النص المفهرس
صفحات 481-500
٤٨١ خصائص أمته عد اله وأربعون امرأة، كلما مات رجل أبدل الله رجلاً مكانه، وإذا ماتت امرأة أبدل الله مكانها امرأة)). رواه الخلال في «كرامات الأولياء)). ورواه الطبراني في الأوسط بلفظ: ((لن تخلو الأرض من أربعين رجلاً مثل خليل الرحمن عليه الصلاة والسلام، فبهم يسقون وبهم ينصرون، على وجود تلك الأعداد وبعد هذا لا يخفى، والأولى في الجمع بين الحديثين أن الإخبار بالثلاثين كان قبل أن يعلمه اللَّه بالأربعين بدليل زيادة النساء في حديث أنس هذا، بقوله: (وأربعون امرأة كلّما مات رجل أبدل اللَّه رجلاً مكانه وإذا ماتت امرأة أبدل اللَّه مكانها امرأة،) فإذا كان عند قيام الساعة ماتوا جميعًا))، (رواه) أبو محمد الحسن بن أبي طالب بن محمد بن الحسن بن علي (الخلال) بفتح الخاء المعجميّة وشدّ اللام الحافظ البغدادي ولد سنة اثنتين وخمسين وثلثمائة، وسمع ابن شاذان وغيره وعنه الخطيب وعدة، قال الخطيب: كان ثقة خرج المسند على الصحيحين، مات سنة تسع وثلاثين وأربعمائة (في) كتابه المؤلف في («كرامات الأولياء)))، وأورده ابن الجوزي في الموضوعات، ثم سرد أحاديث الإبدال وطعن فيها واحدًا، وحكم بوضعها وتعقبه السيوطي بأن خبر الأبدال صحيح وإن شئت قلت متواتر، وأطال في بيان ذلك مثل هذا بالغ حد التواتر المعنوي بحيث يقطع بصحة وجود الأبدال ضرورة، (ورواه) أي: حديث أنس (الطبراني في الأوسط)، قال الحافظ نور الدين الهيثمي بإسناد حسن (بلفظ: (لن) قال الطيبي لتأكيد النفي في المستقبل وتقريره (تخلو الأرض من أربعين رجلاً مثل خليل الرحمن) إبراهيم (عليه الصلاة والسلام،) أي: انفتح لهم طريق إلى اللَّه على طريق إبراهيم، وفي إيثار الرحمن والخلة مزيد مقام وإيماء إلى مناسبة المقام إذ من كان مرضيًا للرحمن حقه أن ينشأ عنه صفة الرحمة من نفع البلاد والعباد، (فبهم يسقون وبهم ينصرون) على الأعداء، أي: بوجودهم أو بدعائهم وهو الأظهر فقد فسره ابن مسعود ولتفسيره مزية لأنّه أدرى بما سمع روی أبو نعيم عن ابن مسعود، قال: قال رسول اللَّه عَ لِ: ((إن اللَّه عزّ وجلّ في الخلق ثلثمائة قلوبهم على قلب آدم وللَّه في الخلق أربعون قلوبهم على قلب موسى وللَّه سبعة في الخلق قلوبهم على قلب إبراهيم، واللَّه في الخالق خمسة قلوبهم على قلب جبريل، وللَّه في الخلق ثلاثة قلوبهم على قلب ميكئيل، ولله واحد قلبه على قلب إسرافيل فإذا مات الواحد أبدل اللَّه مكانه من الثلاثة، وإذا مات من الثلاثة أبدل اللَّه مكانه من الخمسة، وإذا مات من الخمسة أبدل اللَّه مكانه من السبعة، وإذا مات من السبعة أُبدل اللَّه مكانه من الأربعين، وإذا مات من الأربعين أبدل اللَّه مكانه من، الثلثمائة، وإذا مات من الثلثمائة أبدل اللَّه مكانه من العامّة فبهم يحي ويميت ويمطر وينبت ويد مع البلاء))، قيل لإبن مسعود: كيف يحي ويميت؟، قال: لأنّهم يسألون اللّه إكثار الأمم فيكثرون، ٤٨٢ خصائص أمته :ـ ما مات منهم أحد إلا أبدل الله مكانه آخر)). ورواه ابن عدي في كامله بلفظ: ((البدلاء أربعون، اثنان وعشرون بالشام وثمانية عشر بالعراق، كلما مات منهم أحد بدل الله مكانه آخر، فإذا جاء الأمر قبضوا كلهم، فعند ذلك تقوم الساعة)). وكذا يروى كما عند أحمد في المسند، والخلال، من حديث عبادة بن الصامت مرفوعًا. ((لا يزال في هذه الأمة ثلاثون مثل إبراهيم خليل الرحمن، كلما مات واحد أبدل الله تعالى مكانه ويدعون على الجبابرة فيقصمون، ويستقون فيسقون، ويسألون فتنبت الأرض، ويدعون فيدفع بهم أنواع البلاء، قال في الفتوحات: معناه أنّهم يتقلبون في المعارف الإلهيّة تقلّب ذلك الشخص إذا كانت واردات العلوم الإلهيّة إنّما ترد على القلوب فكل علم لم يرد على قلب ذلك الكبير من ملك أو رسول يرد على هذه القلوب التي هي على قلبه، وربّما يقول بعضهم فلان على قدم فلان، ومعناه ما ذكر. وقال اليافعي في الكفاية عن بعض العارفين: الواحد الذي على قلب إسرافيل هو القطب ومكانه في الأولياء كالنقطة في الدائرة التي هي مركز لها به يقع صلاح العالم، وقال عن بعضهم: لم يذكر أن أحدًا على قلبه عَّهِ؛ لأنّه لم يخلق اللَّه في عالم الخلق والأمم أعز وألطف وأشرف من قلبه، فقلوب الأنبياء والملائكة والأولياء بالإضافة إلى قلبه كإضافة سائر الكواكب إلى كامل الشمس، انتهى. وهذا يرد قول ابن عربي أحد الأوتاد على قلبه عليه السلام، وله ركن الحجر الأسود (ما مات منهم أحد إلاّ أبدل اللَّه مكانه آخر) بأن أقامه في التصرّف الذي كان أمر به في حياته، فلا يرد أن الأولياء يتصرّفون بعد موتهم بتصرّفات خاصّة تمكّنوا منها وفعلوها لا لكونهم مأمورين بها لزوال التكليف بالموت، (رواه ابن عدي في كامله بلفظ «البدلاء أربعون اثنان وعشرون بالشام وثمانية عشر بالعراق، كلّما مات منهم أحد أبدل اللَّه مكانه آخر، فإذا جاء الأمر) قرب الساعة وهو الريح التي تأتي بقبض روح كل مؤمن ومؤمنه (قبضوا كلّهم،) وليس المراد بالأمر النفخة الأولى، لأن هؤلاء من خيار الخلق. وقد قال عد له: ((لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس)) رواه مسلم. وقال هنا: (فعند ذلك) أي: مجيء الأمر (تقوم الساعة))) وجعل قيامها بعقب موتهم؛ لأنّه يقرب من قيامها والقريب من الشيء يعدّه العرف عنده أو المراد ساعتهم كما مرّ نظيره، (وكذا يروى كما عند أحمد في المسند والخلال) نسبة إلى الخل المأكول (من حديث عبادة بن الصامت مرفوعًا) بإسناد حسن: ((لا يزال في هذه الأمّة ثلاثون مثل إبرهيم)، وفي لفظ لأحمد من حديث عبادة: ((الأبدال في هذه الأمّة ثلاثون رجلاً قلوبهم على قلب إبراهيم (خليل الرحمن كلّما مات واحد) وفي لفظ: رجل (أبدل اللَّه تعالى ٤٨٣ خصائص أمته عن رجلاً). وفي لفظ الطبراني - في الكبير -: ((بهم تقوم الأرض وبهم يمطرون وبهم ينصرون)). ولأبي نعيم في الحلية، عن ابن عمر رفعه: ((خيار في كل قرن خمسمائة والأبدال أربعون، فلا الخمسمائة ينقصون ولا الأربعون كلما مات رجل أبدل الله مكانه آخر، وهم في الأرض كلها)). وفي الحلية أيضًا عن ابن مسعود رفعه: ((لا يزال أربعون رجلاً من أمتي على (مكانه رجلاً)، قيل: فلذا سموا أبدالاً، وقيل: لأنّهم بدّلوا الأخلاق السيئة حسنة وراضوا أنفسهم حتى صارت محاسن أخلاقهم حلية أعمالهم، قال العارف المرسي: كنت جالسًا بين يدي أستاذي الشاذلي، فدخل جماعة فقال: هؤلاء أبدال فنظرت ببصيرتي فلم أرهم أبدالاً فتحيّرت، فقال الشيخ: من بدلت سيآته حسناته فهو بدل فعلمت أنّه أوَّل مراتب البدلّة، وعند ابن عساكر أن ابن المثنى سأل أحمد بن حنبل: ما تقول في بشربن الحرث؟