوات الخمس وغير ذلك، فإن تعدد ذلك في اليقظة لا يتجه، فتعين رد بعض الروايات المختلفة إلى بعض، أو الترجيح، إلا أنه لا بعد في وقوع جميع ذلك في المنام توطئة، ثم وقوعه في اليقظة على وفقه كما قدمته، ومن المستغرب قول ابن عبد السلام في تفسيره: وكان الإسراء في النوم واليقظة، ووقع بمكة والمدينة، فإن أراد تخصيص المدينة بالنوم، ١٣ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء وقال بعض العارفين: إن له عَُّلِّ أربعة وثلاثين مرة، الذي أسرى به منها واحد بجسمه، والباقي بروحه رؤيا رآها. انتهى. فالحق: أنه إسراء واحد، بروحه وجسده يقظة، في القصة كلها. وإلى هذا ذهب الجمهور من علماء المحدثين والفقهاء والمتكلمين، وتواردت عليه ظواهر الأخبار الصحيحة، ولا ينبغي العدول عن ذلك، إذ ليس في العقل ما يحيله. ويكون كلامه على طريق اللف والنشر غير المرتب، فيحتمل، ويكون الإسراء الذي اتصل به المعراج، وفرضت فيه الصلاة بمكة، والآخر في المنام بالمدينة، وينبغي أن يزاد فيه أن الإسراء بالمنام تكرر بالمدينة النبوية. (وقال بعض العارفين؛ أن له ◌َ أربعة وثلاثين مرة) من الإسراءات (الذي أسرى به منها واحد بجسمه، والباقي بروحه) دون جسده (رؤيا رآها انتهى). (فالحق) وهو الصحيح (أنه إسراء واحد بروحه وجسده يقظة في القصة كلها، وإلى هذا ذهب الجمهور من علماء المحدثين والفقهاء والمتكلمين، وتواردت عليه ظواهر الأخبار الصحيحة، ولا ينبغي العدول:) الرجوع والميل (عن ذلك) الظاهر، (إذ ليس في العقل ما يحيله) حتى يعدل عنه، وإنما عده محالاً صدر من كفار قريش وبعض ضعفاء المسلمين، لتوهمهم أن قطع مثل هذه المسافة ذهابًا وإيابًا في بعض ليلة محال لبعدها، فتقطع في أيام كثيرة، ومن بعض أرباب علم الهيئة، الزاعمين أن الأفلاك لا فرجة فيها ولا تقبل الخرق والالتئام، وكلاهما خطأ عقلاً ونقلاً. ألا ترى نقل عرش بلقيس في طرفة عين مع بعد مسافته، وقد نطقت النصوص بأن للسماء أبوابًا تفتح وتغلق، فلا عبرة بأوهام الفلاسفة. قال التفتازاني: ادعاء استحالة المعراج باطل، لأنه إنما ينبني على أصول الفلاسفة من امتناع الخرق والالتعام على السموات، وإلا فالخرق والالتئام على السموات واقع عند أهل الحق، والأجسام العلوية والسفلية متماثلة مركبة من الجواهر الفردة المتماثلة ما يصح على كل من الأجسام ما يصح على الآخر ضرورة التماثل المذكور، فإن أمكن خرق الأجسام السفلية أمكن خرق الأجسام العلوية، واللَّه قادر على الممكنات كلها، فهو قادر على خرق السنوات وقد ورد به السمع، فيجب تصديقه. وقال البيضاوي تبعًا للرازي الاستحالة مدفوعة بما ثبت في الهندسة، أن ما بين طرفي قرص الشمس ضعف ما بين طرفي كرة الأرض مائة ونيفًا وستين مرة، ثم إن طرفها الأسفل يصل لموضع طرفها الأعلى في أقل من درجة، والأجسام كلها متساوية في قبول الإعراض، واللّه قادر ١٤ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء قال الرازي: قال أهل التحقيق: الذي يدل على أنه تعالى أسرى بروح سيدنا محمد علّ له وجسده من مكة إلى المسجد الأقصى القرءان والخبر. أما القرءان فهو قوله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾. وتقرير الدليل: أن ((العبد)) اسم للجسد والروح، فواجب أن يكون الإسراء حاصلاً بجميع الجسد والروح، ويدل عليه قوله: ﴿أرأيت الذي ينهى عبدًا إذا صلى﴾ [العلق/٩] ولا شك أن المراد هنا مجموع الجسد والروح، وأيضًا: قال سبحانه وتعالى في سورة الجن: ﴿وأنه لما قام عبد الله يدعوه﴾ [الجن/١٩]، المراد: جميع الروح والجسد و کذا ههنا، في قوله: ﴿أُسری بعدہ لیلا﴾، انتھی. واحتجوا أيضًا: بظاهر قوله عليه الصلاة والسلام: أسري بي لأن الأصل في الأفعال أن تحمل على اليقظة حتى يدل دليل على خلافه. على كل الممكنات، فيقدر أن يخلق مثل هذه الحركة السريعة في بدن النبي عَّهُ، أو فيما حمله، والتعجب من لوازم المعجزات. (قال الرازي) الإمام فخر الدين: (قال أهل التحقيق: الذي يدل على أنه تعالى أسرى بروح سيدنا محمد عَ وجسده) معًا يقظة (من مكة إلى المسجد الأقصى القرآن والخبر،) أي: الحديث، (أما القرآن، فهو قوله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾ [الإسراء/١] الآية، إلا بعد، (وتقرير الدليل أن العبد اسم للجسد والروح، فواجب أن يكون الإسراء حاصلاً بجميع الجسد والروح) إذ لو كان منامًا لقال بروح عبده. (ويدل عليه قوله: ﴿أرأيت الذي ينهى عبدًا إذا صلى﴾ [العلق/٩] الآية، ولا شك أن المراد هنا مجموع الجسد والروح،) لأن العبد هنا محمد علّ. والناهي له عن الصلاة أبو جهل، وهو لا ينهاه عن الصلاة بروحه. (وأيضًا قال سبحانه وتعالى في سورة الجن: ﴿وأنه بالفتح عطفًا، وبالكسر استئنافًا، والضمير للشأن (لما قام عبد الله) محمدعَّ (يدعوه﴾، يعبده ببطن نخلة، (والمراد) في تينك الآيتين (جميع الروح والجسد، وكذلك ههنا) في قوله: ﴿أسرى بعبده ليلاً﴾ [الإسراء/١] الآية، إذ الآيات تحمل على نظيرها انتهى. وأما الخبر فأشار إليه بقوله، (واحتجوا أيضًا بظاهر قوله عليه الصلاة والسلام أسرى بي، لأن الأصل في الأفعال أن تحمل على اليقظة حتى يدل دليل على خلافه) عقلي أو شرعي. ١٥ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء وإن ذلك لو كان منامًا لما كان فيه فتنة للضعفاء، ولا استعبده الأغبياء. ولأن الدواب لا تحمل الأرواح وإنما تحمل الأجسام، وقد تواترت الأخبار بأنه أسري به على البراق. فإن قلت: ما الحكمة في كونه تعالى جعل الإسراء ليلاً؟ أجيب: بأنه إنما جعل ليلاً تمكينًا للتخصيص بمقام المحبة، لأنه تعالى اتخذه ◌َّ حبيبًا وخليلاً، والليل أخص زمان للمحبين لجمعهما فيه، والخلوة قال عياض وتبعه غيره: الحق والصحيح أنه إسراء بالجسد والروح في القصة كلها، وتدل عليه الآية نصًا، وصحيح الأخبار إلى السموات استفاضة، ولا يعدل عن الظاهر والحقيقة إلى التأويل إلا عند الاستحالة، وليس في الإسراء بجسده حال يقظته استحالة تؤذن بتأويل، إذ لو كان منامًا لقال بروح عبده ولم يقل بعبده، وقوله: ﴿ما زاغ البصر وما طغى﴾ [النجم/١٧] الآية، أي: ما عدل عن رؤية ما أمر به من عجائب الملكوت، وما جاوزها لصراحة ظاهره في أنه بجسده يقظة، لأنه أضاف الأمر إلى البصر، وهو لا يكون إلا يقظة بجسده، بشهادة لقد رأى من آيات ربه الكبرى، ولو كان منامًا لما كانت فيه آية ولا معجزة خارقة للعادة، دالة على صدقه وإن كانت رؤيا الأنبياء وحيًا، إذ ليس فيها من الأبلغية وخرق العادة ما فيه يقظة على أن ذلك إنما يعرفه من صدقه وصدق خبره، (وإن ذلك لو كان منامًا لما كان فيه فتنة للضعفاء) الذين كانوا أسلموا فارتدوا فوقعوا في فتنة، أي: بلية عظيمة توقعهم في العذاب لردتهم وتكذيبهم وإنكارهم لخبر الصادق بما هو خارق للعادة، (ولا استبعده الأغبياء:) جمع غبي بمعجمة، أي: الكفار ولا كذبوه فيه، لأن مثل هذا من المنامات لا ينكر، بل لم يكن منهم ذلك إلا وقد علموا أن خبره إنما كان عن إسرائه بجسده وحال يقظته، (ولأن الدواب لا تحمل الأرواح وإنما تحمل الأجسام، وقد تواترت الأخبار، بأنه أسرى به على البراق) وهو دابة، فوجب كونه بالجسد والروحِ معًا. (فإن قلت ما الحكمة في كونه تعالى جعل الإسراء ليلاً،) مع أن غالب الفرائض كالصوم والجهاد والصبح والظهر والعصر والابتغاء من فضل الله، إنما هو بالنهار، وإن وقع جهاد ليلاً فنادر لنحو غارة، وفيه الصلاة الوسطى، والصوم الذي قال اللَّه فيه: ((كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به))، ومن ثم صحح الشرف المناوي أنه أفضل من الليل، وصحح غيره تفضيل الليل. (أجيب بأنه إنما جعل ليلاً تمكينًا للتخصيص بمقام المحبة، لأنه تعالى اتخذه عليه السلام حبيبًا وخليلاً،) فجمع له بين المقامين، وهذا دليل لما أفهمه قوله بمقام المحبة، (والليل أخص زمان للمحبين) بفتح الباء المشددة تثنية محب، أي: أولى زمان يخلو فيه ١٦ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء بالحبيب متحققة بالليل. قال ابن المنير: ولعل تخصيص الإسراء بالليل ليزداد الذين آمنوا إيمانًا بالغيب وليفتتن الذين كفروا زيادة على فتنتهم. إذ الليل أخفى حالاً من النهار، قال: ولعله لو عرج به نهارًا لفات المؤمن فضيلة الإيمان بالغيب، ولم يحصل ما وقع من الفتنة على من شقي وجحد، انتهى. وفي ذلك حكمة أخرى على طريق أهل الإشارات، ذكرها العلامة ابن مرزوق، وهي: أنه قيل لأن اللَّه تعالى لما محا آية الليل وجعل آية النهار مبصرة انكسر الليل، فجبر بأن أسري فيه بمحمد عَّ. وقيل: افتخر النهار على الليل المحب بحبيبه (لجمعهما فيه،) فليس المراد بأخص هنا مقابل الأعم، ثم المحب لغة من وقعت منه المحبة، والحبيب