النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ القسم الثاني: ما اختصّ به عَُّلِّ ممّا حرّم عليه مما حرم عليه: فمنها: تحريم الزكاة عليه، وكذا الصدقة على الصحيح المشهور المنصوص، قال عليه الصلاة والسلام: (إنا لا نأكل الصدقة)) رواه مسلم، ومن قال بإباحتها له ويقول: لا يلزم من امتناعه من أكلها تحريمها، فلعله ترك ذلك تنزهًا مع إباحتها له، وهذا خلاف ظاهر الحديث. قال شيخ الإسلام ابن العراقي، في شرح التقريب: وعلى كل حال ففيه أن من خصائصه عليه الصلاة والسلام الامتناع من أكل الصدقة إما وجوبًا وإما تنزهًا، انتهى. والحكمة في ذلك: صيانة منصبه الشريف عن أوساخ أموال الناس. ومنها: تحريم الزكاة على آله عَ لّه في بعضها (ممّا حرم عليه) دون أُمّته، ليكثر ثوابه في اجتنابه، وخصّ بها تكرمة له، لأن أجر ترك المحرم أكثر من أجر ترك المكروه، وفعل المندوب، (فمنها،) أي: المحرّمات عليه وعلى آله لأجله: (تحريم الزكاة عليه،) أي: أخذها وعدم سقوطها عن مالكها لو وقع، (وكذا الصدّقة) والكفارة والنذور (على الصحيح المشهور المنصوص، قال عليه الصّلاة والسلام: ((إنّا لا نأكل الصدقة))،) وهي تشمل الفرض والنفل (رواه مسلم). قال البلقيني: وخرجت على ذلك؛ أنه يحرم أن يوقف عليه معينًا؛ لأن الوقف صدقة تطوّع، قال: وفي الجواهر له يؤيّده، فإنّه قال: صدقة التطوّع كانت حرامًا عليه. وعن أبي هريرة، أن صدقات الأعيان كانت حرامًا عليه دون العامّة، کالمساجد ومياه الآبار، قاله في الأنموذج. (ومن قال بإباحتها له ويقول: لا يلزم من امتناعه من أكلها تحريمها، فلعلّه ترك ذلك تنزّهًا مع إباحتها له، وهذا خلاف ظاهر الحديث،) بل يردّه قوله عَِّ: ((إنّا آل محمّد لا تحلّ لنا الصدقة»، رواه أحمد بإسناد قويّ، كما في الفتح، وجزم الحسن البصري؛ بأن الأنبياء مثله، لأنها أوساخ، وقال ابن عيينة: تحلّ لهم بدليل: وتصدّق علينا. (قال شيخ الإسلام ابن العراقي في شرح التقريب: وعلى كل حال ففيه أن من خصائصه عليه الصّلاة والسّلام الامتناع من أكل الصدّقة، أمّا وجوبًا وأما تنزّهًا، انتهى،) لأن القائل بالتنزّه لم يقل بأكلها، (والحكمة في ذلك صيانة منصبه الشريف عن أوساخ أموال الناس؛) لأن الصدقة تطهر المال واجبة، كالزكاة، أو مندوبة كالتطوّع، ولأنها تنبىء عن ذلّ الآخذ وعزّ المأخوذ منه، وأبدل بها الفيء المأخوذ بالقهر والغلبة لأنبائه بعزّ الآخذ وذلّ المأخوذ منه. (ومنها: تحريم الزكاة على آله،) وهم مؤمنو بني هاشم وبني المطلب عند الشافعيّة ١٤٢ القسم الثاني: ما اختصّ به عَّهُ ممّا حرّم عليه وتحريم كون آله عمالاً على الزكاة في الأصح، كذا يحرم صرف النذر والكفارة إليهم، وأما صدقة التطوع فتحل لهم في الأصح خلافًا للمالكية وهو وجه عندنا. ومنها: أنه يحرم عليه عَّه كل ما له رائحة كريهة، كثوم وبصل، لتوقع مجيء الملائكة والوحي كل ساعة. وبعض المالكية، والمشهور عندهم بنو هاشم فقط؛ لقوله عَّه: ((إن هذه الصّدقات إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحلّ لمحمّد، ولا لآل محمّد)، رواه مسلم. ولقوله: ((إن اللَّه حرّم عليّ الصدقة وعلى أهل بيتي))، رواه ابن سعد وغيره. قال الطيبي: وقد اجتمع في الحديث مبالغات شتّى، حيث جعل المشبّه به أوساخ الناس للتهجين والتقبيح، تنفيرًا واستقذارًا، وأجل حضرة الرسالة ومنبع الطهارة أن ينسب إلى ذلك، فجرّد عن نفسه الطاهرة من يسمّى محمّدًا؛ كأنه غيره وهو هو، فإن الطيّبات للطيبين، لا يقال كيف أباحها لبعض أُمّته، ومن كمال إيمان المرء أن يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه، لأنّا نقول: ما أباحها لهم عزيمة، بل اضطرارًا، وكم من حديث تراه ناهيًا عن السؤال، فعلى الحازم أن يراها كالميتة، فمن اضطرّ غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه، انتهى. (وتحريم كون آله عمالاً،) ولو من بعضهم لبعض (على الزكاة في الأصح) لخبر الحاكم عن عليّ، قلت للعباس: سل رسول اللَّه أن يستعملك على الصدقة، فسأله، فقال: (ما كنت لأستعملك على غسّالة الأيدي))، (وكذا يحرم النذر والكفارة إليهم،) ولكون تحريم ذلك على آله بسبب انتسابهم إليه عدّ ذلك من خصائصه. (وأمّا صدقة التطوّع، فتحلّ لهم في الأصح) عند الشافعية والحنابلة وأكثر الحنفيّة، وهو الصحيح المشهور عند المالكية، ونصّ عليه لملك وابن القسم، وأمّا قوله: (خلافًا للمالكية،) فضعيف غرّه فيه، كالسيوطي اقتصار العلاّمة خليل عليه وما علما أنه متعقّب، (وهو وجه عندنا،) واستدلّ للحل بما رواه الشافعي عن إبراهيم بن محمّد، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه؛ أنه كان يشرب من سقايات بين مكّة والمدينة، فقيل له: أتشرب من الصدقات؟، فقال: إنما حرّم علينا الصدقة المفروضة. وأخرجه البيهقي من طريق الشافعي، فثبت ذلك في حقّ القرابة، وقيس بها مواليها، زاد في الأنموذج: وعلى موالي وآله، أي خصّ بتحريم الزكاة عليهم في الأصح؛ لقوله عَظله: (إن الصدقة لا تحلّ لنا)، وإن مولى القوم من أنفسهم وعلى زوجته بالإجماع، حکاه ابن عبد البرّ. (ومنها: أنه يحرم عليه عَّ كل ما له رائحة كريهة كثوم،) بضم المثلّثة، (وبصل،) وكراث إذا كان ذلك نيا؛ (لتوقّع مجيء الملائكة والوحي له كل ساعة،) فيتأذّون بريحه ١٤٣ القسم الثاني: ما اختصّ به عَِّ ممّا حرّم عليه والأكل متكثًا في أحد الوجهين فيهما، والأصح في الروضة كراهتهما، وتعقب السهيلي الاتكاء فقال: قد يكره لغيره أيضًا لأنه من فعل المتعظمين، وقد تقدم مزيد لذلك. ومنها تحريم الكتابة والشعر، وإنما يتجه القول بتحريمهما ممن يقول إنه عـ كان يحسنهما، والأصح أنه كان لا يحسنهما، قال تعالى: ﴿وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك﴾ [العنكبوت/٤٨]، وقال تعالى: ﴿وما علمناه الشعر وما ينبغي له﴾ [يس/٦٩]، أي: ما هو في طبعه، ولا يحسنه ولا تقتضيه جبلته ولا يصلح له. وأجيب: بأن المراد تحريم التوصل إليهما. لا مطبوخًا، فكان يأكله، كما رواه أبو داود والترمذي لانتفاء العلّة. وروى أبو داود عن عائشة: آخر طعام أكله في بيتي فيه بصل، زاد البيهقي: كان مشويًّا في قدر، (والأكل متكًا،) أي: مائلاً على أحد شقّيه، أو معتمدًا على وطاء تحته، أو على يده اليسرى، أقوال مرّت رجح بعضهم أوسطها وبعض أوّلها، وهذا (في أحد الوجهين فيهما،) وهو مذهب لملك. (والأصح في الروضة كراهتهما) لما في مسلم: أن أبا أيّوب صنع للنبيّ عَ لّه طعامًا فيه بصل، وفي رواية: أرسل إليه بطعام فيه بصل أو كرّاث، فردّه، فقال: أحرام هو؟