، قال: رابع سبعة من الإبدال، وقال المرسي: جلت في الملكوت فرأيت أبا مدين معلّقًا بساق العرش رجل أشقر أزرق العين، فقلت: ما علومك وما مقامك؟، قال: علومي أحد سبعون علمًا ومقامي رابع الخلفاء ورأس الأبدال السبعة، قلت: فالشاذلي قال ذاك بحر لا يحاط به، فظاهر هذا كلّه أن مراتب الثلاثين مختلفة. (وفي لفظ الطبراني - في الكبير -) بإسناد صحيح من حديث عبادة الإبدال: ((في أمتي ثلاثون (بهم تقوم الأرض) أي: تعمّر وينتظم أمر أهلها ببركتهم ودعائهم (وبهم يمطرون وبهم ينصرون) على الأعداء)، (ولأبي نعيم في الحلية) بإسناد ضعيف لا موضوع كما زعم ابن الجوزي والذهبي، فغاية ما في إسناده رجلان مجهولان، وذلك لا يقتضي الوضع بحال، (عن ابن عمر بن الخطّاب (رفعه: ((خيار أمتي في كل قرن خمسمائة) من الناس (والإبدال أربعون) رجلاً، (فلا الخمسمائة ينقصون ولا الأربعون) ينقصون (كلّما مات رجل أبدل اللَّه مكانه آخر))،) وبقيّة هذا الحديث في الحلية، قالوا: يا رسول اللَّه دلّنا على أعمالهم؟، قال: ((يعفون عمّن ظلمهم ويحسنون إلى من أساء إليه ويتواسون فيما أتاهم اللَّه (وهم في الأرض كلّها)،) فلا يختصّ وجودهم بمكان دون آخر ويؤيد هذا ما رواه الحكيم الترمذي: ((إن الأرض شكت إلى ربها انقطاع النبوّة، فقال تعالى: فسوف أجعل على ظهرك أربعين صديقًا كلّما مات منهم رجل أبدلت مكانه رجلاً)، ولا يعارضه حديث: ((الأبدال بالشام)) لجواز أنّها مقرّهم ولكن يتصرّفون في الأرض كلّها. (وفي الحلية أيضًا عن ابن مسعود رفعه: ((لا يزال أربعون رجلاً من أمتي على قلب ٤٨٤ خصائص أمته قلب إبراهيم، يدفع الله بهم عن أهل الأرض، يقال لهم الأبدال، إنهم لم يدركوها بصلاة ولا بصوم ولا بصدقة))، قال: ((فيما أدركوها يا رسول الله؟ قال: بالسخاء والنصيحة للمسلمين)). إبرهيم) أي: على حال مثل قلبه، فتخصيصه وقلبه لإفادة الصبر على البلاء بذبح الولد الإحتساب بالمولى والرضا مع التلذذ بما يرضاه الحبيب والتحبب إلى الخلق والبذل والكرم، المبادرة إلى التكاليف بأصدق الهم. (يدفع اللَّه بهم عن أهل الأرض) كلّها وخبر: ((الإبدال في أهل الشام وبهم ينصرون وبهم يرزقون»، رواه الطبراني بسند حسن عن عوف بن لملك ونحوه حديث علي عند أحمد لا يخالفه، لأن نصرتهم لمن هم في جوارهم أتم وإن كانت أعم. (يقال لهم الأبدال: إنهم لم يدركوها بصلاة ولا بصوم ولا بصدقة، قال: فبم أدركوها يا رسول اللَّه؟ قال: (بالسخاء والنصيحة للمسلمين)،) ولا يرد هذا على قول أبي طالب في قوله يصير الإبدال إبدالاً بالصمت والعزلة والجوع والسهر؛ لأن من بهذه الصفات يتصف بالسخاء والنصيحة. ولإبن أبي الدنيا عن علي، قلت: يا رسول اللَّه صفهم لي؟، قال: ((ليسوا بالمتنطعين ولا بالمبتدعين ولا بالمتعمقين لم ينالوا ما نالوا بكثرة صيام ولا صلاة، ولكن بسخاء الأنفس وسلامة القلوب والنصيحة لأئمتهم. قال ابن عربي في كتاب حلية الأبدال: أخبرني صاحب لنا قال: بينا أنا ليلة في مصلاّي قد اكملت وردي وجعلت رأسي بين ركبتي أذكر الله تعالى إذا أحسست بشخص قد نقض مصلاّي من تحتي وبسط حصيرًا بدلها، وقال: صلّ عليه فداخلني منه فزع، فقال: من يأنس باللّه لم يجزع، ثم قال: إنق اللَّه في كلّ حال ثم ألهمت الصبر، فقلت: بماذا تصير الإبدال إبدالاً؟، قال: بالأربعة التي ذكر أبو طالب في القوت الصمت والعزلة والجوع والسهر، ثم انصرف ولا أعرف كيف دخل ولا خرج وبابي مغلق. قال ابن عربي: وهذا رجل من الأبدال اسمه معاذ بن أشرس والأربعة المذكورة هي عماد هذا الطريق وقوامه زمن لا قدم له فيها ولا رسوخ فهو تائه عن طريق اللَّه، قال: وإذا رحل البدن عن موضع ترك فيه بدله حقيقة روحانيّة تجتمع إليها أرواح أهل ذلك الموطن الذي رحل عنه هذا الولي، فإن ظهر شوق شديد من أناس ذلك الموطن لهذا الشخص تجسدت لهم تلك الحقيقة الروحانيّة التي تركها بدله فكلّمتهم وكلّموه وهو غائب عنهم، وقد يكون هذا في غير البدن لكن الفرق بينهما أن البدن يرجع ويعلم أنّه ترك غيره، وغيره البدل لا يعرف ذلك وإن ترکه، لأنّه لم يحكم هذه الأربعة المذكورة، قال: وفي ذلك قلت: يامن أراد منازل الأبدال من غير قصد منه للأعمال لا تطمعن بها فلست من أهلها إن لم تزاحمهم على الأحوال ٤٨٥ خصائص أمته وعن معروف الكرخي: من قال اللَّهم ارحم أمة محمد في كل يوم كتبه الله من الأبدال .. وهو في الحلية بلفظ: من قال في كل يوم عشر مرات اللَّهم أصلح أمة محمد، اللَّهم فرج عن أمة محمد، اللَّهم ارحم أمة محمد كتب في الأبدال. وعن غيره قال: من علامة الأبدال أن لا يولد لهم، ويروى في مرفوع معضل: علامة أبدال أمتي أنهم لا يلعنون شيئًا أبدًا. وأصمت بقلبك واعتزل عن كل من يدينك من غير الحبيب الوالي وإذا سهرت وجعت نلت مقامهم وصحبتهم في الحل والترحال بيت الولاية قسمت أركانه ساداتنا فيه من الأبدال ما بين صمت واعتزال دائم والجوع والسهر النزيه العالي (وعن معروف) بن فيروز (الكرخي) بفتح فسكون فخاء معجمة نسبة إلى كرخ بغداد الإمام شيخ السلسلة، أستاذ السري السقطي، لم يكن في العراق من يربي المريدين في زمنه مثله، حتى عرف جميع المشايخ فضله، وكان ابن جنبل وابن معين يختلفان إليه يسألانه ولم يكن مثلهما في علم الظاهر، فيقال لهما مثلكما بفعل ذلك، فيقولان: كيف نفعل إذا جاءنا أمر لم نجده في كتاب اللَّه ولا سنة رسوله، وقد قال مَّ اله: ((سلوا الصالحين))، وكراماته كثيرة وكان يهدى إليه طيّبات الطعام فيأكل، فقيل له: إنّ أخاك بشرًا الحافي لا يأكل، فيقول: أخي قبضه الورع وأنا بسطتني المعرفة، إنما أنا ضيف في دار مولاي مهما أطعمني أكلت، مات سنة إحدى ومائتين. (من قال: اللَّهم ارحم أمّة محمد في كل يوم كتبه اللَّه من الأبدال،) إن فعل الطاعات واجتنب المنهيات أو أن قائل ذلك وإن كان مرتكبًا للحرام، يوفق للتوبة النصوح إلى أن يكون منهم، ثم لا يلزم من كتبه منهم في الأجر كونه منهم حقيقة نحو حديث: ((من حفظ على أمّتي أربعين حديثًا)، وخبر: ((أعطى أجر الشهيد)) (وهو في الحلية) عن معروف (بلفظ من قال في كلّ يوم عشر مرّات: اللَّهم أصلح أمّة محمد، اللّهم فرّج عن أمّة محمد، اللَّهم ارحم أقّة محمد كتب من الأبدال) مصاحبة ووصفًا بحيث يحشر معهم لا ذاتًا، فلا ينافي أن قائل ذلك يكون منهم وإن ولدهم أولاد كثيرة (وعن غيره قال: من علامة الأبدال أن لا يولد لهم) لئلا يشتغلوا