النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
الفصل الثاني: فيما خصّه اللَّه تعالى به
الموتى، فأعطي سيدنا محمد عَّ أنه رد العين إلى مكانها بعدما سقطت فعادت
أحسن ما كانت، وفي دلائل النبوة للبيهقي قصة الرجل الذي قال للنبي عَّه لا
أؤمن بك حتى تحيي لي ابنتي وفيه أنه عَّ أتى قبرها فقال: يا فلانة، فقالت:
لبيك وسعديك يا رسول الله، الحديث، وقد مر. وروي أن امرأة معاذ بن عفراء -
كانت برصاء - فشكت إلى رسول الله عَّلّ فمسح عليها بعصا فأذهب الله البرص
منها، ذكره الرازي، وأيضًا قد سبح الحصى في كفه، وسلم عليه الحجر، وحن
لفراقه الجذع، وذلك أبلغ من تكليم الموتى لأن هذا من جنس ما لا يتكلم.
(والأبرص) وخصّا، لأنهما مرضًا إعياء، وكان بعثه في زمن الطب، فأبرأ في يوم خمسين ألفًا
بالدعاء، بشرط الإيمان، وقدّمت ما كان يدعو به، (وإحياء الموتى) بإذن اللَّه، فأحيا عازر صديقًا
له، وابن العجوز، وابنه العاشر، فعاشوا، وولد لهم وسام بن نوح، ومات في الحال، وكان
المصنف اقتصر على هذه الثلاثة لاشتهارها دون بقيّة معجزاته وإلا فصدر الآية: أني أخلق لكم
من الطين كهيئة الطير فانفخ فيه فيكون طيرًا بإذن اللَّه، وآخرها تأتي الإشارة إليه ومن معجزاته،
المائدة وغير ذلك، (فأعطي سيّدنا محمّد عَّ أنه ردّ العين) لقتادة (إلى مكانها بعدما
سقطت) على وجنته، (فعادت أحسن ما كانت،) فهذا أبلغ من إبراء الأكمه، لأن عينيه في
مکانهما.
(وروي أن امرأة معاذ بن عفراء، وكانت برصاء، فشكت،) الفاء زائدة في خبر أن عنده
من يجيزه، (ذلك إلى رسول اللّه عَ لّه، فمسح عليها بعصا،) ولم يمسّها بيده، لأنها أجنبية،
ولم يمسّ أجنبية أبدًا، وإشارة لغيره؛ وإن كان هو سيّد أهل اليقين إلى أنه لا ينبغي مسّ محل
البرص ونحوه، مخافة أن يصاب به الماسّ، فيتوهّم أنه أعداه، (فأذهب اللَّه البرص منها، ذكره
الرازي، وأيضًا فقد سبّح الحصى في كفّه، وسلّم عليه الحجر، وحنّ لفراقه الجذع، وذلك
أبلغ من تكليم الموتى؛ لأن هذا من جنس ما لا يتكلّم،) لم يقل من جنس ما لم تحله الحياة
للخلاف في أن نطق الجماد هل هو بعد تصييره حيًّا، أو مع بقائه على كونه جمادًا وإحياء
الجماد أبلغ من إحياء الموتى.
قال ابن كثير: حلول الحياة والإدراك والعقل في الحجر الذي كان يخاطبه عدة أبلغ من
حياة الحيوان في الجملة؛ لأنه كان محلاً للحياة في وقت، بخلاف هذا لا حياة فيه بالكليّة قبل
ذلك، وكذلك تسليم الأحجار، والمدر، والشجر، وحنين الجذع، وجعل أبو نعيم نظير خلق
الطين طيرًا، جعل العسيب سيفًا، كما تقدّم.

١٠٢
الفصل الثاني: فيما خصّه اللّه تعالى به
(وفي دلائل النبوّة للبيهقي قصّة الرجل الذي قال للنبيّ عٍَّ: لا أومن بك حتى
تحيي لي ابنتي، وفيه: أنه عَِّ قال: ((أرني قبرها)) وأتى قبرها فقال: ((يا فلانة))
فقالت: لبيك وسعديك ... الحديث، وقد مرّ.
وأما ما أعطيه عيسى أيضًا من أنه كان يعرف ما تخفيه الناس في بيوتهم،
( وفي دلائل النبوة للبيهقي قصّة الرجل الذي قال للنبيّ عَظُله: لا أومن بك حتى
تحيي لي ابنتي، وفيه: أنه معَّهِ) قال: ((أرني قبرها))، (وأتى قبرها فقال: ((يا فلانة))) باسمها
الخاص فكنى عنه الراوي بقَلانة لنحو نسيان، ( فقالت: لبيك وسعديك ... الحديث، وقد متّ)
جميع ذلك الذي من جملته بقيّة الحديث قريبًا، وحاصل ما ذكره أن المصطفى شارك عيسى
في إجراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى، وزاد بتكليم الجماد له، وإحياء الجزء من الحيّ بعد
انفصاله، كردّ العين والذراع المسمومة، ولم يعهد مثله، وترك المصنّف من آيات عيسى عليه
الصّلاة والسّلام المائدة؛ لقول ابن المنير: لا يلزمنا إثبات نظيرها لنبينا، لأنها كانت محنة لبني
إسرائيل، لا نعمة، لأنهم لعنوا بسببها، كما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿لعن الذين كفروا من بني
إسرائيل﴾ الآية، على لسان داود وعيسى ابن مريم؛ أنهم أصحاب المائدة، كفروا بعدها فلعنوا،
ولم تقبل منهم توبة أبدًا، قال: وعلى تقدير شائبة الكرامة في إجابة دعوة، عيسى، فنظير ذلك
لنبيّنا إجابته حين خفت أرواد القوم، فجمعها فكانت كربضة العنز، ولا جفاء أنه طعام أقلّ من عشرة،
فدعا بالبركة، فملأ الناس، وهم زهاء ألف ونيف أوعيتهم، والطعام بحاله، فهذه مائدة نزلت من
السماء وطعام مبارك، قال الله: ﴿كن﴾ الآية، فكان بدون تهديد، ولا وعيد، ولا تشديد، ولا محنة،
ولا فتنة، ولا سدّ باب التوبة، بتقدیر کفران النعمة، بل کانت نعمة محض، انتهى.
وفي الشاميّة تقدّم نظير ذلك لنبينا؛ أنه أُتي بطعام من السماء فى عدّة أحاديث تقدّمت،
وروى البيهقي عن أبي هريرة، قال: أتى رجل أهله، فرأى ما بهم من الحاجة، فخرج إلى البريّة،
فقالت امرأته: اللَّهم ارزقنا ما نعجن ونخبز، فإذا الجفنة ملأى خميرًا، والرحى تطحن، والتنور
ملآى خنوب شواء، فجاء زوجها وسمع الرحى، فقامت إليه لتفتح له الباب، قال: ماذا كنت
تطحنين؟، فأخبرته وإن رحاهما لتدور وتصبّ دقيقًا، فلم يبقَ في البيت وعاء إلاّ ملىء، فرفع
الرحى، وكنّس ما حولها، فذكر ذلك لرسول اللَّه عَّ له، قال: ((ما فعلت بالرحى))؟، قال: رفعتها
ونفضتها، فقال عَّةٍ: ((لو تركتموها ما زالت كما هي لكم حياتكم))، وفي رواية: ((لو تركتموها
لدارت إلى يوم القيامة)).
(وأمّا ما أعطيه عيسى أيضًا من أنه كان يعرف ما تخفيه الناس في بيوتهم؛) كما
قال تعالى: ﴿وأنبئكم بما تأكلون وما تدّخرون في بيوتكم﴾ الآية، أي: بالمغيبات من

