النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ الفصل الرابع ما اختصّ به عَ لّم من الفضائل والكرامات والرمي بالشهب، قال ابن عباس: كانت الشياطين لا يحجبون عن السموات، وكانوا يدخلونها ويأتون بأخبارها، فيلقون على الكهنة، فلما ولد عيسى عليه السلام منعوا من ثلاث سلهوات، فلما ولد محمد عَِّ منعوا من السموات كلها، فيخبرون به غيرهم، (والرمي) بالجر بياء مقدّرة، أي: وحراسة السماء بالرمي (بالشهب،) أي: رمي الملائكة للشياطين عند استراق السمع، قال تعالى: ﴿فمن يستمع الآن يجد له شهابًا رصدًا﴾ الآية، قيل: الأولى تأخير عند مبعثه عن هذا ليتعلّق بالثلاثة، وجوابه أنهما عصف علّة على معلول والعّة تقارن معلولها، في الزمان، فيفيد أن الثلاثة عند مبعثه، فلا فرق بين تقديمها وتأخيرها، ثم المتبادر من المصنف؛ أنه لم يتخلّل زمن بين المبعث والرمي بالشهب، وذكر ابن الجوزي؛ أن قريشًا وبني لهب، بكسر اللام رأت الرمي بالنجوم بعد المبعث بعشرين يومًا، فاجتمعوا إلى كاهن اسمه حظر، أتت عليه مائتان وثمانون سنة، فذكر الخبر مطوّلاً جدًا، وفي آخره أنه من أجلّ مبعوث عظيم الشأن، يبعث بالتنزيل والقرءان، من نجل هاشم الأكارم، يبعث بالملاحم، وقتل كل ظالم، هذا هو البيان، أخبرني به رئيس الجان أغمي عليه، فما أفاق إلّ بعد ثالثة، فقال: لا إله إلاّ اللَّه، فقال عَُّله: ((لقد نطق عن مثل نبوّة، وإنه يبعث يوم القيامة أمة وحده)، وفي سيرة ابن إسحق: لما تقارب أمره عَّله، وحضر مبعثه، حجبت الشّياطين عن السمع، وحيل بينها وبين المقاعد التي كانت تسترقٍ فيها، فرموا بالنجوم، فعرف الجنّ أنه أمر حدث فأوّل من فزع من ذلك ثقيف، فأتوا عمرو بن أُميّة بن علاج، وكان أدهى العرب، وأفكرها رأيًا، فقال: إن كانت هي النجوم التي يهتدي بها في البرّ والبحر، ويعرف بها الأنواء، فهو طي الدنيا وهلاك الخلق، وإن كانت غيرها، وهي ثابتة على حالها، فهو لأمر أراد الله به هذا الخلق. (قال ابن عباس: كانت الشّياطين لا يحجبون عن السموات، وكانوا يدخلونها ويأتون بأخبارها فيلقون على الكهنة)، وفي تفسير ابن عطيّة: روي في الرمي بالشهب أحاديث صحاح، مضمونها أن الشياطين كانت تصعد إلى السماء، فتقعد لتسمع واحدًا فوق واحد، فيتقدّم الأجسر نحو السماء، ثم الذي يليه ثم الذي يليه، فيقضي اللَّه بأمر من أمر الأرض، فيتحدّث به أهل السماء، فيسمعه، منهم الشيطان الأدنى، فيلقيه إلى الذي تحته فرّما، أحرقه شهاب، وقد ألقى الكلام، وربما لم يحرقه جملة، فتنزل تلك الكلمة إلى الكهان، فيكذبون معها مائة كذبة، فتصدق تلك الكلمة، فيصدق الجاهلون الجميع، (فلمّا ولد عيسى عليه السّلام منعوا من ثلاث؛) كأن حكمة تخصيصه دون باقي الأنبياء على ظاهره تعظيم المصطفى لقرب زمنه؛ كما قال: ((أنا أولى الناس بعيسى ليس بيني وبينه نبيّ))، (فلما ولد محمّد عَِّ منعوا من السموات كلّها) وما وقع عند الزبير بن بكّار، أن إبليس كان يخترق السموات ويصلّ إلى أربع، فلما ولد المصطفى، ٢٠٢ الفصل الرابع ما اختصّ به عٍَّ من الفضائل والكرامات فما منهم أحد يريد استراق السمع إلا رمي بشهاب، وهو الشعلة من النار، فلا يخطىء أبدًا، فمنهم من يقتله، ومنهم من يحرق وجهه، ومنهم من يخبله فيصير غولاً يضل الناس في البراري، وهذا لم يكن ظاهرًا قبل مبعث النبي معَّ اله، ولم يذكره أحد قبل زمانه، وإنما ظهر في بدىء أمره، وكان ذلك أساسًا لنبوته. حجب من السبع، محمول على ما بعد ولادة عيسى، بدليل تفصيل ابن عباس المذكور، (فما منهم أحد يريد استراق السمع إلا رمي بشهاب، وهو الشعلة من النار) التي تشبه النجم المنقض، وبهذا جزم البيضاوي، ويأتي أنهم كانوا يرمون بنفس النجوم، (فلا يخطىء أبدًا) من حيث الإصابة، وإن كان قد يتخلّف الإحراق، كما بيّه بقوله: (فمنهم من يقتله) فيموت حريقًا، (ومنهم من يحرق وجهه) ولا يموت، (ومنهم من يخبله))) بضمّ التحتية، وفتح الخاء المعجمة، وشدّ الباء أبلغ من فتح الياء، وسكون الخاء، وكسر الباء، أي: يفسد عقله أو عضوه، (فيصير غولاً،) أي: شيطانًا (يضلّ الناس في البراري،) وفي الحديث: ((إذا تغوّلت لكم الغيلان، فنادوا بالأذان)). وفي البغوي: فاتّبعه شهاب ثاقب، كوكب مضيء لا يخطئه فيقتله أو يحرقه أو يخبله، وإنما يعودون إلى استراق السمع، مع علمهم أنهم لا يصلون إليه طمعًا في السّلامة، ونيل المراد، كراكب البحر، قال عطاء: سمّي النجم الذي يرمي به ثاقبًا؛ لأنه يثقبهم. وفي البيضاوي: والشهاب ما يرمى به؛ كأنه كوكب انقضّ، وما قيل أنه بخار يصعد إلى الجوّ فيشتغل، فتخمين إن صح لم يناف ذلك، إذ ليس فيه ما يدلّ على أنه ينقضّ من الفلك، ولا ينافي قوله: ﴿ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجومًا للشياطين﴾ الآية، فإن كل نير يحصل في الجوّ العالي، فهو مصباح لأهل الأرض، وزينة للسماء من حيث أنه يرى كأنه على سطحه، ولا يبعد أن يصير الحادث بما ذكر في بعض الأوقات رجمًا للشياطين، يتصعد إلى قرب الفلك للسمع، وما روي أن ذلك حدث بميلاد النبيّ عَ له إن صح، فلعلّ المراد كثرة وقوعه أو مصيره دحورًا، واختلف في أن المرجوم يتأذّی به فیرجع أو یحرق به، لكن قد یصیب الصاعد مرّة وقد لا يصيب كالموج لراكب السفينة ولذلك لا يرتدعون عنه رأسًا، ولا يقال: إن الشّيطان من النار لا يحترق لأنه ليس من النار الصرف، كما أن الإنسان ليس من التراب الخالص، مع أن النار القويّة إذا استولت على الضعيفة استهلكتها، انتهى، ولعلّ قوله: قد يصيب وقد لا، معناه: قد يحترق وقد لا، فلا خلف، (وهذا،) أي: الرمي بالشهب (لم يكن ظاهرًا قبل مبعث النبيّ عَّهِ، ولم يذكره أحد قبل زمانه، وإنما ظهر في بدء أمره، وكان ذلك أساسًا النبوّته،) وفيه إفادة أنه كان موجودًا، لكنه قليل بالنسبة لزمنه، فلا يخالف قوله: (وقال معمر) بن ٢٠٣ الفصل الرابع ما اختصّ به عَّةٍ من الفضائل والكرامات وقال معمر قلت للزهري: أكان يرمى بالنجوم في الجاهلية؟ قال: نعم. قلت: أفرأيت قوله: يقال ﴿وإنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع﴾ [الجن/٩] الآية، قال: غلظت وشدد أمرها حین بعث محمد ع﴾. وقال ابن قتيبة: إن الرجم كان قبل مبعثه، ولكن لم يكن في شدة الحراسة بعد مبعثه، وقيل: إن النجم كان ينقض ويرمي الشياطين ثم يعود إلى مكانه. ذكره البغوي. ومنها أنه أتى بالبراق راشد: (قلت للزهري) محمّد بن مسلم بن شهاب: (أكان يرمى بالنجوم في الجاهلية؟