عما أقيموا فيه، ولا يرد على ذلك الأنبياء ونحوهم لأن البدلاء لم يصلوا إلى مقامهم، (ويروى في مرفوع) إلى النبي عَّة. (معضل) بأن سقط من سنده إثنان ففوق، وهذا رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الأولياء عن بكر بن خنيس بمعجمه، ونون ومهملة مصغر الكوفي صدوق له أغلاط قال: قال النبي عَِّ: (علامة أبدال أمتي أنّهم لا يلعنون شيئًا) من المخلوقات (أبدًا) لأنّ اللعن: الطرد والبعد عن اللَّه وهم إنّما يقرّبون إلى اللّه ولا يبعدون عنه ویروی عن معاذ مرفوعا: «ثلاث من كن فيه فهو من الأبدال الرضا ٤٨٦ خصائص أمته عيد وقال يزيد بن لهرون: الأبدال هم أهل العلم، وقال الإمام أحمد: إن لم يكونوا أصحاب الحديث فمن هم؟. وفي تاريخ بغداد للخطيب، عن الكتاني، قال: النقباء ثلاثمائة، والنجباء سبعون، والبدلاء أربعون، والأخيار سبعة، والعمد أربعة، والغوث واحد، فمسكن النقباء المغرب، ومسكن النجباء مصر، ومسكن الأبدال الشام، بالقضاء والصبر عن محارم اللَّه والغضب في ذات اللَّه))، رواه الديلمي. (وقال يزيد) بتحتيّة أوّله فزاي (ابن لهرون) السلمي مولاهم أبو خالد الواسطي، ثقة متقن من رجال الجميع عابد، مات سنة ست ومائتين، وقد قارب التسعين (الأبدال هم أهل العلم) النافع، وهو علم الظاهر والباطن لا الظاهر وحده، (وقال أحمد) الإمام ابن حنبل: (إن لم يكونوا أصحاب الحديث فمن هم.) قال الحافظ ابن رجب الحنبلي في فضل الشام له: مراد أحمد بأصحاب الحديث من حفظه وعلمه وعمل به، فإنّه نصّ أيضًا من عمل بالحديث لا من اقتصر على طلبه، ولا ريب أن من علم سنن النبي عَّه وعمل بها وعلّمها الناس، فهو من خلفاء الرسل وورثة الأنبياء ولا أحد أحق بأن يكون من الأبدال منه، انتهى. وقال غيره مراده من هو مثله ممن جمع بين علمي الظاهر والباطن، وأحاط بالأحكام والحكم والمعارف كسائر الأئمة الأربعة ونظرائهم، فهؤلاء خيار الأبدال والنجباء والأوتاد، فاحذر أن يسوء بأحد منهم وأن يسوّل لك الشيطان، ومن استولى عليه ممن لم يهتد بنور المعرفة إن المجتهدين لم يبلغوا تلك المرتبة، وقد اتفقوا على أن الشافعي كان من الأوتاد، وقيل أنّه تقطب قبل موته، (وفي تاريخ بغداد للخطيب) وتاريخ الشام لابن عساكر كلاهما، (عن الكتاني) بالفتح والفوقية نسبة إلى الكتان، وعمله الإمام المحدث المتقن أبي محمد عبد العزيز بن محمد بن علي التميمي الدمشقي محدّث دمشق، ومفيدها سمع الكثير وألّف وجمع. قال الذهبي: ويحتمل أن يوصف بالحفظ في زمنه، ولو وجد في زماننا لعدّ في الحفّاظ. وقال ابن الأثير: حافظ كبير متقن: روى عن تمّام بن محمد وغيره وعنه الخطيب وابن ماكولا وغيرهما، مات سنة تسع وثمانين وثلثمائة. (قال: النقباء ثلثمائة) لعلّهم الذين قال فيهم: قلوبهم على قلب آدم، (والنجباء سبعون والبدلاء أربعون، والأخيار سبعة، والعمد أربعة،) وهم الأوتاد (والغوث واحد، فمسكن النقباء المغرب ومسكن النجباء مصر) المدينة المعروفة، فلا تصرف كقوله: ﴿ادخلوا مصر﴾، (ومسكن الأبدال الشام،) أي: أكثرهم فلا يخالف ما مرّ أن ثمانية عشر بالعراق إن صحّ، ثم المراد محل إقامتهم، فلا ينافي تصرّفهم في الأرض كلّها كما مرّ في حديث: ((وهم في الأرض)، (والأخيار سيّاحون في الأرض) لا يستقرّون بمكان، (والعمد) الأوتاد (في زوايا الأرض، أي: جهاتها الأربع،) واحد بالمشرق وآخر بالمغرب، وآخر بالجنوب، وآخر بالشمال. قال ابن عربي: ولكلّ ركن من البيت، ويكون على قلب ٤٨٧ خصائص أمته ټێ. ومسكن الغوث مكة، فإذا عرضت الحاجة من أمر العامة ابتهل النقباء ثم النجباء ثم الأبدال ثم الأخيار ثم العمد، فإن أجيبوا وإلا ابتهل الغوث، فلا تتم مسألته حتى تجاب دعوته، انتھی. ومنها أنهم يدخلون قبورهم بذنوبهم، ويخرجون منها إبراهيم العراق وقلب عيسى اليماني وقلب محمد له ركن الحجر الأسود. كذا قال وهو مخالف لما سبق أن قلب المصطفى لا يضارعه أحد، فلذا لم يذكر أن أحدًا على قلبه (ومسكن الغوث) وهو القطب الفرد الجامع (مكّة) وقيل اليمن، رواه ابن عساكر عن أبي سليمان الداراني، والأصح أن إقامته لا تختصّ بمكّة ولا بغيرها، بل جوّال وقلبه طواف في حضرة الحق يقدّس لا يخرج من حضرته أبدًا، ويشهده في كلّ جهة ومن كلّ جهة ما جاء فيه كما قال بعض المحدّثين: خبر أبي نعيم مرفوعًا: (إن للَّه تعالى في كلّ بدعة كيد بها الإسلام وأهله، وليًّا صالحًا يذب عنه ويتكلّم بعلاماته، فاغتنموا حضور تلك المجالس بالذب عن الضعفاء وتوكلوا على الله وكفى بالله وكيلاً)، (فإذا عرضت الحاجة من أمر العامة ابتهل فيها النقباء، ثم النجباء، ثم الأبدال، ثم الأخيار، ثم العمد فإن أجيبوا) بخصوص تلك الحاجة (وإلاّ ابتهل الغوث،) فلا يخالف ما ورد أن دعوة المؤمن لا ترد، لاسيما وحال هؤلاء يقتضي إجابة دعائهم دائمًا، إلاّ أن الإجابة قد تكون بخصوص المسؤول وقد تكون بغيره، وقد تدخر للقيامة، وقد تؤخر الإجابة فتشد الضرورة لحصول المطلوب في ذلك الوقت، فيبتهل الغوث لتنجيز المسؤول دفعًا للضرورة ما أمكن، (فلا تتم مسألته حتى تجاب دعوته) لطفًا من اللَّه بعباده. وقد زعم ابن الجوزي أن أحاديث الأبدال كلّها موضوعة، ونازعه السيوطي، وقال: خبر الأبدال صحيح وإن شئت قلت: متواترًا يعني: تواتر معنويًا كما أشار إليه بعده. وقال السخاوي له طرق عن أنس بألفاظ مختلفة كلّها ضعيفة، ثم ساق ما ذكره المصنّف وزيادة، ثم قال: وأحسن مما تقدّم ما رواه أحمد من حديث شريح، يعني: ابن عبيد قال: ذكر أهل الشام عند علي وهو بالعراق، فقالوا: إلعنهم يا أمير المؤمنين، قال: لا إني سمعت رسول اللَّه عَ له يقول: ((البدلاء يكونون بالشام، وهم أربعون رجلاً، كلّما مات رجل أبدل اللَّه مكانه رجلاً يستسقي بهم الغيث وينتصر بهم على الأعداء، ويصرف عن أهل الشام العذاب رجاله))، من رواة الصحيح إلاّ شريحًا، وهو ثقة، انتهى. وقال السيوطي حديث أخرجه أحمد والطبراني، والحاكم من طرق أكثر من عشرة، انتهى. قال السخاوي: وممّا يقوّي الحديث ويدلّ لانتشاره بين الأئمة، قول الشافعي في بعضهم: كنّا نعدّه من الأبدال، وقول البخاري في غيره كانوا لا يشكون أنّه من الأبدال، وكذا وصف غيرهما من النقّاد والحفّاظ والأئمّة غير واحد بأنّهم من الأبدال، ويقال: ما تغرب الشمس يومًا ويطوف بالبيت رجل من الأبدال، ولا يطلع الفجر من ليلة إلاّ ويطوف به واحد من الأوتاد، وإذا انقطع ذلك كان سبب رفعه من الأرض. (ومنها: أنهم يدخلون قبورهم بذنوبهم،) غير معرضين عنها ولا تائبين، (ويخرجون