النص المفهرس

صفحات 1-20

رَحُ الغُلامِةِ الزَّزَقَانِىّ
المتوفى سنة ١١٢٢ هـ.
اعلى
المواهب المدنيّة بالريحُ المحمديّة
للعَلَامَة القسطَلانِي
المتوفى سنة ٩٢٣ هـ.
ضبطَهَوَصَحْهُ
محمد عبد العزيز الخالدي
الجزء السابع
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان

جميع الحقوق محفوظة
جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لدار الكتب
العلمية بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة
أو إعادة تنضيد الكتاب كاملا أو مجزأ أو تسجيله على أشرطة
كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على اسطوانات
ضوئية إلا بموافقة الناشر خطيا".
Copyright C
All rights reserved
Exclusive rights by DAR al-KOTOB al-
ILMIYAH Beirut - Lebanon. No part of this
publication may be translated, reproduced,
distributed in any form or by any means, or
stored in a data base or retrieval system,
without the prior written permission of the
publisher.
الطّبعَة الأولى
١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ مـ
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
: رمل الظريف، شارع البحتري، بناية ملكارت
العنوان
تليفون وفاكس : ٣٦٤٣٩٨ - ٣٦٦١٣٥ - ٦٠٢١٣٣ (١ ٩٦١ ) ..
صندوق بريد: ٩٤٢٤ - ١١ بيروت - لبنان
DAR al-KOTOB al-ILMIYAH
Beirut - Lebanon
Address : Ramel al-Zarif, Bohtory st., Melkart bldg., 1st Floore.
Tel. & Fax : 00 (961 1) 60.21.33 - 36.61.35 - 36.43.98
P.O.Box : 11 - 9424 Beirut - Lebanon

٨٠<
5
[معجزة نبع الماء الطهور من بين أصابعه عليه]
وأما نبع الماء الطهور من بين أصابعه عَّهِ، وهو أشرف المياه، فقال
القرطبي: قصة نبع الماء من بين أصابعه قد تكررت منه علّم في عدة مواطن في
مشاهد عظيمة، ووردت من طرق كثيرة، يفيد مجموعها العلم القطعي المستفاد
من التواتر المعنوي،
نبع الماء الطهور من بين أصابعه عليه
(وأمّا نبع الماء،) قسيم قوله: أمّا معجزة انشقاق القمر، بيانًا لتفصيل القسم الثالث، وهو
ما كان معه من حين ولادته إلى وفاته، (الطهور) صفة لازمة، وقال شيخنا: مخصّصة (من بين
أصابعه،) أي أصابع يديه (عَّ)، كما هو ظاهر الروايات الآتية، واقتصر على بين الأصابع،
بالنسبة لأغلب الوقائع، أو تجوّز بالبينية عما يشمل رؤوس الأصابع، (وهو أشرف المياه) على
الإطلاق؛ كما قاله البلقيني وغيره. قال السيوطي:
وأفضل المياه ماء قد نبع من بين أصابع النبي المتّبع
يليه ماء زمزم فبالكوثر فنيل مصر ثم باقي الأنهر
(فقال القرطبي،) صاحب المفهم فيه: (قصّة نبع الماء) إضافة بيانيّة، أي القصّة التي هي
نبع الماء (من بين أصابعه، قد تكرّرت منه عَّ في عدّة مواطن:) جمع موطن، المشهد من
مشاهد الحرب ومكان الإنسان، (في مشاهد عظيمة، ووردت من طرق كثيرة، يفيد مجموعها
العلم القطعي، المستفاد من التواتر المعنوي.
وقال عياض: هذه القصة رواها الثقات من العدد الكثير والجمّ الغفير، عن الكافّة متّصلة
بالصحابة، وكان ذلك في مواطن اجتماع الكثير منهم في المحافل، ومجامع العساكر، ولم يرد
عن أحد منهم إنكار على راوي ذلك، فهذا النوع ملحق بالقطعي من معجزاته.
قال في فتح الباري: فأخذ القرطبي كلام عياض وتصرّف فيه، وحديث نبع الماء جاء من
رواية أنس عند الشيخين، وأحمد، وغيرهم من خمسة طرق، وعن جابر عندهم من أربعة طرق،
وعن ابن مسعود عند البخاري والترمذي، وعن ابن عباس عند أحمد والطبراني من طريقين، وعن
أبي ليلى، والد عبد الرحمن عند الطبراني، فعدد هؤلاء الصحابة، ليس كما يفهم من إطلاقهما.
وأمّا تكثير الماء بأن لمسه بيده، أو تفل فيه، أو أمر بوضع شىء فيه، كسهم من كنانته،
فجاء من حديث عمران بن حصين في الصحيحين، وعن البراء بن عازب عند البخاري وأحمد من
طريقين، وعن أبي قتادة عند مسلم، وعن أنس عند البيهقي في الدلائل، وعن زياد بن الحرث،

٤
معجزة نبع الماء الطهور من بين أصابعه عليباله
ولم يسمع بهذه المعجزة عن غير نبينا عَ له، حيث نبع الماء من بين عظمه وعصبه
ولحمه ودمه، وقد نقل ابن عبد البر عن المزني أنه قال: نبع الماء من بين أصابعه
عدّله أبلغ في المعجزة من نبع الماء من الحجر حيث ضربه موسى بالعصا
فتفجرت منه المياه، لأن خروج الماء من الحجارة معهود بخلاف خروج الماء من
بين اللحم والدم. انتهى.
الصدائي عنده، وعن بريح، بضمّ الموحدة، وتشديد المهملة الصدائي أيضًا، فإذا ضمّ هذا إلى
هذا بلغ الكثرة المذكورة أو قاربها.
وأمّا من رواها من أهل القرن الثاني، فهم أكثر عددًا، وإن كان شطر طرقه أفرادًا، وفي
الجملة يستفاد منها الردّ على ابن بطال، حيث قال: هذا الحديث شهده جماعة من الصحابة، إلاّ
أنّه لم يرو إلاّ من طريق أنس، وذلك لطول عمره، وتطلب الناس العلوّ في السند، انتهى، وهذا
ينادي عليه بقلّة الاطّلاع والاستحضار لأحاديث الكتاب الذي شرحه، انتهى. (ولم يسمع بهذه
المعجزة عن غير نبيّا عَِّ، حيث نبع الماء من بين عظمه وعصبه ولحمه ودمه، وقد نقل
ابن عبد البرّ عن المزني) إسماعيل بن يحيى، بن إسمعيل، بن عمرو، بن إسحق، الإمام الجليل،
صاحب التصانيف، الزاهد، المتقلّل من الدنيا، مجاب الدعوة، قال الشافعي: لو ناظر الشيطان
لغلبه، مات لستّ بقين من رمضان، سنة أربع وستّين ومائتين، ودفن قريبًا من الشافعي، وولد سنة
خمس وسبعين ومائة، (أنه قال: نبع الماء من بين أصابعه عَّةِ، أبلغ في المعجزة من نبع
الماء من الحجر، حيث ضربه موسى بالعصا فتفجّرت:) جرت وسالت (منه المياه؛ لأن
خروج الماء من الحجارة معهود،) كما قال تعالى: ﴿وإن من الحجارة لما يتفجّر منه الأنهار
وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء﴾، الآية، (بخلاف خروج الماء من بين اللحم والدم) ليس
بمعهود؛ كما قال الشاعر:
فإن في الكف معنى ليس في الحجر
إن كان موسى سقى الأسباط من حجر
وللَّه درّ البوصيري حيث قال في اللاميّة:
وذي أياد عليها قد جرى النيل
ومنبع الماء عذبًا من أصابعه
(انتهى) كلام القرطبي.
قال الحافظ: وظاهر كلامه أن الماء نبع من بين اللحم الكائن في الأصابع، ويؤيّد قوله في
حديث ابن عباس عند الطبراني: فجاؤوا بشىء، فوضع عَّ يده عليه، ثم فرّق بين أصابعه، فنبع
الماء من أصابع رسول اللَّه عَّ له مثل عصا موسى، فإن الماء تفجّر من نفس العصا، فتمسّكه به
يقتضي أن الماء تفّر من بين أصابعه، ويحتمل أن المراد أن الماء نبع من بين أصابعه بالنسبة إلى