١٠٣
الفصل الثاني: فيما خصّه اللَّه تعالى به
فقد أعطي نبينا عَّه من ذلك ما لا يحصى، وسيأتي إن شاء الله تعالى ما يكفي
ويشفي.
وأما ما أعطيه عيسى أيضًا من رفعه إلى السماء، فقد أعطي نبينا عَ ◌ٍّ ذلك
ليلة المعارج، وزاد في الترقي لمزيد الدرجات وسماع المناجاة والحظوة في
الحضرة المقدسة بالمشاهدات.
وبالجملة: فقد خص الله تعالى سيدنا محمد عَ لّه من خصائص التكريم بما
لم يعطه أحدًا من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والتسليم.
وقد روى جابر عنه ګ أنه قال:
أحوالكم التي لا تشكّون فيها، فكان يخير الشخص بما أكل وبما يأكل بعد، (فقد أعطي
نبيّا عٍَّ من ذلك ما لا يحصى، ويأتي إن شاء اللّه تعالى ما يكفي ويشفي) في
المقصد الثامن.
(وأمّا ما أعطيه عيسى أيضًا من رفعه إلى السماء) حيًّا، أو بعد أن مات قولان أصحهما
الأوّل، وعليه فقال بعضهم: صار كالملائكة في زوال الشهوة، ونقل البغوي وغيره عن قتادة: أن
عيسى قال لأصحابه: أيّكم يقذف عليه شبهي فإنه مقتول، فقال رجل: أنا، فقتل، ومنع اللَّه
عيسى، ورفعه إليه، وكساه الريش، وألبسه النور، وقطع عنه لذّة المطعم والمشرب، فطار مع
الملائكة، فهو معهم حول العرش، فكان أنسيًّا، ملكيًا، سماويًّا، أرضيًّا، ولذا قلت في جواب
سؤال:
وقد صار عيسى بعد رفع إلى السما كالأملاك لا يشرب ولا هو يأكل
كما قاله الحبر الإمام قتادة فتنظير بعض فيه تقصير يجعل
(فقد أعطي نبيّنا عَّ ذلك ليلة المعراج، وزاد في) الأولى حذفها لظهور أن المراد، أنه
شارك عيسى في العروج، وزاد عليه (الترقّي لمزيد الدرجات) التي ما وصل إليها نبيّ ولا ملك،
ولفظة في تقتضي مشاركته في الترقّي (وسماع المناجاة:) كلام اللّه تعالى، (والحظوة،) بضمّ
الحاء وكسرها: المحبّةٍ ورفعة المنزلة (في الحضرة المقدّسة بالمشاهدات،) وهذا تفصيل بعض
ما أُوتيه في نظير ما أُوتيه الأنبياء الذين ذكرهم، (وبالجملة فقد خصّ اللَّه تعالى سيّدنا
محمّدًا عَّالِ من خصائص التكريم بما لم يعطه أحدًا من الأنبياء عليهم الصّلاة والتسليم،)
وتفصيل ذلك متعسّر أو متعذّر.
(وقد روى جابر بن عبد اللَّه، (عنه عَلَّ، أنّه قال) في غزوة تبوك، كما في حديث

١٠٤
الفصل الثاني: فيما خصّه اللَّه تعالى به
((أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي، كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت
إلى كل أحمر وأسود، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي
الأرض مسجدًا وطهورًا
عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه عند الإمام أحمد: ((أعطيت،) بضم الهمزة (خمسًا،) أي:
خمس خصال، (لم يعطهن أحد) من الأنبياء (قبلي،) قال الحافظ: ظاهر الحديث أن كل
واحدة من الخمس المذكورات لم تكن لأحد قبله، وهو كذلك، ولا يعترض بأن نوحًا كان
مبعوثًا إلى أهل الأرض بعد الطوفان؛ لأنه لم يبقَ إلاّ من آمن معه، وقد كان مرسلاً إليهم، لأن
هذا العموم لم يكن في أصل بعثته، وإنّما اتّفق بالحادث، وهو انحصار الخلق في الموجودين بعد
هلاك سائر الناس، وأمّا نبيّنا عَُّلآه، فعموم رسالته من أصل بعثته، فثبت اختصاصه بذلك، وفيه
أجوبة أخرى تأتي قريبًا، (كان كل نبيّ يبعث إلى قومه) المبعوث إليهم (خاصة، وبعثت إلى
كل أحمر وأسود،) قال الحافظ: المراد بالأحمر العجم، وبالأسود العرب، وقيل: الأحمر الإنس،
والأسود الجنّ، وعلى الأوّل التنصيص على الإنس من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى؛ لأنه
مرسل إلى الجميع، انتهى، أي: بالأقرب، وهم الإنس عجمًا وعربًا على الأبعد وهم الجرّ، وهذا
لفظ مسلم ولفظ البخاري في التيمم: وكان النبيّ يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس
عامة، وكذا لفظه في الصّلاة، لكنّه قال كافّة بدل عامة، ولمسلم من حديث أبي هريرة:
((وأرسلت إلى الخلق كافّة، وهي أصرح الروايات وأشملها، فهي حجّة لمن ذهب إلى إرساله إلى
الملائكة لظاهر قوله: ﴿ليكون للعالمين نذيرًا﴾ الآية، ويأتي بسطه، (وأحلّت لي الغنائم،)
وللكشميهني المغانم، بميم قبل الغين، وهي رواية مسلم، (ولم تحل لأحد قبلي).
قال الخطابي: كان من تقدّم على ضربين منهم من لم يؤذن له في الجهاد، فلم يكن لهم
مغانم، ومنهم من أذن لهم فيه، لكن كانوا إذا غنموا شيئًا لم يحلّ لهم أن يأكلوه، وجاءت نار
فأحرقته، وقيل: المراد أنه خاص بالتصرّف في الغنيمة، يصرفها حيث شاء والأوّل أصوب، وهو
إن من مضى لم تحلّ لهم الغنائم أصلاً، ذكره الحافظ، (وجعلت لي الأرض مسجدًا،) أي
موضع سجود، لا يختصّ السجود منها بموضع دون غيره، ويمكن أن يكون مجازًا عن المكان
المبني للصّلاة، وهو من مجاز التشبيه، لأنه لما جازت الصّلاة في جميعها كانت كالمسجد في
ذلك، وفي رواية أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه: وكان من قبلي، إنما يصلّون في
كنائسهم، وللبزار من حديث ابن عباس: ولم يكن من الأنبياء أحد يصلّي حتى يبلغ محرابه،
(وطهوراً،) بفتح الطاء على المشهور، واحتجّ به أبو حنيفة ولملك على جواز التيمم بجميع أجزاء
الأرض، وخصّه الشافعي وأحمد بالتراب، لما في مسلم من حديث حذيفة: ((وجعلت لنا الأرض

١٠٥
الفصل الثاني: فيما خصّه اللَّه تعالى به
فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل حيث كان ونصرت بالرعب مسيرة شهر
كلّها مسجدًا، وجعلت تربتها طهورًا))، وتعقّب بأن تربة كل مكان ما فيه من تراب أو غيره.
وأمّا رواية ابن خزيمة وغيره الحديث بلفظ: وجعل ترابها، وقوله في حديث عليّ: ((وجعل
التراب لي طهورًا))، رواه أحمد والبيهقي بإسناد حسن، فالنصّ على التراب في هاتين الروايتين
لبيان أفضليته لا لأنه لا يجزىء غيره، وليس مخصّصاً لعموم قوله: وطهورًا؛ لأن شرطه أن يكون
منافيًّا، ولذا قال القرطبي هو من باب النص على بعض أشخاص العموم؛ كقوله تعالى: ﴿فيهما
فاكهة ونخل ورمان﴾ [الرحمن/٦٨] الآية، انتهى.
واستدلّ به على أن الطهور هو المطهر لغيره، إذ لو كان المراد الطاهر لم تثبت
الخصوصية، والحديث إنما سيق لإثباتها، وقد روى ابن المنذر، وابن الجارود، بإسناد صحيح،
عن أنس مرفوعًا: ((جعلت لي كل أرض طيّبة مسجدًا وطهورًا))، ومعنى طيبة طاهرة، فلو كان
معنى طهورًا طاهرًا للزم تحصيل الحاصل، (فأيما رجل) كائن (من أُقتي أدركته الصّلاة:) جملة
في موضع جرّ، صفة لرجل، وأي مبتدأ فيه معنى الشرط، وما زائدة للتعميم، ورجل مضاف إليه،
وفي رواية أبي أمامة عند البيهقي: ((فأيما رجل من أُمّتي أتى الصلاة، فلم يجد ماء، وجد من
الأرض طهورًا ومسجدًا».
وعند أحمد: «فعنده طهوره ومسجده، (فليصلّ حيث كان) خبر المبتدأ، أي: بعد أن
يتيّم، أو حيث أدركته الصّلاة، ولأحمد عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه: فأينما
أدركتني الصّلاة تمسحت وصلّيت.
قال ابن التين: قيل المراد جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وجعلت لغيري مسجدًا
لا طهورًا؛ لأن عيسى كان يسبح في الأرض ويصلّي حيث أدركته في أماكن مخصوصة، كالبيع
والصوامع، ويؤيّده رواية عمرو بن شعيب بلفظ: وكان من قبلي إنما يصلّون في كنائسهم، وهذا
نصّ في موضع النزاع، فثبتت الخصوصية، وللبزار، ولم يكن من الأنبياء أحد يصلّي حتى يبلغ
محرابه، قاله الحافظ، وتبرعنا به هنا تبعًا للشيخ، مع أن المصنف ذكره قريبًا بعد ذلك، وعلى
ظاهر ما رجحه يسقط عنهم وجوب الأداء، ويقضون إذا رجعوا، وبه جزم بعض شراح الرسالة
القيروانيّة، ويؤيّده ظاهر قوله: ((حتى يبلغ محرابه))، فما قيل هل يسقط عنهم مطلقًا أو محل
الحصر في الكنائس ونحوها في الحضر لا في السفر، ويكون محلّ خصوصيّتنا الصّلاة بأي
محل، ولو بجوار المسجد مع سهولة الصّلاة فيه، انظره فيه قصور، ويمنع الثاني إن القيد لا بدّ له
من دليل، مع أن ظاهر قوله: حتى يبلغ محرابه خلافه، (ونصرت بالرعب،) بضم الراء: الخوف،
زاد أحمد عن أبي أمامة: يُقذف في قلوب أعدائي (مسيرة شهر) غيابه، لأنه لم يكن بين بلده

