النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١ الفصل الرابع ما اختصّ به عَّةٍ من الفضائل والكرامات ورواه كعب بن ملك بلفظ: يحشر الناس يوم القيامة فأكون أنا وأمتي على تل، ويكسوني ربي حلة خضراء، رواه الطبراني، وهو عند ابن أبي شيبة بلفظ: يحشر الناس على تل، وأمتي على تل، وعند الطبراني أيضًا من حديث ابن عمر: فيرقى هو - يعني محمدًا عَّه - وأمته على كوم فوق الناس، استقلّ به دون غيره، فاستعمله في لازم معناه اللغوي، وذلك اللازم عدم صلاحية غيره لتلك الحلّة. وفي البخاري عن ابن عباس، مرفوعًا: ((إنكم تحشرون حفاة عراة غرلاً، ثم قرأ: ﴿كما بدأنا أوّل خلق نعيده وعدًا علينا إنّا كنا فاعلين﴾ الآية، وأوّل من يكسى يوم القيامة إبراهيم)) الحديث، فعجيب عزو بعض له للبزار، قال الحافظ: قيل في حكمة خصوصية إبراهيم بذلك، لكونه أُلقي في النار عريانًا، أو لأنه من لبس السراويل، ولا يلزم من ذلك تفضيله على نبينا لأن المفضول قد يمتاز بشيء يخص به، ولا يلزم منه الفضيلة المطلقة، ويمكن أن يقال: لا يدخل في عموم خطابه. وقال القرطبي: قد جبر عَّلِ عن هذا السبق بكونه يكسى حلّتين؛ كما في حديث البيهقي، وأجاب الحليمي: بأنه يكسى إبراهيم أوّلاً، ثم نبيّنا على ظاهر الخبر؛ لكن حلّة نبيّنا أعلى وأكمل، فتجبر بنفاستها ما فات من الأوليّة؛ على أنه يحتمل أن نبيّنا عَّه خرج من قبره في ثيابه التي مات فيها، والحلّة التي يكساها يومئذ حلّة الكرامة بقرينة إجلاسه عند ساق العرش، فتكون أوليّة إبراهيم في الكسوة بالنسبة لبقيّة الخلق. (ورواه كعب بن مالك) الأنصاري، السلمي، المدني، أحد الثلاثة الذي تيب عليهم، مرفوعًا. (بلفظ: ((يحشر الناس يوم القيامة، فأكون أنا وأُقتي على تل) مكان عال، (ويكسوني ربي حلّة خضراء)، رواه الطبراني) فبيّ في هذه الرواية لونها، وهو عطف على أكون، والواو لا ترتب، فلا ينافي مقتضى التعقيب بالفاء في السابق، أن الكسوة تكون عقب الخروج من القبر، وفي الترمذي عن أبي هريرة: (أنا أوّل من ينشقّ عنه الأرض، فأُكسى حلّة من حلل الجنّة)) الحديث، وعلى احتمال أنه يقوم بثيابه التي مات فيها، ولا تبلى حتى یکسی، يكون ذلك له خصوصية أخرى، حيث تبلى ثياب الخلائق وثوبه لا يبلى، ولا ينافيه الفاء لأن التعقيب في كل شىء بحسبه. (وهو عند ابن أبي شيبة) عن كعب، (بلفظ: ((يحشر الناس) كلّهم (على تل وأُمّتي) أي: وهو معهم، كما قال قبل (على تل)))) أعلى من التلّ الذي عليه الناس. (وعند الطبراني، أيضًا من حديث ابن عمر: فيرقى هو يعني محمّدًا عَِّ وأُمّته على كوم) هو والتلّ، بمعنى (فوق الناس،) ولم يبيّ هل الكوم من كافور، أو مسك، أو نحوهما، ٣٨٢ الفصل الرابع ما اختصّ به عَّه من الفضائل والكرامات وأنه يقوم عن يمين العرش، رواه ابن مسعود عنه عليه الصلاة والسلام وفيه: لا يقومه غيره، يغبطه فيه الأولون والآخرون. ومنها: أنه يعطى المقام المحمود، قال مجاهد: هو جلوسه عَّه على العرش، وعن عبد الله بن سلام، جلوسه على الكرسي، ذکرهما البغوي، (وأنه يقوم عن يمين العرش،) خصيصيّة شرّفه اللَّه بها، (رواه ابن مسعود عنه عليه الصّلاة والسّلام) في حديث، (وفيه لا يقومه غيره يغبطه فيه) حال من المفعول، أي: يغبط النبيّ حالة كونه في ذلك المقام، أو في سبيّة، أي: يغبطونه بسببه. وقد ذكر المصنف الحديث فيما يأتي، بلفظ: ((يغبطه به))، أو الضمير لموقف الخلائق، فيكون حالاً من فاعل يغبط، أي: يغبطه حال كونهم في مقامهم (الأوّلون والآخرون))). قال الحافظ: الغبطة أن يتمنّى أن يكون له مثل ما لغيره من غير أن يزول عنه، والحرص على هذا يسمّى منافسة، فإن كان في الطاعة فمحمود، ومنه: ﴿فليتنافس المتنافسون) الآية؛ وفي المعصية فمذموم، ومنه: ﴿فلا تنافسوا﴾ الآية، وفي الجائز، فمباح، انتهى. والمراد بالتمني هنا حالة تستدعي محبته واستحاسنه، لا الطلب لعلمهم أنه لا يكون لغيره، فغبطتهم له استحسانهم لمقامه المخصوص به، وعدّه مقامًا عظيمًا له، ففيه تجريد، إذ الغبطة تمنّي المستحسن، فجرّد عن تمني، وأريد به الجزء الثاني، وهو المستحسن. وروى الترمذي، وقال: حسن صحيح غريب، عن أبي هريرة، مرفوعًا: ((أنا أوّل من تنشق عنه الأرض، فأُكسى حلّة من حلل الجنّة، ثم أقوم عن يمين العرش، ليس أحد من الخلائق يقوم ذلك المقام غيري». (ومنها: أنه يعطى المقام المحمود،) قال تعالى: ﴿عسى أن يبعثك ربّك مقامًا محمودًا﴾ الآية، (قال مجاهد) التابعي، المفسّر المشهور: (هو جلوسه على العرش) حملاً للمقام على أنه مصدر ميمي، لا اسم مكان. (وعن عبد الله بن سلام) الصحابي: هو (جلوسه على الكرسي) وهو مغاير لما قبله على الأصح أنه غير العرش ومساوٍ على أنه هو، (ذكرهما البغوي) في تفسيره بعد أن صدر بأن المراد الشفاعة، وساق حديثها الطويل في إتيان الناس ءادم .... الخ، وهذان التفسيران من جملة ما زيف لأنه تفسير للشىء بخلاف ما فسره به صاحبه، فقد روى البخاري والترمذي عن ابن عمر، قال: سئل النبيّ معَّه عن المقام المحمود، فقال: ((هو الشفاعة)). وأخرج أبو نعيم والبيهقي، عن أبي هريرة، رفعه: ((المقام المحمود الشفاعة)، أي: الموعود ٣٨٣ الفصل الرابع ما اختصّ به عَئله من الفضائل والكرامات وسيأتي ما قيل في ذلك في ذكر تفضيله عليه الصلاة والسلام بالمقام المحمود إن شاء الله تعالى. ومنها أنه يعطى الشفاعة العظمى في فصل القضاء بين أهل الموقف، حين يفزعون إليه بعد الأنبياء، والشفاعة في إدخال قوم الجنة بغير حساب، وفي ربع درجات ناس في الجنة. كما جوّز النووي اختصاص هذه والتي قبلها به. بها في فصل القضاء، ولذا قال الرازي وغيره: الصحيح المشهور أنه الشفاعة، ولابن أبي حاتم عن سعيد بن هلال، أحد صغار التابعين أنه بلغه أن المقام المحمود يوم القيامة يكون بين يديّ الجبار، وبين جبريل، يضبطه بمقامه أهل الجمع، وهو مما زيّف أيضًا؛ لكن قال الحافظ: يمكن ردّه إلى القول بأنه الشفاعة، لأنه لما كان مقامه الذي يقوم فيه أقرب إليه من مقام جبريل، صار صفة للمقام المحمود الذي يشفع فيه ليقضي بين الخلائق. وقيل: هو إعطاؤه لواء الحمد، وقيل: ثناؤه على ربّه، (وسيأتي ما قيل في ذلك) مبسوطًا (في ذكر تفضيله عليه الصّلاة والسلام بالمقام المحمود إن شاء اللّه تعالى) في المقصد العاشر. (ومنها: أنه يعطى الشفاعة العظمى في فصل القضاء) بين أهل الموقف حين يفزعون إليه لما يطول عليهم الوقوف بعد إتيانهم الأنبياء: عادم، فنوح، فإبراهيم، فموسى فعيسى، (والشفاعة في إدخال قوم الجنّة بغير حساب) لما في الصحيحين: (فأرفع رأسي، فأقول: يا رب ◌ُمْتي، يا رَبّ ◌ُمتي، فيقال: أدخل من أُّتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة. وروى