النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
الفصل الرابع ما اختصّ به عَةٍ من الفضائل والكرامات
قال بعضهم: هي خزائن أجناس العالم ليخرج لهم بقدر ما يطلبونه لذواتهم، فكل
ما ظهر من رزق العالم فإن الاسم الإلهي لا يعطيه إلا عن محمد علّ الذي بيده
المفاتيح، كما اختص تعالى بمفاتيح الغيب لا يعلمها إلا هو، وأعطى هذا السيد
الكريم منزلة الاختصاص بإعطائه مفاتيح الخزائن.
ومنها: أنه أوتي جوامع الكلم،
وأبيض وأسود، على اختلاف ألوانها وأشكالها، إذ الأبلق ما خالط لونه بياضًا وسوادًا، ثم يحتمل
أنها حيزوم فرس جبريل الذي ما خالط موطىء حافره مواتًا إلاّ صار حيوانًا، ويحتمل غيرها،
والخزائن: جمع خزانة ما يخزن فيه، والمال مخزون عند أهل البلاد قبل فتحها، فهو استعارة
تصريحية بفتح البلاد.
(قال بعضهم: هي خزائن أجناس:) جمع جنس (العالم:) مفرد عوالم، فاللام عوض عن
المضاف إليه، أي: خزائن العالم السفلي بأسره؛ (ليخرج لهم بقدر ما يطلبونه لذواتهم،) سواء
تعلّق بنفس الذوات، أو بمتعلّقاتها» كالمواشي والزراعات، وهذا وجه في تقرير الاستعارة في إعطاء
مفاتيح الخزائن، (فكل ما ظهر من رزق العالم، فإن الاسم الإلهي لا يعطيه إلاّ عن
محمّد عَّه) أي: فكان من يوصله إلى العالم، كالوكيل في إعطائه لهم نيابة عنه؛ لأنه حقّه
(الذي بيده المفاتيح، كما اختصّ تعالى بمفاتيح الغيب لا يعلمها إلاّ هو، وأعطى هذا السيّد
الكريم منزلة الاختصاص بإعطائه مفاتيح الخزائن،) فلا يخرج منها شىء إلاَّ على يديه.
قال الزمخشري: المراد بالخزائن: المعان أو البلاد التي فيها ذلك، أو البلاد التي فتحت
لأَّته بعده؛ التي منها خزائن كسرى وقيصر، إذ الغالب على نقود خزائن كسرى الدنانير، وعلى
نقود ممالك قيصر الدراهم، وأشار في الكشاف إلى أن هذا، وما أشبهه من قبيل التمثيل
والاستعارة، قال في قوله: ﴿وإن من شيء إلا عندنا خزائنه﴾ الآية، ذكر الخزائن تمثيل، والمعنى:
وما من شىء ينتفع به العباد إلاّ ونحن قادرون على إيجاده وتكوينه والإنعام به، فضرب الخزائن
مثلاً لاقتداره على كل مقدور.
(ومنها: أنه أُوتي جوامع الكلم،) أي: الكلم، الجوامع لمعان كثيرة بألفاظ قليلة،
قال ◌َّله: ((أعطيت جوامع الكلم واختصر لي الكلام اختصارًا))، رواه البيهقي، وأبو يعلى،
والدار قطني، يعني: أعطيت البلاغة والفصاحة، والتوصّل إلى غوامض المعاني، وبدائع الحكم،
ومحاسن العبارات، بلفظ موجز لطيف، وقيل: المراد بها القرءان، سمّي به لإيجازه واحتواء لفظه
القليل على المعنى الكثير، واشتماله على ما في الكتب السلموية، وجمعه ما فيها من العلوم،

٢٢٢
الفصل الرابع ما اختصّ به عٍَّ من الفضائل والكرامات
فالكلم جمع كلمة، وكلمات الله لا تنفذ، فالكلمة منه كلمات، ولما علم جوامع
الكلم أعطي الإعجاز بالقرءان الذي هو كلام الله تعالى، وهو المترجم عن الله
تعالى. فوقع الإعجاز في الترجمة التي هي له، فإن المعاني المجردة عن المواد لا
يتصور الإعجاز بها، وإنما الإعجاز ربط هذه المعاني بصور الكلم القائم من نظم
الحروف، فهو لسان الحق وسمعه وبصره.
ومنها: أنه بعث إلى الناس كافة، قال بعضهم: وهو من الكفت، وهو الضم،
وقال عَّ: (أعطيت فواتح الكلم وجوامعه وخواتمه))، رواه الطبراني وغيره، (فالكلم جمع
كلمة) في أحد الأقوال، وقيل: اسم جمع، وقيل: اسم جنس إفرادي يطلق على القليل
والكثير، لكن خصه الاستعمال بالثلاثة فما فوق، والمختار أنه اسم جنس جمعي، يجوز في
ضميره التذكير على الأصل، وهو الأكثر، نحو: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ الآية، والتأنيث
ملاحظة للجمعية.
(وكلمات اللَّه لا تنفذ،) بفتح التاء والفاء، كما في التنزيل لا تفنى ولا تنقطع، وكأنه
جعل هذا جواب سؤال، هو: هل تنحصر جوامع كلمة؟، فأجاب: لا تحصر، بل متى أرادها قدر
عليها، لأنها من كلمات، اللَّه ولا تنفد؛ (فالكلمة منه كلمات، ولما علم جوامع الكلم
أعطى الإعجاز بالقرءان الذي هو كلام اللّه تعالى، وهو،) أي: القرءان (المترجم)) المبين،
الكاشف (عن) الصفة القديمة، القائمة بذات (الله،) حيث دلّ عليه، فتسميته مترجمًا، مجاز
علاقته المشابهة، فالترجمة تفسير كلام الغير بلسان آخر، ويحتمل أن ضمير هو للنبيّ عَ ليه،
والظاهر الأوّل؛ لقوله: (فوقع الإعجاز،) إذ هو إنما وقع في القرءان (في الترجمة التي هي له،)
أي: في الكلمات التي وقع التعبير بها على المعاني القائمة بذاته، حيث وقعت على أسلوب
يعجز البشر عن الإتيان بمثله، (فإن المعاني المجرّدة عن المواد:) جمع مادّة، أي: الألفاظ
التي تؤدّي بها المعاني، إذ مادّتها الألفاظ، لأنها قوالب المعاني، كأنها صبت فيها كالقالب
(لا يتصوّر الإعجاز بها، وإنّما الإعجاز ربط هذه المعاني بصور الكلم القائم من نظم
الحروف،) وهذا تعليل لكون الإعجاز بالكلمات المعبّر بها عن المعاني، لا بالمعاني أنفسها،
(فهو)) أي القرءان (لسان الحقّ؛) لأنه المبين للمعاني القائمة به، المعبّر عنها بالكلمات،
(وسمعه وبصره،) لأنه المبيّ للمسموعات والمبصرات.
(ومنها: أنه بعث إلى الناس كافّة،) أي: كلّهم، ولا تقل الكافة، لأنها تدخل أل، ووهم
الجوهري، فأدخل أل؛ كما في القاموس.
(قال بعضهم: وهو) مأخوذ (من الكفت، وهو الضم) للمناسبة بينهما، والكفت يتعدّى

٢٢٣
الفصل الرابع ما اختصّ به عَة من الفضائل والكرامات
قال الله تعالى: ﴿ألم نجعل الأرض كفاتًا﴾ [المرسلات/٢٥]، أي: تضم الأحياء
على ظهرها، والأموات في بطنها، كذلك ضمت شريعته عدة جميع الناس، فلا
يسمع به أحد إلا لزمه الإيمان به، ولما سمع الجن القرءان يتلى قالوا: ﴿يا قومنا
أجيبوا داعي الله وآمنوا به﴾ [الأحقاف/٣١] الآية، فضمت شريعته الإنس والجن،
وعمت رحمته التي أرسل بها للعالم، قال تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة
للعالمين﴾ [الأنبياء/١٠٧]، فمن لم تنله رحمته فما ذاك من جهته، وإنما ذلك من
جهة القابل. فهو كالنور الشمسي أفاض شعاعه
بنفسه، ويإلى، قال المجد: كفته يكفته، صرفه عن وجهه فانكفت، والشىء إليه ضمّه وقبضه
ککفته.
(قال اللَّه تعالى: ﴿ألم نجعل الأرض كفاتًا﴾ الآية، أي: تضمّ الأحياء على ظهرها،
والأموات في بطنها،) فكفاتًا بمعنى كافتة اسم لما يكفت، أي: يضمّ ويجمع؛ كما في
البيضاوي، قال: أو مصدر نعت به، أو جمع كافت، كصائم وصيام، أو كفت، وهو الوعاء أجري
على الأرض، أي: أطلق عليها باعتبار أقطارها، انتهى، فعلى الأخيرين أطلق كفاتًا على الأرض من
حيث جعل كل جزء منها كافتًا، أي: جامعًا لما يحتوي عليه، (كذلك ضمّت شريعته عَ له
جميع الناس، فلا يسمع به أحد) عاقل، (إلاّ لزمه الإيمان به) لظهور المعجزات القطعيّة على
يده، الدالّة على حقيّة ما جاء به، وشمل أحد الإنس والجنّ، ولذا رتّب عليه قوله: (ومن ثمّ (لمّا
سمع الجنّ القرءان يتلى، قالوا: ﴿يا قومنا أجيبوا داعي الله﴾) محمّدًا عَّ إلى الإيمان،
(﴿وآمنوا به﴾ [الأحقاف / ٣١] الآية، فضمّت شريعته الإنس والجنّ) إجماعًا، كما يأتي قريبًا
بأدلّته، (وعمّت رحمته التي أرسل بها العالم،) ودليله أنه (قال تعالى: ﴿وما أرسلناك إلاّ
رحمة للعالمين﴾ [الأنبياء/ ١٠٧] الآية؛) لأن ما بعثت به سبب لإسعادهم، وموجب لصلاح
معاشهم ومعادهم، ورحم اللَّه به الخلق مؤمنهم وكافرهم بالأمن من الخسف والمسخ وعذاب
الاستئصال، ومنافقهم بالأمن من القتل وتأخير العذاب.
قال ابن عطيّة: ويحتمل أن معناه أنه هو رحمة وهدى بين أخذ به من أخذ، وأعرض عنه
من أعرض، انتهى، وإليه أشار بقوله: (فمن لم تنله رحمته) من الكفار فلم يؤمن به، (فما ذاك
من جهته) عَّهِ، (وإنما ذلك من جهة القابل،) حيث طبع اللَّه على قلوبهم، واستحبوا الكفر على
الإيمان؛ أنهما كافي التقليد، وإعراضًا عن النظر الصحيح، فلا ينفذ في قلوبهم الحقّ، وأسماعهم
تنفر منه، ولا يجتلي لأبصارهم الآيات المنصوبة في الآفاق، (فهو كالنور الشمسي أفاض شعاعه