١٠٦
الفصل الثاني: فيما خصّه اللّه تعالى به
وأعطيت الشفاعة، رواه البخاري. وفي رواية: وبعثت إلى الناس كافة)).
وزاد البخاري في روايته - في الصلاة - عن محمد بن سنان من الأنبياء.
وعند الإمام أحمد: ((أعطيت خمسًا لم يعطهن نبي قبلي، ولا أقوله فخرًا))
وبين أعدائه أكثر منه في ذلك الوقت، وهذه الخصوصيّة حاصلة له مطلقًا حتى لو كان وحده بلا
عسكر، وفي حصولها لأُمّته بعده احتمال أصله خبر أحمد الرعب يسعى بين يدي أُمّتي شهرًا.
وعن ابن عباس: مسيرة شهرين، وعن السائب بن يزيد: ((ونصرت بالرعب شهرًا أمامي
وشهرًا خلفي))، رواهما الطبراني، ورواية السائب مبيّنة لمعنى رواية ابن عباس. (وأعطيت
الشفاعة))) العظمى في إراحة الناس من هول الموقف، كما جزم به النووي وغيره، قال للعهد،
كما قال ابن دقيق العيد: إنه الأقرب، ويأتي بسطه، (رواه البخاري) ومسلم واللفظ له، فلو عزاه
لهما لاستقام، ولفظ البخاري في التيمم عن شيخه سعيد بن النضر: أنا هشيم أنا سيار حدّثنا يزيد
أنا جابر أن النبيّ عَ لِه قال: ((أعطيت خمسًا لم يعطهنّ أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر،
وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصّلاة فليصّل، وأحلّت لي
الغنائم ولم تحلّ لأحد قبلي، أعطين الشفاعة وكان النبيّ يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى
الناس عامة))، ومعلوم أن أل في النبيّ للاستغراق، فيساوي رواية كل نبيّ، لكن قد رأيت ما فيه
من التقديم والتأخير، فما الحامل على العزّ، وللبخاري: والإتيان بلفظ مسلم وإن اتّحد المعنى.
(وفي رواية) هي رواية البخاري في الصّلاة: ((وبعثت إلى الناس كافّة))) بدل عامّة،
وهما بمعنى، (وزاد البخاري في روايته:) هذا الحديث (في) باب قول النبيّ عَ له: ((جعلت لي
الأرض مسجدًا وطهورًا)) من كتاب (الصّلاة عن) شيخه (محمّد بن سنان))) بكسر المهملة،
وخفّة النون الباهلى، البصري، العوقي، بفتح المهملة والواو بعدها قاف ثقة ثبت مات سنة ثلاث
وعشرين ومائتين، أي: عن هشيم بهذا الإسناد بعد قوله: ((لم يعطهن أحد (من الأنبياء) قبلي))،
وساقه بلفظ التيمّم لكنه عبّر بكافّة بدل عامّة، وجعل وأعطيت الشفاعة ختام الحديث، قال
الحافظ رحمه الله: مدار حديث جابر هذا علی هشيم بهذا الإسناد، وله شاهد من حديث ابن
عباس، وأبي موسى وأبي ذر، ومن رواية عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، رواها كلّها أحمد
بأسانید حسان، انتھی.
(وعند الإمام أحمد: ((أعطيت خمسًا لم يعطهنّ نبيّ قبلي)،) أي: من اتّصف بالنبوّة،
فدخل في ذلك الرسل، إذ لا يوجد رسول إلّ وهو نبيّ، ويدلّ على المراد قوله: ((وأحلّت لي
الغنائم، إذ الأنبياء لم يكن لهم غنائم))، (ولا أقوله فخرًا) بل تحدّثًا بالنعمة لقوله: ﴿وأما بنعمة

١٠٧
الفصل الثاني: فيما خصّه اللَّه تعالى به
وفيه: ((وأعطيت الشفاعة فاخترتها لأمتي، فهي لمن لا يشرك بالله شيئًا). وإسناده
كما قال ابن کثیر جید.
وليس المراد حصر خصائصه عليه الصلاة والسلام في هذه الخمس
المذكورة. فقد روى مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: ((فضلت على الأنبياء
بست، أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب وجعلت لي الأرض مسجدًا
وطهورًا، وأرسلت إلى الخلق كافة،
ربك فحدث﴾ الآية، (وفيه: ((وأعطيت الشفاعة فاخترتها لأُقتي، فهي لمن لا يشرك بالله
شيئًا،) وإن فعل المعاصي، وفي رواية عمرو بن شعيب، فهي لكم ولمن يشهد أن لا إله إلّ
اللّه.
قال الحافظ: فالظاهر أن المراد بالشفاعة المختصّة به في هذا الحديث إخراج من ليس له
عمل إلاّ التوحيد، وهو مختصّ أيضًا بالشفاعة الأولى، أي في فصل القضاء، لكن جاء التنويه
بذكر هذه، لأنها غاية المطلوب عن تلك، لاقتضائها الراحة المستمرّة، وقد ثبتت هذه في رواية
البخاري في التوحيد: ((ثم أرجع إلى ربّي في الرابعة، فأقول: يا ربّ ائذن لي فيمن قال لا إله إلاّ
اللَّه، فيقول: وعزّتي وجلالي لأخرجن منها من قال لا إله إلاّ اللَّه))، ولا تعكر عليه رواية مسلم،
فيقول: ((وعزّتي ليس ذاك لك وعزتي)) الخ؛ لأن المراد أنه لا يباشر الإخراج، كما في المرات
الماضية، بل كانت شفاعته سببًا في ذلك في الجملة، (وإسناده كما قال ابن كثير جيّد،) أي:
مقبول، (وليس المراد حصر خصائصه عليه الصلاة والسلام في هذه الخمس المذكورة)،
كما يعطيه المفهوم، (فقد روى مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا،) أي أنه قال عن
النبيّ عَّ ◌ُلِ: ((فضّلت على الأنبياء بستّ: أعطيت جوامع الكلم،) أي: جمع المعاني الكثيرة
في ألفاط يسيرة، وقيل: إيجاز الكلام في اتّساع من المعنى، فالكلمة القليلة الحروف تتضمّن
كثيرًا من المعاني وأنواعًا من الكلام، (ونصرت بالرعب،) يقذف في قلوب أعدائي مسيرة شهر،
وللطبراني عن السائب بن يزيد: ونصرت بالرعب شهرًا أمامي وشهرًا خلفي، (وجعلت لي
الأرض مسجدًا وطهورًا،) بفتح الطاء، وفيه أن الأصل في الأرض الطهارة وأن صحة الصّلاة
لا تختصّ بالمسجد المبني لذلك، وأمّا حديث لا صلاة لجار المسجد إلّ في المسجد
فضعيف، أخرجه الدارقطني من حديث جابر، واستدلّ به صاحب المبسوط من الحنفية على
إظهار كرامة الآدمي، قال: لأن الآدمي خلق من ماء وتراب، وقد ثبت أن كلاً منهما طهور، ففي
ذلك بيان كرامته، قاله في الفتح، (وأرسلت إلى الخلق كافّة:) إرسالة عامة محيطة بهم، لأنها