هناد، وابن منيع، والديلمي بسند جيّد، عن أبي هريرة، رفعه: ((سألت اللَّه الشفاعة الأُمّتي، فقال: لك سبعون ألفًا يدخلون الجنّة بغير حساب ولا عذاب، قلت: رب زدني، فحثى لي بيده مرّتين عن يمينه وعن شماله))، والظاهر أن المراد التكثير، لا خصوص العدد، وضرب المثل بالحثيات؛ لأن شأن المعطي الكريم إذا استزيد أن يحثي بكفيه بلا حساب، وربما ناوله بغير كف، وقال بعض: هذا كناية عن المبالغة في الكثرة، وإلا فلا كفّ ولا حثي. (وفي رفع درجات ناس في الجنّة كما جوّز النووي اختصاص هذه) به، ولم يذكر لذلك مستندًا، (والتي قبلها به))) وهي إدخال قوم الجنّة بغير حساب، وفيه: أنه لم يجوّزها، بل جزم بها، وعبارته للنبيّ عَ له: شفاعات خمس الشفاعة العظمى للفصل، وفي جماعة يدخلون الجنّة بغير حساب، وفي ناس استحقوا النار فلا يدخلونها، وفي ناس دخلوها فيخرجون منها، وفي رفع درجات ناس في الجنّة))، والمختص به الأولى والثانية، وتجوّز الثالثة والخامسة اهـ. وبحث بعض في إثبات الخصوصية، بتجويز النووي بما صرّحوا به أن الخصائص لا تثبت ٣٨٤ الفصل الرابع ما اختصّ به عَة من الفضائل والكرامات ووردت الأحاديث به في التي قبل، وسيأتي مزيد لذلك إن شاء الله تعالى في المقصد الأخير، والله المعين. ومنها: أنه صاحب لواء الحمد، يوم القيامة، عادم فمن دونه تحته. رواه البزار. ومنها: أنه أول من يقرع باب الجنة. روى مسلم من حديث المختار بن فلفل عن أنس قال: قال رسول الله عَّ ◌ُله: ((أنا أكثر الناس تبعًا يوم القيامة، باحتمال، (ووردت الأحاديث به في التي قبل،) وهي الشفاعة العظمى، (وسيأتي مزيد لذلك إن شاء اللَّه تعالى في المقصد الأخير) مع فوائد حسنة، (واللَّه المعين) لا غيره. (ومنها: أنه صاحب لواء الحمد) بالكسر والمد علمه، ورأيته (يوم القيامة،) وأضيف إلى الحمد الذي هو الثناء على اللَّه بما هو أهله؛ لأنه منصبه في الموقف، وهو المقام المحمود المختص به، والعرف جارٍ؛ بأن اللواء إنما يكون مع كبير القوم ليعرف مكانه، إذ موضوعه أصالة شهرة مكان الرئيس، وتنصب في القيامة مقامات لأهل الخير والشرّ، لكل متبوع لواء يعرف به قدره، وأعلاها مقام الحمد، فأعطي لأعظم الخلائق لواء الحمد، وفي أنه حقيقي وعند اللَّه علم حقيقته، أو معنوي، وهو انفراده بالحمد يومئذ، وشهرته على رؤوس الخلائق، به رأیان رجّح بعض الأوّل، وهو الأصل (ءادم فمن دونه،) أي: سواه (تحته، رواه البزار،) وأخرجه أحمد والترمذي، وقال: حسن صحيح، وابن ماجه، عن أبي سعيد، مرفوعًا: ((أنا سيّد ولد عادم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبيّ يومئذ عادم فمن سواه إلا تحت لوائي)) الحدیث. (ومنها: أنه أوّل من يقرع:) يطرق وينقر (باب الجنّة؛) كما قال عَّ له: ((أنا أوّل من يدقّ باب الجنّة، فلم تسمع الآذان أحسن من طنين الخلق على تلك المصاريع)، رواه ابن النجار، وجمع المصاريع باعتبار الأبواب، فإنه إذا قرع أعظمها، تحرّك الجميع، أو لتعدّد القرع، كأنّه تعدّدت المصاريع، أو إن في كل مصراع مصاريع اعتبارية. (روى مسلم) في الإيمان (من حديث المختار بن فلفل،) بضم الفاءين، ولامين، الأولى ساكنة مولى عمرو بن حريث، صدوق له أوهام، روى له أبو داود، والترمذي، والنسائي ومسلم، (عن أنس، قال: قال رسول اللَّه عَّ: ((أنا أكثر الناس) الذي رأيته في مسلم، وكذا نقله جمع من الحفاظ، عنه الأنبياء (تبعًا،) بفتح الفوقية، والباء الموحدة: جمع تابع، وفي القاموس وغيره: التبع محركة، يكون واحد أو جمعًا، ويجمع على اتباع ونصب على التمييز (يوم القيامة)) خصّه لأنه يوم ظهور ذلك الجمع، وهذا يوضحه خبر مسلم أيضًا: ((إن من الأنبياء من يأتي يوم القيامة ٣٨٥ الفصل الرابع ما اختصّ به عَّله من الفضائل والكرامات وأنا أول من يقرع باب الجنة وعنده أيضًا عن أنس قال عَ له: ((آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح فيقول الخازن، بك أمرت ما معه مصدّق غير واحد))، ولا يعارضه: ((وأرجو أن أكون أكثرهم تبعًا))، إمّا لأن رجاءه محقق الوقوع، أو قاله قبل أن يكشف له عن أُمّته ويراهم، ثم حققّ اللَّه رجاءه، فجزم به، (وأنا أوّل من يقرع باب الجنة)،) أي يطرقه للاستفتاح، فیکون أوّل داخل. (وعنده،) أي: مسلم (أيضًا) في كتاب الايمان من حديث ثابت (عن أنس، قال: قال ◌َ : ((آتي باب الجنّة) أي أجيء بعد الانصراف من الحشر والحساب إلى أعظم المنافذ التي توصل إلى دار الثواب، وهو باب الرحمة، أو باب التوبة، كما في النوادر، وعبّر بآتي دون أجيء للإشارة إلى أن مجيئه يكون بصفة من لبس خلعة الرضوان، فجاء على تمهّل وأمان من غير نصب في الإتيان؛ إذ الإتيان، كما قال الراغب مجيء بسهولة، والمجيء أعم، ففي إيثاره عليه مزية (يوم القيامة فاستفتح،) بسين الطلب، عبّر بها إيماء إلى القطع بوقوع مدخولها وتحقّقه، أي: أطلب فتحه بالقرع؛ كما في الأحاديث، لا بالصّوت. وفي رواية أحمد: ((آخذ بحلقة الباب»، والفاء للتعقيب إشارة إلى أنه قد أذن له من ربّه من غير واسطة خازن ولا غيره، وذلك أن من ورد باب كبير، وقف عادة حتى يستأذن له، فالتعقيب إشارة إلى أن ربّه صانه عن ذلّ الوقوف، وأذن له في الدخول ابتداء، بحيث صار الخازن مأموره، منتظرًا قدومه، (فيقول الخازن،) أي: الحافظ، وهو المؤتمن على ما استحفظه، وأل عهدية والمعهود رضوان، وخصّ مع كثرة الخزنة؛ لأنه أعظمهم، ومقدمهم، وعظيم الرسل إنما يتلقّاه عظيم الخزينة، (بك أمرت)) كذا في جميع ما رأيناه من نسخ المصنف، وفيه سقط منه أو من نساخه، فلفظ رواية مسلم: ((فيقول الخازن: من أنت؟، فأقول: محمّد، فيقول: بك أُمرت))، وقد ساقه المصنف في المقصد الأخير تامًّا، وإنما أجابه بالاستفهام، وأكّده بالخطاب تلذّذًا بمناجاته)، وإلاّ، فأبواب الجنة شفافة؛ كما في خبر، وهو العلم الذي لا يشتبه، والتمییز الذي لا يلتبس، وقد رآه رضوان الجنّة قبل ذلك، وعرفه أتمّ معرفة، ولذا اكتفى بقوله: ((فأقول محمّد)، وإن كان المسمّى به كثيرًا، ولا ينافي كون أبواب الجنّة شفافة. خبر أبي يعلى عن أنس، رفعه: ((أقرع باب الجنّة فيفتح لي باب من ذهب وحلقه من فضّة))؛ لأن ما في الدنيا لا يشبه ما في الجنّة إلاّ في مجرّد الاسم، كما في حديث: فلا مانع من كونه ذهبًا شفّافًا، ولم يقل أنا لإبهامه، مع إشعاره بتعظيم النفس، وهو سيّد المتواضعين، وهذه الكلمة جارية على ألسنة المتجبرين إذا ذكروا مفاخرهم وزهوا بأنفسهم. وقال ابن الجوزي: أنا لا تخلو عن نوع تكبر؛ كأنه يقول: أنا لا أحتاج إلى ذكر اسمي ولا نسبي، لسمو مقامي. ٣٨٦ الفصل الرابع ما اختصّ به عَّله من الفضائل والكرامات أن لا أفتح لأحد قبلك، وقال بعض المحقّقين: ذهبت طائفة من العلماء وفرقة من الصوفية إلى كراهية إخبار الرجل عن نفسه؛ بأنا تمسكًا بظاهر الحديث، حتى قالوا: إنها كلمة لم تزل مشؤومة على قائلها؟ كقول إبليس: أنا خير، وفرعون: أنا ربّكم، وليس كما قرّروا، بل الشؤم لما صحبه من الخير والربوبية، وأصابه الصوفية في دقائق العلوم والإشارات في التبري من الدعاوي الوجودية، لكن الذي أشاروا إليه بهذا راجع إلى معان تتعلّق بأحوالهم دون القول كيف، وقد ناقضهم نصوص كثيرة: ((إنما أنا بشر، أنا أوّل المسلمين، وما أنا من المتكلفين، أنا سيد ولد عادم، أنا أكثر الأنبياء تبعًا))، وغير ذلك. وقد قال النووي: لا بأس أن يقول أنا الشيخ فلان، أو القاضي فلان إذا لم يحصل التمييز إلاّ به، وخلا عن الخيلاء والكبر، والباء في قوله: ((بك)) متعلّقة بالفعل بعدها، وهي سبيّة، أي: بسببك أَمرت بالبناء للمفعول والفاعل اللَّه، (أن لا أفتح،) كذا في نسخ، وفي أخرى بدون أن، وهي التي وقفت عليها في مسلم. وذكره السيوطي في جامعيه بأن وتعقّبه شارحه بأن، الذي في نسخ مسلم الصحيحة المقروءة بلا أن (لأحد قبلك))) لا من الأنبياء ولا من غيرهم، إذ أحد في سياق النفي للعموم، فيفيد استغراق جميع الأفراد، وعلم منه أن طلب الفتح إنما هو من الخازن، وإلا لما كان هو المجيب، فإن قيل: لم طلب الفتح من الخازن، ولم يطلبه منها بلا واسطة، فإنه ورد عن الحسن، وقتادة وغيرهما: أن أبوابها يرى ظاهرها من باطنها وعكسه، وأنها تتكلّم وتكلّم وتعقل ما يقال لها انفتحي انغلقي، أجيب: بأن الظاهر أنها مأمورة بعد الاستقلال بالفتح والغلق، وأنها لا تستطيع ذلك إلا بأمر عريفها، المالك لأمرها بإذن ربّها، وإنما يطالب بما يراد من القوم عرفاؤهم، وحكمة اتّخاذ الخزنة للجنّة، مع أن الخزنة عرفًا إنما تكون لما يخاف ضياعه، أو تلفه أو نقصه، فيفوت كلّه، أو بعضه، أو وصفه على صاحبه، ولا يمكن ذلك في الجنّة، هي أن الغرض من تعيين الخزنة لها إنما هو مراعاة الداخلين إكرامًا لهم، فتقدم الخزنة لكل منهم ما أعدّ له من النعيم، ثم لا تعارض بين الحديث وبين قوله تعالى: ﴿جنات عدن مفتحة لهم الأبواب حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها﴾ الآية، ووجهه الرازي وغيره، بأنه يوجب السرور والفرح حيث نظروها مفتحة من بعد وفيه الخلاص من ذلّ الوقوف للاستفتاح لأن أبوابها تفتح أوّلاً بعد الاستفتاح من جمع، ويكون مقدّمًا بالنسبة إلى البعض، كما يقتضيه خبر: ((إن الأغنياء يدخلون الجنّة بعد الفقراء بخمسمائة عام))، والظاهر أنها لا تغلق بعد فتحها للفقراء، وأجيب، أيضًا بخمسة أجوبة غير هذا، نوقش فيها، وهذا أحسنها كما قال بعض المحقّقين. ٣٨٧ الفصل الرابع ما اختصّ به عَّله من الفضائل والكرامات ورواه الطبراني بزيادة فيه، قال: فيقوم الخازن فيقول: لا أفتح لأحد قبلك، ولا أقوم لأحد بعدك، وهذه خصوصية أخرى له عَّة وهي: أن خازن الجنة لا يقوم لأحد غيره عَّله، فقيامه له عَّه فيه إظهار لمزيته ومرتبته، ولا يقوم لأحد بعده، بل خزنة الجنة يقومون لخدمته وهو كالملك عليهم، وقد أقامه الله تعالى في خدمة عبده ورسوله حتى مشى وفتح له الباب. ومنها أنه يَّلِّ أول من يدخل الجنة، قال عليه الصلاة والسلام: ((أنا أول من يحرك حلق الجنة فيفتح الله لي فيدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين (ورواه الطبراني بزيادة فيه، قال: فيقوم الخازن فيقول: لا أفتح لأحد قبلك،) كما أَمرت، (ولا أقوم لأحد بعدك، وهذه خصوصيّة أخرى له عَّه، وهي أن خازن الجنّة لا يقوم لأحد غيره عَّة، فقيامه له فيه إظهار لمزيته ومرتبته، ولا يقوم لأحد بعده، بل خزنة الجنّة يقومون لخدمته،) أي: رضوان، (وهو كالملك عليهم، وقد أقامه اللّه تعالى في خدمة عبده ورسوله حتى مشى وفتح له الباب،) زيادة في إكرامه. (ومنها: أنه أوّل من يدخل الجنّة؛) كما في مسلم وغيره، واستشكل پإدريس حيث أدخل الجنّة بعد موته وهو فيها كما ورد، بأن السبعين ألفًا الداخلین بغير حساب يدخلون قبله، وبحديث أحمد في رؤيا النبي عَّه بلال سبقه في دخولها، وخبر أبي يعلى وغيره: ((أوّل من يفتح له باب الجنّة أنا، إلاّ أن امرأة تبادرني، فأقول: مالك؟، أو من أنت؟، فتقول: أنا امرأة قعدت علی یتامی)). وخبر البيهقي: ((أوّل من يقرع باب الجنّة عبد أدّى حقّ اللَّه وحقّ مواليه)، وأجيب بأن دخوله لل يتعدّد، فالدخول الأوّل لا يتقدّمه، ولا يشاركه فيه أحد، ويتخلّل بينه وبين ما بعده دخول غيره. وقد روى ابن منده في حديث، أنه كرّر الدخول أربع مرّات ونحوه في البخاري. وأمّا إدريس فلا يرد، لأن المراد الدخول التام يوم القيامة، وإدريس يحضر الموقف للسؤال عن التبليغ، وثمّ أجوبة أخرى هذا أظهرها، وسيكون لنا إن شاء الله تعالى عودة لمزيد الكلام على ذلك في المقصد الأخير. (قال عليه الصلاة والسلام: ((وأنا أوّل من يحرك حلق الجنّة،) بفتح اللام جمع حلقة، بسكونها على غير قياس، وقيل: فتحها لغة، فالجمع قياسي، ولأحمد والترمذي، عن أنس، مرفوعًا: ((أنا أوّل من يأخذ بحلقة باب الجنّة، فأقعقعها، (فيفتح اللَّه لي،) لا يخالف ما مرّ أن الفاتح رضوان لأن الفاتح الحقيقي هو اللَّه تعالى، وتولّى رضوان ذلك، إنما هو بأمره وإقداره وتمكيته، (فيدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين،) أي: يدخلون عقبه بسرعة، فكأنهم دخلوا معه. ٣٨٨ الفصل الرابع ما اختصّ به ◌َّ من الفضائل والكرامات ولا فخر)). رواه الترمذي. ومن خصائصه عَ لّ الكوثر، نهر في الجنة يسيل في حوضه مجراه على الدر والياقوت، ماؤه أحلى من العسل وأبيض من الثلج. وروى أبو داود عن أبي هريرة، مرفوعًا: (إن أبا بكر أول من يدخل الجنّة»، وأخرج أبو نعيم عن أبي هريرة، رفعه: ((أنا أوّل من يدخل الجنة ولا فخر، وأوّل من يدخل على الجنّة ابنتي فاطمة))، أي: من النساء)، ((وأبو بكر من الرجال))، فلا خلف. وروى ابن ماجه، وصححه الحاكم عن أُبيّ، مرفوعًا: ((أوّل من يصافحه الحق عمر، وأوّل من يسلم عليه، وأول من يأخذ بيده فيدخله الجنّة، (ولا فخر))،) أي: لا أفتحر بذلك، بل بمن أعطانيه، أو أقول ذلك شكرًا لا فخرًا، وهو ادعاء العظمة والمباهاة، (رواه الترمذي) عن ابن عباس في حديث، ساقه المصنّف بتمامه في المقصد العاشر. (ومن خصائصهدم الكوثر) كما قال تعالى: ﴿إنّا أعطيناك الكوثر﴾ الآية، ونقل المقترون فيه أقوالاً تزيد على عشرة، وأولاها قول ابن عباس: إنه الخير الكثير لعمومه لكن ثبت تخصیصه بالنهر من لفظه لآ، فلا معدل عنه. روى مسلم وغيره أنه ◌َّ قرأ ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ الآية، ثم قال: ((أندرون ما الكوثر))؟