النص المفهرس
صفحات 541-560
٥٤١ سجود الجمل وشكواه إليه عَـ وفي حديث يعلى بن مرة الثقفي: بينما نحن نسير مع النبي عَّةٍ إِذ مررنا بيعير يسنى عليه، فلما رآه البعير جرجر، فوضع جرانه، فوقف عليه النبي عَّ فقال: أين صاحب هذا البعير، فجاءه، فقال: بعنيه، فقال: بل نهبه لك يا رسول الله، وإنه لأهل بيت مالهم معيشة غيره، فقال: أما إذ ذكرت هذا من أمره، فإنه شكا كثرة العمل، وقلة العلف، فأحسنوا إليه، رواه البغوي في شرح السنة. والجران: بكسر الجيم، قال ابن فارس: مقدم عنق البعير من مذبحه إلى منحره. وروى الإمام أحمد قصة أخرى نحو ما تقدم من حديث جابر ضعيفة السند، والبيهقي بإسناد جيد. (وفي حديث يعلى بن مرّة الثقفي،) تقدم التعريف به قريبًا: (بينما نحن نسير مع النبيّ عَلٌ) في سفر، (إذ مررنا ببعير يسنى،) بضم أوّله، مبني للمجهول: يسقى (عليه، فلما رآه البعير جرجر،) بجيمين وراءين بلا نقط، أي: صوّت كثيرًا بشدّة، وردّد ذلك، لكن بالصوت المعتاد للإبل على المتبادر، ويكون وجه المعجزة قوله: (فوضع جرانه،) بالكسرة مقدّم عنقه، كما يأتي عند رؤيته عَله، فهذا من طاعة الحيوان مع فهمه عليه السّلام من جرجرته شكواه، (فوقف عليه النبيّ عَّ له) من مزيد لطفه وشفقته على خلقِ اللَّه، (فقال: ((أين صاحب هذا البعير)؟، فجاءه، فقال: ((بعنيه))، فقال: بل نهبه لك يا رسول اللَّه،) بلا عوض، (وإنه لأهل بيت ما لهم معيشة غيره، فقال: ((أما إذ ذكرت هذا من أمره،) فلا أقبله بشراء ولا هبة، فحذف جواب. أمّا وقوله: (فإنه) ليس جوابها لعدم ترتبه عليه، فهو علّة لمقدر رأى وطلبت شراءه، فإنّه (شكا) بجرجرته فهم ذلك منها، أمر خارق أظهره اللَّه له تعظيمًا وإجلالاً، قاله شيخنا. وقال غيره: الظاهر أن شكايته بنطق، فهي معجزة، (كثرة العمل وقلّة العلف،) بفتحتين، بمعنى المعلوف من قوت الدواب من حبوب وغيرها، (فأحسنوا إليه)،) بقلّة العمل وكثرة العلف، (رواه البغوي) المتأخّر (في شرح السنّة) وتقدّم بعض ترجمته، وقد روى حديث يعلى أحمد، والحاكم، والبيهقي بسند صحيح، (والجران، بكسر الجيم،) بعدها راء، فألف، فنون، (قال ابن فارس: مقدّم عنق البعير من مذبحه،) أي: محلّه لو ذبح، وهو ما تحت الحنك من الحلق (إلى منحره،) أي: ليته، وهي أصل العنق، (وروى الإمام أحمد قصّة أخرى نحو ما تقدّم) عن يعلى (من حديث جابر، ضعيفة السند، و) لكن رواها (البيهقي) في الدلائل، (بإسناد جيّد)؛ لأن ٥٤٢ سجود الجمل وشكواه إليه سمات وكذا روى الطبراني قصة أخرى عن عكرمة عن ابن عباس: لكن بإسناد ضعيف. والإمام أحمد أيضًا من حديث يعلى بن مرة. رجاله ثقات، وكذا رواها الدارمي، والبزار، واللفظ للبيهقي عن جابر: أن جملاً جاء إلى رسول اللَّه عَّةٍ، فلما كان قريبًا منه، خرّ الجمل ساجدًا، فقال عَِّ: ((يا أيها الناس! من صاحب هذا الجمل))؟، فقال فتية من الأنصار: هو لنا، قال: ((فما شأنه)؟، قالوا: سنونا عليه عشرين سنة، فلما كبر سنّه أردنا نحره، فقال عَّله: ((تبيعونه)؟، قالوا: هو لك يا رسول اللَّه، فقال: ((أحسنوا إليه حتى يأتي أجله))، فقالوا: يا رسول اللَّه! نحن أحقّ أن نسجد لك من البهائم، فقال: ((لا ينبغي لبشر أن يسجد لبشر، ولو كان النساء لأزواجهنّ». وقد روى ذلك أيضًا أحمد في حديث طويل عن يعلى بن مرّة، قال فيه: وكنت معه، يعني: النبيّ عَّهِ، جالسًا ذات يوم، إذ جاء جمل حتى ضرب بجرانه بين يديه، ثم ذرفت عيناه، فقال: ((ويحك أنظر لمن هذا الجمل إن له لشأنًا))، فخرجت ألتمس صاحبه، فوجدته لرجل من الأنصار، فدعوته إليه، فقال: ((ما شأن جملك هذا))؟، قال: لا أدري والله ما شأنه، عملنا عليه، ونضحنا عليه حتى عجز عن السقاية، فأتمرنا البارحة أن ننحره ونقسم لحمه، قال: ((لا تفعل، هبه لي أو بعنيه))، قال: بل هو لك يا رسول اللَّه، فوسمه بميسم الصدقة، ثم بعث به، قال المنذري: وإسناده جيّد. قال: وفي رواية لأحمد أيضًا نحوه، لكنّه قال فيه: إنه قال لصاحب البعير: (ما لبعيرك يشكوك، زعم أنك شنأته حين كبر، تريد أن تنحره)، قال: صدقت، والذي بعثك بالحق لا أفعل. (وكذا روى الطبراني قصّة أخرى عن عكرمة عن ابن عباس، لكن بإسناد ضعيف:) أن رجلاً من الأنصار كان له فحلان، فاغتلما، فأدخلهما حائط، فسدّ عليهما الباب، ثم جاء رسول اللَّه عَّه، فأراد أن يدعو له والنبيّ عَ له قاعد معه نفر من الأنصار، فقال: يا رسول اللَّه! إني جئت في حاجة، وإنه كان فحلان لي اغتلما، وإني أُدخلتهما حائطًا، وسددت عليهما الباب، فأحبّ أن تدعو لي أن يسخّرهما اللَّه عزّ وجلّ، فقال ◌َِّ لأصحابه: ((قوموا معنا))، ذهب حتى أتى الباب، فقال: ((افتح))، فشفق الرجل على رسول اللَّه، فقال: ((افتح))، ففتح، فإذا أحد الفحلين قريبًا من الباب، فلما رأى رسول اللَّه عَّبالم سجد له، فقال عَّله: ((ائتني بشىء أشدّ به رأسه وأمكّنك به))، فجاء بخطام، فشدّ رأسه وأمكنه منه، ثم مشى إلى أقصى الحائط إلى الفحل الآخر، فلما رآه وقع له ساجدًا، فقال للرجل: ((ائتني بشىء أشدّ به رأسه))، فشدّ رأسه وأمكنه منه، وقال: ((اذهب فإنهما لا يعصيانك))، (و)رواها (الإمام أحمد أيضًا من حديث يعلى بن مرّة) الثقفي. ٥٤٣ سجود الجمل وشكواه إليه عيبا وأخرج ابن شاهين في الدلائل عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما قال: أردفني رسول الله عَّ ذات يوم خلفه فأسر إلي حديثًا لا أحدث به أحدًا من الناس، قال: وكان أحب ما استتر به النبي عٍَّ لحاجته هدف أو حائش نخل، فدخل حائط رجل من الأنصار. فإذا جمل، فلما رأى الجمل النبي عَّهِ حنَّ فذرفت عيناه، فأتاه النبي عَِّ فمسح ذفراه، وفي رواية فسكن، ثم قال: من رب هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟ فجاء فتى من الأنصار فقال: هو لي يا رسول الله، فقال: ألا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها، فإنه شكا إلي أنك تجيعه وتدثبه. قال في المصابيح: وهو حديث صحيح، قال: ورواه أبو داود عن موسی بن إسمعیل (وأخرج ابن شاهين في الدلائل،) ومن قبله الإمام أحمد، (عن عبد الله بن جعفر) الصحابي، ابن الصحابي (رضي اللَّه عنهما، قال: اردفني رسول اللَّه عَّ ذات يوم خلفه، فأسرّ إليّ حديثًا لا أحدث به أحدًا من الناس؛) لكونه أسرّه إليه، ففهم نهيه عن إنشائه، (قال: وكان أحبّ ما استتر به النبي عَِّ لحاجته) عند قضائها (هدف،) بفتحتين كل شىء عظيم مرتفع على الأرض من بناء ونحوه، (أو حائش نخل،) بمهملة وهمزة، وشين معجمة، (فدخل حائط رجل من الأنصار) لحاجته، ولا يرد كيف فعل ذلك بغير إذنه، وهو أيضًا قد نهى عن البول تحت الشجرة التي من شأنها أن تثمر؛ لأنه علم من الرجل السرور بذلك، فضلاً عن الرضا، ومحلّ النهي ما لم يغلب على الظن حصول ما يزيل أثر الحاجة على أن فضلاته طاهرة، وكانت الأرض تبتلع ما يخرج منه؛ كما مرّ، (فإذا جمل، فلمّا رأى الجمل النبي عَّهِ، حنَّ، فذرفت،) بفتحتات من باب ضرب (عيناه،) أي: سال دمعهما، (فأتاه النبيّ ◌ٍَّ فمسح ذفراه) بالألف مقصور. (وفي رواية: فسكن) ما به، (ثم قال: ((من ربّ هذا الجمل، لمن هذا الجمل)»؟