١٠٨
الفصل الثاني: فيما خصّه اللَّه تعالى به
وختم بين النبيون)) فذكر الخمسة المذكورة في حديث جابر إلا الشفاعة، وزاد
خصلتين وهما: وأعطيت جوامع الكلم وختم بي النبيون، فتحصل منه ومن حديث
جابر سبع خصال.
ولمسلم أيضًا من حديث حذيفة: مرفوعًا ((فضلنا على الناس بثلاث: جعلت
صفوفنا كصفوف الملائكة)) وذكر خصلة الأرض كما تقدم، قال: وذكر خصلة
أخرى. وهذه الخصلة المبهمة قد بينها ابن خزيمة والنسائي، وهي: وأعطيت هذه
الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش، يشير إلى ما حطه الله تعالى
عن أمته من الإصر
إذا شملتهم فقد كفتهم أن يخرج منها أحد منهم، وهذه أصرح الروايات وأشملها، فهي مؤيّدة
لمن ذهب إلى إرساله إلى الملائكة؛ كقوله تعالى: ﴿ليكون للعالمين نذيرًا﴾ الآية، ويأتي بسطه
في كلام المصنّف، (وختم بي النبيّون))،) أي: أغلق باب الوحي والرسالة، وسدّ لكمال الدين،
وتصحيح الحجّة، فلا نبيّ بعده، وعيسى إنما ينزل بتقرير شرعه.
قال الحافظ العراقي: وكذا الخضر والياس بناء على نبوّة الخضر وبقائهما إلى الآن،
فكل تابع لأحكام هذه الملّة، (فذكر) أبو هريرة في حديثه (الخمسة المذكورة في حديث
جابر إلاّ الشفاعة، وزاد خصلتين وهما: ((وأعطيت) الأولى حذف الواو، لأنها ليست في
الحديث (جوامع الكلم وختم بي النبيّون»، فتحصل منه، ومن حديث جابر سبع خصال،
ولمسلم أيضًا من حديث حذيفة) بن اليمان (مرفوعًا: ((فضلنا على الناس بثلاث) من
الخصال، (جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة،) قال الزين العراقي: المراد به التراص وإتمام
الصفوف الأول، فالأوّل في الصّلاة، فهو من خصائص هذه الأمّة، وكانت الأمم السابقة
يصلّون منفردين، وكل واحد على حدة، (وذكر خصلة الأرض، كما تقدّم،) وجعلت لنا
الأرض مسجدًا وتربتها طهورًا))، (قال: وذكر خصلة أخرى) أبهمها نسيانًا أو نحوه، (وهذه
الخصلة المبهمة بينها ابن خزيمة، والنسائي،) والإمام أحمد، (وهي: ((وأعطيت هذه الآيات
من آخر سورة البقرة) ﴿من آمن الرسول﴾ الآية، (من كنز تحت العرش،) قال العراقي: معناه
أنها ادّخرت له، وكنزت، فلم يؤتها أحد قبله، وكثير من آي القرءان منزل في الكتب السابقة
باللفظ أر المعنى، وهذه لم يؤتها أحد، وإن كان فيه أيضًا ما لم يؤت غيره لكن في هذه
خصوصيّة لهذه الأُمّة، وهي وضع الأصر الذي على من قبل، ولذا قال في بقيّة الرواية: ((لم
يعطها نبيّ قبلي))، انتهى، وإليه يومىء قوله: (يشير إلى ما حطّه اللّه تعالى عن أُمّته من

١٠٩
الفصل الثاني: فيما خصّه اللّه تعالى به
وتحميل ما لا طاقة لهم به، ورفع الخطأ والنسيان، فصارت الخصال تسعًا.
ولأحمد من حديث علي أعطيت أربعًا لم يعطهن أحد من أنبياء الله تعالى،
قبلي أعطيت مفاتيح الأرض، وسميت أحمد، وجعلت أمتي خير الأمم، وذكر
خصلة التراب، فصارت الخصال ثنتي عشرة خصلة.
وعند البزار من وجه آخر عن أبي هريرة رفعه: فضلت على الأنبياء، غفر لي
ما تقدم من ذنبي وما تأخر، وجعلت أمتي خير الأمم، وأعطيت الكوثر، وإن
صاحبكم لصاحب لواء الحمد يوم القيامة، تحته ءادم فمن دونه.
الأصر:) الأمر الذي يثقل حمله، كقتل النفس في التوبة، وإخراج ربع المال في الزكاة، وفرض
موضع النجاسة، (وتحميل ما لا طاقة:) قوّة (لهم به) من التكاليف والبلاء، (ورفع الخطأ:)
ترك الصواب لا عن عمد، (والنسيان، فصارت الخصال تسعًا، ولأحمد من حديث علي)
مرفوعًا: ((أعطيت أربعًا لم يعطهن أحد من أنبياء اللَّه تعالى قبلي: أعطيت مفاتيح)) جمع
مفتاح بالكسر: اسم الآلة التي يفتح بها، وهو في الأصل كل ما يتوصّل به إلى استخراج
المغلقات التي يتعذّر الوصول إليها، قاله ابن الأثير، (الأرض،) وفي رواية: خزائن الأرض،
استعارة لوعد الله تعالى بفتح البلاد: جمع خزانة، ما يخزن فيه الأموال، وهي مخزونة عند أهل
البلاد قبل فتحها، أو المراد خزائن العلم بأسره، ليخرج لهم بقدر ما يستحقّونه فكل ما ظهر في
العالم، فإنما يعطيه الذي بيده المفتاح، بإذن الفتّاح كذا أوّله بعضهم، وإجراؤه على ظاهره
أولى؛ لحديث جابر عند أحمد برجال الصحيح، وصححه ابن حبان وغيره مرفوعًا: ((أتيت
بمقاليد الدنيا على فرس أبلق، جاءني به جبريل، عليه قطيفة من سندس))، (وسمّيت أحمد،)
فلم يسمّ به أحد قبله، حماية من اللَّه لئلاّ يدخل لبس على ضعيف اليقين، أو شكّ في أنه هو
المنعوت بأحمد في الكتب السالفة، (وجعلت أُمّتي خير الأمم)) بنص: ﴿كنتم خير أُمّة
أُخرجت للناس﴾ الآية، وشرفها من شرفه، (وذكر خصلة التراب،) فقال: ((وجعل لي التراب
طهوراً))، (فصارت الخصال ثنتي عشرة خصلة).
(وعند البزار من وجه آخر عن أبي هريرة رفعه: ((فضلت على الأنبياء) بستّ، وبين
ما فضل به بقوله: (غفر لي ما تقدّم من ذنبي وما تأخّر،) أي: حيل بيني وبين الذنوب، فسترت
عني، فلم آتها على أوجه محامله، ويأتي بسطه، (وجعلت أُمّتي خير الأمم، وأعطيت الكوثر)
نهر في الجنّة؛ كما صحّ عن مسلم، (وإن صاحبكم لصاحب لواء الحمد يوم القيامة، تحته
وادم فمن دونه))،) وفي أنه حقيقي، وعند اللَّه علم حقيقته، أو تصوير لعظمته وانفراده بالمقام

١١٠
الفصل الثاني: فيما خصّه اللَّه تعالى به
وذكر ثنتين مما تقدم.
وله من حديث ابن عباس رفعه: فضلت على الأنبياء بخصلتين: كان
شيطاني كافرًا فأعانني الله عليه فأسلم. قال: ونسيت الأخرى.
فينتظم بها سبع عشرة خصلة، ويمكن أن يوجد أكثر من ذلك لمن أمعن
التتبع.
وقد ذكر أبو سعيد النيسابوري في كتاب ((شرف المصطفى)» أن عدد الذي
خص به عَ ◌ّ ستون خصلة. وطريق الجمع أن يقال: لعله عَ لّه أطلع أولاً على بعض
ما اختص به، ثم اطلع على الباقي. ومن لا يرى مفهوم العدد حجة يدفع هذا
الإشكال من أصله.
الذي تحمده الخلائق قولان ويأتي، (وذكر ثنتين ممّا تقدّم) من الخصال تمام الستّ، (وله،)
أي: البزار (من حديث ابن عباس رفعه: ((فضلت على الأنبياء بخصلتين: كان شيطاني كافرًا،
فأعانني اللَّه عليه فأسلم))) بفتح الميم، أي: آمن بي قطعًا، إذ هذا اللفظ لا يحتمل غير هذا،
فأمّا الذي حكى فيه النووي وغيره روايتين الفتح والضمّ، فإنما هو حديث مسلم عن ابن مسعود
مرفوعًا: ((ما منكم من أحد إلاّ وقد وكل به قرينه من الجنّ)، قالوا: وإيّاك؟، قال: ((وإياي إلاّ أن
اللَّه أعانني عليه، فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير))، روي هذا، بفتح الميم وضمّها، وصحح الخطابي
الرفع، ورجح القاضي عياض والنووي الفتح، وهو المختار.
(قال) الراوي ابن عباس أو من دونه: (ونسيت الأخرى،) وهي مبينة في رواية البيهقي في
الدلائل عن ابن عمر مرفوعًا: ((فضلت على ءادم بخصلتين: كان شيطاني كافرًا فأعانني اللّه عليه
حتى أسلم، وكن أزواجي عونًا لي وكان شيطان ءادم كافرًا، وكانت زوجته عونًا عليه))،
(فينتظم،) يجتمع (بها) بهذه الأحاديث (سبع عشرة خصلة، ويمكن أن يوجد أكثر من ذلك
لمن أمعن التتبع) للأحاديث.
(وقد ذكر أبو سعيد النيسابوري في كتاب شرف المصطفى؛ أن عدد الذي خصّ به عَ لٍّ)
على الأنبياء (ستّون خصلة، وطريق الجمع) بين مختلف هذه الأحاديث من ستّ، وخمس، وثلاث،
وأربع، وثنتين، (أن يقال: لعلّه عليه السّلام اطّلع أوّلاً على بعض ما اختصّ به،) فأخبر به، (ثم
اطّلع على الباقي،) فحدّث به، إذ لا ينطق عن الهوى، وهذا عند من يحتجّ بمفهوم العدد، (ومن
لا يرى مفهوم العدد حجّة،) وإن كان نصًّا في مدلوله (يدفع هذا الإشكال من أصله،) إذ الأخبار
بعدد لا يخفي غيره، وهذا الذي ساقه المصنف بعد حديث جابر إلى هنا من فتح الباري.