، قلنا: اللَّه ورسوله أعلم، قال: (إنه نهر وعدنيه ربي عليه خير كثير، وهو حوض ترد عليه أُمْتي يوم القيامة، آنيته عدد النجوم، فيختلج العيد منهم، فأقول: ربّ إنه من أَمّتي، فيقول: ما تدري ما أحدث بعدك)). ولأحمد أن رجلاً قال: يا رسول اللَّه! ما الكوثر؟، قال: «نهر في الجنّة أعطانيه ربي، لهو أشدّ بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل)، ولذا اقتصر المصنّف هنا على قوله: (نهر في الجنّة يسيل في حوضه،) كما في حديث البخاري، ولأحمد: ويفتح نهر الكوثر إلى الحوض (مجراه على الدر:) اللؤلؤ الكبار، (والياقوت،) وعند النسائي: ترابه النسك وحصاه اللؤلؤ والياقوت، (وماؤه أحلى من العسل، وأبيض من الثلج،) لعلّه سقط منه من اللبن، وأبرد من الثلج، فعند الحاكم من حديث أبي برزة: ((ماؤه أحلى من العسل، وأبيض من اللبن، وأبرد من الثلج، وألين من الزبد، أوانيه من فضّة). ولابن مردويه من حديث ابن عباس: ((حافتاه الزبرجد»، وفي حديث ثوبان: (لا يظمأ من شرب منه))، رواه ابن ماجه فالمختص به عبد الكوثر الذي يصب من مائه في حوضه، فإنه لم ينقل نظيره لغيره، وأن حوضه أكبر الحياض، وأكثر واردًا؛ كما قال ◌َ ال- (إن الكل بي حوضّاء وإنّهم يتباهون أيهم أكثر واردة، وإني أرجو أن أكون أكثرهم واردة»، رواه الترمذي، وفي أثر أن ٣٨٩ خصائص أمته عدات ومنها الوسيلة، وهي أعلى درجة في الجنة. خصائص أمته علي وأما خصائص أمته ێ. حوضه أعرض الحياض وأكثرها واردًا، قال القرطبي: وقول البكري المعروف بابن الواسطي: لكل نبيّ حوض إلاّ صالحًا، فحوضه ضرع ناقته، لم أقف على ما يدلّ عليه أو يشهد له، انتهى. (ومنها: الوسيلة)،) لما في مسلم مرفوعًا: ((إذا سمعتم المؤذن، فقولوا مثل ما يقول، ثم صلّوا عليّ، فإنه من صلى عليّ صلاة صلّى اللَّه عليه عشرًا، ثم سلوا اللَّه لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة، لا تنبغي إلّ لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الوسيلة حلّت عليه الشفاعة))، (وهي أعلى درجة في الجنّة؛) كما قال عَ ل: ((الوسيلة درجة عند اللَّه ليس فوقها درجة، قسلوا الله لي الوسيلة))، رواه أحمد. قال ابن كثير: الوسيلة علم على أعلى منزلة في الجنّة، وهي منزلة رسول اللّه عَلَّهِ، وداره في الجنّة، وهي أقرب أمكنة الجنّة إلى العرش، وقال غيره: فعيلة من وسل إذا تقرّب، وتطلق على المنزلة العلية؛ كما في الحديث؛ فإنها منزلة في الجنّة على أنه ممكن ردّها إلى الأوّل، فإن الواصل إلى تلك المنزلة قريب من اللَّه، فتكون كالقربة التي يتوسل بها، ولما كان عَ ◌ّه أعظم الخلق عبودية لربه، وأعلمهم به، وأشدّهم له خشية، وأعظمهم له محبّة، كانت منزلته أقرب المنازل إلى اللَّه، وأمر أَقّته أن يسألوها لينالوا بهذا الدعاء الزلفى وزيادة الإيمان، وأيضًا فاللَّه قدّرها لہ یاسیاب، منها: دعاء أُمّته له بما نالوه علی یده من الهدى. وأنا الفضيلة، فهي المرتبة الزائدة على سائر الخلائق، ويحتمل أنها منزلة أخرى، وتفسير الوسيلة. ولابن أبي حاتم عن عليّ: إن في الجنّة لؤلؤتين، إحداهما بيضاء، واسمها الوسيلة لمحقد ◌َّ وأهل بيته، والصفراء لإبراهيم وأهل بيته. قال ابن كثير: هذا أثر غريب، ذكره المصنّف في المقصد الأخير، وقال عبد الجليل القصري في شعب الإيمان: الوسيلة هي التوسّل به عَّة إلى الله، وذلك أنه في الجنّة بمنزلة الوزير من الملك يبغير تمثيل، لا يصل إلى أحد شىء إلاّ بواسطته، وهذا كما قال بعض: وإن كان حسنًا، لكنه تفسير الشىء بخلاف ما فسره به صاحبه على أنه يحتاج إلى توقيف. خصائص أُمّته له. (وأمّا خصائص أُمَّه ◌ِّر) في الدنيا والآخرة، أي: بعضها في الدارين لتركه كثيرًا فيهما، ٣٩٠ خصائص أمته عَّـ وزادها شرفًا، فاعلم إنه لما أنشأ سبحانه وتعالى العالم على غاية من الإتقان، وأبرز جسد نبينا معَّ للعيان، وظهرت عنايته بأمته الإنسانية، بحضوره وظهوره فيها، وإن كان العالم الإنساني والناري كله أمته، ولكن لهؤلاء خصوص وصف، فجعلهم خير أمة أخرجت للناس، وجعلهم ورثة الأنبياء، وأعطاهم الاجتهاد في نصب الأحكام، فيحكمون بما أدى إليه اجتهادهم. وكل من دخل في زمان هذه الأمة من الأنبياء عليهم السلام بعد نبيها عَ لَّهِ، كعيسى عليه السلام، (وزادها شرفًا،) والمراد أُمّة الإجابة، (فاعلم أنه لما أنشأ سبحانه وتعالى العالم على غاية من الإتقان، وأبرز جسد نبيتاء) أي: شخصه، وهو الصورة التي يُرى عليها (عَّ للعيان،) بكسر العين، (وظهرت عنايته:) رعايته واهتمامه (بأمّته الإنسانية،) بمعاملته لهم معاملة من يريد نفع غيره، (بحضوره وظهوره فيها،) عطف تفسير، (وإن كان العالم الإنساني والناري،) أي: عالم الجنّ (كلّه أَتَته،) لبعثه إليهم إجماعًا، (ولكن لهؤلاء،) أي العالم الإنساني (خصوص وصف؛) من إضافة الصفة للموصوف، أي: وصف خاص بهم لا يتجاوزهم إلى غيرهم وهو الخيرية المشار إليها بقوله: (﴿فجعلهم﴾) جواب لما دخلت عليه الفاء على قلّة، أو هو عطف على مقدر، أي: لما أنشأ العالم على ما ذكر، وخصّ الأمّة المحمديّة بصفة زائدة، ميّزهم على غيرهم، وفضّلهم، فجعلهم ((خير أُمّة أخرجت للناس، وجعلهم ورثة الأنبياء﴾ الآية)؛ كما قال ◌َِّ: ((العلماء ورثة الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلم))، رواه أبو داود والترمذي وأحمد وغيرهم، وصححه ابن حبان والحاكم وغيرهما. وأمّا خبر: ((علماء أُمْتي كأنبياء بني إسرائيل))، فقال الحافظ، ومن قبله الدميري والزركشي: لا أصل له، وسئل عنه الحافظ العراقي، فقال: لا أصل له، ولا إسناد بهذا اللفظ، ويغني عنه: (العلماء ورثة الأنبياء)، وهو صحيح، وأخرج ابن عدي وأبو نعيم والديلمي، عن النبي عَّه: (العلماء مصابيح الأرض وخلفاء الأنبياء، وورثتي وورثة الأنبياء))، (وأعطاهم الاجتهاد في نصب الأحكام) من الكتاب والسنّة وغيرهما، (فيحكمون بما أدّى إليه اجتهادهم،) ويؤجرون ولو أخطؤوا فيه، ولعلّ هذين من عطف بعض الأسباب على المسبب؛ لأن كونهم ورثة الأنبياء، وإعطاءهم الاجتهاد من أسباب الخيرية المبينة في الآية بقوله: ﴿تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون باللَّه﴾ الآية، وكان هذا هو الحامل على إدخال الأمرين في الخيرية، (وكل من دخل في زمان هذه الأمة من الأنبياء عليهم السّلام بعد نبيها عَِّ، كعيسى) عليه السّلام، فإنّه حين ينزل من هذه الأمّة اتّفاقًا مع بقائه على نبوّته، بل ذهب جمع من العلماء إلى أنه ٣٩١ خصائص أمته أو على تقدير دخوله كالخضر، فإنه لا يحكم في العالم إلا بما شرعه محمد عَ ه في هذه الأمة، فإذا نزل سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام فإنما يحكم بشريعة نبينا عَّةٍ بإلهام أو اطلاع على الروح المحمدي، أو بما شاء الله تعالى،. صحابي لاجتماعه بالنبي ◌َّه وهو حي، مؤمنًا به ومصدقًا، وكان اجتماعه به مرّات في غير ليلة الإسراء. روى ابن عساكر عن أنس: قلنا يا رسول الله! رأيناك صافحت شيئًا ولا نراه؟