والمحبوب من وقعت عليه فغلب المحب على المحبوب، فقال المحبين، أو إشارة إلى أن المتحابين إذا صدقت محبة كل منهما لصاحبه كان محبًا ومحبوبًا باعتبارين، (والخلوة بالحبيب متحققة) بالليل من تحقق الأمر إذا ثبت، ويجوز فتح القاف اسم مفعول أي: مثبتة، والأول أولى. (وقال ابن المدير: ولعل تخصيص الإسراء، بالليل ليزداد الذين آمنوا إيمانا بالغيب، وليفتتن الذين كفروا زيادة على فنتهم، إذ الليل أخفى حالاً من النهار،) فما وقع فيه لا يطلع عليه غالبًا، فكان من الغيب، وما وقع نهارًا يطلع عليه غالبًا لمشاهدته، فإذا أُخبر عَلُّ عما وقع له ليلاً صدقه المؤمنون فزادوا به إيمانًا، وكذبه الكافرون فزادت فتنتهم. (قال) ابن المنير: (ولعله لو عرج به نهارًا لفات المؤمن من فضيلة الإيمان بالغيب،) وقد أثنى اللَّه على الذين يؤمنون بالغيب، ففيه فضل عظيم، (ولم يحصل ما وقع من الفتنة على من شقي وجحد،) عطف علة على معلول أي: شقي بجحوده (انتهى). (وفي ذلك حكمة أخرى) ثالثة (على طريق أهل الإشارات،) وهم المحققون من الصوفية، والإشارات الحقائق التي يأخذونها من نص القرآن وغيره، ولا يقصدون أن ما أخذوه تفسير صريح النص، كما قاله العز بن عبد السلام وغيره. (ذكرها العلامة) محمد (بن مرزوق، وهي أنه قيل: لأن اللَّه تعالى لما محا آية الليل) طمس نورها بالظلام لنسكن فيه، والإضافة للبيان، (وجعل آية النهار مبصرة،) أي: مبصرًا فيها بالضوء، وفائدة إضافة البيان تحقيق مضمون الجملة السابقة، (انكسر الليل، فجبر بأن أسري فيه بمحمد عَّه،) وذلك أعظم الجبر، (وقيل: افتخر النهار على الليل بالشمس، فقيل له: ١٧ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء بالشمس فقيل له: لا تفتخر، فإن كانت شمس الدنيا تشرق فيك فسيعرج شمس الوجود في الليل إلى السماء. وقيل: لأنه عَّ سراج، والسراج إنما يوقد بالليل، وأنشد: قلت يا سيدي فلم تؤثر الليل على بهجة النهار المنير قال لا أستطيع تغيير رسمي هكذا الرسم في طلوع البدور يشرق الليل من أشعة نوري إنما زرت في الظلام لكيما فإن قلت: أيما أفضل، ليلة الإسراء أم ليلة القدر؟ فالجواب : - كما قاله الشيخ أبو أمامة بن النقاش - أن ليلة الإسراء أفضل في حق النبي صٌَّ من ليلة القدر، وليلة القدر أفضل في حق الأمة، لأنها لهم خير لهم لا تفتخر، فإن كانت شمس الدنيا تشرق فيك فسيعرج شمس الوجود في الليل إلى السماء،) وهذا أيضًا من كلام أهل الإشارات، (وقيل: لأنه عَّ- سراج») كما قال تعالى: ﴿وسراجًا منيرًا﴾ [الأحزاب/٤٦]الآية، (والسراج إنما يوقد بالليل،) أي: إنما يحصل الانتفاع یایقاده ليلاً، ویدم یإیقاده نهارًا. قال الفرزدق: فكم والد لك يا جرير كأنه قمر المجرة أو سراج نهار (وأنشد) في ذلك المعنى يقول: (قلت يا سيدي فلم تؤثر الليـ ـل على بهجة النهار المنير قال لا أستطيع تغيير رسمي هكذا الرسم في طلوع