٥
معجزة نبع الماء الطهور من بين أصابعه ملته.
وقد روى حديث نبع الماء جماعة من الصحابة، منهم: أنس وجابر وابن
مسعود.
فأما حديث أنس ففي الصحيحين قال: رأيت رسول الله عَ لَّه وحانت صلاة
العصر، فالتمس الناس الوضوء فلم يجدوه، فأتي رسول الله علّ ◌ُله بوضوء
رؤية الرائي وهو في نفس الأمر للبركة الحاصلة فيه، يفور ويكثر وكفّه عَّ في الماء، فيراه
الرائي، نابعًا منه، والأوّل أبلغ في المعجزة، وليس في الإخبار ما يردّه، انتهى، ويأتي نحوه في
المتن.
(وقد روى حديث نبع الماء جماعة من الصحابة) خمسة، كما علمت، (منهم: أنس
وجابر، وابن مسعود،) وابن عباس، وأبو ليلى، (فأمّا حديث أنس، ففي الصحيحين:) البخاري
في الوضوء وعلامات النبوّة، ومسلم في الفضائل، ورواه الترمذي في المناقب، والنسائي في
الطهارة، كلّهم من طريق مالك، الإمام، عن إسحق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس، أنّه (قال:
رأيت،) أي أبصرت (رسول اللَّه)) وفي رواية: النبيّ (عَِّ، والحال أنه قد (حانت) بالمهملة،
أي قربت (صلاة العصر،) زاد في رواية للشيخين من حديث سعيد، عن قتادة، عن أنس، وهو
بالزوراء، بفتح الزاي، وسكون الواو، بعدها راء: موضع بسوق المدينة، وتفسير حانت: بقربت،
هو ما صدر به الكرماني، واقتصر عليه المصنّف والحافظ أنسب بقوله: صلاة العصر، وإن كان
يطلق لغة أيضًا على دخول الوقت.
قال الحافظ: وزعم الداودي أن الزوراء: مكان مرتفع، كالمنارة، وكأنه أخذه من أمر عثمن
بالتأذين على الزوراء، وليس بلازم، بل الواقع أن المكان الذي أمر بالتأذين فيه كان بالزوراء، لا أنه
الزوراء نفسها.
وفي رواية همام عن قتادة عن أنس: شهدت النبيّ عَّهِ مع أصحابه عند الزوراء، أو عند
بيوت المدينة، أخرجه أبو نعيم، (فالتمس،) أي طلب، (الناس الوضوء،) بفتح الواو: الماء الذي
يتوضأ به، وفي رواية: فالتمس الوضوء بالبناء للمفعول، (فلم يجدوه،) وفي رواية بغير الضمير
للمنصوب، أي فلم يصيبوا الماء، (فأتي) بضم الهمزة مبني للمفعول، (رسول اللَّه عَّ)) بالرفع
نائب الفاعل، (بوضوء))) بفتح الواو، أي بإناء فيه ماء ليتوضأ به، وفي رواية: فجاء رجل بقدح فيه
ماء يسير، وروى المهلب أنه كان مقدار وضوء رجل واحد، وعند أبي نعيم والحرث بن أبي
أسامة، من رواية شريك بن أبي نمر، عن أنس، أنه هو الذي أحضر الماء، ولفظه: قال لي
رسول اللَّه عَّهِ: ((انطلق إلى بيت أُمّ سلمة)، فأتيته بقدح ماء، أما ثلثه وأما نصفه ... الحديث،

٩
معجزة نبع الماء الطهور من بين أصابعه عد اله
فوضع يده في ذلك الإناء، فأمر الناس أن يتوضؤوا منه، فرأيت الماء ينبع من بين
أصابعه، فتوضأ الناس حتى توضؤوا من عند آخرهم. وفي لفظ البخاري: كانوا
ثمانين رجلاً، وفي لفظ له: فجعل الماء ينبع من بين أصابعه وأطراف أصابعه حتى
توضأ القوم، قال: فقلنا لأنس كم كنتم قال: كنا ثلاثمائة.
قوله: ((حتى توضؤوا من عند آخرهم)) قال الكرماني: حتى للتدريج، ومن
للبيان، أي: توضأ الناس حتى توضأ الذين هم عند آخرهم، وهو كناية عن جميعهم،
و ((عند)) بمعنى ((في)) لأن ((عند)) وإن كانت للظرفية الخاصة لكن المبالغة تقتضي أن
تكون لمطلق الظرفية، فكأنه قال: الذين هم في آخرهم. وقال التيمي: المعنى
...
وفيه: أنه رده بعد فراغهم إليها، وفيه قدر ما كان فيه أوّلاً، (فوضع يده في ذلك الإناء،) قال
شيخ الإسلام: الظاهر أنها اليد اليمنى، (فأمر) بالغاء (الناس أن يتوضؤوا منه،) أي: بالتوضؤ من
ذلك الإناء، قال أنس: (فرأيت الماء ينبع،) بتثليث الموحدة: يخرج (من بين أصابعه، فتوضأ
الناس حتى توضؤوا من عند آخرهم، وفي لفظ للبخاري) من رواية حميد عن أنس: (كانوا
ثمانين رجلاً) في لفظ للبخاري أيضًا من رواية الحسن عن أنس: كانوا سبعين أو نحوه، وفي
مسلم: سبعين أو ثمانين، (وفي لفظ له،) أي البخاري في العلامات، وكذا مسلم في الفضائل
من طريق سعيد عن قتادة عن أنس: أَتي النبيّ عَ لِّ بإناء وهو بالزوراء فوضع يده في الإناء،
(فجعل الماء ينبع من بين أصابعه وأطراف أصابعه حتى توضّأ القوم، قال) قتادة: (فقلنا لأنس:
كم كنتم؟، قال: كنا ثلاثمائة) لفظه، أو زهاء ثلاثمائة بالشكّ.
قال الحافظ: بضم الزاي والمدّ، أي قدر ثلاثمائة من زهوت الشىء إذا حصرته،
وللإسمعيلي من طريق خالد بن الحرث، عن سعيد ثلاثمائة، بالجزم دون قوله أو زهاء، انتهى وبه
تعلم ما في المؤلف من المؤاخذة، بالجزم بثلاثمائة مع العزو للبخاري، وقد ظهر من السياق
تعدّد القصّة إذ كانوا مرّة ثمانين أو سبعين، ومرّة ثلاثمائة أو ما قاربهما، فهما كما قال النووي
قضيتان جرتا في وقتين حضرهما جميعًا أنس، (قوله: حتى توضؤوا من عند آخرهم).
(قال الكرماني: حتى للتدريج، ومن للبيان، أي توضّأ الناس حتى توضّأ الناس الذين
هم عند آخرهم، وهو كناية عن جميعهم، وعند بمعنى في؛ لأن عند وإن كانت للظرفية
الخاصة، لكن المبالغة تقتضي أن تكون) لمطلق الظرفيّة؛ لأن السياق يقتضي العموم
والمبالغة، (فكأنّه قال: الذين هم في آخرهم).
(وقال التيمي) أحمد بن محمّد بن عمر، شارح البخاري شرحًا واسعًا جدًا: (المعنى