منها ٤٨٨ خصائص أمته عد اله بلا ذنوب، تمحص عنهم باستغفار المؤمنين لهم. رواه الطبراني - في الأوسط - من حديث أنس، ولفظه: قال رسول الله عَّله: أمتي أمة مرحومة تدخل قبورها بذنوبها، وتخرج من قبورها لا ذنوب عليها، تمحص عنها باستغفار المؤمنين لها. بلا ذنوب تمحص عنهم باستغفار المؤمنين لهم،» بيان لسبب خروجهم بلا ذنوب، كأنه قال: لأنها تمحص عنهم بسبب طلب المغفرة لهم، والتمحيص تنقيص الشىء شيئًا فشيئًا إلى أن يذهب، فاستغفار المؤمنين يزيل الذنوب شيئًا فشيئًا، حتى تذهب، فيخرج من قبره طاهرًا منها، وقد يكون بحسابه في قبره، ويستوفي منه فيه إمّا بعقابه على جميعها، أو على بعضها، مع العفو عن باقيها، فيخرج أيضًا طاهرًا منها. قال الحكيم الترمذي: إنما حوسب المؤمن في قبره ليكون أهون عليه في الموقف، فتمحص ذنوبه في البرزخ، فيخرج منه، وقد اقتصّ منه، وأيضًا لسترهم في المحشر حيث لم يكن عليهم ما يفتضحون به على رؤوس الأشهاد، (رواه الطبراني في الأوسط من حديث أنس، ولفظه: قال رسول اللَّه عَّ: (أُمَتي،) أي: أُمّة الإجابة (أُمّةٌ مرحومة) من اللَّه، أو من بعضهم لبعض، مغفور لها من بارئها، متوب عليها من اللَّه))، بمعنى: أنه لا يتركها مصرّة على الذنب، ورواه ابن ماجه والبيهقي في البعث، بلفظ: ((إن هذه الأمّة مرحومة (تدخل قبورها بذنوبها،) والروايتان متّفقتان معنى في صدر الحديث، ولفظًا ومعنى في باقيه، (وتخرج من قبورها لا ذنوب عليها، تمحص عنها باستغفار المؤمنين لها،) فتزول جميعها حقيقة أو حكمًا بزوال معظمها للأدلّة القطعية أنّه لا بدّ من دخول طائفة من عصاة هذه الأمّة النار، لكنّه لما قل بالنسبة لما ذهب نزل منزلة العدم، حتى كأنها غفرت جميعها. وروى أبو داود وغيره: ((أُتَتي هذه أُمّة مرحومة ليس عليها عذاب في الآخرة، إنما عذابها في الدنيا في الفتن، والزلازل، والقتل، والبلايا)، ونفى عذابها في الآخرة، بمعنى: إن من عذْب منهم لا يحسّ بألم النار إلاّ قليلاً؛ كما ورد مرفوعًا: ((إذا أدخل اللَّه الموحدين النار أماتهم فيها إماتة، فإذا أراد أن يخرجهم منها أمسّهم ألم العذاب تلك الساعة)، رواه الديلمي ولخفّة ألمها، قال ◌َ له: ((إنما حرّ جهنّم على أمّتي كحرّ الحمام))، رواه الطبراني برجال ثقات، ولا تناقض بين الخبرين؛ لأنها تكون عليهم عند إحيائهم، والأمر بإخراجهم كحر الحمام اللطيف الذي لا يؤذي الجسم ولا يوهنه. وروى الدارقطني عن ابن عباس رفعه: ((إن حظّ أُقتي من النار طول بلائها تحت التراب))، وزعم أن المراد لا عذاب عليها في عموم الأعضاء؛ لأن أعضاء الوضوء لا تمسّها النار تكلّف مستغنى عنه، وقوله: ((الفتن))، أي: الحروب والهرج بينهم، والبلايا التي منها استيفاء الحدّ ممن فعل موجبه، وعجلت العقوبة على الذنب في الدنيا؛ لأن شأن الأمم السالفة كان يجري على ٤٨٩ خصائص أمته عَ ليه ومنها أنهم اختصوا في الآخرة بأنهم أول من تنشق عنهم الأرض من الأمم. رواه أبو نعيم عن ابن عباس مرفوعًا بلفظ: ((وأنا أول من تنشق الأرض عني وعن أمتي ولا فخر)». ومنها: أنهم يدعون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء. رواه البخاري. والغرة: بياضٍ في وجه الفرس. والتحجيل: بياض في قوائمه وذلك مما يكسبه حسنًا وجمالاً. فشبه عَّ النور الذي يكون يوم القيامة في أعضاء الوضوء بالغرة والتحجيل، ليفهم أن هذا البياض في أعضاء الإنسان مما يزينه لا مما يشينه، يعني أنهم إذا دعوا على رؤوس الأشهاد نودوا بهذا الوصف، أو كانوا على هذه الصفة. سبيل العدل وأساس الربوبيّة، وشأن هذه الأُمّة يجري على نهج الفضل، فمن ثم ظهر في بني إسرائيل السياحة والرهبانيّة، وعليهم في شريعتهم الأغلال والآصار، وظهرت في هذه الأُمّة السماحة، ففكّ عنهم الأغلال، ووضع عنهم الآصار؛ كما مرّ. (ومنها: أنهم اختصّوا في الآخرة؛ بأنهم أوّل من تنشق عنهم الأرض من الأُمم) بعد الأنبياء، (رواه أبو نعيم عن ابن عباس، مرفوعًا) في حديث، (بلفظ: ((وأنا أوّل من تنشق الأرض عني)، قبل الأنبياء، وعن أُمْتي) قبل الأمم، (ولا فخر)) أعظم من ذلك، أو لا أقول ذلك، افتخارًا، بل تحدّثًا بالنعمة. (ومنها: أنهم يدعون يوم القيامة) إلى موقف الحساب، أو الميزان، أو الصراط، أو الحوض، أو غير ذلك (غرًّا) بضم المعجمة والتشديد: جمع أغر، أي: ذي غرّة (محجّلين من آثار الوضوء»، رواه البخاري) ومسلم من حديث أبي هريرة، (والغرّة بياض في وجه) أي: جبهة (الفرس) فوق الدرهم (والتحجيل،) أصله من الحجل، بكسر الحاء: الخلخال، (بياض في قوائمه) الأربع، أو في ثلاث منها أو في غيرها، (وذلك ممّا يكسبه حسنًا وجمالاً، فشبّه عَِّ النور الذي يكون يوم القيامة في أعضاء الوضوء بالغرّة والتحجيل، ليفهم أن هذا البياض في أعضاء الإنسان ممّا يزيّنه) بفتح أوله (لا ممّا يشينه) دفعًا لتوهّم البرص لو قال: يدعون بيضًا مثلاً، (يعني: أنهم إذا دعوا على رؤوس الأشهاد نودوا بهذا الوصف؛) بأن يقال لهم: يا غرّ يا محجّلون، (أو كانوا على هذه الصّفة،) وهي النور الكائن في أعضائهم، وإن نودوا بأسمائهم، وظاهره حجّة للشافعي في ندب إطالة الغرّة بغسل زائد على ما وجب من اليدين والرجلين ومع الوجه مقدّم الرأس، وصفحة العنق، وذهب الأئمّة الثلاثة ٤٩٠ خصائص أمته عَّ ومنها أنهم يكونون في الموقف على مكان عال. رواه ابن جرير وابن مردويه من حديث جابر مرفوعًا بلفظ: أنا وأمتي على كوم مشرفين على الخلائق، ما من الناس أحد إلا ودَّ أنه منا، وما من نبي كذبه قومه إلا ونحن نشهد له أنه بلغ رسالة ربه. وعند ابن مردويه من حديث كعب قال عَّه: ((أنا وأمتي على تل)). ومنها: أن لهم سيما في وجوههم من أثر السجود. قال تعالى: ﴿سيماهم في وجوههم من أثر السجود﴾ [الفتح/٢٩]. وهل هذه العلامة في الدنيا أو في الآخرة؟