النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
الفصل الرابع ما اختصّ به عَ من الفضائل والكرامات
ومن كذب عليه لم تقبل روايته أبدًا وإن تاب، فيما ذكره جماعة من المحدثين.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن رجل عن سعيد بن جبير أن رجلاً كذب
على النبي عَ لّه،
صحيحًا، فإن العدد المعيّن لا يشترط في المتواتر بل ما أفاد العلم كفى، والصفات العلية في
الرواية تقوم مقام العدد أو تزيد عليه كما قرّرته في نكت علوم الحديث وشرح النخبة، وبيّنت
هناك الردّ على أن من ادّعى أن مثال المتواتر لا يوجد إلاّ في هذا الحديث فأمثلته كثيرة؛
كحديث: (من بنى لله مسجدًا))، والمسح على الخفّين ورفع اليدين والشفاعة والحوض ورؤية
اللَّه في الآخرة والأئمة من قريش، وغير ذلك.
وأمّا ما نقله البيهقي عن الحاكم ووافقه أنه جاء من رواية العشرة، وليس في الدنيا حديث
أجمع العشرة على روايته غيره، فقد تعقّبه غير واحد؛ لكن الطرق عنهم موجودة فيما جمعه ابن
الجوزي فمن بعده، والصحاح منها عليّ، والزبير، والحسان، وطلحة، وسعد، وسعيد، وأبو عبيد.
ومن الضعيف المتماسك طريق عثمان وبقيتها ضعيف أو ساقط ويخالفه قوله: قبل، وصحّ أيضًا
في غير الصحيحين من حديث عثمان بن عفان، فإنّه قال: أولاً أنه في الصحيحين من حديث
عليّ، وأنس، وأبي هريرة، والمغيرة، والبخاري عن الزبير وواثلة بن الأسقع، وعبد الله بن عمرو بن
العاصي، ومسلم عن أبي سعيد، وصحّ أيضًا في غير الصحيحين عن طلحة وسعيد بن أبي زيد،
وأبي عبيدة، ومعاذ بن جبل، وعقبة بن عامر، وعمران، وسلمان، ومطوية، ورافع بن خديج، وطارق
الأشجعي، والسائب بن يزيد، وخالد بن عرفظة، وأبي أمامة، وأبي قرصافة، وأبي موسى، وعائشة؛
فهؤلاء ثلاثون من الصحابة. وورد أيضًا عن نحو خمسين غيرهم بأسانيد ضعيفة، وعن نحو
عشرين آخرين بأسانيد ساقطة، انتهى. وقد استبعد العراقي في شرح الألفيّة قول النووي: جاء عن
مائتين من الصحابة. قال السخاوي: ولعلّها تصحفت من ثمانين، وهذا أقرب من قول شيخنا: لعلّه
تصحفه من مائة، انتهى. ونقل بعض عن ابن دحية أنه جاء من أربعمائة طريق خلاف نقل الحافظ
عنه أزيد من تسعين وتبعه تلميذه السخاوي.
(ومن كذب عليه لم تقبل روايته) عطف علّة على معلول (أبدًا، وإن تاب) بخلاف
الكذب على غيره فتقبل إن تاب، (فيما ذكره جماعة من المحدثين؛) كالإمام أحمد
وعبد الله بن الزبير الحميدي شيخ البخاري وابن معين وغيرهم. (وقال عبد الرزّاق) بن همام
الصنعاني الثقة الحافظ المصنف الشهير: (أخبرنا معمر) بن راشد الأزدي مولاهم البصري نزيل
اليمن، ثقة، ثبت، (عن رجل) لم يسم (عن سعيد بن جبير) الأسدي مولاهم الكوفي ثقة ثبت
فقيه تابعي روايته عن عائشة وأبي موسى ونحوهما مرسلة قتل بين يدي الحجاج سنة خمس وتسعين
وله تسع وأربعون سنة وكونه من أواسط التابعين معلوم عند من له أدنى إلمام بالفن، فمن أين أ.
سياق المصنف يقتضي أنه صحابي، وليس كذلك. (أن رجلاً كذب على النبيّ عٌَّ) لفظ

٣٢٢
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّ من الفضائل والكرامات
فبعث عليًا والزبير وقال: إذهبا فإن أدركتماه فاقتلاه.
ولهذا حكى إمام الحرمين عن أبيه أن من تعمد الكذب على رسول الله عَ ليه
یکفر.
لكن لم يوافقه أحد من الأئمة على ذلك. والحق أنه فاحشة عظيمة وموبقة
كبيرة ولكن لا يكفر بها إلا إن استحله.
رواية عبد الرزاق عن سعيد، قال: جاء رجل إلى ناس من الأنصار، فقال: إن رسول اللَّه عَ لّه
أرسلني إليكم وزوّجني فلانة، (فبعث عليًّا والزبير، فقال: اذهبا فإن أدركتماه فاقتلاه،) وما
أراكما تدركانه فوجداه ميتا من لدغة حية، هذا بقية الحديث. قال البيهقي: وقد سمّي هذا
الرجل في رواية عطاء بن السائب عن عبد الله بن الحرث جدجد الجندعي، وكذا أخرجه ابن منده
عن عبد اللَّه بلفظ: أن جدجد الجندعي، فذكره وهو بجيمين مضمومتين بينهما دال ساكنة مهملة
صحابي كما في الإصابة. (ولهذا) الحديث (حكى إمام الحرمين عن أبيه) الشيخ أبي محمّد
الجويني، وكان الأولى أن يقول: ولذا قال الجويني كما حكاه ابنه إذ الحديث ليس علّة لحكاية
الإمام عن أبيه بل علّة لقول أبيه بذلك والخطب سهل (أن من تعمّد الكذب على
رسول اللَّه عَّةٍ يكفر، لكن) لا حجة في الحديث لضعفه إذ فيه راوٍ مبهم، أي: لم يسم مع أنه
مرسل وعلى تقدير صحته فهي قضيّة عينيّة يتطرّق إليها الاحتمال لكن ليس منه علمه بأنه كافرًا
صلّى لأنه صحابي كما رأيت، ولذا ضعف إمام الحرمين قول أبيه وضعفه من بعده أيضًا كما في
الفتح أيضًا، و(لم يوافقه أحد من الأئمّة على ذلك،) قال ابنه إمام الحرمين: لم أرَه لأحد من
الأصحاب وإنه هفوة عظيمة لكن في الفتح مال ابن المنير إلى اختياره، ووجّهه بأن الكاذب عليه
في تحليل حرام مثلاً لا ينفك عن استحلال ذلك الحرام أو الحمل على استحلاله واستحلال
الحرام كفر، والحمل على الكفر كفر، وفيما قاله نظر لا يخفى، والجمهور على أنه لا يكفي إلاّ
إن اعتقد حلّ ذلك، انتھی.
(والحقّ أنّه) أي: تعمّد الكذب عليه (فاحشة عظيمة) فلو تعمّد الكذب ولم يكن في
الواقع كذبًا بأن صادف الواقع لم يدخل في الوعيد؛ لأن إثمه من جهة قصده، (وموبقة) مهلكة
مصدر وبق (كبيرة، ولكن لا يكفر بها إلاّ إن استحلّه) قال بعض: وكلام الجويني محمول
على ذلك وفيه نظر إذ لو حمل على ذلك ما خالفه أحد، قال في الفتح: فإن قيل الكذب
معصية إلّ ما استثنى في الإصلاح وغيره والمعاصي قد توعد عليها بالنار، فما الذي امتاز به
الكاذب على رسول اللَّه عَّم من الوعيد على من كذب على غيره، فالجواب من وجهين،
أحدهما: إن الكاذب عليه عمدًا يكفر عند الجويني، ثم قال: الثاني إن الكذب عليه كبيرة

