النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
الفصل الرابع ما اختصّ به عَُّلِّ من الفضائل والكرامات
والبزار من حديث ابن عباس.
ومنها أنه لا يجوز عليه الخطأ، كما ذكره ابن أبي هريرة والماوردي:
وذكره الحجازي في مختصر الروضة
الملائكة))، قالوا: وإيّاك؟، قال: ((وإياي، إلّ أن اللَّه أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير)،
ومعلوم عصمة الملائكة وإيمانهم، فإنما المراد الإخبار بمصاحبة الملك والجني لكل أحد،
فالجني يغوي بخلاف الملك، فقول بعض إسلام قرينه من الملائكة والشياطين لا معنى له
بالنسبة للملائكة، ولا دلالة في الحديث عليه، اللَّهمّ إلّ أن يريد بإسلام ملكه انقياده التام له،
وفيه ما فيه، (والبزار من حديث ابن عباس) رفعه: ((فضّلت على الأنبياء بخصلتين، كان
شيطاني كافرًا فأعانني اللَّه عليه فأسلم)، قال: ونسيت الأخرى، فحديث ابن عباس نصّ في
إيمانه.
وأمّا حديث ابن مسعود فروى بفتح الميم وضتها، أي: فأسلم أنا من فثته وكيده،
وصحح الخطابي رواية الرفع، ورجح عياض والنووي الفتح لقوله: ((فلا يأمرني إلا بخير)).
قال الدميري: وهو المختار، والإجماع على عصمته من الشيطان، وإنما المراد تحذير غيره
من فتنة القرين، ووسوسته وإغوائه، فأعلمنا أنه معنا لنحترز منه بحسب الإمكان، انتهى.
وقال غيره: اعترضت رواية بالضم؛ بأنه تعوّذ منه بقوله: وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان
عند الموت، أي يضرعني ويلعب بي، ويفسد ديني أو عقلي عند الموت؛ بنزعاته التي تزل بها
الأقدام وتصرع العقول، وقد يستولي على الإنسان حينئذ فيضلّه، أو يمنعه التوبة، أو يعوقه عن
الخروج عن مظلمة، أو يؤيسهٍ من الرحمة، أو يكره له الموت فيختم له بسوء، والعياذ بالله تعالى،
وأجيب بأنه إنما قاله تعليمًا لأَمَّته مَّهِ، فإن شيطانه أسلم، ولا تسلّط له ولا لغيره بحال، بل سائر
الأنبياء لا تسلّط لشياطينهم عليهم وإن لم يسلموا.
(ومنها: أنه لا يجوز عليه الخطأ) في اجتهاده، (كما ذكره ابن أبي هريرة،
والماوردي، وذكره الحجازي في مختصر الرّوضة) لأنه لا نبيّ بعده يستدرك خطأه، فلذا
عصم من بينهم، كذا في الشاميّة، وقال ابن السبكي: الصواب أن اجتهاده لا يخطىء تنزيهًا
لمنصب النبوّة عن الخطأ في الاجتهاد ومقتضى هذا التعميم، ثم هذا مبني على الصحيح عند
الأصوليين من جواز الاجتهاد له عَّ ووقوعه لقوله: ﴿ما كان لنبيّ أن تكون له أسرى حتى
يثخن في الأرض﴾ الآية، عفا اللَّه عنك لم أذنت لهم، فالعتاب لا يكون فيما صدر عن وحي،
وقيل: يمتنع اجتهاده لقدرته على اليقين بانتظار الوحي، وردّ بأن إنزاله ليس في قدرته، وثالثها
الجواز في الآراء والحروب فقط، والمنع في غيرها جمعًا بين الأدلّة.

٢٦٢
الفصل الرابع ما اختصّ به عَة من الفضائل والكرامات
وقال قوم: ولا النسيان، حكاه النووي في شرح مسلم.
ومنها أن الميت يسأل عنه عليه الصلاة والسلام في قبره، فعن عائشة أن
رسول الله عَّ قال: وأما فتنة القبر فبي تفتنون وعني تسألون، فإذا كان الرجل
الصالح أجلس، فيقال له ما هذا الرجل الذي كان فيكم؟ فيقول: محمد رسول
الله. الحديث رواه أحمد والبيهقي.
(وقال قوم: ولا النسيان، حكاه النووي في شرح مسلم،) ما لم يترتّب عليه تشريع،
كسلامه من ركعتين وصلاته الظهر خمساً.
(ومنها: أن الميّت يسأل عنه عليه الصّلاة والسّلام) إذا وضع (في قبره)، وتولّى عنه
أصحابه، واختلف في اختصاص فتنة القبر بهذه الأمّة، وجزم الحكيم الترمذي بالاختصاص، (فعن
عائشة: أن رسول اللَّه ◌َ له، قال:) ((أما فتنة الدجال، فإنه لم يكن نبيّ إلاّ وقد حذّر أُمّته،
وسأحذر كموه بحديث لم يحذره نبيّ أُمَته: إنه أعور، وإن اللَّه ليس بأعور، مكتوب بين عينيه
کافر، يقرؤه كل مؤمن.
(وأمّا فتنة القبر فبي تفتتون وعني تسألون، فإذا كان الرجل الصالح،) أي: المسلم
(أجلس) في قبره غير فزع، كما هو لفظ الحديث، (فيقال له: ما هذا الرجل الذي كان
فيكم؟، فيقول: محمّد رسول الله)) الحديث،) بقيته: ((جاءنا بالبينات من عند الله،
فصدقناه، فيفرج له فرجة قبل النار، فينظر إليها يحطّم بعضها بعضًا، فيقال له: انظر ما وقاك
اللَّه ثم يفرج له فرجة إلى الجنّة فينظر إلى زهرتها وما فيها، فيقال له: هذا مقعدك منها،
ويقال: على اليقين كنت وعليه متّ، وعليه تبعث إن شاء اللَّه؛ وإذا كان الرجل السوء
أجلس في قبره فزعًا، فيقال له: ما كنت تقول؟، فيقول: لا أدري، فيقال: ما هذا الرجل الذي
كان فيكم؟، فيقول: سمعت الناس يقولون قولاً، فقلت كما قالوا، فيفرج له فرجة من قبل
الجنّة، فينظر إلى زهرتها وما فيها، فيقال: انظر إلى ما صرف اللَّه عنك، ثم يفرج له فرجة
قبل النار فينظر إليها، يحطم بعضها بعضًا، ويقال له: هذا مقعدك منها على الشكّ كنت،
وعليه متّ، وعليه تبعث إن شاء اللَّه، ثم يعذّب))، (رواه) بتمامه الإمام (أحمد والبيهقيٍ،)
وروى الشيخان وأحمد، وغيرهم عن أنس؛ أنه عَِّ قال: ((إن العبد إذا وضع في قبره وتولّى
عنه أصحابه حتى إنه يسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان يقعدانه، فيقولان له: ما كنت تقول في
هذا الرجل محمّد؟، فأمّا المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد اللَّه ورسوله، فيقال: انظر إلى مقعدك
من النار، قد أبدلك اللَّه به مقعدًا من الجنّة، فيراهما جميعًا، ويفسح له في قبره سبعون
ذراعًا، ويملأ عليه خضرًا إلى يوم يبعثون.

٢٦٣
الفصل الرابع ما اختصّ به عَظله من الفضائل والكرامات
ومنها أنه حرم نكاح أزواجه من بعده، وقال الله تعالى: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾،
أي: هن في الحرمه كالأمهات، حرم نكاحهن عليهم بعده تكرمة له وخصوصية،
ولأنهن أزواج له في الآخرة، وهذا في غير المخيرات، فمن اختارت منهن الدنيا
ففي حلها للأزواج طريقان: أحدهما طرد الخلاف، والثاني: القطع بالحل واختاره
الإمام والغزالي.
وأزواجه اللاتي توفي عنهن محرمات على غيره أبدًا، وفي جواز النظر إليهن
وجهان: أشهرهما المنع، وثبت لهن حكم الأمومة في احترامهن وطاعتهن وتحريم
نكاحهن، لاقى جواز الخلوة بهن والنفقة عليهن والميراث.
وأمّا الكافر والمنافق، فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟، فيقول: لا أدري كنت
أقول ما يقول الناس، فيقال له: لا دريت، ولا تليت، ثم يضرب بمطراق من حديد ضربة بين
أذنيه، فيصيح صيحة، يسمعها من يليه غير الثقلين، ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه)).
(ومنها: أنه حرم نكاح أزواجه من بعده) بقوله تعالى: ﴿ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده
أبدًا﴾ الآية، و(قال الله تعالى: ﴿وأزواجه أمهاتهم) الآية، أي: هنّ في الحرمة)، أي: الاحترام
(كالأمهات) في استحقاق التعظيم والرعاية، ومن ذلك أنه (حرّم نكاحهنّ عليهم بعده تكرمة له
وخصوصيّة) له عليه الصّلاة والسّلام، حيث جعلن أُمّهات، والأمّ لا يحلّ نكاحها، (ولأنهنّ
أزواج له في الآخرة) بنصّه عَ ليه، ولا يليق بحرمته تزوّج امرأة يعلم عودها له، ولأن المرأة لآخر
أزواجها في الجنّة على أحد الأقوال، فنكاح غيره لها المقتضى، لكونها تكون لمن هو آخر،
يمنعه ما ثبت أنها تكون زوجًا له عليه السّلام في الجنّة، (وهذا في غير المخيرات، فمن
اختارت منهنّ الدنيا، ففي حلّها للأزواج طريقان، أحدهما: طرد الخلاف) الآتي في قوله:
﴿وفي التي فارقها في الحياة﴾ الآية، أوجه. (والثاني: القطع بالحلّ) بلا خلاف، (واختاره
الإمام،) أي: إمام الحرمين، (والغزالي،) وقال في الشرح الصغير أنه الأظهر، وإلا فلا معنى
للتخيير، واعتمد الرملي الحرمة ولو اختارت قبل الدخول، (وأزواجه اللاتي توفّي عنهنّ
محرمات على غيره أبدًا؛) كما قال اللّه تعالى، وهذا مستأنف بيانيًّا في جواب سؤال، تقديره
ما ذكر في زوجاته؛ هل يشمل من مات عنهنّ، ومن فارقهنّ في الحياة مدخولاً بهم، أم لا؟،
(وفي جواز النظر إليهنّ) ولو لشهادة أو مداواة (وجهان، أشهرهما المنع، وثبت لهن حكم
الأمومة في احترامهن وطاعتهن) فيما أمرن به، (وتحريم نكاحهن لاقى جوازه الخلوة بهنّ،)
فيحرم، (والنفقة عليهن) فلا تجب، (والميراث،) فلا توارث بينهن وبين الأجانب منهنّ، (ولا