،) أي: ما قبل البعثة، (قال: نعم، قلت: أفرأيت قوله تعالى: ﴿وإنّا كنا نقعد منها مقاعد للسمع﴾ [الجن / ٩] الآية،) فإن ظاهرها؛ أنه لم يكن يرمي بها في الجاهلية، (قال: غلظت، وشدّد أمرها حين بعث محمّد عٍَّ))) وقد روى ابن إسحق، عن ابن عباس، عن نفر من الأنصار: أن النبيّ عَّه، قال لهم: (ما كنتم تقولون في هذا الذي يرمى به))؟، قالوا: يا نبيّ اللَّه! كنّا نقول مات ملك ملك ملك، ولد مولود مات، فقال، عٍَّ: ((ليس ذلك، ولكن اللَّه تبارك وتعالى كان إذا قضى في خلقه أمرًا، سمعه حملة العرش، فسبحوا، فسبح من تحتهم لتسبيحهم، فسبح من تحت ذلك، ولا يزال التسبيح يبسط حتى ينتهي إلى السماء الدنيا، فيسبحوا، ثم يقول بعضهم لبعض: ممّ سبحتم؟، فيقولون: سبح من فوقنا، فسبحنا بتسبيحهم، فيقولون: ألا تسألون من فوقكم ممَّ سبحوا، فيقولون مثل ذلك حتى ينتهوا إلى حملة العرش، فيقال لهم: ممَّ سبحتم؟ فيقولون: قضى اللَّه في خلقه كذا وكذا للأمر الذي كان، فيهبط الخبر من سماء إلى سماء، حتى ينتهي إلى السماء الدنيا، فيتحدّثوا به، فيسترقه الشياطين بالسمع على توهم واختلاف، ثم يأتوا به الكهان من أهل الأرض فيحدّثونهم فيخطئون ويصيبون فيتحدّث به الكهان فيصيبون بعضًا، ويخطئون بعضًا، ثم إن اللَّه حجب الشّياطين بهذه النجوم التي يقذفون بها، فانقضت الكهانة اليوم فلا كهانة)). (وقال ابن قتيبة: إن الرجم كان قبل مبعثه، ولكن لم يكن في شدّة الحراسة،) كالشدّة الكائنة (بعد مبعثه، وقيل: إن النجم كان ينقض ويرمي الشياطين، ثم يعود إلى مكانه) من السماء، (ذكره البغوي) في تفسيره، وقضيّة هذا كلّه منعهم من الاستراق رأسًا؛ لكن قال السهيلي: إنه بقي من أستراق السمع بقايا يسيرة، بدليل وجودهم على الندور في بعض الأزمنة وبعض البلاد، انتهى. (ومنها: أنه أُتي بالبراق،) بضمّ الموحدة، وخفة الراء: دابّة فوق الحمار ودون البغل من ٢٠٤ الفصل الرابع ما اختصّ به عَّ له من الفضائل والكرامات ليلة الإسراء مسرجًا ملجمًا، وقيل وكانت الأنبياء إنما تركبه عريانًا. ومنها أنه أسري به عَّه من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وعرج به من المحل الأعلى، وأراه من آياته الكبرى، وحفظه في المعراج حتى ما زاغ البصر وما طغى، وأحضر الأنبياء له وصلى بهم وبالملائكة إمامًا. وأطلعه على الجنة والنار. وعزيت هذه للبيهقي. ومنها: أنه رأى الله تعالى بعينيه، كما يأتي في مقصد الإسراء إن شاء الله تعالى، وجمع الله له بين الكلام والرؤية، وكلمه الله تعالى في الرفيع الأعلى، وكلم موسى بالجبل. البرق لسرعة سيره؛ لأنه يضع حافره عند منتهى طرفه، أو لشدّة صفائه، لأنه أبيض، أو لأنه ذو لونين بياض وسواد، (ليلة الإسراء مسرجًا ملجمًا، قيل: وكانت الأنبياء إنما تركبه عريانًا،) فيه تجرّز؛ لأنه إنما يقال في الآدمي وفي غيره عرى، بضم فسكون. (ومنها: أنه أسرى به عَّ من المسجد الحرام) راكبًا على البراق، وحوله جبريل وغيره (إلى المسجد الأقصى،) فربط البراق بالحلقة التي يربط بها الأنبياء، ثم دخل المسجد وصلّى فيه ركعتين، (وعرج به من المحلّ الأعلى) الأقرب علوًّا من الأرض إلى السماء، (وأراه من آياته الكبرى، وحفظه في المعراج حتى ما زاغ:) مال (البصر وما طغى،) ما تجاوز إلى رؤية ما لم يرد منه، بل جمع همّته في توجّهه إلى الحقّ بكليته، فما التفت إلى ما سواه، (وأحضر الأنبياء، له وصلّى بهم وبالملائكة) في بيت المقدس، وفي السموات (إمامًا) ليعلم أنه إمام الكل في الدنيا والأخرى، (وأطلعه على الجنّة والنار) يقظة ليلة الإسراء ليحصل له الإنس بأهوال يوم القيامة، وليتفرّع فيه للشفاعة، ويقول: ((أنا لها أنا لها وأمّتي أُمّتي))، حيث يقول غيره: نفسي نفسي، (وعزيت هذه،) أي: اطّلاعه عليهما (للبيهقيء) ولفظ الأنموذج: عدّ هذه البيهقي، أي: من خصائصه. (ومنها: أنه رأى اللَّه تعالى بعينيه) يقظة على الراجح؛ (كما يأتي في مقصد الإسراء إر شاء اللَّه تعالى، وجمع له بين الكلام والرؤية، وكلّمه اللَّه تعالى في الرفيع) بالفاء، أي: المكان (الأعلى) على سائر الأمكنة تشريفًا له، لا لأنه تعالى في مكان يوصف بقرب أو بعد، (وكلّم موسى بالجبل،) وذاك أشرف منه للفرق بين من رفعه الملك إلى محل شريف ليخاطبه فيه، وبين من خاطبه في محلّ يساويه فيه غيره، وقد روى ابن عساكر في حديث المعراج مرفوعًا: ((هبط جبريل، فقال: إن ربّك يقول: لقد وطئت في السماء موطئًا لم يطأه أحد قبلك ولا يطؤه أحد بعدك)). ٢٠٥ الفصل الرابع ما اختصّ به عَلِ من الفضائل والكرامات ومنها أن الملائكة تسير معه حيث سار يمشون خلف ظهره وقاتلت الملائكة معه - كما مر - في غزوة بدر وحنين. ومنها: أنه يجب علينا أن نصلي ونسلم عليه، الآية: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾ [الأحزاب/٥٦]، وعنده أيضًا عن أنس مرفوعًا: ((لما أسرى بي قرّبني ربّي حتى كان بيني وبينه قاب قوسين أو أدنى))، وما أجمع قول الأنموذج، وبالإسراء وما تضمّنه من اختراق السموات السبع، والعلوّ إلى قاب قوسين، ووطئه مكانًا ما وطئه نبيّ مرسل، ولا ملك مقرّب، وإحياء الأنبياء له، وصلاته إِمامًا بهم وبالملائكة، واطلاعه على الجنّة والنار، عدّ هذه البيهقي، ورؤيته آيات ربّه الكبرى، وحفظه حتى ما زاغ البصر وما طغى، ورؤيته للباري تعالى مرّتين، وبركوب البراق في أحد القولين، انتھی. (ومنها: أن الملائكة تسير معه حيث سار، يمشون خلف ظهره،) قال أبو نعيم: ليكونوا حرسًا له من أعدائه، ولا ينافيه: والله يعصمك من الناس؛ لأن هذا إن كان قبل نزول الآية، فطاهر، وإلا فمن عصمة اللَّه له أن يوكل به جنده من الملأ الأعلى تشريفًا له، وقد روى ابن سعد عَبِّ، وقال لأصحابه: ((امشوا أمامي وخلّوا ظهري للملائكة))، أي: فرغوه لهم عن جابر: خرج عَّ اللّه، ليمشوا خلفي، وهذا كالتعليل لومر بالمشي للملائكة، وقيل: إنما كان يمشي خلف أصحابه، ليختبر حالهم، وينظر إليهم حال تصرّفهم في معاشهم، ويربي من يحتاج إلى التربية، وهذا شأن الراعي مع الرعية. قال النووي: وإنما تقدّمهم في قصة جابر، لأن دعاهم إليه فجاؤوا تبعًا، كصاحب الطعام إذ دعا طائفة يمشي أمامهم، وقدمت هذا في مشيه، (وقاتلت الملائكة معه،) ولم يكونوا مع غيره إلّ مددًا، (كما مرّ في غزوة بدر) قتالهم عن جميع الجيش، (وحنين) على ما جزم به ابن القيّم، نقله عنه المصنّف في غزوتها عملاً بظواهر أحاديث مرّت، والجمهور على أنها لم تقاتل يوم حنين؛ كما قدّمه المصنف في بدر، لأن اللَّه قال: ﴿وأنزل جنودًا لم تروها﴾ الآية، ولا دلالة فيه على قتال، نعم في الصحيحين: أن ملكين قاتلا عن النبيّ عَّه يوم أحد كأشدّ القتال، والمعروف من قتال الملائكة، كما قال ابن كثير: إنما هو يوم بدر، وكانوا فيما عداها عددًا ومددًا، ولا