٢٢٤
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّلةٍ من الفضائل والكرامات
على الأرض، فمن استتر عنه في كنٍّ أو ظل جدار فهو الذي لم يقبل انتشار النور
عليه، وعدل عنه، فلم يرجع إلى الشمس من ذلك منع، انتهى.
فإن قلت: إن نوحًا كان مبعوثًا إلى أهل الأرض بعد الطوفان، فإنه لم يبق
إلا من كان مؤمنًا معه، وقد كان مرسلاً إليه، وقد جاء فى حديث جابر وغيره
وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود. وفي رواية إلى
الناس كافة.
أجاب الحافظ ابن حجر، رحمه الله تعالى: بأن هذا العموم الذي حصل
لنوح عليه السلام لم يكن في أصل بعثته، وإنما اتفق بالحادث الذي وقع، وهو
انحصار الخلق في الموجودين بعد هلاك سائر الناس. وأما نبينا معَّةٍ فعموم رسالته
من أصل البعثة فثبت اختصاصه بذلك.
على الأرض، فمن استتر عنه في كنّ أو ظلّ جدار فهو الذي لم يقبل انتشار النور عليه،
وعدل عنه، فلم يرجع إلى الشمس من ذلك منع) عن فيض شعاعها، (انتهى) كلام بعضهم.
(فإن قلت:) يردّ على أن بعثه إلى كافّة الناس من خصائصه؛ (إن نوحًا كان مبعوثًا إلى
أهل الأرض بعد الطوفان، فإنه لم يبقَ إلاّ من كان مؤمنًا معه، وقد كان مرسلاً إليه، وقد جاء
في حديث جابر) في الصحيحين (وغيره،) النصّ على الخصوصيّة في قوله عَظ له: ((أعطيت
خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي)) الحديث، وفيه: ((وكان النبيّ يبعث إلى قومه)
المبعوث إليهم (خاصة، وبعثت إلى كل أحمر،) وهم العجم أو الإنس، (وأسود) العرب أو
الجنّ))، وهذه رواية مسلم.
(وفي رواية) للبخاري: ((وبعثت (إلى الناس كافّة)))) وفي رواية له أيضًا: ((عامّة))، وهما
بمعنى، فظاهر الحديث أن كل واحدة من الخمس لم تكن لأحد قبله.
( أجاب الحافظ ابن حجر رحمه اللّه تعالى) في فتح الباري في التيمم: (بأن هذا
العموم الذي حصل لنوح عليه السّلام لم يكن في أصل بعثته وإنما) هو اتّفاقي (اتّفق
بالحادث الذي وقع) وبيّنه، فقال: (وهو انحصار الخلق في الموجودين بعد هلاك سائر
الناس) بالغرق؛ كما في القرءان والقصّة مبسوطة في التفاسير وغيرها.
(وأمّا نبيّا مَِّ، فعموم رسالته من أصل البعثة، فثبت اختصاصه بذلك،) قال في الفتح:

٢٢٥
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّهِ من الفضائل والكرامات
وأما قول أهل الموقف لنوح - كما صح في حديث الشفاعة -: أنه أول
رسول إلى أهل الأرض، فليس المراد به عموم بعثته، بل إثبات أولية إرساله، وعلى
تقدير أن يكون مرادًا فهو مخصوص بتنصيصه سبحانه وتعالى في عدة آيات على
أن إرسال نوح كان إلى قومه، ولم يذكر أنه أرسل إلى غيرهم.
واستدل بعضهم لعموم بعثته: بكونه دعا على جميع من في الأرض فأهلكوا
بالغرق إلا أهل السفينة، ولو لم يكن مبعوثًا إليهم لما أهلكوا، لقوله تعالى: ﴿وما
كنا معذبين حتى نبعث رسولاً﴾ [الإسراء/١٥]، وقد ثبت أنه أول الرسل.
وأجيب: بجواز أن يكون غيره أرسل إليهم في أثناء مدة نوح،
وغفل الداودي الشارح غفلة عظيمة، فقال: قوله: ((لم يعطهن أحد قبلي))، يعني: لم تجتمع لأحد
قبله، لأن نوحًا بعث إلى الناس كافّة.
وأما لأربع فلم يعط أحد واحدة منهنّ، وكأنه نظر في أوّل الحديث، وغفل عن آخر؛
لأنه مَِّ نصّ على خصوصيته بهذه أيضًا بقوله: وكان النبيّ عَّله يبعث إلى قومه خاصة، وفي
رواية: وكان كل نبيّ يبعث إلى قومه خاصة.
(وأمّا قول أهل الموقف لنوح، كما صحّ في حديث الشفاعة) عند الشيخين: (أنّه أوّل
رسول إلى أهل الأرض، فليس المراد به عموم بعثته، بل إثبات أولية إرساله) إلى من انحصر
فيهم الوجود بعد الطوفان؛ فالأوّلية منصبة على الإرسال، فلا يلزم منه العموم، وأورد هذا ءادم
وإدريس على أنه كان قبل نوح، فإن حديث ابن حبان دلّ على أنهما رسولان، وأجيب: بأن
المراد أوّل رسول بعث إلى الأرض بالإهلاك وإنذار قومه؛ لأن رسالة عادم كانت بمهزلة التربية
والإرشاد للأولاد، لأنهم لم یکونوا کفّارًا، و کذا رسالة إدريس.
(وعلى تقدير أن يكون مرادًا، فهو مخصوص بتنصيصه سبحانه وتعالى،) أي ذكره
(في عدّة آيات؛ على أن إرسال نوح كان إلى قومه)؛ كقوله: ﴿ولقد أرسلنا نوحًا إلى قومه﴾ ﴿إنا
أرسلنا نوحًا إلى قومه) الآية، (ولم يذكر أنه أرسل إلى غيرهم)؛ كما قال لنبينا ﴿ليكون
للعالمين نذيرًا لأنذركم به ومن بلغ﴾ الآية، (واستدل بعضهم لعموم بعثته، بكونه دعا على
جميع من في الأرض،) بقوله: ﴿ربّ لا تذر على الأرض من الكافرين ديارًا﴾ الآية، (فأهلكوا
بالغرق إلّ أهل السفينة) لإيمانهم، (ولو لم يكن مبعوثًا إليهم لما أهلكوا؛ لقوله تعالى:
﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً﴾ الآية،) (وقد ثبت أنه أوّل الرسل، وأجيب: بجواز أن
يكون غيره أرسل إليهم في أثناء مدّة نوح؛) لأنه كان في الزمن الأوّل إذا