٢٦٤
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّة من الفضائل والكرامات
ولا يتعدى ذلك إلى غيرهن فلا يقال بناتهن أخوات للمؤمنين على الأصح.
وقيل: إنما حرمن لأنه عليه السلام حي في قبره، ولهذا حكى الماوردي أنه لا
يجب عليهن عدة الوفاة.
وفي التي فارقها في الحياة - كالمستعيذة - والتي رأى بكشحها بياضًا -
أوجه: أحدها، يحرمن أيضًا، وهو الذي نص عليه الشافعي وصححه في الروضة،
لعموم الآية، إذ ليس المراد بمن بعده بعدية الموت، بل بعدية النكاح.
وقيل: لا. والثالث وصححه إمام الحرمين والرافعي في الصغير: تحريم
المدخول بها فقط، لما روي أن الأشعث بن قيس نكح المستعيذة في زمن عمر،
فهم عمر برجمه
يتعدّى ذلك) التحريم (إلى غيرهن، فلا يقال بناتهن أخوات للمؤمنين على الأصح) لأنه يعدّ.
أنكح عثمن وعليًّا بناته، ولا لأمهاتهن جدّات المؤمنين على قياسه، وإلاّ لزم أن كل من نكحها
حرمت أُتّها على زوجها.
(وقيل: إنما حرمن، لأنه عليه السّلام حيّ في قبره،) ويكون حاله عند صاحب ذا القيل
كالنائم، وهذا مقابل قوله تكرمة له وخصوصيّة؛ لأنه يفيد انقطاع نكاحه بموته، وهذا يفيد أنه لم
ينقطع، (ولهذا حكى الماوردي) وجهًا للشافعية (أنه لا يجب عليهنّ عدة الوفاة) لحياته ومثله
يقال في غيره من الأنبياء على قياسه، وذكر الخطابي عن ابن عيينة أنهن في معنى المعتدّات،
فلهنّ سكنى البيوت ما عشن، وَلا يملكن رقابها، (وفي) الزوجات (التي فارقها في الحياة،)
وقدّرنا ذلك لقوله الآتي: أحدها يحرمن، ولا يضر وصف الجمع بالمفرد، لأن جمع الإناث
وما لا يعقل، يجوز وصفه بالمفرد، ولهم فيها أزواج مطهرة، (كالمستعيذة) التي قالت: أعوذ
باللَّه منك، (والتي رأى بكشحها بياضًا) أي: برصًا فردّها، وقال: ((دلستم عليّ))، (أوجه،
أحدها: يحرمن أيضًا، وهو الذي نصّ عليه الشافعي، وصححه في الرّوضة لعموم الآية،) ولا
أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدًا، (إذ ليس المراد بمن بعده بعدية الموت) فقط، (بل بعدية
النكاح، وقيل: لا) يحرمن مدخولاً بها أم لا على ظاهر هذا الوجه، لكن في شرح البهجة الجزم
بعدم حلّ المدخول بها.
(والثالث: وصححه إمام الحرمين والرافعي في) الشرح (الصغير) على وجيز الغزالي:
(تحريم المدخول بها فقط،) وحلّ من لم يدخل (لما روي أن الأشعث بن قيس) بن معد
يكرب الكندي، صحابي نزل الكوفة، ومات سنة أربعين أو إحدى وأربعين، وهو ابن ثلاث
وستّين، (نكح المستعيذة في زمن عمر بن الخطّاب، (فهمّ عمر برجمه،) بناء على أن نكاحها

٢٦٥
الفصل الرابع ما اختصّ به عٍَّ من الفضائل والكرامات
فأخبر بأنها لم تكن مدخولاً بها فكف.
وفي أمة فارقها بعد وطئها أوجه ثالثها: تحرم إن فارقها بالموت - كمارية -
ولا تحرم إن باعها في الحياة، انتهى.
ومنها ما عده ابن عبد السلام أنه يجوز أن يقسم على الله به وليس ذلك لغيره، قال
ابن عبد السلام: هذا ينبغي أن يكون مقصوراً على النبي عَّ، لأنه سيد ولد
عادم، وأن لا يقسم على الله بغيره من الأنبياء والملائكة والأولياء لأنهم ليسوا في
درجته، وأن يكون هذا مما خص به لعلو درجته ومرتبته، انتهى.
ومنها أنه يحرم رؤية أشخاص أزواجه في الأزر،
حرام، فهو زنا وحدّ زنا المحصن الرجم، (فأخبر بأنها لم تكن مدخولاً بها فكفّ) عن رجمه
الذي كان همّ به، وذلك يدلّ على حلّ من لم يدخل بها، ومن أطلق التحريم يقول: هو اجتهاد
من عمر، (وفي أمة فارقها بعد وطئها أوجه) بالحرمة والحلّ، (ثالثها تحرم إن فارقها بالموت
كمارية) القبطية، (ولا تحرم إن باعها في الحياة)، واعتمد شارح البهجة وغيره التحريم، (انتهى).
(ومنها: ما عدّه ابن عبد السلام أنه يجوز أن يقسم على اللَّه به) أخرج الترمذي، وابن
ماجه، والحاكم عن عثمن بن حنيف أن رجلاً أعمى أتى رسول اللَّه عَّله، فقال: ادع اللَّه أن
يعافيني، فقال: ((إن شئت أخّرت لك وهو خير، وإن شئت دعوت))، قال: فادعه، فأمره أن يتوضّأ
ويصلّي ركعتين، ويقول: اللَّهمّ إني أسألك وأتوسّل إليك بنبيّك محمّد نبيّ الرحمة، اللّهمّ إنّي
توجّهت بك إلى ربّي في حاجتي، (وليس ذلك لغيره) من الأنبياء والملائكة والأولياء.
وأمّا الاستشفاع بهم بلا إقسام، فمستحبّ، لأن دعاءهم أرجى للإجابة، كما استشفع عمر
بالعباس، فقال: اللَّهمّ إنّا كنا إذا قحطنا توسّلنا إليك بنبيّنا فتسقينا، وإنّا نتوسّل إليك بعمّ نبيّنا
فاسقنا فيسقون، رواه البخاري، وكذا بما فعل من خير يذكره في نفسه فيجعله شافعًا؛ لأن ذلك
لائق بالشدائد، كما في خبر الثلاثة الذين آووا في الغار.
(قال ابن عبد السلام: وهذا ينبغي أن يكون مقصورًا على النبيّ ◌َّله، لأنه سيّد ولد
عادم، وأن لا يقسم على اللَّه بغيره من الأنبياء والملائكة والأولياء، لأنهم ليسوا في درجته،
وأن يكون هذا مما خصّ به لعلوّ درجته ومرتبته، انتهى).
وتعقّب: بأنه لا اتّجاه لما ذكره، لأن الخصائص لا تثبت بالاحتمال، بل في بعض الأخبار
التصريح بخلافه، وذكر التستري عن معروف الكرخي أنه قال لتلامذته: إذا كان لكم إلى اللَّه
حاجة، فاقسموا عليه بي، فإني الواسطة بينكم وبينه الآن بحكم الوراثة عن المصطفى.
(ومنها: أنه يحرم رؤية أشخاص) أي: أجسام (أزواجه في الأزر) ولا كذلك أزواج