٣٢٣
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّةٍ من الفضائل والكرامات
وقال النووي: لم أر له في أصل المسألة دليلاً، ويجوز أن يوجه بأن ذلك جعل تغليظًا
وزجرًا بليغًا عن الكذب عليه عَّلّ لعظم مفسدته فإنه يصير شرعًا مستمرًا إلى يوم
القيامة بخلاف الكذب على غيره والشهادة، فإن مفسدتهما قاصرة ليست عامة.
ثم قال: وهذا الذي ذكره هؤلاء الأئمة ضعيف، مخالف للقواعد الشرعية:
والمختار القطع بصحة توبته وقبول روايته بعدها إذا صحت توبته بشروطها
المعروفة.
قال: فهذا هو الجاري على قواعد الشرع، وقد أجمعوا على صحة رواية من
کان کافرا فأسلم، قال: وأجمعوا
والكذب على غيره صغيرة، فافترقا ولا يلزم من استواء الوعيد في حقّ من كذب عليه أو كذب
على غيره أن يكون مقرّهما واحد، أو طول إقامتهما سواء؛ فقد دلّ قوله عَ لّه: ((فليتبوّ)) على طول
الإقامة فيها بل ظاهره أنه لا يخرج منها لأنه يجعل له منزلاً غيره لكن الأدلّة القطعيّة قامت على
أن خلود التأبيد مختصّ بالكافرين، وقد فرّق بين الكذب عليه وبين الكذب على غيره، بقوله:
(إن كذبا عليّ ليس ككذب على أحد»، وقال: ((فليتبوأ) أمر بمعنى الخبر أو التهديد أو التهكم أو
دعاء، أي: بوأه اللَّه ذلك. وقال الكرماني: يحتمل أنه على حقيقته والمعنى من كذب فليأمر
نفسه بالتبوّؤ ويلزم عليه كذا قال، وأوّلها أولاها فقد رواه أحمد بإسناد صحيح عن ابن عمر بلفظ:
(بنى له بيت في النار)). قال الطيبي: فيه إشارة إلى معنى القصد في الذنب وجزائه، أي: كما أنه
قصد في الكذب التعمّد فليقصد في جزائه التبوّأ.
(وقال النووي) في شرح مسلم: (لم أرَ له) أي: للقول بعدم قبول رواية الكاذب عليه إذا
تاب (في أصل المسألة دليلاً يعتدّ به وخبر ابن جبير ضعيف لا يعتدّ به وبفرضه يحتمل
التأويل، كما مرّ. (ويجوز أن يوجه بأن ذلك جعل تغليظًا وزجرًا بليغًا عن الكذب عليه عَّه
لعظم مفسدته فإنه) أي: الكذب عليه إذا قبل ونقل (يصير شرعًا مستمرًّا إلى يوم القيامة،
بخلاف الكذب على غيره والشهادة فإن مفسدتهما قاصرة ليست عامّة) صفة كاشفة، (ثم
قال: وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمّة) من عدم قبول روايته ولو تاب (ضعيف مخالف للقواعد
الشرعية) أن التوبة مقبولة، (والمختار القطع) الجزم (بصحة توبته وقبول روايته بعدها إذا
صحّت توبته بشروطها) وهي الإقلاع عن المعصية والندم على فعلها والعزم على أن لا يعود إليها
هذا حذفه من كلام النووي، وأبدله بقوله: (المعروفة، قال: فهذا هو الجاري على قواعد الشّرع)
دون ما قاله أولئك الأئمّة، (وقد أجمعوا على صحة رواية من كان كافرًا فأسلم، وأجمعوا

٣٢٤
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّ من الفضائل والكرامات
على قبول شهادته ولا فرق بين الرواية والشهادة في هذا.
قال شيخنا: ويمكن أن يقال: فيما إذا كان كذبه في وضع حديث وحمل
عنه ودوّن أن الإثم غير منفك عنه بل هو لاحق له أبدًا، فإن من سن سنّة سيئة
عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، والتوبة حينئذٍ متعذرة ظاهرًا وإن
وجد مجرد اسمها.
ومنها أنه يحرم نداؤه من وراء الحجرات. قال الله
على قبول شهادته، ولا فرق بين الرواية والشهادة في هذا، قال شيخنا) السخاوي في شرح
الألفية تعقّبًا على النووي: (ويمكن أن يقال فيما إذا كان كذبه في وضع حديث وحمل عنه
ودون أن الإثم غير منفك عنه بل هو لاحق له أبدًا، فإن من سنّ سنّة سيّئة عليه وزرها ووزر
من عمل بها إلى يوم القيامة، والتوبة حينئذ متعذرة ظاهرًا، وإن وجد مجرّد اسمها) فإنّما
تصح عند من قال بها بالنظر لإثم الكذب نفسه، لا لما ترتّب عليه وتولّد منه، قال - أعني
السخاوي -: ولا يستشكل بقبولها ممن لم يمكنه التدارك بردّ أو محالة، فالأموال الضائعة لها
مرد وهو بيت المال والأعراض قد انقطع تجدد الإثم بسببها فافترقا، وأيضًا فعدم قبول توبة
الظالم ربما يكون باعثًا له على الاسترسال والتمادي في غيّه فيزداد الضّرر به بخلاف الراوي فإنه
لو اتّفق استرساله فاسمه بالكذب مانع من قبول متجدّداته، وأيضًا فقبول توبته قد يشتهر عند من
حمل عنه كذبه فيبعثه على التمسّك بما رواه عنه، بل قال الذهبي: من عرف بالكذب على
الرسول لا يحصل لنا ثقة بقوله إني تبت، يعني كما قيل بمثله في المعترف بالوضع، وكما اتّفق
لزياد بن ميمون أنه تاب بحضرة ابن مهدي والطيالسي، وقال لهما: أرأيتما رجلاً يذنب فيتوب،
أليس يتوب اللَّه عليه؟ قالا: نعم، ثم بلغهما أنه نقل عمّن اعترف لهما بكذبه في سماعه منه
فأتياه، فقال لهما أيضًا: أتوب، ثم بلغهما أيضًا التحديث عنه فتركاه، أخرجه مسلم في مقدّمة
صحیحة، انتھی.
وقال شيخ الإسلام زكريا: وقد كنت ملت لما قاله النووي، ثم ظهر لي أن الأوجه ما قاله
الأئمّة لما مرّ، يعني من الفرق بين الرواية والشهادة، وهو أن الحديث حجّة لجميع المكلّفين
وفي جميع الأعصار، فكان حكمه أغلظ؛ لأن متعلّقها عام مبالغة في الزجر عن الرواية له بلا
اتّقان وعن الكذب فيه عملاً بقوله عَّهُ: ((إن كذباً عليّ ليس ككذب على أحد))، قال: ويؤيّده
قول أثمّتنا أن الزاني إذا تاب لا يعود محصنًا ولا يحد قاذفه. وأمّا إجماعهم على صحة رواية من كان
كافرًا فأسلم، فلنصّ القرءان على غفران ما سلف منه.
(ومنها: أنه يحرم نداؤه من وراء الحجرات،) أي: من خارج حجرات نسائه، (قال اللّه

٣٢٥
الفصل الرابع ما اختصّ به عَله من الفضائل والكرامات
تعالى: ﴿إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون﴾ إذ العقل
يقتضي حسن الأدب ومراعاة الحشمة، ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان
خيرًا لهم، أي: لكان الصبر خيرًا لهم، أي: لكان الصبر خيرًا من الاستعجال لما
فيه من حفظ الأدب وتعظيم رسول الله عَِّ الموجبين للثناء والثواب.
ومنها أنه يحرم الجهر له بالقول، قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا
ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي، ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم
لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون﴾ وقال ابن عباس لما نزل قوله تعالى: ﴿لا
ترفعوا أصواتكم﴾،
تعالى: ﴿إن الذين ينادونك من وراء الحجرات﴾،) بأن أتوها حجرة حجرة، فنادوه أو تفرّقوا
عليها متطلّبين له، لأنهم لم يعلموه بأيها (أكثرهم لا يعقلون) الآية، محلك الرفيع، وما يناسبه
من التعظيم، (إذ العقل يقتضي حسن الأدب ومراعاة الحشمة) عطف سبب على مسبب، (ولو
أنهم صبروا حتى تخرج إليهم، لكان خيرًا لهم، أي: لكان الصبر خيرًا من الاستعجال لما
فيه من حفظ الأدب، وتعظيم الرسول عَِّ الموجبين للثناء والثواب) وهذا نزل في وفد بني
تميم، وسبقت قصتهم في المقصد الأوّل، وفيه تسلية له عَُّّه، وتلميح بالصفح عنهم، خصوصاً
بقوله: ﴿والله غفور رحيم﴾ [الحجرات/٥] الآية.
(ومنها: أنه يحرم الجهر له بالقول، قال اللَّه تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا
أصواتكم﴾) إذا نطقتم (فوق صوت النبيّ) إذا نطق، (ولا تجهروا له بالقول﴾) إذا
ناجيتموه (﴿كجهر بعضكم لبعض﴾،) بل دون ذلك إجلالاً له، (﴿أن تحبط أعمالكم وأنتم لا
تشعرون﴾ الآية) أي: خشية ذلك بالرفع والجهر المذكورين.
روى البخاري عن ابن أبي مليكة، قال: كاد الخيران أن يهلكا أبو بكر وعمر لما قدم وفد
بني تميم، قال أبو بكر: أمر القعقاع بن معبد، وقال عمر: أمر الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر
لعمر: إنما أردت خلافي، فقال عمر: ما أردت خلافك، فارتفعت أصواتهما عند النبيّ عَّةِ،
فنزلت: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبيّ﴾ [الحجرات: ٢] الآية، إلى قوله: ﴿عظيم﴾
[الحجرات/٣] الآية.
قال ابن أبي مليكة، عن ابن الزبير: فكان عمر بعد إذا حدّث النبيّ عَّهِ، حدّثه كأخي
السرار، لم یسمعه حتی یستفهمه، ولم یذ کر ذلك عن أبيه، يعني أبا بكر.
(وقال ابن عباس: لما نزل قوله تعالى: ﴿لا ترفعوا أصواتكم﴾ الآية،(كان أبو بكر