البدور إنما زرت في الظلام لكيما يشرق الليل من أشعة نوري) وحاصل معنى الأبيات أنه سأل محبوبه عن حكمة زيارته ليلاً دون النهار، فقال: أنا بدر، وهو إنما يظهر أثره ليلاً ولا يستطيع تغيير ذلك الأثر، وإن في زيارته ليلاً فائدة لا تظهر لو زاره نهارًا، وهي إشراق الليل بنوره، فصار الليل في حقه كالنهار في الإضاءة والإشراق. (فإن قلت: أيما أفضل ليلة الإسراء أم ليلة القدر) التي هي خير من ألف شهر؟، (فالجواب كما قاله الشيخ أبو أمامة بن النقاش، أن ليلة الإسراء أفضل في حق النبي عَّه من ليلة القدر،) لما أكرم به فيها من خوارق العادات التي أجلها رؤيته للّه تعالى على الصحيح. (وليلة القدر أفضل في حق الأمة لأنها) أي: العمل فيها (خير لهم من عمل في ثمانين سنة لمن قبلهم،) بإلغاء الكسر، وهو ثلاث سنين وثلث سنة، بناء على أن المراد حقيقة العدد ١٨ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء من عمل في ثمانين سنة لمن قبلهم، وأما ليلة الإسراء فلم يأت في أرجحية العمل فيها حديث صحيح ولا ضعيف. ولذلك لم يعينها النبي عَّه لأصحابه، ولا عينها أحد من الصحابة بإسناد صحيح، ولا صح إلى الآن ولا إلى أن تقوم الساعة فيها شىء، ومن قال فيها شيئًا فإنما قال من كيسه لمرجع ظهر له استأنس به، ولهذا تصادمت الأقوال فيها وتباينت، ولم يثبت الأمر فيها على شىء، ولو تعلق بها نفع للأمة . ولو بذرة. لبينه لهم نبيهم عَد، انتهى. وهو ألف شهر، وصدر البيضاوي بأن المراد التکثیر. (وأما ليلة الإسراء فلم يأت في أرجحية العمل فيها حديث صحيح،) أراد به ما يشمل الحسن بدليل قوله، (ولا ضعيف، ولذلك لم يعينها النبي عَّ لأصحابه، ولا عينها أحد من الصحابة بإسناد صحيح، ولا صح إلى الآن، ولا) يصح (إلى أن تقوم الساعة فيها شىء،) لأنه إذا لم يصح من أول الزمان، لزم أن لا يصح في بقيته، لعدم إمكان تجدد واحد عادة يطلع عى ذلك بعد الزمن الطويل، وهذا لا يشكل عليه ما قيل أنه كان ليلة سبع عشرة أو سبع وعشرين خلت من شهر ربيع الأول، أو سبع وعشرين من رمضان، أو من ربيع الآخر، أو من رجب، واختير وعليه العمل، لأن ابن النقاش لم ينف الخلاف فيها من أصله، وإنما نفى تعيين ليلة بخصوصها للإسراء وأنها أصح. (ومن قال فيها شيئًا، فإنما قال من كيسه،) أي: من عند نفسه دون استناد لنص يعتمد عليه (لمرجع ظهر له، استأنس به) لما جزم به، (ولهذا،) أي: عدم إتيان شىء فيها (تصادمت الأقوال فيها وتباينت، ولم يثبت الأمر فيها على شىء ولو تعلق بها نفع للأمة ولو بذرة)، أي: شيئًا قليلاً جدًا (لبينه لهم نبيهم مَّة،) لأنه حريص على نفعهم. (انتهى) كلام أبي أمامة. زاد الشامي عقبه: ويؤخذ من قول الإمام البلقيني في قصيدته التي مدح فيها المصطفى: فأولاك رؤيته في ليلة فضلت ليالي القدر فيها الرب رضاكا إن ليلة الإسراء أفضل من ليلة القدر، قال في الاصطفاء: ولعل الحكمة