،) أعاده بمعناه للتأكيد، (فجاء فتى من الأنصار، فقال: هو لي يا رسول اللَّه، فقال: ((ألا،) بالفتح والتخفيف (تتقي الله في هذه البهيمة التي ملّكك اللَّه إيّاها، فإنّه شكا إليّ) بالنطق، أو بفهمه من فعله المذكور، وكل معجزة (أنك تجيعه وتدثبه) بضم التاء، وسكون الدال، وكسر الهمزة، وموحدة: تتعبه بكثرة العمل. :(قال) البغوي (في المصابيح: وهو حديث صحيح، قال: ورواه أبو داود عن) شيخه (موسى بن إسمعيل) المنقري، بكسر الميم، وسكون النون، وفتح القاف، التبوذكي، بفتح ٥٤٤ اله سجود الجمل وشكواه إليه علـ عن مهدي بن ميمون. والحائش : - بالحاء المهملة والشين المعجمة ممدودًا - هو جماعة النخل، لا واحد له من لفظه. وقوله: ذفراه: تأنيث ذفر، بكسر الذال المعجمة مقصور، وهو الموضع الذي يعرق من قفا البعير عند أذنه. ومنها: سجود الغنم له عَّه، عن أنس بن ملك قال: دخل رسول الله عَّ. حائطًا لأنصاري ومعه أبو بكر وعمر ورجل من الأنصار، وفي الحائط غنم فسجدت له، فقال أبو بكر: يا رسول الله، نحن أحق بالسجود لك من الغنم، فقال رسول الله عَّ: لا ينبغي لأحد بأن يسجد لأحد. الفوقية، وضمّ الموحدة، وسكون الواو، وفتح المعجمة، ثقة، ثبت، مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين، (عن مهدي بن ميمون) الأزدي، البصري، ثقة، روى له الجميع، مات سنة اثنتين وسبعين ومائة، (والحائش، بالحاء المهملة، والشين المعجمة، ممدودًا هو جماعة النخل،) أي: النخل المجتمع، (لا واحد له من لفظه، وقوله: ذفراه تأنيث ذفر، بكسر الذال المعجمة مقصور،) هكذا في نسخ، وهي ظاهرة. وفي النهاية: الفذري مؤنثة، وألفها للتأنيث أو للإلحاق، وفي نسخة: تثنية ذفرى، وفيه: أن ذفرى لا يصح جعلها مفردًا مثنى، لاتحاد صورة المثنى والمفرد، فإنما تثنيته ذفريان بالألف رفعًا، وذفريين بالياء نصبًا وجرًّا، والحديث بلفظ ذفراه بالألف، إلّ على لغة من يلزم المثنى الألف في أحواله، وفي نسخة تثنية ذفر بلا ألف، ويصحّ مع قوله مقصور، وآن: رجع لقوله ذفراه، أشكل بجعل مفرده مذكّرًا، وبما في القاموس والنهاية إنه مؤنف، (وهو الموضع الذي يعرق من قفا البعير عند أذنه،) وفي القاموس: الذفري، بالكسر من جميع الحيوانات، من لدن القدم إلى نصف القذال، أو العظم الشاخص خلف الأذن، جمعه ذفريات وذفارى، (ومنها سجود الغنم له عَّه، عن أنس بن ملك، قال: دخل رسول اللَّه عَ لِ حائطًا،) بستانًا (الأنصاري) لم يسم، (ومعه أبو بكر، وعمر، ورجل من الأنصار،) لم يسم، ويحتمل أنه أنس، أبهم نفسه لغرض صحيح، (وفي الحائط غنم، فسجدت له،) تعظيمًا لما شاهدت نور نبوّته، وألهمها اللَّه معرفته، (فقال أبو بكر: يا رسول اللَّه! نحن أحقّ بالسجود لك من الغنم، فقال رسول اللَّه عَّه:"((لا ينبغي،) لا يجوز (لأحد أن يسجد لأحد،) عبّر به المخصوص بالنفي، ليشمل الواد وغيره، ويختص ٥٤٥ کلام الذئب وشهادته له له بالرسالة رواه أبو محمد عبد الله بن حامد الفقيه في كتاب دلائل النبوّة له بإسناد ضعيف. وذكره القاضي عياض في الشفاء وذكر أيضًا عن جابر بن عبد الله عن رجل أتى النبي عَّه وآمن به وهو على بعض حصون خيبر، وكان في غنم يرعاها لهم، فقال: يا رسول الله، كيف لي بالغنم، قال: احصب وجوهها فإن الله سيؤدي عنك أمانتك ويردها إلى أهلها، ففعل فسارت كل شاة حتى دخلت إلى أهلها. ومنها: قصة كلام الذئب بالعقلاء، فيه إشارة إلى أن الغنم ونحوها لا يمتنع سجودها تعظيمًا، (رواه أبو محمّد، عبد الله بن حامد، الفقيه في كتاب دلائل النبوة له، بإسناد ضعيف،) وأبعد المصنّف النجعة، فقد رواه أحمد والبزار، (وذكره القاضي عياض في الشفاء) بدون عزو، بل قال: وعن أنس، فذكره، (وذكر) بالبناء للفاعل، أي: عياض (أيضًا،) بلا إسناد، وقد رواه البيهقي (عن جابر بن عبد الله، عن) قصة (رجل،) وليس المراد أنه يروى عنه، وهو أسلم الحبشي، كذا سماه ابن عبد البر، واعترضه ابن الأثير، بأنه ليس في شيء من السياقات أن اسمه أسلم، قال في الإصابة: وهو اعتراض متجه، وقد سمّاه أبو نعيم يسارًا، بتحتية وسين مهملة الحبشي. وقال الرشاطي في الأنساب: أسلم الحبشي أسلم يوم خيبر، وقاتل، وقتل، وما صلّى الله صلاة، فقال عَّهِ: (إن معه الآن زوجة من الحور العين)، انتهى، (أتى النبي عَّ وآمن به، وهو،) أي النبي لا الرجل، كما زعم (على بعض حصون خيبر:) جمع حصن: القلعة التي يتحصّن بها لا القصر، كما زعم، (وكان) الرجل (في غنم يرعاها لهم،) أي: لأهل خيبر، والظرفية بمعنى المعية، أو مجازية، نحو وإذا كنت فيهم، (فقال: يا رسول اللَّه! كيف لي بالغنم،) أي: ما أفعل بها إذا أسلمت، وهي في ملك غيري، وأنا أجيز، فإن رددتها خشيت على نفسي الإسلامي، وإن مكثت معك ضاعت، فأرشده إلى ما يدفع خوفه، إذ (قال: ((أحصب وجوهها،) بمهملتين: ارمها بالحصباء، وهي صغار الحصا، والصاد مكسورة من باب ضرب، وضّها من باب قتل، (فإن اللَّه سيؤدي عنك أمانتك،) يوصلها (ويردّها إلى أهلها))،) أصحاب المالكين لها فتخرج أنت عن عهدي ضمانها (ففعل) ما أمره به (فسارت كل شاة حتى دخلت إلى أهلها) معجزة له عَّة، فهذا من طاعة الحيوان له، وإنما فعل هذا، لأنه كان مستأمنًا بيده أمانة لأهل خيبر، فلذا ردّها عَهٍّ لأصحابه مع ما فيه من تطمين قلبه بخروجه عن عهدتها، ولذا لم يجعلها فيًا، مع علمه أنها تكون كذلك بعد الفتح، وبقية هذا الحديث عند البيهقي؛ أنه شهد القتال فقتل، أصابه حجر، أو سهم، ولم يصلّ صلاة قطّ، فأخبر عَِّ أنه رأى عنده حوريتين. (ومنها: قصة كلام الذئب،) إضافة بيانية، إذ المراد معجزة الكلام، لا القصّة، وعبّر بقصة ٥٤٦ كلام الذئب وشهادته له مَّ بالرسالة وشهادته له عَّ بالرسالة. اعلم أنه قد جاء حديث قصة كلام الذئب في عدة طرق من حديث أبي هريرة وأنس وابن عمر وأبي سعيد الخدري. فأما حديث أبي سعيد، فرواه الإمام أحمد بإسناد جيد ولفظه قال: عدا الذئب على شاة فأخذها، فطلبه الراعي فانتزعها منه فأقعى الذئب على ذنبه وقال: ألا تتقي الله؟ تنزع مني رزقًا ساقه الله إلي، فقال الراعي: يا عجبًا، ذئب مقع على ذنبه يكلمني بكلام الإنس، فقال الذئب: ألا أخبرك بأعجب من ذلك: محمد دون سابقة، نظرًا لقولهم قصّة الجمل مثلاً، وأل في الذئب، جنسية لتعدّد القصّة، بدليل روايتي أبي هريرة وكلامه، وإن كان لغيره، لكن إقراره به معجزة، (وشهادته) بالجر، عطف على كلام (له عَ ﴾. بالرسالة). (اعلم: أنه قد جاء حديث قصّة كلام الذئب في عدّة طرق من حديث أبي هريرة، وأنس، وابن عمر بن الخطّاب (وأبي سعيد الخدري،) المتبادر تعدد الطرق عن كل واحد من الأربعة، وليس بمراد، (فأمّا حديث أبي سعيد، فرواه الإمام أحمد بإسناد جيّد،) أي: مقبول، و کذا رواه الترمذي، والحكم، وصححاه. (ولفظه: قال) أبو سعيد لما ثبت ذلك عنده، وتحقّقه، وإن لم يحضره، فكان كالمشاهد له: (عدا:) هجم (الذئب على شاة، فأخذها) بغير اختيار صاحبها، فشابه الظالم المتجاوز الحد، فعبّر بعدا، وفي لفظ: عرض الذئب لشاة، (فطلبه الراعي:) سعى خلفه حت أدركه، وفي القاموس: طلبه طلبًا محركة، حاول وجوده وأخذه، فكأنه استعمل الطلب في محاولة الوجود، ومع ذلك فيه حذف، والتقدير حاول وجوده حتى أدركه، (فانتزعها منه، فأقعى الذئب:) ألصق ألييه بالأرض، ونصب ساقيه وتساند إلى ظهره؛ كما في الصحاح وغيره، فقوله: (على ذنبه) ليس صلة أفعى؛ لأنه ليس من مسماه، فهو متعلق بمقدر، أي: واعتمد على ذنبه، أي: جعله بين رجليه، كما يفعل الكلب، ويفيد هذا ما يأتي في تفسير الاستنفار. (وقال) للراعي: (ألا) حرف استفتاح (تقي اللَّه:) تخافه وتحذره، (تنزع مني رزقاً،) وفي رواية: حلت بيني وبين رزق (ساقه الله إليّ) سخره لي بأن مكّنني منه، (فقال الراعي: يا عجبًا! ذئب مقع على ذنبه، يكلّمني بكلام الإنس،) وفي رواية: البشر، وهما بمعنى تعجّب منه إذ ليس شأنه، (فقال الذئب) مجيبًا له، زاد في رواية: أتعجب مني؟، قال: كيف لا أعجب من ذئب مستوفز ذنبه يتكلم، فقال الذئب: والله إنك لتترك أعجب من هذا، (ألا أخبرك بأعجب ٥٤٧ کلام الذئب وشهادته له ټ بالرسالة بيثرب يخبر الناس بأنباء ما قد سبق. قال: فأقبل الراعي يسوق غنمه حتى دخل المدينة، فزواها إلى زاوية من زواياها، ثم أتى عَّ فأخبره، فأمر رسول الله عَ لَّه فنودي بالصلاة جامعة، ثم خرج فقال الأعرابي: أخبرهم، فأخبرهم. من ذلك؟،) وفي رواية: أنا أخبرك بأعجب من كلامي، قال: وماذا أعجب؟، قال: (محمد بيثرب) اسم المدينة المنوّرة قديمًا، وصحّ النهي عن تسميتها به، (يخبر الناس بأنباء ما قد سبق) من الأمم السابقة وأحوالهم، وعبّر عن الأمم بما ليشمل ما وقع لغير العقلاء؛ كانفلاق البحر، وناقة صالح، وإنما كان أعجب، لأن الإخبار بالغيب معجز، فهو أعجب من نطق حيوان، أنطقه من أنطق كل شىء، لكن ليس العجب واقعًا على مجرد إخباره بذلك، بل على جحدهم وتكذيبهم له مع ظهور الآيات البينات على يديه، كما جاء في بعض طرق الحديث، ممّا ساقه في الشفاء وغيره، فقال: ألا أخبرك بأعجب من كلامي رسول اللَّه في النخلات بين الحجرتين، يحدث الناس عن نبأ ما سبق وما يكون بعد ذلك؟، وفي لفظ: يدعو الناس إلى الهدى وإلى الحق وهم يكذبونه، (قال) أبو سعيد: (فأقبل الراعي يسوق غنمه) المملوكة، ففي رواية كان يرعى غنمًا له، (حتى دخل المدينة فزواها،) براي منقوطة (إلى زاوية من زواياها،) أي: المدينة، (ثم أتى عَّةٍ، فأخبره،) وقد اختلف في اسم مكلّم الذئب المذكور، فقيل: أهبان بن أوس، وقيل: سلمة بن الأكوع، وأنه صاحب هذه القصة، وكانت سبب إسلامه، وقيل: أهبان بن الأكوع عم سلمة، وقيل: أهبان بن الأكوع بن عباد الخزاعي، وقيل: رافع بن ربيعة، وقيل: أهبان بن صيفي، وقيل: رافع بن عميرة الطائي، فإن كانت القصة تعددت، فلا خلف، قال ابن عبد البر وغيره: كلّم الذئب ثلاثة من الصحابة رافع بن عميرة، وسلمة بن الأكوع، وأهبان بن أوس، وروى البخاري في تاريخه، وأبو نعيم في الدلائل، عن أهبان بن أوس» قال: كنت في غنم لي، فشدّ الذئب على شاة منها، فصحت عليه، فأقعى الذئب على ذنبه يخاطبني، وقال: من لها يوم تشتغل عنها، تمنعني رزقًا رزقنيه اللَّه تعالى، فصفقت بيدي وقلت: واللَّه ما رأيت شيئًا أعجب من هذا، فقال: أعجب من هذا رسول اللَّه بين هذه الخلات، يدعو إلى اللَّه، فأتيت إليه وأخبرته وأسلمت، قال البخاري: إسناده ليس بالقوي، قال الحافظ: لأن فيه عبد الله بن عامر الأسلمي، وهو ضعيف. (فأمر رسول اللَّه عَّ فنودي بالصّلاة جامعة،) بنصبهما على الحكاية، والأوّل إغراء، والثاني حال، ويجوز رفعهما على الابتداء والخبر، ونصب الأوّل، ورفع الثاني وعكسه، قاله السيوطي وغيره في قول البخاري باب النداء بالصّلاة جامعة، (ثم خرج) من المحل الذي كان فيه حين أخبره الراعي، (فقال الأعرابي: أخبرهم) بما شاهدته ليسرّوا ويزداد إيمانهم، (فأخبرهم،) وقضية سياقه أن الأمر بذلك كان عقب إخباره وليس بمراد، فالفاء للتعقيب مع التراخي، كتزوج، ٥٤٨ كلام الذئب وشهادته له معَّد بالرسالة وأما حديث ابن عمر فأخرجه أبو سعد الماليني والبيهقي. وأمّا حديث أنس، فأخرجه أبو نعيم في الدلائل، وأما حديث أبي هريرة، فرواه سعيد بن منصور في سننه قال: جاء الذئب فأقعى بين يدي عَّهِ وجعل يبصبص بذنبه، فقال ◌َّ: هذا وافد الذئاب جاء يسألكم أن تجعلوا له من أموالكم شيئًا. قالوا والله لا نفعل، وأخذ رجل من القوم حجرًا ورماه به، فأدبر الذئب وله عواء، فقال ◌َّهِ: الذئب وما الذئب. فولد له، ففي حديث أبي هريرة عند أحمد، فقال له عَّه: ((إذا صلّيت الصبح معنا، فأخبر الناس بما رأيت))، فلمّا أصبح الرجل وصلّى الصبح، أمر عَّةِ فنودي بالصّلاة جامعة، ثم خرج، فقال للأعرابي: (أُخبرهم)، فأخبرهم، فقال عَّةِ: ((صدق، والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى يخرج، أي: الرجل من أهله فيخبره نعله، أو سوطه، أو عصاه بما أحدث أهله من بعده)). (وأما حديث ابن عمر، فأخرجه أبو سعد،) بفتح، فسكون، الحافظ، العالم، الزاهد أحمد بن محمد، بن أحمد، بن عبد اللَّه، بن حفص الأنصاري، الهروي، (الماليني،) بفتح الميم، وكسر اللام، وسكون التحتية، ونون، نسبة إلى مالين من أعمال هراة، سمع ابن عدي، والإسمعيلي، وابن