يردّ هذا الحديث، لأنه عن المصطفى خاصة، لا عن عموم الجيش كبدر. (ومنها: أنه يجب علينا أن نصلّي ونسلّم عليه) في الجملة اتّفاقاً، فمرة في العمر عند المالكية، وفي التشهد الأخير عند الشافعية، وكلّما ذكر عند جمع من المذاهب الأربع؛ (الآية:) ﴿إِن اللَّه وملائكته يصلون على النبيّ﴾) ﴿يا أيها الذين آمنوا صلّوا عليه وسلّموا تسليمًا﴾ ٢٠٦ الفصل الرابع ما اختصّ به عَّةٍ من الفضائل والكرامات ولم ينقل أن الأمم المتقدمة كان يجب عليهم أن يصلوا على أنبيائهم. ومنها: أنه أوتي الكتاب العزيز، وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب، ولا اشتغل بمدارسة. ومنها: حفظ كتابه هذا من التبديل والتحريف، الآية، (ولم ينقل أن الأُمم المتقدّمة كان يجب عليهم أن يصلّوا على أنبيائهم،) قال في الأنموذج: ومن خواصه أنه ليس في القرءان، ولا غيره صلاة من اللَّه على غيره، فهي خصيصيّة اختصّه اللَّه بها دون سائر الأنبياء. (ومنها: أنه أُوتي الكتاب العزيز،) الغالب على كل كتاب بمعانيه وإعجازه، ونسخة أحكامها أو الذي لا نظير له، أو الممتنع مضاهاته لإعجازه أو من التغيير والتحريف لحفظ اللَّه له، (وهو أُمّي، لا يقرأ، ولا يكتب، ولا اشتغل بمدارسة،) ومن يقرأ ويكتب لتكون الحجّة أثبت والشبهة أدحض، وهذا أعلى درجات الفضل له حيث كان كذلك، وأتى بالعلوم الجمّة، والحكم المتوافرة، وأخبار القرون الماضية بلا تعلم خطّ ولا استفادة من كتاب بخلاف غيره؛ كما قدّم المصنف بسط ذلك. وروى ابن أبي حاتم عن عبادة رفعه: ((أن جبريل أتاني، فقال: أخرج فحدث بنعمة اللَّه التي أنعم الله عليك)) الحديث، وفيه: (لقّني كلامه وأنا أَمّي)، وفي رواية: ((وأتاني كتابه وأنا أُمّي)). (ومنها: حفظ كتابه هذا من التبديل والتحريف) على ممرّ الدهور، بخلاف غيره من الكتب؛ فإن بعضها بدّل، وحرّف للبيهقي عن الحسن في تفسير قوله تعالى: ﴿وقرءانًا فرقناه لتقرأه على الناس) الآية، على مكث، قال حفظة الله: فلا يزيد أحد فيه باطلاً، ولا ينقص منه حقًا، وكأنه أخذ هذا التفسير من لازم الآية، وللبيهقي أيضًا عن يحيى بن أكثم دخل يهودي على المأمون، فأحسن الكلام، فدعاه إلى الإسلام، فأبى، ثم بعد سنة جاء مسلمًا، فتكلّم على الفقه، فأحسن الكلام، فسأله المأمون ما سبب إسلامه، قال: انصرفت من عندك، فامتحنت هذه الأديان فعمدت إلى التوراة، فكتبت ثلاث نسخ، فزدت فيها ونقصت، وأدخلتها البيعة، فاشتريت منّي، وعمدت إلى القرءان، فكتبت ثلاث نسخ، فزدت فيها ونقصت، وأدخلتها الوراقين، فتصفحوها، فوجدوا فيها الزيادة والنقصان، فرموا بها فلم يشتروها، فعلمت أن هذا الكتاب محفوظ، فكان هذا سبب إسلامي. قال يحيى: فحججت تلك السنة، فلقيت سفين بن عيينة، فذكرت له هذا، فقال: مصداقه في الكتاب، قلت: في أي موضع؟، قال: في قوله في التوراة والإنجيل: بما استحفظوا من كتاب ٢٠٧ الفصل الرابع ما اختصّ به عَ دِ من الفضائل والكرامات حتى سعى كثير من الملحدة والمعطلة، سيما القرامطة في تغييره وتبديل محكمه، فما قدروا على إطفاء اللَّه، فجعل حفظه إليهم، وقال: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ الآية، فحفظه الله تعالى فلم يضع، (حتى سعى كثير من الملحدة:) من الإلحاد، وهو الميل، سمّوا بذلك لعدولهم عن ظواهر الشريعة وتأويلها بأمور سخيفة، ويسمون باطنية، وهم الإسمعيلية المنسوبون إلى إمامة إسماعيل بن جعفر الصادق، وغرضهم إبطال الشرع؛ لأنّهم في الأصل يهودًا ومجوس، (والمعطلة) الذين نفوا الصانع، وتستروا بزي الإسلام خوفًا من القتل، وسعوا في نقض الدين وتزيين ما يروج على بعض العقول القاصرة، (سيّما القرامطة،) طائفة من الملحدين. قال السمعاني في الأنساب: القرمطي، بكسر القاف، وسكون الراء، وكسر الميم والمهملة، نسبة إلى طائفة خبيثة من أهل هجر ولحيان، وأصلهم رجل من سواد الكوفة، يقال له: قرمط، وقيل: حمدان بن قرمط، وسبب ظهورهم؛ أن جماعة من أولاد بهرام جور ذكروا آباءهم وجدودهم وما كانوا فيه من العزّ والملك وزوال ذلك بالإسلام، فاتّفقوا على رفعه، وقالوا: نفرقهم ونفسد الرعايا عليهم، فقسموا الدنيا أربعة أقسام لكل ربعها، فذهب واحد إلى الكوفة، فأوّل من أجابه حمدان بن قرمط، فأعانه على الدعوة، وقيل: سموا قرامطة، لأن النبيّ عَّه رأى عامرًا يمشي، وهو من أهل المدينة فقال: إنه ليقرمط في مشيه، انتهى، أي: يقارب خطاه، ومنه الخط المقرمط، وعلى هذا فهو عربي، وقيل: معرّب؛ وإن جدهم كان يسمّى كرمد، بالكاف العجمية، ومعناه بالفارسية السفلة، فغيّروه وعرّبوه قرمط، وكان أحمر البشرة والعينين، وكان ظهوره سنة ثمان وسبعين ومائتين، فأظهر زهدًا وصلاحًا حتى اجتمع عليه خلق كثير، فزعم أن النبيّ عَّله بشّر به؛ وأنه الإمام المنتظر، وابتدع مقالات في كتاب، وقال: إنه الكلمة والمهدي، وزعم أنه انتقل إليه كلمة المسيح وجعل الصّلاة ركعتين بعد الصبح، ركعتين بعد المغرب، والصّوم يومين بالنيروز والمهرجان، وجعل القبلة إلى بيت المقدس، فكانت لهم وقائع وحروب، ودعاة وخلفاء، مذكورة في التواريخ حتى ظهر منهم سليلمن بن الحسن الجبائي، فعاث في البلاد وأفسد، وقصد مكّة، فدخلها يوم التروية سنة سبع عشرة وثلاثمائة في خلافة المقتدر، فقتل الحجاج، ورماهم بزمزم، وقلع باب، الكعبة، وأخذ كسوتها، وأخذ الحجر الأسود، فبقي عندهم اثنتين وعشرين سنة، فبذل لهم خمسون ألف دينار ليردوه، فأبوا، ثم ردّوه مكسورًا، فوضع في مكانه وتغلّبوا على مصر والشام حتى قاتلهم جوهر، القائد فهزمهم وقتل منهم خلقًا كثيرًا، وكانت مدّة خروجهم ستًا وثمانين سنة، حتى أهلكهم الله وأبادهم، وكانوا يحرفون القرءان ويتأولونه بتأويلات فاسدة لا تقبلها العقول، (في تغييره وتبديل محكمه، فما قدروا) في هذه المدة الطويلة (على إطفاء شىء من نوره،) تمثيل لحالهم في سعيهم ٢٠٨ الفصل الرابع ما اختصّ به عَّ من الفضائل والكرامات شىء من نوره، ولا تغيير كلمة من كلمه، ولا تشكيك المسلمين في حرف من حروفه، قال تعالى: ﴿لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه﴾ [فصلت/٤٢]، الآية. وكتابه يشتمل على ما اشتملت عليه جميع الكتب، جامعًا لأخبار القرون السالفة والأمم البائدة، والشرائع الدائرة، مما كان لا يعلم منه القصة الواحدة إلا الفذ من أحبار أهل الكتاب، الذي قطع عمره في تعلم ذلك. في تحريف القرءان بمن أراد إطفاء نور عظيم منتشر في الآفاق، (ولا تغيير كلمة من كلمه))) تفسير لما قبله بجعل كلام اللَّه نوراً، (ولا تشكيك المسلمين في حرف من حروفه،) فضلاً عن كلمة فهو ترق (قال تعالى: ﴿لا يأتيه الباطل﴾) إ يتطرق