، فيه قولان: أحدهما: أنها في الدنيا، قال ابن عباس في رواية أبي طلحة: السمت الحسن. وقال في رواية مجاهد: ليست السيمات بالتي ترون، هي سمة الإسلام وسیماه وخشوعه. إلى عدم ندب ذلك، وأوّلوا الإطالة في قوله: ((فمن استطاع منكم أن يطيل غرّته، فليفعل بإدامة الوضوء). (ومنها: أنهم يكونون في الموقف) مع نبيّهم (على مكان عال،) عبّر عنه في الحديث تارة بكوم، وأخرى بتل، (رواه ابن جرير، وابن مردويه، من حديث جابر، مرفوعًا بلفظ: (((أنا وأُمّتي) نكون (على كوم،) فهو صلة محذوف، (مشرفين على الخلائق، ما من الناس أحد إلا ود،) تمنّى (أنه منّا،) لنيل هذا المقام والاستراحة، ممّا في الموقف من الزحام، (وما من نبيّ كذّبه قومه إلاّ ونحن نشهد له أنه بلغ رسالة ربّه؛) كما قال تعالى: ﴿لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليهم شهيدًا﴾ [البقرة/١٤٣] الآية، قال ابن عبد السلام: وهذه خصوصيّة لم تثبت لغيرهم. (وعند ابن مردويه من حديث كعب) بن ملك الأنصاري، (قال عَّ: ((أنا وأُمّتي على تل:) مكان عال، زاد في الأنموذج: ولهم نوران كالأنبياء، وليس لغيرهم إلاّ نور واحد)). (ومنها: أن لهم سيما،) فعلى من سامه إذا أعلمه، وقد قرئت ممدودة، (في وجوههم من أثر السجود، قال تعالى: ﴿سيماهم﴾: علامتهم مبتدأ (﴿في وجوههم﴾)، خبره (﴿من أثر السجود﴾،) متعلّق بما تعلّق به الخبر، أي: كائنة، وأعرب حالاً من ضميره المنتقل إلى الخبر، (وهل هذه العلامة في الدنيا أو في الآخرة، فيه قولان، أحدهما: أنها في الدنيا). (قال ابن عباس في رواية أبي طلحة،) عنه: هي (السمت الحسن،) أي: السكينة والوقار، (وقال) ابن عباس (في رواية مجاهد،) عنه: (ليست السيمات بالتي ترون) من الأثر في جباه الساجدين، بل (هي سمة الإسلام، وسيماه وخشوعه)، وفي البيضاوي تفسيرها بالأثر، ٤٩١ خصائص أمته ێ وقيل: الصفرة في الوجه من أثر السجود، فتحسبهم مرضى وما هم بمرضى. والقول الثاني: أنه في الآخرة يعني أن مواضع السجود من وجوههم تكون أشد بياضًا يوم القيامة، يعرفون بتلك العلامة أنهم سجدوا في الدنيا، رواه العوفي عن ابن عباس. وعن شهر بن حوشب: تكون مواضع السجود من وجوههم كالقمر ليلة البدر، قال: يريد السمة التي تحدث في جباههم من كثرة السجود، (وقيل:) هي (الصفرة في الوجه من أثر السجود، فتحسبهم مرضى وما هم بمرضى،) وذلك محمود بخلاف ما إذا لم يكن لغير سجود ولا علّة. روى أبو نعيم في الطب، عن أنس، رفعه: ((إذا رأيتم الرجل أصفر الوجه من غير مرض ولا عبادة، فذاك من غش الإسلام في قلبه))، وروى الديلمي عن ابن عباس مرفوعًا: ((احذروا صفر الوجوه؛ فإنّه لم يكن من علّة أو سهر، فإنّه من غل في قلوبهم للمسلمين)). (والقول الثاني: أنّه في الآخرة، يعني: أن مواضع السجود من وجوههم تكون أشد بياضًا يوم القيامة) من بقيّة أجسادهم، (يعرفون بتلك العلامة؛ أنّهم سجدوا في الدنيا، رواه العوفي،) بفتح المهملة، وسكون الواو، وبالفاء عطيّة بن سعد بن جنادة، بضم الجيم، بعدها نون خفيفة، أبو الحسن الكوفي، صدوق، يخطىء كثيرًا، وكان شيعيًّا مدلشًا، مات سنة إحدى عشرة ومائة، روى له أبو داود، والترمذي، والنسائي، وهو المراد عند الإطلاق؛ كما في الأنساب من التقريب، فليس المراد به يحيى بن يعمر، قاضي مرو، كما توهّم من قول اللباب، يروى عن ابن عباس وابن عمر، (عن ابن عباس، وروى (عن شهر بن حوشب) الأشعري، الشامي، مولى أسماء بنت يزيد بن السكن، تابعي، صدوق، كثير الإرسال والأوهان، مات سنة اثنتي عشرة ومائة، روى له مسلم وأصحاب السنن: (تكون) يوم القيامة (مواضع السجود من وجوههم، كالقمر ليلة البدر) وأيّد ذا القول بقوله عَّله: ((أمتي يوم القيامة غر من السجود، محجّلون من الوضوء))، رواه الترمذي عن عبد الله بن بسر، بضم الموحدة، وسكون المهملة، أي: من أثر سجودهم في الصّلاة، وأثر وضوئهم في الدنيا، وقد سجدت الأمم قبلهم، فلم يظهر على جباههم ذلك النور، وتطهّروا فلم يظهر على أطرافهم من ذلك شىء، فهو علامة هذه الأمّة في الموقف، بها يعرفون، ذكره الحكيم الترمذي. ولا تنافي بين هذا الحديث وبين حديث الصحيحين: ((أن أُمّتي يدعون يوم القيامة غرًّا محجلين من آثار الوضوء)) لأن وجه المؤمن يكسى في القيامة نورًا من أثر السجود، ونورًا من أثر الوضوء، نور على نور، فمن كان أكثر نورًا، وأكثر وضوء في الدنيا، كان وجهه أعظم ضياء ٤٩٢ ٠ خصائص أمته عد اله وقال عطاء الخراساني: ودخل في هذه الآية كل من حافظ على الصلوات الخمس. ومنها أنهم يؤتون کتبهم بأيمانهم. رواه البزار. ومنها أن نورهم یسعی بین أيديهم. أخرجه أحمد پاسناد صحيح. ومنها: أن لهم ما سعوا، وما يسعى لهم، وليس لمن قبلهم إلا ما سعى، قاله عكرمة. وأما قوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ [النجم/٣٩]، ففيها وأشد إشراقًا من غيره، فيكونون فيه على مراتب في عظم النور والأنوار لا تتزاحم، ألا ترى أنه لو أدخل سراج في بيت ملأه نورًا، فإذا أدخل فيه آخر وآخر تزايد النور، ولا يزاحم الثاني الأوّل، ولا الثالث الثاني، وهكذا. (وقال عطاء) بن أبي مسلم أبو عثمن (الخراساني،) واسم أبيه ميسرة، وقيل: عبد الله صدوق، يهم كثيرًا ويرسل ويدلس، مات سنة خمس وثلاثين ومائة، روى له النسائي وابن ماجه ولم يصح أن البخاري أخرج له: (ودخل في هذه الآية كل من حافظ على الصّلوات الخمس،) فليس المراد النوافل فقط، فما تقرّب متقرّب إلى اللَّه بأحب من أداء ما افترضه عليه. (ومنها: أنهم يؤتون کتبهم بأيمانهم، رواه البزار) وغيره. (ومنها: أن نورهم يسعى بين أيديهم،) أمامهم على الصراط، ويكون بإيمانهم، قال تعالى: ﴿يوم لا يخزي اللّه النبيّ والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم ويإيمانهم يقولون ربنا أتهم لنا نورنا﴾ [التحريم/٨] الآية، أي: إلى الجنّة، (أخرجه أحمد بإسناد صحيح) عن النبيّ عَّ: ((إني لأعرف أُمّتي يوم القيامة من بين الأمم، أعرفهم يؤتون كتبهم بأيمانهم، وأعرفهم بسيماهم في وجوههم من أثر السجود، وأعرفهم بنورهم يسعى بين أيديهم))، زاد الأنموذج: ((ويمرون على (صراط كالبرق والريح، ويشفع محسنهم في مسيئهم)). (ومنها: أن لهم ما سعوا،) أي: عملوا، فكتب لهم ثواب أعمالهم، (وما يسعى لهم،) أي: يعمل لأجلهم من صدقة ودعاء وغيرهما على ما يأتي، (وليس لمن قبلهم إلاّ ما سعى، قاله عكرمة) رواه ابن أبي حاتم وغيره عنه. (رامًا قوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلاّ ما سعى﴾،) قال البيضاوي: إلاّ سعيه، أي: كما لا يؤاخذ أحد بذنب الغير، لا يثاب بفعله، وما جاء في الأخبار من أن الصدقة والحج ينفعان الميّت، فلكون الناوى له كالنائب عنه، (ففيها) أي: ففي الجواب عنها ٤٩٣ خصائص أمته ێ﴾. أجوبة: أحدها: أنها منسوخة، روي ذلك عن ابن عباس، نسخها قوله تعالى: ﴿واتبعناهم ذرياتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم﴾ [الطور/٢١]، فجعل الولد الطفل في ميزان أبيه، ويشفع الله تعالى الآباء في الأبناء، والأبناء في الآباء، بدليل قوله تعالى: ﴿آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعًا﴾ [النساء/١١]. (أجوبة،) فالظرفية هنا اعتباريّة، فلا يقال كان