٢٦٦
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّلةٍ من الفضائل والكرامات
وكذا يحرم كشف وجوههن وأكفهن لشهادة أو غيرها، كما صرح به القاضي
عياض، وعبارته: فرض الحجاب مما اختصصن به، فهو فرض عليهن بلا خلاف
في الوجه والكفين، فلا يجوز لهن كشف ذلك في شهادة ولا غيرها، ولا إظهار
شخوصهن وإن كن مستترات، إلا ما دعت إليه ضرورة من براز، ثم استدل بما في
الموطإ، أن حفصة لما توفي عمر سترها النساء عن أن يرى شخصها، وأن زينب
بنت جحش جعلت لها القبة فوق نعشها ليستر شخصها، انتهى.
قال الحافظ ابن حجر: وليس فيما ذكره دليل على ما ادعاه من فرض ذلك
عليهن، فقد كن بعد النبي عٍَّ يحجبن ويطفن، وكان الصحابة ومن بعدهم
يسمعون منهن الحديث وهن مستترات الأبدان لا الأشخاص،
غيره، قال المصباح: الشخص سواد الإنسان، يراه من بعد، ثم استعمل في ذاته.
قال الخطابي: ولا يسمّى شخصًا إلا جسم مؤلّف، له شخوص وارتفاع، (وكذا يحرم
كشف وجوههن،) مصدر مضاف إلى مفعوله، أي: أن يكشفن وجوههن (واكفهن لشهادة أو
غيرها) إكرامًا له عَّهِ (كما صرّح به القاضي عياض،) وأقرّه النووي، (وعبارته) في شرح مسلم:
(فرض الحجاب مما اختصصن به فهو فرض عليهنّ بلا خلاف في الوجه والكفّين، فلا
يجوز لهنّ كشف ذلك في شهادة ولا غيرها،) بل يحرم عليهنّ، (ولا إظهار شخوصهنّ وإن
كنّ مستترات) بالأزر ونحوها؛ (إلاّ ما دعت إليه ضرورة من) خروجهنّ إلى (براز،) فترى
أشخاصهن فلا حرمة، قال الجوهري وغيره: بالكسر ثقل الغذاء، وهو الغائط، وبالفتح اسم للقضاء
الواسع، ولا يظهر معناه هنا إلاّ بكلفة، قاله النووي. أي بجعله مجازًا علاقته المجاورة، أو من
تسمية الحال باسم المحل لخروجه بالفضاء، (ثم استدلّ بما في الموطأ؛ أن حفصة لما
توفّي) أبوها (عمر سترها النساء عن أن يرى شخصها،) ولم ينكر عليهنّ، فكان إجماعًا، (وأن
زينب بنت جحش) المتوفية بالمدينة في خلافة عمر سنة عشرين (جعلت لها القبة فوق نعشها
ليستر شخصها،) وذلك بمحضر الصحابة، ومنهم عمر الذي صلّى عليه ولم ينكر، وفيه أنه يمنع
رؤى أشخاصهن بعد الموت، (انتهى) كلام عياض.
(قال الحافظ ابن حجر: وليس فيما ذكره دليل على ما ادعاه من فرض ذلك
عليهنّ،) لجواز أنه فعل ذلك تكرمة لهن، بل قد ورد عنهنّ ما يدلّ على خلاف ذلك، (فقد كنّ
بعد النبيّ عَّ يحججن ويطفن،) وفي البخاري قول ابن جريج لعطاء: لمّا ذكر له طواف عائشة
أقبل الحجاب أو بعد؟، قال: إن أدركت ذلك إلاّ بعد الحجاب، (وكان الصحابة ومن بعدهم
يسمعون منهنّ الحديث، وهنّ مستترات الأبدان) بثياب تمنع رؤية البشرة (لا الأشخاص،) إذ

٢٦٧
الفصل الرابع ما اختصّ به عَلَّهِ من الفضائل والكرامات
انتھی.
وأما حكم نظر غير أزواجه عليه الصلاة والسلام ففي الروضة وأصلها عن
الأكثرين: جواز النظر إلى وجه حرة كبيرة أجنبية وكفيها إذا لم تكن فتنة، مع
الكراهة، وقوة كلام الشيخين: الرافعي والنووي تقتضي رجحانه، وصوبه في
((المهمات)) لتصريح الرافعي في الشرح بأن الأكثرين عليه، ولكن نقل ابن العراقي
أن شيخه البلقيني قال: الترجيح بقوة المدرك، والفتوى على ما في المنهاج، وقد
جزم به في ((التدريب))، وقوة كلام الشرح الصغير تقتضي رجحانه، وعلله باتفاق
المسلمين على منع النساء من الخروج سافرات. ونقلا في الروضة وأصلها هذا
الاتفاق وأقراه.
وعورضا بنقل القاضي عياض عن العلماء مطلقًا: أنه لا يجب على المرأة
ستر وجهها في الطريق، وإنما هو سنة، وعلى الرجال غض البصر، وحكاه عنه
النووي في شرح مسلم وأقره. قاله الشيخ نجم الدين بن قاضي عجلون في
تصحيح المنهاج، والله أعلم.
لا يمنعها، لا كونها بهودج ونحوه بحيث لا يرى شخصها، (انتهى) ويمكن الجواب عن عياض
بأن ذلك من جملة ما دخل في قوله: إلاّ ما دعت إليه ضرورة، وقوله: من براز مثال لا قيد.
(وأمّا حكم نظر غير أزواجه عليه الصّلاة والسّلام، ففي الروضة وأصلها عن
الأكثرين) من الشافعية (جواز النظر إلى وجه حرّة كبيرة أجنبيّة، وكفّيها إذا لم تكن،) أي:
تواجد (فتنة مع الكراهة، وقوّة كلام الشيخين الرافعي والنووي) في الروضة، (تقتضي رجحانه،
وصوّبه في المهمات) للأسنوي (لتصريح الرافعي في الشرح) لوجيز الغزالي (بأن الأكثرين
عليه،) وذلك يقتضي رجحانه، (لكن نقل ابن العراقي: أن شيخه البلقيني قال في الترجيح
بقوّة المدرك،) أي: الدليل (والفتوى على ما في المنهاج) للنووي من حرمة ذلك، (وقد
جزم به في التدريب) للبلقيني، (وقوّة كلام الشرح الصغير) للرافعي على الوجيز (تقتضي
رجحانه، وعلّله باتّفاق المسلمين على منع النساء من الخروج سافرات،) كاشفات
وجوههن، (ونقلا في الروضة وأصلها هذا الاتّفاق وأقرّاه وعورضا بنقل القاضي عياض عن
العلماء مطلقًا) عن التقييد بمذهب، فكأنّه قال: اتّفق العلماء على (أنه لا يجب على المرأة
ستر وجهها في الطريق، وإنّما هو سنّة و) يجب (على الرجال غضّ البصر، وحكاه عنه،) أي:
عياض (النووي في شرح مسلم وأقرّه،) وهو ينقض دعوى اتّفاق المسلمين على المنع، (قاله
الشيخ نجم الدين بن قاضي عجلون في تصحيح المنهاج، والله أعلم) بالحقّ في ذلك،
1

٢٦٨
الفصل الرابع ما اختصّ به عدد من الفضائل والكرامات
وكان النكاح في حقه عليه الصلاة والسلام عبادة مطلقًا، كما قاله السبكي،
وهو في حق غيره ليس بعبادة عندنا، بل من المباحات، والعبادة عارضة له.
ومنها أن أولاد بناته ينسبون إليه، قال عليه الصلاة والسلام في الحسن: ((إن
ابني هذا سيد» رواه أبو يعلى.
(وكان النكاح في حقّه عليه الصّلاة والسّلام عبادة، مطلقًا) عن التقييد بالاحتياج وغيره
(كما قاله السبكي، وهو في حقّ غيره ليس بعبادة) على الأصح (عندنا،) أي: الشافعية، أي
ليس مستحبًّا لذاته، فيثاب فاعله مطلقًا، (بل من المباحات) لقوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب
لكم﴾ الآية، إذ العبادة لا تتعلّق بالاستطابة، (والعبادة عارضة له) من جهة بقاء النسل وحفظ
النسب، والاستعانة على المصالح الدينيّة، وصرّحوا بأنه تجري فيه الأحكام الخمسة، وقيل: هو
عبادة.
قال الحافظ: والتحقيق أن الصورة التي يستحبّ فيها تستلزم كونه عبادة، فمن نفى
العبادة عنه نظر إليه في حدّ ذاته، ومن أثبت نظر إلى صورة مخصوصة، انتهى، أي: وأولى صورة
الوجوب.
(ومنها: أن أولاد بناته ينسبون إليه) شرعًا، فهو عصبة لهم؛ مما قال عَّهُ في حديث:
((وكل ولد عادم، فإن عصبتهم لأبيهم ما خلا ولد فاطمة، فإني أنا أبوهم وعصبتهم))، رواه أبو نعيم
عن عمر برجال ثقات، وقال عَُّله: ((لكل بني ادم عصبة إلا ابتَيْ فاطمة أنا وليّهما وعصبتهما))،
أخرجه الحاكم عن جابر وأبو يعلى عن فاطمة، وقال عَّله: ((إن اللَّه لم يبعث نبيًّا قطّ إلاّ جعل
ذرّيته من صلبه غيري، فإن اللَّه جعل ذريّتي من صلب عليّ))، رواه الطبراني والخطيب بخلاف
غيره، فأولاد بناته لا ينسبون إليه؛ كما قال الشاعر:
بنونا بنو أبنائنا وبناتنا بنوهين أبناء الرجال الأباعد
(قال عليه الصّلاة والسّلام في الحسن) بالتكبير: ((إنّ ابني هذا سيّد))،) وفي رواية:
سيد باللام، أي: حليم، كريم، متجمّل، شريف من السؤدد، وقيل: من السواد؛ لكونه يرأس على
السواد العظيم من الناس، أي: الأشخاص العظيمة، ذكره ابن الأثير، وقال عليه السّلام لما ولد:
((أروني أبني ما سميتموه))، وكذا لما ولد الحسين، وكذا لما ولد محسن أخوهما أخرجه أحمد،
(رواه أبو يعلى) والبخاري في مواضع من صحيحه، وأحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي
كلّهم عن أبي بكرة، قال: رأيت النبيّ عَّه على المنبر، والحسن بن علي إلى جنبه، وهو يقبل
على الناس مرّة وعليه أخرى، ويقول: ((إن ابني هذا سيّد، ولعلّ اللَّه أن يصلح به بين فئتين
عظيمتين من المسلمين))، فقصر المصنف وأوهم شديدًا، وقد صرّح مغلطاي بأنه لا يجوز