إليه (من بين يديه ولا من خلفه﴾) أي: من جهة الجهات (الآية، وكتابه يشتمل على ما اشتملت عليه جميع الكتب) الإلهيّة وزيادة، روى البيهقي عن الحسن: أنزل اللَّه مائة كتاب وأربعة كتب، أودع علومها أربعة كتب: التوراة، والإنجيل، والزبور والفرقان، وأودع علوم التوراة، والإنجيل، والزبور في الفرقان، (جامعاً) كل شيء، قال تعالى: ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبيانًا لك شىء﴾ [النحل/٨٩] الآية. روى ابن جرير وغيره عن ابن مسعود: من أراد العلم فعليه القرءان فإن فيه خير الأوّلین والآخرين، وأنزل فيه كل علم، وبيّن لنا فيه كل شىء، لكن علمنا يقصر عمّا بين فيه، كجمعه لأخبار القرون السالفة،) أي الماضية (والأمم البائدة) الذاهبة المنقطعة؛ كما في القاموس، فهو مساوٍ لما قبله وما بعده، أو الهالكة على ما في المصباح، فهو مباين لما قبله مفهومًا، وإن اتّحدا ما صدقا، (والشرائع الدائرة،) بمهملة، ومثلثة من دثر إذا ذهب ولم يبقَ له أثر، وفي تعبيره نوع من البلاغة يسمّى التفنّن، لأن الثلاثة متغايرة اللفظ، متقاربة المعاني، وهذا لفظ الشفاء في الوجه الرابع من إعجاز القرءان، ثم المراد التي دثرت وذهبت أهاليها، إذ الأحكام باقية لم تدثر، فهو مجاز، وإليه يشير قوله: (ممّا كان لا يعلم منه القصّة الواحدة إلّ الفذّ:) الفرد الواحد (من أحبار) علماء (أهل الكتاب الذي قطع عمره في تعلّم ذلك،) فيورده النبيّ عٍَّ على وجهه، ويأتي به على نعته، فيعترف العالم بذلك بصحته وصدقه؛ وأن مثله لم ينله بتعليم، قاله عياض؛ وذلك لكبر كتبهم وعدم تقييد الأخبار بجملتها حتى قبل التوراة ستّون سفرًا متفرّقة بين أحبارهم بيد كل واحد سفر، فإذا وقعت حادثة وسئلوا عنها، قالوا: هذه في سفر فلان، وقال بعضهم: القرءان جامع لنبأ الأولين والآخرين، فعلم الأمم الماضية علم خاص وعلم هذه الأمّة علم عام، وعلم أهل الكتاب قليل، وما أُوتيتم من العلم إلاّ قليلاً، وقرأ ابن عباس: وما أوتوا، وعلم هذه الأُمة كثير، ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا، أنزل إليك الكتاب والحكمة، الكتاب ٢٠٩ الفصل الرابع ما اختصّ به عَ له من الفضائل والكرامات ويسر حفظه لمتعلميه، وقربه على متحفيه، كما قال تعالى: ﴿ولقد يسرنا القرءان للذكر﴾ [القمر/١٧]، وسائر الأمم لا يحفظ كتبها الواحد منهم، فكيف بالجم الغفير على مرور السنين الكثيرة عليهم، والقرءان ميسر حفظه للغلمان في أقرب مدة. ومنها: أنه أنزل على سبعة أحرف تسهيلاً علينا، وتيسيرًا وشرفًا ورحمة وخصوصية لفضلنا. القرءان، والحكمة فهمه، (ويسّر) سهل (حفظه لمتعلّيمه) عن ظهر قلب، (وقربه) سهل فهمه (على متحفيه،) أي: الذين أتحفوا به، أي: سروا بحفظه، وفي نسخة: على منحفظيه، أي: قرب تحصيله على المتحفّظ، أي: المتمسّك به، الخائف ذهابه منه، إذ نسيانه كبيرة، ولا يرد أنه مرفوع عن الأُمّة، لأن الذنب في التفريط في محفوظه بتعاهده ودرسه. قال القرطبي: من حفظ القرءان أو بعضه، فقد علت رتبته، فإذا أُخلّ بهاتيك الرتبة حتى تزحزح عنها، ناسب أن يعاقب، فإن ترك تعاهده يفضي إلى الجهل والرجوع إلى الجهل بعد العلم شديد؛ (كما قال تعالى: ﴿ولقد يسرنا﴾ سهلنا أو هياناً ﴿القرءان للذكر﴾ [القمر / ١٧] الآية،) للأذكار والإتّعاظ؛ بأن صرفنا فيه أنواع المواعظ والعبر، أو للحفظ بالاختصار وعذوبة اللفظ، فهل من مذكر: متّعظ، (وسائر،) أي: باقي (الأَمم) غير هذه الأُمّة (لا يحفظ كتبها الواحد منهم،) وإذا كان كذلك (فكيف) يتوهم (بالجم الغفير) حفظه (على مرور السنين الكثيرة عليهم،) وطول أعمالهم، فهو استفهام فيه تعجيب ممن يتوهم أن غير هذه الأمّة شاركها في حفظ كتبهم، (والقرءان ميسر حفظه للغلمان في أقرب مدّة،) فغالبهم يحفظه قبل البلوغ أو كثير منهم، وهو من أعظم النعم. روى البخاري في تاريخه والبيهقي مرفوعًا: ((من أعطاه اللَّه تعالى حفظ كتابه، فظنّ أن أحدًا أعطى أفضل مما أعطى فقط غلط))، وفي رواية: ((صغر أعظم النعم، لأنه قد أُوتي النعمة العظمى التي كل نعمة، وإن عظمت فهي بالنسبة إليها حقيرة، فإذا رأى أن غيره ممن لم يعظ ذلك أُوتي أفضل ممّا أُوتي فقد صغّر عظيمًا))، ومن خواصه أنه نزل منجمًا، وأنه مستغن عن غيره؛ وأنه نزل من سبعة أبواب. (ومنها: أنه أُنزل على سبعة أحرف؛) كما في الصحيحين وغيرهما، واختلف في معناه على نحو أربعين قولاً، بسطها في الاتقّان، أشار المصنّف إلى قول منها، فقال: وإنما نزل كذلك (تسهيلاً علينا، وتيسيرًا، وشرفًا، ورحمة وخصوصيّة لفضلنا،) فليس المراد حقيقة العدد، بل المراد ما ذكر، لأن لفظ سبعة يطلق على إرادة الكثرة في الآحاد، كما يطلق السبعون في ٢١٠ الفصل الرابع ما اختص به عَّله من الفضائل والكرامات ومنها: كونه آية باقية لا تعدم ما بقيت الدنيا. ومنها: أنه تعالى تكفل بحفظه، فقال تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ [الحجر/٩]، العشرات والسبعمائة في المئين، ولإيراد العدد المعين إلى هذا جنح عياض ومن تبعه، ويردّه حديث ابن عباس في الصحيحين مرفوعًا: ((أقرأني جبريل على حرف، فراجعته، فلم أزل أستزيده ویزیدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف)). وفي حديث أَبي عند مسلم: ((إن ربّي أرسل إليّ أن أقرأ القرءان على حرف، فرددت عليه أن هوّن على أُمّتي، فأرسل إليّ أن اقرأه على سبعة أحرف». وفي لفظ عند النسائي: ((أن جبريل وميكائيل أتياني، فقعد جبريل على يميني وميكائيل على يساري، فقال جبريل: اقرأ القرءان على حرف، فقال ميكائيل: استزده حتى بلغ سبعة أحرف)). وفي حديث أبي بكرة عند أحمد: ((فنظرت إلى ميكائيل، فسكت، فعلمت أنه قد انتهت العدّة))، فهذا يدلّ على إرادة حقيقة العدد وانحصاره، وأقرب الأقوال قولان، أحدهما: أن المراد سبع لغات، وعليه أبو عبيدة، وثعلب، والزهري، وآخرون، وصححه ابن عطيّة، والبيهقي، وتعقّب بأن لغات العرب أكثر من سبعة، وأجيب بأن المراد أفصحها، والثاني: أن المراد سبعة أوجه من المعاني المتّفقة بألفاظ مختلفة، نحو: أقبل وتعال، وهلمّ، وعجّل، وأسرع، وعليه سفين بن عيينة، وابن وهب، وخلائق، ونسبه ابن عبد البرّ لأكثر العلماء. قال السيوطي: والمختار أن هذا من المتشابه الذي لا يدرى معناه، كمتشابه القرءان والحديث، وعليه ابن سعدان النحوي، لأن الحرف يصدق لغة على الهجاء، وعلى الكلمة وعلى المعنى، وعلى الجهة. وفي فتح الباري قال أبو شامة: ظنّ قوم أن القراءات سبع، الموجودة الآن هي التي أُريدت في الحديث، وهو خلاف إجماع أهل العلم قاطبة، وإنما يظنّ ذلك بعض أهل الجهل، وقال مكيّ بن أبي طالب: من ظنّ أن قراءة هؤلاء القرّاء، كعاصم ونافع هي الأحرف السبعة التي في الحديث، فقد غلط غلطًا عظيمًا، ويلزم من هذا، أن ما خرج عن قراءة هؤلاء السبعة ممّا ثبت عن الأئمة وغيرهم، ووافق خطّ المصحف؛ أن لا يكون قرءانًا وهذا غلط عظيم، انتهى. (ومنها: كونه آية باقية لا تعدم،) بفتح، فسكون، أي: لا تزول (ما بقيت الدنيا) مدّة بقائها إلى قرب قيام الساعة فيرفع، كما في الأحاديث. (ومنها: أنه تعالى تكفّل بحفظه) دون غيره، فوكل حفظه إليهم، (فقال تعالى: ﴿إنا ٢١١ الفصل الرابع ما اختصّ به عَّله من الفضائل والكرامات أي: من التحريف والزيادة والنقصان، ونظيره قوله تعالى في صفة القرءان: ﴿لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه﴾، وقوله: ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا﴾ [النساء/٨٢]. فإن قلت: هذه الآية تنفي الاختلاف فيه، وحديث ((أنزل القرءان على سبعة أحرف)) المروي في البخاري وغيره عن عمر، يثبته، فأجاب الجعبري في أول شرحه للشاطبية: بأن المثبت اختلاف تغاير، والمنفي ختلاف تناقض، فموردهما مختلف، انتھی. فإن قلت: فلم اشتغلت الصحابة بجمع القرءان في المصحف نحن نزلنا الذكر،﴾) أي: القرءان (﴿وإنّا له لحافظون) الآية، أي: من التحريف والزيادة والنقصان،) فلم يقع فيه شىء منها، (ونظيره قوله تعالى في صفة القرءان:) ﴿وإنه لكتاب عزيز (﴿لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه﴾ الآية،) أي: ليس قبله كتاب يكذبه ولا بعده، (وقوله): ﴿أفلا يتدبّرون القرءان﴾، ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيرًا﴾ الآية،) تناقضًا في معانيه وتباينًا في نظمه، (فإن قلت: هذه الآية تنفي الاختلاف فيه، وحديث: (أنزل القرءان على سبعة أحرف))، المروي في البخاري وغيره؛) كمسلم وأحمد، (عن عمر،) وهو متواتر، رواه أحد وعشرون صحابيًّا، ونصّ على تواتره أبو عبيد، وأخرج أبو يعلى أن عثمن قال على المنبر: أذكر اللَّه رجلاً سمع النبيّ عَّم قال: ((إن القرءان أنزل على سبعة أحرف، كلها شاف كاف»، فقاموا حتى لم يحصوا، فشهدوا بذلك، فقال: وأنا أشهد معهم، (يثبته،) أي: الاختلاف، فهذا تناقض، قلت: (أجاب الجعبري،) نسبة إلى جعبر، بموحدة، بوزن، جعفر: قلعة على الفرات، (في أوّل شرحه للشاطبيّة؛ بأن المثبت اختلاف تغاير، والمنفي اختلاف تناقض٤) بأن يكون مفهوم أحد المحلين إيجابًا، والآخر سلبًا لذلك الإيجاب، وهذا لا يقع منه شىء في القرءان، (فموردهما مختلف، انتهى،) ولا يردّ عليه أن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم قرىء برفع عباد ونصبه، فبينهما تناف، إذ في الرفع إثبات أنها عباد مملوكون، مسخّرون، مقهورون، والنصب نفي كونهم عبيدًا؛ لأن المراد النفي بقيد الصفة، أي: ليسوا مماثلين لكم في العقل والإدراك، بل هي أجسام تنحتونها بأيديكم، (فإن قلت: فلم اشتغلت الصحابة بجمع القرءان في المصحف،) وكان ابتداء ذلك على يد أبي بكر بمشورة عمر، فقيض لذلك زيد بن ثابت؛ كما رواه البخاري مطوّلاً، وروى ابن أبي داود بإسناد حسن عن عليّ: أعظم الناس في المصاحف أجرًا أبو بكر، هو أوّل من جمع كتاب اللَّه، ٢١٢ الفصل الرابع ما اختصّ به عٍَّ من الفضائل والكرامات وقد وعد الله تعالى بحفظه، وما حفظه الله تعالى فلا خوف عليه. فالجواب : - كما قال الرازي - إن جمعهم للقرءان كان من أسباب حفظ الله تعالى إياه، فإنه تعالى لما أراد حفظه قيضهم لذلك، قال: وقال أصحابنا: وفي هذه الآية دلالة قوية على أن البسملة آية من كل سورة، لأن الله قد وعد بحفظ القرءان، والحفظ لا معنى له إلا أن يبقى مصونًا عن التغيير، وإلا لما كان محفوظًا عن الزيادة، ولو جاز أن يظن بالصحابة أنهم زادوا لوجب أيضًا أن يظن بهم النقصان. وذلك يوجب الخروج عن كونه حجة. لكن عنده أيضًا عن عليّ: لما مات عَّ آليت لا آخذ ردائي إلاّ لصلاة جمعة حتى أجمع القرءان، فجمعه، قال الحافظ: وهذا الأثر ضعيف لانقطاعه وبتقدير صحته، فمراده بجمعه حفظه في صدره، ونازعه السيوطي، بأن له طريقًا آخر عند ابن الضريس، وثالثًا عند ابن أُمّية، وفيه: أن عليًّا كتب في مصحفه الناسخ والمنسوخ، وابن سيرين قال: تطلبته وكتبت فيه إلى المدينة فلم أقف عليه، فكان ما جمع في عهد أبي بكر عنده حياته، ثم عند عمر، ثم حفصة بنته حتى قدم حذيفة على عثمن، فقال: أدرك الأمة قبل أن يختلفوا اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها، ثم نردّها إليك، فأرسلتها، فأمر جماعة من الصحابة، فنسخوها في المصاحف، ثم ردّها إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق؛ كما في البخاري. (وقد وعد اللَّه تعالى بحفظه، وما حفظه الله تعالى فلا خوف عليه،) وكيف قال حذيفة ما ذكروا ووافقه عثمن، (فالجواب كما قال الرازي) الإمام فخر الدين: (إن جمعهم للقرءان كان من أسباب حفظ اللَّه تعالى إيّاه، فإنّه تعالى لمّا أراد حفظه قيضهم) سببهم (لذلك) ويسره لهم. (قال: وقال أصحابنا) الشافعية: (وفي هذه الآية دلالة قويّة على أن البسملة آية من كل سورة؛ لأن اللَّه قد وعد بحفظ القرءان،) ولن يخلف اللَّه وعده، (والحفظ لا معنى له إلاّ أن يبقى مصونًا عن التغيير) بالزيادة والنقص، (وإلاّ) نقل أنها آية من كل سورة، (لما كان محفوظًا عن الزيادة، ولو جاز أن يظنّ بالصحابة أنهم زادوا) البسملة أوّل كل سورة، (لوجب أيضًا أن يظنّ بهم النقصان،) إذ لا فرق بينهم عقلاً، (وذلك يوجب الخروج عن كونه حجّة،) ولا قائل بذلك، فثبت أنها قرءان بمنزلة سورة قصيرة للفصل بين السور، ومنهم من قال: ليست آية من الفاتحة، ولا من كل سورة إلاّ في النمل فقط، لكن يستحب افتتاحه بها في غير الصّلاة، ٢١٣ الفصل الرابع ما اختصّ به عٍَّ من الفضائل والكرامات واختلف فيه، كيف يحفظ القرءان؟ فقال بعضهم: حفظه بأن جعله معجزاً مباينًا لكلام البشر، يعجز الخلق عن الزيادة فيه والنقصان منه، لأنهم لو زادوا فيه أو نقصوا منه تغير نظم القرءان، فيظهر لكل العقلاء أن هذا ليس من القرءان. وقال آخرون: أعجز الخلق عن إبطاله وإفساده بأن قيض جماعة يحفظونه ويدرسونه فيما بين الخلق إلى آخر بقاء التكليف. وقال آخرون: المراد بحفظه هو أن أحدًا لو حاول أن يغير بحرف أو نقطة لقال له أهل الدنيا: إنه كذب، حتى إن الشيخ المهيب لو اتفق له تغيير في حرف منه لقال الصبيان كلهم: أخطأت أيها الشيخ وصوابه كذا، ولم يتفق لشىء، من الكتب مثل هذا الكتاب، فإنه لا كتاب إلا وقد دخله التصحيف والتغيير والتحريف، كما يستحب ابتداؤه بالاستعاذة إجماعًا ونصًّا، فإذا قرأت القرءان فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم، والإجماع على أن الاستعاذة ليست منه، فليس في كتب البسملة ما يدلّ على الدعوى، بل ولا على أنها آية مستقلّة. (واختلف فيه كيف يحفظ القرءان؟