النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ القسم الثالث: ما اختصّ به ◌َِّ من المباحات ميمونة بنت الحرث، وزينب بنت خزيمة الأنصارية، وأم شريك بنت جابر بن عوف القرشية العامرية، وخولة بنت جابر وخولة بنت حكيم، قال: وقرىء ((أن)) بالفتح، أي لأن وهبت، أو مدة أن وهبت، (ميمونة بنت الحرث) الهلالية أُمّ المؤمنين، قال ابن إسحق: يقال إنها وهبت نفسها للنبيّ عَّهِ، وذلك أن خطبته، انتهت إليها وهي على بعيرها، فقالت: البعير وما عليه لله ولرسوله، وأخرجه ابن أبي خيثمة عن الزهري وقتادة، وابن سعد عن عكرمة، وقالوا: ففيها نزلت الآية. (وزينب بنت خزيمة الأنصارية)) وكذا وقع في البيضاوي، والذي في ابن عطيّة، وقال الشعبي وعروة: هي زينب ابنة خزيمة أَمّ المساكين، انتهى، ومثله في فتح الباري، وهذه هلاليّة، قرينة ميمونة، تزوّجها، فمكثت قليلاً، وماتت عنده، فلعلّه سمّاها أنصاريّة بالمعنى الأعمّ، ويدلّ له أن البغوي قال: الأنصارية أُمّ المساكين، وإلا فلم يذكر في الإصابة من تسمّى زينب بنت خزيمة الأنصارية، وعجبت من السيوطي، وشيخ الإسلام حيث لم ينبها على هذا في حواشيهما على البيضاوي، وكأنه لظهوره. (وأُمّ شريك،) اسمها غزيلة بضم المعجمة، وفتح الزاي، وشدّ التحتية، وقيل: بفتح أوّلها، وقيل: اسمها غزيلة بلا بعد الياء، (بنت جابر بن عوف، القرشية، العامرية)، وقيل: الأزدية الدوسية، وقيل: الأنصارية النجارية، قال في الإصابة: والذي يظهر في الجمع؛ أنها واحدة، اختلف في نسبها أقرشيّة، عامرية، أو أنصاريّة، أو أزديّة من دوس، واجتماع الثلاثة ممكن بأن تكون قرشيّة تزوّجت في دوس، فنسبت إليهم، ثم تزوّجت في الأنصار، فنسبت إليهم، أو لم تتزوّج، بل نسب أنصارية بالمعنى الأعمّ، وطلّقها النبيّ عَّهِ، واختلف في دخوله بها، قاله المصنّف في الزوجات، ففي رواية ابن عباس: دخل بها، وفي رواية غيره: لم يدخل بها، ويحتمل الجمع بأن المنفي الجماع، والمثبت مجرّد الدخول إن صحا. (وخولة بنت جابر،) كذا في بعض النسخ، ولم يذكرها البيضاوي الذي هو نافل عنه، ولا ذكر لها في الإصابة، فالصواب حذفها، كما في النسخ الصحيحة، (وخولة،) ويقال: خويلة بالتصغير (بنت حكيم) بن أميّة السلمي، بضمّ السين إلى جدّه سليم، صحابية، فاضلة، لها أحاديث، يقال كنيتها أمّ شريك، قاله أبو عمر، وهي زوجة عثمن بن مظعون، واختلف في أن هبتها لنفسها قبل أن يتزوّجها عثمن أو بعد موته عنها، فأرجأها النبيّ ولم يتزوّجها. (قال) البيضاوي: (وقرىء) شاذًّا (أن بالفتح،) وهي قراءة أُبيّ بن كعب، والحسن البصري، والشعبي وغيرهم، إشارة إلى ما وقع من الواهبات قبل نزول الآية، وفي مصحف اب، مسعود، مؤمنة وهبت بدون أن، قاله ابن عطية، (أي: لـ) أجل (أن وهبت أو مدّة أن وهبت؛ ١٦٢ القسم الثالث: ما اختصّ به مَّله من المباحات كقولك: اجلس ما دام زيد جالسًا، قال: وقوله ((إن أراد النبي أن يستنكحها)) شرط الشرط الأول في استيجاب الحل، فإن هبتها نفسها منه لا توجب له إلا بإرادته نكاحها، فإنها جارية مجرى القبول، قال: والعدول عن الخطاب إلى الغيبة بلفظ ((النبي)) مكررًا. ثم الرجوع إليه في قوله: ﴿خالصة لك من دون المؤمنين﴾ [الأحزاب: ٥٠] إيذان بأنه مما خص به لشرف نبوّته وتقرير لاستحقاقه الكرامة لأجله، انتهى. وقال المعافى: وفي معنى ((خالصة)) ثلاثة أقوال: أحدها: أن المرأة إذا وهبت نفسها له لم يلزمه صداقها دون غيره من المؤمنين. قاله أنس بن لملك وابن المسيب. والثاني: أن له أن ينكحها بلا ولي ولا شهود دون غيره. قاله قتادة، والثالث: خالصة لك أن تملك عقد نكاحها بلفظ الهبة دون المؤمنين، قال: وهذا قول الشافعي وأحمد، كقولك: اجلس ما دام زيد جالسًا،) فإن على هذا مصدريّة، وليست اللام مقدّرة معها، (قال: وقوله: ((إن أراد النبيّ أن يستنكحها)) شرط للشّرط الأوّل) على قراءة الجمهور (في استيجاب الحل، فإن هبتها نفسها منه لا توجب له إلا بإرادته نكاحها،) بأن يأتي بلفظ يدلّ على القبول، كما أشعر به يستنكحها، فلا بدّ من لفظ الإنكاح، أو التزويج، أو يكفي لفظ الهبة في القبول أيضًا خلاف كما مرّ، (فإنّها،) أي: إرادتها (جارية مجرى القبول،) فلا يجب عليه قبولها، بل يوكل الأمر إلى إرادته، (قال: والعدول عن الخطاب إلى الغيبة بلفظ النبيّ مكرّرًا، ثم الرجوع إليه في قوله: ﴿خالصة لك من دون المؤمنين﴾ الآية،) إيذان بأنه، أي: انعقاد النكاح بلفظ الهبة (ممّا خصّ به لشرف نبوّته، وتقرير لاستحقاقه الكرامة لأجله، انتهى) كلام البيضاوي. (وقال المعافى) بن زكريّا بن يحيى بن حميد الحافظ، المفسّر، الثقة، الجريري، كان مقلّدًا لابن جرير، مات سنة تسع وثلاثمائة، (وفي معنى خالصة ثلاثة أقوال، أحدها: أن المرأة إذا وهبت نفسها له لم يلزمه صداقها دون غيره من المؤمنين،) فيلزمه الصداق، وليس المعنى أنها تحل له بلفظ الهبة، (قاله أنس بن ملك وابن المسيّب). قال البغوي: فالخصوصيّة له في ترك الصداق لا في جوازه بلفظ الهبة، (والثاني: أن له أن ينكحها بلا وليّ ولا شهود دون غيره،) فإنما تحلّ له بهما، (قاله قتادة،) فالخصوصيّة له في تركهما لا في جوازه بلفظ الهبة، (والثالث: خالصة لك أن تملك عقد نكاحها بلفظ الهبة دون المؤمنين، قال: وهذا قول الشافعي، وأحمد) وملك والأكثر. (وعن أبي حنيفة: ينعقد النكاح بلفظ الهبة لغيره عَّ أيضًا،) وفي تفسير ابن عطية: ١٦٣ القسم الثالث: ما اختصّ به عَّه من المباحات وعن أبي حنيفة ينعقد النكاح بلفظ الهبة لغيره معَّ له أيضًا. وكذا يجوز له عليه الصلاة والسلام النكاح بلا مهر ابتداء وانتهاء، كما تقدم أن المرأة إذا وهبت نفسها له عليه الصلاة والسلام لا يلزمه صداقها. قال النووي: إذا وهبت امرأة نفسها له عليه الصلاة والسلام فتزوجها بلا مهر حل له ذلك، ولا يجب عليه مهرها بالدخول، ولا بغير ذلك، بخلاف غيره فإنه لا يخلو نكاحه من وجوب مهر، إما مسمى وإما مهر والله أعلم. وكذا يجوز له النكاح في حال الإحرام، قال النووي في شرح مسلم: قال جماعة من أصحابنا أنه عدّةٍ كان له أن يتزوج في حال الإحرام، وهو مما خص به دون الأمة، قال: وهذا أصح الوجهين عند أصحابنا، انتهى. أجمع الناس على أن ذلك لا يجوز لغيره إلاّ ما ورد عن أبي حنيفة ومحمّد بن الحسن وأبي يوسف، إذا وهبت، فأشهد على نفسه هو بمهر جاز، فليس في قولهم: إلا تجويز العبارة بلفظ الهبة، وإلا فالأفعال التي اشترطوها هي