٢٦٩
الفصل الرابع ما اختصّ به عٍَّ من الفضائل والكرامات
ومنها أن كل نسب وسبب منقطع يوم القيامة إلا سببه ونسبه. قال عليه
الصلاة والسلام كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي. والنسب
بالولادة والسبب بالنكاح.
قيل: ومعناه إن أمته ينتفعون بالنسبة إليه يوم القيامة بخلاف أمة غيره.
لحديثي نقل حديث في أحد الكتب السّة من غيرها.
(ومنها: أن كل نسب وسبب منقطع يوم القيامة،) قال تعالى: ﴿فلا أنساب بينهم يومئذ
ولا يتساءلون﴾ الآية، (إلا سببه ونسبه) فلا ينقطعان.
(قال عليه الصّلاة والسّلام) فيما رواه الحاكم والبيهقي عن عمر: ((كل سبب ونسب
منقطع يوم القيامة إلاّ سببيٍ ونسبي))).
قال عمر: فتزوّجت أمّ كلثوم لذلك، وأحببت أن يكون بيني وبينه نسب وسبب، رواه
البزار، وهذا لا يعارضه حثّه في أخبار لأهل بيته على خوف اللَّه، وتقواه، وتحذيرهم الدنيا
وغرورها، وإعلامهم بأنهم لا يغني عنهم من اللَّه شيئًا؛ لأن معناه أنه لا يملك لهم نفعًا، لكن اللَّه
يملكه نفعهم بالشفاعة العامة والخاصة، فهو لا يملك إلاّ ما ملّكه ربّه، فقوله: ((لا أغني عنكم))، أي:
بمجرّد نفسي من غير ما يكرمني اللَّه به من نحو شفاعة، أو مغفرة، وخاطبهم بذلك رعاية لمقام
التخويف، أو كان قبل علمه بأنه يشفع.
وفي رواية ابن عساكر: ((كل نسب وصهر منقطع يوم القيامة إلّ نسبي وصهري))،
(والنسب بالولادة، والسبب بالنكاح،) حكاه الديلمي مصدرًا بأن السبب هنا الوصلة والمودّة،
وكل ما يتوصّل به إلى الشىء لبعد عنه، فهو سبب.
وفي البيضاوي: فجعله نسبًا وصهرًا، أي: قسم البشر قسمين ذوي نسب أي ذكورًا ينسب
إليهم، وذوات صهر، أي إناثًا يصاهر بهنّ؛ كقوله: ﴿وجعل منه الزوجين الذكر والأنثى) الآية،
ويمكن حمل المصنف عليه بجعل الولادة عبارة عن النسب إلى الآباء، والسبب عبارة عن القرابة
من جهة النساء والتزوّج بهنّ؛ كما قال الطيبي: السبب النسب ما رجع إلى ولادة قريبة من جهة
الآباء، والصهر ما كان خلطة يشبه القرابة، يحدثها التزوّج.
وأما حديث ابن عمر وابن عباس مرفوعًا: ((الأنساب تنقطع يوم القيامة غير نسبي وسببي
وصهري))، فيراد بالصهر فيه خصوص النكاح، وبالسبب القرابة من جهة الأمّ لجمعه بين الثلاثة.
(قيل: ومعناه،) أي: الحديث بقطع النظر عن تفسيره المذكور، فلا يردّ عليه أنه لا يترتّب
على الولادة والنكاح، (أن أُمّته ينتفعون بالنسبة إليه يوم القيامة بخلاف أُمّة غيره) من سائر
الأنبياء، فلا ينسبون إليهم، وقد ضعف هذا القيل بأنه تأويل نشأ من خفاء الجمع على قائله بينه

٢٧٠
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّه من الفضائل والكرامات
ومنها: أنه لا يتزوج على بناته. فعن المسور بن مخرمة أنه سمع رسول
الله عَ ◌ّه على المنبر يقول: ((إن بني هاشم بن المغيرة استأذنوني في أن ينكحوا
ابنتهم علي بن أبي طالب، فلا آذن لهم، ثم لا آذن ثم لا آذن لهم،
وبين حديث: ((لا أُغني عنكم من الله شيئًا))، وقد علم الجمع بينهما بوجهين، وضعّفه أيضًا
الجلال البلقيني بما في الصحيح عن أبي سعيد مرفوعًا: ((يجيء نوح وأَمّته، فيقول الله: هل
بلغت؟، فيقول: نعم، أي رب، فيقال لأمته: هل بلغكم)) الحديث، فهو صريح في نسبة أُمة نوح
إليه يومئذ، وأجاب شيخنا، بأن مراده من خصّ الانتساب إلى نبيّنا والانتفاع به الشفاعة الحاصلة
منه لأُمّته على وجوه متعدّدة، لا تحصل لغيره مع أُمّته.
وقيل: معناه ينتفع يومئذ بالنسبة إليه، ولا ينتفع بجميع الأنساب، وربّحه السيوطي وأيّده
بحديث عمر المتقدّم، قال البلقيني: وهذا هو الطي يظهر، انتهى.
(ومنها: أنه لا يتزوّج على بناته،) أي: يحرم، (فعن المسور،) بكسر الميم، وسكون
المهملة، وفتح الواو (ابن مخرمة،) بفتح الميم، وسكون المعجمة، وفتح الراء ابن نوفل بن
أُهيب بن عبد مناف بن زهرة القرشي، الزهري، أبي عبد الرحمن له ولأبيه ولأُمّه عاتكة بنت عوف
أخت عبد الرحمن صحبة، ولد بعد الهجرة بسنتين، وقدم المدينة في ذي الحجّة بعد الفتح سنة
ثمان، وهو ابن ستّ سنين، وحفظ عن النبيّ عَّ أحاديث، وفي الصحيحين في بعض طرق
الحديث: سمعت رسول اللَّه عَّهِ وأنا يومئذ محتلم، وهذا يدلّ على أنه ولد قبل الهجرة لكن
أطبقوا على أنه ولد بعدها، وقد تأوّل بعضهم قوله: محتلم على أنه من الحلم، بالكسر، لا من
الحلم، بالضم، يريد أنه كان عاقلاً ضابطاً لما يتحمّله، مات سنة أربع وستين على الصواب
بحجر أصابه من حجارة المنجنيق في حصار الجيش الذي أرسله يزيد بن مطوية لابن الزبير،
وكان قائمًا يصلّي، فأقام خمسة أيام، ومات يوم أتى نعي يزيد؛ كما في الإصابة. (أنه سمع
رسول اللّه عَِّ على المنبر يقول: ((إنَّ بني هاشم) كذا وقع في مسلم وصوابه، كما في
البخاري هشام (بن المغيرة) المخزومي، إذ بنو هشام هم أعمام بنت أبي جهل لأنه عمرو بن
هشام بن المغيرة، وقد أسلم أخواه الحرث وسلمة ابنا هشام عام الفتح، (استأذنوني،) وفي
رواية: استأذنوا (في أن ينكحوا،) بضمّ أوّله من أنكح (ابنتهم عليّ بن أبي طالب،) وعند
الحاكم بسند صحيح إلى سويد بن غفلة، بفتح المعجمة والفاء، أحد المخضرمين ممّن أسلم في
حياة النبي عَّه ولم يلقه، قال: خطب علي بنت أبي جهل إلى عمّها الحرث فاستشار
النبي عَّه، فقال: ((أعن حسبها تسألني))؟، فقال: لا، ولكن أتأمرني، قال: ((لا)) الحديث، (فلا
آذن لهم) في ذلك، (ثم لا آذن، ثم لا آذن لهم) بالتكرار ثلاثًا.
قال الكرماني: فإن قلت لا بدّ في العطف من المغايرة بين المعطوفين، قلت: الثاني فيه