المتبادر فعنها، وليس من معاني عن في، فلا ترد بمعناها، فقد ذكر صاحب المغنى جملة ما ذكر لعن عشرة معان ليس فيه ورودها بمعنى في، (أحدها: أنها منسوخة، روي ذلك عن ابن عباس نسخها، قوله تعالى:) ﴿والذين آمنوا (﴿واتّبعناهم﴾) معطوف على آمنوا (﴿ذرياتهم)) الكبار والصغار (﴿بإيمان﴾)، من الكبار ومن الآباء في الصغار، ثم الذين آمنوا مبتدأ، والخبر قوله: ((ألحقنا بهم ذريّاتهم﴾ [السورة الآية] الآية،) المذكورين في الجنّة، فيكونون في درجتهم وإن لم يعملوا بعملهم تكرمة للآباء باجتماع الأولاد إليهم، (فجعل الولد الطفل في ميزان أبيه،) أي: في درجته أو في دخول الجنّة، (ويشفع اللَّه تعالى للآباء في الأبناء، والأبناء في الآباء،) أي: يأذن لكل منهم في الشفاعة فيشفع، وإذا شفع قبل شفاعته، (بدليل قوله تعالى: ﴿آبائكم وأبناؤكم﴾ مبتدأ، خبره (﴿لا تدرون أيهم أقرب نفعًا﴾ الآية)، في الدنيا والآخرة، فظان أن ابنه أنفع له فيعطيه الميراث فيكون الأب أنفع وبالعكس، وإنما العالم هو اللّه تعالى، ففرض لكم الميراث. أخرج ابن مردويه، وصححه الضياء المقدسي، عن ابن عباس، رفعه: (إذا دخل الرجل الجنّة، سأل عن أبويه وزوجته وولده، فيقال: إنهم لم يبلغوا درجتك أو عملك، فيقول: يا رب قد عملت لي ولهم، فيؤمر بالإلحاق به))، وأخرجه الطبراني، والبزار، وأبو نعيم، عن ابن عباس مرفوعًا، بلفظ: ((ذريّة المؤمن في درجته، وإن كانوا دونه في العمل لتقرّبهم عينه))، ثم قرأ: ﴿والذين آمنوا﴾ الآية، إلى قوله: ﴿وما ألتناهم من عملهم من شىء﴾، قال: ما نقصنا الآباء مما أعطينا البنين هذا، وقد ضعف ابن عطية هذا القول بالنسخ، بأن قوله: وأن ليس الآية خبر، والخبر لا ينسخ؛ ولأن شروط النسخ ليس هنا، قال: اللَّهمّ إلاّ أن يتجوّز في لفظ النسخ، وقال ابن القيم في كتاب الروح: ذهبت طائفة إلى أنها منسوخة. وروي عن ابن عباس، وهو ضعيف، ولا يرفع حكم الآية بمجرد قول ابن عباس ولا غيره أنها منسوخة، قال: والجمع بين الآيتين غير متعذّر؛ كذا قال، وفيه أنه إن صحّ ما روي عن ابن عباس، كان حكمه الرفع؛ لأنه لا مجال للرأي فيه. ٤٩٤ خصائص أمته عَ ل. الثاني: أنها مخصوصة بالكافر، وأما المؤمن فله ما سعى غيره. قال القرطبي: وكثير من الأحاديث يدل على هذا القول، وأن المؤمن يصل إليه ثواب العمل الصالح من غيره. وفي الصحيح عن النبي عَ له: ((من مات وعليه صيام صام عنه وليه))، وقال عَ ◌ّ للذي حج عنه غيره: ((حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة)، وعن عائشة أنها اعتكفت عن أخيها عبد الرحمن وأعتقت عنه. وقال سعد للنبي عَ له: إن أمي توفيت (الثاني: أنها مخصوصة بالكافر،) أي: كافرًا وكافر مخصوص اختلف فيه على ما يأتي، (وأمّا المؤمن، فله ما سعى،) أي: عمل (غيره) عنه بنيته على تفصيل وخلاف مقرّر في الفروع. (قال القرطبي: وكثير من الأحاديث يدلّ على هذا القول، وأن المؤمن يصل إليه ثواب العمل الصالح من غيره،) عنه بالنيّة، (وفي الصحيح) للبخاري ومسلم عن عائشة، (عن النبيّ عَ له: ((من مات) عام في المكلفين بقرينة قوله: (وعليه صيام،) هذا لفظ الصحيحين، ولم يصب من عزاه لهما بلفظ صوم، (صام عنه،) ولو بغير إذنه، (وليّه) جوازًا لا لزومًا، وإليه ذهب الشافعي في القديم وعمل به الجمهور. وقال في الجديد: وهو مذهب أبي حنيفة وملك: لا يجوز الصّوم عن الميّت؛ لأنه عبادة بدنية، والمراد بوليّه على الأوّل كل قريب أو الوارث أو عصبته، وخرج الأجنبي، فإنما يصوم بإذنه أو وليّه بأجر أو دونه. (وقال عَّ للذي حجّ عن غيره،) كما روى أبو داود، وابن ماجه، برجال ثقات، عن ابن عباس: أن النبيّ عَ لّه سمع رجلاً يقول: لبّيك عن شبرمة، فقال: ((من شبرمة))؟، فقال: أخ أو قريب لي، قال: ((حججت عن نفسك))؟، قال: لا، قال: ((حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة)،) بضم الشين المعجمة، وإسكان الموحدة، وضم الراء، قال الحافظ في تخريج أحاديث الشّرح الكبير: زعم ابن باطيس أن اسم الملبي تبيشة، ومن النوارد أن بعض القضاة ممن أدركنا صحف شبرمة، فقال شبرمنت، بلفظ القرية التي بالجيزة، انتهى، فمن عليه حج الفرض لا يصح حجّه عن غيره، فإن أحرم عنه وقع عن نفسه وعليه الشافعي، وصححه أبو حنيفة ولملك مع الكراهة، والجمهور على كراهة إجارة الإنسان نفسه للحجّ، لكن حمل على قصد الدنيا، أمّا لقصد الآخرة لاحتياجه للأجرة ليصرفها في واجب أو مندوب، فلا. (وعن عائشة: أنها اعتكفت عن أخيها) شقيقها (عبد الرحمن، وأعتق عنه) بعد موته فجأة، سنة ثلاث وخمسين، وقيل بعدها في طريق مكّة، (وقال سعد) بن عبادة سيّد الخزرج (للنبي عَّل: إن أُمي) عمرة بنت مسعود الصحابية (توفيت) سنة خمس والنبيّ عَّهُ في غزوة ٤٩٥ خصائص أمته مع طاه أفأتصدق عنها؟ قال: ((نعم)، قال: فأي الصدقة أفضل؟، قال: ((سقي الماء)). وفي الموطأ عن عبد الله بن أبي بكر عن عمته أنها حدثته عن جدته: أنها جعلت على نفسها مشيًا إلى مسجد قباء فماتت ولم تقضه، فأفتى عبد الله بن عباس: أنها تمشي عنها. ومن المفسرين من قال: إن ((الإنسان)) في الآية، أبو جهل، ومنهم من قال: عقبة بن أبي معيط، ومنهم من قال: الوليد بن المغيرة، ومنهم من قال: إخبار عن شرع من قبلنا، دومة الجندل في شهر ربيع ومعه سعد، فلما جاء النبيّ عَِّ المدينة أتى قبرها، فصلّى عليها، ذكره سعد، (أفأتصدق عنها؟، قال: ((نعم))، قال: أي الصدقة أفضل؟، قال: ((سقي الماء))،) ولعلّه كان وقت السؤال، الناس أحوج إلى الماء من غيره لقلّته في ذلك الموضع، أو لشدّة حرارته، كما هو الغالب في الحجاز، وإلا فالصدقة بالطعام وإن قلّ عند كثرة الماء وتيسّره أفضل، والنبيّ عَّه سيّد الحكماء، فيجيب كل سائل بما هو الأفضل في حقّه. قال ابن القيم في كتاب الروح: وأفضل الصدقة ما صادف حاجة من المتصدق عليه، وكان دائمًا مستمرًّا، ومنه قوله: ((أفضل الصدقة سقي الماء))، وهذا في موضع يقل فيه الماء، ويكثر العطش، وإلا فسقي الماء على الأنهار والقنى لا يكون أفضل من إطعام الطعام عند الحاجة. (وفي الموطأ) للإمام لملك، (عن عبد الله بن أبي بكر) بن محمد بن عمرو بن حزٍم الأنصاري، المدني القاضي، مات سنة خمس وثلاثين ومائة، وهو ابن سبعين سنة، (عن عمّته) أَمّ كلثوم أو أم عمرو، فهي عمّته الحقيقية لا المجازية التي هي عمرة بنت حزم جدّ عبد اللَّه الصحابية؛ لأنه لم يدركها؛ (أنها حدّثته عن جدّته؛ أنها جعلت على نفسها مشيًا إلى مسجد قباء، فماتت ولم تقضه،) أي: لم تفعله، (فأفتى عبد