في ذلك اشتمالها على رؤيته تعالى التي هي أفضل كل شىء، ولهذا لم يجعلها ثوابًا عن عمل من الأعمال مطلقًا، بل منَّ بها على عباده يوم القيامة تفضلاً منه تعالى انتهى، لكن هذا لا يصادم كلام ابن النقاش، إذ ليس في النظم أنها أفضل في حق الأمة وإن كان فضل الزمان والمكان لا يختص بالعمل فيهما على ما رجحه الشهاب القرافي وغيره، فهو خاص بتلك الليلة، لا يتعداها لمماثلها كل سنة لعدم ورود شیء فيه. وفي الهدى لابن القيم، أن ابن تيمية سئل هل ليلة الإسراء أفضل أم ليلة القدر؟، فأجاب، ١٩ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء فإن قلت: هل وقع الإسراء لغيره عَّه من الأنبياء؟ أجاب العارف عبد العزيز المهدوي: بأن مرتبة الإسراء بالجسم إلى تلك الحضرات العلية لم تكن لأحد من الأنبياء، إلا لنبينا معَ له. انتهى. وإنما قال تعالى: ﴿أسرى بعبده﴾ إشارة إلى أنه تعالى هو المسافر به، ليعلم أن الإسراء من عبده هبة إلهية، وعناية ربانية، سبقت له عليه السلام، مما لم يخطر بسره، ولا اختلج في ضميره . بأن القائل ليلة الإسراء أفضل إن أراد أنها ونظائرها كل عام أفضل، فهذا باطل لم يقله أحد من المسلمين، وهو معلوم الفساد بالاضطرار، وإن أراد أنها بخصوصها أفضل، لأنه حصل له عَـ فيها ما لم يحصل له في غيرها، وما لم يحصل لغيره فهو صحيح إن سلم أن إنعام اللَّه على نبيه ليلة الإسراء أعظم من إنعامه عليه بإنزال القرآن ليلة القدر، وهذا لا يعلم إلا بوحي، ولا يجوز التكلم فيه بلا علم، ولا يعرف عن أحد من الصحابة، أنه خص ليلة الإسراء بأمر من الأمور. (فإن قلت: هل وقع الإسراء لغيره عٍَّ من الأنبياء) أم هو من خصائصه عليهم؟، (أجاب العارف عبد العزيز المهدوي: بأن مرتبة الإسراء بالجسم إلى تلك الحضرات:) (بفتح الضاد) جمع حضرة، أي: المراتب (العلية لم تكن لأحد من الأنبياء إلا لنبينا عَ ليه انتھی). وعبارة الأنموذج في الخصائص التي اختص بها على الأنبياء ولم يؤتها نبي قبله لفظها، وبالإسراء وما تضمنه من اختراق السموات السبع والعلوّ إلى قاب قوسين، ووطئه مكانًا ما وطئه نبي مرسل ولا ملك مقرب، وإحياء الأنبياء له، وصلاته إمامًا بهم وبالملائكة، واطلاعه على الجنة والنار، عد هذه البيهقي، ورؤيته آيات ربه الكبرى وحفظه حتى ما زاغ البصر وما طغى، ورؤيته للباري تعالى مرتين، وبركوب البراق في أحد القولين، (وإنما قال تعالى ﴿أسرى﴾) مأخوذ من السرى، وهو سير الليل، تقول: أسرى وسرى إذا سار ليلاً، هذا قول الأكثر. وقال الحوفي: أسرى: سار ليلاً، وسری: سار نهارًا، وقيل: أُسری: سار من أول الليل، وسرى: سار من آخره، وهذا أقرب (﴿بعبده﴾) محمد عَ ◌ّه اتفاقًا، والضمير لله تعالى، والإضافة للتشريف، والمراد جعل البراق يسري به كما يقال: أمضيت كذا، أي: جعلته يمضي، وحذف المفعول لدلالة السياق عليه، ولأن المراد ذكر المسرى به لا ذكر