، قال: «ذاك أخي عیسی ابن مريم، انتظرته حتى قضى طوافه، فسلمت عليه)». وروى ابن عدي عن أنس: بينا نحن مع النبي ◌َّهُ إِذ رأينا بردًا ويدًا، فقلنا: يا رسول اللّه ! ما هذا البرد الذي رأينا واليد؟، قال: ((قد رأيتموه)؟، قلنا: نعم، قال: ((ذاك عيسى ابن مريم سلّم عليّ))، (أو على تقدير دخوله، كالخضر) على أنه نبيّ، وإلياس على أنهما باقيان، (فإنه لا يحكم في العالم إلاّ بما شرعه محمّد ◌ّ في هذه الأمّة،) لا بشرائعهم التي كانت قبله، (فإذا نزل سيّدنا عيسى عليه الصّلاة والسّلام، فإنما يحكم بشريعة نبيّنا عَلٍ)) ويكون وصولها إليه (بإلهام) لأحكامها، (أو اطّلاع على الروح المحمديّ،) فيخبره بشريعته، (أو بما شاء اللّه تعالى) من استنباطه لها من الكتاب والسنّة ونحو ذلك، وقد سئل السيوطي بأي طريق تصل أحكام شريعتنا إلى عيسى، فأجاب، بأن الأنبياء كانوا يعلمون في زمانهم بجميع شرائع من قبلهم، ومن بعدهم بالوحي من الله على لسان جبريل وبالتنبيه على بعض ذلك في الكتاب الذي أنزل عليهم وبأن عيسى ينظر في القرءان، فيفهم منه جميع أحكام هذه الملّة من غير احتياج إلى مراجعة الأحاديث؛ كما فهم النبي عَ ◌ّه ذلك من القرءان، فإنه قد انطوى على جميع أحكام الشريعة وفهمها نبيّنا بفهمه الذي اختصّ به، ثم شرحها لأمّته في السنّة، وإنهام الأُمّة تقصر عن إدراك ما أدركه صاحب النبوّة، وعيسى نبيّ، فلا بعد أن يفهم من القرءان كفهم النبيّ عَّله، وبأن عيسى معدود في الصحابة لأنه اجتمع بالنبيّ عَةُ غير مرّة، فلا مانع أنه تلقّى منه أحكام شريعته المخالفة لشريعة الإنجيل؛ لعلمه بأنه سينزل في أَمّته، ويحكم فيهم بشرعه، فأخذها عنه بلا واسطة، وإلى هذا أشار جماعة من العلماء. قال: ورأيت عبارة السبكي نصها: إنما يحكم عيسى بشريعة نبينا بالقرآن والسنة، فترجح أن أخذه السنة بطريق المشافهة بلا واسطة، وبأنه إذا نزل يجتمع بالنبي عَّه في الأرض، كما صرح به في أحاديث فلا مانع أن يأخذ عنه ما احتاج إليه من أحكام شريعته. واستدل السيوطي لكل واحد من هذه الأربع بما يطول ذكره، وذكر أنه اعترض عليه في الجواب الأول بلزوم أن القرآن مضمن في الكتب السابقة فأجاب بأنه لا مانع من ذلك، فقد دلت الأحاديث على ثبوت هذه اللازم، وقال تعالى: ﴿وإنه لتنزيل رب العالمين﴾ إلى قوله: ﴿وإنه لفي زبر الأولين﴾؛ ثم ساق أدلة ذلك في نحو ورثة، ثم قال: ٣٩٢ خصائص أمته مئێ. فيأخذ عنه ما شرع الله له أن يحكم به في أمته، فلا يحكم في شىء من تحريم وتحليل إلا بما كان يحكم به نبينا معَّه، ولا يحكم بشريعته التي أنزلت عليه في أوان رسالته ودولته، فهو تابع لنبينا معَّهِ. وقد نبه على ذلك الترمذي الحكيم في كتاب ختم الأولياء، وأعرب عنه صاحب ((عنقاء مغرب))، وكذا الشيخ سعد الدين التفتازاني في شرح عقائد النسفي إن السائل نفسه سأله ثانيًا: هل ثبت أن عيسى ينزل عليه الوحي بعد نزوله؟ فأجاب: نعم. روى مسلم وغيره أثناء حديث أوحى الله إلى عيسى أني قد أخرجت عبادًا من عبادي لا يدلك بقتالهم، فهذا صريح في أنه يوحى إليه بعد نزوله، والذي نقطع به أن الجائي إليه جبريل لأنه السفير بين الله وبين أنبيائه كما صرحت الآثار بذلك وساقها، ثم قال: وقد زعم أن عيسى إذا نزل لا يوحى إليه حقيقة بل وحي إلهام وهو ساقط مهمل لمنابذته لحديث مسلم وغيره، ولأن ما توهمه من تعذر الوحي الحقيقي فاسد لأنه نبي، فأي مانع من نزول الوحي إليه؟ فإن تخيل أنه ذهب منه وصف النبوّة فهو قول يقارب الكفر لأن النبوّة لا تذهب أبدًا ولا بعد موته، وإن تخيل اختصاص الوحي بزمن دون زمن فهو قول لا دلیل علیه، ویبطله ثبوت الدلیل علی خلافه، انتھی. (فيأخذ عنه ما شرع الله له أن يحكم به في أمته فلا يحكم بشىء من تحريم وتحليل إلا بما كان يحكم به نبينا عَّه ولا يحكم) عيسى (بشريعته التي أنزلت عليه في أوان رسالته ودولته فهو) أي عيسى تابع لنبينا عَّ. وقد نبه على ذلك الترمذي الحكيم) محمد بن علي من طبقة البخاري حافظ واعظ زاهد له تصانيف (في كتاب ختم الأولياء) أحد تصانيفه، (وأعرب) بمهملة بين (عنه صاحب عنقاء) بالمحد مجرور بالفتحة لا ألف التأنيث المدودة (مغرب) قال الدميري: طائر غريب يبيض بيضًا كالجبال ويبعد في طيرانه، وقيل سميت بذلك لأنه كان في عنقها بياض كالطوق، وقيل هو طائر يكون عند مغرب الشمي وأطال الدميري الكلام فيها، فعلى الأخير ميمه مفتوحة وعلى الأولين مضمومة، واقتصر عليه القاموس فقال: عنقاء مغرب بالرفع على الوصف وبالجر مضافه وهي بضم الميم، طائر معروف الاسم مجهول الجسم وهو اسم كتاب للعارف القطب محيي الدين بن علي بن محمد بن عربي الطائي الأندلسي، مات بدمشق سنة ست وثلاثين وستمائة، وعند الشعراوي كتابه هذا من الكتب التي لا يكاد يفهم العلماء منها معنى مقصودًا لقائله أصلاً لأنه لسان قدسي لا يعرفه إلا من تجرد عن هيكله من البشر. (وكذا الشيخ سعد الدين التغتازاني في شرح عقائد النسفي) أبي الفضل محمد بن محمد بن محمد ثلاية المعروف بالبرهان الحنفي له مختصر تفسير الرازي ومقدمة في الخلاف وتصانيف كثيرة في علم الكلام وغيره، وأجاز للبرزالي، وتوفي ٣٩٣ خصائص أمته معَّ وصحح أنه يصلي بالناس ويؤمهم ويقتدي به المهدي لأنه أفضل منه، فإمامته أولی، انتھی. فهو عليه السلام وإن كان خليفة في الأمة المحمدية، فهو رسول ونبي سنة سبع وثمانين وستمائة وهو متأخر عن النسفي عمر بن محمد صاحب التفسير والفتاوى وغيرهما. توفي سنة سبع وثلاثين وخمسمائة، وغير صاحب الكنز والمدارك والمنار وغيرها، واسمه عبد الله بن أحمد بن محمود وغير أبي المعين ميمون بن محمد، وكلهم حنفيون من نسف بفتح النون والسين المهملة وبالفاء مدينة بما وراء النهر. (وصحح أنه) أي عيسى (يصلي بالناس ويؤمهم) يصلي بهم إماماً ويقتدي به المهدي) محمد بن عبد الله الحسني الحسيني الخليفة الآتي آخر الزمان، وفي حديث ضعيف المهدي بعد المائتين (لأنه) أي عيسى (أفضل منه) أي المهدي (فإمامته أولى انتهى) كذا جزم به اعتماداً على تعليله وورد ما يشهد له في بعض الآثار وعورض بحديث الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه ◌َ}: «کیف أنتم إذا نزل ابن مريم فیکم وإمامکم منکم» ولمسلم أيضاً: « کیف بکم إذا نزل ابن مريم فيقال صل بنا فيقول: لا إن بعضكم على بعض أمراء تكرهه لهذه