نجيد، وأبا الشيخ وغيرهم، وعنه الخطيب، والبيهقي وخلق، وكان ثقة متقنًا، من كبار الصوفية، مات بمصر يوم الثلاثاء، سابع عشر شوّال، سنة اثنتي عشرة وأربعمائة، (والبيهقي) في الدلائل بنحوه. (وأما حديث أنس، فأخرجه أبو نعيم في الدلائل) النبوية بنحوه، (وأمّا حديث أبي هريرة،) وهو مروي على وجهين، أحدهما موافق لحديث أبي سعيد، وهو ما ذكره المصنّف بعد بقوله: وروى البغوي ... الخ، والثاني: قصة أخرى وقعت للذئب مع النبيّ معَُّله، وهو ما ذكره بقوله: (فرواه سعيد بن منصور) بن شعبة، أبو عثمان الخراساني، نزيل مكّة، مصنف، حافظ، مات سنة سبع وعشرين ومائتين، وقيل بعدها (في سننه). (قال) أبو هريرة: (جاء الذئب، فأقعى بين يدي النبيّ عَّهِ، وجعل يبصبص بذنبه،) أي: يحرّكه، يقال: بصبص الكلب بذنبه، إذا حرّكه؛ كما في القاموس، (فقال عَّ: هذا وافد الذئاب، جاء يسألكم أن تجعلوا له من أموالكم شيئاً،) لعلّه خاطبه بذلك أو أوحى إليه بالمعنى الذي جاء له الذئب أو أعلمه اللَّه، بأنه يريد بتحريك ذنبه ذلك، (قالوا: والله لا نفعل، وأخذ رجل من القوم حجرًا ورماه به،) خشية الحاجة، فيضجر المصطفى، فبادر إلى صرفه عنه، أو خشى أن يأمرهم بشيء للذئاب، فلا يستطيعون، (فأدبر الذئب وله عواء،) بالضم والمد، أي: صياح، (فقال عَّهُ: ((الذئب) خبر مبتدأ محذوف، أي: هذا الذئب قد رأيتموه، (وما الذئب))،) استفهام تفخيم لأمره، وأصله وما حاله، فوضع الظاهر موضع المضمر؛ لأنه أقوى في التفخيم على نحو: ﴿الحاقة ما الحاقة﴾. ٥٤٩ کلام الذئب وشهادته له ند بالرسالة وروى البغوي في شرح السنة وأحمد وأبو نعيم بسند صحيح عن أبي هريرة أيضًا قال: جاء ذئب إلى راعي غنم فأخذ منه شاة، فطلبه الراعي حتى انتزعها منه، قال فصعد الذئب على تل واستثفر وقال: عمدت إلى رزق رزقنيه الله أخذته انتزعته مني فقال الرجل: تالله إن رأيت كاليوم ذئب يتكلم، فقال الذئب: أعجب من هذا رجل في النخلات بين الحرتين يخبركم بما مضى وما هو كائن بعدكم، ولا تتبعونه، قال: وكان الرجل يهوديًا، فجاء إلى النبي عَّ فأخبره وأسلم فصدقه النبي ثم قال عَّه: إنها أمارات بيني يدي الساعة، قد أوشك الرجل أن يخرج فلا يرجع حتى يحدثه نعلاه وسوطه بما أحدث أهله بعد . قال القاضي عياض: في الشقاء وفي بعض الطرق عن أبي هريرة: قال الذئب أنت أعجب مني واقفًا على غنمك وتركت نبيًا (وروى البغوي في شرح السنّة، وأحمد،) والبزار، والبيهقي، (وأبو نعيم، بسند صحيح، عن أبي هريرة أيضًا، قال: جاء ذئب إلى راعي غنم، فأخذ منها شاة، فطلبه الراعي حتى انتزعها منه، قال: فصعد الذئب على تل،) بفوقية، ولام ثقيلة، معروف يجمع على تلال مثل سهم وسهام، (واستثفر) بإسكان المهملة والمثلثة، بينهما فوقية مفتوحة، ثم فاء، (وقال: عمدت) تصدّت وزنًا ومعنىّ، (إلى رزق رزقنيه اللَّه،) مكّنني منه، (أخذته) أنا، (التزعته) أنت (مني، فقال الرجل: تالله): قسم (إن) نافية، أي: ما (رأيت كاليوم) الكاف بمعنى مثل، أي: ما رأيت هذا اليوم (ذئب،) بالرفع جواب سؤال، مقدّر، كأنه قيل له: وما رأيت؟، فقال: الذي رأيت ذئب، وفي نسخ بالنصب، أي فقال رأيت ذئبًا (يتكلّم) بكلام الإنس، (فقال الذئب: أعجب من هذا،) أي: كلامي، (رجل في النخلات بين الحرتين،) بفتح المهملة، وشدّ الراء، وتاء التأنيث حِرّة، وهي ثنية مرتفعة ذات حجارة سود، كأنها أحرقت بالنار، (يخبركم بما مضى) من أخبار الأمم، (وما هو كائن بعدكم ولا تتّبعونه، قال: وكان الرجل يهوديًّا، فجاء إلى النبي عَُّ، فأخبره، وأسلم، فصدّقه النبيّ عَ لِّ، ثم قال عَّة) مشيرًا إلى ترك استغراب مثل ذلك: (إنها أمارات بين يدي الساعة، قد أوشك الرجل أن يخرج) من أهله، (فلا يرجع حتى يحدثه نعلاه وسوطه بما أحدث أهله بعد»،) بالضم، أي: بعد خروجه. (قال القاضي عياض في الشفاء: وفي بعض الطرق) بضمتين: جمع طريق، مجاز عن الروايات (عن أبي هريرة، قال الذئب) للراعي: (أنت،) أي: حالك (أعجب مني) من حالي في حال كونك (واقفًا على غنمك،) أي: راعيًا وحافظًا لها، (وقد (تركت نبيًّا،) فالجملة حالية ٥٥٠ کلام الذئب وشهادته له ێ بالرسالة لم يبعث الله قط أعظم منه عنده قدرًا، وقد فتحت له أبواب الجنة وأشرف على أصحابه ينظرون قتالهم وما بينك وبينه إلا هذا الشعب، فتصير في جنود الله. قال الراعي: من لي بغنمي؟ قال الذئب: أنا أرعاها حتى ترجع، فأسلم الرجل إليه غنمه ومضى، فذكر قصته وإسلامه ووجوده النبي عَّهُ يقاتل، فقال له النبي عَّه: عد إلى غنمك تجدها بوفرها، فوجدها كذلك، وذبح للذئب شاة منها. واستثفر : - بالسين والمثناة ثم المثلثة فاء وآخره راء- كاستفعل، أي جعل ذنبه بين رجليه كما يفعل الكلب. وقد روى ابن وهب مثل بتقدير قد، (لم يبعث اللَّه) نبيًّا (قطّ) من أنبيائه السابقة (أعظم، أجل (منه عنده قدرًا) منزلة، تمييز نسبة، (وقد فتحت) بالتحفيف والتشديد (له أبواب الجنّة،) جملة حالية أيضًا، (وأشرف على أصحابه، ينظرون قتالهم) وهم واقفون، فيه صفوفًا كصفوف الملائكة، وفيه أن الفتح حقيقي، لا مجاز عن التهيئة، والإعداد كما زعم، (وما بينك وبينه إلاّ هذا الشعب،) بكسر المعجمة، وسكون المهملة وموحدة، وهو: ما انفرج بين جبلين، يعني أنه قريب منك، لا عذر لك في التخلّف عنه، فيجب عليك الذهاب إليه، (فتصير) معدودًا (في جنود اللَّه،) حزبه المفلحين، فتخلفك مع هذا أعجب من نطقي الذي تعجّبت منه. (قال الراعي: من) يتكفّل (لي بغنمي) يحفظها أو من يرعاها إليّ، فمن استفهامية حتى أذهب إليه وأجيء، (قال الذئب: أنا أرعاها حتى ترجع) إليها من عنده، (فأسلم الرجل) الراعي (إليه))) إلى الذئب (غنمه، ومضى) إليه عَّةٍ، (فذكر) له (قصته) مع الذئب وما كلّمه به، (وإسلامه) الغنم له، (ووجوده النبيّ عَّهُ يقاتل؛) كما قاله الذئب، (فقال له النبيّ عَّ ◌ُلٌ) بعدما قصّ عليه وأسلم: ((عد إلى غنمك تجدها بوفرها))،) بفتح الواو، وسكون الفاء، بتمامها وكمالها، لم ينقص منها شيء من قولهم: أرض وافرة لم يرع نباتها كذا فشروه، وكأنّه مراد، وإلا فالوفر الإتمام لا التمام، والذي بمعناه الوفور؛ كما في المصباح وغيره، فعاد إليها، (فوجدها كذلك) تامّة لم ينقص منها شيء، (وذبح للذئب شاة منها،) جزاء له على صنيعه وإرشاده للهدی. (واستثفر، بالسين) المهملة، (والمثناة) الفوقية، (ثم المثلثة) تليها (فاء وآخره راء كاستفعل،) أي: بزنته، (أي جعل ذنبه بين رجليه، كما يفعل