، قال: ((لا ولكني أكرهه))، (وتعقّب السهيلي: الاتكاء،) أي: القول بتخصيصه بكراهته، (فقال: قد يكره لغيره أيضًا؛ لأنه من فعل المتعظّمين، وقد تقدّم مزيد لذلك) في الأطعمة. (ومنها: تحريم الكتابة والشعر) بجميع أنواعه، ومنه الرجز عند الجمهور خلافًا للأخفش، (وإنما يتجه)، كما قال الرافعي (القول بتحريمهما) عليه (ممّن يقول: إنه عَّ كان يحسنهما)، ولكن لا يكتب ولا يقول الشعر، (والأصح أنه كان لا يحسنهما؛) لأن اللَّه (قال تعالى: ﴿وما كنت تتلو من قبله﴾)، أي: من القرءان (﴿من كتاب ولا تخطّه بيمينك﴾ [العنكبوت/ ٤٨]) إذًا لارتاب المبطلون، أي: اليهود، وقالوا: الذي في التوراة إنه أُمّي. (وقال تعالى: ﴿وما علّمناه الشعر وما ينبغي له﴾ [يس/ ٦٩]، أي ما هو في طبعه، ولا يحسنه ولا تقتضيه جبلته:) سجيته وطبيعته، (ولا يصلح له) تفسير لما ينبغي، (وأجيب) عن عدّهما من الخصائص، كما أجاب به النووي في الروضة، فقال: (بأن) لا يمتنع تحريمها، وإن كان لا يحسنهما، فإن (المراد تحريم التوصّل إليهما؛) بأن يريد تعلّم ذلك، قال شيخنا: ولعلّ القائل بعدم حرمته يرى أن هذا ١٤٤ القسم الثاني: ما اختصّ به عَّ ممّا حرّم عليه وهل منع الشعر خاص به عليه السلام أو بنوع الأنبياء؟ قال بعضهم: هو عام لقوله تعالى: ﴿وما علمناه الشعر وما ينبغي له﴾، لأنه لا يظهر فيه للخصوص نكتة. وتقدم في قصة الحديبية البحث في كونه عليه السلام كان يحسن الكتابة أم لا. ومنها: نزع لأمته إذا لبسها، حتى يقاتل أو يحكم الله بينه وبين عدوه. ومنها: المن ليستكثر، ذكره الرافعي، قال الله تعالى: ﴿ولا تمنن تستكثر﴾ [المدثر/٦]، لما لم يكن في طبعته كان كالمحال عليه، فلا يخطر في نفسه حتى يمنع من التعلّم له، (وهل منع الشعر خاص به عليه السّلام) لما رواه الطبراني عن عليّ لما قتل ابن عادم أخاه بكى وادم، وقال: تغيّرت البلاد ومن عليها فوجه الأرض مغبر قبيح تغيّر كل ذي طعم ولون وغيب ذلك الوجه المليح (أو) خاص (بنوع الأنبياء) لما رواه الثعلبي عن ابن عباس، قال: إن محمّدًا والأنبياء كلّهم في النهي عن الشعر سواء، (قال بعضهم: هو عام؛ لقوله تعالى: ﴿وما علّمناه الشعر وما ينبغي له﴾؛ لأنه لا يظهر فيه للخصوص نكتة،) لأن الشعر مبنيّ على تخيلات مرغبة ومنفرة ونحوهما ممّا لا يليق بمقامه عَ لّه، فصرفت طبيعته عن ذلك لعدّه نقصًا بالنسبة له، وهذا المعنى موجود في حقّ جميع الأنبياء؛ لأن الحكم يدور مع العلّة وجودًا وعدمًا، (وتقدّم في قصّة الحديبية البحث في كونه عليه السّلام كان يحسن الكتابة، أم لا؟،) وأن الصحيح لا. (ومنها): تحريم (نزع لأمّته) هي الدرع والسلاح، بهمزة ساكنة بعد ألف، وقد تخفّف، (إذا لبسها حتى يقاتل) إن احتيج له، فلو هرب عدوّه، أو حصل بينهم صلح، أو نحو ذلك جاز نزعها، وقد يشعر به قوله: (أو يحكم اللَّه بينه وبين عدوّه؛) لما رواه أحمد، وحسّنه البيهقي، وعلّقه البخاري عن جابر: أنه عَّ قال: ((ليس لنبيّ إذا لبس لأَمّته أن يضعها حتى يقاتل))، ولأحمد أيضًا والطبراني والبيهقي عن ابن عباس مرفوعًا: ((ما ينبغي لنبيّ أن يضع أداته بعد أن لبسها حتى يحكم اللَّه بينه وبين عدوّه))، فذكر في كل حديث غاية، فجمع المصنف بينهما، زاد في الأنموذج: وكذلك الأنبياء. قال أبو سعيد وابن سراقه: وكان لا يرجع إذا خرج إلى الحرب، ولا ينهزم إذا لقى العدوّ. (ومنها: المن، ليستكثر ذكره الرافعي) وغيره، (قال الله تعالى: ﴿ولا تمنّن تستكثر﴾ ١٤٥ القسم الثاني: ما اختصّ به عَّهِ ممّا حرّم عليه أي: لا تعط شيئًا لتطلب أكثر منه، بل أعط لربك واقصد به وجهه، فأدبه بأشرف الآداب، قاله أكثر المفسرين، وقال الضحاك ومجاهد: هذا كان للنبي عَ لّه خاصة، وليس على أحد من أمته، وقال قتادة: لا تعط شيئًا لمجازاة الدنيا، أي أعط لربك، وعن الحسن: لا تمنن على الله بعملك فتستكثره، وقيل: لا تمنن على الناس بالنبوة فتأخذ عليها أجرًا وعوضًا من الدنيا. ومنها: مد العين إلى ما متع به الناس، قال الله تعالى: ﴿ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به﴾، أي: استحسانًا له وتمنيًا أن يكون لك مثله ﴿أزواجًا منهم﴾ [الحجر/٨٨]، [المدثر / ٦])، (أي: لا تعطِ شيئًا لتطلب أكثر منه؛) لأنه طمع لا يليق به، (بل أعطِ لربّك وأقصد به وجهه، فأدّبه بأشرف الآداب) وأجلّ الأخلاق؛ فإن من أعطى ليثاب أكثر لم يكن له أجر لقصده الاستكثار، (قاله أكثر المفسّرين،) ومنهم ابن عباس، قال ابن عطية: فكأنّه من قولهم من إذا أعطى. (وقال الضحاك ومجاهد: هذا كان للنبيّ عَ ◌ّهِ خاصّة) لما ثبت عندهما بذلك، وإلاّ فالآية بمجردها لا تفيد الخصوصيّة، (وليس) يحرم (على أحد من أَمّته) ذلك، بل هو مباح لهم، لكن لا أجر لهم فيه، قال مكي: وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند اللَّه﴾ الآية، (وقال قتادة: لا تعطِ شيئًا لمجازاة الدنيا، أي: أعط لربّك) هو مثل قول الأكثر، والذي في ابن عطيّة عن قتادة: أن المعنى لا تدلّ بعلمك، ففي هذا التأويل تحريض على الجدّ وتخويف. (وعن الحسن) البصري: (لا تمن على اللَّه بعملك فتستكثره) وتعجب به، (وقيل،) أي: قال ابن زيد: (لا تمنن على الناس بالنبوّة فتأخذ عليها أجرًا وعوضًا من الدنيا. وحكى النقاش عن ابن عباس أنه قال: لا تمنن تستكثر، دعوت فلم أجب، قال ابن عطية: فهذه الأقوال كلّها من المنّ الذي هو تعديد اليد، وذكرها. وقال مجاهد: معناه لا تضعف فتستكثر ما حملناك من أعباء الرسالة، فهذا من قولهم حبل متین، أي ضعيف، انتھی. (ومنها: مدّ الأعين إلى ما متّع،) بضمّ الميم، وكسر الفوقية مشدّدة (به الناس) من زهرة الحياة الدنيا، (قال اللَّه تعالى: ﴿ولا تمدنّ عينيك﴾)) لا تنظر بهما (إلى ما متعنا به﴾ الآية، أي: استحسانًا له وتمنيًا أن يكون لك مثله ﴿أزواجًا منهم﴾ [الحجر/ ٨٨]) زهرة الحياة الدنيا، ١٤٦ القسم الثاني: ما اختصّ به عَّه ممّا حرّم عليه أشكالاً وأشباهًا من الكفار، وهي المزاوجة بين الأشياء، وهي المشاكلة. وعن ابن عباس: أصنافًا منهم، فإنه