،) أي: في، أي: صفة حفظه له، (فقال بعضهم: حفظه بأن جعله، معجزًا مباينًا لكلام البشر، يعجز الخلق عن الزيادة فيه والنقصان منه؛ لأنهم لو زادوا فيه أو نقصوا منه، تغيّر نظم القرءان فيظهر لكل العقلاء أن هذا ليس من القرءان،) وهذا حفظ عظيم. (وقال آخرون: أعجز الخلق عن إبطاله وإفساده؛ بأن قيّض) الباء سببيّة، أي: بتقييض، وفي نسخة: بل قيض ببل الانتقالية (جماعة يحفظونه ويدرسونه فيما بين الخلق إلى آخر بقاء التكليف،) ولا تباين بين هذين القولين، فلا مانع من كونهما معًا بيانًا لصفة الحفظ، كالثالث، وهو: (وقال آخرون: المراد بحفظه هو أن أحدًا لو حاول أن يغيّر بحرف) ، أي: بإبدال حرف منه بحرف آخر، (أو نقطة) بأن يزيدها أو ينقصها أو يسقطها؛ (لقال أهل الدنيا إنه كذب، حتى أن الشيخ المهيب،) بوزن مبيع (لو اتّفق له تغيير في حرف منه لقال الصّبيان كلّهم،) فضلاً عن الرجال: (أخطأت أيها الشيخ، وصوابه كذا، ولم يتّفق لشىء من الكتب مثل هذا الكتاب، فإنه لا كتاب إلاّ وقد دخله التصحيف، والتغيير، والتحريف. (وقد صان اللَّه تعالى هذا الكتاب العزيز عن جميع التحريف،) وحكمة ذلك مع أن الكتب السطوية كلّها كلام اللَّه؛ أنها إن غيّرت جاء نبيّ بعده يبيّ ما غيّر أو بدّل بخلاف القرءان ٢١٤ الفصل الرابع ما اختصّ به عَّ من الفضائل والكرامات وقد صان الله تعالى هذا الكتاب العزيز عن جميع التحريف، مع أن دواعي الملحدة واليهود والنصارى متوفرة على إبطاله وإفساده، وانقضى الآن ثمانية وتسعون سنة وثمانمائة سنة، وهو بحمد الله في زيادة من الحفظ. ومنها: أنه عليه السلام خص بآية الكرسي، نزل على خاتم النبيّين، فلا نبيّ بعده يبيّ التغير لو وقع فيه، (مع أن دواعي الملحدة واليهود والنصارى متوفّرة،) حريصة ومجتمعة (على إبطاله) أصلاً، (وإفساده، وانقضى الآن ثمانية وتسعون سنة وثمانمائة، وهو بحمد اللَّه في زيادة من الحفظ،) وكذا انقضى ستّ بعد مائة وألف، وهو كذلك، ولا يزال حتی یرفع. (ومنها: أنه عليه السلام خصّ بآية الكرسي،) يعني: أنها لم تنزل على غيره، روى الديلمي مسلسلاً عن أبي أمامة: سمعت عليًّا يقول: ما أرى رجلاً أدرك عقله في الإسلام يبيت حتى يقرأ هذه الآية: ﴿اللَّه لا إله إلّ هو الحيّ القيوم﴾ الآية، إلى قوله: ﴿وهو العليّ العظيم﴾ الآية، فلو تعلمون ما هي أو ما فيها لما تركتموها على حال، إن رسول اللَّه عَ ل قال: ((أعطيت آية الكرسي من تحت العرش، ولم يؤتها نبيّ قبلي))، قال عليّ: فما بتّ ليلة منذ سمعتها من رسول اللَّه عَ له حتى أقرأها، قال أبو أمامة: وما تركتها منذ سمعتها من عليّ، ثم سلسله الباقون. وأخرج أبو عبيد وابن الضريس، عن عليّ: آية الكرسي أعطيها نبيّكم من كنز تحت العرش، ولم يعطها نبي قبل نبيكم، وسميت بذلك لذكر الكرسي فيها، والآية العلامة وآية القرءان على تمام الكلام، أو لأنها جماعة من كلمات القرءان، والآية تقال للجماعة. قال بعضهم: والكرسي فيه صور الأشياء كلّها فما في الأرض صورة إلاّ ولها في الكرسي مثل، فما في العرش إقامته، ففي الكرسي أمثلته، وما في السموات إقامته ففي الأرض صورته، فجمعت هذه الآية تفصيل المفصلات. وقال ابن عربي: قد ثبت في القرءان الأخبار بتفاضل سوره، وإنافة بعضها على بعض في حقّ القارىء بالنسبة لما لنا فيه من الأجر، وقد ورد آية الكرسي سيّدة آي القرءان؛ لأنه ليس فيه آية ذكر اللَّه فيها بين مضمر وظاهر ستّة عشر موضعًا إلاّ آية الكرسي، قال شيخنا: ليس المراد أن الجلالة واقعة بين المضمر والظاهر، ولا أن المضمر واقع بين شيئين، أحدهما لفظ الجلالة، والآخر اسم ظاهر، بل المراد أن اللَّه ذكر في ستّة عشر موضعًا، وتلك المواضع منقسمة إلى كون بعضها مضمرًا وبعضها ظاهرًا، فالظاهر في خمسة، وهي: اللَّه والحيّ القيّوم العليّ العظيم، والمضمر أحد عشر هو من لا إله إلّ هو، والضمير البارز في لا تأخذه، ثالثها له، رابعها وخامسها ٢١٥ الفصل الرابع ما اختصّ به عٍَّ من الفضائل والكرامات وبالمفصل وبالمثاني وبالسبع الطوال، كما في حديث ابن عباس بلفظ: وأعطيت خواتيم سورة البقرة من كنوز العرش، وخصصت به دون الأنبياء، عنده إلاّ بإذنه، سادسها المستتر في يعلم، سابعها البارز في علمه، ثامنها المستتر في شاء، تاسعها البارز في كرسيّه، عاشرها البارز في ولا يؤده، حادي عشرها المنفصل في قوله: وهو، وكأنه لم يعتبر الضمائر المستترة في الحيّ القيوم العليّ العظيم؛ لأن المستتر فيه هو الاسم الظاهر، الدالّ على ذاته، فكأنه هو والضمير عبارة عن معنى واحد. وقال الغزالي: إذا تأمّلت جملة معاني أسماء الله الحسنى من التوحيد والتقديس، وشرح الصفات العلا، وجدتها مجموعة في آية الكرسي، فلذا ورد أنها سيّدة آي القرءان، فإن شهد اللَّه ليس فيها إلاّ التوحيد، و﴿قل هو الله أحد﴾ الآية، ليس فيها إلاّ التوحيد والتقديس، و﴿قل اللَّهمّ مالك الملك﴾ الآية، ليس فيها إلا الأفعال وكمال القدرة، والفاتحة فيها رمز إلى هذه الصّفات بلا شرح، وهي مشروحة في آية الكرسي، ويقرب منها في هذه المعاني آخر الحشر وأوّل الحديد، إذ تشتمل على أسماء وصفات كثيرة، لكنّها آيات لا آية واحدة، وهذه إذا قابلتها بآحاد تلك الآيات وجدتها أجمع للمقاصد، فلذا استحقّت السيادة على الآي، انتھی. وفي هذا الحديث: ((من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة، لم يمنعه من دخول الجنّة إلّ الموت))، رواه النسائي وابن حبان، وروي أن من أدمن قراءتها عقب كل صلاة؛ فإنه لا يتولّى قبض روحه إلاّ اللَّه، (وخصّ (بالمفصل،) ويسمّى المحكم، ستّي مفصلاً، لأن سوره قصار، كل سورة كفصل من الكلام، وآخره الناس اتّفاقًا، وهل أوّله الحجرات، أو الجاثية، أو القتال، أو ق، أو الصافّات، أو الصف، أقوال أرجحها الأوّل، (وبالمثاني وبالسبع الطوال،) بكسر الطاء جمع طويلة، وأمّا بضمّها، فمفرد كرجل طوال؛ (كما في حديث ابن عباس بلفظ: ((وأُعطيت خواتيم سورة البقرة))،) من آمن الرسول، وقيل: من للَّه إلى آخرها، ويدلّ له ما روى أبو عبيد عن كعب، قال: إن محمّدًا أُعطي أربع آيات لم يعطها موسى ﴿لَّه ما في السموات وما في الأرض﴾ [البقرة/٢٥٥] الآية، حتى ختم البقرة، فتلك ثلاث، وآية الكرسي (من كنوز العرش)، قال الحافظ العراقي: معناه أنها ادّخرت وكنزت له، فلم يؤتها أحد قبله، وكثير من القرءان منزّل في الكتب السابقة باللفظ أو المعنى، وإن كان فيه أيضًا ما لم