٣٢٦
الفصل الرابع ما اختصّ به عَِّ من الفضائل والكرامات
كان أبو بكر لا يكلم رسول الله عٍَّ إلا كأخي السرار، وروي أنه عَ ◌ّهِ ما كان
يسمع عمر حتى يستفهمه مما يخفض صوته. وكان ثابت بن قيس بن شماس في
أذنه وقر، وكان جهوريًا، فلما نزلت تخلف عن رسول الله عَّله، فتفقده ودعاه
فقال: يا رسول الله! لقد أنزلت عليك هذه الآية وإني رجل جهير الصوت
فأخاف أن يكون عملي قد حبط، فقال عليه الصلاة والسلام: ((لست هناك، إنك
تعيش بخير وتموت بخير، وإنك من أهل الجنة))، قال أنس فكنا ننظر إلى رجل من
أهل الجنة يمشي بين أيدينا،
لا يكلّم رسول اللَّه عٍَّ إلا كأخي السرار.)
قال المصنّف: بكسر السين المهملة، أي: کصاحب السرار، أي: لا يرفع صوته إذا حدّثه،
بل يكلّمه كلامًا مثل المسارّة، وشبهها لخفض صوته.
قال الزمخشري: ولو أُريد بأخي السرار المسارر كان وجهًا، والكاف على هذا في محل
نصب على الحال، يعني: لأن التقدير حدّثه حديثًا مثل المسارّة، انتهى، فهو براءين، بينهما ألف،
كما في النسخ، ومثله في صحيح البخاري، كما رأيت وصحفه من قال السر، فأسقط منه الألف
والراء، وقال: أي كالأخ الذي يريد مسارة أخيه بما يريد كتمه، فلا يحب أن يطّلع عليه غيره،
فيخفى كلامه عند مخاطبته غاية الإخفاء، فهذا صحيح في نفسه، لكن ليس هو الرواية.
(وروي: أنه عٍَّ ما كان يسمع عمر حتى يستفهمه مما يخفض صوته) ما مصدرية، قال
الحافظ: وأمّا خبر ابن عباس وجابر في الصحيح أن نسوة كنّ يكلمن رسول اللَّه عَلَه، عالية
أصواتهنّ، فالظاهر أنه كان قبل النهي، ويحتمل أن علو الصّوت كان بالهيئة الاجتماعية، لا لانفراد
كل منهنّ، وقال غيره: إنه بعده، لكنهنّ لم يعلمن به، وردّ بأنه كان يجب عليه بيان الحكم
لهنّ، ولم ينقل، (وكان ثابت بن قيس بن شماس) خطيبه عَلّه، وخطيب الأنضار (في أذنه
وقْر) بسكون القاف: صمم، (وكان جهوريًّا،) أي: عالي الصّوت، (فلما نزلت، تخلف عن
رسول اللَّه عَّ(،) فقعد في بيته، وأغلق بابه، (فتفقّده) المصطفى، (ودعاه، فقال: يا رسول اللَّه!
لقد أنزلت عليك هذه الآية، وإني رجل جهير الصوت، فأخاف أن يكون عملي قد حبط،
فقال عليه الصلاة والسلام)) لست هناك)، أي: في ذلك الموضع الذي يحبط فيه العمل، والمعنى:
لست ممّن يحبط عمله، (إنك تعيشر بخير، وتموت بخير، وإنك من أهل الجنّة))).
وعند ابن سعد والدارقطني، فقال له عَ له: ((أما ترضى أن تعيش حميدًا وتقتل شهيدًا
وتدخل الجنّة))، وأخرجه ابن جرير، وقال في آخره: فعاش حميدًا وقتل شهيدًا.
(قال أنس: فكنّا ننظر إلى رجل من أهل الجنّة يمشي بين أيدينا،) وفي رواية: أظهرنا،

٣٢٧
الفصل الرابع ما اختصّ به عٍَّ من الفضائل والكرامات
فلما كان يوم اليمامة في حرب مسيلمة. رأى ثابت بعض الانكشاف وانهزمت
طائفة منهم فقاتل حتى قتل.
ومنها أنه معصوم من الذنوب كبيرها وصغيرها، وعمدها وسهوها
(فلما كان يوم اليمامة في حرب مسيلمة،) بكسر اللام الكذاب، (رأى ثابت) من بعض
المسلمين (بعض الانكشاف، وانهزمت طائفة منهم، فقاتل حتى قتل،) وظهر بذلك مصداق
خبره مَّة، وروى ابن أبي حاتم، قال أنس: فكنّا نراه يمشي بين أظهرنا، ونحن نعلم أنه من أهل
الجنّة، فلمّا كان يوم اليمامة، كان في بعضنا بعض الانكشاف، فأقبل، وقد تكفّن وتحتّط، فقاتل
حتى قتل.
وأخرج البخاري عن أنس أن النبيّ عَِّ افتقد ثابت بن قيس، فقال رجل: أنا أعلم لك
علمه، فأتاه، فوجده جالسًا في بيته منكسًا في رأسه، فقال: ما شأنك؟، فقال: شر كان يرفع
صوته فوق صوت النبيّ عَّهِ، فقد حبط عمله، وهو من أهل النار، فأتى الرجل النبي، فقال: إنه
قال كذا وكذا، فرجع المرّة الآخرة ببشارة عظيمة، فقال: اذهب إليه، فقل له إنك لست من أهل
النار، ولكن من أهل الجنّة)، وأخرجه مسلم من وجه آخر، عن أنس: سأل النبيّ ێ سعد بن
معاذ ما شأن ثابت اشتكى؟، فقال: إنه لجاري، وما علمت له شكوى، الحديث.
وروى ابن المنذر من طريق آخر عن أنس، فقال سعد بن عبادة: هو جاري، الحديث.
قال الحافظ: وهذا أشبه بالصواب لأن ابن عبادة من قبيلة ثابت، فهو أشبه أن يكون جاره
من ابن معاذ لأنه من قبيلة أخرى.
وقد استشكل بعض الحفاظ رواية مسلم بأن نزول الآية في سنة تسع، وموت ابن معاذ في
سنة خمس، ويمكن الجمع؛ بأن الذي نزل في قصّة ثابت مجرد رفع الصّوت، والذي نزل في
قصّة الأفرع أوّل الصورة، وهو ﴿لا تقدّموا بين يدي الله ورسوله﴾ الآية، وقد نزل قوله: ﴿وإن
طائفتان من المؤمنين اقتتلوا﴾ الآية، في قصّة عبد الله بن أبيّ بن سلّول قبل أن يسلم عبد اللَّه كما
في الصحيح، وإسلامه كان بعد بدر، وللطبري وابن مردويه، عن ثابت: لما نزلت هذه الآية، قعد
ثابت يبكي، فمرّ به عاصم بن عدي، فقال: ما يبكيك؟، قال: أتخوّف أن تكون نزلت فيّ،
فقال عَّاللّهِ: ((أما ترضى أن تعيش حميدًا)) الحديث، وهذا لا يغاير أن يكون الرّسول إليه من
ـب٣ سعد بن معاذ، انتهى، ولم يظهر لي جمعه المذكور مع ما في البخاري، كما مرّ أنها
النبى محمدلتهم
نزلت بسبب اختلاف العمرين فيمن يؤمره من القعقاع، أو الأقرع، وهما من وفد تميم، وقدومهم
سنة تسع.
(ومنها: أنه معصوم من الذنوب) بعد النبوّة وقبلها، (كبيرها وصغيرها، عمدها وسهوها،)