مستحقر بالإضافة إلى ما أوتيته فإنه كمال مطلوب بالذات مفض إلى دوام اللذات. ومنها: خائنة الأعين، وهي الإيماء إلى مباح من قتل أو ضرب على خلاف ما يشعر به الحال، كما قيل له عليه الصلاة والسلام في قصة رجل أراد قتله: هلا أومأت إلينا بقتله، فقال: ما كان ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين. زينتها وبهجتها لنفتنهم فيه (أشكالاً وأشباهًا من الكفار، وهي المزاوجة بين الأشياء، وهي المشاكلة). (وعن ابن عباس) في تفسير أزواجًا، قال: (أصنافًا منهم؛ فإنه مستحقر بالإضافة إلى ما أُوتيته؛ فإنه كمال مطلوب بالذات مفض إلى دوام اللذّات.) كما قال: ﴿ورزق ربك خير رأبقى﴾ [طه/١٣١] الآية، أخرج ابن أبي شيبة، وابن مردويه، والبزار، وأبو يعلى عن أبي رافع، قال: أضاف النبيّ عَّةٍ ضيفًا، فأرسلني إلى رجل من اليهود أن أسلفني دقيقًا إلى هلال رجب، فقال: لا إِلاّ برهن، فأتيت النبيّ عَّله فأخبرته، فقال: ((أما والله إني لأمين في السماء أمين في الأرض))، فلم أخرج من عنده حتى نزلت هذه الآية: ﴿ولا تمدن عينيك إلى ما متّعنا به أزواجًا منهم﴾. (ومنها: خائنة الأعين وهي الإيماء:) الإشارة بالعين، أو الحاجب، أو غيرهما خفية (إلى مباح من قتل أو ضرب) أو حبس (على خلاف ما يشعر به الحال،) أي: ما يظهره المومىء، سمّي خائنة لشبهه بالخيانة من حيث خفاؤه، (كما قيل له عليه الصّلاة والسّلام في قصّة رجل،) هو عبد الله بن أبي سعد بن أبي سرح (أراد قتله؛) لأنه كان يكتب له بمكّة، فأزلّه الشيطان، فكفر، فأهدر دمه فيمن أهدر يوم فتح مكّة، فاختباً عند عثمن فلما دعا النبيّ عَ لِ الناس إلى البيعة جاء به عثمن، فقال: يا رسول اللَّه! بايع عبد اللّه، فرفع رأسه، فنظر إليه ثلاثًا، كل ذلك يأبى، فبايعه بعد ثلاث، ثم أقبل على أصحابه، فقال: ((أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين كففت يدي عن مبايعته فيقتله)؟، فقال رجل: (هلاّ أومأت إلينا بقتله؟ فقال: ((ما كان ينبغي لنبيّ أن تكون له خائنة الأعين)))) رواه أبو داود، والنسائي، وصححه الحاكم. وأفاد سبط ابن الجوزي: أن الرجل عباد بن بشر الأنصاري، وقيل: عمر بن الخطّاب، فأسلم عبد الله وحسن إسلامه، وعرف فضله وجهاده، وكانت له المواقف المحمودة في الفتوح، وولّه عمر صعيد مصر ثم ضمّ إليه عثمن مصر كلها، وكان محمودًا في ولايته، واعتزل الفتنة ١٤٧ القسم الثاني: ما اختصّ به عَّمِ ممّا حرّم عليه ولا يحرم ذلك على غيره إلا في محظور، قاله الرافعي فيما نقله الحجازي في مختصر الروضة. ومنها: نكاح من لم تهاجر، في أحد الوجهين: قال الله تعالى: ﴿يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن﴾، أي: مهورهن، سمى المهر أجرًا لأن المهر أجر على البضع وتقييد الإحلال بإعطائها معجلة لا يتوقف الحل عليه، بل لإيثار الأفضل، كتقييد إحلال المملوكة يكونها مسببة في قوله: ﴿وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك﴾ يعني من نساء بني زهرة ﴿اللاتي هاجرن معك﴾ [الأحزاب/ ٥٠] قالوا: المراد هاجرن كما هاجرت، وإن لم تكن هجرتها في حال هجرته. حتى مات سنة سبع أو تسع وخمسين، فقال: اللّهمّ اجعل آخر عملي الصبح فتوضّأ وصلّى، فسلّم عن يمينه، ثم ذهب يسلّم عن يساره، فقبضت روحه رضي الله عنه؛ كما تقدّم مبسوطًا في الفتح، (ولا يحرم ذلك على غيره إلاّ في محظور،) أي: ممنوع، (قاله الرافعي فيما نقله الحجازي في مختصر الرّوضة،) قال بعض: بل إذا كان الأيماء في محظور، فليس من خائنة الأعین في شىء. (ومنها: نكاح من لم تهاجر) إلى المدينة (في أحد الوجهين، قال اللَّه تعالى:) (﴿يا أيّها النبيّ إنّا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن﴾) الآية، (أي: مهورهنّ، سمّى المهر أجرًا، لأن المهر أجر على البضع،) بضمّ فسكون، أي: الفرج، (وتقييد الإحلال بإعطائها معجّلة، لا يتوقّف الحلّ عليه، بل الإيثار الأفضل) مثله في البيضاوي، ولا يتعيّ الحمل عليه، إذ يمكن أن معنى آتيت أجورهنّ التزمته في ذمّتك، ثمّ أديته بعد؛ (کتقييد إحلال المملوكة بكونها مسبّية في قوله: ﴿وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك﴾) من الغنائم، فإن مثله الشراء والهبة والهدية ونحو ذلك. قال ابن عطيّة: يريد أو على أُمّتك، لأنه فيء عليه وملك اليمين أصله الفيء من المغنم أو ممّن تناسل ممّن سبى، والشراء من الحربيين كالسباء، ومباح النساء هو من الحربيين ولا يجوز سبي من له عهد ولا تملكه، ويسمّى سبي الخبثة، (﴿وبنات عمّك، وبنات عماتك، وبنات خالك، وبنات خالاتك﴾، يعني: من نساء بني زهرة ﴿اللاتي هاجرن معك﴾ الآية أي إلى المدينة)؛ لأنها حقيقة الهجرة الشرعية. (قالوا: والمراد هاجرن كما هاجرت، وإن لم تكن هجرتها في حال هجرته)، إذ لم ١٤٨ القسم الثاني: ما اختصّ به عَّه ممّا حرّم عليه وظاهره يدل على أن الهجرة شرط في التحليل، وأن من لم تهاجر من النساء لم يحل له نكاحها. وقالت أم هانىء: خطبني النبي عَّ فاعتذرت إليه بعذر فعذرني، فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك﴾ إلى قوله: ﴿اللاتي هاجرن معك﴾ الآية فلم أكن لأحل له، فإني لم أهاجر معه، كنت من الطلقاء. وعن بعض المفسرين: أن شرط الهجرة في التحليل منسوخ، ولم يذكر ناسخه. وعن الماوردي قولان: أحدهما أن الهجرة شرط في . يهاجر معه أحد، (وظاهره يدلّ على أن الهجرة شرط في التحليل، وأن من لم تهاجر من النساء لم يحلّ له نكاحها؛) لأنه قيد حلّ المذكورات بالهجرة، (ويؤيّذ هذا ما رواه الترمذي، وحسّنه الحاكم، وصححه عن ابن عباس، قال: (قالتِ أُمّ هانىء: خطبني النبيّ مَُّلِّ، فاعتذرت إليه بعذر،) فقلت: ما لي عنك رغبة يا رسول اللَّه، ولكن لا أحبّ أن أتزوّج وبني صغار، فقال عَّ: ((خير نساء ركبن الإبل نساء قريش، أحناه على طفل في صغره، وأرعاه على بعل في ذات يده)، رواه الطبراني عنها برجال ثقات. وروى ابن سعد بسند صحيح عن الشعبي، فقالت: يا رسول اللَّه! لأنت أحبّ إليّ من سمعي وبصري وحقّ الزوج، عظيم، فأخشى أن أضيع حقّ الزوج (فعذرني،) أي: قبل عذري، (فأنزل اللَّه تعالى: ﴿يا أيها النبيّ إنا أُحللنا لك أزواجك﴾)، إلى قوله: (﴿اللاتي﴾ بالتاء في قراءة الجمهور وقراءة الأعمش بالياء ﴿هاجرن معك﴾ الآية، فلم أكن لأحلّ له، فإني