أفعال النكاح بعينه، انتهى، فأوّله على موافقة مذهب لملك أنه يجوز مع الصداق العقد بلفظ الهبة، (وكذا يجوز له عليه الصّلاة والسّلام النكاح بلا مهر ابتداء وانتهاء،) أي: قبل الدخول وبعده، (كما تقدّم أن المرأة إذا وهبت نفسها له عليه الصّلاة والسّلام، لا يلزمه صداقها). (قال النووي: إذا وهبت امرأة نفسها له عليه الصّلاة والسّلام فتزوّجها بلا مهر حلّ له ذلك، ولا يجب عليه مهرها بالدخول، ولا بغير ذلك) من فرض أو موت (بخلاف غيره، فإنه لا يخلو نكاحه من وجوب مهر، إمّا مسمّى، وإما مهر المثل) بالوطء في التفويض، (والله أعلم،) وكذا له النكاح بصداق مجهول، كما في الأنموذج، (وكذا يجوز له النكاح في حال الإحرام) منه أو من المرأة أو منهما. (قال النووي في شرح مسلم: قال جماعة من أصحابنا) الشافعية وغيرهم (أنه عَّ كان له أن يتزوّج في حال الإحرام، وهو ممّا خصّ به دون الأمة،) قضيته مشاركة الأنبياء له في هذه الخصوصية. قال أبو حامد: وإنما منع غيره من ذلك، لأن فيه دواعي الجماع، فربما يفضي إليه فيفسد حجّه به، وهذا مأمون من جهته، سواء اختصّ بالإحرام أو المرأة لعصمته وقدرته على الامتناع منه، (قال: وهذا أصح الوجهين عند أصحابنا، انتهى) واحتجّوا له بما رواه لملك والأئمّة الستّة عن ابن عباس: أن النبيّ عَِّ تزوّج ميمونة، وهو محرم، زاد في رواية للبخاري: في عمرة القضاء ١٦٤ القسم الثالث: ما اختصّ به عَ لّه من المباحات وكذا يجوز له النكاح بغير رضا المرأة، فلو رغب في نكاح امرأة خلية لزمها الإجابة، وحرم على غيره خطبتها، أو متزوجة وجب على زوجها طلاقها. مع قوله: ((لا ينكح المحرم ولا يُنكح))، فدلّ على أن فعله خصوصيّة له جمعًا بين الخبرين، لكن قال سعيد بن المسيّب: وهل ابن عباس، وإن كانت خالته ما تزوّجها عَّهِ إلا بعدما حلّ، رواه البخاري، ووهل، بكسر الهاء، أي: غلط لمخالفته لما صحّ عنها نفسها، قالت: تزوّجني رسول اللَّه ◌َّ، ونحن حلالان بسرف، رواه مسلم من رواية يزيد بن الأصم عنها، قال: وكانت خالتي وخالة ابن عباس. وأخرج الترمذي وحسّنه، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، عن أبي رافع، أنه معَِّ تزوّج ميمونة، وهو حلال، وبنى بها وهو حلال، وكنت أنا السفير بينهما، وكذا رواه لملك عن سليمان بن يسار، قال البيهقي في المعرفة: وبهذا ردّ الشافعي رواية ابن عباس التي احتجّ بها الحنفية وأهل العراق على جواز نكاح المحرم وإنكاحه، وخالفهم الجمهور وأهل الحجاز محتجّين بحديث مسلم عن عثمن رفعه: ((المحرم لا ينكح ولا يُنكح)، وأمّا خبر ابن عباس وإن صح إسناده إليه فوهم، كما قال سعید. قال الشافعي: لأن ابن أختها يزيد يقول: نكحها حلالاً، ومعه سليمن بن يسار عتيقها، أو ابن عتيقها، وخبر اثنين أكثر من خبر واحد مع رواية عشمن التي هي أثبت من هذا كلّه، انتهى. ولذا قال الزركشي في جعل ذلك من الخصائص نظر إذ لم يثبت الشافعي وقوع العقد حال إحرامه والتجويز يحتاج إلى دليل. وقال السهيلي: تأوّل بعض شيوخنا قول ابن عباس وهو محرم بمعنى في الشهر الحرام والبلد الحرام لأنه عربي فصيح، يتكلّم بكلام العرب، ولم يرد الإحرام بالحجّ ولا العمرة، فالله أعلم، أراد ذلك ابن عباس أم لا؟، قال: ومن الغريب ما رواه الدارقطني عن أبي الأسود ومطر الوراق، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه تزوّجها وهو حلال، انتهى، فإن ثبت ذلك عنه؛ فكأنه رجع، وإلا فالمعروف عنه وهو محرم، وإن كان وهمًا أو مؤوّلاً، وتقدّم مزيد لهذا في الزوجات، وقبله في عمرة القضيّة. (وكذا يجوز له النكاح بغير رضا المرأة،) لأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، كما مرّ، (فلو رغب في نكاح امرأة خلية) عن زوج أو عدّة (لزمها الإجابة) إليه على الصحيح وتجبر عليه (وحرم على غيره خطبتها،) بكسر الخاء بمجرّد الرغبة، (أو متزوّجة وجب على زوجها طلاقها) ليتزوّجها، وقياسه لو رغب في نكاح سرية وجب على سيّدها إعتاقها وتركها ليتزوّج بها، كذا قال شيخنا. ١٦٥ القسم الثالث: ما اختصّ به مَّه من المباحات قال الغزالي: ولعل السر فيه من جانب الزوج امتحان إيمانه بتكليف النزول عن أهله، فإنه عَِّ قال: لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وأهله وولده والناس أجمعين. ويدل لهذه الخصيصة قصة زينب بنت جحش، بنت عمته معد له أميمة بنت عبد المطلب، (قال الغزالي: ولعلّ السرّ:) النكتة والحكمة (فيه)،) أي: وجوب التطليق على الزوج (من جانب الزوج امتحان إيمانه بتكليف النزول عن أهله، فإنه معَّه قال: ((لا يؤمن أحدكم) إيمانًا كاملاً، ونفى اسم الشىء بمعنى الكمال عنه مستفيض في كلامهم، وخصّوا بالخطاب، لأنهم الموجودون حينئذ، والحكم عام. وفي رواية ابن ماجه: أحد (حتى أكون أحبّ إليه من نفسه وأهله وولده والناس أجمعين))،) عطف عام على خاص، وهو كثير، والحديث في الصحيحين وغيرهما، عن أنس بلفظ: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من والده وولده والناس أجمعين)). وفي صحيح ابن خزيمة: ((من أهله وماله)) بدل من والده وولده، وكذا في مسلم من وجه آخر. وفي رواية للبخاري: «لن يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من نفسه»، ويأتي إن شاء اللَّه تعالى كلام عليه في مقصد المحبّة وبقيّة الكلام الغزالي: ومن جانب النبيّ عَة ابتلاؤه ببليّة البشرية ومنعه من خائنة الأعين، ولذا قال تعالى: ﴿وتخفي في نفسك ما اللَّه مبديه، وتخشى الناس واللَّه أحقّ أن تخشاه﴾ الآية، ولا شىء أدعى إلى حفظ البصر من هذا التكليف، قال: وهذه يوردها الفقهاء في نوع التخفيفات، وعندي أنه في حقّه في غاية التشديد، إذ لو كلّف به آحاد الناس لما فتحوا أعينهم في الشوارع والطرقات خوفًا من ذلك، ولذا قالت عائشة: لو كان يخفي آية لأخفى هذه، كذا قال وتعقّب بأن الآحاد غير معصومين، فيثقل عليهم ذلك بخلافه. (ويدلّ لهذه الخصيصية قصّة زينب بنت جحش) الأسديّة (بنت عمّته عَّ أميمة،) بالتصغير (بنت عبد المطّلب) مختلف في إسلامها وأثبته ابن سعد، وفي هذا الدليل نظر لابتنائه على أنه عَّهِ رغب في نكاحها لمّا رآها، وقال: ((سبحان الله مقلّب القلوب))، ففهمت زينب ذلك منه، وأخبرت زيدًا ففارقها وهذا منكر، وعلى تقدير تسليمه لا يدلّ على الوجوب، إذ قوله: فلما قضى زيد صورة واقعة حال، والصواب أن إطلاق زيد لها لتعظّمها عليه، ولذا قال ابن الرفعة: قصد زيد لا تدلّ على ذلك، بل تدلّ على عكسه، وبسط القول فيه بما يطول ذكره، ١٦٦ القسم الثالث: ما اختصّ به عَ لِّ من المباحات المنصوص عليها بقوله تعالى: ﴿وإذ تقول للذي أنعم الله عليه﴾﴾ أي: بنعمة الإسلام وهي أجل النعم ﴿وأنعمت عليه﴾، أي: بالإعتاق بتوفيق الله لك، وهو زيد بن حارثة الكلبي، وكان من سبي الجاهلية، فملكه رسول الله عَّه قبل البعثة وأعتقه وتبناه وخطب له زينب فأبت هى وأخوها عبد الله، ثم رضيا لما نزل قوله تعالى: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة﴾ [الأحزاب/٣٦] الآية، وكذا فعل ابن الصّلاح في كلامه على بسيط الغزالي (المنصوص عليها بقوله تعالى: ﴿وإذ تقول للذي أنعم الله عليه﴾، أي: بنعمة الإسلام، وهي أجلّ النعم،) زاد ابن عطيّة: وبغير ذلك (وأنعمت عليه، أي: بالإعتاق بتوفيق الله لك، وهو زيد بن لحرثة الكلبي، وكان من سبي الجاهليّة،) وذلك أن أُمّه سعدى بنت ثعلبة من بني معن من طيء، خرجت به لتزيره أهلها، فأصابته خيل بني القين لما أغارت على بني معن، فأتوا به سوق عكاظ، فعرضوه للبيع، وهو غلام ابن ثمانية أعوام، فاشتراه حكيم بن حزام بأربعمائة درهم لعمّته خديجة بنت خويلد، فاستوهبه النبيّ عّلّه منها، فوهبته له، (فملكه رسول اللّه عَ له قبل البعثة، وأعتقه وتبنّاه) لما قدم لحرثة وأخوه كعب مكّة، فقالا: يا ابن عبد المطّلب، يا ابن سيّد قومه؛ أنتم أهل حرم اللَّه، تفكون العاني، وتطعمون الأسير جئنا في ولدنا عبدك، فامنن علينا وأحسن في فدائه، فقال: أو غير ذلك أدعوه، فخيّروه، فإن اختاركم، فهو لكم بغير فداء، وإن اختارني، فوالله ما أنا بالذي أختار على من اختارني فداء، قالوا: زدتنا على النصف، فدعاه فخيّره، فقال: ما أنا بالذي أختار عليك أحدًا، أنت منّي بمكان الأب والعمّ، فقالا: ويحك يا زيد أتختار العبوديّة على الحريّة، وعلى أبيك، وعمّك، وأهل بيتك؟، قال: نعم، إني قد رأيت من هذا الرجل شيئًا ما أنا بالذي أختار عليه أحدًا، فلمّا رأى عَِّ ذلك قام إلى الحجر، فقال: ((اشهدوا أن زيدًا ابني، أرثه ويرثني))، فطابت نفس أبيه وعمه وانصرفا، فدعى زيد بن محمّد حتى جاء الإسلام، فأسلم بحيث قيل: إنه أوّل من أسلم مطلقًا، ومرّ هذا مبسوطًا في الموالي. وروى ابن الكلبي عن ابن عباس: لما تبنّى عَِّ زيدًا زوجه أمّ أيمن، ثم زوّجه زينب، فلمّا طلّقها زوّجه أمّ كلثوم بنت عقبة، وولدت بركة أسامة له بمكّة بعد البعثة، بثلاث أو خمس، (وخطب له زينب) بعد البعثة (فأبت هي وأخوها عبد اللَّه) المستشهد بأُحد، (ثم رضيا لما نزل قوله تعالى: ﴿وما كان﴾ ما صحّ ﴿لمؤمن ولا مؤمنة﴾ الآية). قال ابن عطيّة: عبر بلفظ النفي، ومعناه المنع من فعل هذا، وتجيء ما كان، وما ينبغي ونحوهما لحظر الشىء، والحكم بأنه لا يكون، وربما كان امتناع ذلك الشىء عقلاً كقوله: ﴿ما كان لكم أن تنبتوا شجرها﴾ الآية، وربما كان للعلم بامتناعه شرعًا كقوله: ﴿وما كان لبشر ١٦٧ القسم الثالث: ما اختصّ به عَّ من المباحات وكان الرجل في الجاهلية وصدر الإسلام إذا تبنى ولد غيره يدعوه الناس به ويرث ميراثه وتحرم عليه زوجته، فنسخ الله التبني بقوله: ﴿ادعوهم لآبائهم﴾ وبهذه القصة يثبت الحكم بالقول والفعل، فأوحى الله تعالى إليه أن زيدًا سيطلقها، وأنه عَِّ يتزوجها، وألقى في قلب زيد كراهتها، فأراد فراقها فأتى رسول الله عَّه فقال إني أريد أن أفارق صاحبتي قال ما لك؟ أرابك منها شىء؟ قال: لا والله يا رسول الله ما رأيت منها إلا خيرًا، ولكنها تتعظم علي بشرفها وتؤذيني أن يكلّمه الله إلاّ وحيّا﴾، الآية، وربما كان حظره بحكم شرعي، كهذه الآية، وربّما كان في المندوبات، كما تقول: ما كان لك أن تترك النوافل ونحوها. وأخرج الطبراني بسند صحيح عن قتادة، وابن جرير عن ابن عباس أن النبيّ عَ ◌ّه خطب زينب، وهو يريدها لزيد، فظنّت أنه يريدها لنفسه، فلمّا علمت أنه يريدها لزيد أبت واستنكفت، وقالت: أنا خير منه حسبًا، فأنزل الله تعالى: ﴿وما كان لمؤمن﴾ الآية كلّها، فرضيت وسلّمت، وما ذكر من أن النسخة لما نزل صواب واضح، وفي نسخ: ثم رضيا، فنزل وهي توهم أن رضاهما قبل نزول الآية، وليس كذلك. (وكان الرجل في الجاهلية وصدر الإسلام إذا تبنّى ولد غيره، يدعوه الناس به، ويرث ميراثه؛) بأن يرث كل منهما الآخر، (وتحرم عليه زوجته، فنسخ اللَّه التبتي بقوله: ﴿ادعوهم لآبائهم﴾، الآية)، قال ابن عمر: ما كنّا ندعو زيد بن لحرثة إلاّ زيد بن محمّد حتى نزل القرءان ﴿ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند اللَّه﴾، الآية، رواه البخاري، (وبهذه القصّة يثبت الحكم بالقول) من اللَّه تعالى، (و) بـ (بالفعل) من النبيّ عَ له، وهو تزوّجه زوجة من تبنّاه، (فأوحى الله تعالى إليه) بعد رضاها، وتزوّجها بزيد (أن زيدًا سيطلّقها، وأنه مَُّ يتزوّجها، وألقى في قلب زيد كراهتها،) أي: كراهة بقائها في نكاحه، ولا يلزم منه كراهة ذاتها، (فأراد فراقها) بعد مكثها عنده مدّة، (فأتى رسول اللَّه ◌َّله، فقال: إني أريد أن أفارق صاحبتي،) أي: زوجتي (قال: (ما لك؟) أي: شىء حصل لك منها حتى أردت فراقها، (أرابك منها شىء))؟،) أي: هل استيقنت منها شيئًا يوجب لك الشكّ في أمرها، فالهمزة للاستفهام، ويحتمل أنها جزء الكلمة، أي: أُحصل شىء يسيء ظنّك بها، فهمزة الاستفهام، مقدّرة؛ لأنه متى أبدل مما تضمّن معنى الاستفهام وجب ذكر همزته في البدل، (قال: لا والله يا رسول اللَّه ما رأيت منها إلّ خيرًا، ولكنها تتعظم عليّ، بشرفها) عليّ لأنها عربية وأنا مولى، (وتؤذيني بلسانها، فقال ١٦٨ القسم الثالث: ما اختصّ به عَّه من المباحات بلسانها، فقال له عَّل قوله تعالى: ((﴿أمسك عليك زوجك واتق الله﴾)) [الأحزاب: ٣٧]، أي: في أمرها، فلا تطلقها ضرارًا وتعللاً ﴿فلما قضى زيد منها وطرًا﴾ ولم يبق له فيها حاجة، وطلقها وانقضت عدتها زوجها الله تعالى له، كما قال تعالى: ﴿زوجناكها﴾ والمعنى أنه أمره بتزويجها منه، أو جعلها زوجته بلا واسطة عقد. ويؤيده أنها كانت تقول لسائر نساء رسول الله عێ: إن الله تولی نکاحي، وأنتن زوجکن أولیاؤ کن. وقيل: إن زيدًا كان السفير للتزويج بينهما، له عَّه: ((أمسك عليك زوجك،) أي: لا تفارقها (واتّق اللَّه، في أمرها، أي: فلا تطلقها ضرارًا) مفعول له (ولا (تعلّلاً)،) وعبّر البيضاوي بأو بدل الواو، (فلما قضى زيد منها وطرًا ولم يبقَ له فيها حاجة،) تفسير لوطرًا، (وطلّقها