٢٧١
الفصل الرابع ما اختصّ به عَ ل من الفضائل والكرامات
إلا أن يحب ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم، فإنما ابنتي بضعة مني
يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها)) أخرجه الشيخان، وصححه الترمذي.
وعنه أن علي بن أبي طالب خطب بنت أبي جهل، وعنده فاطمة بنت
النبي عَّة، فلما سمعت بذلك فاطمة أتت النبي عَّ. فقالت: إن قومك يتحدثون
أنك لا تغضب لبناتك، وهذا علي ناکح ابنة أبي جهل.
مغايرة للأوّل، فإن فيه تأكيد للأوّل، وفيه إشارة إلى تأييد مدة منع الإذن؛ كأنه أراد رفع المجاز،
لاحتمال أن يحمل النفي على مدّة بعينها، فقال: ((ثم لا آذن))، أي: ولو مضت المدّة المفروضة
تقديرًا لا آذن بعدها، ثم كذلك أبدًا، (إلاّ أن يحب) هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: إلاّ أن يريد
(ابن أبي طالب أن يطلّق ابنتي) فكنى بمحبّة الطلاق عن نفس الطلاق إشارة إلى أنه باختياره
لا بإكراه، (وينكح) بفتح الياء من نكح (ابنتهم، فإنما ابنتي بضعة منّي،) بفتح الموحدة،
وسكون المعجمة، وحكى ضم الموحدة وكسرها، أي قطعة لحم؛ كما ضبطه الحافظ وغيره،
فمفاده أن الرواية بالفتح، ولذا اقتصر عليه المصنف في موضع (يريبني) بضم أوّله (ما رابها،)
وفي نسخة: ما أرابها، وهما صحيحان، يقال: رابني فلان وأرابني إذا رأيت منه ما تكرهه،
(ويؤذيني ما آذاها))) فمن آذاها فقد آذاه، وهو حرام بإجماع، ولم يقل: ما يؤذيها إشارة إلى أن
أذاه مسبب عن أذاها، فالمعنى إذا آذاها أحد آذاني وهذا تعليل لعدم إذنه يعني أن المانع لي من
الإذن أنه يؤذيها كما يؤذيني، (أخرجه الشيخان) في مواضع، ومعلوم أنه أرفع الصحيح وإنما ذكر
قوله (وصححه الترمذي،) أي صرّح بصحته، ردّ الزعم وضعه.
قال الحافظ: إنما قام عَّهِ خطيبًا ليشيع الحكم الذي سيقرّره، ويأخذوا به على سبيل
الوجوب أو الأوّلويّة، وغفل الشريف المرتضى عن هذه النكتة، فزعم أن هذا الحديث موضوع؛
لأنه من رواية المسور، وكان فيه انحراف على علي، وجاء من رواية ابن الزبير، وهو أشدّ في
ذلك، وردّ كلامه بإطباق أصحاب الصحيح على تخريجه، انتهى، والشريف هذا من رؤوس
الشيعة، وحمله على هذا قولهم: أن عليًّا لا يمكن منه أن يفعل ذلك، (وعنه) أي عن المسور أيضًا
(أن عليّ بن أبي طالب خطب بنت أبي جهل، وعنده فاطمة بنت النبيّ عَظ له) أخذًا بعموم
الجواز، فلما أنكره النبيّ عَّ له ترك الخطبة، (فلما سمعت بذلك فاطمة أتت النبيّ ◌َێ،
فقالت: إن قومك يتحدّثون).
وفي رواية: يزعم قومك. (أنك لا تغضب لبناتك) إذا أُوذوا، ولعلّ سبب التحدّث أو الزعم
مشاهدتهم حلمه، وأنه لا يغضب لنفسه، وإنما يغضب إذا انتهكت حرمات اللَّه، (وهذا عليّ
ناكح،) أي يريد أن ينكح (بنت أبي جهل،) وفي مسلم والطبراني: ناكحًا بالنصب، أطلق عليه

٢٧٢
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّه من الفضائل والكرامات
قال المسور: فقال النبي عَّ فسمعته حين تشهد قال: أما بعد، فإني انكحت أبا
العاصي ابن الربيع، فحدثني فصدقني، وإن فاطمة بنت محمد بضعة مني، وإنما
أكره أن يفتنوها، والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله عند رجل واحد
أبدًا. قال: فترك علي الخطبة أخرجه الشيخان.
اسم ناکح مجازًا باعتبار قصده له.
(قال المسور: فقام النبيّ عَُّلّ) خطيبًا على المنبر، (فسمعته حين تشهد،) زاد في رواية
للبخاري ومسلم: وأنا يومئذ محتلم، (قال: ((أما بعد، فإني أنكحت أبا العاصي) لقيط أو
مقسم، بكسر الميم، أو هشيم، أو غير ذلك (ابن الربيع) بن ربيعة بن عبد العزّى بن
عبد شمس بن عبد مناف، ويقال بإسقاط ربيعة مشهور بكنيته وأمّه هالة بنت خويلد أخت
خديجة، أي: أنكحه أكبر بناته زينب قبل النبوّة، (فحدثني فصدقني،) بخفّة الدال بعد الصاد
المهملتين، أي في حديثه، زاد في رواية: ((ووعدني فوفى لي)).
قال الحافظ: ولعلّه كان شرط على نفسه أن لا يتزوّج على زينب، وكذلك عليّ، فإن
يكن كذلك فهو محمول على أن عليًّا نسي ذلك الشرط، فلذلك أقدم على الخطبة، أو لم يقع
عليه شرط، إذ لم يصرّح به، لكن كان ينبغي له أن يراعي هذا القدر، فلذلك وقعت المعاتبة،
وكان عَِّ قلّ أن يواجه أحدًا بما يعاب به، ولعلّه إنما جهر بمعاتبه عليّ مبالغة في رضا فاطمة،
وكانت هذه الواقعة بعد فتح مكة، ولم يكن حينئذ تأخّر من بناته عَّ غيرها، وكانت أصيبت
بعد أَّها بأخواتها، فكان إدخال الغيرة عليها مما يزيد حزنها، انتهى.
(وإن فاطمة بنت محمّد بضعة مني) قال المصنّف: بفتح الموحدة فقط، وسكون
المعجمة، ولأبي ذرّ عن الحموي والمستملي: مضغة بميم مضمومة بدل الموحدة، وغين معجمة
بدل المهملة، واقتصر على الفتح، لأنه الرواية، وإلا فحكى الضم والفتح أيضًا كما مرّ.
وفي الكرماني قال الجوهري: بفتح الباء النووي بضمها صاحب النهاية بالفتح وقد تكسر،
(وإنما أكره أن يفتنوها) لفظ مسلم، وله أيضًا وللبخاري: ((إني أخاف أن تفتن في دينها))،
والبخاري في المناقب: ((وإني أكره أن يسوءها))، أي أحد عليّ أو غيره.
زاد في رواية للشيخين: ((وإني لست أحرّم حلالاً ولا أُحلّ حرامًا، ولكن (واللَّه لا تجتمع
بنت رسول اللَّه عَّه وبنت عدوّ اللَّه عند رجل واحد أبدًا)) قال) المسور: (فترك علي الخطبة)
أعرض عنها وعزم أن لا ينكح ابنة أبي جهل، (أخرجه الشيخان) أيضًا مسلم في الفضائل
والبخاري في مواضع.
قال ابن التين: أصح ما تحمل عليه هذه القصّة أنه عَُّ حرّم على عليّ أن يجمع بين ابنته