٣٢٨
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّةٍ من الفضائل والكرامات
وكذلك الأنبياء.
ومنها أنه لا يجوز عليه الجنون لأنه نقص، ولا الإغماء الطويل الزمن، فيما
ذكره الشيخ أبو حامد في التعليق، وجزم به البلقيني في حواشي الروضة، وكذلك
الأنبياء.
ونبه السبكي على أن إغماءهم يخالف إغماء غيرهم، وإنما هو ناشىء عن
غلبة الأوجاع للحواس الظاهرة دون القلب، لأنه قد ورد أنه إنما تنام أعينهم دون
قلوبهم، فإذا حفظت قلوبهم وعصمت من النوم الذي هو أخف من الإغماء، فمن
الإغماء
على الأصح في ظاهره وباطنه، سرّه وجهره، جدّه ومزحه، رضاه وغضبه، كيف، وقد أجمع
الصحب على اتباعه والتأسي به في كل ما يفعله، (وكذلك الأنبياء).
قال السبكي: أجمعت الأُمّة على عصمة الأنبياء فيما يتعلّق بالتبليغ وغيره من الكبائر،
وصغائر الخشّة، والمداومة على الصغائر، وفي صغائر لا تحط من رتبتهم، خلاف ذهب المعتزلة،
وكثير من غيرهم إلى جوازها، والمختار المنع لأنّا أمرنا بالاقتداء بهم فيما يصدر عنهم، فكيف
يقع منهم ما لا ينبغي، ومن جوّزه، لم يجوّزه، بنصّ ولا دليل، انتهى، أي: وإنما تمسّكوا بظواهر إن
التزموها أفضت بهم إلى خرق الإجماع، وما لا يقول به مسلم؛ كما بسطه عياض.
(ومنها: أنه لا يجوز عليه الجنون،) ولو قصر (لأنه نقص،) وهو لا يجوز على الأنبياء
لتأديته إلى النفرة عنهم، وعدم الانقياد إليهم، (ولا الإغماء الطويل الزمن فيما ذكره الشيخ أبو
حامد) الغزالي (في التعليق، وجزم به البلقيني في حواشي الرّوضة).
أمّا القصير، كلحظة أو لحظتين، فيجوز، صرّح به الداركي، والقاضي، وارتضاه الأسنوي،
(وكذلك الأنبياء) وإن لم يكونوا رسلاً، (ونبّه السبكي على أن إغماءهم يخالف إغماء
غيرهم، وإنّما هو ناشىء عن غلبة الأوجاع،) عطف عّة على معلول؛ كأنه قيل: لغلبة الأوجاع
(للحواس الظاهرة دون القلب،) بخلاف إغماء غيرهم، فيؤثر حتى في القلب، بحيث يصير
المغمى عليه لا شعور له، وهل الإغماء سهو يلحق الإنسان مع فتور الأعضاء، لعلّة أو امتلاء
بطون الدماغ من بلغم بارد غليظ، أو هو الغشى، وهو تعطيل القوى المحركة، والأوردة الحساسة
لضعف القلب، بسبب وجع شديد، أو برد، أو جوع مفرط أقوال، وإنما خالف إغماء غيرهم؛ (لأنه
قد ورد) في الصحيح؛ (أنه إنما تنام أعينهم دون قلوبهم، فإذا حفظت قلوبهم وعصمت من
النوم الذي هو أخفّ من الإغماء) لسرعة زواله، غايته أن يمنع الإدراك والمعرفة، (فمن الإغماء

٣٢٩
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّهِ من الفضائل والكرامات
بطريق الأولى.
قال السبكي: ولا يجوز عليهم العمى، لأنه نقص، ولم يعم نبي قط. وأما ما
ذكر عن شعيب أنه كان ضريرًا فلم يثبت، وأما يعقوب فحصلت له غشاوة وزالت،
انتھی.
وقال الرازي: في قوله تعالى: ﴿وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم﴾
لما قال: ﴿يا أسفي على يوسف﴾ غلبه البكاء، وعند غلبة البكاء يكثر الماء في
العين، فتصير العين كأنها ابيضت من بياض ذلك الماء، وقوله: ﴿وابيضت عيناه
من الحزن﴾ كأنه من غلبة البكاء، والدليل على صحة هذا القول: أن تأثير الحزن
في غلبة البكاء، لا في حصول العمى، فلما حملنا الابيضاض على غلبة البكاء
كان هذا التعليل حسنًا، ولو حملناه على العمى لم يحسن هذا التعليل، فكان ما
ذكرناه أولى.
بطريق الأولى) لاستيلائه على الحواس الظاهرة والباطنة استيلاء تامًّا، بحيث لا يزول إلاّ بعلاج،
وربما دام، فلا یفید علاجه.
(قال السبكي: ولا يجوز عليهم العمى لأنه نقص، ولم يعم نبي قط، وأما ما ذكر عن
شعيب؛ أنه كان ضريرًا، فلم يثبت،) وبفرض ثبوته وإنه حقيقي، فلا يضر، لأنه طارىء بعد
تحقّق النبوّة بالآيات، فلا يغير الاعتقاد فيهم، والكلام في المقارن لابتداء الأنباء، لأنه ينفر، فلا
تطمئنّ النفس بما جاؤوا به، (وأمّا يعقوب، فحصلت له غشاوة، وزالت، انتهى).
وقال القاضي عياض: الأنبياء منزّهون عن النقائص في الخلق، والخلق سالمون من
العاهات والمعائب، ولا التفات لما يقع في التاريخ من وقوع بعض العاهات في بعضهم، بل
نزّههم الله من كل عيب، وكل ما ينقص العيون، أو ينفر القلوب.
(وقال الرازي) الإمام فخر الدين (في) تفسير (قوله تعالى: ﴿وابيضّت عيناه من الحزن
فهو كظيم﴾ الآية، لما قال: ﴿يا أسفي على يوسف﴾ غلبه بالبكاء، وعند غلبة البكاء يكثر الماء
في العين، فتصير العين؛ كأنها ابيضّت من بياض ذلك الماء)،) أي: ولم يحصل له عمى، ولا
نقص إبصار، (وقوله: ﴿وابيضّت عيناه من الحزن﴾ الآية، كأنه من غلبة البكاء، والدليل على
صحة هذا القول أن تأثير الحزن في غلبة البكاء، لا في حصول العمى، فلما حملنا
الابيضاض على غلبة البكاء كان هذا التعليل حسنًا، ولو حملناه على العمى لم يحسن هذا
التعليل، فكان ما ذكرناه أولى).

٣٣٠
الفصل الرابع ما اختصّ به عَل من الفضائل والكرامات
ثم قال: واختلفوا، فقال بعضهم: إنه كان قد عمي بالكلية، فالله تعالى جعله
بصيرًا فى هذا الوقت، وقال آخرون: بل كان قد ضعف بصره من كثرة البكاء
والأحزان بحيث صار يدرك إدراكاً ضعيفًا، فلما ألقوا القميص على وجهه وبشر
بحياة يوسف عظم فرحه وانشرح صدره وزالت أحزانه، فعند ذلك قوي بصره وزال
النقصان عنه، انتهى.
ومنها أن من سبه أو انتقصه قتل.
واختلف هل يحتم قتله في الحال، أو يوقف على استتابته؟ وهل
قال البيضاوي: وفي الآية يغيل على جواز التأسف والبكاء عند التفتّع، ولعلّ أمثال ذلك
لا تدلّ تحت التكليف؛ فإنه قلّ من يملك نفسه عند الشدائد، ولقد بكى عَّه على إبراهيم، وقال:
((القلب يجزع والعين تدمع ولا نقول ما يسخط الربّ، وإنّا عليك يا إبراهيم لمحزونون، انتهى،
وذلك الجزع والحزن لما جبلوا عليه من الرحمة، ولا ينافي ذلك الرضا بالقضاء، فلا ينافي أن
الأنبياء عالمون بأن اللَّه فعال لما يريد، وقضاؤه كائن ويؤخذ منه أن الإنسان إذا أصيب بمصيبة،
لا يخرجه البكاء والحزن عن كونه صبرًا راضيًا إذا كان قلبه مطمئنًّا، بل قد يقال: إن من ينزعج
من المصيبة، ويعالج نفسه على الصبر والرضا أرفع رتبة ممن لا يبالي بوقوع المصيبة أصلاً، أشار
إلى ذلك ابن جرير، وأطال في بيانه، (ثم قال) الرازي: (واختلفوا، فقال بعضهم،) کمقاتل: (إنه
كان عمي بالكلية، فاللَّه تعالى جعله بصيرًا في هذا الوقت) الذي ألقى فيه القميص على
وجهه، (وقال آخرون: بل كان قد ضعف بصره من كثرة البكاء والأحزان، بحيث صار يدرك
إدراكًا ضعيفًا، فلما ألقوا القميص على وجهه،) وهو قميص إبراهيم الذي أتى به جبريل لإبراهيم
حين أُلقي في النار من حرير الجنّة، فلما مات أخذه إسحق، فلما مات أخذه يعقوب، فلمّا شبّ
يوسف، جعله يعقوب في قصبة من فضّة، وسدّ رأسها، وجعلها في عنقه، كالتعويذة لما يخاف
عليه من العين، وكانت في عنق يوسف حين أُلقي في الجب عريانًا، فأتاه جبريل، وأُخرج ذلك
القميص وألبسه إياه، فلما كان هذا الوقت أمره جبريل بإرساله لأبيه، وقال: إن فيه ريح الجنة،
ولا يلقى على مبتلى إلاّ عوفي؛ كما قاله مجاهد وغيره، وجزم به البغوي والجلال، (وبشّر بحياة
يوسف) من ابنه يهوذا جاءه بالقميص، وكان قد حمل قميص الدم، فأحبّ أن يفرحه، كما
أحزنه، (عظم فرحه، وانشرح صدره، وزالت أحزانه، فعند ذلك قوي بصره، وزال النقصان
عنه، انتھی) کلام الرازي.
(ومنها: أن من سبّه،) أي: شتمه (أو انتقصه،) بأن وصفه بما يعد نقصًا عرفًا، (قتل)
بإجماع، (واختلف هل يتحتم قتله في الحال، أو يوقف على استتابته) والامتناع منها، (وهل