الأمة ولا حمد) ومن حديث جابر: فإذا هم بعيسى فيقال: تقدم، فيقول: ليتقدم إمامكم فليصل بكم، ولابن ماجه في حديث أبي أمامة وكلهم أي: المسلمین ببيت المقدس وإمامهم رجل صالح قد تقدم ليصلي بهم إذ نزل عيسى فرجع الإمام ینکص لیتقدم عیسی فیقف عیسی بین کتفيه ثم يقول: تقدم فإنها لك أقیمت. وروى أبو نعيم عن أبي سعيد مرفوعًا: ((منا الذي يصلي عيسى ابن مريم خلفه)) أي: منا أهل البيت. وجمع بأن عيسى يقتدي بالمهدي أولاً ليظهر أنه نزل تابعاً لنبينا حاكمًا بشرعه، ثم بعد ذلك يقتدي المهدي به على أصل القاعدة من اقتداء المفضول بالفاضل. قال ابن الجوزي: لو تقدم عيسى إماماً لوقع في النفس إشكال ولقيل أتراه تقدم نائباً أو مبتدئاً شرعًا فيصلي مأمومًا لئلا يتدنس بغبار الشبهة وجه قوله: (لا نبي بعدي))، وفي صلاة عيسى خلف رجل من هذه الأمة مع كونه في آخر الزمان وقرب قيام الساعة دلالة للصحيح من الأقوان أن الأرض لا تخلو عن قائم لله بحجة، وقيل معنى وإمامكم منكم أنه يحكم بالقرآن لا بالإنجيل كما في رواية لمسلم وإمامكم منكم، قال ابن أبي ذئب: معناه أمكم بكتاب ربكم وعليه لم يثبين أن عيسى إذا نزل يكون إمامًا أو مأمومًا لكن يعكر عليه رواية أحمد ومسلم فإنهما صريحتان لا يقبلان هذا التأويل، وقال أبو الحسن: ألا ترى في مناقب الشافعي تواترت. الأخيار أن المهدي من هذه الأمة وأن عيسى يصلي خلفه، ذكر ذلك رد الحديث ابن ماجه عن أنس ولا مهدي إلا عيسى (فهو عليه السلام وإن كان خليفة في الأمة المحمدية فهو رسول ونبي ٣٩٤ خصائص أمته ځ كريم على حاله، لا كما يظن بعض الناس أنه يأتي واحدًا من هذه الأمة، نعم هو واحد من هذه الأمة لما ذكر من وجوب اتباعه لنبينا عَّه والحكم بشريعته. فإن قلت: قد ورد في صحيح مسلم قوله عَ له: ((ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا مقسطًا، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية))، وأن الصواب في معناه: أنه لا يقبل الجزية، ولا يقبل إلا الإسلام أو القتل، كريم على حاله لا كما يظن بعض الناس أنه يأتي واحداً من هذه الأمة) بدون نبوّة ورسالة وجهل أنهما لا يزولان بالموت كما تقدم فكيف بمن هو حي؟ (نعم هو واحد من هذه الأمة) مع بقائه على نبوته ورسالته لما ذكر من وجوب اتباعه لنبينا عَّ ه والحكم بشريعته) لا بشرع الإنجيل لنسخه. (فإن قلت: قد ورد في صحيح مسلم) والبخاري أيضًا: فما هذا الإبهام، كلاهما عن أبي هريرة، (قولُه عََِّّ:) ((والذي نفسي بيده (ليوشكنّ،) بكسر المعجمة، أي: ليقربن، أي لا بدّ من ذلك سريعًا (أن ينزل فيكم،) أي: في هذه الأمّة، فإنّه خطاب لبعضها ممّن لا يدرك نزوله (ابن مريم حكمًا،) أي: حاكمًا (مقسطًا،) أي: عادلاً بخلاف القاسط، فهو الجائر، ولمسلم أيضًا: إمامًا مقسطًا، ولفظ البخاري: حكمًا عدلاً. وفي مسلم عن أبي هريرة، مرفوعًا: ((ينزل عيسى ابن مريم على المنارة البيضاء شرقي دمشق)، وفي الصحيحين عنه، رفعه: ((ينزل عيسى، فيقتل الدجال، (فيكسر الصليب) تفريع على عدله، أي: فبسبب عدله يكسره حقيقة، أو يبطل ما تزعمه النصارى من تعظيمه، (ويقتل الخنزير،) فيبطل دين النصرانية، وفيه تحريم اقتناء الخنزير، وتحريم أكله ونجاسته؛ لأن الشىء المنتفع به لا يشرع إتلافه، لكن في الطيراني الأوسط، بإسناد لا بأس به، عن أبي هريرة: ويقتل الخنزير والقرد، فلا يصحّ الاستدلال به على نجاسة عين الخنزير، لأن القرد ليس بنجس العين اتفاقًا، وفيه أيضًا تغيير المنكرات، وكسر آلة الباطل، زاد في رواية لمسلم: ((ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاد))، (ويضع الجزية،) وفي رواية: ((ويضع الحرب))، وبقية الحديث في الصحيحين: ((ويفيض المال حتى لا يقبله أحد حتى تكون السجدة الواحدة خير من الدنيا وما فيها))، ثم يقول أبو هريرة: اقرؤُوا إن شئتم ﴿وإن من أهل الكتاب إلاّ ليؤمنّن به قبل موته، ويوم القيامة يكون عليهم شهيدًا﴾ [النساء/١٥٩] الآية. قال الحافظ: والمعنى أن الذين يصيروا واحدًا، فلا يبقى أحد من أهل الذمّة يؤدي الجزية، وقيل: معناه يكثر المال، فلا يبقى من يمكن صرف مال الجزية له، فيترك الجزية استغناء عنها. وقال عياض: يحتمل أن المراد بوضعها تقريرها على الكفار من غير محاباة وتكون كثرة المال بسبب ذلك، وتعقبّه النووي، (و)قال: (أن الصواب في معناه؛ أنه لا يقبل الجزية، ولا يقبل إلاّ الإسلام، أو) يفعل (القتل) إن امتنعوا منه. ٣٩٥ خصائص أمته عند وهذا خلاف ما هو حكم الشرع اليوم، فإن الكتابي إذا بذل الجزية وجب قبولها ولم يجز قتله ولا إكراهه على الإسلام، وإذا كان كذلك، فکیف یکون عیسی عليه السلام حاكمًا بشريعة نبينا عَ لِّ؟. فالجواب: أنه لا خلاف أن عيسى عليه الصلاة والسلام إنما ينزل حاكمًا بهذه الشريعة المحمدية ولا ينزل نبي برسالة مستقلة وشريعة ناسخة، بل هو حاكم من حكام هذه الأمة. وأما حكم الجزية وما يتعلق بها فليس حكمًا مستمرًا إلى يوم القيامة، بل هو مقيد بما قبل نزول عيسى، وقد أخبر نبينا علّمه بنسخه، وليس عيسى عليه السلام هو الناسخ، بل نبينا عَّه هو المبين للنسخ، فدل على أن الامتناع في ذلك الوقت من قبول الجزية هو شرع نبينا عَّله. أشار إليه النووي في شرح مسلم. قال الحافظ: ويؤيّده رواية أحمد من وجه آخر، وتكون الدعوى واحدة، (وهذا خلاف ما هو حكم الشرع اليوم، فإن الكتابي إذا بذل) أي: أعطى (الجزية وجب قبولها، ولم يجز) بالزاي (قتله؛) لقوله تعالى: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد﴾ الآية، وفي نسخة: لم يجب بالباء بدل الزاي، وكأنه عبّر بها لمطابقة ظاهر الآية، فلا ينافي أنه لا يجوز قتله وعلى قاتله ديته؛ لأن ذلك ثبت بدليل آخر، (ولا إكراهه على الإسلام، وإذا كان كذلك، فكيف يكون عيسى عليه الصّلاة والسّلام حاكمًا بشريعة نبيّنا عَّه، فالجواب: أنه لا خلاف أن عيسى إنما ينزل حاكمًا بهذه الشريعة المحمديّة؛) لحديث عبد الله بن مغفل: ((ينزل عيسى ابن مريم مصدقًا بمحمّد على ملّته))، رواه الطبراني، (ولا ينزل نبي برسالة مستقلّة وشريعة ناسخة؛) لأن هذه الشريعة لا تنسخ، (بل هو حاكم من حكام هذه الأمّة؛) كقاض بين الخصوم بالملّة المحمدية. (وأمّا حكم الجزية وما يتعلق بها) من إقرارهم على إبقاء صليبهم وخنزيرهم ونحوهما حيث لم يظهروها، (فليس حكمًا مستمرًّا إلى يوم القيامة، بل هو مقيّد بما قبل نزول عيسى،) فوضعها بعد نزوله من شريعتنا. (وقد أخبر نبيّنا عَِّ بنسخه) بهذا الحديث، كما في العبارة النووي (وليس عيسى هو الناسخ، بل نبينا عَّهُ هو المبين للنسخ)، بقوله: ويضع الجزية، (فدلّ على أن الامتناع في ذلك الوقت من قبول الجزية، وهو