٢٢٦
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّله من الفضائل والكرامات
وعلم نوح بأنهم لم يؤمنوا فدعا على من لم يؤمن من قومه وغيرهم.
فأجيب: وهذا جواب حسن، لكن لم ينقل أنه نبىء في زمن نوح
غيره. ويحتمل أن يكون معنى الخصوصية لنبينا علّله في ذلك بقاء شريعته إلى يوم
القيامة، ونوح وغيره بصدد أن يبعث نبي في زمانه أو بعده فينسخ بعض شريعته،
انتھی.
وأما قول بعض اليهود: إن نبينا محمدًا عَّلِ مبعوث إلى العرب خاصة،
ففاسد. والدليل عليه أنهم - أي اليهود - سلموا أنه رسول صادق إلى العرب،
فوجب أن يكون كل ما يقوله
بعث نبيّ إلى قومه بعث غيره إلى آخرين، وكان يجمع في الزمن جماعة من الرسل؛ كما قاله
ابن الجوزي، فمن جاء من الرسل بشريعة إلى قومه، وجب عليهم العمل بها دون غيرها من
الشرائع، وإن بلغتهم عن أصحابها، (وعلم نوح بأنهم لم يؤمنوا، فدعا على من لم يؤمن من
قومه وغيرهم، فأجيب) دعاؤه بإهلاك الجميع بالطوفان، (وهذا جواب حسن، لكن لم ينقل أنه
نبىء في زمن نوح غيره،) فضلاً عن كونه أرسل، (ويحتمل أن يكون معنى الخصوصيّة،)
بضمّ الخاء المعجمة، وتفتح؛ كما في القاموس، وفي المصباح، بالفتح والضمّ، لغة
(لنبيّا مَّله) أي: جعلها له دون غيره (في ذلك بقاء شريعته إلى يوم القيامة، ونوح وغيره،
بصدد أن يبعث نبي في زمانه أو بعده، فينسخ بعض شريعته، انتهى) ما نقله عن الحافظ،
وترك بقيّته، وهو: ويحتمل أن يكون دعاؤه قومه إلى التوحيد بلغ بقيّة الناس، فتمادوا على
الشرك، فاستحقّوا العذاب، وإلى هذا نحا ابن عطيّة في تفسير سورة هود، قال: وغير ممكن أن
نبوّته لم تبلغ القريب والبعيد لطول مدّته.
ووجهه ابن دقيق العيد؛ بأن توحيد الله تعالى يجوز أن يكون عامًا فى حقّ الأنبياء، وإن
كان التزام فروع شريعته ليس عامًّا، لأن منهم من قاتل غير قومه على الشّرك، ولو لم يكن
التوحيد لازمًا لهم لم يقاتلهم، ويحتمل أنه لم يكن في الأرض عند إرسال نوح إلّ وقوم نوح،
فبعثته خاصة لكونها إلى قومه فقط، وهي عامّة في الصورة لعدم وجود غيرهم، لكن لو اتّفق
وجود غیرهم لم یکن مبعوثًا إلیھم، انتھی.
(وأمّا قول بعض اليهود: أن نبينا محمّدًا عَّ ◌ُلهِ مبعوث إلى العرب خاصّة، ففاسد،
والدليل عليه،) أي: على فساده، وفي نسخة: عليهم، أي: الحجّة الرادّة عليهم (أنهم، أي:
اليهود سلّموا أنه رسول صادق إلى العرب، صلة رسول، (فوجب أن يكون كل ما يقوله

٢٢٧
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّله من الفضائل والكرامات
حقًا، وقد ثبت بالتواتر أنه كان يدعي أنه رسول إلى كل الناس، فلو كذبوه فيه لزم
التناقض، أشار إليه صاحب المعالم.
ومنها: نصره عَّه بالرعب مسيرة شهر، والشهر قدر قطع القمر درجات
الفلك المحيط، فهو أسرع قاطع، لعموم رعبه في قلوب أعدائه، فلا يقبل الرعب
إلا عدوٌ مقصود ليتميز السعيد من الشقي
حقًّا، لاستحالة الكذب على الرسول.
(وقد ثبت بالتواتر أنه كان يدّعي أنه رسول إلى كل الناس، فلو كذّبوه فيه لزم
التناقض، أشار إليه صاحب المعالم،) أي: معالم السنن، شرح أبي داود للخطابي، مرت
ترجمته.
(ومنها: نصره عَّ بالرعب،) بالضم الخوف؛ كما قال: ((نصرت بالرعب، يقذف في
قلوب أعدائي (مسيرة شهر))،) كما رواه جابر، وأبو أمامة وغيرهما، ولا ينافيه رواية ابن عباس
عند الطبراني مسيرة شهرين؛ لحمله على ما إذا كان العدوّ أمامه وخلفه، فيصدق أنه مسيرة
شهرين، ويدلّ له رواية السائب بن يزيد في الطبراني أيضًا، مرفوعًا: ((ونصرت بالرعب شهرًا أمامي
وشهرًا خلفي)).
قال الشامي: فيه أن العدوّ الواحد لا يكون في وجهين بعيدين، وإنما يكون أمامه أو خلفه،
فهو يرعب، ولو لم يقابله، فأطلق الشهر باعتبار إحدى الجهتين، وكذا لو كانا عدوّين في جهتين
أمامه وخلفه، فالشهر نهاية مسافة الخوف، ولم أرَ من نّه على هذا، وهو بديع.
(والشهر قدر قطع القمر درجات الفلك المحيط، فهو أسرع قاطع،) حيث قطعها في
شهر، فالرعب المقذوف في قلوب أعدائه، أسرع قاطع، لهم عن معاداته؛ (لعموم رعبه في قلوب
أعدائه، فلا يقبل،) بموحدة (الرعب،) قبول تأثير ينتقل به من الكفر إلى الإيمان (إلاّ عدوّ
مقصود) هدايته، فأثر بقلبه حتى آمن، ولم يقصد هدايته، وإن رعب، لكن لم يتأثّر قلبه تأثيرًا
يوجب له الإيمان، بل يؤثر ما يوجب سعيه في جمع الجيوش وإهلاك الأموال في حربه؛ كما قال
تعالى: ﴿إن الذين كفروا ينفقون أموالهم﴾ الآية، وإنما كان كذلك (ليتميّز السعيد من الشقيّ،)
ومن ذلك ما للطيراني بسند حسن عن معوية بن حيدة القشيري، قال: أتيت رسول اللّه عَ لَّهِ، فلمّا
دفعت إليه، قال: ((أما أني سألت اللَّه أن يعينني بالسنة، تحفيكم وبالرعب في قلوبكم))، فقال:
بيديه جميعًا أمّا أني قد حلفت هكذا وهكذا أن لا أؤمن، بك فما زالت السنّة تحفيني، وما زال
الرعب يجعل في قلبي حتى قمت بين يديك، والسنة، بفتح السين المهملة، والنون الخفيفة:

٢٢٨
الفصل الرابع ما اختصّ به عٍَّ من الفضائل والكرامات
ومفهوم هذا: أنه لم يوجد لغيره النصر بالرعب في هذه المدة، ولا في أكثر منها،
أما ما دونها فلا، لكن لفظ رواية عمرو بن شعيب: ونصرت على العدو بالرعب
ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر فالظاهر اختصاصه به مطلقًا.
وإنما جعل الغاية شهرًا، لأنه لم يكن بين بلده عليه الصلاة والسلام وبين
أعدائه أكثر من شهر وهذه الخصوصية حاصلة له على الإطلاق، حتى ولو كان
وحده بغير عسكر، وهل هي حاصلة لأمته من بعده فيه احتمال.
ومنها: إحلال الغنائم ولم تحل لأحد قبله.
و کان
الجدب، وتحفيكم، بضم الفوقية، وسكون المهملة، وفاء تحتية: تستأصلكم وتبالغ في
إهلا ککم.
(ومفهوم هذا) ، كما في الفتح: (أنه لم يوجد لغيره النصر بالرعب في هذه المدّة،)
أي: الشهر، (ولا في أكثر منها) بالأولى، (أمّا ما دونها فلا) يختصّ به، بل يكون لغيره؛ (لكن
لفظ رواية عمرو بن شعيب،) عن أبيه، عن جدّه: ((ونصرت على العدو بالرعب، ولو كان
بيني وبينهم مسيرة شهر)»، فالظاهر) من الإغياء بلو (اختصاصه به مطلقًا).
قال الحافظ: وليس المراد بالخصوصيّة مجرّد حصول الرعب، بل هو وما ينشأ عنه من
الظفر بالعدو، (وإنما جعل الغاية شهرًا؛ لأنه لم يكن بين بلده عليه الصّلاة والسّلام) المدينة،
(وبين أعدائه أكثر من شهر) في جميع الجهات، (وهذه الخصوصيّة حاصلة له على الإطلاق
حتى لو كان وحده بغير عسكر،) ولا يشكل الاختصاص بخوف الجنّ وغيرهم من سليمن،
لأن المراد على الوجه المخصوص الذي كان عليه علّه من عدم العلم بالتسخير، بل بمجرّد
الشجاعة والإقدام البشري.
وأمّا سليمن عليه السّلام، فكل أحد علم أن له قوّة التسخير، (وهل هي حاصلة لأُقَته من
بعده، فيه احتمال) إلى هنا كلام الفتح، وأصل الاحتمال حديث أحمد: ((والرعب يسعى بين
يدي أُمّتي شهرًا))، قال بعض: الأشهر أنهم رزقوا منه حظًّا وافرًا، لكن ذكر ابن جماعة أن في
رواية أنهم مثله.
(ومنها: إحلال الغنائم) له ولأُمّته، (ولم تحلّ لأحد قبله)، كما في حديث جابر في
الصحيحين وغيرهما: ((وأحلّت لي الغنائم، ولم تحلّ لأحد قبلي))، وقدم المصنف الحديث تامًّا
في ابتداء الخصائص واستأنف في جواب سؤال ماذا كان يفعل فيها من قبله؟، فقال: (وكان)