٣٣١
الفصل الرابع ما اختصّ به عٍَّ من الفضائل والكرامات
الاستتابة واجبة أم لا؟
فمذهب الملكية: يقتل حدًا لا ردة: ولا تقبل توبته ولا عذره إن ادعي سهوًا
أو غلطًا، وعبارة شيخهم العلامة خليل في مختصره: وإن سب نبيًا أو ملكًا، وإن
عرض أو لعنه، أو عابه أو قذفه، أو استخف بحقه، أو غير صفته، أو الحق به نقصًا
وإن في دينه
الاستتابة واجبة، أم لا؟، فمذهب المالكية يقتل حدًا لا ردة)، بمعنى أنه يتحقّم قتله، ثم تارة
يكون مرتدًّا، وتارة لا، (ولا تقبل توبته) في إسقاط الحدّ عنه، كتوبة الزاني والسارق بعد بلوغ
الإمام، لا تفيدهما في عدم الحدّ، وليس المعنى أنه لا يقبل رجوعه للإسلام، إذ لا قائل به، (ولا
عذره إن ادّعى) وقوع ذلك منه (سهوًا، أو غلطًا، وعبارة شيخهم العلاّمة خليل) بن إسحق بن
موسى الجندي المجموع على فضله، وديانته، وتحقيقه، ثاقب الذهن، أصيل البحث، الفاضل
في المذهب، المشارك في الحديث، والعربية، والأصول، والفرائض، تخرج به جماعة فقهاء
فضلاء، وجمع بين العمل، والعلم، والإقبال على نشره مع الزهد والانقباض عن أهل الدنيا،
وحجّ وجاور بمكّة.
قال ابن فرحون: اجتمعت به في القاهرة، وحضرت مجلسه يقرأ في الفقه والحديث،
والعربية، وله تصانيف مفيدة، كمختصره الذي قصد فيه بيان المشهور، مجرّدًا عن الخلاف مع
الإيجاز البليغ، مات سنة ستّ وسبعين وسبعمائة، (وإن سبّ) مكلّف (نبيًّا أو ملكًا،) مجمعًا
على نبوّته وعلى ملكيته بدليل ذكره، بعد أنه يشدّد عليه الأدب في سب من لم يجمع على
نبوّته، أي: أو ملكيته، كالخضر، وخالد بن سنان، وهاروت وماروت، فلا يقبل سابهما على
المذهب خلافًا للقرافي، ثم المراد إجماع المسلمين، فلا عبرة بخلاف أهل الكتاب في بعضهم
كسليمن، فيقتل سابّه، (وإن عرض) بالسبّ بلا تصريح، (أو لعنه) بصيغة الفعل أو غيرها، (أو
عابه،) أي: نسبه للعيب، وهو خلاف المستحسن عقلاً، أو شرعًا، أو عرفّا في خلق أو خلق أو
دين، وهو أعم من السب، فإنّ من قال: فلان أعلم منه، فقد عابه ولم يسبّه، (أو قذفه) بنسبته
للزنا أو نفيه عن أبيه، (أو استخفّ بحقّه) كلا أبالي بنهيه عن كذا، (أو غير صفته) كأسود، أو
قصير، أو جبريل ينزل في صفة عبد أسود على النبيّ عَّهِ، (أو ألحق به نقصًا).
قال العلاّمة البساطي: ليست بجيدة، أي: لأن النقص لا يلحقه بإلحاقه، والأولى بدلها، أو
ذکر ما يدلّ على النقص في بدن أو دین، انتهى، کعمى، وعرج أو حكم بالهوى، وأجابوا عمّن
قال: إن كان ابن عمّتك بأن تركه، لأن الحق له في حياته، وليس لنا بعده تركه، (وإن في دينه)
كذا في كثير من نسخ المختصر، وهو الذي عند شارحه بهرام تلميذه، وتوقّف فيها محشيه

٣٣٢
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّةٍ من الفضائل والكرامات
أو خصلته أو غض من مرتبته أو وفور علمه أو زهده أو أضاف له ما لا يجوز
عليه، أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه على طريق الذم، أو قيل له: بحق رسول
الله، فلعن وقال أردت العقرب قتل - ولم يستتب ــ حدًا، إلا أن يسلم الكافر، وإن
ظهر أنه لم يرد ذمه لجهل أو سكر أو تهور.
العلامة محمّد بن غازي، فذكر أن أكثر النسخ وإن في بدنه وفي بعضها، وإن في دينه؛ وتأمل ما
يليق به الإغياء في كلامه، انتهى، (أو خصلته): طبيعته التي جبل عليها، كالكرم، (أو غضّ)، أي:
نقص (من مرتبته، أو) غضّ من (وفور علمه، أو زهده، أو أضاف،) أي: نسب (له ما لا يجوز
عليه،) كعدم التبليغ، (أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه) كنفي زهده؛ وأنه لم يكن حقيقيًّا، ولو
قدر على الطيبات أكلها، أو قال: ليس بمكي أو بحجازي؛ لأن وصفه بغير صفته المعلومة نفي له
وتكذيب، ومقصوده تعداد الألفاظ الموجبة للقتل، وقدّم نظير ذلك في الإقرار والطلاق، فلا
يعترض عليه بأن بعضها مكرّر، وبعضها يستغنى عنه بذكر غيره (على طريق الذم،) عائد لقوله:
أو غضّ من مرتبته، ولقوله: أو أضاف له، وقوله: أو نسب ... الخ، لكن مفهومه لا يعتمد، إذ هو
لا يعتبره، فالمعتمد المبالغة بعده، (أو قيل له: بحقّ رسول اللَّه) تفعل أو تقول كذا، (فلعن،
وقال: أردت العقرب) لأن اللَّه تعالى أرسلها إلى من تلدغه وساقها؛ كما في قوله تعالى:
﴿ويرسل الصواعق﴾ الآية، وهذا حقيقة الإرسال، وإنكاره مكابرة، لكنّه لا يقبل من قائله، لأن
رسول اللَّه إنما يراد به الأنبياء، ولا يخطر ببال أحد غيره، ولذا قال في الشفاء عن حبيب بن
الربيع؛ لأن ادعاءه التأويل في لفظ صراح لا يقبل، وهو غير معزر لرسول اللَّه عَّهِ، ولا موقر له،
فوجب إباحة دمه، انتهى.
(قتل) المسلم الكافر (ولم يستتب) أي: لا يطلب منه توبة، بل ولا يقبل منه من غير
طلب، ولو جاء تائبًا قبل الاطّلاع عليه على ظاهره لازدرائه، فهو حقّ عادمي، مبناه المشاحة،
بخلاف الزندیق کما قدّمه (حدًّا) إن تاب، أو أنکر ما شهد به علیه، ویغسل ویصلّی علیه، ويدفن
قابر المسلمين، وإلا قتل كفرًا بلا استتابة، ويدفن بمقابر الكفّار بدون غسل وصلاة، (إلّ أن
يسلم الكافر) فلا يقتل لأن الإسلام يجبّ ما قبله، والفرق بينه وبين المسلم، أنه زنديق لا تعرف
توبته، والكافر كان على كفره، فاعتبر إسلامه، ولم يجعل سبّه من جملة كفره، لأنّا لم نعطه
العهد على ذلك، ولا على قتل مسلم أو أخذ ماله، فإن قتل قتلناه، وإن كان يستحلّه في دينه،
وبالغ على قتل الساب، وإن كان كافرًا بقوله: (وإن ظهر أنه لم يرد) الساب (ذمّه)) أي:
المذكور من نبيّ أو ملك، (لجهل، أو سكر، أو تهوّر) في الكلام، وهو كثرته بلا ضبط، إذ
لا يعذر أحد في الكفر بذلك، وخرج بالمكلّف المجنون، وصغير لم يميّز، فلا يقتلان بالسب.