٧
معجزة نبع الماء الطهور من بين أصابعه عند ليه
توضأ القوم حتى وصلت النوبة إلى الآخر، وقال النووي: ((من)) هنا بمعنى ((إلى))
وهي لغة، وتعقبه الكرماني بأنها شاذة، قال: ثم إن (إلى)) لا يجوز أن تدخل على
((عند)) ويلزم عليه وعلى ما قاله التيمي أن لا يدخل الأخير، لكن ما قاله الكرماني
من أن ((إلى)) لا تدخل على عند لا يلزم مثله في ((من)) إذا وقعت بمعنى (إلى))
وعلى توجيه النووي يمكن أن يقال عند زائدة. قاله في فتح الباري.
وروى هذا الحديث أيضًا عن أنس بن شاهين، ولفظه: قال أنس كنت مع
النبي عَّه في غزوة تبوك، فقال المسلمون: يا رسول الله، عطشت دوابنا وإبلنا،
توضّأ القوم حتى وصلت النوبة إلى الآخر).
وقال النووي: من هنا بمعنى إلى، وهي لغة) والكوفيون يجوّزون مطلقًا وضع حروف
الجر بعضها مقام بعض، (وتعقّبه الكرماني بأنها شاذّة،) فلا يخرج عليها الفصيح مع إمكان
غيره، (قال: ثم إن إلى لا يجوز أن تدخل على عند،) فهو اعتراض ثان على النووي، (ويلزم
عليه،) أي جعل النووي من بمعنى إلى، (وعلى ما قاله التيمي) من قوله إلى آخرهم، فأشار أيضًا
إلى أنها بمعنى إلى (أن لا يدخل الأخير) من القوم؛ لأن المغيابالي خارج على المشهور، وإلاّ
فيدخل على قول؛ (لكنّ ما قاله الكرماني من أن إلى لا تدخل على عند، لا يلزم مثله في
من إذا وقعت بمعنى إلى٤) لأن كون كلمة بمعنى أخرى لا يلزم أن تكون مثلها استعمالاً، فلا
مانع من دخول من التي بمعنى إلى على عند، وامتناع دخول إلى عليها، (وعلى توجيه النووي)
يمكن أن يقال عند زائدة، قاله في فتح الباري) في كتاب الطهارة.
وقال المصنف: أي توضأ الناس ابتداء من أوّلهم حتى انتهوا إلى آخرهم، ولم يبقَ منهم
أحد، والشخص الذي هو آخرهم داخل في هذا الحكم، لأن السياق يقتضي العموم والمبالغة،
لأن عند هنا تجعل لمطلق الظرفية حتى تكون بمعنى في، كأنّه قال: حتى توضّأ الذين هم
آخرهم، وأنس داخل فيهم، إذ قلنا يدخل المخاطب، بكسر الطاء في عموم خطابه أمرًا أو نهيًا أو
خبرًا، وهو مذهب الجمهور، وقال بعضهم: حتى حرف ابتداء مستأنف، جملة إسمية وفعلية
فعلها ماض، نحو: حتى عفوا وحتى توضؤوا، ومضارع نحو حتى يقول الرسول في قراءة نافع،
ومن للغاية لا للبيان، خلافًا للكرماني، لأنها لا تكون للبيان إلاّ إذا كان فيما قبلها إبهام، ولا إبهام
هنا.
(وروى هذا الحديث أيضًا،) أي حديث نبع الماء لا بقيد المتقدّم عن الصحيحين؛ لأنه
في سوق المدينة، وهذا في تبوك (عن أنس بن شاهين،) فاعلٍ روى (ولفظه، قال أنس: كنت
مع النبيّ ◌َِّ في غزوة تبوك، فقال المسلمون: يا رسول اللَّه! عطشت دوابنا وإبلنا،) عطف

٨
معجزة نبع الماء الطهور من بين أصابعه عن الته.
فقال: هل من فضلة ماء فجاء رجل في شن بشىء، فقال: هاتوا صحفة، فصب
الماء ثم وضع راحته في الماء، قال: فرأيتها تخلل عيونًا بين أصابعه، قال: فسقينا
إبلنا ودوابنا وتزوّدنا، فقال: أكفيتم؟ قلنا: نعم يا رسول الله، فرفع يده فارتفع الماء.
وأخرج البيهقي عن أنس أيضًا، قال: خرج النبي عَّ إلى قباء فأُتي من
بعض بيوتهم بقدح صغير، فأدخل يده فلم يسعه القدح، فأدخل أصابعه الأربعة ولم
يستطع أن يدخل إبهامه، ثم قال للقوم: هلموا إلى الشراب، قال أنس: بصر عيني
ينبع الماء من بين أصابعه فلم يزل القوم يردون القدح حتى رووا منه جميعًا.
وأما حديث جابر: ففي الصحيحين، قال: عطش الناس يوم الحديبية، وكان
رسول الله عآآێ بین
خاص على عام، (فقال: ((هل من فضلة ماء))؟،) إنما طلبها لئلاّ يظنّ أنه عَ لِّ موجد للماء
والإيجاد إنما هو للَّه لا لغيره، (فجاء رجل في شنّ) بفتح المعجمة ونون ثقيلة: قربة بالية (بشىء)
من ماء، (فقال: ((هاتوا صحفة))،) إناء كالقصعة، وقال الزمخشري: قصعة مستطيلة، (فصبّ
الماء) (ثم وضع راحته) كفه مع أصابعه (في الماء قال) أنس (فرأيتها) أي الصحفة الصحفة،
(تخلّل)، بفتح التاء، مضارع بحذف إحدى التاءين، أي تنفذ (عيوناً بين أصابعه) تمييز محوّل عن
الفاعل، والأصل تتخلّل عيونها بين أصابعه.
(قال) أنس: (فسقينا إبلنا وداوبنا، وتزوّدنا:) حملنا الماء معنا، (فقال) عَّهِ:
((أكفيتم))؟، قلنا: نعم يا رسول اللّه، فرفع يده) من الصحفة، (فارتفع الماء) برفع يده.
(وأخرج البيهقي عن أنس أيضًا، قال: خرج النبيّ عٍَّ إلى قباء:) موضع معروف
بالمدينة، كان عَّ يأتيه كل سبت راكبًا أو ماشيًا، (فأتي) بالبناء للمفعول (من بعض بيوتهم،)
أي بيوت أهل قباء، (بقدح صغير، فأدخل يده، فلم يسعه،) أي إدخال يده، وإلا فالظاهر لم
يسعها، أي اليد (القدح) لصغره، (فأدخل أصابعه الأربعة ولم يستطع أن يدخل إبهامه، ثم
قال للقوم: ((هلمّوا إلى الشراب))، قال أنس: بصره) بضمّ الصاد وكسرها، قال المجد: ككرم
وفرح، أي نظر (عيني ينبع الماء،) أي نبعه (من بين أصابعه،) وتعدية بصر بنفسه لغة، والأفصح
تعديته بالباء، نحو بصرت بما لم يبصروا به، (فلم يزل القوم يردّون القدح حتى رووا،) بفتح
الراء وضمّ الواو، (منه جميعًا،) أي زال ظمؤهم، وأصله رويوا، حذفت الياء لثقل الضمة عليها،
وضمّت الواو الأولى لمناسبة الثانية.
(وأمّا حديث جابر، ففي الصحيحين) في المغازي والبخاري أيضًا في علامات النبوّة،
وأخرجه النسائي في الطهارة والتفسير، كلّهم من رواية سالم بن أبي الجعد عن جابر، (قال:

٩
معجزة نبع الماء الطهور من بين أصابعه عد اله
يديه ركوة يتوضأ منها، وجهش الناس نحوه، فقال: ما لكم؟ قالوا يا رسول الله ليس
عندنا ماء نتوضأ به ولا ماء نشربه إلا ما بين يديك، فوضع يده في الركوة، فجعل
الماء يثور من بين أصابعه كأمثال العيون، فشربنا وتوضأنا، قلت: كم كنتم قال: لو
كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة.
وقوله: ((یثور))،
عطش،) بكسر الطاء (الناس يوم الحديبية) بالتخفيف والتشديد، (وكان رسول اللَّه عَّه بين
يديه ركوة،) مثلّث الراء: إناء صغير من جلد يشرب فيه، (يتوضّأ،) لفظ البخاري في الموضعين،
فتوضّأ (منها) قال الحافظ: كذا وقع في هذه الرواية، ووقع في الأشربة من طريق الأعمش عن
سالم؛ أن ذلك لما حضرت صلاة العصر، (جهش،) بفتح الجيم والهاء، بعدها معجمة (الناس)
أي: أسرعوا لأخذ الماء، وللكشميهني: فجهش بزيادة فاء في أوّله، (نحوه) عليه السّلام، وقال
المصنّف: بفتح الجيم، والهاء والشين المعجمة، أي: أسرعوا إلى الماء منتهين لأخذه، ولأبي ذرّ
بكسر الهاء، وللحموي والمستملي جهش بإسقاط الفاء وفتح الهاء، انتهى، فما يوجد في كثير
من نسخ المتن، وجهش بواو، بل الجيم مخالف للروايتين، (فقال) وفي رواية: قال بلا فاء،
(ما لكم،) أي: أيّ شىء عرض لكم حتى جهشتم إلى (قالوا: يا رسول الله! ليس عندنا ماء
نتوضّأ به، ولا ماء نشربه،) وماء بالهمز في اليونينية، وفي بعض النسخ لم يضبطها (إلاّ ما بين
يديك،) ومعلوم أنه لا يكفي، وجعلوا ما بين يديه عندهم، لعلمهم أنه لا يمنعهم منه، فالاستثناء
متّصل، (فوضع) عَّهِ (يده في الركوة، فجعل الماء يثور،) بالمثلّثة للأكثر، وللكشميهني
بالفاء، وهما بمعنى، أي: ينبع الماء ويرتفع لزيادته (من بين أصابعه، كأمثال العيون،) أي: مائها
الذي يخرج منها، والغرض وصف الماء الخارج من أصابعه بالكثرة.
وقال بعض: أي: كان بين كل أصبعين من أصابعه عين ماء نابعة، (فشربنا وتوضّأنا،
قلت:) هو مقول سالم بن أبي الجهد راويه عن جابر، أي: قلت له (كم كنتم؟، قال: لو كنا مائة
ألف لكفانا) ذلك الماء لما شاهد من ثورانه الدالّ على عدم انقطاعه، (كنّا خمس عشرة مائة،)
يعني: ألفًا وخمسمائة.
قال الطيبي: عدل عن الظاهر لاحتمال التجوّز في الكثرة والقلّة، وهذا يدلّ على أنه اجتهد
فيه، وغلب على ظنّه المقدار، لكن يخالفه قول البراء عند البخاري: كنّا يوم الحديبية أربع عشرة
مائة، ورجّح البيهقي هذه الرواية على الأولى، بل قيل: إنها وهم، وجمع بأنهم كانوا أكثر من
ألف وأربعمائة، فمن قال: وخمسمائة جبر الكسر، ومن قال: وأربعمائة ألغاه، ويؤيّده رواية
البخاري من وجه آخر عن البراء: كنّا ألفًا وأربعمائة أو أكثر، فأو بمعنى بل تفيد ذلك، واعتمد