٢٢٩
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّه من الفضائل والكرامات
من تقدم على ضربين، منهم من لم يؤذن له في الجهاد، فلم تكن له مغانم، ومنهم
من أذن له فيه، لكن كانوا إذا غنموا شيئًا لم يحل لهم أن يأكلوه، وجاءت نار
فأحرقته.
قال بعضهم: أعطي عَّه ما يوافق شهوة أمته، لأن النفوس لها التذاذ بها،
لكونها حصلت لهم عن غير قهر منهم لتحصيلها وغلبة، فلا يريدون أن يفوتهم
التنعم بها في مقابلة ما قاسوه من الشدة والتعب.
ومنها: جعل الأرض له ولأمته مسجدًا طهورًا،
كما نقله الحافظ عن الخطابي، (من تقدّم على ضربين منهم من لم يؤذن له في الجهاد،
فلم تكن له مغانم، ومنهم من أذن له فيه، لكن كانوا إذا غنموا شيئًا لم يحلّ لهم أن
يأكلوه،) أي: يتصرّفوا فيه، وخصّ الأكل، لأنه أقوى طرق الانتفاع، (وجاءت نارًا فأحرقته) إلّ
الذرية، كما استثناها الحافظ، والمراد بها نساء الكفار وصبيانهم وأرقاؤهم ومجانينهم، وقضيّة
ذلك أنها كانت تحرق الحيوانات، ومجيء النار إذا لم يكن فيها غلول ولا خيانة، وإلا بقيت
حتى تذريها الرياح؛ لحديث أبي هريرة في الصحيحين: ((غزا نبيّ من الأنبياء)) الحديث، وفيه:
((فجمع الغنائم، فجاءت النار لتأكلها، فلم تطعمها، فقال: إن فيكم غلولاً) إلى أن قال: ((فجاؤوا
برأس مثل رأس بقرة من الذهب فوضعوها فجاءت النار فأكلتها ثم أحلّ اللَّه لنا الغنائم، رأى
عجزنا وضعفنا، فأحلّها لنا))، زاد الحافظ: وقيل المراد أنه خاص بالتصرّف في الغنيمة يصرفها
حيث شاء، والأوّل أُصوب، وهو أن من مضى لم تحلّ لهم الغنائم أصلاً.
(قال بعضهم:) استئناف بياني، كأنه قيل: ما حكمة ذلك؟، فأجاب بأنه (أعطى عَّ.
ما يوافق شهوة أُمَّته؛ لأن النفوس لها التذاذ بها،) يعني أن إحلالها له ولأمّتِهِ، وإن كان تعظيمًا له
وإكرامًا، ليس إلى الدنيا، ولا لرغبته فيها لنفسه، بل ذلك توسعة على أمّته لاحتياجهم إليها
ورغبتهم فيها؛ (لكونها حصلت لهم عن غير قهر منهم لتحصيلها وغلبة،) بفتح الغين، أي: قهر،
(فلا يريدون أن يفوتهم التنعم بها في مقابلة ما قاسوه،) صلة التنعم، أي: يريدون التنعم في نظير
ما قاسوه (من الشدّة،) بالكسر اسم من الاشتداد، (والتعب،) عطف لازم على ملزوم، ثم لا يردّ
على ذلك؛ أن المراد بالغنيمة ما يشمل الفيء، لأن كلاً منهما إذا انفرد عمّ الآخر، والفيء
لا يشترط حصوله عن قهر وغلبة، بل يشمل ما انجلوا عنه بلا قتال، وما أهدوه والحرب قائمة
وغير ذلك؛ لأن ذلك كلّه يصدق عليه أنه عن قهر في الجملة، إذ لولا خوفهم ما أهدوا وما جلوا
عن شیء یتعلّق بهم.
(ومنها: جعل الأرض له ولأمّته مسجدًا وطهورًا،) بفتح الطاء على المشهور؛ كما

٢٣٠
الفصل الرابع ما اختصّ به عَ لّه من الفضائل والكرامات
والمراد: موضع سجود، أي: لا يختص السجود منها بموضع دون غيره، ويمكن أن
يكون مجازًا عن المكان المبني للصلاة، وهو من مجاز التشبيه، لأنه لما جازت
الصلاة في جميعها كانت كالمسجد في ذلك. وقيل المراد: جعلت لي الأرض
مسجدًا وطهورًا، وجعلت لغيري مسجدًا ولم تجعل له طهوراً، لأن عيسر كان
يسيح في الأرض، ويصلي حيث أدركته الصلاة، قاله ابن التين ومن قبله الداودي.
وقيل: إنما أبيح لهم في موضع يتيقنون طهارته، بخلاف هذه الأمة فأبيح لهم في
جميع الأرض، إلا فيما تيقنوا نجاسته.
قال عَّهِ: (وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أُمّتي أدركته الصّلاة فليصلّ حيث
كان))، رواه الشيخان وغيرهما عن جابر، وقدّمه المصنف تامًّا في مبدأ الخصائص، فعجيب قول
الشارح لم يذكر المصنّف الحديث الدالّ لهذه ولحلّ الغنائم، ولكن آفة العلم النسيان.
(والمراد: موضع سجود) تباح الصّلاة فيه، حيث لا مانع كنجاسة، فأطلق السجود على
الصّلاة، مجازًا من تسمية الكل باسم الجزء، (أي: لا يختصّ السجود منها بموضع دون غيره،)
بل يشمل كل مكان، (ويمكن أن يكون) المسجد (مجازًا عن المكان المبنيّ للصّلاة، وهو
من مجاز التشبيه،) أي: شبه الموضع الذي جاز فيه السجود، ولو في صحراء بالبيت المهيّأ
للصّلاة، وأطلق عليه اسمه، وهو المسجد؛ (لأنه لما جازت الصّلاة في جميعها، كانت
كالمسجد في ذلك،) فيكون استعارة تصريحيّة، أو أنه قصد تشبيهه به بتقدير الأداة، وكأنه
قيل: الموضع الذي يباح فيه السجود، كالبيت المهيّأ للصّلاة في جوازها فيه، لكن هذا الثاني
لا يطابق قوله، وهو من مجاز التشبيه.
(وقيل: المراد) ليس هذا مقابلاً لما قبله، إذ الأوّل بيان لمدلول اللفظ، وهذا في جهة
الخصوصيّة، ولفظ الفتح الذي نقل عنه المصنّف ظاهر؛ لأنه ليس فيه هذه الواو وعبارته.
قال ابن التين: قيل المراد (جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وجعلت لغيري مسجدًا،
ولم تجعل له طهورًا، لأن عيسى كان يسيح في الأرض ويصلّي حيث أدركته الصّلاة،)
فالخصوصية لنا الجمع بين جواز الصّلاة في أي محل، وبين كون الصعيد طهورًا والمسجد
شورك فيه على ما (قاله) عبد الواحد، (ابن التين، ومن قبله) أحمد بن نصر (الداودي،) كلاهما
في شرح البخاري، وسبقهما ابن بطال لذلك، ولم يبنوا على هذا حكم أمّة عيسى في صلاتهم،
لكن الأصل أن ما شرع لنبيّ شرع لأُمّته.
(وقيل: إنما أبيح لهم في موضع يتيقنون طهارته بخلاف هذه الأُمّة، فأبيح لهم في
جميع الأرض؛ إلاّ فيما تيقنوا نجاسته،) فالخصوصية على هذا جواز الصّلاة في مظنون