وانقضت عدّتها، زوّجها اللَّه تعالى) لنبيّه سنة خمس أو ثلاث أو أربع من الهجرة، وبالثاني صدر في الإصابة، وبالثابت في العيون، وبالأولى المصنّف؛ (كما قال تعالى:) ﴿زوّجناكها﴾ الآية، (والمعنى أنه أمره بتزويجها منه،) أي: بأن يتّخذها زوجة، والأوضح بتزوّجها، لأنه من النفس، والتزويج يكون من الغير، ولعلّه عبّر به إشارة إلى أنه أمر بجعلها زوجة له أعمّ من كون ذلك بطلبه من الولي، أو بتزويجها له من نفسه؛ بأن يتولّى الطرفين، (أو جعلها زوجته بلا واسطة عقد،) وهذا هو الصواب الذي لا يصح غيره، كما قال بعض الحفاظ لأنه الثابت في مسلم وغيره، كما يأتي. (ويؤيّده أنها كانت تقول لسائر،) أي باقي (نساء رسول اللَّه عَّهُ: إن اللَّه تولّى نكاحي وأنتنّ زوّجكنّ أولياؤكن،) أخرجه الترمذي، وصححه عن أنس، قال: كانت زينب تفخر على أزواج النبيّ عَ لّ تقول: زوجكن آباؤكن وزوّجني اللَّه من فوق سبع سموات، وليس هذا من الفخر المنهي عنه، بل من التحدّث بالنعمة، وقد سمعها النبيّ عَّهِ وأقرّها. روى ابن سعد، قالت زينب: يا رسول اللَّه! إني والله ما أنا كأحد من نسائك، ليست امرأة من نسائك إلاّ زوجها أبوها أو أخوها أو أهلها غيري، زوّجنيك اللَّه من السماء. ويؤيّده أيضًا ما رواه ابن سعد: بينا رسول اللَّه عَّ يتحدّث عند عائشة إذ أخذته غشية فسرّي عنه وهو يتبسّم ويقول: (من يذهب إلى زينب فيبشّرها))، وتلا: ﴿وإذ تقول للّذي أنعم اللَّه عليه﴾ الآية، قالت عائشة: فأخذني ما قرب وما بعد لما يبلغنا من جمالها وأخرى هي أعظم وأشرف ما صنع لها زوّجها اللَّه من السماء، وعن الشعبي: كانت زينب تقول لرسول اللَّه: أنكحك إياي من السماء، وإن الساعي في ذلك جبريل، وهي أولى من رواية من روى، وإن السفير بيني وبينك جبريل، لما لا يخفى. (وقيل: إن زيدًا كان السفير للتزويج بينهما،) كما أخرجه أحمد ومسلم والنسائي عن ١٦٩ القسم الثالث: ما اختصّ به عَّله من المباحات وفي ذلك ابتلاء عظيم لزيد، وشاهد بين على قوة إيمانه. وقد علل الله تعالى تزويجه إياها بقوله: ﴿لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم﴾، أي في أن يتزوجوا زوجات من كانوا يتبنونه إذا فارقوهن، وأن هؤلاء الزوجات ليست داخلات فيما حرم في قوله: ﴿وحلائل أبنائكم﴾. وأما قوله: ﴿وتخفي في نفسك﴾، فمعناه: علمك أنه سيطلقها وتتزوجها، فعاتبه الله تعالى على هذا القدر في شىء أباحه له، بأن قال: ﴿أمسك عليك زوجك﴾ مع علمه أنه سيطلق، وهذا مروي عن علي بن الحسين، أنس، قال: لما انقضت عدة زينب، قال عَّ لزيد بن لحرثة: ((اذهب فاذكرني لها))، قال: فذهبت إليها، فجعلت ظهري إلى الباب، فقلت: يا زينب بعث رسول اللَّه عَّ يذكرك، فقالت: ما كنت لأحدث شيئًا حتى أؤامر ربي عزّ وجلّ، فقامت إلى مسجد لها فأنزل اللَّه: ﴿فلما قضى زيد منها وطرًّا زوّجناكها﴾ الآية، فجاء رسول اللَّه عَ لَّهِ، فدخل عليها بغير إذن. (وفي ذلك ابتلاء عظيم لزيد وشاهد بيّ على قوّة إيمانه،) حيث اطمأنّت نفسه إلى خطبة من فارقها إلى سيّده وسيّد غيره، مع أن شأن النفوس الغضّ من أن يتزوّج مطلقتها أعلى منها أو مساوٍ لها فضلاً عن توليها الخطبة، ويروى أنه قال له: ما أجد في نفسي أوثق منك فاخطب زينب عليّ. (وقد علّل الله تعالى تزويجه إياها بقوله: ﴿لكيلا يكون على المؤمنين حرج، أي: إثم في أزواج أدعيائهم) الآية،) جمع دعي، وهو المتبنّي، (أي: في أن يتزوّجوا زوجات من كانوا يتبتّونه إذا فارقوهن، وأن هؤلاء الزوجات) عطف على أن يتزوّجوا (ليست داخلات فيما حرّم في قوله:) ﴿وحلائل أنبائكم﴾، الآية، إذ المراد الصلبية. (وأمّا قوله: ﴿وتخفي في نفسك﴾ الآية)، قال الزمخشري: الواو للحال، قال أبو حيان: لا يكون حالاً إلاّ على إضمار مبتدأ، أي: وأنت تخفي، لأنه مضارع مثبت، فلا تدخل عليه الواو إلّ على ذلك الإضمار، وهو مع ذلك قليل نادر لا تنبني على مثله القواعد، وقال الطيبي: الجمل الثلاث الواو فيها للحال على سبيل التداخل، فقوله: وتخفي حال من المستتر في تقول وتخشى الناس حال من فاعل تخفي، واللَّه أحقّ حال من فاعل تخشى، (فمعناه:) تخفي (علمك،) فنصب بمقدر (أنه سيطلقها وتتزوجها، فعاتبه اللَّه تعالى على هذا القدر في شىء أباحه له؛ بأن قال: ﴿أمسك﴾ [الأحزاب/٣٧] الآية، مع علمه أنه سيطلّق،) وليس بكبير عتب، (وهذا مروي عن عليّ) زين العابدين، (ابن الحسين) بن عليّ بن أبي طالب ١٧٠ القسم الثالث: ما اختصّ به تَّه من المباحات وعليه أهل التحقيق من المفسرين، كالزهري، وبكر بن العلاء، والقاضي أبي بكر بن العربي وغيرهم. والمراد بقوله: ﴿وتخشى الناس﴾ إنما هو في إرجاف المنافقين في تزويج نساء الأبناء، والنبي عَِّ معصوم في الحركات والسكنات، ولبعض المفسرين هنا كلام لا يليق بمنصب النبوة. الهاشمي عليهم السلام ، ثقة، ثبت من رجال الجميع، عابد، فقيه، فاضل، مشهور، قال الزهري: ما رأيت قرشيًّا أفضل منه، (وعليه أهل التحقيق من المفسّرين، كالزهري) محمّد بن شهاب التابعي، الشهير، (وبكر بن العلاء) بن زياد القشيري، البصري، ثم المصري، وبها مات سنة أربع وأربعين وثلاثمائة، وكان أحد كبار الفقهاء المالكية وعلماء الحديث، (والقاضي أبي بكر محمّد (بن العربي) الحافظ، الفقيه، المشهور (وغيرهم، والمراد بقوله:) ﴿وتخشى الناس﴾ الآية، (إنما هو في إرجاف المنافقين في تزويج نساء الأبناء)، أي: في إكثارهم من الأخبار السيئة، واختلاف الأقوال الكاذبة حتى يضطرب الناس منها؛ كما في المصباح، (والنبيّ عَ له معصوم في الحركات والسكنات،) وفي البيضاوي: وتخشى الناس تعبيرهم إياك واللَّه أحقّ أن تخشاه إن كان فيه ما يخشى، (ولبعض المفسّرين هنا كلام لا يليق بمنصب النبوّة،) وهو أنه عليه الصّلاة والسّلام طلب زيدًا في داره، فرأى زينب حاسرة، فأعجبته، فقال: ((سبحان اللَّه مقلّب القلوب))، قال السبكي: وهو منكر من القول، ولم يكن عَ له تعجبه امرأة أحد من الناس، وقصّة زينب إنما جعلها اللَّه تعالى، كما في سورة الأحزاب قطعًا لقول الناس: إن زيدًا بن محمّد، وإبطالاً للتبنّي، قال: وبالجملة، فهذا الموضع من منكرات كلامهم في الخصائص، وقد بالغوا في هذا الباب في مواضع، واقتحموا فيها عظائم لقد كانوا في غنية عنها، انتهى. وفي البغوي في توجيه القول المنصور: فعاتبه اللَّه، وقال له: قلت أمسك عليك زوجك، وقد أعلمتك أنها ستكون من أزواجك، وهذا هو الأولى واللائق بحال