١٠
معجزة نبع الماء الطهور من بين أصابعه علـ
أي يغلي ويظهر متدفقًا.
وفي رواية الوليد بن عبادة بن الصامت عنه في حديث مسلم الطويل في
ذكر غزوة بواط، قال لي رسول الله عَّله: ناد: الوضوء، وذكر الحديث بطوله، إنه لم
يجد إلا قطرة في عزلاء شجب .
النووي هذا الجمع لصحة الروايات كلّها، كما تقدّم بسط ذلك في الحديبية، (وقوله: يثور)
بالمثلثة أو الفاء، لأنهما بمعنى؛ كما قال الحافظ، (أي: يغلي ويظهر متدفّقًا،) عطف تفسير،
يقال للشيء إذا زاد وارتفع قد غلى؛ كما في المصباح، وبه تعلم أنه لا يشترط في الغليان
حصوله بحرارة النار.
(وفي رواية الوليد بن عبادة بن الصامت) الأنصاري، المدني، أبي عبادة، ثقة، من كبار
التابعين، ولد في عهد النبيّ عَُّله، ومات بعد السبعين، روى له الشيخان والترمذي والنسائي،
(عنه،) أي: عن جابر (في حديث مسلم الطويل،) صفة لحديث في آواخر صحيحه، نحو
ورقتين في باب سيرة النبيّ عَّله، (في ذكر غزوة بواط)) بضم الباء وفتحها، وخفّة الواو
مفتوحة، وألف، ومهملة جبال جهينة على أبراد من المدينة بقرب ينبع ثاني غزواته عَّ، قال:
(قال لي رسول اللَّه عَّ: ((نادٍ) أمر من النداء محذوف الآخر المعتلّ، أي: ناد الناس، فقال
لهم: اعطو أو ناولوا (الوضوء)))) بفتح الواو: الماء الذي يتوضّأ به، فنصب بمقدّر، (وذكر
الحديث بطوله) وهو: فقلت: ألا وضوء، ألا وضوء، ألا وضوء، قال: قلت: يا رسول اللَّه! ما
وجدت في الركب من قطر، وكان رجل من الأنصار يبرد لرسول اللَّه عَّه وأصحاب له ماء في
أشجاب على حمارة، فلم أجد إلا قطرة وعزلاء شجب، منها لو أني أفرغه لشربه، يابس الإناء،
قال: (اذهب فائت به))، فأتيته به، فأخذه بيده، فجعل يتكلّم بشىء لا أدري ما هو، ويغمز بيده،
ثم أعطانيه، فقال: ((يا جابر ناد بجفنة))، فقلت: يا جفنة الركب، فأتى بها تحمل، فوضعها بين
يديه، فقال عَّله: بيده هكذا، فبسطها وفرّق بين أصابعه، ثم وضعها في قعر الجفنة، وقال: ((خذ
يا جابر، فصبّ عليّ وقل: بسم اللَّه))، فصببت عليه وقلت بسم اللَّه، فرأيت الماء يفور من بين
أصابعه عَّلِ، ثم فارت الجفنة ودارت حتى امتلأت، فقال: ((يا جابر ناد من كانت له حاجة بماء)،
قال: فأتى الناس، فاستقوا حتى رووا وبقي، فقلت: هل بقي أحد له حاجة، فرفع عَ لّ يده من
الجفنة وهي ملأى، الحديث.
قال الحافظ: وهذه القصة أبلغ من جميع ما تقدّم لاشتمالها على قلّة الماء، وعلى كثرة من
استقى منه، فذكر المصنف معناه تبعًا للشفاء بقوله: (وإنه))) أي: جابرًا (لم يجد) عند الأنصاري
(إلا قطرة،) أي: ماء قليلاً جدًا، (في عزلاء،) بفتح المهملة، وسكون الزاي، ولام، بعدها مدّة

١١
معجزة نبع الماء الطهور من بين أصابعه =ٹ.
فأتى به النبي عَّ فغمزه وتكلم بشىء لا أدري ما هو، وقال: ناد بجفنة الركب،
فأتيت بها فوضعتها بين يديه، وذكر أن النبي عَّه بسط يده في الجفنة وفرق أصابعه
وصب عليه جابر، وقال: بسم الله، قال فرأيت الماء يفور من بين أصابعه، ثم فارت
الجفنة واستدارت حتى امتلأت وأمر الناس بالاستقاء فاستقوا حتى رووا، فقلت: هل
وهمزة: فم القربة الأسفل أو مصبّ الماء من الراوية، مضاف إلى (شجب،) بفتح المعجمة،
وحكي كسرها، ولا يصحّ سكون الجيم وموحدة، أي: فم قربة معلّقة بعود أو بالية، فالشجب
عود يعلّق عليه القرب والثياب والأواني بالماء على الصحيح، وقيل: ما قدم من القرب، (فأُتي)
بالبناء للمفعول، والفاعل (به النبيّ عَّله، فغمزه،) بفتح، المعجمة والميم، والزاي: عصره
وحرّكه، أو وضع يده عليه وكبسه بها، (وتكلّم بشىء لا أدري ما هو،) كأنه سرّ من أسرار اللّه،
تكلّم به بالسريانية ونحوها ليخفي على غيره، كذا قال بعض أو بالعربية، وأسرّه فلم يدره جابر،
(وقال: ((ناد بجفنة،) كقصعة لفظًا ومعنى: إناء يشبع عشرة فأكثر، ودونها الصحفة تشبع خمسة،
ثم الماكلة تشبع الرجلين والثلاثة، ثم الصحيفة مصغر تشبع الواحد، وقيل: الجفنة كالصحفة،
وقيل: أعظم منها، (الركب،) بزيادة الباء أو بتضمين ناد معنى صحّ أو اثت، بدليل قوله: (فأتيت
بها، فوضعتها بين يديه،) بالبناء للمفعول؛ كما قاله البرهان وغيره، وقيل: مفعول ناد محذوف،
أي: نادٍ القوم يؤتوا بجفنة أو نزلها منزلة العاقل؛ لأن اللَّه خلق فيها إدراكًا حتى تنادي هي، ثم
ظاهره أن الركب كان لهم جفنة معينة يستعملونها في حوائجهم، أو يضعون فيها الطعام،
ويجتمعون عليها عند الأكل مثلاً، وهذا مقتضى الإضافة.
وقد علمت أن لفظ مسلم: ناد بجفنة، فقلت: يا جفنة الركب، ولا منافاة لجواز أن المراد
بها الجفنة المخصوصة، فالتنوين عوض عن المضاف إليه، أو على حقيقته؛ لأنه جوّز أن يكون
معهم غيرها، فأراد، أي: جفنة كانت.
(وذكر) جابر: (أن النبيّ عَُّلٍ بسط،) بالسين والصاد، وبهما قرىء، أي: وضع (يده في
الجفنة) مبسوطة، ليكون ابرك، (وفرّق أصابعه، وصبّ عليه جابر، وقال) جابر: (بسم الله،)
كما أمره بها، وزعم أن فاعل قال النبيّ عَّه بعيد، بل يخالفه لفظ مسلم المارّ، (قال) جابر:
(فرأيت الماء يفور،) يزيد ويرتفع حتى يتدفّق، (من بين أصابعه) عليه الصّلاة والسّلام، (ثم
فارت الجفنة،) أي: ارتفع ماؤها، فالمضاف مقدّر، وإسناد مجازي للمبالغة في فوارنه،
(واستدارت،) أي: دارت، كما هو لفظ مسلم، أي: دار الماء فيها من تسمية الحال باسم
المحل؛ لأن الماء إذا زاد بسرعة يرى كأنه يدور، وقيل: الجفنة نفسها دارت لعظم الأمر
وشرف الموضع، فاهتزّت واضطرّبت، وتتابعت حركاتها، (حتى امتلأت،) قال بعض: ولا