لم أهاجر معه، كنت من الطلقاء، وعن بعض المفسّرين: أن شرط الهجرة في التحليل منسوخ،) وبه جزم البغوي، (ولم يذكر ناسخه) على أنه لا حاجة لدعوى النسخ، فقد ذهب الضحاك، وابن زيد إلى أن معنى الآية أن اللَّه أباح له كل امرأة يؤتيها مهرها وملك اليمين، وأباح له قرابته وخصّصهن بالذكر، ووصفهنّ بالهجرة تشريفًا لهنّ، وأباح له الواهبات خاصة، فهي إباحة مطلقة في جميع النساء حاشى المحارم، لا سيّما على ما ذكره الضحاك؛ أن في مصحف ابن مسعود: واللاتي هاجرن بالواو، ثم قال: ترجى من تشاء الخ ... أي: من هذه الأصناف كلّها، فيجري الضمير بعد ذلك على العموم إلى قوله: ولا أن تبدل بهن من أزواج، فيعود على التسع فقط على الخلاف في ذلك، ذكره ابن عطية. (وعن الماوردي قولان،) ذكرهما في معنى الآية، (أحدهما: أن الهجرة شرط في ١٤٩ القسم الثاني: ما اختصّ به عَّه ممّا حرّم عليه إحلال كل النساء له عليه السلام من غريبة وقريبة، والثاني: أنها شرط في إحلال بنات عمه وعماته المذكورات في الآية وليس شرطًا في إحلال الأجنبيات، وعنه أيضًا: أن المراد بالمهاجرات المسلمات. ومنها: تحريم إمساك من كرهته، قاله الحجازي وغيره. ومنها: نكاح الكتابية، لأن أزواجه أمهات المؤمنين وزوجات له في الآخرة، ومعه في درجته في الجنة، ولأنه أشرف من أن يضع ماءه في رحم كافرة، قالوا: ولو نكح كتابية لهديت إلى الإسلام كرامة له. ومنها: نكاح الأمة المسلمة، إحلال كل النساء له عليه السّلام من غريبة وقريبة،) من جهة أبيه أو أُّه، (والثاني: أنها شرط في إحلال بنات عمّه وعمّاته المذكورات في الآية، وليس شرطًا(١) في الأجنبيات،) وقد يؤيّده حديث أُمّ هانىء، (وعنه أيضاً) حكاية قول ثالث: (أن المراد بالمهاجرات المسلمات،) فيحلّ له جميع النساء مهاجرات، أم لا من أقاربه أو غيرهنّ، وهذا هو الأصح في الحكم دون التحريم، ولكن أدقّ من كون المراد المسلمات ما نقله ابن عطية، كما رأيت. (ومنها: تحريم إمساك من كرهته، قاله، الحجازي، وغيره،) كما هو قضيّة تخيير نسائه، ولما رواه البخاري عن عائشة: أن ابنة الجون لما أُدخلت عليه عَّه ودنا منها، قالت: أعوذ بالله منك، فقال لها: ((لقد عذت بعظيم، الحقي بأهلك))، وفي رواية له: ((عذت بمعاذ)) بفتح الميم، أي: بالذي يستعاذ به وهو اللَّه. قال ابن الملقن: يفهم منه أنه يحرّم عليه نكاح كل امرأة كرهت صحبته، وبحث فيه شيخنا بجواز أنه لمّا فهم كراهتها له لم يرد إبقائها، وإن جاز، وفيه نظر وقد زاد في الأنموذج، وتحرّم عليه مؤّدًا في أحد الوجهين. (ومنها: نكاح الكتابية) ولو ذميّة؛ (لأن أزواجه أمهات المؤمنين،) ولا يجوز أن تكون الكافرة أمّهم، (وزوجات له في الآخرة) لحديث: ((زوجاتي في الدنيا زوجاتي في الجنّة))، (ومعه في درجته في الجنّة؛) لقوله: ((سألت ربّي أن لا أتزوّج إلّ من كان معي في الجنّة، فأعطاني))، رواه الحاكم، وصححه والجنّة حرام على الكافرين؛ (ولأنه أشرف من أن يضع ماءه في رحم كافرة، قالوا: ولو نكح كتابية لهديت إلى الإسلام كرامة له،) أي: لو فرض ذلك وإلا فلم يتّفق له عَِّ نكاح كتابية. (ومنها: نكاح الأمة المسلمة،) لأنه مقيد بخوف العنت، وهو معصوم، وبفقد مهر الحرة، ونكاحه غني عن المهر ابتداء وانتهاء، وفيه رقّ الولد ومنصبه منزّه عنه، وقال البلقيني: ١٥٠ القسم الثاني: ما اختصّ به عٍَّ ممّا حرّم عليه ولو قدر نكاحه أمة كان ولده منها حرًا، ولا تلزمه قيمته لتعذر الرق. قاله القاضي حسين، وقال أبو عاصم: تلزم نقله الحجازي، ولا يشترط في حقه حينئذٍ خوف العنت ولا فقد الطول. وأما التسري بالأمة فالأصح الحل، لأنه عَّ استمتع بأمته ريحانة قبل أن تسلم، وعلى هذا، فهل عليه تخييرها بين أن تسلم فيمسكها أو تقيم على دينها فيفارقها؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم لتكون من زوجاته في الآخرة، والثاني: لا، لأنه لما عرض على ريحانة الإسلام فأبت لم يزلها عن ملكه وأقام على الاستمتاع، وقد أسلمت بعد. ولا يتصوّر في حقّه قطّ اضطرار إلى نكاحها، بل لو أعجبته أمة، وجب على مالكها بذلها إليه هبة، قياسًا على الطعام، (ولو قدر نكاحه أمة كان ولده منها حرًّا) على الصحيح، وإن قلنا بالمشهور من جرى الرقّ على العرب، (ولا تلزمه قيمته لتعذّر الرقّ، قاله القاضي حسين) بخلاف ولد المغرور بحريّة أمة لفوات الرق بظنّه، وهنا يتعذّر الرقّ؛ كما قاله القاضي حسين. (وقال أبو عاصم: تلزم، نقله البخاري،) وأيّد الرافعي الأوّل بقول إمام الحرمين: لو قدر نكاح غرور في حقّه، لم تلزمه قيمة الولد؛ لأنه مع العلم بالحال لم ينعقد رقيقًا، فمع الجهل به أولى. قال ابن الرفعة: وفي تصوير ذلك في حقّه نظر، (ولا يشترط في حقّه حينئذ،) أي: حين قدرنا نكاحه أمة (خوف العنت،) إذ لا يتصوّر فيه لعصمته، (ولا فقد الطول،) زاد الأنموذج: وله الزيادة على واحدة، أي: بخلاف أمته، فلا يزيدون على أمة واحدة، إذا خيف العنت وفقد الطول. (وأمّا التسرّي بالأمة) الكتابية، (فالأصح الحل؛ لأنه عَلَّم استمتع بأمته ريحانة) القرظيّة على الأكثر، وقيل: النظرية (قبل أن تسلم،) لا يرد أنه أشرف من أن يضع ماءه في رحم كافرة؛ لأنه جزء علّة، والحكم ينتفي بانتفائه، بخلاف المعلّل بعلّتين، فيبقى ما بقيت إحداهما، والسريّة ليست أُمّ المؤمنين، وقال بعض: لأن القصد بالنكاح أصالة التوالد، فاحتيط له وبأنه يلزم فيه أن تكون الزوجة أَمّ المؤمنين، بخلاف الملك فيهما، (وعلى هذا فهل،) يجب (عليه تخييرها بين أن تسلم فيمسكها، أو تقيم على دينها فيفارقها، فيه وجهان، أحدهما: نعم، لتكون من زوجاته في الآخرة، والثاني: لا؛ لأنه لما عرض على ريحانة الإسلام، فأبت) إلّ اليهودية، (لم يزلها عن ملكه، وأقام على الاستمتاع) بها، ولعلّه علم بأنها ستسلم بعد، أو إن تمتّعه بها يكون سببًا لإسلامها، فسهل ذلك له، (وقد أسلمت بعد،) وكان يطؤها بالملك. جزم به ابن إسحق، وقيل: أعتقها وتزوّجها، ورجّحه الواقدي، وماتت سنة عشر، مرجعه ١٥١ القسم الثاني: ما اختصّ به عَّهِ ممّا حرّم عليه ومنها: تحريم الإغارة إذا سمع التكبير، كما ذكره ابن سبع في الخصائص. من حجّة الوداع، ودفنت بالبقيع هذا، وما جزموا من استمتاعه بها قبل أن تسلم، مخالف لقول ابن إسحق: سباها عَّه، فأبت إلّ اليهودية، فعزلها، ووجد في نفسه، فبينما هو مع أصحابه إذ سمع وقع نعلين خلفه، فقال: ((إن هذا الثعلبة بن سعية يبشّرني بإسلام ريحانة))، فبشّره، فسرّه ذلك، فعرض عليها أن يعتقها ويتزوّجها، ويضرب عليها الحجاب، فقالت: يا رسول اللَّه!