شرع نبيّا عَّ) في ذلك الوقت لا قبله، (أشار إليه النووي في شرح مسلم)، ولخصّه الحافظ بأوجز عبارة، بقوله قال النووي معنى وضع الجزية، مع أنها ٣٩٦ خصائص أمه عملي فإن قلت: ما المعنى في تغيير حكم الشرع عند نزول عيسى عليه الصلاة والسلام في قبول الجزية؟. فأجاب ابن بطال: بأنا إنما قبلناها نحن لاحتياجنا إلى المال، وليس يحتاج عيسى عليه الصلاة والسلام عند خروجه إلى مال، لأنه يفيض في أيامه المال حتى لا يقبله أحد، فلا يقبل إلا القتل أو الإيمان بالله وحده، انتهى. وأجاب الشيخ ولي الدين ابن العراقي: بأن قبول الجزية من اليهود مشروعة في هذه الشريعة؛ أن مشروعيتها مقيّدة بنزول عيسى؛ كما دلّ عليه هذا الخبر، وليس عيسى بناسخ لحكمها، بل نبيّنا عَّ هو المبين للنسخ بقوله هذا. (فإن قلت: ما المعنى،) أي: السر والحكمة (في تغيير حكم الشرع عند نزول عيسى عليه الصّلاة والسّلام في) منع (قبول الجزية،) أهو تعبدي أم معقول المعنى، (فأجاب،) أي: فأقول في ذلك، أجاب: فلا حاجة للفاء لدخولها على ماض مترّف، وهو صالح لكونه جواب الشرط، ونقل البدر بن مالك جوازه، اعترض بأن ظاهره الإطلاق، وليس كذلك، بل الماضي المتصرّف، المجرّد ثلاثة أضرب: ضرب لا يجوز اقترانه بالفاء، وهو المستقبل الذي لم يقصد به وعد أو وعيد، نحو: إن قام زيد قام عمرو، وضرب يجب اقترانه بالفاء، وهو المستقبل الماضي لفظًا ومعنى، نحو: ﴿إن كان قميصه قدّ من قبل فصدقت﴾، وقدّ معه مقدرة، وضرب يجوز اقترانه بالفاء وهو المستقبل معنى، وقصد به وعد أو وعيد، نحو: ومن جاء بالسيئة فكبت، لأنه إذا كان وعدًا أو وعيدًا حسن أن يقدر ماضي المعنى، فعومل معاملة الماضي حقيقة، وقد نصّ أبوه على هذا التفصيل في شرح كافيته (ابن بطال) أبو الحسن عليّ في شرح البخاري، (بأنّا إنّا قبلناها نحن لاحتياجنا إلى المال، وليس يحتاج عيسى عليه الصّلاة والسّلام عند خروجه») أي: ظهوره ونزوله من السماء إلى الأرض (إلى مال لأنه يفيض،) بفتح أوّله، وكسر القاءه وى أضاد المعجمة، أي: يكثر (في أيامه المال حتى لا يقبله أحد؛) كما قال في الصحيحين» ولمسلم في رواية: وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد. قال الحافظ: وسبب كثرته نزول البركات بسبب العدل وعدم الظلم، وحينئذ تخرج الأرض كنوزها ويقلّ الراغب في اقتناء المال لعلمهم بقرب السّاعة، (فلا يقبل إلاّ القتل،) أي: لا يحكم إِنّ به، فعبّر بنفي القبول عن فعل القتل تجوّزًا، نحو: وزججن الحواجب والعيوناء (أو الإيمان بالله وحده، انتهى) جواب ابن بطال. (وأجاب الشيخ ولي الدين) أحمد (ابن العراقي؛ بأن قبول الجزية من اليهود ٣٩٧ خصائص أمته چچې والنصارى لشبهة ما بأيديهم من التوراة والإنجيل. وتعلقهم بزعمهم بشرع قديم، فإذا نزل عيسى عليه الصلاة والسلام زالت تلك الشبه بحصول معاينته، فصاروا كعبدة الأوثان في انقطاع شبهتهم وانكشاف أمرهم، فعوملوا معاملتهم في أنه لا يقبل منهم إلا الإسلام، والحكم يزول بزوال علته. قال وهذا معنى حسن مناسب لم أر من تعرض له. قال: وهذا أولى مما ذكره ابن بطال، انتهى. والنصارى لشبهة،) بالضم، أي: التباس (ما بأيديهم من التوراة والإنجيل) عليهم، فظنّوا بسبب الالتباس حقيّة ماهم عليه، (وتعلّقهم بزعمهم بشرع قديم،) وهذه الشبهة والتعلّق وإن كانا باطلين لقيام الأدلّة الواضحة على حقيّة الإسلام وبطلان ما سواه، لكنهم عذروا في الجملة لذلك، فاكتفى منهم بما دلّ على ذلّهم وانقيادهم لبعض أحكام الإسلام، قهرًا عليهم، (فإذا نزل عيسى عليه الصّلاة والسّلام زالت تلك الشبهة بحصول معاينته، فصاروا كعبدة الأوثان في انقطاع شبهتهم وانكشاف أمرهم، فعوملوا معاملتهم في أنه لا يقبل منهم إلاّ الإسلام والحكم يزول بزوال علّه،) وهذا أيضًا ملحظ جواب ابن بطال. (قال: وهذا معنى حسن مناسب لم أر من تعرض له، قال: وهذا أولى مما ذكره ابن بطال، انتهى،) وكان وجه أولويته، أنه مبني على علة معنوية معقولة دون جواب ابن بطال، وهو ظاهر في زوال شبهة النصارى بنزول. وأمّا زوالها عن اليهود بنزوله، فكأنّه لأنهم زعموا هم والنصارى بقاء شرعهما مع شريعة الإسلام، وفي الفتح قال العلماء: الحكمة في نزول عيسى دون غيره من الأنبياء للرد على اليهود في زعمهم أنهم قتلوه، فبيّّ اللَّه كذبهم؛ وأنه الذي يقتلهم، أو نزوله لدنو أجله ليدفن في الأرض، إِذ ليس لمخلوق من التراب أن يموت في غيرها، وقيل: إنه دعا اللَّه لما رأى صفة محمّد وأُمته أن يجعله منهم، فاستجاب الله دعاءه وأبقاه حتى ينزل في آخر الزمان مجدّدًا لأمر الإسلام، فيوافق خروج الدجال فيقتله، والأوّل أوجه. وفي مسلم عن ابن عمرو: أنه يمكث في الأرض بعد نزوله سبع سنين، وروى نعيم بن حماد في كتاب الفتن من حديث ابن عباس: أن عيسى إذ ذاك يتزوّج في الأرض، ويقيم بها تسع عشرة سنة، ويإسناد فيه مبهم عن أبي هريرة: يقيم بها أربعين سنة. وروى أحمد وأبو داود بإسناد صحيح، عن أبي هريرة مرفوعًا: «ينزل عيسى عليه السلام وعليه ثوبان ممصران، فيدقّ الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويدعو الناس إلى الإسلام، ويهلك اللَّه في زمانه الملل كلّها إلاّ الإسلام، وتقع الأمنة في الأرض حتى ترتع الأسود مع الإبل، وتلعب الصبيان بالحيات، فيمكث في الأرض أربعين سنة ثم يتوقّی ويصلّي عليه المسلمون»، انتهى. ٣٩٨ خصائص أمته قال ابن كثير: يشكل عليه خبر مسلم أنه يمكث في الأرض سبع سنين، اللَّهمّ إلاّ أن تحمل هذه السبع على مدّة إقامته بعد نزوله، وتكون مضافة إلى مكثه فيها قبل رفعه إلى السماء، وكان عمره إذ ذاك ثلاثًا وثلاثين سنة على المشهور، قال في مرقاة الصعود: وقد أقمت سنين أجمع بذلك، ثم رأيت البيهقي قال في كتاب البعث والنشور في هذا الحديث: إن عيسى يمكث في الأرض أربعين سنة، وفي مسلم من حديث عبد الله بن عمرو في قصّة الدجال: فيبعث اللَّه عيسى ابن مريم فيطلبه فيهلكه ثم يلبث الناس بعده سبع سنين، ليس بين اثنين عداوة. قال البيهقي: ويحتمل أن قوله: ثم يلبث الناس بعده، أي: بعد موته، فلا يكون مخالفًا للأوّل، انتهى، فترجّح عندي هذا التأويل من وجوه، أحدها: إن حديث مسلم ليس نصًّا في الإخبار عن مدّة لبث عيسى، وخبر أبي داود نصّ فيها، والثاني: أن ثم تؤيّد هذا التأويل، لأنها في التراخي. والثالث: قوله: يلبث الناس بعده، فيتّجه أن الضمير فيه لعيسى؛ لأنه أقرب مذكور، والرابع: أنه لم يرد في ذلك سوى هذا الحديث المحتمل، ولا ثاني له، وورد مكث عيسى أربعين سنة في عدّة أحاديث من طرق مختلفة، فحديث أبي داود، وهذا هو صحيح، وأخرج الطبراني، عن أبي هريرة مرفوعًا: ((ينزل عيسى ابن مريم، فيمكث في