١٢
معجزة نبع الماء الطهور من بين أصابعه عد له.
يده من الجفنة وهي ملأى.
بقي من أحد له حاجة؟ فرفع رسول الله علـ
وروى حديث جابر أيضًا الإمام أحمد في مسنده بلفظ: اشتكى أصحاب
رسول الله عَّ ◌ُلِ العطش، فدعا بعس نصب فيه شيئًا من الماء، ووضع رسول الله عَ له
فيه يده، وقال: استقوا فاستقى الناس، فكنت أرى العيون تنبع من بين أصابعه معد له.
وفي لفظ من حديثه له أيضًا: قال فوضع رسول الله عَّهم كفه في الإناء ثم
قال: بسم الله، ثم قال: أسبغوا الوضوء، قال جابر: فوالذي ابتلاني ببصري، لقد
رأيت العيون، عيون الماء يومئذٍ تخرج من بين أصابعه عدّه فما رفعها حتى توضؤوا
أجمعون.
ورواه أيضًا عنه البيهقي في الدلائل قال: كنا مع رسول الله عَّ ◌ُله في سفر،
فأصابنا عطش فجهشنا إلى رسول الله عَّ، قال: فوضع يده في تور
محصل لهذا القيل، وفيه نظر، (وأمر الناس بالاستقاء، فاستقوا حتى رووا فقلت) مقول جابر،
(هل) نافية، أي: ما (بقي من) زائدة (أحد له حاجة،) كقوله: ((هل ينظرون إلا تأويله)، و ((هل
ترك لنا عقيل من رباع))، بدليل زيادة من، وقوله: (فرفع رسول اللَّه عَّ يده من الجفنة،)
ويجوز أنها استفهامية، ومن زائدة والفاء في، فرفع فصيحة، أي: فقالوا لا، فرفع والأولى أَوْلى؛
لأن الأصل عدم التقدير، (وهي ملأى،) أي: مملوأة بالماء لم تنقص شيئًا بما أخذوه.
(وروى حديث جابر أيضًا الإمام أحمد في مسنده، بلفظ: اشتكى أصحاب
رسول اللَّه عَظِلِّ العطش، فدعا بعسٌ،) بضم العين، وشدّ السين المهملتين: قدح كبير، (فصبّ
فيه شيئًا من الماء) قليلاً، (ووضع رسول اللَّه عٍَّ فيه يده، وقال: ((استقوا))، فاستقى الناس،
فكنت أرى العيون،) أي: عيون الماء (تنبع،) تخرج (من بين أصابعه عَّه، وفي لفظ من
حديثه،) أي: جابر، (له)) أي: لأحمد (أيضًا، قال: فوضع رسول اللَّه عَّهِ كفّه في الإناء، ثم
قال: ((بسم اللَّه)،) أتبرّك وأطلب نبع الماء، ويحتمل القسم لصحة نيته بذلك، واقتصر عليه، لأنه
المأثور في سائر الأفعال، لا لبيان جوازه بدون الرحمن الرحيم؛ كما زعم، (ثم قال: «أسبغوا
ان غيوء))، قال جابر: فوالذي ابتلاني ببصري،) أي: بفقده وذهابه؛ لأنه عمي في آخر عمره،
(لقد رأيت العيون عيون الماء يومئذ تخرج من بين أصابعه عَ ل فما رفعها،) أي: يده (حتى
توضّؤوا أجمعون، ورواه أيضًا عنه البيهقي في الدلائل) النبويّة، (قال: كنا مع رسول اللَّه عَلَّه
في سفر) هو الحديبية، (فأصابنا عطش، فجهشنا،) بفتح الجيم، والهاء، وتكسر: أسرعنا، (إلى
رسول اللَّه عَلَّه، قال) جابر: (فوضع يده في تور،) بفتح الفوقية: شبه الطست، وقيل: هو
الطست، ووقع في حديث شريك عن أنس في المعراج: أتي بطست من ذهب فيه تور، وظاهره

١٣
معجزة نبع الماء الطهور من بين أصابعه تو.
من ماء بين يديه، قال: فجعل الماء ينبع من بين أصابعه كأنه العيون قال: خذوا
بسم الله، فشربنا، فوسعنا وكفانا، ولو كنا مائة ألف لكفانا، قلت لجابر: كم كنتم؟
قال: ألفًا وخمسمائة.
وأخرجه ابن شاهين من حديث جابر أيضًا، وقال: أصابنا عطش بالحديبية
فجهشنا إلى رسول الله عَّله، الحديث.
وأخرجه أيضًا - عن جابر - أحمد من طريق نبيح العنزي عنه، وفيه: فجاء
رجل بإدارة فيها شىء من الماء ليس في القوم ماء غيره، فصبه رسول الله عَّه في
قدح ثم توضأ فأحسن الوضوء، ثم
المغايرة بينهما، ويحتمل الترادف، فكان الطّست أكبر من التور، قاله الحافظ، وقوله: فكان لا يلائم
احتمال الترادف إلاّ أن يكون مراده الترادف اللغوي، وقال المصنف: التور إناء من صفرا وحجارة.
وفي القاموس: إناء يشرب فيه مذكر، (من ماء بين يديه، قال: فجعل الماء ينبع من بين
أصابعه كأنّه العيون،) لكثرة نبعه، (قال: ((خذوا بسم اللَّه)، فشربنا، فوسعنا:) عمّنا (وكفانا)
حتى روينا، ولا يلزم من الوسع الكفاية في الريّ، فلذا جمع بينهما، (ولو كّا مائة ألف لكفانا؛)
لأنه مدد غير منقطع، قال سالم بن أبي الجعد: (قلت لجابر: كم كنتم؟، قال:) كنّا (ألفًا
وخمسمائة.
(وأخرجه ابن شاهين) الحافظ، أبو حفص، عمر بن أحمد البغدادي، تقدّمت ترجمته، وإن
له المنتهى في التصنيف، له ثلاثمائة وثلاثون تصنيفًا، منها المسند ألف وستمائة مجلد، والتفسير
ألف مجلد ضخم، وحاسب الحبار على ثمانية عشر قنطارًا من الحبر استجرها منه وجمع براية
أقلامه عنده، وأوصی أن یسخن له بها ماء غسله، فكفت تسخينه.
قال ابن ماكولا وغيره: ثقة مأمون صنّف ما لم يصنّفه أحد، إلاّ أنه لحّان ولا يعرف الفقه،
مات سنة خمس وثمانين وثلاثمائة، (من حديث جابر أيضًا، وقال) في سياقه: (أصابنا عطش
بالحديبية، فجهشنا إلى رسول اللَّه ع ◌َلّه، الحديث.
(وأخرجه أيضًا عن جابر أحمد) الإمام في المسند، (من طريق نبيح،) بضمّ النون
ومهملة، مصغّر ابن عبد الله (العنزيّ،) بفتحِ المهملة والنون، ثم زاي، أبي عمرو الكوفي مقبول
(عنه،) أي: جابر، قال: سافرنا مع رسول اللَّه عَ ◌ّله، فحضرت الصّلاة، فقال عَّه: ((أما في القوم
طهور))؟، (وفيه) تلوّ هذا: (فجاء رجل بإداوة فيها شىء) قليل (من الماء، ليس في القوم
ماء غيره، فصبّه رسول اللَّه عَّ في قدح، ثم توضّأ فأحسن الوضوء)) أتمّ فرائضه ونوافله، (ثم