الكلب،) بيان للمراد باستثمار الذئب، وإن أطلق الاستثفار على معان أُخر في اللغة، ثم قال عياض: (وقد روى ابن وهب مثل ٥٥١ حديث الحمار هذا أنه جرى لأبي سفين بن حرب وصفوان بن أمية مع ذئب وجداه أخذ ظبيًا، فدخل الظبي الحرم فانصرف الذئب عنه فعجبا من ذلك فقال الذئب: أعجب من ذلك محمد بن عبد الله بالمدينة يدعوكم إلى الجنة وتدعونه إلى النار، فقال أبو سفين: واللات والعزى، لئن ذكرت هذا بمكة لتتركنها خلوفًا - بضم الخاء المعجمة - أي فاسدة متغيرة، يعني: يقع الفساد والتغير في أهلها. ومن ذلك حديث الحمار: اخراج ابن عساكر عن أبي منظور هذا) المذكور من كلام الذئب؛ (أَنَّه جرى لأبي سفين بن حرب) بدل من مثل هذا، (وصفوان بن أميّة) قبل إسلامهما (مع ذئب وجداه أخذ ظبيًا،) أي: أراد أخذه، فجرى خلفه من الحل ليأخذه بقرينة قوله: (فدخل الظبي الحر، فانصرف الذئب عنه؛) لأنه في الحرم المحرم صيده، أو أنه انفلت منه بعد أخذه، (فعجبًا من ذلك،) أي: من كون الذئب عرف حرمة الحرم، وكفّ عن صيد أمكنه، وليس من العقلاء، (فقال الذئب) لمّا سمع تعجّبهما، أو علمه من حالهما: (أعجب من ذلك) الفعل الواقع مني، (محمّد بن عبد الله) كائن (بالمدينة، يدعوكم إلى الجنّة) بدعائه إلى الإسلام المقتضى لدخولها، (وتدعونه إلى النار) بقولكم: لم لا توافقنا وتعبد آلهتنا مما هو سبب للخلود فيها، وكان هذا أعجب لمخالفته لما يقتضيه العقل، ونطق حيوان أعجم بقدرة اللَّه وإقداره، ليس بعجيب في النظر السديد والعقل السليم، وليس بأعجب من عبادة الحجارة، (فقال أبو سفين: واللات والعزّى لئن ذكرت،) بضمّ التاء، أي: أنا، وبفتحها، أي: أنت يا صفوان (هذا) الذي قاله الذئب في شأن محمّد (بمكّة) لأهلها، (لتتركتها خلوفًا، بضمّ الخاء المعجمة) واللام، وإسكان الواو وفاء، (أي: فاسدة متغيرة، يعني يقع الفساد والتغيّر في أهلها) بإسلامهم، فيغير دينهم الذي يزعمون أنه حق، وهو ضلال باطل من خلف، بمعنى تغيّر؛ كقوله عَّله: ((لخلوف فم الصائم))، أي: تغيّر ريحه، وقيل: معناه خالية من أهلها، بأن يسلموا ويهاجروا، إذ من سمع ذلك لا يتردّد في صحة رسالته وسعادة متبعه، من قولهم أتيت الحي، فوجدته خلوفًا، أي: ليس فيه أحد من الرجال بل النساء، ويقال لهن الخوالف، كما في التنزيل؛ لأنهنّ يخلفن الرجال، وما اقتصر عليه المصنف أظهر، لأن الفساد الذي زعموه لا يختص بالرجال، بل عندهم كل من أسلم فسد دينه، رجلاً كان أو امرأة. حديث الحمار (ومن ذلك،) أي كلام الحيوانات وطاعتها له (حديث الحمار،) إضافة لأدنى ملابسة، أي: الخبر المتعلّق بشأنه (إخراج ابن عساكر عن أبي منظور،) بفتح الميم، وسكون النون، ٥٥٢ حديث الحمار قال: لما فتح رسول الله مَّلِ خيبر أصاب حمارًا أسود، فكلم رسول الله عَ لّم. الحمار، فكلمه الحمار، فقال له رسول الله عَّ له: ما اسمك؟ قال: يزيد بن شهاب، أخرج الله من نسل جدي ستين حمارًا كلهم لا يركبه إلا نبي، وقد كنت أتوقعك أن تركبني، لم يبق من نسل جدي غيري ولا من الأنبياء غيرك وقد كنت قبلك الرجل يهودي وكنت أتعثر به عمدًا، وكان يجيع بطني ويضرب ظهري، فقال له النبي عێ: فأنت يعفور، وضمّ الظاء المعجمة، قال في الإصابة في الكنى: غير منسوب ذكره في خبرٍ واهٍ، (قال: لمّا فتح رسول اللَّه عَِّ خيبر أصاب حمار أسود، فكلّم رسول اللَّه عَ ◌ِّ الحمار، فكلّمه الحمار،) لعلّه علم بحاله، فابتدأه بالكلام ليظهر ما أخبره به، أو أوحى إليه بتكليمه، لظهور هذه المعجزة، (فقال له رسول اللّه مَّ: ((ما اسمك)؟،) من عطف المفصل على المجمل، بيان لما كلّمه به على نحو توضأ فغسل وجهه، (قال: يزيد بن شهاب،) اسم أبيه دنية على الظاهر، ويحتمل أنه جدّه الذي قال فيه: (أُخرج اللَّه من نسل جدي ستّين حمارًا،) يحتمل أنه اقتصر علی الستین، لوصفهم بقوله: (کلّھم لا یر کبہ إلا نبيّ،) فلا ینافي ان فیھم إناثًا لم یر کبها نبيّ، ويؤيّده أن في لفظ كان في آبائي ستّون، وكأنه ألهم ذلك، فنطق به على حدّ، وأوحى ربّك إلى النحل، وقد زاد في الجواب على السؤال التذاذًا بخطاب الرسول نظير قوله: ﴿هي عصاي﴾ [السورة الآية] الآية، فإنه يطال الكلام مع الأحبة تلذّذًا، أو ليرغب فيه، خوفًا أن يدفعه لغيره، ففيه حضّه على أخذه واختصاصه به، ولا يجعله غنيمة أو في الغنيمة، وعبّر بكلّهم، بميم الجمع الموضوعة للعقلاء، تشبيهًا لأصوله بالعقلاء، لشرفهم بركوب الأنبياء لهم، (وقد كنت أتوقّعك أن تركبني،) بدل اشتمال من الكاف في أتوقّعك؛ لأنه (لم يبقَ من نسل جدّي غيري،) قد يشعر بأنه من جملة الستّين، (ولا من الأنبياء غيرك،) فلذا كنت أتوقّع ركوبك، وظاهرًا، وصريح قوله: لا يركبه إلاّ نبيّ، الحصر فينا في قوله: (وقد كنت قبلك،) أي قبل وجودك بخيبر، أو قبل اختصاصي بك، رجاء أن لا يأخذه إلا هو، فلا يردّ أنه لم يذكر أنه اختصّ به حتى يقول قبلك، (لرجل يهودي) يركبني، بناء على أنه من السّين، إلاّ أن يكون الحصر بناء على الغالب، أو المعنى لا يعدّه لركوبه ويقتصر عليه إلاّ نبي دون غيره، أو أنه سلب الحكم عن الجملة، فهو من سلب العموم، لا عموم السلب، (وكنت أتعثّر به عمدًا،) أي أتكلّف العثار، كراهة لركوبه عليّ، (وكان يجيع بطني ويضرب ظهري،) كناية عن أذاه أعمّ من كونه يضرب ظهره، أو بالنخس أو بغيرهما، (فقال له النبيّ عَّهِ: ((فأنت) اسمك (يعفور،) مفرع على عثاره؛ لأنه يثير الغبار، أو لأنه أسود فشبّهه، بالتراب، فسمّاه يعفورًا، كذا تكلّف، وقد قدّم في دوابه عليه السّلام قول ٥٥٣ حديث الحمار فكان عَِّ يبعثه إلى باب الرجل فيأتي الباب فيقرعه برأسه فإذا خرج إليه صاحب الدر أومأ إليه أن أجب رسول الله، فلما قبض رسول الله عَّه جاء إلى بئر كانت لأبي الهيثم بن التيهان فتردى فيها جزءا على رسول الله عَُّله. ورواه أبو نعيم بنحوه من حديث معاذ بن جبل، لكن الحديث مطعون فيه. وذكره ابن الجوزي في الموضوعات. وفي معجزاته عليه الصلاة والسلام ما هو أعظم من كلام الحمار وغيره. الحافظ وغيره يعفور بالصّرف، اسم ولد الظبي؛ كأنه سمّى بذلك لسرعته، وقيل: تشبيهًا في عدوّه باليعفور، وهو الخشف، أي ولد الظبي وولد البقر الوحشية، انتهى. وفي التلمساني: منون مصروف، وروي بمنع الصرف للعلمية ووزن الفعل كيعقوب وتعقّب بأن زيادة الواو أخرجته عن شبه الفعل، فالظاهر صرفه، ويعقوب إنما منع للعلمية والعجمة، لا لوزن الفعل ألا ترى أن يعفر، بضم الياء يصرف، لأنه