الناس أربعين سنة))، وأخرجٍ أحمد في الزهد عنه، قال: ((يلبث عيسى في الأرض أربعين سنة لو يقول للبطحاء سيلي عسلاً لسالت»، وأخرج في المسند، عن عائشة مرفوعًا في حديث الدجّال: ((فينزل عيسى فيقتله، ثم يمكث عيسى في الأرض أربعين سنة إمامًا عادلاً وحكمًا مقسطًا))، وورد أيضًا من حديث ابن مسعود عند الطبراني: فهذه الأحاديث المتعدّدة الصريحة أولى من ذلك الحديث الواحد المحتمل، انتهى. ويؤيّده أن حديث رفعه، وهو ابن ثلاث وثلاثين، إنما يروى عن النصارى، فعند الحاكم عن وهب بن منبه، قال: ((إن النصارى تزعم))، فذكر الحديث إلى أن قال: ((وإنه رفع وهو ابن ثلاث وثلاثين))، وفيه عبد المنعم بن إدريس كذّبوه، ولو صح، فهو عن النصارى كما ترى، والثابت في الأحاديث النبوية أنه رفع، وهو ابن مائة وعشرين. روى الطبراني والحاكم في المستدرك عن عائشة: أن النبيّ عَّ قال في مرضه الذي توفي فيه لفاطمة: ((إن جبريل كان يعارضني القرءان في كل عام مرّة، وإنه عارضني بالقرءان العام مرّتين، وأخبرني أنه لم يكن نبيّ إلاّ عاش نصف الذي قبله، وأخبرني أن عيسى ابن مريم عاش عشرين ومائة سنة، ولا أراني إلا ذاهبًا على رأس الستّين))، ورجاله ثقات وله طرق، وذكر ابن عساكر؛ أن وفاة عيسى تكون بالمدينة، فيصلّى عليه هنالك، ويدفن بالحجرة النبويّة، وروى الترمذي عن عبد الله بن سلام، قال: مكتوب في التوراة صفة محمّد وعیسی ابن مريم یدفن معه، ٣٩٩ خصائص أمته عَ ◌ّ وكذلك من يقول من العلماء بنبوة الخضر، واختلف في موته قبل رفعه لظاهر قوله تعالى: ﴿إِني متوفّيك﴾ [آل عمران/٥٥] الآية. قال الحافظ: وعليه إذا نزل إلى الأرض، ومضت المدّة المقدورة له يموت ثانيًا، وقيل: معنى متوفّيك رافعك من الأرض، فعليه لا يموت إلاّ في آخر الزّمان، وقال في موضع آخر: رفع عيسى وهو حيّ على الصحيح، ولم يثبت رفع إدريس وهو حي من طريق مرفوعة قويّة، انتهى. وفي الإصابة: عيسى ابن مريم بنت عمران رسول اللَّه، وكلمته ألقاها إلى مريم، ذكره الذهبي في التجريد مستدركًا على من قبله، فقال: رأى النبيّ عَّ ليلة الإسراء، وسلّم عليه، فهو نبيّ وصحابي، وهو آخر من يموت من الصحابة، وألغزه القاضي تاج الدين السبكي في قصيدته التي في أواخر القواعد له، فقال: من باتّفاق جميع الخلق أفضل من خير الصحاب أبي بكر ومن عمر ومن عليّ ومن عثمان وهو فتى من أمة المططفى المختار من مضر وأنكر مغلطاي على من ذكر خالد بن سنان في الصحابة، كأبي موسى المديني، وقال: إن ذكره لكونه ذكر النبيّ عَّله، فكان ينبغي له أن يذكر عيسى وغيره من الأنبياء، أو من ذكره هو من الأنبياء غيرهم، ومن المعلوم أنهم لا يذكرون في الصحابة، انتهى. ويتّجه ذكر عيسى خاصّة لأمور اقتضت ذلك، وهي رفعه حيًّا على أحد القولين، وأنه ينزل إلى الأرض، فيقتل الدجّال، وأنه يحكم بشريعة محمّد عَّله؛ فيهذه الثلاث يدخل في تعريف الصحابي، وهو الذي عليه عوّل الذهبي، انتهى كلام الإصابة. ويؤيّده اجتماعه بالمصطفى مرّات في غير ليلة الإسراء في الطواف وغيره؛ كما تقدّم قريبًا من رواية ابن عساكر وابن عدي عن أنس، ونقل السيوطي عن العلم القرافي؛ أنه تعقّب قول الناظم وهو فتى؛ بأنه إن كان عنى عيسى؛ فلا يطلق اسم الفتى على الأنبياء، إنما يسمّى به الصبيان والعبيد والخدم، وإن أراد إبراهيم ابن النبيّ عَّله، فلا يطلق عليه فتى، فقد نصّ الأزهري على أن الصبي لا يسمّى فتى حتى يراهق، وإن أراد الحسن فأبو بكر أفضل منه، فلو قال شخص بدل فتى صحّ على عيسى وعلى إبراهيم وعلى فاطمة؛ لحديث: ((فاطمة بضعة مني))، قال الملك: لا أفضل على بضعة من النبيّ عَّ أحدًا، انتهى. (وكذلك من يقول) وهم الجمهور؛ كما قال ابن عطيّة، والمازري، والبغوي، والقرطبي (من العلماء بنبوّة الخضر) قائلين: لأن قوله تعالى: ﴿وما فعلته عن أمري﴾ الآية، يدلّ على أنه نبيّ يوحى إليه، ولأن النبيّ لا يتعلّم ممّن هو دونه، ولأن الحكم بالباطن لا يطلع عليه إلاّ الأنبياء، ثم اختلفوا في أنه رسول أم لا؟، فقال الثعلبي: الخضر نبيّ بعثه اللَّه بعد شعياء، وقالت ٤٠٠ خصائص أمته وأنه باق إلى اليوم، فإنه تابع لأحكام هذه الملة. طائفة منهم القشيري: هو ولي، وأجابوا عن الآية باحتمال بعيد جدًا، هو: أن الله أوحى إلى نبيّ ذلك العصر، بأن يأمر الخضر بذلك، وهو بفتح الخاء، وکسر الضاد المعجمتین، وقد تسكن مع کسر الخاء، و کنیته أبو العباس. وفي الصحيحين، عن أبي هريرة مرفوعًا: ((إنما سمّي الخضر، لأنه جلس على فروة بيضاء، فإذا هي تهتز من تحته خضراء)). زاد عبد الرزّاق: الفروة الحشيش الأبيض وما أشبهها، قال عبد الله بن أحمد: أظنّ هذا تفسيرًا من عبد الرزاق، وبه جزم عياض، ويوافقه قول الحربي: الفروة من الأرض قطعة يابسة من حشيش، وقال ابن الأعرابي: الفروة أرض بيضاء، ليس فيها نبات، وبه جزم الخطابي ومن تبعه، وحكى مجاهد: أنه قيل له الخضر، لأنه كان إذا صلّى اخضرّ ما حوله، واختلف في اسمه واسم أبيه ونسبه، فالأصح الذي نقله أهل السير وثبت عن النبيّ ◌َّه؛ كما قال البغوي وغيره: أن اسمه بليا، بفتح الموحدة، وسكون اللام، فتحتية، فألف، وبخطّ الدمياطي في أوّل الاسم نقطتان، وقيل: کالأوّل بزيادة ألف بعد الباء، وقيل: اسمه الياس، وقيل: اليسع، وقيل: عامر، وقيل: ارميا بكسر أوله، وقيل بضمه وأشبعها بعضهم واوًا، وقيل: المعمر، وقيل: خضرون، وقيل غير ذلك این ملكان، بفتح الميم، وسكون اللام ابن فالغ بن عابر بن شالح بن أرفخشذ بن سام بن نوح، وعلى هذا فمولده قبل إبراهيم؛ لأنه يكون ابن عمّ جدّ إبراهيم. وحكى الثعلبي قولين في أنه كان قبل الخليل أو بعده، وروى الدارقطني عن ابن عباس، قال: هو ابن عادم الصلبه، قال الحافظ: وهذا ضعيف منقطع، وحكى أبو حاتم السختياني أنه ابن قابيل بن عادم، وقيل: ابن لملك بن عبد اللّه بن نصر بن الأزد، وقيل: ابن غاييل بن معمر بن عيصور بن إسحق بن إبراهيم، وقيل: الخضر بن فرعون صاحب موسى، وهو غريب جدًا، وقيل: ابن بنت فرعون، وقیل: کان أبوه فارسيًّا. وحكى السهيلي عن قوم أنه كان ملكًا من الملائكة وليس من بني عادم، قال النووي: وهو غريب ضعيف أو باطل، وقيل: إنه من ذريّة بعض من آمن بإبراهيم، وقيل: إنه الذي أماته اللَّه مائة عام، ثم بعثه، فلا يموت حتى ينفخ في الصّور، رواه الدارقطني وزاد: مدّ للخضر في أجله حتی یکذب الدجال. ونقل عبد الرزّاق عن معمر، قال: بلغني أن الخضر هو الذي يقتله الدجال ثم يحييه، (وأنه باقٍ إلى اليوم، فإنه تابع لأحكام هذه الملّة)) قال ابن الصّلاح: هو حيّ عند جمهور العلماء، والعامّة معهم في ذلك، وإنما شذّ بإنكاره بعض المحدثين، وتبعه النووي وزاد: وفي ذلك متّفق