٣٣٣
الفصل الرابع ما اختصّ به عَةٍ من الفضائل والكرامات
وهذا قد ذكره القاضي عياض في الشفاء وغيره، واستدلوا له بالكتاب والسنّة
والإجماع:
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿إِن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في
الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابًا مهينًا﴾ [الأحزاب/٥٧]، واللعنة من الله هي إبعاد
الملعون عن رحمته وإحلاله في وبيل عقوبته، قال القاضي عياض: وإنما يستوجب
اللعن من هو كافر، وحكم الكافر القتل.
والأذى: هو الشر الخفيف، فإن زاد كان ضررًا، كذا قاله الخطابي وغيره.
وإطلاق الأذى في حقه تعالى إنما هو على سبيل المجاز لتعذر الحقيقة. ويشهد
لذلك الحديث الإلهي يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني،
أمّا المميّز، فإسلامه وردّته معتبران، فإن بلغ ولم يتب قتل، وإن تاب أو أنكر ما شهد به
عليه لم يقتل لوقوعه من غير مكلّف، وفي المدخل من قال في نبيّ من الأنبياء في غير التلاوة
والحديث عصى أو خالف فقد كفر، انتهى، ويتبادر منه أنه مرتدّ، ويحتمل أنه ساب.
(وهذا قد ذكره القاضي عياض في الشفاء) في أواخرها، (و)ذكره (غيره، واستدلّوا له
بالكتاب والسنّة والإجماع، أمّا الكتاب، فقوله تعالى: ﴿إِن الذين يؤذون اللَّه ورسوله﴾)
يرتكبون ما يكرهانه من الكفر والمعاصي، ويؤذون رسول اللَّه بكسر رباعيّته، وقولهم شاعر
مجنون، ونحو ذلك (﴿لعنهم الله في الدنيا والآخرة﴾،) أبعدهم (﴿وأعدّ لهم عذابًا مهينًا﴾)
ذا إهانة، وهو النار، فأطلق في الآية وعمّم، وقال: ﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير
ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانًا وإثمًا مبينًا﴾ الآية، فقيّد وشرط وغاير في الجزاء، (واللعنة من اللَّه
هي إبعاد الملعون عن رحمته وإحلاله في وبيل) بموحدة، فتحتية، أي: شديد (عقوبته) من إضافة
الصفة للموصوف، أي: عقوبته الشديدة.
(قال القاضي عياض: وإنما يستوجب اللعن،) أي: يستحقه وجوبًا (من هو كافر) وهذه
مقدّمة أولى من برهان منطقي على الحكم بقتله، (و)المقدمة الثانية هي (حكم الكافر القتل)
لأنه غير معصوم بالذات، وإنما عرض له ما يمنع من قتله، ومن كفر بسببه أشد من الكافر الأصلي،
فحتم قتله، (والأذى هو الشرّ الخفيف، فإن زاد كان ضررًا؛ كذا قاله الخطابي وغيره،
وإطلاق الأذى في حقّه تعالى، إنما هو على سبيل المجاز لتعذّر الحقيقة) إذ هو إيصال
المكروه، وهو لا يتصوّر في حقّه تعالى، لكنّه لما خولف أمره وارتكبت معاصيه، عدّ ذلك أذى له على ما
تعارفه الناس فيما بينهم، أو ذكر تهويلاً لأذية الرسول، وأن من يؤذيه، كمن يؤذي اللَّه، (ويشهد لذلك
الحديث الإلهي: (يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضرّي فتضرّوني))

٣٣٤
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّله من الفضائل والكرامات
وهذا بخلاف جانب الرسول.
فالأذى في حق الله تعالى وحق رسوله كفر بشهادة هذه الآية، لأن العذاب
المهين إنما يكون للكفار، وكذلك العذاب الأليم.
وقال تعالى: ﴿قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون، لا تعتذروا قد
كفرتم بعد إيمانكم﴾ [التوبة/٦٥]، قال القاضي عياض: قال أهل التفسير: كفرتم
بقولكم في رسول الله عطله.
وأما السنّة: فروى أبو داود والترمذي: أن رسول الله عٍَّ قال: ((من لنا بابن
الأشرف))، وفي رواية أخرى ((من لكعب بن الأشرف))، أي: من ينتدب لقتله ....
(وهذا بخلاف جانب الرسول،) فتارة يكون حقيقيًّا، كأذاه بما أصابه من كسر رباعيّته، وشجّ
وجهه؛ كما قاله ابن عباس وتارة مجاز أيضًا، كأذاه بارتكاب ما يكرهه (فالأذى في حق الله
تعالى وحقّ رسوله كفر بشهادة هذه الآية لأن العذاب المهين إنما يكون للكفّار) والمسلمون،
وإن عذّبوا بالنار، لكنّه بلا إهانة، فلا تسود وجوههم، ولا تزرق أعينهم، (وكذلك العذاب
الأليم) في آية: ﴿والذين يؤذون رسوله لهم عذاب أليم﴾ [التوبة/٦١] الآية، أي: مؤلم، وفيه مجاز
عقلي.
(وقال تعالى) في المنافقين الذين قالوا، وهو ذاهب إلى تبوك: أنظروا إلى هذا الرجل يريد
فتح الشام، هيهات، هيهات، ولئن سألتهم ليقولن إنما كنّا نخوض ونلعب (﴿قل أباللَّه وآياته
ورسوله كنتم تستهزؤون﴾) استفهام توبيخ على استهزائهم بمن لا يصحّ الاستهزاء به، وإلزامًا
للحجّة عليهم، (﴿لا تعتذروا﴾) باعتذاراتكم فإنها معلومة الكذب، ولا يعبأ باعتذار الكاذب،
(﴿قد كفرتم بعد إيمانكم﴾ الآية،) أي: ظهر كفركم بعد إظهار الإيمان.
(قال القاضي عياض: قال أهل التفسير كفرتم بقولكم في رسول الله عَّله) هو إذن، وفي
البيضاوي بإيذاء الرسول والطعن فيه.
(وأمّا السنّة،) فكثيرة، منها ما رواه الدارقطني والطبراني، عن عليّ، رفعه: ((من سبّ نبيًّا
فاقتلوه، ومن سبّ أصحابي فاضربوه))، وسنده ضعيف، لكن اعتضد بالإجماع، (فروي) جواب،
إما بتقدير فما روى أو جوابها محذوف، أي: فكثيرة، كما قدرت منها ما روى (أبو داود
والترمذي أن رسول اللَّه عَ لَّهِ، قال: ((من) يتكفّل (لنا بابن الأشرف))،) أي: بقتله.
(وفي رواية أخرى) عند ابن عائذ عن عروة: ((من لكعب بن الأشرف)))، بفتح الهمزة وسكون
المعجمة، وفتح الراء وبالفاء اليهودي حلفًا حالف بني النضير، (أي: من ينتدب لقتله)،

٣٣٥
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّله من الفضائل والكرامات
((فقد استعلن بعداوتنا وهجائنا))، وفي رواية ((فإنه يؤذي الله ورسوله)).
قال القاضي عياض: ووجه إليه من قتله غيلة دون دعوة، بخلاف غيره من
المشركين، وعلل بأذاه له، فدل على أن قتله إياه كان لغير الإشراك بل كان
للأذى.
وفي حديث مصعب بن سعد عند أبي داود: لما كان يوم الفتح أمَّن رسول
الله عَِّ الناس، إلا أربعة فذكرهم ثم قال: وأما ابن أبي سرح فاختباً عند عثمن بن
عفان،
أي: يتوجّه له، ((فقد استعلن) الفاء، تعليليّة، والسين للتأكيد، أي: أعلن (بعداوتنا) أو للطلب والباء
زائدة، أي: طلب إظهار عداوتنا حتى من غيره، (وهجائنا))) عطف سبب عن مسبّب.
(وفي رواية) في الصحيح عن جابر: ((من لكعب بن الأشرف، («فإنه يؤذي اللَّه
ورسوله))؛) لأنه أعلن سبّ الرسول وهجاءه، ورثى أهل القليب، وذهب إلى المشركين يحرّضهم
علیه.
(قال القاضي عياض: ووجّه إليه) أي: أرسل له، وأصله الإرسال لجهته (من قتله) وهو
محمّد بن مسلمة الأنصاري في أربعة، وتقدّمت القصّة في المغازي، (غيلة،) بكسر المعجمة،
وسكون التحتية، أي: خفية من غير شعور أحد، (دون دعوة) للإسلام، (بخلاف غيره من
المشركين،) مطلق الكفرة، فإنما يقتله بعد الدعوة والإنذار، (وعلّل) عَّ قتله (بأذاه له فدلّ
على أن قتله إياه كان لغير الإشراك) مطلق الكفر؛ لأنه يهودي، وورد الإشراك بهذا المعنى
أيضًا، (بل كان للأذى) للَّه رسوله، فدلّت قصّته على أن من سبّ النبيّ عَّ وآذاه من الكفار
يقتل.
(وفي حديث مصعب بن سعد) بن أبي وقّاص الزهري، المدني، التابعي، ثقة، روى له
الجميع، مات سنة ثلاث ومائة، (عند أبي داود،) عن مصعب، عن أبيه، لا أنه مرسل، كما
أوهمه المصنف.
قال سعد: (لما كان يوم الفتح أمَّن رسول اللَّه عَِّ الناس إلاّ أربعة فذكرهم) مفصلين،
فقال عكرمة، وابن خطل، ومقيس، وابن أبي سرح، وفي رواية الحويرث بدل عكرمة، واسم ابن
خطل عبد العزّى، فلما أسلم سمّي عبد اللَّه، ومن قال اسمه هلال، التبس عليه بأخ له اسمه
هلال؛ كما تقدّم بسطه في فتح مكّة؛ وأن جملة من أهدر دمه تسع رجال وست نسوة، (ثم
قال: وأمّا ابن أبي سرح،) عبد اللَّه بن سعد، (فأختبأ عند عثمن بن عفان) وكان أخاه من