قد زال عنه شبه الفعل؛ كما في الصحاح، وليس في أوزان الفعل يفعول، (فكان عَِّ يبعثه إلى باب الرجل) من أصحابه، (فيأتي الباب فيقرعه:) يضربه (برأسه، فإذا خرج إليه صاحب الدار أومأ إليه) برأسه (أن أجب رسول اللَّه)) وفهم مراد المصطفى عَِّ، بإلهام من اللَّه، فهو معجزة، إذ سخّره له وفهم مراده، (فلما قبض رسول اللَّه ◌َظِّ جاء إلى بئر كانت لأبي الهيثم بن التيهان،) بفتح الفوقية، وكسر التحتية المشدّدة، وهاء، فألف، فنون الصحابي، الجليل، المشهور، (فتردّى،) ألقى نفسه وطرحها (فيها جزعًا على رسول اللَّه عَ لِ))) فمات وكانت قبره؛ كما عند ابن حبان في الضعفاء. وقال الواقدي: مات يعفور منصرف النبيّ عَّهُ من حجّة الوداع، وبه جزم الثوري عن ابن الصّلاح، (ورواه أبو نعيم بنحوه من حديث معاذ بن جبل، لكن الحديث مطعون فيه،) أخرجه ابن حبان في الضعفاء، وقال: لا أصل له، وليس سنده بشىء، وأبو موسى المديني في الصحابة، قال: وهذا حديث منكر جدًا، إسنادًا ومتًا، لا أحلّ لأحد أن يرويه عنّي إلاّ مع كلامي عليه، وهو في كتاب بركة النبيّ معَّه، تخريج أبي طاهر المخلص. (وذكره ابن الجوزي في الموضوعات،) وتعقّب بأنه شديد الضعف فقط؛ كما قال في الإصابة إسناده واهٍ لا موضوع، (وفي معجزاته عليه الصّلاة والسّلام ما هو أعظم من كلام الحمار وغيره،) وليس فيه ما ينكر شرعًا، فلا بدع في وقوعه له، فنهايته الضعف لا الوقع على قياس قول المصنف بعد في الضبّ. وقال شيخنا، أي فبتقدير كون كلام الحمار لا أصل له، لا ينقص ذلك من مقامه شيئًا، ٥٥٤ حديث الحمار ومن ذلك: من حديث الضب، وهو مشهور على الألسنة، ورواه البيهقي في أحاديث كثيرة، لكنه حديث غريب ضعيب. قال المزي: لا يصح إسنادًا ولا متنا، وذكره القاضي عياض في الشفاء، وقد روي من حديث ابن عمر أن النبي عَّة. كان في محفل من أصحابه، إذ جاءه أعرابي من بني سليم قد صاد ضبًا جعله في كمه ليذهب به إلى رحله فيشويه ويأكله، فلما رأى الجماعة قال من هذا؟ قالوا: نبي الله، لكثرة معجزاته وعظمتها، وفيه: أن مسلمًا لا يتوهم نقصًا حتى ينصّ على نفيه، (ومن ذلك حديث الضب) بفتح المعجمة وموحدة ثقيلة حيوان بري يشبه الورل قال ابن خالويه لا يشرب الماء ويعيش سبعمائة سنة فصاعدا، ويقال انه يبول في كا اربعين يوما قطرة ولا يسقط له سن ويقال ات اسنانه قطعة واحدة ليست متفرقة ويرجع في قيئه كاكلب ويأكل رجيعه وهو طويل الدماء بعد الذبح وهشم الرأس يمكث ليلة ويلقى في النار فيتحرك كما في حياة الحيوان (وهو مشهور على الألسنة ورواه البيهقي في أحاديث كثيرة لكنه حديث غريب ضعيف). (قال) الحافظ أبو الحجاج، جمال الدين، يوسف بن الذكي، عبد الرحمن، الحلبي الأصل، الدمشقي الدار والمنشأ، (المزي،) بكسر الميم، وتشديد الزاي المكسورة، نسبة إلى المزّة: قرية بدمشق، ولد بحلب سنة أربع وخمسين وستمائة، ونشأ بالمزّة، وتفقّه قليلاً، ثم أقبل على الحديث، ورحل، وسمع الكثير، ونظر اللغة ومهر فيها، وفي التصريف، وقرأ العربية. وأمّا معرفة الرجال، فهو حامل لوائها والقائم بأعبائها، لم ترَ العيون مثله صنف تهذيب الكمال والأطراف، وأملى مجالس، وأوضح مشكلات ومعضلات، ما سبق إليها من علم الحديث ورجاله، وولّى مشيخة دار الحديث الأشرفية، مات يوم السبت، ثاني عشر صفر، سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة، (لا يصحّ إسنادًا) لضعف رواته، (ولا متنا،) وهو لفظ الحديث، (وذكره القاضي عياض في الشفاء،) فقال: (وقد روى) عند الطبراني، والبيهقي، وشيخه الاكم وشيخه ابن عديّ، كلّهم (من حديث ابن عمر؛ أن النبيّ ◌َّ. كان في محفل،) بفتح الميم، وسكون المهملة، وكسر الغاء: جمع كثير، (من أصحابه، إذ جاءه أعرابي،) أي دخل عليهم بغتة رجل من البادية لا يعرف (من بني سليم،) بضمّ، ففتح (قد صاد ضيّا) جملة حالية، (جعله في كمّه ليذهب به إلى رحله فيشويه ويأكله) على عادة الأعراب، (فلما رأى الجماعة) الصحابة، (قال) لهم: (من هذا؟،) لأنه ينكره أو لم يعرفه، (قالوا: نبيّ اللّه) ولفظ الدارقطني ومن بعده، فقال: على من هؤلاء الجماعة؟، فقالوا: على هذا الذي، يزعم أنه نبيّ، فأتاه، فقال: يا محمّد! ما اشتملت النساء على ذي لهجة أكذب منك، فلولا أن تسمين العرب عجولاً، لقتلتك ولسررت الناس بقتلك أجمعين، فقال عمر: يا رسول اللَّه! دعني أقتله، فقال عَّ له: (أما علمت أن ٥٥٥ حديث الحمار فأخرج الضب من كمه وقال: واللات والعزى لا آمنت بك أو يؤمن هذا الضب. وطرحه بين يدي رسول الله عَّةِ، فقال النبي عَلِ: يا ضب، فأجابه بلسان مبين يسمعه القوم جميعًا: لبيك وسعديك يا زين من وافى القيامة، قال: من تعبد؟ قال: الذي في السماء عرشه وفي الأرض سلطانه وفي البحر سبيله وفي الجنة رحمته وفي النار عقابه، قال: فمن أنا؟ قال: رسول رب العالمين وخاتم النبيين، وقد أفلح من صدقك وخاب من كذبك الحليم كاد أن يكون نبيًّا»، ثم أقبل الأعرابي على رسول اللَّه، (فأخرج الضبّ من كمّه، وقال: واللات والعزى:) صنمان عبدا في الجاهلية، (لا آمنت بك،) أي: بأنك رسول اللّه، (أو يؤمن) بالنصب، أي إلى، أو إلا، وفي رواية: حتى يؤمن (هذا الضب،) فأؤمن أنا بك أيضًا لمشاهدة المعجزة، (وطرحه بين يدي رسول اللَّه عَّةٍ)، أي في مقابلته قريبًا منه، (فقال النبيّ عْـ (يا ضبّ))،) بالضمّ، منادى مفرد، (فأجابه بلسان مبين،) كلامه أو بكلام ظاهر مفهوم. وفي رواية الدارقطني ومن معه: فكلّمه الضبّ، بلسان طلق، فصيح، عربي مبين، (يسمعه،) وفي رواية: يفهمه (القوم) الذين عنده (جميعًا لبّيك،) مثنى منصوب على المصدرية، أي إجابة لك بعد إجابة (وسعديك،) أي مساعدة وطاعة لك بعد طاعة (يا زين،) أي من يزيّن ويحسن كل (من وافى) حضر (القيامة،) جعله مزينًا لأهلها ومن بها، لأنه سيّدهم، وقائدهم، والشفيع فيهم، وهذه العبارة شائعة في لسان عامّة العرب، يقولون: يا زين القوم لأشرفهم وأحسنهم، (قال) عَّةُ: ((من تعبّد،) سأله ليقرّ بعبوديّة اللَّه، فوصفه بما يعرفه كل أحدا، إذ (قال:) أعبد (الذي في السماء عرشه،) المراد بالسماء: ما قابل الأرض أو جهة العلوّ، فلا ينافي أن العرش فوق السموات، كما قال: ﴿وسع كرسيّه السموات والأرض﴾ الآية، (وفي الأرض سلطانه،) أي يظهر عدله وحكمه وقهره لمن فيها من الثقلين وسلطانه، وإن كان على كل موجود لكن ظهوره فيمن قد يخالف ظاهر فيها، (وفي البحر سبيله:) طريقه التي جعلها مسلوكة لعباده، بتسخير الريح ونحوه، مما لا يقدر عليه غيره؛ كما قال تعالى: ﴿وهو الذي يسيّركم في البرّ والبحر﴾ الآية، ولذا كان الكفّار لا يدعون فيه سواه، كما قال: ﴿فإذا ركبوا في الفلك دعو اللَّه مخلصين له الدين﴾ [العنكبوت/٥٦]، الآية. وقال التلمساني: معناه واضح قدرته، أي ما يدلّ على كمال قدرته وباهر آياته، أو معناه سبيل عباده الذين يستدلّون بصنعه عليه سبحانه، (وفي الجنّة رحمته) المختصّة، العظيمة الباقية، وإن كان رحيم الدنيا والآخرة، (وفي النار عقابه،) وفي رواية: عذابه، فلإيمانه باللَّه، وصفه بما هو مختصّ به، دالٌ على عظمته، (قال) ليكمل إيمانه، (فمن أنا؟