الأنبياء، فهو مطابق للتلاوة؛ لأن اللَّه أعلمه أنه يبدي ويظهر ما أخفاه ولم يظهر غير تزويجها منه، فقال: ﴿زوجناكها﴾ الآية، فلو كان الذي أضمره محبّتها وإرادة طلاقها لكان يظهر ذلك؛ لأنه لا يجوز أن يخبر أنه يظهره، ثم يكتمه فلا يظهر، فدلّ على أنه إنّما عوتب على إخفاء ما أعلمه أنها تكون زوجًا له وإنما أخفاه استحياء أن يقول لزيد: إن امرأتك ستكون امرأتي، وهذا قول حسن مرضي، وإن كان القول الآخر، وهو أنه أخفى محبّتها أو نكاحها، لو طلّقها لا يقدح في حال الأنبياء؛ لأن العبد غير ملوم على ما يقع في قلبه من مثل هذه الأشياء ما لم يقصد فيه المأثم، لأن الودّ وميل النفس من طبع البشر، انتهى. ١٧١ القسم الثالث: ما اختصّ به معَّةِ من المباحات وقيل قوله: ﴿واتق اللَّه وتخفي في نفسك ما الله مبديه﴾ خطاب من الله تعالى، أو من الرسول عليه الصلاة والسلام لزيد، فإنه أخفى الميل إليها وأظهر الرغبة عنها لما توهم أن رسول الله عَّه يريد أن تكون من نسائه. قال جار الله: وكم من شيء مباح يتحفظ الإنسان منه ويستحي من إطلاع الناس عليه، فطموح قلب الإنسان إلى بعض مشتهياته من امرأة وغيرها غير موصوف بالقبح في العقل ولا في الشرع، وتناول المباح بالطريق الشرعي ليس بقبيح أيضًا، وهي خطبة زينب ونكاحها من غير استنزال زيد عنها ولا طلب إليه، ولم يكن مستكرهًا عندهم أن ينزل الرجل منهم عن امرأته لصديقه ولا مستهجنًا إذا نزل عنها أن ينكحها آخر، فإن المهاجرين حين دخلوا المدينة واستهم الأنصار بكل شىء، حتى إن الرجل منهم إذا كانت له امرأتان نزل عن إحداهما وأنكحها المهاجري، (وقيل: قوله: ﴿اتّق اللَّه وتخفي في نفسك ما اللَّه مبديه﴾ الآية، مظهره (خطاب من اللَّه تعالى، أو من الرسول عليه الصلاة والسلام لزيد،) فهو على هذا عطف على أمسك من جملة مقولة لزيد، (فإنّه أخفى الميل إليها وأظهر الرغبة عنها لما) حين (توهم أن رسول اللَّه ◌َّ يريد أن تكون من نسائه)، وكأنه قيل: وتقول لزيد: تخفي يا زيد في نفسك ما اللَّه مبديه، وتقول له: تخشى الناس ... الخ، وهذا خلاف الظاهر المتبادر، أي: شىء أبداه عن زيد فهذا من غريب التفسير، (قال: جار الله) العلامة محمود الزمخشري، وصف بذلك لسكناه مكّة: (وكم من شىء مباح يتحفّظ الإنسان منه ويستحيي من اطّلاع الناس عليه، فطموح،) أي: استشراف (قلب الإنسان إلى بعض مشتهياته))) وبين ذلك بقوله: (من امرأة وغيرها غير موصوف بالقبح في العقل، ولا في الشرع، وتناول المباح بالطريق الشرعي ليس بقبيح أيضًا) عقلاً وشرعًا، (وهي خطبة زينب،) وفي نسخة: وهو التأنيث أولى؛ لأن الضمير إذا وقع بين مذكر ومؤنث، فالأولى مراعاة الخبر، لأنه عين المبتدأ، ومبين لحاله فهو المقصود، (ونكاحها من غير استنزال زيد عنها ولا طلب إليه، ولم يكن مستكرهًا عندهم أن ينزل الرجل منهم عن امرأته لصديقه،) بل كانوا يعدّونه كرمًا، (ولا مستهجنًا إذا نزل عنها أن ينكحها آخر، فإن المهاجرين حين دخلوا المدينة) وآخى النبيّ عَّه بينهم وبين الأنصار، (واستهم الأنصار بكل شىء حتى إن الرجل منهم إذا كانت له امرأتان نزل عن إحداهما وأنكحها المهاجري،) أي: تسبب في تزويجها له بطريقه الشرعي بعد خروجها من العدّة بسؤال ١٧٢ القسم الثالث: ما اختصّ به عَّ من المباحات فإذا كان الأمر مباحًا من جميع جهاته لم يكن فيه وجه من وجوه القبح، انتهى. وكذا يجوز له عليه الصلاة والسلام النكاح بلا ولي وبلا شهود. قال النووي: الصحيح المشهور عند أصحابنا صحة نكاحه عليه الصلاة والسلام بلا ولي وبلا شهود لعدم الحاجة إلى ذلك في حقه عليه الصلاة والسلام، وهذا الخلاف في غير زينب أما زينب فمنصوص عليها والله أعلم. قال العلماء: إنما اعتبر الولي للمحافظة على الكفاءة، وهو مَِّ فوق الأكفاء، وإنما اعتبر الشهود لأمن الجحود، وهو عليه الصلاة والسلام لا يجحد ولو جحدت هي لم يرجع إلى قولها، بل قال العراقي في شرح المهذب: تكون كافرة بتكذيبه. وكان له عليه الصلاة والسلام تزويج المرأة ممن شاء بغير إذنها وإذن وليها، وله إجبار الصغيرة من غير بناته، وزوج ابنة حمزة مع وجود عمها العباس وليّها في ذلك، (فإِذا كان الأمر مباحًا من جميع جهاته لم يكن فيه وجه من وجوه القبح، انتهى) كلام جار اللَّه في كشافه. (وكذا يجوز له عليه الصّلاة والسّلام النكاح بلا وليّ،) مع شهود، (وبلا شهود،) مع وليّ وبلا وليّ وشهود معًا، (قال النووي: المشهور الصحيح عند أصحابنا) وعند غيرهم: (صحة نكاحه عليه الصّلاة والسّلام بلا وليّ وبلا شهود، لعدم الحاجة إلى ذلك في حقّه عليه الصّلاة والسّلام، وهذا الخلاف في غير زينب، أمّا زينب فمنصوص عليها،) فلا يأتي فيها خلاف للنصّ، (والله أعلم). (قال العلماء: وإنما اعتبر الوليّ) في حق غير المصطفى (للمحافظة على الكفاءة، وهو عَّ فوق الأكفّاء، وإنما اعتبر الشهود لأمن الجحود، وهو عليه الصّلاة والسّلام لا يجحد،) إذ لا يجوز عليه ذلك، (ولو جحدت هي،) أي: المرأة، (لم يرجع إلى قولها، بل ق"، العراقي في شرح المهذب: تكون كافرة بتكذيبه،) أي: مرتدة، قال المالكية: تقتل ولو عادت إلى الإسلام، (وكان له عليه الصّلاة والسلام تزويج المرأة،) ولو صغيرة وبكرًا (ممّن شاء) من غيره ومن نفسه؛ (بغير إذنها وإذن وليها،) وبغير إذن الزوج أيضًا، فيتولّى الطرفين؛ لأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، (وله إجبار الصغيرة من غير بناته) قيد لمحلّ الخصوصيّة، (وزوج ابنة حمزة بن عبد المطلب أمامة أو عمارة أو فاطمة أو سلمى أو عائشة أو يعلى أو أمة الله أقوال سبعة في اسمها، أشهرها الأوّل، كما في الفتح لربيبه سلمة ابن أُمّ سلمة (مع وجود عمّها العباس) كما رواه البيهقي فقدّم على الأقرب بخلاف غيره، فيقدم الأقرب فالأقرب على ما بين ١٧٢ القسم الثالث: ما اختصّ به عَِّ من المباحات فيقدم على الأب. وزوجه الله تعالى بزينب، فدخل عليها بتزويج الله بغير عقد من نفسه. وعبر في الروضة عن هذا بقوله: وكانت المرأة تحل له بتحليل الله تعالى بغير عقد. وأعتق أمته صفية وجعل عتقها صداقها، كما أخرجه البخاري عن أنس في الصلاة والمغازي والنكاح مطولاً ومختصرًا وبظاهره تمسك أحمد والحسن وطائفة لقولهم بجواز ذلك لغيره حتى لو طلقها قبل الدخول وجب له عليها نصف قيمتها، وقد اختلف في معناه، فقيل إنه أعتقها بشرط أن يتزوجها، فوجب له عليها قيمتها وكانت معلومة، فتزوجها بها، ويؤيده قوله