١٤
معجزة نبع الماء الطهور من بين أصابعه علـ
انصرف وترك القدح، قال: فتزاحم الناس على القدح فقال: على رسلكم، فوضع
كفه في القدح ثم قال: أسبغوا الوضوء قال: فلقد رأيت العيون عيون الماء تخرج
من بين أصابعه علێ.
وأما حديث ابن مسعود، ففي الصحيح من رواية علقمة: بينما نحن مع
رسول الله عَّه وليس معنا ماء، فقال لنا: اطلبوا من معه فضل ماء، فأتي بماء فصبه
صلى الله
في إناء، ثم وضع كفه فيه، فجعل الماء ينبع من بين أصابع رسول الله
عَّ
انصرف وترك القدح، قال) جابر: (فتزاحم الناس على القدح) أسقط من هذه الرواية، فقال:
تمسحوا تمسحوا، فسمع عَّةٍ، (فقال: ((على رسلكم)،) بكسر الراء: هينتكم، (فوضع كفّه في
القدح)، وفي رواية: فضرب يده في القدح في جوف الماء،(ثم قال: أسبغوا الوضوء»)، أثّوه
بفرضه، ونقله ولا تمسحوا، (قال) جابر: (فلقد رأيت العيون عيون الماء تخرج من بين
أصابعه ◌َّه) حتى توضّؤوا أجمعون، قال: حسبته قال: كنّا مائتين وزيادة هذا بقيّة رواية نبيح؛
كما في الفتح.
(وأمّا حديث ابن مسعود، ففي الصحيح،) أي: الحديث الصحيح أو صحيح البخاري،
(من رواية علقمة) بن قيس بن عبد الله النخعي، الكوفي، التابعي، الكبير، ثقة، ثبت، فقيه عابد،
مات بعد الستين، وقيل: بعد السبعين عن عبد اللَّه، يعني ابن مسعود، قال: (بينما) بالميم، وفي
رواية: بينا بلا ميم، (نحن مع رسول اللَّه عَ ليه)) أي: في سفر؛ كما في البخاري، وجزم البيهقي
في الدلائل؛ بأنه الحديبية، لكن لم يخرج ما يصرّح به، وقد روى أبو نعيم في الدلائل أن ذلك
في غزوة خيبر، فهذا أولى؛ كما في الفتح، (وليس معنا ماء) جملة حالية، (فقال لنا: ((أطلبوا
من معه فضل ماء)،) أي: بقيّة ماء كان أو زيادة منه على حاجته، (فأَتي بماء،) بالبناء للمفعول،
والفاء فصيحة، أي: فطلبوا الماء، فوجده بعضهم، فأتى به، وفي البخاري: فجاؤوا بإناء فيه ماء
قليل، ولأبي نعيم عن ابن عباس: دعا عَِّ بلالاً بماء فطلبه فلم يجده، (فصبّه في إناء) آخر
مكشوف ليدخل يده فيه (ثم وضع كفّه فيه،) أي: في الإناء الثاني، والعطف بثمّ، لما بينهما
من تراخٍ قليل، (فجعل،) أي: صار (الماء ينبع من بين أصابع رسول اللّه عَظ له))) وفي رواية ابن
عباس: فبسط كفّه فيه، فنبعت تحت يده عين، فجعل ابن مسعود يشرب ويكثر.
وفي رواية عن ابن مسعود: فجعلت أبادرهم إلى الماء، أدّله في جوفي؛ لقوله: ((البركة
من اللَّه)، ثم ما ذكره المصنّف من لفظ الحديث، وعزاه للصحيح مثله في الشفاء، ولفظ
البخاري في علامات النبوّة من رواية علقمة عن عبد اللَّه، قال: كنّا نعدّ الآيات بركة، وأنتم

١٥
معجزة نبع الماء الطهور من بين أصابعه عطلته.
وظاهر هذا أن الماء كان ينبع من بين أصابعه بالنسبة إلى رؤية الرائي، وهو
في نفس الأمر - للبركة الحاصلة فيه - يفور ويكثر، وكفه عَّه في الإناء، فيراه
الرائي نابعًا من بين أصابعه.
وظاهر كلام القرطبي: أنه نبع من نفس اللحم الكائن في الأصابع، وبه
صرح النووي في شرح مسلم، ويؤيده قول جابر: فرأيت الماء يخرج من بين
أصابعه، وفي رواية: فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه، وهذا هو الصحيح، وكلاهما
معجزة له عنه.
تعدّونها تخويفًا، كنّا مع رسول اللَّه عَِّ في سفر فقلّ الماء، فقال: ((اطلبوا فضلة من ماء))،
فجاؤوا بإناء فيه ماء قليل، فأدخل يده في الإناء، ثم قال: ((حيّ على الطهور المبارك والبركة من
اللَّه)، فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع النبيّ عَّله، ولقد كنّا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل.
(وظاهر هذا أن الماء كان ينبع من بين أصابعه،) لا حقيقة، بل (بالنسبة إلى رؤية
الرائي، وهو في نفس الأمر للبركة الحاصلة فيه،) متعلّق بقوله: (يفور ويكثر) في نفسه من
غير خروجه من أصابعه، الشريفة، (وكفّه عَِّ في الإناء، فيراه الرائي نابعًا من بين أصابعه)
وليس بنابع حقيقة.
(وظاهر كلام القرطبي) المتقدّم أوّل هذا المبحث: (أنه نبع من نفس اللحم الكائن في
الأصابع؛) لقوله: نبع الماء من عظمه ولحمه ودمه، وقدمت أن الحافظ أبدى فيه احتمال كونه
بالنسبة للرؤية، وإن ظاهره أبلغ، وليس في الأخبار ما يردّه.
(وبه صرّح النووي في شرح مسلم،) فقال: وفي كيفية هذا النبع، قولان، حكاهما
عياض وغيره، أحدهما: وهو قول أكثر العلماء والمزني: أن الماء كان يخرج من ذات أصابعه،
والثاني: أن الماء كثر في ذاته، فصار يفور من بين أصابعه، انتهى.
ودعوى المصنف أن حديث ابن مسعود ظاهر في الثاني، فيها نظر؛ إذ هو محتمل، بل
الظاهر منه الأوّل كبقية الأحاديث، (ويؤيّده قول جابر: فرأيت الماء يخرج من بين أصابعه،
وفي رواية: فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه،) فقوله: يخرج وينبع ظاهر في أنه من ذاتها،
(وهذا هو الصحيح، وكلاهما،) أي: الأمرين كثرته في نفسه ببركته، وخروجه من ذات أصابعه
(معجزة له عَّه) وقول الأكثر أبلغ في المعجزة، وأفرد معجزة نظرًا للّفظ كلا، فيجوز مراعاة
لفظها ومعناها، واجتمعا في قوله:
كلاهما حين جدا الجري بينهما قد أقلع وكلا أنفيهما رابي