يؤت غيره، لكن في هذه الخصوصيّة لأمته، وهي وضع الأصر الذي على من قبل، ولذا قال: (وخصّصت به دون الأنبياء،) أي: بإعطاء ما ذكر من الخواتيم، وقال غيره: اللَّه أعلم ما هذا الكنز، ويجوز كونه كنز اليقين، فهو كنز مخبوء تحت العرش، أخرج منه تعالى ثمانية مثاقيل من نور اليقين، فأعطى منها ٢١٦ الفصل الرابع ما اختصّ به عَلّ من الفضائل والكرامات وأعطيت المثاني مكان التوراة، والمعين مكان الإنجيل، والحواميم مكان الزبور وفضلت بالمفصل. رواه أبو نعيم في الدلائل. رسول اللَّه عَ لَّهُ أربعة، وزيد ذخيرة خصوصية للرسالة، فلذا وزن إيمانه بإيمان الخلق فرجع، انتهى وهو غريب. وقد جرى على الأوّل الطيبي، فقال الكنز: النفائس المدفونة المدخرة، فهو أشارة إلى أنها ادخرت له، فلم تنزل على من قبله، وهو من إدخال الشىء في جنس، وجعله أحد أنواعه على التغليب، فالكنز نوعان متعارف، وهو المال الكثير، يجعل بعضه فوق بعض ويحفظ، وغير متعارف، وهو هذه الآيات الجامعة المكتنزة بالمعاني الإلهية. وروى الطبراني، وأبو الشيخ، والضياء في المختار، عن أبي أمامة، رفعه: ((أربع أنزلت من كنز تحت العرش، لم ينزل منه شىء غيرهنّ: أمّ الكتاب، وآية الكرسي، وخواتيم سورة البقرة، والكوثر))، (وأعطيت المثاني مكان التوراة،) أي: بدل ما فيها، (والمئين))) بفتح الميم عند بعض، وكسرها عند آخر، وهو المناسب للمفرد، وكسر الهمزة، ومثناة تحتية ساكنة، أي: السور التي تلي السبع الطوال، أو التي أوّلها ما يلي الكهف، لزيادة كل منها على مائة آية، أو تقاربها أو التي فيها القصص، وقيل غير ذلك، (مكان الإنجيل، والحواميم مكان الزبور، وفضلت بالمفصل،» أي: صيرت أفضل، أي: أزيد من غيري بما أنزل عليّ منه، (رواه أبو نعيم في الدلائل،) ويعارضه ما روى أحمد، والبيهقي، والطبراني عن واثلة مرفوعًا: «أعطيت مكان التوراة السبع الطول، وأعطيت مكان الزبور المعين، وأعطيت مكان الإنجيل المثاني، وفضلت بالمفصل». وروى محمّد بن نصر عن أنس مرفوعًا: ((إن اللَّه أعطاني السبع مكان التوراة، وأعطاني الراءات مكان الإنجيل، وأعطاني ما بين الطواسين إلى الحواميم مكان الزبور، وفضّلني بالحواميم والمفصل، ما قرأهن نبيّ قبلي)»، وهذا مخالف لحديثي ابن عباس وواثلة معًا من وجهين، أحدهما: في المعطى مكان تلك الكتب، والثاني: صريحه أن الحواميم والمفصل مما أعطي، لا في مقابلة شىء، وصريح حديث ابن عباس، أن الحواميم مكان الزبور، فليطلب الجمع أو الترجيح. وروى الحاكم عن معقل بن يسار مرفوعًا: ((أعطيت سورة البقرة من الذكر الأوّل، وأعطيت طه، والطواسين، والحواميم من ألواح موسى، وأعطيت فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، من تحت العرش، والمفصل نافلة))، والطول في حديث واثلة، بضم الطاء، وفتح الواو، كما ضبطه السيوطي بالقلم، وفي النهاية الطول، بالضم، وفي القاموس السبع الطول كصرد والذكر الأوّل ٢١٧ الفصل الرابع ما اختصّ به عَ لَّه من الفضائل والكرامات وقال تعالى: ﴿ولقد آتيناك سبعًا من المثاني والقرءان العظيم﴾ [الحجر/ ٨٧]، وفي البخاري من حديث أبي هريرة، عنه عَ ◌ّه قال: ((أمّ القرءان هي السبع المثاني والقرءان العظيم» سائرة. الصحف العشرة، والكتب الثلاثة، قاله الكلابادي. (وقال تعالى: ﴿ولقد آتيناك سبعًا من المثاني﴾ الآية)، بيان لسبعًا من التثنية أو الثناء، فإنه مثنى، تكرر قراءته وألفاظه، أو قصصه ومواعظه، أو مثنى عليه بالبلاغة والإعجاز، ومثن على اللَّه بما هو أهله من صفاته العظمى وأسمائه الحسنى، (﴿والقرءان العظيم﴾) عطف كل على بعض، أو عطف عام على خاص، وفي المثاني تفاسير ذكر بعضها مقدّمًا أرجحها، فقال: (وفي البخاري) في تفسير سورة الحجر (من حديث أبي هريرة عنه عَّه قال: ((أُمّ القرءان هي السبع المثاني، والقرءان العظيم)،) وفي رواية الترمذي: (الحمد للَّه أَمّ القرءان وأُمّ الكتاب، والسبع المثاني». قال الخطابي: وفي الحديث ردّ على ابن سيرين، حيث قال: لا يقال للفاتحة أُمّ القرءان، وإنما يقال لها فاتحة الكتاب، ويقول أُمّ الكتاب هو في اللوح المحفوظ، قال: وأُمّ الشىء أصله، وسمّيت أُمّ القرءان، لأنها أصل القرءان، وقيل: لأنها متقدمة، لأنها تؤمه (سائره،) كذا وقع في النسخ. وليست في البخاري ولا غيره، فسقط من المصنّف لفظ، أي: التفسيرية، إشارة إلى أنه محذوف الخبر؛ كما قال الحافظ والقرءان، العظيم، عطف على أمّ القرءان مبتدأ خبره محذوف، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: والقرءان العظيم ما عداها، وليس عطفًا على السبع المثاني؛ لأن الفاتحة ليست هي القرءان العظيم، وإن جاز إطلاقه عليها، لأنها منه لكن ليست كلّه، ثم وجدت الحديث في تفسير ابن أبي حاتم عن أبي هريرة بلفظ: ((القرءان العظيم الذي أعطيتموه)، أي هو الذي أعطيتموه، فيكون هذا هو الخبر، وقد روى الطبراني بإسنادين جيّدين عن عمر، ثم عن عليّ السبع المثاني: فاتحة الكتاب، زاد عن عمر: تثنى في كل ركعة، وبإسناد حسن عن ابن عباس: ((ولقد آتيناك سبعًا من المثاني هي فاتحة الكتاب))، انتهى. وقال التوربشتي: إن قيل كيف صحّ عطف القرءان على السبع المثاني: وعطف الشىء على نفسه لا يجوز، قلنا: ليس كذلك، وإنما هو من باب ذكر الشىء بوصفين، أحدهما معطوف على الآخر، والتقدير: آتيناك ما يقال له السبع المثاني والقرءان العظيم، أي: الجامع لهذين النعتین. وقال الطيبي: عطف القرءان على السبع المثاني؛ المراد منه الفاتحة من باب عطف العام ٢١٨ الفصل الرابع ما اختصّ به عَّهِ من الفضائل والكرامات واختلفوا: لم سميت مثاني، فعن الحسن وابن عباس وقتادة لأنها تثنى في الصلاة، فتقرأ في كل صلاة، وقيل لأنها مقسومة بين الله وبين العبد نصفين، نصفه١ ثناء ونصفها دعاء، كما في حديث أبي هريرة عنه عَ له: يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، على الخاص، تنزيلاً للتغاير في الوصف منزلة التغاير في الذات، وإليه أوما عَّهِ بقوله لأبي سعيد بن المعلّى: ((ألا أُعلّمك أعظم سورة في القرءان))، حيث نكر سورة وأفردها ليدلّ على أنك إذا تقصّيت سورة سورة وجدتها أعظم منها، ونظيره في النسق، ولكن من عطف الخاص على العام؛ من كان عدوًا للَّه وملائكته ورسله وجبريل وميكائيل، انتهى، وهو معنى كلام الخطابي. قال الحافظ: وفيه بحث لاحتمال أن قوله: ((والقرءان العظيم))، محذوف الخبر والتقدير ما بعد الفاتحة مثلاً، فيكون وصف الفاتحة بقوله المثاني، ثم عطف والقرءان العظيم، أي: ما زاد على الفاتحة، وذكر ذلك رعاية لنظم الآية، فيكون التقدير: والقرءان العظيم هو الذي أوتيته زيادة على الفاتحة، قال: وعلى هذا، فالمراد بالسبع الآي؛ لأن الفاتحة سبع آيات بالإجماع، لكن جاء عن حسين بن علي الجعفي أنها ستّ آيات، لأنه لم يعد البسملة، وعن عمرو بن عبيد أنها ثمان آيات؛ لأنه عدّها، وعدّ أنعمت عليهم، وقيل: ما بعدها، وعدّ إياك نعبد، وهذا أغرب الأقوال، انتھی. (واختلفوا: لِمَ سمّيت) الفاتحة (مثاني؟