١١١
الفصل الثاني: فيما خصّه اللَّه تعالى به
وقد ذكر بعض العلماء أنه عَّ أوتي ثلاثة آلاف معجزة وخصيصية.
وقد اختلف في العلم بخصائصه عليه السلام، فقال الصيمري من الشافعية:
منع أبو عليه بن خيران الكلام فيها، لأنه أمر انقضى فلا معنى للكلام فيه.
وقال إمام الحرمين: قال المحققون ذكر الاختلاف في مسائل الخصائص
خبط غير مفيد، فإنه لا يتعلق به حكم ناجز تمس إليه الحاجة، وإنما يجري
الخلاف فيما لا يوجد بد من إثبات حكم فيه، فإن الأقيسة لا مجال لها،
والأحكام الخاصة تتبع فيها النصوص، وما لا نص فيه فالخلاف فيه هجوم على
الغيب من غير فائدة.
وقال النووي - في الروضة والتهذيب - بعد نقله هذين الكلامين: وقال ..
٠٠
(وقد ذكر بعض العلماء، أنه مَّ أُوتي ثلاثة آلاف معجزة وخصيصيّة،) وذكر النووي
في مقدّمة شرح مسلم؛ أن معجزاته تزيد على ألف ومائتين، وقال البيهقي في المدخل: بلغت
ألفًا، وقال الزاهدي من الحنفية: ظهر على يديه ألف معجزة، وقيل: ثلاثة آلاف هذا لفظ الفتح،
وفي الأنموذج: وخصّ بأنه أكثر الأنبياء معجزات، فقد قيل: إنها تبلغ ألفًا، وقيل: ثلاثة آلاف
سوى القرءان فإن فيه ستّين ألف معجزة تقريبًا، قال الحليمي: وفيها مع كثرتها معنى آخر، وهو
أنه ليس في شيء من معجزات غيره ما ينحو نحو اختراع الأجسام، وإنما ذلك في معجزات نبينا
خاصّة، انتهى، أي: كتكثير الطعام واللّحم والتمر والماء، ونحو ذلك.
(وقد اختلف في العلم بخصائصه عليه السّلام، فقال الصيمري،) بفتح الصاد المهملة،
وسكون التحتية، وفتح الميم، وراء نسبة إلى صيمر: نهر بالبصرة عليه عدّة قرى، وبلد
بخوزستان، كما في اللبّ (من الشافعية: منع أبو علي بن خيران الكلام فيها، لأنه أمر انقضى،
فلا معنى للكلام فيه،) لضياع الزمن بلا فائدة.
(وقال إمام الحرمين: قال المحقّقون: ذكر الاختلاف في مسائل الخصائص خبط:)
سير على غير هدى، (غير مفيد،) بل قد يؤدّي إلى ضرر شديد، (فإنّه لا يتعلّق به حكم ناجز،
تمسّ إليه الحاجة، وإنما يجري الخلاف فيما لا يوجد بدّ من إثبات حكم فيه، فإن الأقيسة
لا مجال لها، والأحكام الخاصة تتبع فيها النصوص، وما لا نصّ فيه، فالخلاف فيه هجوم
على الغيب من غير فائدة).
(وقال النووي في الروضة والتهذيب) للأسماء واللغات (بعد نقله هذين الكلامين، وقال

١١٢
الفصل الثاني: فيما خصّه اللَّه تعالى به
سائر الأصحاب لا بأس به، وهو الصحيح، لما فيه من زيادة العلم، فهذا كلام
الأصحاب، والصواب الجزم بجواز ذلك، بل استحبابه، ولو قيل: وجوبه لم يكن
بعيدًا، لأنه ربما رأى جاهل بعض الخصائص ثابتًا في الحديث الصحيح فعمل به
أخذًا بأصل التأسي، فوجب بيانها لتعرف، فلا يعمل بها، فأي فائدة أهم من هذه
الفائدة، وأما ما يقع في ضمن الخصائص مما لا فائدة فيه اليوم فقليل لا تخلو
أبواب الفقه عن مثله للتدريب ومعرفة الأدلة، وتحقيق الشىء على ما هو عليه.
انتھی کلام النووي.
وقد تتبعت ما شرف الله به نبينا معَّ له من الخصائص والآيات، وأكرمه به من ..
سائر،) أي: باقي (الأصحاب،) أي المقّدين لمذهب الشافعي، لا خصوص من صحبه، (لا بأس
به،) أي يجوز الكلام في الخصائص والبحث عنها، (وهو الصحيح لما فيه من زيادة العلم،)
وبيان شرف المصطفى ورفيع منزلته عند ربّه، (فهذا كلام الأصحاب والصواب الجزم بجواز
ذلك،) كما قالوا: (بل باستحبابه) لما فيه من بيان شرفه عَّله، وكرامته على ربّه، حيث أباح له
ما لم يوجبه على غيره، كالأمر بالمعروف بلا شرط، وجعل له كرامات وفضائل لم يؤتها غيره،
(ولو قيل بوجوبه لم يكن بعيدًا، لأنه ربّما رأى جاهل بعض الخصائص ثابتًا في الحديث
الصحيح، فعمل به أخذًا بأصل التأسي،) لأنا مأمورون باتّباعه، (فوجب بيانها لتعرف، فلا يعمل
بها، فأي فائدة أهمّ من هذه الفائدة،) وهي معرفة الخصائص، ولذا قال الشمس الحطاب
المالكي: ذكرها إمّا مستحب أو واجب، وهو الظاهر.
(وأمّا ما يقع في ضمن الخصائص مما لا فائدة فيه اليوم،) كتكليم الجماد، وسعي
الشجر مما وجد لإظهار عظمته، وإثبات نبوّته في زمنه، وقد ثبت ذلك في الأمة وتحقّق،
فلا فائدة تترتّب عليها من اجتناب محرم ونحوه، (فقليل لا تخلو أبواب الفقه عن مثله،) حيث
يذكر فيها، الأدلّة لهم ولمخالفيهم والجواب عن أدلّة المخالفين، (للتدريب ومعرفة الأدلّة
وتحقيق الشىء على ما هو عليه) وإلاّ فلا فائدة فيها إذ لا يبطل المذاهب المقرّرة، (انتهى
كلام النووي،) وهو وجيه. (وقد تتبّعت:) طلبت شيئًا بعد شىء بلا عجلة، يقال: تتّبع فلان
أحوال فلان، أي: تطلبها شيئًا بعد شىء في مهلة (ما شرف اللَّه به نبينا،) أي: أعطاه شرفًا وتمييزًا
(من الخصائص) على الأنبياء، كانشقاق القمر أو على الأمم، وإن شاركه الأنبياء (والآيات،)
عطف مرادف أو أعمّ؛ بأن يراد بها العلامات الدالّة على نبوّته، وإن شاركه فيها غيره في الجملة
لما مرّ أنه لم يعط نبيّ معجزة، إلاّ وأُعطي نبيّنا ما يوازيها ويزيد عليها. (وأكرمه به من