٢٧٣
الفصل الرابع ما اختصّ به عَ لَّه من الفضائل والكرامات
واسم بنت أبي جهل هذه: جويرية، أسلمت وبايعت، وتزوجها عتاب بن
أسيد، ثم أبان بن سعيد بن العاصي.
قال أبو داود: حُرِمَ على علي أن ينكح على فاطمة في حياتها، لقوله تعالى:
﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [الحشر/٧].
وذكر الشيخ أبو علي السنجي في شرح التلخيص: أنه يحرم التزويج على
بنات النبي عٌَّ،
وبين ابنة أبي جهل؛ لأنه عّل بأن ذلك يؤذيه، وأذيته حرام بالإجماع، ومعنى قوله: ((لا أحرم
حلالاً)، أنها حلال له لو لم تكن عنده فاطمة، وأمّا الجمع بينهما المستلزم تأذية لتأذية فاطمة
فلا، انتهى.
(واسم بنت أبي جهل هذه) المخطوبة (جويرية،) بضم الجيم، وجزم بذلك لأنه أشهر
الأقوال، قال في الفتح: اختلف في اسم بنت أبي جهل، فروى الحاكم في الإكليل: جويرية،
وهو الأشهر، وفي بعض الطرق اسمها العوراء.
أخرجه ابن طاهر في المبهمات، وقيل: اسمها الحنفاء، ذكره ابن جرير الطبري، وقيل:
جهدم، حكاه السهيلي.
وقيل: جميلة، ذكره شيخنا ابن الملق في شرحه، وكان لأبي جهل بنت تسمّى صفية،
تزوّجها سهيل بن عمر، وسمّاها ابن السكيت وغيره، وقال: هي الحنفاء المذكورة، (أسلمت
وبايعت) النبيّ عَّه وحفظت عنه، (وتزوّجها) فيما يقال، كما في الفتح (عتاب) بفتح العين
والفوقية الثقيلة (ابن أسيد) بفتح فكسر الصحابي، أمير مكّة، فولدت له عبد الرحمن بن عتاب،
(ثم) لمّا مات عنها تزوّجها (أبان) بفتح الهمزة وخفّةٍ الموحدة، فألف، فنون (ابن سعيد بن
العاصي) بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي، الأمويّ، الصحابي.
(قال أبو داود: حرم على عليّ) رضي الله عنه (أن ينكح على فاطمة في حياتها)، أي:
مدّة حياتها، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه (لقوله تعالى: ﴿وما آتاكم﴾)
أعطاكم (الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ الآية، وقد نهاه عن الزواج عليها، (وذكر
الشيخ أبو علي السنجي،) أحد عظماء الشافعية، أصحاب الوجوه، نسبة إلى سنج، بكسر
المهملة، وسكون النون وجيم، قرية بمرو (في شرح التلخيص) لابن القاص (أنه يحرم
التزويج) أي: والتزوّج (على بنات النبي عَّه) إلى هنا كلام أبي عليّ وهو يبطل النكاح
مقتضى تحريمًا للنهي المستفاد من ﴿وما آتاكم الرسول﴾ الآية، البطلان لأن الأصل في النهي

٢٧٤
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّله من الفضائل والكرامات
ويحتمل أن يكون ذلك خاصًا بفاطمة رضي الله عنها، وقد علل عَ لّه بأن ذلك
يؤذيه، وإذايته حرام بالاتفاق، وفي هذا تحريم أذى من يتأذى النبي عَّ بتأذيته،
لأن إيذاء النبي عَّهِ حرام اتفاقًا قليله وكثيره. وقد جزم عليه الصلاة والسلام بأنه
يؤذيه ما آذى فاطمة، فكل من وقع منه في حق فاطمة شىء تأذت به فهو يؤذي
النبي عَّه بشهادة الخبر الصحيح.
الفساد.
وفي فتح الباري: لا يبعد أن يعدّ من خصائص النبيّ عَّ أن لا يتزوّج على بناته،
(ويحتمل أن يكون ذلك خاصًّا بفاطمة رضي اللَّه عنها) لأنها كانت أصيبت بأمّها ثم بأخواتها
واحدة فواحدة، فلم يبق من تأنس به ممن يخفف عليها أمر الغيرة، انتهى كلام الفتح.
(وقد علّل عليه السّلام) المنع (بأن ذلك يؤذيه، وإذايته حرام بالاتّفاق،) أي الإجماع،
(وفي هذا) كما في الفتح (تحريم أذى من يتأذّى النبيّ معَّةِ بتأذيه لأن أذى النبيّ معَ ◌ّه حرام
اتّفاقاً قليله وكثيره،) ﴿وما كان لكم أن تؤذوا رسول اللَّه﴾ الآية، (وقد جزم عليه الصّلاة
والسّلام، بأنه يؤذيه ما آذى فاطمة، فكل من وقع منه في حقّها شىء تأذّت به، فهو يؤذي
النبي عَّ بشهادة الخبر الصحيح) المذكور، زاد في الفتح: ولا شىء أعظم من إدخال الأذى
عليها من قبل ولدها، ولهذا عرف بالاستقراء معاجلة من تعاطى ذلك بالعقوبة في الدنيا، ولعذاب
الآخرة أشدّ، انتهى.
وقال الشريف السمهودي: ومعلوم أن أولاد فاطمة بضعة منها، فيكونون بواسطتها بضعة
منه، ومن ثم لما رأت أُمّ الفضل في منامها أن بضعة منه وضعت في حجرها أوّله النبيّ عَّهِ، بأن
فاطمة تلد غلامًا، فيوضع في حجرها فولدت الحسن، فوضع فيه، فكلّ من يشاهد الآن من
ذرّيتها بضعة من تلك البضعة، وإن تعدّدت الوسائط، ومن تأمّل ذلك انبعث من قبله دواعي
الإجلال لهم، وتجنّب بغضهم على أي حال كانوا، انتهى.
وروى أحمد والحاكم، والطبراني: أن حسين بن حسين خطب بنت المسور بن مخرمة،
فقال له: ما من نسب ولا صهر أحبّ إليّ من نسبكم وصهركم، ولكن رسول اللَّه قال: ((فاطمة
بضعة مني يغضبني ما يغضبها، ويبسطنى ما يبسطها))، وعندك بنتها ولو زوّجتك أغضبها ذلك،
فذهب عاذرًا له.
قال في ذخائر العقبي: فيه دليل على أن الميّت يراعى منه ما يراعى من الحي، قال: ولعلّ
مراد أبي عليّ بقوله: يحرم التزويج على بناته من ينسب إليه بالنبوّة، ويكون هذا الحديث دليل.
قال السيوطي: فإن أخذ هذا على ظاهره، فمقتضاه أنه يحرم التزويج على ذريّة بناته، وأن

٢٧٥
الفصل الرابع ما اختصّ به عَ لّه من الفضائل والكرامات
وقد استشكل اختصاص فاطمة بذلك، مع أن الغيرة على النبي عَ له أقرب
إلى خشية الافتتان في الدين، ومع ذلك فكان عَّ ◌ُلم يستكثر من الزوجات، ويوجد
منهن الغيرة ومع ذلك ما راعى عَّ ذلك في حقهن، كما رعاه في حق فاطمة.
وأجيب: بأن فاطمة كانت إذ ذاك فاقدة من تركن إليه ممن يؤنسها ويزيل
وحشتها من أم أو أخت، بخلاف أمهات المؤمنين، فإن كل واحدة منهن كانت
ترجع إلى من يحصل لها معه ذلك، وزيادة عليه وهو زوجهن عٍَّ لما كان عنده
من الملاطفة وتطييب القلوب وجبر الخاطر، بحيث إن كل واحدة منهن ترضى به
بسبب خلقه وترضى بجميع ما يصدر منه، بحيث لو وجد ما يخشى وجوده من
الغيرة لزال عن قريب.
ومنها: أنه لا يجتهد في محراب صلى إليه يمنة ولا يسرة، وأفتى شيخ
الإسلام أبو زرعة
يتعلّق ذلك إلى يوم القيامة، وفيه وقفة، انتهى، بل لا يصحّ لقيام الإجماع الفعلي في كل عصر
على خلافه، فهو خاص ببناته أو بفاطمة فقط على ما مرّ، وامتناع المسور من مزيد ورعه حملاً
لما سمعه على عمومه.
(وقد استشكل اختصاص فاطمة بذلك، مع أن الغيرة على النبيّ عَّه أقرب إلى خشية
الافتتان في الدين) الذي خشيه على فاطمة في نحو قوله: ((وإني أخاف أن تفتن في دينها))،
(ومع ذلك، فكان ◌َّهُ يستكثر من الزوجات، ويوجد منهنّ الغيرة) عليه، (ومع ذلك
ما راعى عَِّ ذلك في حقّهن، كما راعاه في حق فاطمة،) فهل لذلك حكمة؟ (وأجيب بأن
فاطمة كانت إذ ذاك فاقدة من تركن إليه ممّن يؤنسها، ويزيل وحشتها من أُمّ) لموت أُتّها
وهي صغيرة جدًا، (أو أخت) لموت أخواتها قبل ذلك واحدة بعد واحدة، (بخلاف أُمّهات
المؤمنين، فإن كل واحدة منهنّ كانت ترجع إلى من يحصل لها معه ذلك) المذكور من
الإيناس وإزالة الوحشة (وزيادة عليه، وهو زوجهنّ عَّ لما كان عنده من الملاطفة وتطييب
القلوب، وجبر الخاطر، بحيث أن كل واحدة منهنّ ترضى به بسبب حسن خلقه،) بضمتين،
وجميل خلقه، بفتح وسكون، إذ لا أجمل منه، (وترضى بجميع ما يصدر منه، بحيث لو وجد
ما يخشى وجوده من الغيرة لزال عن قريب،) حتى كأنه لم يكن كما يعلم من تصفّح الأخبار.
(ومنها: أنه لا يجتهد في محراب،) وهو ما ثبت أنه (صلّى إليه) وإن لم يكن بمسجد
(ينة ولا يسرة،) أي: لا يجوز ذلك، لأنه قطعي، أنه باجتهاده، إذ لا يقرّ على خطأ، فلو تحيل
حاذق فيه يمنة أو يسرة، فحياله باطل، (وأفتى شيخ الإسلام) قاضي القضاة، (أبو زرعة،) أحمد