٢٣١
الفصل الرابع ما اختصّ به عَِّ من الفضائل والكرامات
والأظهر: ما قاله الخطابي، وهو أن من قبله إنما أبيحت لهم الصلاة في
أماكن مخصوصة نحو البيع والصوامع ويؤيده رواية عمرو بن شعيب بلفظ: ((وكان
من قبلي إنما يصلون في كنائسهم)). وهذا نص في موضع النزاع فتثبت
الخصوصية. ويؤيده ما رواه البزار من حديث ابن عباس، نحو حديث جابر وفيه:
ولم يكن أحد من الأنبياء أحد يصلي حتى يبلغ محرابه، قاله في فتح الباري.
ومنها: أن معجزته عليه الصلاة والسلام مستمرة إلى يوم القيامة، ومعجزات
الطهارة، (والأظهر ما قاله الخطابي، وهو أن من قبله إنما أبيحت لهم الصّلاة في أماكن
مخصوصة نحو البيع) كنائس النصارى، (والصوامع) للرهبان، فإن تعذّر مجيئهم لها لنحو سفر،
لم يصلّوا على ظاهره، فيسقط عنهم أداؤها، ويقضون إذا بلغوها.
قال بعض شراح الرسالة القيروانية: كان من مضى من الأمم إنما يصلّون بالوضوء في
مواضع اتّخذوها وسموها بيعًا، وكنائس وصوامع، فمن غاب منهم عن موضع صلاته لم يجز
له أن يصلّي في غيره من بقاع الأرض حتى يعود إليه، ثم يقضي كل ما فاته، وكذا إذا عدم
الماء لم يصلّ حتى يجده، ثم يقضي ما فاته، وخصّت اليهود برفع الجنابة بالماء الجاري دون
غيره، انتهى، وهو ظاهر الأحاديث المذكورة في قوله: (ويؤيّده رواية عمرو بن شعيب،) عن
أبيه، عن جدّه، (بلفظ: ((وكان من قبلي إنّما يصلّون في كنائسهم))، وهذا) اللفظ (نصّ في
موضع النزاع،) وهو هل الخصوصية بالمسجد أيضًا كالطهارة، (فتثبت الخصوصيّة)
بالمسجد، كما هي ثابتة بالطهارة، (ويؤيّده) أيضًا (ما رواه البزار من حديث ابن عباس نحو
حديث جابر) المتقدّم قبل عدّ الخصائص في المتن، (وفيه: ((ولم يكن أحد من الأنبياء
يصلّي حتى يبلغ محرابه)،) فهاتان الروايتان صريحتان في سقوط الأداء، ويقضون إذا رجعوا؛
كما جزم به بعض، كما رأيت، ويؤيّده ظاهر قوله: حتى يبلغ محرابه، فلا اتجاه لما قيل: هل
تسقط عنهم مطلقًا، أو أداؤها، ويقضون إذا رجعوا، أو محل الحصر في الكنائس ونحوها في
الحضر لا السفر، ويكون محل، خصوصيّة الأُمّة المحمديّة الصّلاة بأي محل، ولو بجوار
المسجد، وسهولة الصّلاة فيه، بل هو تقصير، ويمنع الثالث حديث ابن عباس المذكور،
والحصر في الحديث قبله، إذ التقييد لا بدّ له من دليل، (قاله في فتح الباري) في كتاب
التيمم في شرح حديث جابر المتقدّم.
(ومنها: أن معجزته عليه الصّلاة والسّلام) إضافة عهديّة أي المتبادرة المعهودة شرعًا
وهي القرءان، وبه أفصح السيوطي (مستمرّة إلى) قرب (يوم القيامة) حتى ترفع (ومعجزات

٢٣٢
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّةٍ من الفضائل والكرامات
سائر الأنبياء انقرضت لوقتها، فلم بيق إلا خبرها.
والقرءان العظيم لم تزل حجته قاطعة ومعارضته ممتنعة.
ومنها: أنه أكثر الأنبياء معجزة. قال القاضي عياض: أما كونها كثيرة فهذا
القرءان كله معجز، وأقل ما يقع الإعجاز فيه عند بعض الأئمة المحققين بسورة
﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ أو آية في قدرها، وذهب بعضهم: إلى أن كل آية منه
كيف كانت معجزة، وذهب آخرون إلى أن كل جملة منتظمة
سائر الإنبياء انقرضت لوقتها، فلم يبق إلا خبرها) ولم يشاهدها إلا من حضرها وأكثرها حسيّة
تشاهد بالبصر كناقة صالح وعصا موسى لبلادة أممهم، (والقرءان العظيم) الذي أريد بالمعجزة
المستمرة (لم تزل حجّته قاطعة) وهي عقلية تشاهد بالبصيرة لفرط ذكاء هذه الأمّة فلا يمر عصر
إلاّ ويظهر فيه شىء أخبر بأنه سيكون، (ومعارضته ممتنعة) لإعجازه فكان من يتبعه لأجلها أكثر إذ
ما يدرك بالعقل يشاهده كل من جاء بعد الأوّل، وجميع معجزات المصطفى آحاد إلاّ القرءان،
وحكمة ذلك مرّت للمصنف في انشقاق القمر عن الخطابي وغيره.
(ومنها: أنه أكثر الأنبياء معجزة،) فقد قيل: إنها تبلغ ألفًا، وقيل: ثلاثة آلاف، حكاهما
البيهقي سوى القرءان، ففيه ستون ألف معجزة تقريبًا. قال الحليمي: وفيها مع كثرتها معنى آخر
وهو أنه ليس في شىء من معجزات غيره ما ينحو نحو اختراع الأجسام، وإنما ذلك في معجزات
نبيّنا خاصّة نقله في الأنموذج.
(قال القاضي عياض) في الشفاء: ومعجزات نبيّنا خاصة أظهر من سائر معجزات الرسل
بوجهين كثرتها وأنه لم يؤت نبيّ إلّ وعند نبيّنا مثلها، أو ما هو أبلغ منها وقد نبّه الناس على
ذلك. (أمّا كونها كثيرة، فهذا القرءان كله معجز) دليل لكثرتها، وفي نسخة من الشفاء: وهذا
بالواو بدل الفاء، فالتقدير: فهذا القرءان موجود معروف وجميع أجزائه معجز فناهيك به كثرة،
(وأقلّ ما يقع الإعجاز فيه عند بعض الأئمة المحققّين بسورة) بياء الجرّ داخلة على الخبر، وفي
نسخ إسقاطها (﴿إِنّا أعطيناك الكوثر﴾)، وهي أقصر سورة في القرءان، (أو آية في قدرها) أي:
مساوية لها في الحروف والكلمات وهي ثلاث آيات فأقلّ ما يقع الإعجاز به ثلاث آيات سورة
أولاً بحيث يظهر فيه تفاصيل قوى البلاغة، (وذهب بعضهم إلى أن كل آية منه كيف كانت)
مقدار سورة أم لا؟ (معجزة) وقال قوم: لا يحصل الإعجاز بآية بل تشترط الآيات الكثيرة إذ لم
يقم دليل على عجزهم عن معارضة أقلّ من سورة، وقيل: يتعلّق الإعجاز بسورة طويلة كانت أو
قصيرة تشبثًا بظاهر قوله: بسورة. (وذهب آخرون إلى أن كل جملة منتظمة) أي: مفيدة تامّة

٢٣٣
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّلِ من الفضائل والكرامات
منه معجزة، وإن كانت من كلمة أو كلمتين.
قال القاضي: والحق ما ذكرناه أولاً، لقوله تعالى: ﴿فأتوا بسورة من مثله﴾
[البقرة/٢٣] فهو أقل ما تحداهم به، مع ما ينصر هذا القول من نظر وتحقيق
يطول بسطه.
فإذا كان هذا، ففي القرءان من الكلمات نحو من سبعة وسبعين ألف كلمة
ونیف علی عدد بعضهم،
(معجزة وإن كانت من كلمة أو كلمتين) لا يرد كيف تكون جملة منتظمة وهي كلمة؛ لأنه
يكون فيها مقدر كمدهامتان، وقال آخرون: يتعلّق بقليل القرءان وكثيره بقوله: ﴿فليأتوا بحديث
مثله﴾. قال القاضي: ولا دلالة في الآية لأن الحديث التام لا تتحصّل حكايته في أوّل كلمات
سورة.
(قال القاضي) عياض: (والحقّ ما ذكرناه أوّلاً) أن المعجزة أقصر سورة أو مقدارها؛
(لقوله تعالى: ﴿فأتوا بسورة﴾) أي سورة كانت (﴿من مثله﴾،) في الإعجاز ودخل مقدار
السورة فيه بدلالة النصّ فلا يتوهّم أنه ليس فيه دليل على مدعاه، (فهو) أي ما ذكر (أقلّ
ما تحدّاهم) اللَّه أو رسوله (به) أي طلب منهم معارضته (مع ما ينصر هذا القول) المذكور أوّلاً،
أي: يقوّيه ويؤيّده (من نظر) أي فكر وتدبّر (وتحقيق يطول بسطه) ببيان الأدلة والبراهين القائمة
لمن تدبّره، ونظير ما فيه من مراعاة كل مقام وما احتوى عليه من الجزالة واللطافة التي تحيّر
العقول فقد تحدّاهم أوّلاً بجملته، فقال: ﴿قل فأتوا بكتاب من عند اللَّهِ﴾، ثم بعشر سور فأتوا
بعشر سور مثله ثم بسورة فسجّل عجزهم بعد إرخاء عنان التكليف، (فإذا كان هذا) أي ثبت أن
ما تحدّاهم به هذا المقدّر الأقل، (ففي القرءان من الكلمات نحو من سبعة وسبعين ألف
كلمة ونيف،) أي: زيادة عليه (على عدد بعضهم) إن هذا مقداره وفي قدر هذا الزائد خلف،
قال في الاتقان: عدّ قوم كلمات القرءان سبعة وسبعين ألف كلمة وتسعمائة وأربعًا وثلاثين كلمة،
وقيل: وأربعمائة وسبعًا وثلاثين، وقيل: ومائتان وسبع وسبعون وقيل غير ذلك، قيل: وسبب
الاختلاف في عدد الكلمات أن الكلمة لها حقيقة ومجاز ولفظ ورسم واعتبار كل منها جائز،
وكل من العلماء اعتبر أحد الجوائز، قال: والاشتغال باستيعاب ذلك ممّا لا طائل تحته وقد
استوعبه ابن الجزري في فنون الأفنان فراجعه منه، فإن كتابنا موضوع للمهمّات لا لمثل هذه
البطلات، وقد قال السخاوي: لا أعلم لعدد الكلمات والحروف فائدة؛ لأن ذلك إنّما يفيد في
كتاب يمكن فيه الزيادة والنقص، والقرءان لا يمكن فيه ذلك، انتهى. فلفظ: نحو للمصنف زائد؛
لأن واحد من هذه الأقوال يصدق عليه أنه نيف.