١١٣
الفصل الثاني: فيما خصّه اللَّه تعالى به
الفضائل والكرامات من كتب العلماء، كالخصائص لابن سبع، وخصائص الروضة
للنووي، ومختصرها للحجازي، وشرح الحاوي لابن الملقن، شرح البهجة لشيخ
الإسلام زكريا بن أحمد الأنصاري، واللفظ المكرم في خصائص النبي ◌َّه للشيخ
قطب الدين الخيضري، واستفدت منه كثيرًا في فصل المعجزات، مع ما رأيته أثناء
مطالعتي لفتح الباري، وشرح مسلم للنووي، وشرح تقريب الأسانيد للعراقي وغير
ذلك مما يطول ذكره، فتحصل لي من ذلك جملة.
وقد قسمها غير واحد من الأئمة أربعة أقسام.
الأول ما اختص به عَِّ من الواجبات، والحكمة في ذلك
الفضائل:) جمع فضيلة، وهي والفضل الخير، وهو خلاف النقص والنقيصة، كما في المصباح،
وهذا شامل للمزايا القاصرة والمتعدّية، فقول بعض الفضائل المزايا القاصرة، كقيام الليل
والفواضل: جمع فاضلة وهي المزايا المتعدّية، كالكرم مجرد اصطلاح، وإلا فاللغة تشمل الأمرين،
(والكرامات) التي أكرم بها خارقة للعادة بخلاف الفضائل، فلا يلحظ فيها كونها خوارق:
عادات (من كتب العلماء،) صلة تتبعت (كالخصائص لابن سبع،) بإسكان الباء، وقد تضمّ،
(وخصائص الروضة للنووي، ومختصرها للحجازي، وشرح الحاوي لابن الملقن،) العلامة
سراج الدين، عمر أبو حفص، (وشرح البهجة) لابن الوردي، (لشيخ الإسلام زكريا بن أحمد
الأنصاري، واللفظ المكرم في خصائص النبيّ عَّ للشيخ قطب الدين الخيضري،
واستفدت منه كثيراً) من الخصائص (في فصل المعجزات،) إضافة بيانيّة أو من إضافة الصفة
للموصوف، وحمله على مغايرة المضاف للمضاف إليه بعيد، كذا قرّر شيخنا بناء على قراءة
فضل، بضاد معجمة مع أنه بمهملة؛ لأن الخيضري عقد فصلاً للمعجزات غير الخصائص، (مع
ما رأيته) حال من المجرور بالحرف، وهو كتب العلماء، أي مصحوباً بما رأيته (أثناء مطالعتي
لفتح الباري، وشرح مسلم للنووي، وشرح تقريب الأسانيد) للنووي، (للعراقي) الشيخ ولي
الدين، (وغير ذلك) عطف على فتح الباري (مما يطول ذكره، فتحصل لي من ذلك جملة)
ذكرتها كلها، لكن في ضمن تقسيم غير واحد لأربعة أقسام، إذ كل كتاب من كتبهم وإن ذكر
الأربعة، لكنه لم يستوعبها، كما استوعبتها مما تحصّل لي، (وقد قسمها،) أي الخصائص (غير
واحد من الأئمة أربعة أقسام، الأول: ما اختصّ به عَِّ من الواجبات،) الثاني: ما اختصّ به من
المحرمات، الثالث: المباحات، الرابع: الفضائل والكرامات، كما يأتي له، وختمها بخصائص
أُمّته، وقد زاد عليه غيره في كل قسم كثيرًا، وفوق كل ذي علم عليم، (والحكمة في ذلك)

١١٤
الفصل الثاني: فيما خصّه اللَّه تعالى به
زيادة الزلفى والدرجات، فإنه لن يتقرب المقربون إلى الله تعالى بمثل أداء ما افترض
عليهم. قال بعضهم: خص الله تعالى نبيه بواجبات عليه لعلمه بأنه أقوم بها منهم،
وقيل ليجعل أجره بها أعظم.
الاختصاص بالوجوب (زيادة الزلفى:) القرب المعنوي، (والدرجات) العلى، أي: الثمرات
المترتّبة، كالوسيلة، ثم لا ينافي ترتّب ذلك على الواجبات؛ أنه أفرغ عليه جميع الكمالات من
الأزل؛ لأنه لا يخالف توقّفه على فعل واجب، علم اللَّه أنه سيفعله، (فإنه لن يتقرّب المتقرّبون
إلى اللَّه تعالى بمثل أداء،) أي فعل (ما افترض،) أي أوجب اللَّه (عليهم) لعدم وجود مثل
الفرض لا مع وجوده، كما يفهمه الكلام بحسب الظاهر، لكنه من إثبات الشىء بدليله على
نحو: مثلك لا يبخل وليس كمثله شىء، وحاصل المعنى: أن أعظم شىء يتقرّب به فعل الفرض،
فالمراد بالأداء اللغوي، وهو فعل الشيء مطلقًا، فيشمل الواجب الذي لا وقت له محدود،
لا الاصطلاحي، وهو فعل العبادة قبل خروج وقتها، وهو الزمن المعين لها شرعًا، ثم هذا تلميح
بخبر البخاري عن النبيّ عَّهِ، قال: ((إن اللّه تعالى قال: من عادى وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما
تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ مما افترضت عليه)) الحديث، قال إمام الحرمين في النهاية:
قال بعض علمائنا: الفريضة يزيد ثوابها على ثواب النفل، أي: المماثل لها بسبعين ضعفًا لحديث
سللمن مرفوعًا: ((في شهر رمضان من تقرّب فيه بخصلة من خصال الخير، كان كمن أدى فريضة
فيما سواه، ومن أدى فريضة فيه كان كمن أدّى سبعين فريضة في غيره، فقابل النفل فيه بالفرض
في غيره، وقابل الفرض فيه بسبعين فرضًا في غيره، فأشعر بأن الفرض يزيد على النفل بسبعين
درجة من طريق الفحوى، انتهى، وتعقّب بأن الحديث ضعيف، أخرجه ابن خزيمة، وعلّق القول به
على صحته، والظاهر أن ذلك من خصائص رمضان، ولذا قال النووي: استأنسوا له بحديث في
شهر رمضان.
(قال بعضهم: خصّ اللَّه تعالى نبيّه بواجبات عليه، لعلمه بأنه أقوم بها منهم،) أي:
أقدر على القيام بها من جميع الأُمّة.
قال ابن الجوزي: لما كانت الحمامة تزق فراخها لم تحضن غير بيضتين، لأنها لا تقوى
على أكثر منها، ولما كانت الدجاجة لا تزق فراخها، كانت تحضن عشرين فأكثر، ولمّا
كان عَِّ أقوى الحاملين خصّ بواجبات لم تجب على غيره، انتهى.
(وقيل: ليجعل أجره بها،) أي بفعلها (أعظم) ثوابًا من ثواب فعل نفسه، ولو كانت
مندوبة له، فالمفضل عليه فعله لا بصفة الوجود، كما قرّر شيخنا أو فعل أَمّته لا فعله لها بغير صفة
الوجوب، كما جزم به في الشرح وفي الشامية، وقيل: ليجعل أجره بها أعظم من أجرهم، وقربه

١١٥
الفصل الثاني: فيما خصّه اللّه تعالى به
فاختص عٍَّ بوجوب الضحى على المذهب، لكن قول عائشة في الصحيح:
ما رأيت رسول الله عٍَّ يسبح سبحة الضحى، يدل على ضعف أنها كانت واجبة
عليه. قال الحافظ ابن حجر: ولم يثبت ذلك في خبر صحيح. انتهى، وسيأتي
مزيد لذلك إن شاء الله تعالى في ذكر صلاة الضحى من مقصد عباداته عليه
السلام.
وهل كان الواجب عليه أقل الضحى أو أكثرها، أو أدنى الكمال؟ قال الحجازي؛
لا نقل فيه، لكن في مسند أحمد: أمرت بركعتي الضحى ولم تؤمروا بهما.
ومنها الوتر وركعتا الفجر، كما رواه الحاكم في المستدرك وغيره، ولفظ
أحمد والطبراني:
بها أزيد من قربهم، انتهى، ثم هذا علم من قوله: لن يتقرّب الخ ... ، (فاختصّ عَّ بوجوب
الضحى على المذهب،) أي الراجح عند الشافعي، وجزم به صاحب المختصر من المالكية
لكنه شاذً؛ كما قال ابن شاس في الجواهر، (لكن قول عائشة في الصحيح: ما رأيت
رسول اللَّه عَلٍ يسبح،) يصلّي (سبحة الضحى) صلاته، سمّيت الصلاة تسبيحًا لاشتمالها عليه
من تسمية الكل باسم البعض، (يدلّ على ضعف أنها كانت واجبة عليه،) ومن ثم قال في
الجواهر: إنّما قال بوجوبها بعض من شذّ.
(قال الحافظ ابن حجر: لم يثبت ذلك،) أي وجوبها عليه (في خبر صحيح،) قال:
وخبر أحمد: (أُمرت بصلاة الضحى ولم تؤمروا بها))، ضعيف، وصححه الحاكم فذهل، (انتهى)
كلام الحافظ بما زدته، (وسيأتي مزيد لذلك إن شاء الله تعالى في ذكر صلاة الضحى من
مقصد عباداته عليه السلام،) وهو التاسع، (وهل كان الواجب عليه أقلّ الضحى،) وهو
ركعتان، (أو أكثرها،) وهو ثمان، (أو أدنى الكمال،) وهو أربعة.
(قال الحجازي: لا نقل فيه،) أي لم يتعرّضوا له، كما في الخادم، (لكن في مسند
أحمد) عن ابن عباس مرفوعًا: ((أَمرت بركعتي الضحى) أمر إيجاب بدليل قوله: (ولم تؤمروا
بهما))،) ففيه أن الواجب عليه أقلّ الضحى، لكنّه حديث ضعيف، وقد عارضه ما أخرجه أحمد
أيضًا من حديث ابن عباس. ((أَمرت بالوتر وركعتي الضحى ولم يكتب))، وقد جمع العلماء بين
نفي عائشة رؤيته؛ يصلّيها، وأثبات غيرها صلاتها؛ بأنه كان لا يداوم عليها، مخافة أن تفرض على
أُمَّته، فيعجزوا عنها، فلو كانت واجبة لداوم عليها، (ومنها الوتر وركعتا الفجر، كما رواه
الحاكم في المستدرك، ورواه (غيره) من حديث ابن عباس، (ولفظ أحمد والطبراني،) عن