في رواية عبد العزيز بن صهيب: سمعت أنسًا قال: سبى رسول الله عَ ليه صفية فأعتقها وتزوجها، فقال ثابت . ... في الفروع، (فيقدم على الأب) تفريع على قوله: وله إجبار الصغير، (وزوّجه اللَّه تعالى بزينب) ابنة جحش، (فدخل عليها بتزويج اللّه بغير عقد،) أي: بغير تلفّظ بعقد (من نفسه)) وهذا وإن علم من قوله سابقًا: والمعنى أنه أمره، ... الخ، لكنه ثمة حكاه عن غيره على وجه الترديد، وهنا جزم بأحد القولين اختيارًا له، (وعبّر في الروضة عن هذا بقوله: وكانت المرأة تحلّ له بتحليل اللَّه تعالى بغير عقد،) إشارة إلى أن ذلك ليس خاصًّا بزينب، لكنه لم يقع إلّ فيها، (وأعتق أمته صفيّةٍ) بنت حيي، سيّدة قريظة والنضير، من ذريّة لهرون أخي موسى رضي اللَّه عنها، (وجعل عتقها صداقها؛ كما أخرجه البخاري عن أنس في الصّلاة والمغازي والنكاح مطوّلاً ومختصرًا، وبظاهره تمسّك أحمد والحسن وطائفة؛ لقولهم بجواز ذلك لغيره حتى لو طلّقها قبل الدخول، وجب له عليها نصف قيمتها، وقد اختلف في معناه، فقيل: إنه أعتقها بشرط أن يتزوّجها، فوجب) ثبت (له عليها قيمتها،) لأنه لم يعتقها مجانًا، بل بعوض، لكن لا يلزم الوفاء به في حقّ غيره، وإنّما تعتق إن قبلت فورًا، كأن طلبته ابتداء لذلك، فأجابها، فيشترط الفور أيضًا، كما في البهجة، (وكانت معلومة فتزوّجها بها) فإن جهلت لهما أو لأحدهما صح النكاح، ولزم مهر المثل للجهل بالعوض، كما هو مقرّر عند الشافعية ومذهب ملك منع ذلك ابتداء، فإن وقع مضى العتق، وفسد النكاح، فيفسخ قبل الدخول، ويثبت بعده بصداق المثل، فوجه الخصوصية عدم لزوم المهر له عَّهِ لا حالاً ولا مآلاً، وصحة نكاحه اتّفاقًا. (ويؤيّده قوله في رواية عبد العزيز بن صهيب،) بضم المهملة البصري، ثقة، من رجال الجميع، مات سنة ثلاثين ومائة، (سمعت أنسًا قال: سبى رسول اللَّه عَّ صفية، فأعتقها وتزوّجها، فقال ثابت) بن أسلم البناني، بضم الموحدة ونونين، أبو محمّد البصري، العابد، الثقة، ١٧٤ القسم الثالث: ما اختصّ به عَ لَّه من المباحات لأنس: ما أصدقها؟ قال: أصدقها نفسها، هكذا أخرجه البخاري في المغازي. وفي رواية حماد عن ثابت وعبد العزيز عن أنس في حديث قال: وصارت صفية الرسول الله عَّ ثم تزوجها وجعل عتقها صداقها. قال عبد العزيز لثابت: يا أبا محمد أنت سألك أنسا ما أمهرها؟ قال: أمهرها نفسها، فتبسم. فهو ظاهر جدًا في أن المجعول مهرًا هو نفس العتق. والتأويل الأول لا بأس به، فإنه لا منافاة بينه وبين القواعد حتى لو كانت القيمة روى له الجميع، مات سنة بضع وعشرين ومائة، وله ستّ وثمانون سنة، (لأنس: ما أصدقها؟، قال: أصدقها نفسها، هكذا أخرجه البخاري في المغازي) في غزوة خيبر، وقد يمنع دعوى التأييد به لجواز أنه أعتقها بلا شرط، بل هو ظاهر في تأييد القول الثاني. (وفي رواية) البخاري في الصّلاة والمغازي، عن (حمّاد) بن زيد بن درهم الأزدي، البصري، ثقة، ثبت، فقيه، روى له الستّة، (عن ثابت وعبد العزيز) بن صهيب، كلاهما (عن أنس في حديث) لفظه أن رسول اللَّه عَّه صلّى الصبح بغلس، ثم ركب، فقال: ((اللَّه أكبر خربت، خيبر؛ إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين))، فخرجوا يسعون في السكك ويقولون: محمّد والخميس، فظهر عليهم رسول اللَّه عَّله، فقتل المقاتلة، وسبى الذراري، (قال:) فصارت صفيّة لدحية الكلبي، (وصارت صفية لرسول اللَّه عَظله)) كذا وقع في الصّلاة بالواو، فظاهره أنها صارت لهما وليس كذلك؛ لأنها صارت لدحية أولاً، ثم صارت للمصطفى لما قيل له: أعطيت دحية صفية سيّدة قريظة والنضير، لا تصلح إلاّ لك، فقال عليه الصّلاة والسّلام لدحية: ((خذ جارية غيرها))، فردّها، فاصطفاها لنفسه؛ كما رواه البخاري أيضاً وغيره، قالوا: وهنا بمعنى ثم لأن البخاري رواه في المغازي بلفظ: ثم صارت لرسول اللَّه، (ثم تزوّجها، وجعل عتقها صداقها، قال عبد العزيز لثابت: يا أبا محمّد!) كنيته (أنت سألك،) بحذف همزة الاستفهام في الفرع وأصله، وفي بعض الأصول: أأنت بإثباتها (أنسًا ما أمهرها؟،) أي: ما أصدقها، ولأبوي ذرّ، والوقت، والأصيلي ما مهرها، بحذف الألف، وصوّبه القطب الحلبي، وهما لغتان. (قال) أنس: (أمهرها نفسها) إلى هنا كلّه مقول عبد العزيز لثابت وجوابه: قوله، (فتبسّم) ثابت، وفي رواية المغازي: فحرك ثابت رأسه تصديقًا له، ولا منافاة، فجمع بينهما، وبهذا تعلم أنه ليس فيه حذف تقديره، قال: نعم سألته؛ لأنه بضيع قوله: فتبسم، وقوله: فحرّك ... الخ، (فهو ظاهر جدًا في أن المجعول مهرًا هو نفس العتق،) لا شىء معه، (والتأويل الأوّل) أنه أعتقها بشرط أن يتزوّجها، (لا بأس به، فإنه لا منافاة بينه وبين القواعد حتى لو كانت القيمة ١٧٥ القسم الثالث: ما اختصّ به عَّ من المباحات مجهولة، فإن في صحة العقد بالشرط المذكور وجهًا عند الشافعية. وقال آخرون: بل جعل نفس العتق المهر، لكنه من خصائصه، وممن جزم بذلك الماوردي. وقال آخرون: قوله: ((أعتقها وتزوجها)) معناه: ثم تزوجها، فلما لم يكن يعلم أساق لها صداقًا قال: أصدقها نفسها، أي: لم يصدقها شيئًا فيما أعلم، ولم ينف أصل الصداق، ومن ثم قال أبو الطيب الطبري من الشافعية، وابن المرابط من المالكية ومن تبعهم: إنه قول أنس قاله ظنًا من قبل نفسه ولم يرفعه. ويعارضه ما أخرجه الطبراني وأبو الشيخ من حديث صفية نفسها قالت: أعتقني النبي عَّ ه. وجعل عتقي صداقي. وهذا موافق لحديث أنس، وفيه رد على من قال: إن أنسا قال ذلك بناء على ظنه. مجهولة، فإن في صحة العقد بالشرط المذكور وجهًا عند الشافعية،) وهو المعتمد، وإن أشعر سياقه بضعفه، ويجب مع ذلك مهر المثل، الفساد المسمّى، ووجه الخصوصيّة على هذا التأويل عدم لزوم المهر له، کما مرّ. (وقال آخرون: بل جعل نفس العتق المهر،) بأن أعتقها، ثم قال: جعلت عتقك صداقك، (ولكنّه من خصائصه، وممّن جزم بذلك الماوردي،) بخلاف غيره، فيجب مهر المثل لفساد الصداق. (وقال آخرون: قوله: أعتقها وتزوّجها، معناه: ثم تزوجها،) فالواو بمعنى ثم (فلمّا لم يكن يعلم) أنس (أساق لها صداقًا) أم لا؟