٣٣٦
الفصل الرابع ما اختصّ به عَ له من الفضائل والكرامات
فلما دعا رسول الله عَّه الناس إلى البيعة جاء به حتى أوقفه على رسول الله عَ ليه
فقال: يا نبي الله بايع عبد الله فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثًا، كل ذلك وهو يأبى،
فبايعه بعد الثلاث، ثم أقبل عٍَّ على أصحابه فقال: أما كان فيكم رجل رشيد يقوم
إلى هذا حين كففت يدي عن بيعته فيقتله، قالوا: ما ندري يا رسول الله ما في
نفسك، إلا أومأت إلينا؟ قال: إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين.
وفيه: أنه أمر بقتل عبد الله بن خطل، لأنه كان يقول الشعر يهجو به
النبي عٍَّ ويأمر جاريتيه أن تغنيا به،
الرضاعة؛ كما في ابن إسحق، (فلما دعا رسول اللَّه عَِّ الناس إلى البيعة، جاء به) عثمن
(حتى أوقفه،) بالألف لغة قليلة، وأنكرها الأصمعي، وقال الجوهري: إنها رديئة، والكثير وقفة
(على رسول اللَّه عَلَّهِ، فقال) عثمن: (يا نبيّ اللَّه! بايع عبد اللَّه، فرفع رأسه، فنظر إليه) مليًّا،
أي: طويلاً (ثلاثًا كل) بالرفع (ذلك، وهو يأبى) أن يبايعه، (فبايعه بعد الثلاث، ثم) لمّا انصرف
به عثمن كما في ابن إسحق، (أقبل عَِّ على أصحابه، فقال:) ((أ(ما،) فهمزة الاستفهام مقدّرة،
(كان فيكم رجل رشيد)، نبيه، يفهم مرادي، (يقوم إلى هذا حين كففت يدي عن بيعته
فيقتله))) فالاستفهام لّوم على عدم قتله، وعند ابن إسحق: ((لقد صمت ليقوم إليه بعضكم
فيقتله)، (قالوا: ما ندري يا رسول اللَّه ما في نفسك ألا) بالفتح والتخفيف لمجرد التنبيه، نحو:
﴿ألا إن أولياء الله﴾ الآية، (أومأت) أشرت (إلينا) بحاجب أو يد، أو غيرهما، (فقال: ((إنه
لا ينبغي لنبيّ أن تكون له خائنة الأعين))،) هي الإيماء إلى مباح من نحو قتل أو ضرب، على
خلاف ما يظهر، سميت بذلك لشبهها بالخيانة لإخفائها، كما لو أومأ لقتله حين طلب عثمن
مبايعته، فإنه خلاف الظاهر من سكوته، وتجوز لغيره إلّ في محظور، وعليه قوله تعالى: ﴿يعلم
خائنة الأعين وما تخفي الصدور﴾ الآية، ففيه ذمّ النظر إلى ما لا يجوز؛ كما فشّره به ابن عباس
ومجاهد وغيرهما.
وفّره السدي والضحاك بالرمز بالعين، وقد كان عبد اللَّه بعد أن بايعه ممن حسن إسلامه،
ولم يظهر منه شيء ينكر عليه، وله المواقف المحمودة في الفتوح، وولاّه عمر صعيد مصرٍ، ثم
عثمن مصر كلّها، واعتزل الفتنة بعده، (وفيه) أي حديث مصعب (أنه أمر بقتل عبد الله بن
خطل) بفتح الخاء المعجمة، والطاء المهملة (لأنه كان يقول الشعر، يهجو به النبي عَّه،
ويأمر جاريتيه أن تغنّيا به) وفي الصحيح أنه عليه السّلام جاءه رجل، فقال: ابن خطل متعلّق
بأستار الكعبة، فقال: أقتلوه، زاد ابن حبان: فقتل.
وروى عمر بن شبة في كتاب مكّة عن السائب بن يزيد، قال: رأيت رسول اللَّه عَلَّه.

٣٣٧
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّلِ من الفضائل والكرامات
وكذلك قتل جاريتيه.
فقالوا: أنه قد ثبت أمره بقتل من آذاه، ومن تنقّصه، والحق له عليه السلام
وهو مخير فيه، فاختار القتل في بعضهم وعفا عن بعضهم وبعد وفاته تعذرت
المعرفة بالعفو، لعدم الاطلاع على العفو، وليس لأمته بعده أن يسقطوا حقه مع اليه
فإنه لم يرد عنه الإذن في ذلك. وهذا جعله في الشفاء.
وأما الإجماع: فقال القاضي عياض: أجمعت الأمة على قتل منتقصه من
المسلمين وسابه، قال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم
استخرج من تحت أستار الكعبة ابن خطل فضربت عنقه صبرًا بين زمزم ومقام إبرهيم، وقال عليه:
(لا يقتل قرشي بعد هذا صبرًا))، وأصح الروايات في تعيين قاتله أنه أبو برزة كما قدّمه المصنف
في فتح مكة تبعًا للحافظ.
(وكذلك قتل) مصدر مجرور، عطف على عبد اللَّه، أي: أمر بقتل (جاريتيه))) اللّتين كانتا
تغنيان بهجائه، وهما فرتنى، بفتح الفاء، وأسكان الراء، ففوقيّة، فنون مقصورة وقريبة، بقاف،
وموحدة، مصغر قتلت، وأسلمت فرتني، فلم تقتل؛ كما مرّ في الفتح، فلا يقرأ قتل فعلاً، للإخبار
بأنه قتلهما، لأنه خلاف الواقع، (فقالوا) في وجه الاستدلال: (أنه قد ثبت أمره بقتل من آذاه،
ومن تنقصه، والحقّ له عليه السّلام، وهو مخيّر فيه، فاختار القتل في بعضهم)، كابن خطل
ومقيس، (وعفا عن بعضهم،) كابن أبي سرج وعكرمة، (وبعد وفاته تعذّرت المعرفة بالعفو)
فبقي الحكم على عمومه في القتل، (لعدم الاطلاع على العفو، وليس لأمته بعده أن يسقطوا حقّه
عَُّ؛ فإنه لم يرد عنه الإذن في ذلك وهذا جعله في الشفاء) سؤالاً وجوابًا، وأطال في بيان
تفاصيله.
(وأمّا) مقامه (من المسلمين وسابّه) بالشتم الذي هو معنى السب، فليس إطنابًا، إذ
الانتقاص يشمل السبّ كما زعم ولكن في الاستدلال بهذا الإجماع على قتله إذا تاب لأن
محصله أنه يقتل فقط، والتوبة وعدمها لم يجمع عليه، وعياض نفسه لم يجعله دليلاً على ذلك،
وعبارته القسم الرابع في تصريف وجوه الأحكام فيمن تنقصه إلى أن قال: حرّم اللَّه أذاه في
كتابه، وأجمعت الأمة الخ ... وقيّد بالمسلمين للخلاف في الكافر، هل يقتل أو ينتقض عهده
ويبلغ مأمنه، وقد عقد عياض لذلك فصلاً بعد.
(قال ابن المنذر) أبو بكر محمد بن إبراهيم النيسابوري: (أجمع عوام) أي: جماعة (أهل
العلم:) جمع عامّة، والمتقدّمون يعبرون بهذه العبارة للعموم، فكأنه قيل: أجمع عموم، أي كل
العلماء، وليس المراد العامي، إذ لا عبرة بهم، ولا بإجماعهم، وأهل العلم ينادي عليه؛ لأن العامي