١١٦
الفصل الثاني: فيما خصّه اللَّه تعالى به
ثلاث على فريضة وهن لكم تطوع، الوتر وركعتا الفجر وركعتا الضحى.
قال بعضهم: وقد ثبت أنه عليه الصلاة والسلام صلى الوتر على الراحلة.
قال: ولو كان واجبًا لما جاز فعله على الراحلة.
وتعقب: بأن فعله على الراحلة من الخصائص أيضًا كما سيأتي فيما اختص
به عليه السلام من المباحات، إن شاء الله تعالى. وأجيب بأنه يحتاج إلى دليل.
وهل كان الواجب عليه أقل الوتر أم أكثره؟ أم أدنى الكمال؟ قال الحجازي:
لم أر فيه نقلاً.
ومنها صلاة الليل،
ابن عباس رفعه: ((ثلاث) هن (عليّ فريضة) لازمة، ولفظ الحاكم فرائض، (وهنّ لكم تطوّع،
الوتر، وركعتا الفجر، وركعتا الضحى)).
قال الحافظ: يلزم من قال به بوجوب ركعتي الفجر عليه: ولم يقولوا به، وإن وقع في
كلام بعض السلف والآدمي وابن الحاجب، فقد ورد ما يعارضه، وهذا الحديث ضعيف من
جميع طرقه، وإن استدركه الحاكم، وقد أطلق الأثقة عليه الضعف، كأحمد، والبيهقي، وابن
الصّلاح، وابن الجوزي، والنووي وغيرهم، انتھی.
ولذا (قال بعضهم) معارضًا له: (وقد ثبت أنه عليه الصّلاة والسلام صلّى الوتر، على
الراحلة قال: ولو كان واجبًا لما جاز فعله على الراحلة وتعقب بأن فعله على الراحلة من
الخصائص أيضًا كما سيأتي فيما اختصّ به عليه السّلام من المباحات إن شاء الله تعالى،
وأجيب بأنه،) أي: جعل فعله على الراحلة من الخصائص، وإن جزم به النووي على مسلم
(يحتاج إلى دليل،) ولم يوجد، فهو في حقّه سنّة، ولذا ادّعى البلقيني أنه لم يكن واجبًا عليه،
خلافًا لما صححوه، ولا دليل لمن قال: كان واجبًا عليه في الحضر دون السفر، كذا قال (وهل
كان الواجب عليه أقلّ الوتر) ركعة، (أم أكثره، أم أدنى الكمال؟،) وهو ثلاثة.
(قال الحجازي: لم أرَ فيه نقلاً،) وقال الزركشي: الظاهر أن مرادهم الجنس، وقياسًا
على الضحى، ونازعه شيخنا بالفرق بينهما، لأن الاقتصار على ركعة في الوتر خلاف الأولى، أو
مكروه، ولا كذلك الضحى، فيكون الواجب عليه في الوتر أدنى الكمال، (ومنها صلاة الليل،)
أي: التهجّد، وعطفها على الوتر، للإشارة إلى مغايرتها له، وهو ما رجّحه الرافعي والنووي هنا،
ورجّحا في صلاة التطوّع اتّحادهما، ونقله في المجموع عن الأمّ والمختصر، ورجّح ما هنا بما
ذكره الرافعي هناك من اعتبار وقوع التهجد بعد النوم، بخلاف الوتر، ومنع القمولي هذا الاعتبار،
ردّه الزركشي بمنع كون المصلّي قبل نومه متهجّدًا.

١١٧
الفصل الثاني: فيما خصّه اللّه تعالى به
قال تعالى: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك﴾ [الإسراء/٧٩] أي فريضة زائدة
لك على الصلوات المفروضة، أو فضيلة لك لاختصاص وجوبه بك، وهذا ما
صححه الرافعي ونقله النووي عن الجمهور، ثم قال: وحكى الشيخ أبو حامد أن
الشافعي نص على أنه نسخ وجوبه في حقه، كما نسخ في حق غيره.
ومنها السواك، واستدلوا له بما رواه أبو داود من حديث عبدا لله بن أبي
حنظلة بن أبي عامر أن رسول الله عَِّ أمر بالوضوء عند كل صلاة طاهرًا أو غير
طاهر، فلما شق عليه ذلك أمر بالسواك لكل صلاة. وفي إسناده محمد بن إسحق،
وقد رواه بالعنعنة وهو مدلس.
وحجة من لم يجعله واجبًا عليه، ما رواه ابن ماجه في سننه من حديث أبي
أمامة أن رسول الله عَ ◌ّةٍ قال: ((ما جاءني جبريل إلا أوصاني.
(قال تعالى: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك﴾ [الأسراء /٧٩] الآية، أي: فريضة
زائدة لك على الصّلوات المفروضة،) فالمراد بالنافلة المعنى اللغوي، فلا ينافي الوجوب
لا مقابله، (أو فضيلة) إكرامًا (لك لاختصاص وجوبه بك، وهذا،): أي وجوب التهجّد
(ما صححه الرافعي، ونقله النووي عن الجمهور، ثم قال: وحكى الشيخ أبو حامد أن الشافعي
نصّ على أنه نسخ وجوبه في حقّه، كما نسخ في حق غيره،) قال في شرح البهجة: وهو
الأصح، أو الصحيح، وفي مسلم عن عائشة ما يدلّ عليه، (ومنها: السواك، واستدلّوا له،) أي:
لوجوبه (بما رواه أبو داود من حديث عبد الله بن أبي،) صوابه إسقاطه، فهٍ ابن (حنظلة بن
أبي عامر) الراهب، الأنصاري، له رؤية، وأبوه غسيل الملائكة، قتل يوم أُحد وأُمّ عبد اللَّه جميلة
بنت عبد الله بن أبي، استشهد عبد اللَّه يوم الحرّة في ذي الحجّة، سنة ثلاث وستّين، وكان أمير
الأنصار بها، (أن رسول اللَّه عَِّ أمر بالوضوء عند كل صلاة طاهراً،) أي متوضّئًا، (أو غير
طاهر،) وطاهره ولو نفلاً، ورجّحه الشيخ ولي الدين، لكن قال الحافظ: سياق الحديث يخصّصه
بالمعروضة، وكذا قاله الزركشي ولا يخالفه، (فلما شقّ ذلك عليه، أمر بالسواك لكل صلاة)
فرضًا، أو نفلاً حضرًا، أو سفرًا، وهذا الحديث صححه ابن خزيمة وغيره، (ولكن (في إسناده
محمّد بن إسحق) بن يسار، (وقد رواه بالعنعنة وهو مدلس،) وإن كان صدوقًا وعنعنة المدلس
ليست مقبولة، ما لم يصرّح بالسماع ونحوه، كما في الألفية وغيرها، فقال الشامي: إسناده، جيّد
وفيه اختلاف لا يضرّ فيه نظر، لأنه وإن لم يضر الاختلاف فيه على بعض رواته، فقد ضرّ تدليس
ابن إسحق فلا يكون إِسناده جيّدًا، (وحجّة من لم يجعله واجبًا عليه، ما رواه ابن ماجه في
سننه من حديث أبي أمامة) الباهلي: (أن رسُول اللَّه عَِّ قال: ((ما جاءني جبريل إلا أوصاني