، بل تتركني في ملكك فهو أخفّ عليّ وعليك، فتركها واصطفاها لنفسه، وكذا ذكر الواقدي وابن سعد؛ أنه عَُّلِّ عزلها ثم أرسلها إلى بيت أُمّ المنذر بنت قيس، فدخل عليها، قالت: فاختبأت منه حياء، فدعاني فأجلسني بين يديه، وخيرني، فاخترت اللَّه ورسوله. قال في الأنموذج: وكان إذا خطب امرأة فردّ لم يعد؛ كما في حديث مرسل، فيحتمل التحريم والكراهة قياسًا على إمساك كارهته، ولم أرَ من تعرّض له وشنع عليه شارحه، فقال: هذا لا دلالة فيه على الخصوصيّة بوجه، وإثباتها من قبيل الرجم بالغيب، وهذا على عادته في تحامله عليه، إذ لم يثبت له خصوصيّة، وإنما أبدى احتمالاً في المروي مع القياس، كما ترى، فإذا لم يفهم على أحد الاحتمالين فماذا يكون معناه. (ومنها: تحريم الإغارة) على قوم يريد غزوهم (إذا سمع التكبير،) أي: الأذان لخبر الصحيحين عن أنس: كان عَّةٍ إذا غزا قومًا لم يغر حتى يصبح وينظر، فإن سمع أذانًا كفّ عنهم، وإن لم يسمع أذانًا أغار عليهم؛ (كما ذكره ابن سبع في الخصائص،) وتعقّب بأنه ليس في الحديث ما يصرّح، بل ولا ما يلوح بأنه من خصائصه، وزاد في الأنموذج: وأن يخدع في الحرب فيما ذكر ابن القاص، وخالف فيه الجمهور، وعدّ القضاعي وغيره أنه لا يقبل هديّة مشرك)، ولا يستعين به، ولا يشهد على جور، وحرّم عليه الخمر من أوّل بعثته قبل أن تحرم على الناس بنحو عشرين سنة، فلم تبح له قط. وفي الحديث: ((أوّل ما نهائي عنه ربّي بعد عبادة الأوثان شرب الخمر وملاحاة الرجال))، ونُهي عن التعرّي وكشف العورة من قبل أن يبعث بخمس سنين، وقالت عائشة: ما رأيت منه، ولا رأى مني، ونهى عليًّا عن إنزاء الحمر على الخيل نهيًا خاصًّا عدّ هذه رزين، وكان لا يصلي على من غلّ، ولا على من قتل نفسه، وفي المستدرك عن أبي قتادة: كان عٍَّ إذا دعي إلى جنازة سأل عنها فإن أُثني عليها خيرًا صلّى عليها، وإن أُثني عليها غير ذلك قال لأهلها: ((شأنكم بها»، ولم يصلّ علیھا. وفي سنن أبي داود حديث: ((ما أبالي ما أتيت إن أنا شربت ترياقاً، أو تعلقت تميمة، أو قلت شعرًا من قبل نفسي))، قال أبو داود: هذا كان له خاصة، وقد رخّص في الترياق لغيره، انتهى. ١٥٢ القسم الثالث: ما اختصّ به عَِّ من المباحات القسم الثالث: فيما اختص به علية من المباحات : . اختص عليه الصلاة والسلام بإباحة المكث في المسجد جنبًا، قاله صاحب التلخيص. ومنعه القفال، قال النووي: وما قاله في التلخيص قد يحتج له بقوله عليه الصلاة والسلام في حديث أبي سعيد الخدري: يا علي لا يحل لأحد أن يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك. قال الترمذي حسن غريب. وقد يعترض على هذا الحديث بأن عطية بن سعد وقد رخّص أيضًا في تعليق التمائم إذا كان بعد نزول البلاء، انتهى. وقوله: إن أنا شربت شرط حذف جوابه لدلالة الحال عليه، أي: إن فعلت هذا لا أبالى كل شىء أتيت به، لكني أُبالي من إتيان بعض الأشياء وإدخال الشارح هنا ما حرّم على غيره له، كرفع الصّوت عليه لا ينبغي؛ لأن القسم فيما حرّم عليه هو عَّه، مع أن غالب ما ذكره أدمجه المصنّف في القسم الرابع. القسم الثالث ما اختصّ به عليَّةُ من المباحات والتخفيفات له دون غيره توسعة عليه، وتنبيهًا على أن ما خصّ به منها لا يلهيه عن طاعته، وإن ألهى غيره، وليس المراد بالمباح هنا ما استوى طرفاه، بل ما لا حرج في فعله، ولا في تركه. قال في المطلب: المباح في عرف الفقهاء ما استوى طرفاه، وقد يطلق على ما لا إثم فيه، وهو المراد فيما نحن فيه؛ لأن الطرفين لم يستويا في كل الصور، فإنه يثاب على الوصال، وصفّى المغنم قد يكون الراجح فعله أيضًا؛ لأنه يصرفه في أهمّ المهمات، وقد يكون الراجح تركه، وكذا دخول مكة بلا إحرام؛ فإنّه في حال يكون راجحًا كما وجد في حال يكون الفعل أرجح لفقد ما لأجله يرجح الترك، وكذا إباحة التصدّق بجميع ما يخلفه والزيادة على أربع لا تساوي فيه فإن أفعاله وأقواله كلّها راجحة، فيثاب عليها، انتهى. (اختصّ عليه الصّلاة والسلام بإباحة المكث في المسجد جنبًا، قاله صاحب التلخيص) هو ابن القاص (ومنعه القفال،) وهو المعتمد. (قال النووي: وما قاله في التلخيص قد يحتجّ له بقوله عليه الصّلاة والسّلام في حديث أبي سعيد الخدري: ((يا عليّ لا يحلّ لأحد أن يجنب في هذا المسجد،) أي: يمكث فيه جنبًا (غيري وغيرك))، قال الترمذي: حسن غريب، وقد يعترض على هذا الحديث،) أي: الاحتجاج (بأن) راويه عن أبي سعيد (عطية بن سعد) العوفي، الكوفي، المتوفى سنة إحدى ١٥٣ القسم الثالث: ما اختصّ به عَّهِ من المباحات ضعيف عند الجمهور. ويجاب بأن الترمذي حكم بأنه حسن فلعله اعتضد بما اقتضى حسنه، لكن إذا شاركه عليه السلام علي في ذلك لم يكن من الخصائص. وقد غلَّط إمام الحرمين وغيره صاحب التلخيص في الإباحة. واعلم أن معظم المباحات لم يفعلها مَ ◌ّه وإن جازت له. ومما اختص به أيضًا أنه لا ينتقض وضوؤه بالنوم مضطجعًا، وفي اللمس وجهان، عشرة ومائة، (ضعيف عند الجمهور،) وفي التقريب: صدوق يخطىء كثيرًا، وكان شيعيًّا مدلسًا، روى له أبو داود، والنسائي، والترمذي، (ويجاب بأن الترمذي حكم بأنه حسن، فلعلّه اعتضد،) تقوّى (بما اقتضى حسنه،) فإن له شواهد كحديث أمّ سلمة، رفعته: إلا أن مسجدي حرام على كل حائض من النساء، وكل جنب من الرجال إلا محمدًا وأهل بيتي علي وفاطمة والحسن والحسين، رواه البيهقي، وحديث عائشة مرفوعًا: ((لا يحلّ المسجد لحائض ولا جنب إلاّ لمحمّد وآل محمّد»، رواه البخاري في تاريخه والبيهقي، وروى ابن عساكر عن جابر نحوه، (لكن إذا شاركه عليه السّلام عليّ في ذلك لم يكن من الخصائص،) ويجاب بأن له أن يخص من شاء بما شاء، كما يأتي، فتخصيص علي ببعض خصائصه لا يمنع كونه منها، (وقد غلط إمام الحرمين وغيره صاحب التلخيص في الإباحة،) لكن لا ينهض التغليط مع وجود حديث حكم مثل الترمذي بحسنه، واختلف المحدثون في تضعيف راويه عطيّة وتوثيقه، ووجود شواهد له كثيرة، زاد في الأنموذج، وبالعبور فيه عند المالكية، أي: لا الشافعية، لأنهم جوّزوا عبور الجنب في