٢٧٦
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّه من الفضائل والكرامات
ابن العراقي في شخص امتنع من الصلاة إلى محراب النبي عَ ◌ّه وقال: أنا أجتهد
وأصلي، بأنه إن فعل ذلك مع الاعتراف بأنه على ما كان في زمن النبي عَّه فهو
ردة، وإن ذكر تأويلاً بأن قال: ليس هو الآن على ما كان عليه في زمنه عليه
الصلاة والسلام بل غير عما كان عليه، فهذا سبب اجتهادي، لم يحكم بردته، وإن
لم يكن هذا التأويل صحيحًا.
ومنها أن من رآه في المنام فقد رآه حقًّا
(ابن) عبد الرحمن (العراقي،) الحافظ ابن الحافظ في الفتاوي المكيّة، وهي نحو كراسين (في
شخص امتنع من الصّلاة إلى محراب النبيّ عَّله وقال: أنا أجتهد وأصلّي بأنه إن فعل ذلك
مع الاعتراف بأنه على ما كان عليه في زمن النبيّ عَّة، فهو ردّة) لتضمّنه أنه كان مخطئًا
في صلاته وهو ردّة (وإن ذكر تأويلاً، بأن قال: ليس هو الآن على ما كان عليه في زمنه
عليه الصّلاة والسّلام، بل غير عمّا كان عليه، فهذا سبب اجتهادي لم يحكم بردّته) لأنه لم
يتضمّن خطأ، (وإن لم يكن هذا التأويل صحيحًا،) إذ خطأ تأويله يستلزم شيئًا في حقّه عَّه،
والله أعلم.
(ومنها: أن من رآه في المنام فقد رآه حقًّا،) قال القضاعي: هذه الخصوصيّة مما خصّ
به دون غيره من الأنبياء، وجزم البغوي بمشاركة جميع الأنبياء والملائكة له في ذلك.
وحكى الشيخ أكمل الدين في شرح المشارق فيه خلافًا، فقال: هل ذلك مختصّ
بالنبيّ عَّله، أم لا؟ قال بعضهم: رؤيا اللَّه تعالى والأنبياء والملائكة والشمس والقمر والنجوم
المضيئة والسحاب، الذي فيه الغيم لا يتمثّل الشيطان بشىء منها، وذكر المحقّقون أنه خاص
به عَّه، وقالوا في ذلك أنه وإن ظهر بجميع أسماء اللَّه تخلّقًا وتحقّقًا، لكن المقصود من
رسالته معد له هدايته للناس، وأن يكون مظهرًا لاسمه الهادي، والشيطان بخلاف ذلك، فهو ضال
مضل، ولا يظهر أحدهما بصفة الآخر، ولو ظهر إبليس بصفته لالتبس على الناس، فضلوا بما يلقيه
لهم لظنهم أنه الرسول، فعصم الله صورته من أن يتصوّر بها شيطان، انتهى.
والحكمة المذكورة تقتضي عمومه في جميع الأنبياء والملائكة، ثم أورد أعني الشيخ
أكمل الدين، أن عظمة اللَّه أتمّ من عظمة كل عظيم، مع أن إبليس يتراءى لكثير، وخاطبهم بأنه
الحقّ ليضلّهم، فضلّ جمع حتى ظنّوا أنهم رأوا الحقّ، وسمعوا خطابه، وأجاب: بأن كل عاقل
يعلم بأن الحق لا صورة له معينة توجب الاشتباه بخلاف النبيّ، فصورته معينة معلومة؛ وبأن
مقتضى الحكمة الحقّ أنه يضلّ من يشاء ويهدي من يشاء بخلاف النبيّ، فإنّه متّصف بالهداية
ظاهر بصورتها ورسالته إنما هي لذلك لا للإضلال، فلا يكون منه إضلال لأحد البتة، فوجب

٢٧٧
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّهِ من الفضائل والكرامات
فإن الشيطان لا يتمثل به.
وفي رواية مسلم: ((من رآني في المنام فسيراني في اليقظة، أو قال: فكأنما
رآني في اليقظة، لا يتمثل الشيطان بي.
عصمة صورته من أن يظهر بها شيطان، وقال عياض: لم يختلف العلماء في جواز صحة رؤيا الله
في النوم، وإن رؤي على صفة لا تليق بحاله من صفات الأجسام، لتحقق أن المرئي غير ذات
الله، إذ لا يجوز عليه التجسّم، ولا اختلاف الحالات رؤيا، بخلاف النبي عَّ، فكانت رؤياه
تعالى في النوم من باب التمثيل والتخييل.
وقال ابن العربي: رؤيا اللَّه في النوم أوهام وخواطر في القلب، لا تليق به الحقيقة، ويتعالى
عنها، وهي دلالات للرائي على أمر كان أو يكون كسائر المرئيات، وقال غيره: رؤياه تعالى منامًا
حقّ وصدق، لا كذب فيها في قول ولا فعل، (فإن الشّيطان لا يتمثّل به) كما أخرج أحمد
والبخاري والترمذي عن أنس، قال: قال النبيّ عَّله: ((من رآني في المنام فقد رآني، فإنّ الشيطان
لا یتمثّل بي».
(وفي رواية مسلم) من حديث أبي هريرة: ((من رآني في المنام فسيراني في
اليقظة))،) بفتح القاف، رؤية خاصّة بصفة القرب منه.
قال الدماميني: وهذه بشارة لرائيه بالموت مسلمًا؛ لأنه لا يراه في القيامة تلك الرؤية
الخاصّة، باعتبار القرب منه إلاّ من تحقّق موته على الإسلام.
وقال شيخنا: أي: فسيراني في اليقظة على الصورة التي رآني عليها في المنام، وذلك يدلّ
على أن من رآه في المنام كانت رؤياه صادقة، (أو قال) شكّ من الراوي: (فكأنما رآني في اليقظة).
قال الشيخ أكمل الدين: ومعناه غير الأوّل لأنه تشبيه، وهو صحيح؛ لأن ما رآه في النوم
مثالي، وما يرى في عالم الحسّ حسيّ، فهو تشبيه خيالي بحسّي، انتهى.
(لا يتمثّل الشيطان بي،) هذا كالتتميم للمعنى، والتعليل للحكم، أي: لا يحصل للشيطان
مثال صورتي، ولا يتشبّه بي، فكما منعه اللَّه أن يتصوّر بصورته في اليقظة، منعه ذلك في النوم
لئلاً يشتبه الحقّ بالباطل، أو هو استئناف في جواب ما سبب ذلك، يعني: ليس ذلك المنام من
قبيل تمثّل الشيطان في خيال الرائي ما شاء من التخيلات، وإنما عزاه لمسلم وحده لوقوع الشكّ
من راويه في لفظه.
وقد رواه البخاري ومسلم أيضًا بلا شك، كلاهما من حديث أبي هريرة: ((من رآني في
المنام، فسيراني في اليقظة، ولا يتمثّل الشيطان بي)، ورواه الطبراني، وزاد: ((ولا بالكعبة))، وقال:
لا تحفظ هذه اللفظة إلاّ في هذا الحديث.

٢٧٨
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّله من الفضائل والكرامات
قال الحافظ ابن حجر: وقع عند الإسمعيلي: فقد رآني في اليقظة بدل قوله:
فسیراني ومثله عند ابن ماجه وصححه الترمذي من حديث ابن مسعود.
وفي رواية أبي قتادة - عند مسلم أيضًا - من رآني فقد رأى الحق.
وله أيضًا من حديث جابر من رآني في المنام فقد رآني، فإنه لا ينبغي
للشيطان أن يتمثل في صورتي، وفي رواية من رآني في المنام فقد رآني فإنه لا
ينبغي للشيطان أن يتمثل بي.
وروى الأزرقي عن عثمن بن ساج، قال: بلغني عن النبيّ عَّه؛ أنه قال: ((أوّل ما يرفع
الركن، والقرءان ورؤيا النبيّ في المنام)).
(قال الحافظ ابن حجر) في فتح الباري في شرح حديث أبي هريرة المذكور: (ووقع
عند الإسمعيلي) في مستخرجه: ((فقد رآني في اليقظة))، بدل قوله: ((فسيراني))، ومثله عند
ابن ماجه، وصححه الترمذي من حديث ابن مسعود،) ولا منافاة بينها وبين: فسيراني؛ لحمل
هذه الرواية على أنها من التعبير بالماضي عن الآتي، لتحقق وقوعه نحو: أتى أمر اللَّه، ولا بينها
وبين فكأنما رآني؛ لحملها على التشبيه؛ كزيد أسد.
(وفي رواية أبي قتادة) الحرث، أو عمرو، أو النعمان الأنصاري، شهدا أُحدًا وما بعدها،
(عند مسلم أيضًا) والبخاري بلفظه في التعبير، فلا وجه لقصر العز، وقال أبو قتادة: قال
النبيّ عَة: ((من رآني فقد رأى الحق)،) هكذا الرواية في الصحيحين، فما في نسخ من زيادة
نون قبل الياء في رأي لا عبرة بها، أي: رأى الرؤيا الصادقة الصحيحة، وهي التي يريها الملك
الموكل بضرب أمثال الرؤيا بطريق الحكمة لبشارة أو ندارة أو معاتبة، ليكون على بصيرة من
أمره، وأبعد بعضهم، فقال: يمكن أن يراد بالحقّ اللَّه مبالغة، تنبيهًا على أن من رآه على وجه
المحبّة والاتّباع؛ كأنه رأى اللَّه؛ كقوله: ((من أحبتي فقد أحبّ اللَّه، ومن أطاعني فقد أطاع اللَّه)،
وردّ بأنه يأباه قوله: ((فإن الشّيطان)) ... الخ.
(وله أيضًا من حديث جابر،) رفعه: ((من رآني في المنام فقد رآني))٤) أي: فليبشّر بأنه
رآني حقيقة، أي رأى حقيقتي، كما هي، فلم يتّحد الشرط والجزاء، أو هو في معنى الإخبار،
أي: من رآني، فأخبره بأن رؤياه حق لا أضغاث وأحلام، ولا تخييل شيطان، ثم أردف ذلك بما
هو تتميم للمعنى، وتعليل للحكم، فقال: (فإنه لا ينبغي)، لا يصحّ ولا يتصوّر (للشيطان أن يتمثّل
في صورتي،) لاستحالة ذلك، (وفي رواية) لمسلم أيضاً من وجه آخر عن جابر: ((من رآني
في المنام فقد رآني، فإنه لا ينبغي للشيطان أن يتشبّه بي))) والمعنى واحد.