١٦
معجزة نبع الماء الطهور من بين أصابعه سلّ.
وإنما فعل ذلك ولم يخرجه من غير ملابسة ماء ولا وضع إناء تأدبًا مع الله
تعالى، إذ هو المنفرد بابتداع المعدومات وإيجادها من غير أصل.
وروى ابن عباس قال: دعا النبي عَّه بلالاً فطلب الماء، فقال: لا والله ما
وجدت الماء، قال: فهل من شن؟ فأتى بشن فبسط كفه فيه فانبعثت تحت يده
عين، فكان ابن مسعود يشرب وغيره يتوضأ، رواه الدارمي وأبو نعيم، وكذا رواه
الطبراني وأبو نعيم من حديث أبي ليلى الأنصاري
(وإنما فعل ذلك ولم يخرجه من غير ملابسة ماء، ولا وضع إناء تأذّبًا مع اللَّه تعالى، إذ هو
المنفرد بابتداع المعدومات،) إيجادها على غير مثال سابق، (وإيجادها من غير أصل) تتولّد منه.
وفي فتح الباري: الحكمة في طلبه عَّ في هذه المواطن فضلة الماء، لئلاّ يظنّ أنه
الموجد للماء، ويحتمل أنه إشارة إلى أن اللَّه أجرى العادة في الدنيا غالبًا بالتوالد، وإن بعض
الأشياء يقع بثّها بالتوالد، وبعضها لا يقع، ومن جملة ذلك ما يشاهد من فوران بعض المائعات إذا
خمّرت وتركت زمانًا، ولم تجرِ العادة في الماء الصرف بذلك، فكانت المعجزة بذلك ظاهرة
جدًا، انتهى.
(وروى ابن عباس، قال: دعا:) نادى (النبيّ عَّ له بلالاً) بماء؛ كما في الرواية، (فطلب)
بلال (الماء، فقال) بلال: (لا واللَّه ما وجدت الماء، قال: فهل من شنّ؟))، بفتح المعجمة
وبالنون: إدارة يابسة، (فأُتي بشنّ، فبسط كفّه) اليمنى على الظاهر (فيه، فانبعثت:) انفرجت
(تحت يده عين، فكان ابن مسعود يشرب) ويكثر؛ كما في الرواية، (وكان (غيره يتوضّأ، رواه
الدارمي) عبد الله بن عبد الرحمن، (وأبو نعيم) في الدلائل، قال الحافظ: وهذا يشعر بأن ابن
عباس حمل الحديث عن ابن مسعود، فإن القصّة واحدة، ويحتمل أن يكون كل من بلال وابن
مسعود أحضر الإدارة، فإن الشنّ الإداوة اليابسة، انتهى.
(وكذا رواه الطبراني وأبو نعيم من حديث أبي ليلى الأنصاري،) والد عبد الرحمن،
قيل: اسمه بلال، وقيل: بليل بالتصغير، وقيل: داود بن بلال، وقيل: أوس، وقيل: يسار، وقيل:
اليسر، وقيل: اسمه وكنيته.
وقال ابن الكلبي: أبو ليلى بن بلال بن بليل بن أحيحة، وتميم نسبه إلى مالك بن الأوس،
وقال غيره: شهد أُحدًا وما بعدها، ثم سكن الكوفة، وكان مع عليّ في حروبه، وقيل: إنه قتل
بصفّين، روى عن النبيّ عَّله، وعنه ولده عبد الرحمن وجدّه.
وقال الدولابي: روى عنه أيضًا عامر بن كدين، قاضي دمشق، وليس كما قال، فشيخ عامر

١٧
تفجر الماء ببركته وابتعاثه بمسه ودعوته مد له.
وأبو نعيم من طريق القسم بن عبد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جده.
[تفجر الماء ببركته وابتعاثه بمسه ودعوته عليه]
ومن ذلك تفجر الماء ببركته، وابتعاثه بمسه ودعوته.
روى مسلم في صحيحه عن معاذ أن رسول الله عَ ظُلّه قال: إنكم ستأتون غدًا
إن شاء الله عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتى يضحي النهار، فمن جاءها فلا يمس من
مائها شيئًا حتى آتي، قال: فجئناها، وقد سبق إليها رجلان، والعين مثل الشراك تبض
هو أبو ليلى الأشعري؛ كما في الإصابة، وله أحاديث في السنن.
(وأبو نعيم من طريق القسم بن عبد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن جدّه) أبي رافع،
واسمه أسلم، على أشهر أقوال عشرة تقدّمت غير مرّة، مولى النبيّ عَّ ◌ُله، فقد ذكر المصنّف ستّة
صحابة رووا حديث نبع الماء، فزاد أبا رافع على الحافظ.
تفجر الماء ببركته وابتعاثه بمسه ودعوته عدالة.
(ومن ذلك تفجّر الماء،) وفي نسخة: تفجير، فأطلق المصدر وأراد أثره وهو التفجّر
مجازًا إذ التفجير من فعل اللَّه لا من الماء، فالمراد منه التفجّر أو المراد بتفجيره شقّ محله الذي
يخرج منه، أو المصدر مضاف لمفعوله بعد حذف الفاعل، أي: تفجير اللَّه الماء بمعنى إخراجه،
(ببركته،) أي: يمنه ووجوده في مكان أخرج منه الماء، (وابتعاثه:) افتعال من البعث، وهو الإثارة
والإخراج للماء حتى يجري، وفي نسخة: انبعاثه بالنون انفعال، وهما بمعنى واحد، يقال: بعثه،
فابتعث، وانبعث (بمستّه) لمحلّه (ودعوته) دعائه للَّه تعالى، وأخّر هذا عن نبعه من أصابعه لقوّة
ذاك في المعجزة على هذا الاحتمال كونه اتفاقيًّا.
(روى مسلم في صحيحه) في فضائل النبيّ من طريق مالك، عن أبي الزبير، عنٍ
عامر بن واثلة، (عن معاذ) بن جبل: (أن رسول اللَّه عَلَّه قال: ((إنكم ستأتون غدًا إن شاء الله
عين تبوك) التي بها لا ينصرف على المشهور لوزن الفعل كتقول، وقد يصرف على إرادة
الموضع مكان بين المدينة والشام، (وإنّكم لن تأتوها حتى يضحى النهار، فمن جاءها،) أي:
قبلى، بدليل قوله: (فلا يمسّ من مائها شيئًا حتى آتي))،) بالمدّ: أجيء» (فجئناها وقد سبق
إليها رجلان، والعين مثل الشراك،) بكسر المعجمة، وفتح الراء، وألف، وكاف: سير النعل الذي
على وجهه، شبّهه به لضعفه وقلّة جريه، وليس بمعنى أخدود في الأرض؛ كما توهّم، (تبضّ،)
بفتح التاء وكسر الموحدة، وتشديد الضاد المعجمة، أي: تقطر وتسيل؛ كما رواه ابن مسلمة،
وابن القسم في الموطأ، ورواه يحيى وطائفة، بصاد مهملة، أي: تبرق، قاله الباجي، وبهما روى

١٨
تفجر الماء ببركته وابتعاثه بمسه ودعوته عَ ليه
بشىء من ماء، فسألهما رسول الله عَّ لّهِ هل مسستما من مائها شيئًا؟ قالا: نعم،
فسبهما وقال لهما ما شاء الله أن يقول، ثم غرفوا من العين قليلاً قليلاً حتى اجتمع
في شىء، ثم غسل عليه السلام وجهه ويديه به ثم أعاده فيها، فجرت العين بماء
كثير فاستقى الناس ثم قال عليه الصلاة والسلام: يا معاذ، يوشك إن طالت بك
حياة أن ترى ما لههنا قد ملىء جنانًا. أي بساتين وعمرانًا، وهذا أيضًا من معجزاته
عليه الصلاة والسلام.
ورواه القاضي عياض في الشفاء بنحوه من طريق ملك في
أيضًا في مسلم، (بشىء من ماء) يشير إلى تقليله، (فسألهما رسول اللَّه عَّ ◌ُله: ((هل مسستما،)
بكسر السين الأولى على الأفصح، وتفتح (من مائها شيئًا))؟، قالا: نعم،) لأنهما لم يعلما نهيه أو
حملاه على الكراهة أو نسياه إن كانا مؤمنين، وقد روى أبو بشر الدولابي، أنهما كانا من
-منافقين، (فسبّهما) لمخالفتهما أمره ونفاقهما، أو حملهما النهي على الكراهة إن كانا مؤمنين،
فإن كانا لم يعلما أو نسيا فسبهما لكونهما تسبّيا في فوات ما أراده من إظهار المعجزة، كما
يسبّ الناسي والساعي، ويلامان إذا كان سببًا في فوات محروس عليه، قاله الباجي في شرح
الموطأ.
(وقال لهما ما شاء اللَّه أن يقول، ثم غرفوا من العين) بأيديهم (قليلاً قليلاً بالتكرار،
(حتى اجتمع) الماء الذي غرفوه (في شىء) من الأواني التي كانت معهم ولا قلب فيه، وإن
أصله غرفوا في شىء حتى اجتمع ماء كثير؛ كما توهم، (ثم غسل عليه السّلام وجهه ويديه)
للبركة (به،) أي: الماء، والذي في مسلم، وفي الموطأ فيه بدل به، وضميره قيل عائد على
الشىء، أي: الإناء، والظاهر أنه للماء أيضًا، وعبّر بفي لمشاكلة قوله: (ثم أعاده فيها، فجرت
العين بماء كثير،) نقل بالمعنى، ولفظ مسلم: فجرت العين بماء منهمرًا، وقال غزير: شكّ أبو
على، أي: راويه عن مالك نعم لفظ الموطأ بماء كثير، كلفظ المصنف، لكنه لم يعزه له،
(فاستقى الناس:) شربوا وسقوا دوابهم، (ثم قال عليه الصّلاة والسّلام: ((يا معاذ، يوشك:)
يقرب ويسرع من غير بطء (إن طالت بك حياة،) أي: إن أطال اللَّه عمرك، ورأيت هذا المكان،
(أن ترى) بعينك فاعل يوشك، وإن بالفتح مصدريّة، (ما) موصول، أي: الذي (لههنا) هو إشارة
للمكان، (قد ملىء) بالبناء للمفعول (جنانًا،) نصب على التمييز، بكسر الجيم جمع بفتحها،
(أي: بساتين وعمرانًا،) أي: يكثر ماؤه ويخصب أرضه، فيكون بساتين ذات ثمار وشجر كثيرة،
(وهذا أيضًا من معجزاته عليه الصّلاة والسّلام؛) لأنه إخبار بغيب وقع، (ورواه) بمعنى: ذكره
(القاضي عياض في الشفاء بنحوه من طريق مالك) أي: ناسبًا له بلفظ: روى مالك (في