المسجد. (واعلم: أن معظم المباحات لم يفعلها عَّهِ وإن جازت له)) ولعلّ غرضه من هذا دفع ما قد يقال لو كان مباحًا له لنقل، ولم ينقل. (وممّا اختصّ به أيضًا، أنه لا ينتقض وضوءه بالنوم مضطجعًا،) لما في الصحيحين، أنه عَّهِ اضطجع ونام حتى نفخ، ثم قام فصلّى ولم يتوضّأ، أي: لأنه لا ينام قلبه، والأنبياء مثله في ذلك؛ لأن قلوبهم لا تنام، فهو خصوصية له على الأمم لا الأنبياء، ومرّ الجواب عن نومه في الوادي في آخر المقصد الثالث في نفس المتن بأجوبة عديدة، فعجيب تسويد الكاغد هنا يذكر بعضه من كلام غير المصنّف، الموهم أنه ليس فيه، مع أن ما بالعهد من قدم، ولكن آفة العلم النسيان، (وفي اللّمس وجهان،) أحدهما: لا ينتقض قال السيوطي: وهو الأصح، والثاني: ١٥٤ القسم الثالث: ما اختصّ به عَّله من المباحات قال النووي: المذهب الجزم بانتقاضه به. صَّى اللّه واستدل القائلون بالأول بنحو حديث عائشة، عند أبى داود، أن النبي عليه كان يقبل بعض أزواجه ثم يصلي ولا يتوضأ. ورواه النسائي أيضًا، وقال أبو داود: وهو مرسل، إبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة، وقال النسائي: ليس في هذا الباب حديث أحسن من هذا الحديث وإن كان مرسلاً. واختص أيضًا بإباحة الصلاة بعد العصر، فقد فاتته ركعتان بعد الظهر فقضاهما بعد العصر، ثم واظب عليهما، . النقض، وهو المعتمد عند الشافعية، كما (قال النووي: المذهب الجزم بانتقاضه به، واستدلّ القائلون بالأوّل بنحو حديث عائشة عند أبي داود) في الطهارة وأحمد؛ (أن النبيّ عَّ كان يقبّل بعض أزواجه)،) وفي رواية: بعض نسائه، (ثم يصلّي ولا يتوضّأ، ورواه النسائي أيضًا) في الطهارة. (وقال أبو داود: هو مرسل إبراهيم التيمي، لم يسمع من عائشة،) لكن قال الحافظ: روى عنها من عشرة أوجه فهذا يجبر إرساله، ولذا قال في تخريج الرافعي: إسناد جيّد قوي، وقال عبد الحقّ: لا أعلم له علّة توجب تركه. (وقال النسائي: ليس في هذا الباب حديث أحسن من هذا الحديث، وإن كان مرسلاً بناء على أن المرسل ما سقط منه راوٍ، أنّه ما رفعه التابعي، فيقال، في هذا منقطع، وبه أخذ أبو حنيفة، فقال: لا وضوء من المسّ، ولا من المباشرة، إلاّ أنّ فحشت بأن يوجدا متعانقين متماسي الفرج، وذهب الشافعي إلى النقض مطلقًا، وأجاب بعض أتباعه بأنه خصوصيّة أو منسوخ، لأنه قبل نزول قوله: أو لامستم، ولأبي حنيفة أن يقول الأصل عدم الخصوصيّة وعدم النسخ حتى يثبت، والحديث صالحٍ للحجيّة، وقد روى النسائي أيضًا بإسناد صحيح عن القُسم عن، عائشة، قالت: إن كان رسول اللَّه عَّ ليصلّي، وإني لمعترضة بين يديه اعتراض الجنازة، حتى إذا أراد أن يوتر مسني برجله، وفصل ملك بين الالتذاذ أو قصده، فالنقض وبين انتفائهما، فلا نقض إلا القبلة بفم مطلقًا. (واختصّ أيضًا بإباحة الصّلاة،) أي: جنسها ((بعد العصر،) أي: الركعتين بعد الظهر، خاصة على ما قال: (فقد فاتته ركعتان بعد الظهر، فقضاهما بعد العصر،) كما في الصحيحين عن أُمّ سلمة أنه معَّهِ نهى عنهما، ثم رأيته يصلّيهما، فسألته، فقال: أتاني ناسي من عبد القيس، فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر، فهما هاتان، (ثم واظب عليهما،) ولم يتركهما حتى ١٥٥ القسم الثالث: ما اختصّ به عَِّ من المباحات ذكره الحجازي، وبجواز صلاة الوتر على الراحلة مع وجوبه عليه، كما ذكره في شرح المهذب وعبارته: كان من خصائصه معَِّ جواز فعل هذا الواجب الخاص به على الراحلة. وبالصلاة على الغائب عند أبي حنيفة ولملك. وبالقبلة في الصوم، مع قوة الشهوة، روى البخاري من حديث عائشة قالت: كان رسول الله عَّةٍ يقبل بعض أزواجه وهو صائم، وكان أملككم لإربه. لقى اللَّه، رواه البخاري عن عائشة، (ذكره الحجازي،) فجعلهما خصوصيّة واحدة، والسيوطي جعلهما خصوصيّتين، فقال: وبإباحة الصّلاة بعد العصر، وبقضاء الراتبة بعد العصر عند قوم، قال شارحه عقب الأولى لخبر أبي داود: كان يصلّي وينهى عنها، ويواصل وينهى عنه، ثم شرح الثانية بخبر أُمّ سلمة، (وبجواز صلاة الوتر على الراحلة،) أي: البعير (مع وجوبه عليه، كما ذكره) النووي (في شرح المهذب،) وهو ضعيف، كما مرّ، (وعبارته: كان من خصائصه معد له جواز فعل هذا الواجب الخاص به،) أي الوتر (على الراحلة) لما في الصحيحين عن جابر: كان يصلّي في السفر على راحلته حيثما توجّهت به، فإذا أراد أن يصلّي المكتوبة نزل فاستقبل القبلة. (وبالصّلاة على) الميّت (الغائب عند أبي حنيفة وهلك))) وحملاً صلاته على النجاشي على ذلك، وخالف الشافعي وأحمد، فأجازاها لغيره، زاد السيوطي وعلى القبر عند المالكية، (وبالقبلة،) بالضمّ (في الصّوم مع قوة الشهوة،) بخلاف غيره، فيحرم إن خاف الإنزال وإلاّ كره، (روى البخاري،) ومسلم، وأصحاب السنن (من حديث عائشة، قالت: كان رسول اللَّه عَّ يقبّل بعضٍ أزواجه،) هي عائشة، كما في مسلم، أو أم سلمة، كما في البخاري، لكن الظاهر أن كلاًّ إنما أخبرت عن فعله معها لرواية البخاري أيضًا عن عائشة، إن كان رسول اللَّه عَّ ليقبل بعض أزوجه (وهو صائم،) ثم ضحكت، زاد ابن أبي شيبة عن عروة: فظنّنا أنها هي، وإنما ضحكت تنبيهًا على أنها صاحبة القصّة، لتكون أبلغ في الثقة بها، أو تعجّبًا من نفسها إذ حدثت بمثل هذا مما يستحيي النساء من ذكره للرجال، لكن ضرورة تبليغ العلم ألجأتها لذلك. وروى البيهقي عن عائشة: أنه عَّ كان يقبّلها وهو صائم، ويمصّ لسانها، (وكان أملككم لإربه،) بكسر الهمزة، وإسكان الراء في الفرع وغيره، أي: عضوه، وبفتح الهمزة والراء، وقدّمه في فتح الباري، وقال: إنه أشهر، وإلى ترجيحه أشار البخاري، أي: أغلبكم لهواه وحاجته. وقال التوربشتي: حمل الإرب ساكنة الراء على العضو في هذا الحديث غير سديد، لا يغترّ به إلاّ جاهل بوجوه حسن الخطاب، مائل عن سنن الأدب ونهج الصواب. ١٥٦ القسم الثالث: ما اختصّ به عَّه من المباحات قال الحافظ ابن حجر: فأشارت بذلك إلى أن الإباحة لمن يكون مالكًا لنفسه دون من لا يأمن الوقوع فيما يحرم. وفي رواية حماد - عند النسائي - قال الأسود: قلت لعائشة: أيباشر الصائم؟ قالت: لا، قلت: أليس كان رسول الله عَ ليه يباشر وهو صائم؟ قالت: إنه كان أملككم لإربه. قال وظاهر هذا أيضًا أنها اعتقدت خصوصية النبي عَّه بذلك. قاله القرطبي، قال: وهو اجتهاد منها. ويدل على أنها لا ترى بتحريمها ولا بكونها من الخصائص: ما رواه لملك في الموطأ أن عائشة بنت طلحة كانت عند عائشة فدخل عليها زوجها وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر فقالت عائشة: ما يمنعك أن تدنو من أهلك فتلاعبها وتقبلها؟ قال: أقبلها وأنا صائم؟، قالت: نعم. وأجاب الطيبي: بأنها ذكرت أنواع الشهوة مرتقية من الأدنى إلى الأعلى، فبدأت بمقدّمتها التي هي القبلة، ثم ثنت بالمباشرة بنحو المداعبة والمعانقة، وأرادت أن تعبّر عن المجامعة، فكنت عنها بالأرب، وأي عبارة أحسن من هذا، انتهى، وفي الموطأ: أيّكم أملك لنفسه، وبهذا فسره الترمذي، فقال: ومعنى لإربه لنفسه، قال الحافظ العراقي: وهو أولى بالصواب لأن أولى ما فشر به الغريب ما ورد في بعض طرق الحديث. (قال الحافظ ابن حجر: فأشارت بذلك،) أي قولها: وكان أملككم لإربه (إلى أن الإباحة لمن يكون مالكًا لنفسه دون من لا يأمن الوقوع فيما يحرم) من الإنزال أو الجماع، (وفي رواية حماد عند النسائي، قال الأسود) بن يزيد النخعي: (قلت لعائشة: أيباشر الصائم) حليلته بما دون الجماع، (قالت: لا، قلت: أليس كان رسول اللّه عَ لّه يباشر وهو صائم؟، قالت: إنه كان أملككم لإربه، قال) الحافظ: (وظاهر هذا أيضًا أنها اعتقدت خصوصية النبيّ ◌ٍَّ بذلك،) لأنه لا يخاف ما يخاف غيره، (قاله القرطبي، قال: وهو) أي اعتقادها الخصوصية (اجتهاد منها،) لا أنها رفعته، (ولكن (يدلّ على أنها لا ترى بتحريمها، ولا بكونها من الخصائص، ما رواه ملك في الموطأ: أن عائشة بنت طلحة) بن عبيد اللَّه القرشيّة التيميّة أم عمر، إن كانت فائقة الجمال، وهي ثقة، روى له الستة (كانت عند عائشة) أم المؤمنين، (فدخل عليها زوجها، وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر) الصدّيق، التيمي، التابعي، روى له الشيخان وغيرهما، (فقالت عائشة: ما يمنعك أن تدنو من أهلك) زوجك، (فتلاعبها وتقبّلها؟، قال: أقبّلها وأنا صائم؟، قالت: نعم،) فدلّ ذلك، على أن فولها للأسود لا محمول على تحرّك شهوته، كما أشعر به جوابها؛ بأنه كان أملككم، وقد حكى الإجماع على أن من كره القبلة لم يكرهها لنفسه، وإنما كرهها خشية ما تؤول إليه من الإنزال، ومن بديع ذلك قول ١٥٧ القسم الثالث: ما اختصّ به عَّ من المباحات واختص أيضًا بإباحة الوصال في الصوم: كما سيأتي، وقال إمام الحرمين، وهو قربة في حقه عليه السلام. وأن يأخذ الطعام والشراب من مالكهما المحتاج إليهما إذا احتاج، ويجب على صاحبهما البذل. ويفدى بمهجته مهجة رسول الله عَّةٍ. قال الله تعالى: ﴿النبي أولى بالمؤمنين﴾ [الأحزاب/٦]، ولو قصده ظالم وجب على كل من حضره أن يبذل نفسه دونه معدية، عمر بن الخطّاب: هششت، فقبلت وأنا صائم، فقلت: يا رسول الله صنعت اليوم أمرًا عظيمًا، قبلت وانا صائم، قال: أرايت لو مضمضت من الماء وأنت صائم، قلت: لا بأس به، قال: فمه، رواه أبو داود والنسائي، وقال: منكر، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، قال المازري: فأشار إلى فقه بديع وذلك أن المضمضة لا تنقض الصوم، وهي أوّل، الشرب ومفتاحه، كما أن القبلة من دواعي الجماع ومفتاحه، والشرب يفسد الصّوم، كما يفسد الجماع، فكما ثبت أن أوائل الشرب لا تفسد الصيام، فكذلك أوائل الجماع، وأخذ الظاهرية بظاهر الحديث، فجعلوا القبلة للصائم سنّة، وقربة من القرب اقتداء بفعله عَّله، وردّ بأنه كان يملك إربه، فليس كغيره، وكيفما كان لا يفطر إلا بإنزال، فلو أمذى فلا شىء عليه عند الشافعي وأبي حنيفة، وعليه القضاء عند ملك، (واختصّ أيضًا بإباحة الوصال،) كما قاله الشافعي والجمهور (في الصّوم، كما سيأتي) في المقصد التاسع مع بسط الخلاف في معنى: ((يطعمني ربّي ويسقيني))، وفي حكم الوصال لنا بما يغني عن جلب بعض كلام غيره هنا. (وقال إمام الحرمين: هو قربة في حقّه عليه السّلام،) أي مستحبّ لا مباح؛ كما قال الجمهور، (و)اختصّ بإباحة (أن يأخذ الطعام والشراب) والثياب (من مالكهما المحتاج إليهما إذا احتاج) بلا ثمن، بخلاف غيره، فلا يجوز له إلاّ أن يضطرّ، فيجب على مالكه غير المضطر بذله بالثمن إن وجد على ما بسط في الفروع، (ويجب على صاحبهما البذل،) ولو هلك جوعًا وعطشًا وعريًا، (ويفدي بمهجته مهجة رسول اللَّه عَّه، قال الله تعالى: ﴿النبيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾)، وقال عّ لّه: ((أنا أولى بكل مؤمن من نفسه))، لكن لم ينقل أنه فعل هذا المباح، بل كان يؤثر على نفسه، قال الشيخان: بل ولا معظم المباحات، (ولو قصده ظالم وجب على كل من حضره أن يبذل،) بضم الذال (نفسه))) يجود بها ويعطيها (دونه عَّة)) وإن خشي الدافع على نفسه بخلاف غيره، فلا يجب الدفع مع الخوف، كما قال الرافعي والنووي؛ لأن من قصد غير النبيّ مسلمًا لا يكفر، وقاصده عليه السّلام يكفر ١٥٨ القسم الثالث: ما اختصّ به ◌َ له من المباحات كما وقاه طلحة بنفسه يوم أحد. وبإباحة النظر إلى الأجنبيات لعصمته، وسيأتي إن شاء الله تعالى في القسم الرابع حكم غيره عليه السلام. وبجواز الخلوة بهن. قال في فتح الباري: الذي وضح لنا بالأدلة القوية أن من خصائصه معَ ◌ّ جواز الخلوة بالأجنبية والنظر إليها، ويدل له قصة أم حرام بنت ملحان في دخوله عَّ عليها ونومه عندها وتفليتها رأسه، ولم يكن بينهما محرمية ولا زوجية، انتهى. بذلك، قاله الخيضري (كما وقاه طلحة) بن عبيد الله، أحد العشرة (بنفسه يوم أحد،) وكان أبو طلحة الأنصاري يتقي بترسه دونه، ونحو ذلك من الأحاديث، كما قاله الحافظ بعد قوله: لم أرَ وقوع ذلك في شىء من الأحاديث صريحًا، ويمكن أن يستأنس له بأن طلحة ... الخ، (وبإباحة النظر إلى الأجنبيّات لعصمته، وسيأتي إن شاء اللَّه تعالى في القسم الرابع) التالي لهذا (حكم غيره عليه السّلام) من اختلاف العلماء في جواز النظر إلى الوجه والكفّين ومنعه، (وبجواز الخلوة بهنّ) لعصمته. (قال في فتح الباري: الذي وضح لنا بالأدلّة القويّة أن من خصائصه عَّه جواز الخلوة بالأجنبية، والنظر إليها) لمكان عصمته، وإن نازع في ذلك القاضي عياض؛ بأن الخصائص لا تثبت بالاحتمال، قال: وثبوت العصمة مسلم لكن الأصل عدم الخصوصيّة، (ويدلّ له قصة أم حرام بنت ملحان،) بكسر الميم، وسكون اللام، ومهملة، ونون، واسمه لملك