٢٣٤
الفصل الرابع ما اختصّ به بٍَّ من الفضائل والكرامات
وعدد كلمات ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ عشر كلمات، فيتجزأ القرءان على نسبة
﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ أزيد من سبعة آلاف جزء، كل واحد منها معجز في نفسه،
ثم إعجازه - كما تقدم - بوجهين. بلاغته، وطريق نظمه، فصار في كل جزء من
هذا العدد معجزتان فتضاعف العدد من هذا الوجه،
(وعدد كلمات ﴿إِنّا أعطيناك الكوثر﴾ عشر كلمات، فيتجزّأ القرءان على نسبة ﴿إِنّا
أعطيناك الكوثر﴾) أي: على مقدارها وأتى بنسبة ليشمل آية واحدة وقدرها؛ كما مرّ، فالنسبة
مجاز عن المقدار (أزيد من سبعة آلاف جزء) أي: بسبعمائة جزء وشيء؛ لأن السبعين ألفًا إذا
قسمت على العشرة خرج لكل واحد منها سبعة آلاف، وإذا قسمت السبعة آلاف خرج لكل
واحد منها سبعمائة فيصير الحاصل أن كل جزء سبعة آلاف وسبعمائة والنيف يختلف الخارج
منه بحسب الخلاف فيه، (كل واحد منها معجز في نفسه) أي: بقطع النظر عن غيره (ثم
إعجازه) أي القرءان؛ (كما تقدّم) من ذكر الاختلاف في قدره (بوجهين) الأوّل (بلاغته) أي:
ما فيه من مراعاة الوجوه التي بها يطابق اللفظ مقتضى الحال فهي من جهة المعنى، (والثاني
(طريق نظمه) أي أسلوبه وكونه على نسق لا يشبه غيره من الكلام نظمًا وسجعًا ونثرًا وتناسب
كلماته وجملة وإيتاء كل كلمة منه ما تستحقه وتنزيلها في محل لا يليق بها غيره، كما يعرفه من
ذاق طعم البلاغة، (فصار في كل جزء من هذا العدد معجزتان) من جهة بلاغته ونظمه،
(فتضاعف) ماض من التفاعل أو مضارع من المفاعلة (العدد) أي: عدد معجزته (من هذا الوجه)
المشتمل على البلاغة والنظم، قال ابن عطية: الصحيح والذي عليه الجمهور والحذاق في وجه
إعجازه أنه بنظمه وصحة معانيه وتوالي فصاحة ألفاظه وذلك أن اللَّه أحاط بكل شىء علمًا
وأحاط بالكلام كلّه، فإذا تركبت اللفظة من القرءان علم بإحاطته أي لفظة تصلح أن تلي الأولى،
وتبيّ المعنى بعد المعنى ثم كذلك من أوّل القرءان إلى آخره والبشر يعمّهم الجهل والنسيان
والذهول، ومعلوم ضرورة أن أحدًا من البشر لا يحيط بذلك فيهذا جاء نظم القرءان في الغاية
القصوى من الفصاحة، وبهذا يبطل قول من قال: إن العرب كان في قدرتها الإتيان بمثله فصرفوا
عن ذلك. والصحيح أنه لم يكن في قدرة أحد قطّ، ولهذا ترى البليغ يفتتح القصيدة أو الخطبة
حولاً ثم ينظر فيها يتعرّفها وهلم جرًا، وكتاب اللَّه سبحانه لو نزعت منه لفظة ثم أدير لسان
العرب على لفظة أحسن منها لم يوجد، ونحن تتبيّ لنا البلاغة في أكثره ويخفى علينا وجهها
في مواضع لقصرنا عن مرتبة العرب يومئذ في سلامة الذوق، وجودة القريحة، وإقامة الحجة على
العالم بالقرءان؛ لأنهم كانوا أرباب الفصاحة ومظنّة المعارضة كما قامت الحجة في معجزة
موسى بالسّحر، وفي معجزة عيسى بالطبّ، فكأن السجر انتهى في مدّة موسى إلى غايته، وكذا

٢٣٥
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّ من الفضائل والكرامات
ثم فيه وجوه إعجاز أخر، من الإخبار بعلوم الغيب، فقد يكون في السورة الواحدة
من هذه التجزئة الإخبار عن أشياء من الغيب، كل خبر منها بنفسه معجز،
فتضاعف العدد كرة بعد أخرى.
ثم وجوه الإعجاز الأخر التي ذكرناها توجب التضعيف، هذا في حق
القرءان، فلا يكاد يأخذ العد معجزاته، ولا يحوي الحصر براهينه.
ومن ذلك انشقاق القمر وتسليم الحجر، وحنين الجذع ونبع الماء من بين
أصابعه عَّهِ، ولم يثبت لواحد من الأنبياء مثل ذلك، كما ذكره ابن عبد السلام
وغيره، وتقدم ما فيه من المباحث.
ومنها: أنه خاتم الأنبياء والمرسلين،
چبلده، انتهى.
الطبّ في زمن عيسى، والفصاحة في زمن محمّد عَّ
(ثم فيه وجوه إعجاز أُخر) غير الطريقين (من الإخبار بعلوم الغيب) أي الأمور المغيبة
سابقة أو لاحقة بيان لوجوه، (فقد يكون في السورة الواحدة من هذه التجزئة) أي الأجزاء
المذكورة المضاعفة من جهتي الإعجاز (الإخبار عن أشياء من الغيب) الأمور المغيبة عن علمنا
(كل خبر منها بنفسه معجز) باعتبار إخباره عن الغيب وقطع النظر عن غيره من وجوه الإعجاز،
(فتضاعف) ماض أو مضارع؛ كما مرّ (العدد) المذكور، أي: العدد المضاعف لقوله: (كرة) أي:
مرّة (بعد أخرى) أي: بعد مضاعفته السابقة (ثم وجوه الإعجاز الأخر التي ذكرناها) وهي ذكر
المغيبات (توجب التضعيف) الزيادة إلى ما لا يكاد يحصى كثرة (هذا في حقّ القرءان) دون
غيره من المعجزات الزائدة على معجزات سائر الأنبياء، (فلا يكاد يأخذ العدّ) وفي نسخة:
العدد، وهما بمعنى (معجزاته) أي: لا يحيط بها لكثرتها، فالمراد بالأخذ الإحاطة مجازًا بليغًا؛
كقوله: لا تأخذه سنة ولا نوم، وهو مبالغة، ولذا قال: لا يكاد (ولا يحوي الحصر) أي: الإحاطة
(براهينه) أي: أدلّته القاطعة الدالّة على ثبوت رسالته لسائر الخلق وبقيّة كلام الشفاء في هذا
الوجه ثم الأحاديث الواردة في هذه الأبواب، أي: أبواب معجزاته وما دلّ على أمره مما أشرنا
إلى جمل منه تبلغ نحوًا من هذا، أي: المقدار الكثير. (ومن ذلك انشقاق القمر، وتسليم
الحجر، وحنين الجذع، ونبع الماء من بين أصابعه علَّةِ، ولم يثبت لواحد من الأنبياء مثل
ذلك) المذكور من الأربع، وكذا اختراع الأجسام كتكثير التمر والطعام؛ (كما ذكره ابن
عبد السلام) عزّ الدين (وغيره وتقدّم ما فيه من المباحث) في المعجزات.
(ومنها: أنه خاتم الأنبياء والمرسلين؛) كما قال تعالى ﴿ولكن رسول اللَّه وخاتم