، (قال: أصدقها نفسها، أي: لم يصدقها شيئًا فيما أعلم،) فإنما نفى علمه، (ولم ينفِ أصل الصداق،) وهذا من بعيد التأويل الذي لم يقم عليه دليل، (ومن ثمّ،) أي: هنا، أي من أجل ذلك التأويل المذكور. (قال أبو الطيب الطبري من الشافعية، وابن المرابط) محمّد بن خلف الأفريقي (من المالكية، ومن تبعهم: أنه قول أنس، قاله ظنًّا من قبل نفسه، ولم يرفعه،) وهذا لا يليق إذ هو سوء ظنّ بالصحابي، (ويعارضه ما أخرجه الطبراني، وأبو الشيخ من حديث صفية نفسها، قالت: أعتقني النبيّ عَّله، وجعل عتقي صداقي، وهذا موافق لحديث أنس،) والمتبادر منهما أنه لا شىء غيره، (وفيه ردّ على من قال إن أنسًا قال ذلك بناء على ظنّه؛) لأن صفية أدرى بما وقع لها، ولذا قال الحافظ الهيثمي: ما روي عن رزينة أنه أمهرها رزينة، مخالف لما في الصحيح، انتهى، وهي بفتح الراء، وكسر الزاي، وقيل: بالتصغير؛ وروى أبو يعلى: أنه عَُّلّ لما ١٧٦ القسم الثالث: ما اختصّ به معَِّ من المباحات ويحتمل أن يكون أعتقها بشرط أن ينكحها من غير مهر، فلزمها الوفاء بذلك، وهذا خاص بالنبي ◌ّ دون غيره. ويحتمل: أنه أعتقها بغير عوض، وتزوجها بغير مهر في الحال، ولا في المآل، قال ابن الصلاح: معناه أن العتق حل محل الصداق وإن لم يكن صداقًا، قال: وهذا كقولهم الجوع زاد من لا زاد له، قال: وهذا أصح الأوجه وأقربها إلى لفظ الحديث، وتبعه النووي في ((الروضة)). وممن جزم أن ذلك من الخصائص يحيى بن أكثم فيما أخرجه البيهقي، وكذا نقله المزني عن الشافعي قال: وموضع الخصوصية، أنه أعتقها مطلقًا وتزوجها بغير مهر ولا شهود، وهذا بخلاف غيره، انتهى. تزوّج صفيّة أمر بشراء خادم لها وهي رزينة، فيحتمل أنه لما أخدمها إيّاها ظنّت أنه جعلها مهرها، وإلا فالمرويّ عن صفية وأنس أنه جعل عتقها صداقها، بل وعن النبيّ عَّ أنّه قال: ((ما تقولون في هذه الجارية))؟، قالوا: إنك أولى الناس بها وأحقّهم، قال: ((فإني أعتقتها، واستنكحتها، وجعلت عتقها مهرها»، رواه الطبراني بسند جيّد. (ويحتمل أن يكون أعتقها بشرط أن ينكحها من غير مهر، فلزمها الوفاء بذلك، وهذا خاص بالنبيّ عَِّ دون غيره،) فلا يلزمها الوفاء ونفذ العتق، (ويحتمل أنه أعتقها بغير عوض وتزوّجها، بغير مهر في الحال ولا في المآل) خصوصيّة له أيضًا. (قال ابن الصّلاح: معناه أن العتق حلّ محل الصداق، وإن لم يكن صداقًا) في نفس الأمر، (قال: وهذا كقولهم الجوع، زاد من لا زاد له،) فعدّ عدم الزاد زادًا لتعذّره عليه، وليس بزاد، (وهذا أصحّ الأوجه وأقربها إلى لفظ الحديث، وتبعه،) أي: ابن الصّلاح في ترجيح هذا الوجه (النووي في الروضة، وممّن جزم أن ذلك من الخصائص يحيى بن أكثم،) بالمثلثة، كما ضبطه النووي، وغيره ابن محمّد بن قطن التميمي، المروزي أبو محمّد القاضي المشهور، فقيه، صديق، روى عنه الترمذي، إلاّ أنه رمي بسرقة الحديث، قال الحافظ: ولم يقع ذلك له، وإنّما كان يرى الرواية بالإجارة والوجادة، مات في آخر سنة اثنتين وأربعين ومائتين، وله ثلاث وثمانون سنة، (فيما أخرجه البيهقي) عنه، (وكذا نقله المزني) إسمعيل الإمام المشهور، (عن) شيخه (الشافعي) الإمام، (قال: وموضع الخصوصيّة أنه أعتقها مطلقًا) عن قيد اشتراط التزويج، (وتزوّجها بغير مهر ولا شهود، وهذا بخلاف غيره) فإنّما يجوز له ذلك في عتيقته بمهر وشهود، (انتھی. ١٧٧ القسم الثالث: ما اختصّ به عَِّ من المباحات وقال النووي في شرح مسلم: الصحيح الذي اختاره المحققون، أنه أعتقها تبرعًا بلا عوض، ولا شرط، ثم تزوجها برضاها من غير صداق، والله أعلم. قال شيخ الحفاظ ابن حجر. واختلف في انحصار طلاقه عَّه في الثلاث، وعلى الحصر، قيل: تحل له من غير محلل، وقيل لا تحل له أبدًا. وكان له نكاح المعتدة في أحد الوجهين. قال النووي: الصواب القطع بامتناع نكاح المعتدة من غيره والله أعلم. وفي وجوب نفقة زوجاته عليه الصلاة والسلام وجهان، قال النووي: الصحیح: الوجوب، انتھی. (وقال النووي في شرح مسلم: الصحيح الذي اختاره المحقّقون؛ أنه أعتقها تبرّعًا بلا عوض ولا شرط) أنه ينكحها، (ثم تزوّجها برضاها،) بيان للواقع (من غير صداق،) لا لأن رضاها شرط لأنه جائز له بدون رضا المرأة، كما مرّ، (والله أعلم) بما وقع. (قال شيخ الحفّاظ ابن حجر) في الفتح في النكاح: (واختلف في انحصار طلاقه عَ لّه. في الثلاث،) وهو الصحيح، وعدم انحصاره، كما لا ينحصر عدد زوجاته، (وعلى الحصر، قيل: تحلّ له) بالعقد عليها، فيباح الوطء لا بدونه، لحصول البينونة الكبرى (من غير محلل) قال السيوطي: على الأصح، (وقيل: لا تحلّ له أبدًا؛) لعدم إمكان التحليل، لأن من خصائصه حرمة من دخل بها على غيره، لقوله: ﴿ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدًا﴾ ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ الآية، (وكان له نكاح المعتدّة في أحد الوجهين،) قال ابن الصّلاح: وهو منكر، بل غلط، (قال النووي: الصواب القطع،) الجزم (بامتناع نكاح المعتدة من غيره،) إذ لا دليل على الخصيوصيّة، (والله أعلم). (وفي وجوب نفقة زوجاته عليه الصّلاة والسّلام وجهان، قال النووي: الصحيح الوجوب، انتهى.) لقوله عَّله: ((لا تقتسم ورثتي دينارًا ما ترك بعد نفقة نسائي ومؤنة عيالي، فهو صدقة))، رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، عن أبي هريرة، فإذا كان يجب أن ينفق من ماله على زوجاته بعد وفاته، فكيف لا تجب النفقة لهن حال حياته. قال الجلال البلقيني: فهذا الخلاف باطل، ووقع الحديث مصحفًا في عبارة، بحذف بعد، فأحوج من لم يقف على غيرها إلى تعسّف تصحيحها بقوله، أي: هو نفقة نسائي، لكن ١٧٨ القسم الثالث: ما اختصّ به عَ لَّهِ من المباحات ولا يجب عليه القسم فيما قاله طوائف من أهل العلم، وبه جزم الاصطخري من الشافعية، والمشهور عندهم وعند الأكثرين الوجوب. وفي حل الجمع له بين المرأة وعمتها وخالتها وجهان، لا أختها وبنتها وأمها، قالوا: ومرجع غالب هذه الخصائص إلى أن النكاح في حقه كالتسري في حقنا. يضيع قوله: فهو صدقة، وبعد ذلك ليس رواية، (ولا يجب عليه القسم فيما قاله طوائف من أهل العلم) كلملك، (وبه جزم الاصطخري من الشافعيّة،) وصححه الغزالي في الخلاصة، واقتصر عليه في الوجيز. قال البلقيني والسيوطي: وهو المختار للأدلّة الصريحة الصحيحة؛ كحديث الشيخين: كان بدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار، وهنّ تسع نسوة؛ ولقوله تعالى: ﴿ترجى من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء﴾ الآية، أي: تبعد من تشاء، فلا تقسم لها، وتقرب من تشاء، فتقسم لها على أحد التفاسير، ولأن في وجوبه عليه شغلاً عن لوازم الرّسالة، (والمشهور عندهم، وعند الأكثرين الوجوب،) وتعشّفوا الجواب عن هذا الحديث باحتمالات لينة تقدّمت، واحتجّوا للوجوب بقوله: ((اللَّهمّ هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك))، رواه ابن حبان وغيره. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، وقال الترمذي: روى مسلم وهو أصح، انتهى، ولا دلالة فيه على الوجوب، كما هو ظاهر، إنّما هو احتمال، (وفي حل الجمع له بين المرأة وعمّتها وخالتها وجهان) مبنيّان على أن المتكلّم يدخل في الخطاب، ومقتضى البناء ترجيح المنع، وهو الأصحّ، (لا أختها وبنتها،) فلا يحلّ له الجمع اتّفاقًا، وما حكاه الرافعي، وتبعه في الروضة من جوازه له، جزموا بأنه غلط فاحش، لا تحلّ حكايته إلا لبيان فساده؛ لأنه صرح بتحريمها عليه، روى الشيخان، أن أُمّ حبيبة قالت: قلت: يا رسول اللَّه! انكح أختي؟، فقال: ((أوّ تحبين ذلك))؟، فقلت: نعم لست لك بمخلية، وأحب من شاركني في خير أختي، فقال عَّه: ((إن ذلك لا يحلّ لي)، قلت: فإنّا نحدث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة، فقال: ((إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي، إنها لابنة أخي من الرضاعة، أرضعتني وأبا سلمة ثويبة، فلا تعرضن عليّ بناتكنّ ولا أخواتكنّ))، (وأَمّها) مستدرك، إذ هو قوله: وبنتها، (قالوا: ومرجع غالب هذه الخصائص إلى أن النكاح في حقّه، كالتسري في حقّنا،) فإن قلنا بحرمة التسرّي بأمتين، بينهما محرميّة، حرم عليه عليه جمع امرأتين بينهما ذلك، وإن قلنا بإباحة التسرّي لنا، كما يقوله ١٧٩ القسم الثالث: ما اختصّ به عّ لّه من المباحات وكان له عليه الصلاة والسلام أن يصطفي ما شاء من المغنم قبل القسمة من جارية وغيرها. وأبيح له القتال بمكة والقتل بها، وجواز دخول مكة من غير إحرام مطلقًا. ذكره ابن القاص، واستدلوا له بحديث أنس عند الستة: دخل رسول الله عَ ليه مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر وذلك من كونه عليه الصلاة والسلام كان مستور الرأس بالمغفر، والمحرم يجب عليه كشف رأسه. ومن تصريح جابر ولملك والزهري بأنه لم یکن محرمًا، انتهى. وأبدى ابن دقيق العيد لستر الرأس احتمالاً فقال: يحتمل أن يكون لعذر، انتهى. بعض الحنفية، جاز له ذلك، (وكان له عليه الصّلاة والسّلام أن يصطفي،) يختار (ما شاء من المغنم قبل القسمة من جارية،) كما اصطفى ريحانة من سبي بني قريظة وصفيّة من خيبر، قيل: ولذا سمّيت صفية؛ لأنها من الصفي، وكان اسمها زينب (وغيرها،) كما اصطفى سيفه ذا الفقار، ولا يختصّ الاصطفاء بالمغنم كما اقتضاه كلامٍ جمع، بل يكون من الفيء أيضًا؛ كما ذكره الزركشي وغيره تبعًا لابن كج، (وأبيح له القتال بمكة) ساعة من نهار، كما في الصحيح، وهي من طلوع الشمس إلى العصر؛ كما في مسند أحمد، (والقتل بها) أنظر ما المراد به، فإن لغيره عَُّلِّ قتل من يستحقّ القتل بها، قاله شيخنا. (وجواز دخول مكّة من غير إحرام مطلقًا) دخل لحاجة، أم لا؟، والمراد أحلّ له دخولها بلا خلاف على، أي: صفة كان الدخول بخلاف غيره، ففيه خلف بينه بعد (ذكره ابن القاص، واستدلّوا له بحديث أنس عند) الأئمة (الستّة،) كلّهم من طريق لملك عن الزهري، عن أنس، قال: (دخل رسول اللَّه عَ لُ مكّة عام الفتح، وعلى رأسه المغفر،) بكسر الميم، وسكون الغين المعجمة، وفتح الفاء، وبالراء زرد ينسج من الدروع المتّصل بها، يجعل على الرأس، أو رفرف البيضة، أو ما غطّى الرأس من السّلاح كالبيضة، وفي رواية عن ملك خارج الموطأ مغفر من حديد، رواه الدارقطني، (وذلك،) أي: وجه الاستدلال (من كونه عليه الصّلاة والسّلام كان مستور الرأس بالمغفر والمحرم، يجب عليه كشف رأسه، ومن تصريح جابر) عند مسلم، (وملك) عند البخاري وغيره، (والزهري) عند [ .... ](١) (بأنه لم يكن محرمًا،) وكذا صرّح به طاوس عند ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، (وأبدى ابن دقيق العيد لستر الرأس احتمالاً، فقال: يحتمل أن يكون لعذر،) فلا ينافي أنه محرم، (انتهى). (١) بياض بالأصل. ١٨٠ القسم الثالث: ما اختصّ به عَِّ من المباحات وتعقبه الشيخ ولي الدين بن العراقي، فقال: هذا يرد تصريح جابر وغيره: قال: وهذا الاستدلال في غير موضع الخلاف المشهور، لأنه عليه الصلاة والسلام كان خائفًا من القتال متأهبًا، ومن كان كذلك فله الدخول عندنا بلا إحرام بلا خلاف عندنا، ولا عند أحد نعلمه. وقد استشكل النووي في شرح المهذب ذلك، لأن مذهب الشافعي أن مكة فتحت صلحًا خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إنها فتحت عنوة، وحينئذٍ فلا خوف. ثم أجاب عنه: بأنه عليه الصلاة والسلام صالح أبا سفين، وكان لا يأمن غدر أهل مكة، فدخلها صلحًا وهو متأهب للقتال إن غدروا. انتهى. وقد ذكرت ما في فتح مكة من المباحث في قصة فتحها من المقصد الأول. ثم إن غيره عَّ إذا لم يكن خائفًا، فقال أصحابنا: إن لم يكن ممن يتكرر دخوله، ففي وجوب الإحرام علیه قولان: أصحهما عند أکثرهم: أنه (وتعقّبه الشيخ وليّ الدين بن العراقي، فقال: هذا يرد تصريح جابر) بقوله: دخل عَّه يوم فتح مكّة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام، أخرجه مسلم، وأحمد، وأصحاب السنن (وغيره) كالزهري وملك بقوله: ولم يكن عَّ فيما نرى، والله أعلم يومئذ محرمًا، أخرجه البخاري، ورواه الدارقطني جزمًا عنه، فأسقط فيما نرى، واللَّه أعلم. (قال) ابن العراقي: (وهذا الاستدلال) منهم على الخصوصيّة (في غير موضع الخلاف المشهور لأنه عليه الصّلاة والسّلام كان خائفًا من القتال متأهّبًا له، ومن كان كذلك، فله الدخول عندنا بلا إحرام، بلا خلاف عندنا، ولا عند أحد نعلمه،) فلا يصح الاستدلال بذلك. (وقد استشكل النووي في شرح المهذب ذلك) أي: دخوله خائفًا من القتال متأهّبًا له؛ (لأن مذهب الشافعي أن مكّة فتحت صلحًا، خلافًا لأبي حنيفة) ولملك والأكثرين، (في قوله: إنها فتحت عنوة، وحينئذ فلا خوف، ثم أجاب عنه بأنه عليه الصّلاة والسّلام صالح أبا سفين وكان لا يأمن غدر أهل مكّة، فدخلها صلحًا، وهو متأهّب للقتال إن غدروا،) أي: أهل مكّة بالبناء للفاعل، (انتهى،) وعلى قول الأكثرين لا يتوجّه هذا السؤال أصلاً. (وقد ذكرت ما في فتح مكّة من المباحث في قصّة فتحها من المقصد الأوّل،) ومنه ترجيح فتحها عنوة من حيث الأدلّة، (ثم إن غيره عَّ إذا لم يكن خائفًا، فقال أصحابنا: إن لم يكن ممن يتكرّر دخوله، ففي وجوب الإحرام عليه قولان، أصحهما عند أكثرهم أنه