بن خالد بن زيد بن حرام، بمهملتين، الأنصارية، خالة أنس، قال أبو عمر: لم أقف لها على اسم صحيح، قال في الإصابة: ويقال إنها الرميصاء، بالراء، وبالغين المعجمة، ولا يصح بل الصحيح أن ذلك وصف لأم سليم، ثبت ذلك في حديثين لأنس وجابر عند النسائي، روى عن أُمّ حرام زوجها عبادة بن الصّامت، وابن أخيها أنس، وعمير بن الأسود، وعطاء بن يسار، ويعلى بن شداد بن أوس، (في دخوله عليها) بيتها (ونومه عندها) فيه، (وتفليتها رأسه، ولم يكن بينهما محرمية ولا زوجيّة،) وزعم أنها كانت محرمه من الرضاع؛ بأن أرضعته هي أو أختها أُمّ سليم لم يثبت؛ كما قاله الدمياطي وغيره، (انتهى). روى البخاري وغيره من طريق الموطأ الملك، عن إسحق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس: أن النبيّ عٍَّ كان إذا ذهب إلى قباء يدخل على أَمّ حرام بنت ملحان فتطعمه، وكانت تحت عبادة بن الصامت، فدخل عليها، فأطعمته، وجعلت تفلّي رأسه فنام، ثم استيقظ وهو يضحك، قالت: فقلت: وما يضحكك يا رسول اللَّه؟، قال: ((ناس من أَمّتي عرضوا عليّ غزاة في ١٥٩ القسم الثالث: ما اختصّ به عَِّ من المباحات ومنها نكاح أكثر من أربع نسوة، وكذلك الأنبياء، وفي الزيادة لنبينا عليه على التسع خلاف. سبيل اللَّه يركبون ثبج هذا البحر ملوكًا على الأسرّة، أو مثل الملوك على الأسرة))، قالت: فقلت: يا رسول اللَّه ادع الله أن يجعلني منهم، فدعا لها، ثم وضع رأسه فنام، ثم استيقظ وهو يضحك، فقلت: وما يضحكك يا رسول الله؟، قال: ((ناس من أمّتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله))، كما قال الأول، فقلت: يا رسول اللَّه ادع الله أن يجعلني منهم، قال: ((أنت من الأوّلين))، قال: فركبت أم حرام البحر في زمن معوية، فصرعت عن دابّتها حين خرجت من البحر فماتت، وفي بعض طرقه عند البخاري، عن أنس، عن أُمّ حرام بنت ملحان، وكانت خالته أن رسول اللَّه عَ لّه قال في بيتها، فاستيقظ وهو يضحك، وقال: ((عرض عليّ ناس من أُمّتي يركبون ظهر البحر الأخضر، كالملوك على الأسرّة)، قالت: يا رسول اللَّه! ادع الله أن يجعلني منهم، قال:((إنك منهم))، ثم نام فاستيقظ وهو يضحك، فقلت: يا رسول الله! ما يضحكك؟، قال: ((عرض عليّ ناس من أمّتي يركبون ظهر البحر الأخضر، كالملوك على الأسرّة)، قلت: يا رسول اللَّه! ادع الله أن يجعلني منهم، قال: ((أنت من الأوّلين))، قال: فتزوّجها عبادة بن الصامت، فأخرجها معه، فلمّا جاز البحر ركبت دابّة، فصرعتها فقتلتها، قال ابن الأثير: وكانت تلك الغزوة غزوة قبرص، فدفنت فيها، وكان أمير ذلك الجيش معوية، في خلافة عثمان، ومعه أبو ذرّ، وأبو الدرداء وغيرهما من الصحابة، وذلك في سنة سبع وعشرين، وقيل: ثمان وعشرين، فقوله في الحديث: زمن معوية، أي: زمان غزوه في البحر، لا زمان خلافته، وهذا قول أكثر أهل السير. وقال البخاري ومسلم: في زمن معوية نفسه. ثم لا يخالف بين قوله في الرواية الأولى: وكانت زوج عبادة، الظاهر في أنها كانت زوجه في الزمن النبويّ، وبيّ قوله في الرواية الثانية فتزوّجها عبادة الظاهر في أنه تزوّجها بعد لأنها كانت إذ ذاك زوجته ثم طلّقها ثم راجعها بعد ذلك، قاله ابن التين وقيل: إنما تزوجها بعد. قال الحافظ: وهو أولى لاتّفاق عبد اللَّه بن عبد الرحمن الأنصاري، ومحمّد بن يحيى بن حبان، عن أنس كلاهما عند البخاري أن عبادة إنما تزوّجها بعد، ويحمل قوله في رواية ابن إسحق: وكانت تحت عبادة بن الصامت على أنها جملة معترضة، أراد الراوي وصفها به غير مقيّد بحال من الأحوال، ظهر من رواية غيره؛ أنه إنما تزوّجها بعد. (ومنها: نكاح أكثر من أربع نسوة) إلى تسع اتّفاقًا وقد مات عنهنّ، (وكذلك الأنبياء) لهم الزيادة، فهو خصوصيّة له على أمّته، (وفي) جواز (الزيادة لنبينا عَّ على التسع خلاف،) أصحه الجواز؛ لأنه مأمون الجور، ولأن غرضه نشر باطن الشريعة وظاهرها، وكان أشدّ حياءً، ١٦٠ القسم الثالث: ما اختصّ به عَّله من المباحات ويجوز له النكاح بلفظ الهبة من جهة المرأة، قال الله تعالى: ﴿وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي﴾ [الأحزاب/٥]، وأما من جهته عليه الصلاة والسلام فلا بد من لفظ النكاح أو التزويج على الأصح في أصل الروضة، وحكاه الرافعي عن ترجيح الشيخ أبي حامد لظاهر قوله تعالى: ﴿إن أراد النبي أن يستنكجها خالصة لك﴾ [الأحزاب/٥٠]. قال البيضاوي: في قوله تعالى: ﴿وامرأة مؤمنة﴾ الآية، أي: أعلمناك حل امرأة تهب لك نفسها ولا تطلب مهرًا إن اتفق، ولذلك نكرها. واختلف في ذلك، والقائل به ذكر أنها فأبيح له تكثير النساء بلا حصر عدد، لنقل ما يرينه من أفعاله ويسمعنه، من أقواله الذي قد يستحيي من الإفصاح بها، (ويجوز له النكاح بلفظ الهبة من جهة المرأة، قال اللَّه تعالى: ﴿وأحللنا لك امرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبيّ﴾ الآية، وأمّا من جهته عليه الصّلاة والسّلام فلا بدّ من لفظ النكاح أو التزويج) بأن يقول: نكحتك أو تزوّجتك، (على الأصح في أصل الرّوضة وحكاه الرافعي عن ترجيح الشيخ أبي حامد لظاهر قوله تعالى: ﴿إن أراد النبيّ أن يستنكحها خالصة لك﴾)، لكن المعتمد جوازه بلفظ الهبة إيجابًا وقبولاً إن أراده. (قال البيضاوي في) تفسير (قوله تعالى): ﴿وامرأة مؤمنة﴾ الاية، ما نصّه: نصب بفعل يفسّره ما قبله، أو عطف على ما سبق، ولا يدفعه التقييد، بأن التي للاستقبال، فإن المعنى بالإحلال الإعلام بالحلّ، (أي: أعلمناك حلّ امرأة مؤمنة). وهذا مأخوذ من كلام أبي البقاء، قال ناصب: وامرأة أحللنا في أوّل الآية، وقد ردّ هذا قوم، وقالوا: أحللنا ماض، وإن وهبت، وهو صفة المرأة مستقبل، وأحللنا في موضع جوابه وجواب الشرط لا يكون ماضيًا في المعنى، وهذا ليس بصحيح؛ لأن معنى الإحلال هنا الإعلام بالحلّ إذا وقع الفعل على ذلك؛ كما تقول: أبحث لك إن تكلّم فلانًا، إذا سلّم عليك (تهب لك نفسها ولا تطلب مهرًا، إن اتّفق) وقوع ذلك لك، (ولذلك نكرها). قال ابن عطيّة: وهو يقتضي الاستئناف، أي: إن وقع فهو حلال له، (و) قد (اختلف في ذلك،) فروي عن ابن عباس: لم يكن عند النبيّ عَّةٍ امرأة إلا بعقد نكاح أو ملك يمين، أمّا الهبة فلم یکن عنده منهنّ أحد. وقيل: وقع ذلك، وكان عنده منهنّ، (والقائل به ذكر أنها) لفظ البيضاوي أربعًا.