اللَّه بن عباس أنها تمشي عنها،) ففي هذا كلّه دلالة على أن للمؤمن ما سعى غيره، لكن هذا مذهب صحابي، وقد عقبه في الموطأ بقوله: قال يحيى: سمعت ملكًا يقول: لا يمشي أحد عن أحد، على أن الراجح أن من نذر مشيًا إلى غير بيت الله الحرام وما ألحق به، لا يجب عليه لا لعبادة ولا لغيرها عند الشافعية، وقال الملك: من نذر المشي إلى المدينة أو إيلياء فليس عليه ذلك إلاّ أن ينوي صلاة بمسجديهما، فيركب. (ومن المفسرين من قال: إن الإنسان في الآية أبو جهل،) فرعون هذه الأُمّة، (ومنهم من قال: عقبة بن أبي معيط،) الكافر المقتول بعد انصرافهم من بدر صبرًا، (ومنهم من قال: الوليد بن المغيرة،) الميّت على كفره قبل وقعة بدر، فعمومها على هذه الأقوال مخصوص بواحد مختلف في تعيينه، (ومنهم من قال:) الآية (إخبار عن شرع من قبلنا؛) لأن قبلها أم لم ينبأ بما في صحف موسى ٤٩٦ خصائص أمته عبد وقد دل شرعنا على أن الإنسان له سعيه، وما سعى له، ومنهم من قال: الإنسان بسعيه في الخير وحسن صحبته وعشرته اكتسب الأصحاب، وأهدى لهم الخير وتودد إليهم فصار ثوابهم له بعد موته من سعيه. ومنهم من قال ((الإنسان)) في الآية للحي دون الميت. ومنهم من قال: لم ينف في الآية انتفاع الرجل بسعي غيره له، وإنما نفى ملكه لسعي غيره، وبين الأمرين فرق: فقال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾: فإن وإبراهيم، (وقد دلّ شرعنا على أن الإنسان له سعيه وما سعى له،) وهذا قول عكرمة. (ومنهم من قال: الإنسان بسعيه في الخير، وحسن صحبته وعشرته اكتسب الأصحاب،) أي: تسبب في وقوع الصحبة بينه وبين غيره، (وأهدى لهم الخير، وتودّد إليهم، فصار ثوابهم له بعد موته من سعيه؛) لأن الدالّ على الخير كفاعله، وقد انتفع أصحابه منه بمعرفة الخصال الحميدة، فعملوا بها فحصل له بتسببه في حصول ذلك لهم مثل ثواب ما عملوه. (ومنهم من قال: الإنسان في الآية للحي دون الميّت،) يعني إن الحي لا يسقط عنه الحج مثلاً ما دام حيًّا، يحج غيره عنه بخلاف ما لو فعل عنه بعد موته، فينفعه عند هذا القول. قال ابن القيّم في كتاب الروح: وهذا أيضًا من النمط الأول في الفساد، وكلّه من سوء التصرف في اللّفظ العامّ، وصاحب هذا التصرّف لا ينفذ تصرّفه في دلالات الألفاظ وحملها على خلاف موضوعها وما يتبادر إلى الذهن منها، وهو تصرف فاسد قطعًا، يبطله السياق والاعتبار، وقواعد الشّرع وأدلّته وعرفه، وسبب هذا التصرّف السيىء أن صاحبه يعتقد قولاً، ثم يرد كل ما دلّ على خلافه بأي طريق اتّفقت له، فالأدلّة المخالفة له كالصائل لا يبالي بأي شىء دفعه، وأدّة الحقّ لا تتعارض ولا تتناقض، بل يصدق بعضها بعضًا، انتهى. (ومنهم من قال: لم ينف في الآية انتفاع الرجل بسعي غيره له، وإنما نفى ملكه لسعي غيره)، لإن قائل ذلك يرى أن اللام في الإنسان للملك، وهو أخص من مجرد انتفاع الإنسان بمال غيره، وهو المراد هنا؛ فمن تصدّق عن غيره مثلاً بمال لا يصير المال مقصورًا نفعه على من تصدّق عنه، بحيث ينتفي ثوابه بالكلية عن المتصدّق، وإليه أشار بقوله: (وبين الأمرين فرق،) وإذا أردت بيانه، (فقال الزمخشري) ما يفيده (في قوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلاّ ما سعى﴾، فإن قلت: أما صح في الأخبار الصدقة عن الميّت والحجّ عنه،) وهما سعي غيره؟، (قلت: فيه جوابان:) ٤٩٧ خصائص أمته عيد قلت: أما صح في الأخبار الصدقة عن الميت والحج عنه؟ قلت: فيه جوابان. أحدهما: إن سعي غيره لما لم ينفعه إلا مبنيًّا على سعي نفسه، وهو أن يكون مؤمنًا مصدقًا، كان سعي غيره كأنه سعي نفسه لكونه تبعًا له، وقائمًا مقامه. والثاني: إن سعي غيره لا ينفعه إذا عمله لنفسه، ولكن إذا نواه له فهو في حكم الشرع كالنائب عنه، والوكيل القائم مقامه. والصحيح من الأجوبة: إن قوله: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾، عام مخصوص بما تقدم من الأجوبة. وقد اختلف العلماء في ثواب القراءة، هل يصل للميت؟. (أحدهما: أن سعي غيره لما لم ينفعه إلاّ مبنيًّا على سعي نفسه، وهو أن يكون مؤمنًا مصدقًا،) فالصدقة على الكافر ونحوها لا تنفعه، بل يحرم على المسلم فعل ذلك عنه، وإنما تنفعه الصدقة ونحوها إذا كان مسلمًا، فهو أسّ، وسبب في حصول فعل غيره له، فذلك (كان سعي غيره كأنه سعي نفسه؛ لكونه تبعًا له وقائمًا مقامه،) أي: موجود الأجل وجود الإيمان منه، فنزل إيمانه الذي هو سبب في حصول ذلك له منزلة ما لو تصدّق هو عن نفسه. (والثاني: أن سعى غيره لا ينفعه إذا عمله لنفسه،) أي: الغير، (ولكن إذا نواه له، فهو في حكم الشّرع كالنائب عنه والوكيل القائم مقامه،) فيصل ثوابه إليه تنزيلاً له منزلة المتصدّق، واستبعده إمام الحرمين؛ بأنه لم يأمر به، وأوّله بأنه يقع عن المتصدق، وينال الميّت ببركته، وردّه ابن عبد السّلام؛ بأن ما ذكروه من وقوع الصدقة نفسها عن الميّت حتى يكتب له ثوابها هو ظاهر السنّة، (والصحيح من الأجوبة إن قوله: ﴿وأن ليس للإنسان إلاّ ما سعى﴾، عام مخصوص بما تقدّم من الأجوبة) فالآية محكمة، كما عليه الجمهور لا منسوخة. قال ابن عطية: والتحرير عندي أن ملاك المعنى في اللام من قوله للإنسان، فإذا حققت الشىء الذي حقّ لإنسان أن يقول لي، كذا لم يجز إلاّ سعيه، وما زاد من رحمة لشفاعة، أو رعاية أب صالح، أو ابن صالح، أو تضعيف حسنات ونحو ذلك، فليس هو للإنسان، ولا يصح أن تقول لي كذا إلّ على تجوز وإلحاق بما هو له حقيقة، وسأل عبد الله بن طاهر والي خراسان، الحسين بن الفضل عن هذه الآية مع قوله تعالى: ﴿والله يضاعف لمن يشاء﴾، فقال: ليس له بالعدل إلّ ما سعى، وله بفضل اللَّه ما شاء الله. (وقد اختلف العلماء في ثواب القراءة هل تصل للميت فذهب الأكثرون إلى المنع، وهو المشهور من مذهب الشافعي)، لكن المحققون من متأخري مذهبه على الوصول، ٤٩٨ خصائص أمته عبد الله فذهب الأكثرون إلى المنع، وهو المشهور من مذهب الشافعي ولملك، ونقل عن جماعة من الحنفية. وقال كثير من الشافعية والحنفية: يصل وبه قال أحمد بن حنبل - رحمه الله - بعد أن قال: القراءة على القبر بدعة، بل نقل عن الإمام أحمد: يصل إلى الميت كل شيء من صدقة وصلاة وحج واعتكاف وقراءة وذكر وغير ذلك. أي: وصول مثل ثواب القارىء للميّت وأوّلوا المنع على معنى وصول عين الثواب الذي للقارىء، أو على قراءته لا بحضرة الميّت ولا بنيّة القارىء ثواب قراءته له، نواه ولم يدع. قال ابن الصّلاح: وينبغي الجزم بنفع اللّهمّ أوصل ثواب ما قرأناه، أي: مثله، فهو المراد؛ وأن يصرّح به لفلان؛ لأنه إذا نفعه الدعاء بما ليس للداعي، فما له أولى، ويجري ذلك في سائر الأعمال. (وملك)) لكن قال الإمام ابن رشد في نوازله: إِن قرأ، ووهب ثواب قراءته لميّت جاز، وحصل للميّت أجره ووصل إليه نفعه، وقال أبو عبد اللَّه الأبي: إن قرأ ابتداء بنيّة الميّت وصل إليه ثوابه، كالصدقة والدعاء، وإن قرأ، ثم وهبه له لم يصل؛ لأن ثواب القراءة للقارىء لا ينتقل عنه إلى غيره. وقال العلامة الشهاب القرافي: الذي يتّجه أن يحصل للموتى بركة القراءة، كما يحصل لهم بركة الرجل الصالح يدفن عندهم أو يدفنون عنده، ووصول القراءة للميّت، وإن حصل الخلاف فيها، فلا ينبغي إهمالها، فلعلّ الحق الوصول، فإن هذه الأمور معيبة عنّا، وليس الخلاف في حكم شرعيّ إنما هو في أمر هل يقع كذلك أم لا؟