١٩
تفجر الماء ببركته وابتعاثه بمسه ودعوته
الموطأ، وزاد فقال: قال في حديث ابن إسحق: فانخرق من الماء ماء له حس
كحس الصواعق.
وفي البخاري، في غزوة الحديبية، من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن
الحكم: أنهم نزلوا بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء يتبرضه الناس تبرضًا، ...
الموطأ) عن معاذ، (وزاد) بعده، (فقال) عياض: (قال) معاذ (في حديث ابن إسحق) في
السيرة: (فانخرق:) انفجر انفجارًا بشدّة (من الماء، ماء له حسّ:) صوت، (كحسّ الصواعق:)
جمع صاعقة: الصيحة، فهو تشبيه محسوس بمحسوس، قال التلمساني: وهي والصعقة: النار
تسقط من السماء إلى الأرض في رعد شديد، وصيحة العذاب، وقطعة من النار تسقط إلى
الأرض، انتهى، لكن هذا إنما ذكره ابن إسحق في قصّة أخرى بعد ارتحاله من تبوك، فقال: فأقام
رسول اللَّه عَُّل بضع عشرة ليلة لم يجاوزها، أي: تبوك، ثم انصرف قافلاً إلى المدينة، وكان في
الطريق ماء يروي الراكب والراكبين والثلاثة بواد يقال له وادي المشقق، فقال عَ له: ((من سبقنا
إلى ذلك الماء)، فلا يستقي منه شيئًا حتى نأتيه))، فسبق إليه نفر من المنافقين، فاستقوا، فلما
أتاه عَّله وقف عليه، فلم يرَ فيه شيئًا، فقال: ((من سبقنا إلى هذا الماء))؟، فقيل: فلان وفلان،
فقال: ((أوّ لم أنههم أن يستقوا منه شيئًا حتى آتيه))، ثم لعنهم ودعا عليهم، ثم نزل فوضع يده
تحت الرسل، فجعل يصبّ في يده ما شاء اللَّه أن يصبّ، ثم نضحه به ومسحه بيده، ودعا بما
شاء أن يدعو، فانخرق من الماء ماء له حسّ، كحسّ الصواعق، فشرب الناس وأسقوا حاجتهم
منه، فقال عَُّله: ((لئن بقيتم أو من بقي منكم، ليسمعن بهذا الوادي وهو أخصب ما بين يديه وما
خلفه)، انتھی.
(وفي البخاري في غزوة الحديبية من حديث المسور،) بكسر الميم، وسكون
المهملة، وفتح الواو، وبالراء، (ابن مخرمة،) بفتح الميم، وسكون المعجمة، بن نوفل، بن
أهيب، بن عبد مناف، بن زهرة القرشي، الزهري، له ولأبيه صحبة، مات سنة أربع وستّين،
(ومرون بن الحكم،) بن أبي العاصي، بن أميّة، بن عبد شمس، بن عبد مناف القرشي، الأموي،
لم تثبت له صحبة.
قال الحافظ: وهذا الحديث مرسل، فمرون لا صحبة له، والمسور لم يحضر القصّة، وقد
رواه البخاري في أوّل كتاب الشّروط عن المسور ومروان أخبرا عن أصحاب رسول اللّهِ مَّله، وقد
سمعا جميعًا، صحابة شهدوا هذه القصة، كعمر، وعثمن، وعليّ، والمغيرة، وأَمّ سلمة، وسهل بن
حنيف، (أنهم،) أي: النبيّ عَّه وأصحابه، (نزلوا بأقصى الحديبية على ثمد،) بفتحتين: (قليل
الماء يتبرّضه،) بتحتية، ففوقية، فموحدة، فراء ثقيلة، فضاد معجمة: يأخذه (الناس تبرّضًا،)

٢٠
تفجر الماء ببركته وابتعاثه بمسه ودعوته عليه.
فلم يلبثه الناس حتى نزحوه وشكي إلى رسول الله عَّة العطش، فانتزع سهمًا من
كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه.
والثمد : - بالمثلثة والتحريك - الماء القليل.
نصب على أنه مفعول مطلق من باب النقل للتكلّف، (فلم يلبثه الناس).
قال الحافظ: بضمّ أوّله، وسكون اللام من الألبان، وقال ابن التيمي: بفتح أوله، وكسر
الموحدة المنقلة، أي: لم يتركوه يلبث، أي: يقيم، انتهى.
وقال المصنّف: بضمّ أوّله، وفتح اللام، وشدّ الموحدة، وسكون المثلثة في الفرع، وأصله
مصحّحًا عليه، (حتى نزحوه،) بنون، فزاي، فحاء مهملة، أي: لم يبقوا منه شيئًا.
قال الحافظ: ووقع في شرح ابن التين، بفاء بدل الحاء، ومعناهما واحد، وهو أخذ الماء
شيئًا بعد شىء حتى لا يبقى منه شىء، (وشكى) بالبناء للمفعول (إلى رسول اللَّه عَِّ العطش)
بالرفع نائب الفاعل، (فانتزع سهمًا من كنانته،) بكسر الكاف: جعبته التي فيها النبل، (ثم أمرهم
ان یجعلوه فیه،) أي: الثمد.
روى ابن سعد من طريق أبي مروان، قال: حدّثني أربعة عشر رجلاً من الصحابة: أن الذي
نزل البئر ناجية بن الأعجم، وقيل: هو ناجية بن جندب، وقيل: البراء بن عازب، وقيل: عباد بن
خالد، حكاه الواقدي، ووقع في الاستيعاب: خالد بن عبادة.
قال في الفتح: ويمكن الجمع بأنهم تعاونوا على ذلك بالحفر وغيره، (فوالله ما زال
يجيش،) بفتح أوله، وكسر الجيم، وسكون التحتية ومعجمة، (لهم بالريّ،) بكسر الراء، ويجوز
فتحها (حتى صدروا عنه،) أي: رجعوا بعد ورودهم.
زاد ابن سعد: حتى اغترفوا بآنيتهم جلوسًا على شفير البئر.
وعند ابن إسحق: فجاش بالرواء حتى ضرب الناس عنه بعطن، (والّمد بالمثلثة) المفتوحة
(والتحريك،) أي: فتح الميم (الماء القليل).
وقال في الفتح أي: حفرة فيها ماء قليل، يقال: ماء مثمود، أي: قليل؛ فقوله: قليل الماء
تأكيدًا لدفع توهم أن يراد لغة من يقول الثمد الماء الكثير، وقيل: الثمد ما يظهر من الماء في
الشتاء، ويذهب في الصيف، انتهى، وهذ أولى من تفسير المصنف بالماء القليل؛ لأنه يصير في
قوله قليل الماء خزازة، لرجوع معناه إلى أنهم نزلوا على ماء قليل، أي: قليل الماء لكن تعقّب بعض كلام
الحافظ؛ بأنه إنما يتمّ إن ثبت لغة أن الثمد الماء الكثير، واعترض الدماميني قوله تأكيد؛ بأنه
لو اقتصر على قليل أمكن، أما مع إضافة إلى الماء فيشكل؛ كقولنا: هذا ماء قليل الماء نعم، قال
الرازي: الثمد العين، وقال غيره: حفرة فيها ماء؛ فإن صحّ فلا إشكال.