الدابة، قاله في الفتح (إشارة إلى أنه تعالى هو المسافر به ليعلم أن الإسراء من عبده هبة إلهية وعناية ربانية سبقت له عليه السلام مما لم يخطر بسره ولا اختلج في ضميره،) ولعل وجه الإعلام بذلك، أنه إذا كان تعالى هو المسافر به أفاد أنه لم يكن منه فعل في الإسراء، بل هو منٌّ ونعمة منه علیه، ٢٠ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء وأدخل ((باء)) المصاحبة في قوله تعالى: ﴿بعبده﴾ ليفيد أنه تعالى صحبه في مسراه، بالألطاف والعناية والإسعاف والرعاية، ويشهد له قوله عليه الصلاة والسلام: ((اللهم أنت الصاحب في السفر). وتأمل قوله تعالى: ﴿هو الذي يسيركم في البر والبحر﴾ [يونس/٢٢]، وقوله: ﴿أسرى بعبده﴾ تلح لك خصوصية مصاحبة الرسول عليه الصلاة والسلام. الحق سبحانه وتعالى دون عموم الخلق. وقرن سبحانه وتعالى ((التسبيح)) بهذا الإسراء، لينفي عن قلب صاحب الوهم (وأدخل باء المصاحبة) على قول المبرد والسهيلي، لأن الفعل اللازم إذا تعدى بالباء غيرت الباء معناه، بخلاف بقية الحروف إذا تعدى بها الفعل، فلا يغير شىء منها معناه، فلذا جعلت للمصاحبة (في قوله: ﴿بعبده﴾، ليفيد أنه تعالى صحبه في مسراه بالألطاف والعناية والإسعاف والرعاية،) بيان لمعنى صحبة اللَّه لعبده لاستحالة المصاحبة الحقيقية عليه، هكذا جزم المبرد والسهيلي، أن الباء تقتضي مصاحبة الفاعل للمفعول في الفعل بخلاف الهمزة، حتى قال السهيلي: إذا قلت قعدت به، فلا بد من مشاركة ولو باليد، وبه جزم ابن دحية وابن المنير. زاد ابن دحية، (ويشهد له،) أي: لوصفه تعالى بالصحبة (قوله عليه الصلاة والسلام: ((اللهم أنت الصاحب في السفر،) والجمهور أن الباء للتعدية وترادف الهمزة، ولا تقتضي المصاحبة، ورد على المبرد وأتباعه بقوله تعالى: ﴿ذهب اللَّه بنورهم﴾ [البقرة/١٧]الآية، لأن الله تعالى لا يوصف بالذهاب مع النور، وبقول الشاعر: ديار التي كانت ونحن على منى تحل بنا لولا نجاء الركائب أي: تحلنا، فالباء هنا للتعدية، ولم تقتضي المشاركة، لأن الديار لم تكن حرامًا فتصير حلالاً، ولكن الباء بمعنى الهمزة لا يجمع بينهما، فلا يقال: أذهبت بزيد، (وتأمل قوله تعالى: ﴿هو الذي يسيركم في البر والبحر﴾ [يونس/٢٢] الآية، وقوله: ﴿أسرى بعبده﴾ تلح لك خصوصية مصاحبة الرسول عليه الصلاة والسلام الحق سبحانه وتعالى دون عموم الخلق،) لأنه أتى بباء المصاحبة في ((بعبده)، وأتى بـ ((في)) في العموم إشارة إلى الفرق بين لطفه بعبده وبين غيره من الخلق، (وقرن سبحانه وتعالى التسبيح بهذا الإسراء،) فقال: ﴿سبحان الذي أُسرى﴾، وأصلها التنزيه، ويطلق في موضع التعجب، فعلى الأول المعنى تنزه اللَّه عن أن يكون رسوله كذابًا، وعلى الثاني عجب الله عباده بما أنعم به على رسوله، ويحتمل أنه بمعنى الأمر، أي: سبحوا الذي أسرى، قاله في الفتح (لينفي عن قلب صاحب الوهم ومن يحكم عليه خياله من