، فعن الحسن) البصري، (وابن عباس) عبد اللّه، (وقتادة) بن دعامة: (لأنها تثني)، أي: تكرّر (في الصّلاة، فتقرأ في كل صلاة): من ثنيت الشىء بالتثقيل، جعلته اثنين، لكن ليس المراد خصوص الاثنين، بل مطلق التكرير، كما أن المراد قراءتها في جميع الصّلوات حتى الركعة كالوتر، ويدلّ له قول عمر عند ابن جرير: لأنها تثني في كل ركعة، أي: تقرأ. (وقيل: لأنها مقسومة بين اللَّه وبين العبد نصفين،) باعتبار المعنى لا اللفظ، لأن نصف الدعاء من قوله: ﴿وإياك نستعين﴾ الآية، يزيد على نصف الثناء، أو المراد قسمين، والنصف قد يراد به أحد قسمي الشىء، وإن كان بينهما تفاوت (نصفها ثناء) على اللَّه وعبادة له، (ونصفها دعاء:) طلب منه تعالى ليثني العبد على ربّه، ثم يدعوه فيجيب دعاءه؛ (كما "في حديث أبي هريرة) عند ملك ومسلم، وأحمد، وأبي يعلى، (عنه عَّةُ (يقول الله تعالى: قسمت الصلاة)، أي: قراءتها بدليل تفسيره بها، قاله المنذري. أو يعني الفاتحة، سمّيت صلاة لأنها لا تصحّ إلاّ بها؛ كقوله: ((الحجّ عرفة)، وقيل: من أسماء الفاتحة الصّلاة، فهي المعنيّة في الحديث: (بيني وبين عبدي نصفين)، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: الحمد لله رب ٢١٩ الفصل الرابع ما اختصّ به عَّله من الفضائل والكرامات وقيل لأنها نزلت مرتين مرة بمكة ومرة بالمدينة. وعن مجاهد: لأن الله استثناها وادخرها لهذه الأمة، فما أعطاها غيرهم. وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن السبع المثاني هي السبع الطوال، أولها سورة البقرة وآخرها سورة الأنفال مع التوبة، وقال بعضهم: سورة يونس بدل الأنفال: العالمين، قال: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال اللَّه: أثنى عليّ عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مجّدني عبدي، وإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، وإذا قال: ﴿اهدنا الصّراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضّالين﴾ الآية، قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل))، هذا بقيّة الحديث عندهم. قال الحافظ: لم يخرجه البخاري، لأنه ليس على شرطه، ولكن أشار إليه فيه، (وقيل: لأنها نزلت مرّتين: مرّة بمكّة، ومرّة بالمدينة،) حكاه قوم؛ لأنه قد يتكرّر النزول لتذكير، أو موعظة، أو تعظيم شأنه، لكن في فتح الباري يستنبط من تفسير السبع المثاني بالفاتحة؛ أنها مكيّة، وهو قول الجمهور خلافًا لمجاهد، ووجه الدلالة، أنه سبحانه امتنّ على رسوله بها، وسورة الحجر مكيّة اتّفاقًا، فيدلّ على تقدم نزول الفاتحة عليها. قال الحسين بن الفضل: هذه هفوة من مجاهد؛ لأن العلماء على خلاف، قوله: وأغرب بعض المتأخرين، فنسب القول بذلك لأبي هريرة، والزهري، وعطاء بن يسار، وحكى القرطبي أن بعضهم زعم أنها نزلت مرتین، انتهى. (وعن مجاهد: لأن اللّه استثناها وادخرها،) بدال مهملة، وقد تعجم: أعدّها (لهذه الأُمّة،) عطف تفسير، (فما أعطاها غيرهم،) روى البيهقي وغيره عن أنس، رفعه: ((إن اللَّه أعطاني فيما منَّ عليّ، أن قال: إني أعطيتك فاتحة الكتاب، وهي من كنوز عرشي، ثم قسمتها بيني وبينك نصفين)). (وعن سعيد بن جبير، عن ابن عباس) فيما رواه النسائي، والطبري، والحاكم، بإسناد صحيح: (أن السبع المثاني هي السبع الطوال، أوّلها سورة البقرة، وآخرها سورة الأنفال مع التوبة؛) لأنهما في حكم سورة واحدة، ولذا لم يفصّل بينهما بالبسملة، وفي لفظ للطبري: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام والأعراف، قال الراوي: وذكر السابعة فنسيتها، (وقال بعضهم: سورة يونس بدل الأنفال) مع التوبة، قال الحافظ: رواه ابن أبي حاتم صحيحًا عن مجاهد وسعيد بن جبير، وعند الحاكم: أنها الكهف، وزاد: قيل له: ما المثاني؟، قال: تثني فيهن القصص. ٢٢٠ الفصل الرابع ما اختصّ به عٍَّ من الفضائل والكرامات قال ابن عباس: وإنما سميت السبع الطوال مثاني لأن الفرائض والحدود والأمثال والعبر تثنت فيها. وقال طاووس: القرءان كا مثاني، قال الله تعالى: ﴿الله نزل أحسن الحديث كتابًا متشابهًا مثاني﴾ [الزمر/٢٣]، وسمى القرءان مثاني لأن القصص تثنت فيه والله أعلم. ومنها: أنه أعطى مفاتيح الخزائن. (قال ابن عباس: وإنَّما سمّيت السبع الطوال مثاني؛ لأن الفرائض، والحدود، والأمثال والعبر تثنت:) تعدّدت وتكرّرت (فيها،) وهذا قول مشهور أيضًا في تفسير المثاني وإن رجّح الأوّل، وقد أخرج الطبري من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: السبع المثاني فاتحة الكتاب. قلت للربيع: إنهم يقولون: إنها السبع الطوال، قال: لقد أنزلت هذه الآية، وما نزل من الطوال شىء، وروى الطبري أيضًا عن زيادة بن أبي مريم، قال في ﴿لقد آتيناك سبعًا من المثاني﴾، قال: مُؤْ وانه، وبشّر وانذر، واضرب الأمثال، واعدد النعم والإيتاء، وحكي في الشفاء: أنها السبع كرامات: الهدى والنبوّة، والرحمة والشفاعة، والولاية والتعظيم، والسكينة، ورجّح ابن جرير الأوّل، أي: الفاتحة لصحة الخبر فيه عن رسول الله (وقال طاووس: القرءان كلّه مثاني، قال الله تعالى: ﴿الله نزل أحسن الحديث كتابًا﴾ الآية،) بدل من أحسن، أي: قرءانًا (﴿متشابهًا﴾،) أي: يشبه بعضه بعضًا في النظم، وغيره (﴿مثاني﴾، وسمّي القرءان مثاني؛ لأن القصص تثنت فيه) ولأنه ثنى فيه الوعد والوعيد وغيرهما. وفي البيضاوي: وقيل سبع صحائف، وهي الإسباع، ويجوز أن يراد بالمثاني القرءان، أو كتب اللَّه كلها، فتكون من للتبعيض، والقرءان العظيم إن أريد السبع آيات أو السّور، فمن عطف الكل على البعض، أو العام على الخاص، وإن أريد الإسباع، فمن عطف أحد الوصفين على الآخر، (واللّه أعلم) بما أراد. (ومنها: أنه أُعطي مفاتيح الخزائن،) أي خزائن الأرض، كما رواه البخاري وغيره، وأخرج أحمد، وابن حبان، والضياء برجال الصحيح عن جابر، مرفوعًا: ((أتيت بمقاليد الدنيا على فرس أبلق، جاءني به جبريل، عليه قطيفة من سندس)، وفي رواية إسرافيل، ولا تنافي، لأنه إن تعدّد المجيء، وإلا فالآتي جبريل وصحبته إسرائيل، ورٍ كوبه الفرس إشارة إلى أنه أُوتي العزّ، وإلى إعزاز دينه، ولم يكن لونًا واحدًا إشارة إلى استيلاء أُمّته على خزائن جميع الملوك من أحمر