٢٣٦
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّله من الفضائل والكرامات
قال عَّه: مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى بيتًا فأحسنه وأكمله إلا موضع
لبنة من زاوية من زواياه فجعل الناس يطوفون به ويتعجبون له ويقولون: هلا وضعت
هذه اللبنة، فأنا تلك اللبنة وأنا خاتم النبيين. رواه البخاري ومسلم.
النبيّين﴾، أي: آخرهم الذي ختمهم أو ختموا به على قراءة عاصم بالفتح، وروى أحمد والترمذي
والحاكم بإسناد صحيح عن أنس مرفوعًا: ((إن الرسالة والنبوّة قد انقطعت فلا رسول بعدي ولا
نبيّ)، قيل: من لا نبيّ بعده يكون أشفق على أُمّته وهو كوالد لولد ليس له غيره، ولا يقدح نزول
عيسى بعده؛ لأنه يكون على دينه مع أن المراد أنه آخر من نبىء، وكذا الخضر والياس على
بقائهما إلى آخر الزمان تابعان لأحكام هذه الملّة.
(قال عليه الصلاة والسلام: ((مثلي) مبتدأ (ومثل الأنبياء قبلي) عطف عليه (كمثل
رجل) خبره (بنى بيتًا فأحسنه وأكمله) وفي رواية جابر: كرجل بنى دارًا فأكملها وأحسنها (إلاّ
موضع لبنة) بفتح اللام وكسر الموحدة بعدها نون وبكسر اللام وسكون الموحدة أيضًا قطعة
طين تعجن وتعدّ للبناء من غير إحراق فإذا أحرقت فهي آجرة، (من زاوية من زواياه فجعل الناس
يطوفون به) بالبيت (ويتعجّبون له) أي: لأجله، وفي رواية جابر: فجعل الناس يدخلونها
ويتعجّبون أي من حسنها، (ويقولون: هلاّ وضعت هذه اللّبنة؟) وزاد في رواية أحمد: فيتمّ
بنيانك (فأنا تلك اللبنة وأنا خاتم النبيّين))،) ومكمّل شرائع الدين، فإن قيل: المشبه به واحد
والمشبه جماعة، فكيف صح التشبيه؟ أجيب: فإِنه جعل الأنبياء كرجل واحد لأنه لا يتمّ ما أراد
من التشبيه إلاّ باعتبار الكل، وكذا الدار لا تتمّ إلاّ باجتماع البنيان، ويحتمل أن يكون من التشبيه
التمثيلي وهو أن يؤخذ وصف من أوصاف المشبه ويشبه بمثله من أحوال المشبّه به فكأنه شبّه
الأنبياء وما بعثوا به من إرشاد الناس ببيت أسّست قواعده ورفع بنيانه وبقي منه موضع يتمّ به
صلاح ذلك البيت، وزعم ابن العربي: أن اللبنة المشار إليها كانت في أسّ الدار المذكورة، وأنها
لولا وضعها لانقضت تلك الدار، قال: وبهذا يتمّ المراد من التشبيه المذكور. قال الحافظ: وهذا
إذ كان منقولاً فهو حسن، وإلاّ فليس بلازم نعم ظاهر السياق أن تكون اللبنة في مكان يظهر عدم
الكمال في الدار بفقدها، وقد وقع في رواية مسلم: ((إلا موضع لبنة من زاوية من زواياها))، فظهر
أن المراد أنها مكملة محسنة وإلا لاستلزم أن يكون الأمر بدونها ناقصًا وليس كذلك فإن شريعة
كل نبيّ بالنسبة إليه كاملة، فالمراد هنا النظر إلى الأكمل بالنسبة إلى الشريعة المحمديّة: مع
ما مضى من الشرائع الكاملة، (رواه البخاري) في أحاديث الأنبياء، (ومسلم) في الفضائل من
حديث أبي هريرة واللفظ له، ومن حديث جابر بنحوه، وفي الحديث ضرب الأمثال للتقريب
للأفهام وفضل النبيّ عَّهِ على سائر الأنبياء وأن اللَّه ختم به النبيّين وأكمل شرائع الدين.

٢٣٧
الفصل الرابع ما اختصّ به عٍَّ من الفضائل والكرامات
ومنها: أن شرعه مؤبد إلى يوم الدين، وناسخ لجميع شرائع النبيين، وأنه
أكثر الأنبياء تابعًا كما قال عليه السلام: فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة.
رواه الشيخان من حديث أبي هريرة.
ومنها أنه لو أدركه الأنبياء لوجب عليهم اتباعه،
(ومنها: أن شرعه مؤيّد) بموحدة: باق (إلى يوم الدين،) أي: يوم الجزاء ومنه كما تدين
تدان، وبيت الحماسة:
ولم يبقَ سوى العدوّا ن دناهم كمـا دانـوا
وقيل: الدين الشريعة والطاعة، فالمعنى يوم جزاء الدين وقد تكفّل اللَّه لشرعه ببقائه على
ممرّ الدهور حتى ينزل عيسى فيحكم به ثم يضمحلّ عند قيام الساعة بموت الطائفة الذين
لا يزالون قائمين بالحقّ لا يضرّهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله، أي: ريح لينة تقبض أرواحهم
فلا يبقى على الأرض من يقول لا إله إلاّ اللّه، فتقوم الساعة؛ كما بيّ في أحاديث.
(وناسخ لجميع شرائع النبيّين) إجماعًا حكاه غير واحد نعم خصّه الإمام الرازي بالشرائع
السمعية لا العقليّة فيمتنع نسخة كمعرفة الباري وطاعته، (وأنه أكثر الأنبياء تابعًا؛ كما قال عليه
السّلام:) ((ما من الأنبياء من نبيّ إلّ وقد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته
وحيًا أوحاه اللَّه إليّ، (فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة))،) ورجاؤه محقّق وقد جزم به في مسلم
عن أنس رفعه: ((أنا أكثر الأنبياء تبعًا يوم القيامة))، وروى البزار: ((يأتي معي من أُمّتي يوم القيامة مثل السيل
والليل وخصّها لأنها يوم ظهور ذلك))، (رواه الشيخان من حديث أبي هريرة،) ورتّب قوله: ((فأرجو))
الخ، على ما تقدّم من معجزات القرءان المستمرّة لكثرة فائدته وعموم نفعه لاشتماله على الدعوة والحجّة
والإخبار بما سيكون فعمّ نفعه من حضر ومن غاب ومن وجد ومن سيوجد، فحسن ترتيب الرجاء على
ذلك، وهذا قد تحقّق فإنه أكثرهم تبعًا ودلّ الحديث على أن النبيّ لا بدّ له من معجزة تقتضي إيمان من
شاهدها بصدقه ولا يضرّه من أصرّ على المعاندة، وقوله: ما مثله ما موصول وقعت مفعولاً ثانيًا لأعطى
ومثله مبتدأ وآمن خبره، والمثل يطلق ويراد به عين الشىء وما يساويه والمعنى أن كل نبيّ أعطي آية أو أكثر
من شأن من يشاهدها من البشر أن يؤمن لأجلها وعليه بمعنى اللام أو الباء ونكتة التعبير بها تضمّنها معنى
الغلبة،أي: يؤمن بذلك مغلوبًا عليه بحيث لا يستطيع دفعه عن نفسه لكن قد يخذل فيعاند؛ كما قال
تعالى: ﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم﴾، وقوله: ﴿وإنما كان الذي أوتيته وحيا﴾، أي: القرءان، المراد
النوع المختصّ به أو أعظمها وأفيدها لا حصر معجزاته فيه؛ لأنها لم تنحصر فيه أو أنه لا مثل له لا صورة
ولا حقيقة بخلاف غيره من المعجزات، فلا يخلو عن مثل، وقيل غير ذلك؛ كما بسّطه في الفتح.
(ومنها: أنه لو أدركه الأنبياء لوجب عليهم اتّباعه؛) لقوله معَّاله: ((لو كان موسى حيًّا

٢٣٨
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّةٍ من الفضائل والكرامات
كما سيأتي تقريره إن شاء الله تعالى.
ومنها أنه أرسل إلى الجن
ما وسعه إلا اتّباعي))، رواه أبو نعيم وغيره، (كما سيأتي تقريره إن شاء اللَّه تعالى) في المقصد
السادس، وسبقت الإشارة إليه في ذا المقصد والمقصد الأوّل.
(ومنها: أنه أرسل إلى الجنّ) وهم كما قال الحافظ عن أبي يعلى بن الفراء الحنبلي:
أجسام مؤلفة وأشخاص ممثلة يجوز أن تكون رقيقة وأن تكون كثيفة خلافًا لدعوى المعتزلة أنها
رقيقة وأن امتناع رؤيتنا لهم من جهة رقّتها، وهو مردود بأن الرقّة لا تمنع الرؤية، ويجوز أن يخفى
عن رؤيتنا بعض الأجساد الكثيفة إذا لم يخلق اللَّه فينا إدراكها. وروى البيهقي عن الشافعي: من
زعم أنه يرى الجنّ أبطلنا شهادته إلاّ أن يكون نبيًّا، وهو محمول على من ادعى رؤيتهم على
صورهم التي خلقوا عليها. وأمّا من ادّعى أنه يرى شيئًا منهم بعد أن يتصوّر على صورة شىء من
الحيوان، فلا يقدح فيه وقد تواترت الأخبار بتطوّرهم في الصّور، واختلف المتكلّمون هل هو
تخيّل فقط ولا ينتقل أحد عن صورته الأصليّة، أو ينتقلون لكن لا اقتدار لهم على ذلك بل
بضرب من الفعل إذا فعله انتقل كالسحر، وهذا قد يرجع إلى الأوّل. قال ابن عبد البرّ: الجنّ عند
الجماعة مكلفون، قال عبد الجبار: لا نعلم خلافًا بين أهل النظر في ذلك إلاّ ما حكي عن بعض
الحشوية أنهم مضطرّون إلى أفعالهم وليسوا مكلّفين. قال: والدليل للجماعة ما في القرءان من ذمّ
الشياطين والتحرّز من شرّهم وما أعدّ لهم من العذاب، وهذه الخصال إنما تكون لمن خالف الأمر
وارتكب النهي مع تمكّنه من أن لا يفعل والآيات والأخبار الدالّة على ذلك كثيرة جدًا، وإذا تقرّر
تكليفهم فهم مكلّفون بالتوحيد وأركان الإسلام. وأمّا ما عداه من الفروع ففيه خلاف، لما ثبت
أن الروث والعظم زاد الجنّ، وفي رواية في الصحيح: أنهما طعام الجنّ، فدلّ على جواز تناولهم
الروث وهو حرام على الإنس؛ كذا في فتح الباري ولا دليل في حديث الروث، لأنه علف
دوارهم، كما في الصحيح. وقد نقل ابن عطية وغيره الإجماع على أن الجنّ متعبّدون بهذه
الشريعة، فإن قيل: لو كانت الأحكام بجملتها لازمة لهم لتردّدوا إلى النبيّ عَ لَّه حتى يتعلّموها
مع أنهم إنما اجتمعوا به قليلاً، أجيب بأنه لا يلزم من عدم اجتماعهم به وحضورهم مجلسه
وسماعهم كلامه أن لا يعلموا الأحكام فإن في الآثار والأخبار أن مؤمنيهم يصلّون، ويصومون،
ويحجّون، ويطوفون، ويقرؤون القرءان، ويتعلّمون العلوم ويأخذونها عن الإنس، ويروون عنهم
الأحاديث، وإن لم يشعروا بهم وبأنه يمكن اجتماعهم بالنبيّ عَّه من غير أن يراهم المؤمنين،
ويكون هو يراهم دون أصحابه بقوّة يعطيها اللَّه له زائد عن قوّة أصحابه، ثم لا خلاف أنهم
يعاقبون على المعاصي.