، وكذلك التهليل الذي عادة الناس يعملونه اليوم، ينبغي أن يعمل ويعتمد فضل اللَّه وجوده وإحسانه، هذا هو اللائق بالعبد، انتهى. (ونقل عن جماعة من الحنفية، وقال كثير من الشافعية والحنفية: يصل، وبه قال أحمد بن حنبل بعد أن، قال: القراءة على القبر بدعة) مكروهة، وهو أصل مذهب لملك، (بل نقل عن الإمام أحمد يصل إلى الميت كل شىء من صدقة وصلاة وحج واعتكاف وقراءة وذكر وغير ذلك) كالدعاء له، فقد صحّ خبر: ((إن الله يرفع درجة العبد في الجنة باستغفار ولده له))، ومعنى نفعه بالدعاء حصول المدعو له إذا استجيب، واستجابته محض فضل منه تعالى، ولا يسمّى في العرف ثوابًا. أمّا نفس الدعاء وثوابه فللداعي، لأنه شفاعة أجرها للشافع، ومقصودها للمشفوع له، نعم دعاء الولد يحصل ثوابه نفسه للوالد الميّت؛ لأن عمل ولده لتسبّبه في وجوده من جملة عمله، ٤٩٩ خصائص أمته عليه وذكر الشيخ شمس الدين بن القطان العسقلاني: إن وصول ثواب القراءة إلى الميت من قريب أو أجنبي هو الصحيح، كما تنفعه الصدقة والدعاء والاستغفار بالإجماع. وقد أفتى القاضي حسين: بأن الاستئجار لقراءة القرءان على رأس القبر جائز، كالاستئجار للأذان وتعليم القرءان. لكن قال الرافعي وتبعه النووي: عود المنفعة إلى المستأجر شرط في الإجارة، فيجب عودالمنفعة في هذه الإجارة إلى المستأجرة أو ميته، لكن المستأجر لا ينتفع بأن يقرأ الغير له، ومشهور أن الميت لا يلحقه ثواب القراءة المجردة، فالوجه تنزيل الاستئجار على صورة انتفاع الميت بالقراءة وذكروا له طريقين. أحدهما: أن يعقب القراءة بالدعاء للميت من قريب أو أجنبي، فإن الدعاء يلحقه، والدعاء بعد القراءة أقرب إلى الإجابة وأكثر بركة. والثاني: ذكر الشيخ عبد الكريم الشالوسي: كما صرّح به خبر: ((إذا مات ابن عادم انقطع عمله إلاّ من ثلاث)، ثم قال: ((أو ولد صالح))، أي: مسلم يدعو له، فجعل دعاءه من جملة عمل الوالد، وإنما يكون منه، ويستثنى من انقطاع العمل إن أُريد نفس الدعاء لا المدعو به. (وذكر الشيخ شمس الدين بن القطّان العسقلاني: إن وصول ثواب القراءة إلى الميت من قريب أو أجنبي هو الصحيح) مع النيّة، وهو المعتمد عند متأخّري الشافعية؛ (کما تنفعه الصدقة) عنه، (والدعاء والاستغفار) له (بالإجماع) المؤيّد بصريح كثير من الأحاديث، (وقد أفتى القاضي حسين؛ بأن الاستئجار لقراءة القرءان على رأس القبر جائز،) وإن قلنا بكراهة القراءة على القبر؛ لأن المكروه من الجائز، (كالاستئجار للأذان وتعليم القرءان. لكن قال الرافعي، وتبعه النووي: عود المنفعة إلى المستأجر شرط في الإجارة، فيجب عود المنفعة في هذه الإجارة إلى المستأجر أو ميته، لكن المستأجر لا ينتفع بأن يقرأ الغير له، ومشهور أن الميّت لا يلحقه ثواب القراءة المجرّدة) عن نيته بها أو الدعاء بوصول ثوابها له، (فالوجه تنزيل الاستئجار على صورة انتفاع الميّت بالقراءة، وذكروا له طريقين): (أحدهما: أن يعقب القراءة بالدعاء للميت من قريب أو أجنبي، فإن الدعاء يلحقه، والدعاء بعد القراءة أقرب إلى الإجابة، وأكثر بركة). (والثاني: ذكر الشيخ عبد الكريم) بن أحمد بن الحسن بن محمد الفقيه (الشالوسي،) بشين معجمة، ولام مضمومة، ثم سين مهملة؛ كما ضبطه ابن السمعاني وغيره، نسبة إلى شالوس ٥٠٠ خصائص أمته عليه. أنه إن نوى القارىء بقراءته أن يكون ثوابها للميت لم يلحقه، لكن لو قرأ ثم جعل ما حصل من الأجر له، فهذا دعاء بحصول ذلك الأجر للميت فينتفع الميت. قال النووي في زيادات الروضة: ظاهر كلام القاضي حسين صحة الإجارة مطلقًا وهو المختار، فإن موضع القراءة موضع بركة وتنزل الرحمة. وهذا مقصود: بنفع الميت. وقال الرافعي وتبعه النووي في الوصية: الذي يعتاد من قراءة القرءان على رأس القبر قد ذكرنا في باب الإجارة طريقين في عودة فائدتها إلى الميت. وعن القاضي أبي الطيب طريق ثالث: وهو أن الميت كالحي الحاضر، فترجى له الرحمة ووصول البركة إذا أهدى الثواب إليه القارىء. وقال الشالوسي: إذا نوى بقراءته أن يكون ثوابها للميت لم يلحقه، إذ جعل قرية كبيرة بنواحي آمل بطبرستان، كان فقيه عصره بآمل ومدرسها، واعظًا، زاهدًا، وبيته بيت العلم والزهد، مات سنة خمس وستين وأربعمائة. قال الأسنوي: ووهم النووي في التهذيب، فأهمل سينه الأولى أيضًا، وأهل المشرق، خصوصًا ابن السمعاني أعرف ببلادهم من أهل الشام، ولا شكّ أن النووي هنا لم ينظر إلى ابن السمعاني ولا غيره، وإنّما اعتمد على ما يتعلّق به كثير من المتفقهة الذين لا اطّلاع لهم على ذلك، (أنه إن نوى القارىء بقراءته أن يكون ثوابها للميّت لم يلحقه،) قال شيخنا: المعتمد أنه يلحقه ثوابها حيث قرأ بحضرته أو دعا له عقبها أو نواه بها، وإن لم يكن عنده ولا دعا له؛ (لكن لو قرأ، ثم جعل ما حصل من الأجر له، فهذا دعاء بحصول ذلك الأجر للميت، فينتفع الميّت) بذلك الدعاء. (قال النووي في زيادات الروضة: ظاهر كلام القاضي حسين صحة الإجارة مطلقًا وهو المختار، فإن موضع القراءة موضع بركة وتنزل الرحمة، وهذا مقصود بنفع الميّت). (وقال الرافعي، وتبعه النووي في) باب (الوصية: الذي يعتاد) مبني للمجهول (من قراءة القرءان على رأس القبر، قد ذكرنا في باب الإجارة طريقين،) هما السابقان (في عود فائدتهما إلى الميت). (وعن القاضي أبي الطيّب طريق ثالث، وهو أن الميّت كالحي الحاضر، فترجى له الرحمة ووصول البركة إذا أهدى الثواب إليه القارىء) قريبًا أو أجنبيًّا، (وقال) أبو عبد الله (الشالوسي: إذا نوى بقراءته أن يكون ثوابها للميّت لم يلحقه إذ جعل ذلك قبل حصوله،) أي: الثواب، (وتلاوته عبادة البدن فلا تقع عن الغير، وإن قرأ، ثم جعل ما حصل من الثواب