٢٧٩
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّ من الفضائل والكرامات
وفي حديث أبي سعيد عند البخاري فإن الشيطان لا يتكوّنني أي لا يتكوّن
كوني، فحذف المضاف ووصل المضاف إليه بالفعل.
وفي حديث أبي قتادة عند البخاري فإن الشيطان لا يتراءى بي، بالراء،
بوزن يتعاطى، ومعناه: لا يستطيع أن يتمثل بي، يعني إن الله وإن أمكنه من التصور
في أي صورة أراد فإنه لم يمكنه من التصور في صورة النبي عليه.
وقد ذهب إلى هذا جماعة، فقالوا في الحديث: إن محل ذلك إذا رآه
الرائي على صورته التي كان عليها، ومنهم من ضيق الذرع في ذلك حتى قال:
لا بد أن يراه على صورته التي قبض عليها، حتى يعتبر عدد الشعرات البيض التي
لم تبلغ عشرين شعرة.
(وفي حديث أبي سعيد) الخدري (عند البخاري) من إفراده عن مسلم: أنه سمع
النبيّ معَّله يقول: ((من رآني فقد رأى الحقّ، (فإن الشيطان لا يتكوّنني)))) أي: لا يصير كائنًا في
مثل صورتي، (أي لا يتكوّن كوني،) أي: لا يتصوّر تصوّرًا كصورتي، (فحذف المضاف،
ووصل المضاف إليه بالفعل، وفي حديث أبي قتادة عند البخاري،) ومسلم أيضًا بلفظ: ((من
رآنى فقد رأى الحقّ، (فإن الشيطان لا يتراءى بي)، بالراء، بوزن يتعاطى، ومعناه: لا يستطيع
أن يتمثّل بي،) أي: المقصود منه ذلك، إذ المعنى ما يعني من اللفظ، ولو مجازًا، فإن معناه
الحقيقي النظر؛ كما في القاموس لا الاستطاعة، فاستعمله في لازمه، فإن من نظر شيئًا تصوّره، أو
ضمن ترائي معنى تصوّر فعداه بالباء وإلا فهو متعدّ بنفسه، وهذا على ما اقتصر عليه هنا من أن
الرواية، بالراء المهملة، وهي رواية لأبي ذرّ وحده للبخاري، ورواه الباقون بالزاي المنقوطة، أي:
لا يظهر في زيي، كما بيّنه المصنّف وغيره، (يعني: إن اللَّه وإن أمكنه من التصوّر في أيّ
صورة أراد، فإنه لم يمكنه التصوّر في صورة النبيّ عَّله)) فهذا الحديث يقيد مطلق الأحاديث
قبله، المفيدة أنه لا يتمثّل به على أي صفة كانت، (وقد ذهب إلى هذا جماعة،) منهم الحكيم
الترمذي وعياض، (فقالوا في الحديث: إن محل ذلك إذا رآه الرائي على صورته التي
كان)، أي وجد خلق (عليها في الدنيا، ومنهم من ضيق الذرع في ذلك،) فبالغ (حتى قال:
لا بدّ أن يراه على صورته التي قبض عليها حتى يعتبر عدد الشعرات البيض التي لم تبلغ
عشرين شعرة،) فإنما تصح رؤياه عند هؤلاء لأحد رجلين، صحابي رآه فعلم صفته، فانطبع في
نفسه مثاله، فإذا رآه جزم بأنه رأى مثاله المعصوم من الشيطان، والثاني رجل تكرّرت عليه صفاته
المنقولة في الكتب حتى انطبعت في نفسه صفاته ومثاله المعصوم، كما حصل ذلك لمن
شاهده فإذا رآه جزم برؤية مثاله، وأمّا غير هذين فلا يحصل الجزم بأنه رآه، ولو وجد في نفسه أن

٢٨٠
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّ من الفضائل والكرامات
وعن حماد بن زيد عن أيوب قال: كان محمد - يعني ابن سيرين - إذا قص
عليه رجل أنه رأى النبي عَّ له. قال: صف الذي رأيت، فإن وصف له صفة لا
یعرفها قال: لم تره، وسنده صحيح.
وقد أخرج الحاكم من طريق عاصم بن كليب قال: حدثني أبي .
المرئي هو النبي، أو قال له قائل هذا النبيّ بل يجوز أنه رأى تمثاله، ويحتمل أنه من تخييل
الشيطان، ولا يفسده قوله للذي يراه: أنا رسول اللَّه، ولا قول من يحضر معه، ذكره العلاّمة
الشهاب القرافي في قواعده ناسبًا له للعلماء، أي بعضهم قائلاً: إنه من المهم، وتعقّبه من قال:
لقد ضيقت واسعًا، وما على الذي قلته دليل ولا برهان إلّ مجرد دعوى الحقّ في خلافها،
والمعبّرون على خلاف هذا الشرط، ويبطله رؤيا اللَّه تعالى ورؤيا الملائكة، فإنه يلزمك أن
لا تصلح رؤيا اللّه، فإنّه لا صورة له حتى يتمثّل لنا، انتهى.
وزعم بعض أن القرافي أخذ بعضه من كلام شيخه العزّ بن عبد السّلام بعيد، فلفظه: كيف
تقولون إنه رآه شابًّا وشيخًا وأسود وأبيض وغير ذلك، وأجيب بأن هذه صفات الرائين، وأحوالهم
تظهر فيه عليه الصّلاة والسّلام، وهو كالمرأة لهم، فإن قلت: كيف يبقى المثال مع هذه الأحوال
المضادة له؟، قلت: لو كان لك أب شاب فغبت عنه، ثم وجدته شيخًا أو أصابه مرض فاصفرٌ، أو
اسودٌ، أنشكّ أنه أبوك؟، فما ذاك إلاّ لما ثبت في نفسك من مثاله المتقدّم عندك، فكذلك من
ثبت عنده حال النبيّ عَّ لا يشكّ فيه مع عروض هذه الأحوال، وإذا حصل له الضبط فرآه على
غير صفته، دلّ على ظلم الرائي، انتهى، لكن هذا يشكل على الحكمة الثانية المتقدّمة.
(وعن حمّاد بن زيد) بن درهم الأزدي البصري، ثقة، ثبت، فقيه، مات سنة تسع وسبعين
ومائة، وله إحدى وثمانون سنة، (عن أيّوب) بن كيسان السختياني، البصري، مات سنة إحدى
وثلاثين ومائة، وله خمس وستون سنة، (قال: كان محمّد، يعني ابن سيرين) الأنصاري، أبو
بكر البصري، ثقة، ثبت، عابد، كبير القدر، لا يرى الرواية بالمعنى مات سنة عشر ومائة، (إذا
قصّ عليه رجل أنه رأى النبيّ عَّهِ، قال: صف الذي رأيت فإن وصف له صفة لا يعرفها، قال: لم
تره)، وإنما رأيت مثالاً خيّل لك أنه مثاله، أخرجه إسمعيل القاضي، (وسنده صحيح).
قال الشامي: وجرى عليه علماء التعبير، فإذا قال الجاهل: رأيته، سئل عن صفته، فإن
وافقها فذاك، وإلاّ فلا يقبل منه.
(وقد أخرج الحاكم من طريق عاصم بن كليب) بن شهاب الجرمي، الكوفي، صدوق
رمي بالأرجاء، روى له مسلم والأربعة ومات سنة بضع وثلاثين ومائة، (قال: حدّثني أبي)
كليب بن شهاب بن المجنون، صدوق، من كبار التابعين، ووهم من ذكره في الصحابة، روى له