٢٣٩
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّةٍ من الفضائل والكرامات
اتفاقًا، والدليل على ذلك قبل الإجماع: الكتاب والسنّة، قال الله تعالى: ﴿ليكون
للعالمين نذيرًا﴾ [الفرقان/١]، وقد أجمع المفسرون على دخول الجن في هذه
الآية، وهو مدلول لفظها،
.
واختلف: هل ينامون؟ وإليه ذهب الجمهور، وقال به الأئمة الثلاثة والأوزاعي وأبو يوسف
ومحمّد بن الحسن، وعليه فهل يدخلون مدخل الإنس؟ وهو قول الأكثر والأشهر والأكثر أدلّة،
زاد الحرث بن أسد المحاسبي: ونراهم في الجنّة ولا يرونا عكس الدنيا، قال الضحاك: ويأكلون
فيها ويشربون، وقال مجاهد: يلهمون التسبيح والتقديس فيجدون فيه ما يجده الإنس من اللذّة أو
يكونون في ربض الجنّة أو الأعراف أو الوقف أقوال، واستدلّ الإمام مالك على أن لهم الثواب
وعليهم العقاب بقوله تعالى: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنّتان﴾، ثم قال: ﴿فبأيّ آلاء ربكما
تكذّبان﴾، والعذاب للإنس والجنّ فإذا ثبت أن فيهم مؤمنين، ومن شأن المؤمنين أن يخاف مقام
ربّه ثبت المطلوب. واستدلّ ابن وهب بقوله تعالى: ﴿أولئك الذين حقٌّ عليهم القول في أُمم قد
خلت من قبلهم من الجنّ والإنس﴾، وابن عبد الحكم وغيره بقوله تعالى: ﴿ولكل درجات مما
عملوا﴾ بعد قوله: ﴿يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم﴾، وذهب أبو حنيفة وليث بن
أبي سليم أن ثواب الجنّ أن يجاروا من النار ثم يكونوا أترابًا، واحتجًا بقوله تعالى: ﴿ويجركم
من عذاب أليم)، وقوله: ﴿فمن يؤمن بربّه فلا يخاف بخسًا ولا رهقًا﴾، قالا: فلم يذكر في
الآيتين ثوابًا غير النجاة من العذاب، وأجيب بأن الثواب مسكوت عنه وأن ذلك من قول الجنّ،
فيجوز أنهم لم يطّلعوا على ذلك وخفي عليهم ما أعدّ اللَّه لهم من الثواب.
وروى ابن مردويه وأبو الشيخ وابن أبي الدنيا والحكيم الترمذي والديلمي بإسناد فيه
ضعف عن أبي الدرداء مرفوعًا: ((خلق اللَّه الجنّ ثلاثة أصناف: صنف حيات وعقارب وخشاش
الأرض، وصنف كالريح في الهواء، وصنف عليهم الحساب والعقاب))، (اتّفاقًا) أي: إجماعًا
بدليل قوله: (والدليل على ذلك قبل الإجماع) المعلوم من الدين بالضرورة (الكتاب والسنّة.)
أمّا الكتاب، فقد (قال الله تعالى: ﴿ليكون للعالمين نذيرًا﴾) منذرًا أو إنذارًا کالتكبير بمعنی
الإنكار، (وقد أجمع المفسّرون على دخول الجنّ في هذه الآية،) ولا يقدح فيه القول بأن
المراد الناس فقط؛ لأن كل واحد منهم من حيث اشتماله على نظائر ما في العالم الكبير من
الجواهر والإعراض يعلم بها الصانع كما يعلم فيه عالم على حاله، ولذا أمر بالنظر إلى الأنفس
في الآفاق، فقيل: ﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾. أمّا الشذوذ فلم يعتدّ به حاكى الإجماع أو أن
قائله ليس من المفسّرين، (وهو مدلول لفظها) بناء على أن العالمين اسم جمع لمن يعقل خاصّة،
وهم الملائكة والثقلان لا جمع له؛ لأن العالم اسم لما سوّى اللَّه فلو كان جمعًا له للزم أن معنى

٢٤٠
الفصل الرابع ما اختصّ به علية من الفضائل والكرامات
فلا يخرج عنه إلا بدليل.
وإن قيل إن الملائكة خارجون من ذلك فلا يضر، لأن العام المخصوص
حجة عند جمهور العلماء والأصوليين، ولو بطل الاستدلال بالعمومات المخصوصة
لبطل الاستدلال بأكثر الأدلة.
وقال تعالى في الأحقاف: ﴿أجيبوا داعي الله﴾ [الأحقاف/٣١]، فأمر
بعضهم بعضًا بإجابته دليل على أنه داع لهم، وهو معنى بعثته لهم، إلى غير ذلك
من الآيات.
المفرد أكثر من معنى الجمع، وهذا أحد قولين. والثاني: أنه جمع شامل لذوي العلم وغيرهم،
قال البيضاوي: العالم اسم لما يعلم به كالخاتم والقالب غلب فيما يعلم به الصانع وهو كل
ما سواه من الجواهر والإعراض فإنها لإمكانها وافتقارها إلى مؤثر فيها واجب لذاته تدلّ على
وجوده، وإنّما جمعت ليشمل ما تحته من الأجناس المختلفة وغلب العقلاء منهم فجمعه بالياء
والنون كسائر أوصافهم. وقيل: اسم وضع لذوي العلم من الملائكة والثقلين، انتهى. وإذا كان
كذلك، (فلا يخرج عنه إلاّ بدليل) ولم يوجد فثبت دخولهم في اللفظ (وإن قيل: إن
الملائكة خارجون من ذلك) العموم على مذهب الأكثر أنه ليس مرسلاً إليهم فتضعف دلالة
العام على إفراده لاحتماله التخصيص زيادة على ما خصّ به، فحيث ثبت استثناء الملائكة من
العالمين جاز استثناء الجنّ أيضًا، فلا تدلّ الآية على أنه مرسل إليهم، (فلا يضرّ ذلك في
الاستدلال بها على دخول الجنّ؛ (لأن العام المخصوص حجّة عند جمهور العلماء
والأصوليين) مطلقًا لاستدلال الصحابة به من غير نكير، وقيل: إن خصّ بمعين لا مبهم كاقتلوا
المشركين إلّ بعضهم، وقيل: إن خصّ بمتّصل كالصفة وقيل غير ذلك، ومحل الخلاف إن لم
نقل أنه حقيقة وإلا احتجّ به جزمًا؛ كما قاله ابن السبكي فتقييد المصنّف بالجمهور بناء على أنه
مجاز، فإن قلنا حقيق كان حجّة عند الجميع.
(ولو بطل الاستدلال بالعمومات المخصوصة،) كما قيل به مطلقًا أيضًا؛ (لبطل
الاستدلال بأكثر الأدلّة) لكونها مخصوصة وهو خلاف عمل الصحابة والأئمة بعدهم، (وقال
تعالى في الأحقاف) ذكر لمن يعلم أو شذّ عنه: ﴿يا قومنا (أجيبوا داعي اللَّه﴾، فأمر بعضهم
بعضًا بإجابته دليل على أنه داع لهم وهو معنى بعثته لهم إلى غير ذلك من الآيات؛) كقوله
تعالى: ﴿لأنذركم به ومن بلغ﴾ والجن بلغهم القرءان، وقوله تعالى: ﴿سنفرغ لكم أيه الثقلان﴾
وهما الإنس والجنّ؛ لأنهما ثقلا الأرض أو لأنهما مثقلان بالذنوب. وقال: ولمن خاف مقام ربّه