١١٨
الفصل الثاني: فيما خصّه الله تعالى به
بالسواك حتى خشيت أن يفرض علي وعلى أمتي. وإسناده ضعيف. وروى أحمد
في مسنده من حديث واثلة ابن الأسقع قال قال رسول الله عَ ل: ((أمرت بالسواك
حتى خشيت أن يكتب علي، وإسناده حسن. والخصائص لا تثبت إلا بدليل
صحيح، قاله في شرح تقريب الأسانيد.
ومنها الأضحية، قال الله تعالى: ﴿فصل لربك وانحر﴾ [الكوثر/٢]، وروى
الدارقطني والحاكم عن ابن عباس أنه عَّم قال: ثلاث هن علي فرائض، وهن لكم
تطوع: النحر والوتر وركعتا الفجر.
ومنها المشاورة، قال الله تعالى: ﴿وشاورهم في الأمر﴾ [عمران/١٥٩]،
فظاهره الإیجاب،
بالسواك،) وصية استحباب وترغيب فيه، (حتى خشيت أن يفرض عليّ وعلى أُمّتي)))) وهذا
لو صح كان ظاهرًا في عدم الوجوب، (ولكن (إسناده ضعيف،) وقد رواه أحمد والطبراني،
بإسنادي صحيح عن أبي أمامة بلفظ: ((إلا أمرني بالسواك حتى لقد خشيت أن أخفي مقدم
فمي).
(وروى أحمد في مسنده من حديث واثلة)، بمثلثة، (ابن الأسقع) بالقاف، (قال: قال
رسول اللَّه عَ لِ: أُمرت) على لسان جبريل، أو بالإلهام، أو بالرؤيا (بالسواك،) أمر ندب (حتى
خشيت أن يكتب عليّ)،) أي: يفرض وإسناده حسن، وقال المنذري وغيره: فيه ليث بن أبي
سليم، وهو ثقة مدلس، وقد عنعنه، (والخصائص لا تثبت إلا بدليل صحيح، قاله في شرح
تقريب الأسانيد) للحافظ ولي الدين العراقي، لكن المعتمد عند المالكية والشافعية وجوبه عليه.
(ومنها: الأضحية،) بضم الهمزة وكسرها، وشدّ الياء وخفّتها، أي: التضحية، (قال اللّه
تعالى: ﴿فَصلّ لربّك وانحر﴾ الآية) أضحيتك، والأمر للوجوب، ولخبر الطبراني بسند صحيح
عن ابن عباس، رفعه: ((الأضحى عليّ فريضة وعليكم سنّة))، أي التضحية عليّ واجبة، سمّيت
باسم الوقت الذي تشرع ذكاتها فيه، وهو ارتفاع النهار.
(وروى الدارقطني والحاكم عن ابن عباس، أنه عَّهُ قال: ((ثلاث هنّ عليّ فرائض،)
وفي رواية: فريضة (وهنّ لكم تطوع: النحر والوتر وركعتا الفجر))،) مرّ هذا الحديث قريبًا، وإنه
ضعيف من جميع طرقه خلافًا لاستدراك الحاكم.
(ومنها: المشاورة) لذوي الأحلام في غير الشرائع والأحكام، (قال اللَّه تعالى:
﴿وشاورهم في الأمر﴾ [عمران/ ١٥٩] الآية، فظاهره الإيجاب) وهو المعتمد عند الشافعية

١١٩
الفصل الثاني: فيما خصّه اللّه تعالى به
ويقال إنه استحباب، استمالة للقلوب، ومعناه: استخراج آرائهم، ونقل البيهقي في
((معرفة السنن والآثار)) عن النص: أن المشورة غير واجبة عليه، كما نبه عليه
الحجازي وغيره.
واختلف في المعنى الذي أمر الله نبيه عليه السلام بالمشاورة مع كمال
عقله وجزالة رأيه وتتابع الوحي عليه، ووجوب طاعته على أمته.
فقال بعضهم: هو خاص في المعنى، وإن كان عامًا في اللفظ، أي:
وشاورهم فيما ليس عندك فيه من الله عهد، يدل عليه قراءة ابن عباس: وشاورهم
في بعض الأمر.
وقال الكلبي: يعني ناظرهم في لقاء العدوّ، ومكائد الحرب عند الغزو.
وقال قتادة ومقاتل: كانت سادات العرب إذا لم تشاور في الأمر شق
والمالكية، (ويقال: إنه استحباب،) وكان وجه صرف الأمر إليه غناه عنها، فإنّما هي تطييب
لقلوبهم ونحو ذلك (استمالة للقلوب) راجع للقولين، (ومعناه: استخراج آرائهم، ونقل البيهقي
في) كتاب (معرفة السنن والآثار عن النصُّ،) أي: نصّ الشافعي: (أن المشورة غير واجبة
عليه،) فقال: وصرف الشافعي الأمر إلى الندب، فقال: هو كقوله البكر تستأمر، فإنه تطييب
لخاطرها لا واجب، فالمشاورة لاستمالة قلوبهم واستخراج آرائهم واستعطافهم، انتهى، (كما نّه
عليه الحجازي وغيره،) ولكن المعتمد الوجوب، وهو ما صحّحه الرافعي والنووي.
(واختلف في المعنى الذي أمر اللَّه نبيّه عليه السّلام بالمشاورة مع كمال عقله،)
إذ لم يخلق أعقل منه ولا مثله، كما مرّ. (وجزالة) بفتح الجيم والزاي (رأيه، وتتابع الوحي
عليه، ووجوب طاعته على أُمّته، فقال بعضهم: هو خاص في المعنى، وإن كان عامًّا في
اللفظ، أي: وشاورهم فيما ليس عندك فيه من اللَّه عهد يدلّ عليه قراءة ابن عباس
وشاورهم في بعض الأمر،) وهذا وإن عزاه لبعضهم لا يخالف فيه أحد، إذ ما فيه عهد من
الله لا یشاور فیه.
(وقال الكلبي: يعني ناظرهم في لقاء العدوّ ومكائد الحرب عند الغزو،) بأن يذكر
لهم ما يتعلّق به، فإن ذكروا خلافه، كالخروج له أو عدمه، وكان الصواب خلافه، بيته لهم
وأرشدهم إليه، فإن عارضوه برأيهم أظهر لهم ما يترتّب عليه حتى تستقرّ نفوسهم على حسن
ما يختاره.
(وقال قتادة ومقاتل: كانت سادات العرب) رؤساؤهم، (إذا لم تشاور في الأمر شقّ

١٢٠
الفصل الثاني: فيما خصّه اللَّه تعالى به
عليهم، فأمر الله تعالى نبيه عليه السلام أن يشاورهم، فإن ذلك أعطف لهم وأذهب
لأضغانهم، وأطيب لنفوسهم.
وقال الحسن: قد علم الله أن ما به إليهم حاجة، ولكن أراد أن يستن به من بعده.
وحكى القاضي أبو يعلى، في الذي أمر بالمشاورة فيه قولين: أحدهما: في
أمر الدنيا خاصة، والثاني: في أمر الدين والدنيا وهو الأصح، قاله المعافي بن
زكريا في تفسيره.
والحكمة في المشاورة في الدين التنبيه لهم على علل الأحكام، وطريق
الاجتهاد.
وأخرج ابن عدي والبيهقي في الشعب عن ابن عباس قال: لما نزلت:
﴿وشاورهم في الأمر﴾ قال رسول الله عَ ل: ((أما إن الله ورسوله لغنيان عنها
ولكن الله جعلها رحمة لأمتي.
عليهم، فأمر اللَّه تعالى نبيه عليه السّلام أن يشاورهم، فإن ذلك أعطف لهم،) أي: أشدّ
عطفًا، أي: إمالة لقلوبهم إلى رأيه عَّهِ (وأذهب لأضغانهم،) أي: حقدهم، أي ما يقوم في نفوس
القاصرين من عدم الميل إلى ما يشير عليهم به من أمر الحرب ونحوه، (وأطيب لنفوسهم).
(وقال الحسن) البصري: (قد علم اللَّه أن ما به إليهم حاجة، ولكن أراد أن يستنّ،)
أي یقدي (به ومن بعده).
(وحكى القاضي أبو يعلى في الذي أمر بالمشاورة فيه قولين، أحدهما: في أمر
الدنيا خاصة، والثاني: في أمر الدين والدنيا وهو الأصح).
وقد كان عَّله كثير المشاورة، (قاله المعافى بن زكريا) ابن يحيى بن حميد الحافظ،
العلامة المفسر، الثقة، النهرواني، كان على مذهب ابن جرير، ولذا يقال له الجريري (في
تفسيره، والحكمة في المشاورة في الدين التنبيه لهم على علل الأحكام، وطريق
الاجتهاد،) فلا يردّ أنه لا معنى للقول الأصح؛ لأنه لا يرجع إلى مشورتهم لو أشاروا بخلافه.
(وأخرج ابن عدي والبيهقي في الشعب، عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿وشاورهم
في الأمر﴾ قال رسول اللّه مَّر: ((أماء) بتخفيف الميم، (إن اللَّه ورسوله لغنيّان عنها،) قال
ابن ملك في شرح كافيته: يجوز كسر إن بعد أماٍ مقصودًا بها معنى ألا الاستفتاحية، فإن قصد
بها معنى حقًّا فتحت، (ولكن اللَّه جعلها رحمة لأمتي))،) تطييبًا لنفوسهم وتسهيلاً لاعتياد ذلك
واتباعه.