٣٣٨
الفصل الرابع ما اختصّ به عٍَّ من الفضائل والكرامات
على أن من سب النبي عَّةٍ يقتل، وممن قال ذلك: لملك بن أنس والليث وأحمد
وإسحق، وهو مذهب الشافعي، وقال الخطابي: لا أعلم أحدًا من المسلمين اختلف
في وجوب قتله إذا كان مسلمًا. وقال محمد بن سحنون: أجمع العلماء على أن
شاتم النبي عَّ المنقص له كافر، والوعيد جار عليه بعذاب الله وحكمه عند الأمة
القتل، ومن شك في كفره وعذابه کفر، انتهى.
ومذهب الشافعي: أن ذلك ردة، تخرج من الإسلام إلى الكفر، فهو مرتد
كافر قطعًا لا نزاع في ذلك عند الجمهور من أئمتنا، والمرتد يستتاب، فإن تاب
لا يكون أهل علم، (على أن من سبّ النبيّ عَّهُ يقتل، وممّن قال ذلك مدلك) بن أنس،
(والليث) بن سعد المصري، الإمام، المجتهد، المشهور، (وأحمد) بن حنبل، (وإسحق) بن
راهويه، (وهو مذهب الشافعي) المشهور عنه، وبعد هذا الإجماع يأتي الخلاف في تحتّم قتله
استتابته وقبولها، وهذا لم يفهمه من اعترض حكاية الإجماع بمذهب الشافعي.
(وقال الخطابي) حمد، بسكون الميم، ابن محمّد بن إبراهيم بن الخطاب، يقال أنه من
نسل زيد بن الخطّاب أخي عمر: (لا أعلم أحدًا من المسلمين اختلف في وجوب قتله إذا
كان مسلمًا،) ولم يتب، وإنما الخلاف في الكافر.
(وقال محمّد بن سحنون،) الإمام، ابن الإمام، الجامع لخلال قلّما اجتمعت في غيره
من الفقه البارع، والعلم بالأثر، والجدل، والحديث، والذب عن مذهب أهل الحجاز، كريمًا
في معاشرته، نفاعًا، مطاعًا، جوادًا بماله وجاهه، وجيهًا عند الملوك والعامة، جيّد النظر في
الملمات ألّف نحو مائتي كتاب في فنون العلم، تفقه بأبيه، وسمع من جماعة غيره بالمغرب
والمشرق، توفي سنة ست وخمسين ومائتين، وله أربع وخمسون، أو ستّ وخمسون سنة،
ودفن بالقيروان.
(أجمع العلماء على أن شاتم النبيّ عَُّ المنقص له،) لو عطفه كان أحسن (كافر
مرتدّ، والوعيد) في القرءان والسنّة، (جار عليه،) لشموله له (بعذاب الله) كقوله: ﴿لهم عذاب
أليم) الآية، (وحكمه عند الأمّة) أمة الإجابة كلّهم (القتل) إلاّ أن يتوب، فاختلفوا، (ومن شكّ
في كفره وعذابه كفر؛) لتكذيبه لقوله تعالى: ﴿والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم﴾
الآية، (انتهى).
(ومذهب الشافعي أن ذلك ردّة تخرج من الإسلام إلى الكفر فهو مرتدّ كافر قطعًا لا نزاع
في ذلك عند الجمهور من أئمتنا)، بل جميعهم وجميع غيرهم، إنما النزاع في قتله إذا تاب، (والمرتدّ
يستتاب، فإن تاب) قبلت توبته، ولم يجز قتله عند الشافعية، وأن تكرّرت ردّته، لكن

٣٣٩
الفصل الرابع ما اختصّ به علّله من الفضائل والكرامات
وإلا قتل.
وفي الاستتابة قولان: أصحهما وجوبها، لأنه كان محترمًا بالإسلام، وإنما
عرضت له شبهة، فينبغي إزالتها، وقيل: تستحب لأنه غير مضمون الدم، فإن قلنا
بالأول فتجب الإستتابة في الحال ولم يؤجل كغيره. وفي الصحيح من بدل دينه
فاقتلوه وفي قول: يمهل ثلاثة أيام، فإن لم يتب وأصر - رجلاً كان أو امرأة - قتل،
وإن أسلم صح الإسلام وترك لقوله تعالى: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا
الزكاة﴾ [التوبة/٥] الآية.
وعن ابن عباس: أيما مسلم سب الله أو سب أحدًا من الأنبياء فقد كذب
رسول الله عَّله وهي ردة يستتاب منها، فإن تاب وإلا قتل، وأيما معاهد
يعزر لزيادة تهاونه، ويتحّم قتله عند المالكية وطائفة، (وإلا) يتب (قتل، وفي الاستتابة قولان،
أصحهما وجوبهما؛ لأنه كان محترمًا بالإسلام، وإنما عرضت له شبهة) فأوقعته في الجناب
الرفيع، (فينبغي) أي: يجب (إزالتها) بعد الإسلام على الأصح، وفي وجه يناظر أولاً؛ لأن
الحجة مقدّمة على السيف.
(وقيل: تستحب) إزالتها (لأنه غير مضمون الدم) إذ لا يقتل قاتله حينئذ، (فإن قلنا
بالأول، فتجب الاستابة في الحال) أي: فورًا، (ولم يؤجل) ثلاثة أيّام (كغيره) من المرتدين.
(وفي الصحيح) للبخاري عن ابن عباس: أن النبيّ عَِّ، قال: ((من بدّل دينه،) أي:
انتقل من الإسلام لغيره بقول أو فعل، وأصرّ (فاقتلوه)،) بعد الاستتابة وجوبًا وخصّ عمومه بدين
الإسلام، فمن انتقل من كفر لآخر لم يقتل، (وفي قول يمهل) الساب (ثلاثة أيام، فإن لم يتب،
وأصرّ على الكفر، (رجلاً كان أو امرأة قتل) الرجل بإجماع، والمرأة عند الأئمة الثلاثة لأن
عموم من يشملها.
وقال أبو حنيفة: لا تقتل، لأن من الشرطية لا تعمّ المؤنث للنهي عن قتل النساء، فكما
لا تقتل في الكفر الأصلي، لا تقتل في الطارىء، (وإن أسلم صح الإسلام وترك لقوله تعالى:
﴿فإن تابوا، وأقاموا الصّلاة، وآتوا الزكاة) فخلّوا سبيلهم﴾ (الآية) والذين قالوا بتحتّم قتل
السابّ، وإن تاب خصّوا منها المسلم، إذا سبّه لأدلّة أخرى.
(وعن ابن عباس: ((أيما مسلم سبّ اللّه، أو سبّ أحدًا من الأنبياء، فقد كذب
رسول اللَّه، وهي ردّة يستتاب منها، فإن تاب وإلاّ قتل) وعجيب احتجاج المصنّف بهذا، وابن
عباس لم يرفعه، وهو مما يقال بالرأي وقول الصحابي ليس حجّة عند الشافعية، (وأيما معاهد

٣٤٠
الفصل الرابع ما اختصّ به مَّ من الفضائل والكرامات
سب الله أو سب أحدًا من الأنبياء فقد نقض العهد فاقتلوه.
وأجيب عما تقدم من أدلة الملكية:
فأما قوله: ﴿إِن الذين يؤذون الله ورسوله﴾ إلآية، فليس فيه إلا كفر مؤذيه
عليه السلام، وأما كونه يقتل فلا دلالة فيه أصلاً، وأما ابن خطل فإنما قتل ولم
يستتب للكفر والزيادة فيه بالأذى مع ما اجتمع فيه من موجبات القتل، ولأنه اتخذ
الأذى ديدنا، فلا يقاس عليه من فرط منه فرطة - وقلنا بكفره بها - وتاب ورجع
إلى الإسلام، فالفرق واضح. لكن وكذلك قتل جاريتيه لأنهما جعلا ذلك ديدنا مع
ما قام بهما من صفة الكفر.
سبّ اللَّه، أو سبّ أحدًا من الأنبياء، فقد نقض العهد، فاقتلوه))،) ظاهر قول ابن عباس
الإطلاق، فهو مذهبه، فتنزيله على مذهب الشافعية أو غيرهم لا يليق.
(وأجيب عمّا تقدّم من أدلّة المالكية، فأمّا قوله: ﴿إِن الذين يؤذون اللَّه ورسوله) الآية،
فليس فيه إلا كفر مؤذيه عليه السّلام، أمّا كونه يقتل) حتمًا، (فلا دلالة فيه أصلاً،) لكن قد
بيّ عياض وجه الدلالة من الآية على القتل بأن من لعنته في الدنيا القتل، بدليل قوله: ﴿ملعونين
أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلاً﴾ الآية، وقال في أذى المؤمنين ما دون القتل من الضرب
والنكال، فكان حكم مؤذي اللَّه ونبيّه أشدّ، وهو القتل.
(وأمّا ابن خطل فإنما قتل ولم يستتب للكفر والزيادة فيه بالأذى، مع ما اجتمع فيه من
موجبات القتل) كقتل مولاه المسلم حين خالفه في شىء أمره به، (ولأنه اتّخذ الأذى ديدنًا)
أي: عادة مستمرّة، ولم ينطق بالشهادتين عند الأمر بقتله، (فلا يقاس عليه من فرط منه فرطة،
وقلنا بكفره بها، وتاب ورجع إلى الإسلام) عطف تفسير (فالفرق واضح لكن) فيه أن وجه
الدلالة منه أنه كان أسلم، وبعثه النبيّ عَّهِ مصدقًا، ثم آذاه عليه السّلام، فأمر بقتله، وإن تعلّق
بأستار الكعبة، ولم يأتٍ في خبر أنه أمر باستتابته، مع أن استتابة المرتد واجبة، فدلّ على أن
مؤذيه يقتل بلا استتابه، على أن شيخنا قال: هذا الفرق لا يتمّ فيمن تكرّرت منه الردّة والعناد
مرارا كثيرة، (وكذلك قتل جاريتيه) أي: الأمر بقتلهما، والمقتول واحدة كما مرّ، (لأنهما جعلا
ذلك ديدنًا مع ما قام بهما من صفة الكفر) لا يرد على لملك، لأنه قال: يقتل الكافر أيضًا إذا
سبّه، ما لم يسلم، وهما كانتا كافرتين، فقتلت الباقية عليه، وتركت المسلمة، فهو حجّة للملك
لا علیه.