، قال رسول ربّ العالمين،) إشارة إلى عموم رسالته لكل موجود حتى الحيوان والجماد، و(خاتم النبيّين،) فلا نبيّ بعدك، (وقد ٥٥٦ حديث الحمار فأسلم الأعرابي. الحديث بطوله، وهو مطعون فيه وقيل إنه موضوع. لكن معجزاته عليه أفلح،) فاز بسعادة الدارين (من صدّقك:) أقرّ برسالتك، (وخاب:) لم ينجح، ولم يظفر بالمأمول (من كذّبك) بإنكار رسالتك، وعدم إجابة دعوتك، (فأسلم الأعرابي) لما رأى المعجزة البيّنة، وعلم علمًا ضروريًا بتوحيد اللَّه؛ وأنه رسوله، (الحديث بطوله) تتمّته عند الدارقطني وابن عدي، ومن بينهما: فقال الأعرابي: أشهد أن لا إله إلّ اللَّه، وأنّك رسول اللَّه حقًّا، ولقد أتيتك وما على وجه الأرض أحد هو أبغض إليّ منك، وواللَّه لأنت الساعة أحبّ إليّ من نفسي، وولدي، وشعري، فقد آمن بك شعري، وبشري، داخلي، وخارجي، وسرّي وعلانيتي، فقال ◌َّةِ: (الحمد لله الذي هداك إلى هذا الدين الذي يعلو ولا يعلى عليه، ولا يقبله اللَّه إلّ بصلاة، ولا يقبل الصّلاة إلاّ بقرءان»، قال: فعلّمني، فعلّمه عَّلِّ الفاتحة والإخلاص، فقال: يا رسول اللَّه! ما سمعت في البسيط، ولا في الوجيز أحسن من هذا، فقال عَّهِ: «هذا كلام ربّ العالمين وليس بشعر، إذا قرأت ﴿قل هو الله أحد﴾ الآية، مرّة، فكأنما قرأت ثلث القرءان، وإن قرأتها مرّتين، فكأنما قرأت ثلثي القرءان، وإن قرأتها ثلاثًا، فكأنما قرأت القرءان كلّه))، فقال الأعرابي: نعم، الإله إلهنا، يقبل اليسير ويعطي الكثير، ثم قال عَّه: ((ألك مال))؟، فقال: ما في سليم قاطبة أفقر مني، فقال لأصحابه: (أعطوه))، فأعطوه حتى أثروه، فقال عبد الرحمن بن عوف: إني أعطيه يا رسول اللَّه ناقة عشراء، أهديت إليّ يوم تبوك، تَلحق ولا تُلحق، أتقرّب بها إلى اللَّه دون البختى وفوق العرابي، فقال عَّله: ((قد وصفت ما تعطي، فأصف لك ما يعطيك اللَّه))، قال: نعم، قال: ((لك ناقة من درّة جوفاء، قوائمها من زمر أخضر، وعنقها من زبرجد أصفر، عليها هودج، وعلى الهودج السندس والاستبرق، تمرّ بك على الصّراط، كالبرق الخاطف))، فخرج الأعرابي من عند رسول اللَّه، فتلقاه ألف أعرابي من بني سليم، على ألف دابة، بألف رمح وألف سيف، فقال لهم: أين تريدون؟، فقالوا: نريد هذا الذي يكذب، ويزعم أنه نبيّ، فقال الأعرابي: إني أشهد أن لا إله إلاّ اللّه، وأنّ محمدًا رسول اللَّه، فقالوا: صبوت فحدّثهم بحديثه، فقالوا كلّهم: لا إله إلّ اللَّه محمد رسول اللَّه ثم أتوا النبيّ عَ له، فتلقّاهم بلا رداء، فنزلوا عن ركائبهم يقبلون ما ولوا منه، وهم يقولون: لا إله إلاّ اللَّه، محمّد رسول اللَّه، وقالوا: يا رسول اللَّه مرنا بأمرك، قال: كونوا تحت راية خالد بن الوليد، قال ابن عمر: فلم يؤمن في أيامه عَّ من العرب، ولا من غيرهم ألف غيرهم، (وهو مطعون فيه) بالضعف. (وقيل: إنه موضوع،) زعم ذلك ابن دحية، وليس كما زعم، قال القطب الخيضري: رجال أسانيده وطرقه ليس فيهم من يتّهم بالوضع، وأمّا الضعف، ففيهم ومثل ذلك لا يتجاسر على دعوى الوضع فيه، (لكن معجزاته عليه الصّلاة والسّلام فيها ما هو أبلغ من هذا،) فلا ٥٥٧ حديث الغزالة الصلاة والسلام فيها ما هو أبلغ من هذا وليس فيه ما ينكر شرعًا خصوصًا وقد رواه الأئمة فنهايته الضعف لا الوضع، والله أعلم. حديث الغزالة ومن ذلك: حديث الغزالة. روى حديثها البيهقي من طرق، وضعفه جماعة من الأئمة، لكن له طرق يقوي بعضها بعضًا. وذكره القاضي عياض في الشفاء، ورواه أبو نعيم في الدلائل بإسناد فيه مجاهيل، عن حبيب بن محصن عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: بينما رسول الله علّ في صحراء من الأرض، إذا هاتف يهتف: بدع في كون هذا منها، (وليس فيه ما ينكر شرعًا، خصوصًا وقد رواه الأئمّة) الحفّاظ الكبار، كابن عدي وتلميذه الحاكم، وتلميذه البيهقي، وهو لا يروى موضوعًا والدارقطني وناهيك به، (فنهايته الضعف لا الوضع،) كما زعم كيف، ولحديث ابن عمر طريق آخر، ليس فيه السلمي، رواه أبو نعيم، وورد مثله من حديث عليّ عند ابن عساكر، وابن عباس، رواه ابن الجوزي، ومن حديث عائشة، وأبي هريرة عند غيرهما، (واللَّه أعلم) بما في نفس الأمر. حديث الغزالة (ومن ذلك حديث الغزالة،) أي كلامها له، وأمّا تسليمها المشهور على الألسنة وفي المدائح، فقال السخاوي: ليس له، كما قال ابن كثير أصل، ومن نسبه إلى النبيّ عَّ له، فقد كذّب، ولكن ورد الكلام في الجملة، وفي فتح الباري، وأمّا تسليم الغزالة، فلم أجد له إسناد إلاّ من وجه قوي، ولا من وجه ضعيف. (روى حديثها البيهقي من طرق،) من حديث أبي سعيد، (وضعّفه جماعة من الأئمة) حفاظ الحديث ونقّده، (لكن له طرق يقوّي بعضها بعضًا؛) لأن الطرق إذا تعدّدت، وتباينت مخارجها، دلّ ذلك على أن للحديث أصلاً، فيكون حسنًا لغيره لا لذاته، (وذكره القاضي عياض في الشفاء) بلا سند، عن أُمّ سلمة بدون تمريض، فيدلّ على قوّته، (ورواه أبو نعيم في الدلائلٍ) النبويّة، (بإسناد فيه مجاهيل، عن حبيب بن محصن، عن أُمّ سلمة،) هند بنت أبي أُميّة، أُمّ المؤمنين (رضي اللَّه عنها، قالت: بينما رسول اللَّه عَّه في صحراء من الأرض،) وفي حديث أنس عند أبي نعيم: كنّا مع رسول اللَّه عَّهُ في بعض سكك المدينة، فمررنا بخباء، وإذا بظبية مشدودة إلى الخباء، فكأن السكّة التي مرّ بها كانت واسعة، فسمّاها صحراء مجازًا، ومرورهم بالخباء بعد سماع الهاتف، فلا يخالف قوله: (إذا هاتف يهتف،) صائح يصيح بالنطق: ٥٥٨ حديث الغزالةر يا رسول الله ثلاث مرات فالتفت فإذا ظبية مشدودة في وثاق، وأعرابي منجدل في شملة نائم في الشمس، فقال: ما حاجتك؟ قالت: صادني هذا الأعرابي، ولي خشفان في ذلك الجبل فأطلقني حتى أذهب فأرضعهما وأرجع، قال: وتفعلين؟ قالت: عذبني الله عذاب العشار إن لم أعد، فأطلقها فذهبت ورجعت فأوثقها النبي عَّ له فانتبه الأعرابي وقال: يا رسول الله ألك حاجة؟ قال: تطلق هذه الظبية، (يا رسول اللَّه، ثلاث مرّات، فالتفت، فإذا ظبية مشدودة في وثاق، وأعرابي منجدل،) مطروح على الجدالة: الأرض (في شملة نائم في الشمس، فقال: ((ما حاجتك))؟،) حتى ناديتني، (قالت: صادني هذا الأعرابي،) وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي: مرّعَّ على قوم قد صادوا ظبية وشدّوها إلى عمود فسطاط، فقالت: يا رسول اللَّه! إني وضعت، ولي خشفان، فاستأذن لي أن أرضعهما، ثم أعود إليهم، فقال: ((خلّوا عنها حتى تأتي خشفيها فترضعهما، وتأتي إليكم)، قالوا: ومن لنا بذلك يا رسول اللَّه؟، قال: ((أنا))، فأطلقوها، فذهب فأرضعتهما، ثم عادت إليهم، فأوثقوها، فإن كانت القصّة تعدّدت، وإلا فيمكن أن صائدها واحد من القوم له ولهم، فنسب إليهم في رواية أبي سعيد ذلك، واختبرته نفس الظبية بخصوص من صادها، ولا تنافي بين قوله: فأطلقوها، وبين كون المصطفى هو الذي أطلقها في حديث أُمّ سلمة لجواز ان نسبته إليهم مجازية؛ لكونه عن إذنهم، وكأنه لما استأذنهم، وضمن لهم عودها، طلبوا منه أن يطلقها بنفسه لتطمئنّ قلوبهم، وكذا قوله: فأوثقوها لا ينافي حديث أمّ سلمة، فأوثقها النبيّ؛ لجواز أنه أمرهم بإيثاقها، فنسب إليه، (ولي خشفان،) بكسر الخاء، وسكون الشين المعجمتين: ظبيان صغيران قرب ولادتهما (في ذلك الجبل،) تشير لجبل بتلك الصحراء، (فأطلقني حتى أذهب فأرضعهما وأرجع،) بنصب الأفعال الثلاثة، (قال: وتفعلين) بتقدير الهمزة، أي ترجعين إن أطلقتك، (قالت: عذّبني اللَّه عذاب العشار،) المكاس (إن لم أعد،) وفي حديث أنس عند أبي نعيم، فقالت: يا رسول اللَّه! أخذت ولي خشفان في البرية، وقد انعقد اللبن في أخلافي، فلا هو يذبحني فأستريح ولا يدعني فأرجع إلى خشفي في البرية، فقال لها: ((إن تركتك ترجعين))؟، قالت: نعم، وإلّ عذّبني اللَّه عذابًا أليمًا، (فأطلقها، فذهبت) فأرضعتهما، (ورجعت) عن قرب، (فأوثقها النبيّ عٍَّ)) كما كانت، (فانتبه الأعرابي) من نومه، (وقال: يا رسول اللّه! ألك حاجة؟، قال: ((تطلق هذه الظبية))، فأطلقها) من وثاقها. وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي في السنن بعد قوله: فأوثقوها، فمرّ بهم رسول اللَّه، فقال: ((أين أصحاب ((هذه)؟، قالوا: نحن يا رسول الله، فقال: ((أتبيعونها))؟، قالوا: هي لك، قال: ((خلّو عنها))، فأطلقوها، (فخرجت تعدو في الصحراء،) تجري جريًا شديدًا (فرحًا، وهي تضرب ٥٥٩ حديث الغزالة فأطلقها فخرجت تعدو في الصحراء فرحًا وهي تضرب برجليها الأرض وتقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. وكذا رواه الطبراني بنحوه، وساق الحافظ المنذري حديثه في الترغيب والترهيب من باب الزكاة. ونقل شيخنا الحافظ أبو الخير السخاوي عن ابن كثير: أنه لا أصل له، وأن من نسبه إلى النبي عَّ فقد كذب، ثم قال شيخنا: لكنه في الجملة وارد في عدة أحاديث يتقوّى بعضها ببعض أوردها شيخنا شيخ الإسلام ابن حجر الحافظ في المجلس الحادي والستين من تخريج أحاديث المختصر والله أعلم. انتھی. برجليها الأرض، وتقول: أشهد أن لا إله إلاّ اللّه، وأتك رسول اللَّه)) وقال زيد بن أرقم: فأنا واللَّه رأيتها تسبح في البرية، وهي تقول: لا إله إلّ اللَّه محمد رسول اللَّه، (وكذا رواه الطبراني بنحوه) من حديث أمّ سلمة، (وساق الحافظ المنذري حديثه،) أي: لفظ الطبراني (في الترغيب والترهيب من باب الزكاة،) ولا يخفاك ما في حديثها وحديث أبي سعيد من التغاير العديد المقتضي، لأنهما قصّتان، وقد بيّنا لك بعضها مع تعسف الجمع. وروى البيهقي في الدلائل: مرّالنبيّ عَّ بظبية مربوطة إلى خباء، فقالت: يا رسول اللَّه! حلّني حتى أذهب إلى خشفي، ثم أرجع فتربطني، فقال عَّهِ: ((صيد قوم وربطه قوم))، فأخذ عليها، فحلفت له، فحلّها، فما مكثت إلّ قليلاً حتى جاءت، وقد نقصت ما في ضرعها، فربطها عَّله، ثم أتى خباء أصحابها، فاستوهبها منهم، فوهبوها له فحلّها، ثم قال: ((لو علمت البهائم من الموت ما تعلمون، ما أكلتم منها سمينًا أبدًا)). (ونقل شيخنا الحافظ أبو الخير،) محمد بن عبد الرحمن (السخاوي) في كتاب المقاصد الحسنة، (عن ابن كثير؛ أنه لا أصل له، وإن من نسبه إلى النبيّ عٍَّ فقد كذب،) لفظ السخاوي: حديث تسليم الغزالة اشتهر على الألسنة، وفي المدائح النبويّة، وليس كما قال ابن كثير أصل، ومن نسبه إلى النبيّ عَّهِ فقد كذب، (ثم قال شيخنا) تلوهذا: (لكنّه،) أي الكلام (في الجملة وارد في عدّة أحاديث، يتقوّى بعضها ببعض، أوردها شيخنا شيخ الإسلام ابن حجر، الحافظ في المجلس الحادي والستّين من تخريج أحاديث المختصر) الكبير في الأصول لابن الحاجب، (واللَّه أعلم، انتهى) فهما أمران، كلاهما له، وهذا مفرداته ضعيفة، فيجير بعضها بعضًا، وتسليمها عليه، أي قولها السلام عليك يا رسول اللَّه مثلاً، وهذا لم يرد؛ كما قال ابن كثير خلاف ما يعطيه تصرف المصنف أنه قاله في الكلام. ٥٦٠ طاعة داجن البيوت له معَّة. وفي شرح مختصر ابن الحاجب للعلامة ابن السبكي، وتسبيح الحصى رواه الطبراني وابن أبي عاصم من حديث أبي ذر، وتسليم الغزالة رواه الحافظ أبو نعيم الأصبهاني والبيهقي في دلائل النبوة، ونحن نقول فيهما: إنهما لم يكونا متواترين فلعلهما استغني بنقل غيرهما، أو لعلهما تواترا إذ ذاك، انتهى. طاعة داجن البيوت له به ومن ذلك، داجن البيوت، وهو ما ألفها من الحيوان، كالطير والشاة وغيرهما، روى قُسم بن ثابت عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان عندنا داجن، فإذا كان عندنا رسول الله عَّ قر وثبت مكانه، فلم يجىء ولم يذهب، وإذا خرج (وفي شرح مختصر ابن الحاجب، للعلامة ابن السبكي، وتسبيح الحصى رواه الطبراني، وابن أبي عاصم من حديث أبي ذرّ الغفاري، وقد تقدّم، (وتسليم الغزالة) مجاز عن الكلام، إذ هو الذي (رواه الحافظ أبو نعيم الأصبهاني،) وكذا الطبراني عن أُمّ سلمة، (والبيهقي) عن أبي سعيد الخدري (في دلائل النبوة،) لهما، وكذا رواه البيهقي في السنن عن أبي سعيد، (ونحن نقول فيهما إنهما وإن لم يكونا اليوم متواترين فلعلّهما استغني بنقل غيرهما) عنهما، وهو القرءان متواترًا؛ كما قاله ابن الحاجب جوابًا لقول الشيعة: كيف ينقل آحادًا مع توفّر الدواعي على نقله، ومع ذلك لم تكذب رواته، (أو لعلّهما تواترًا إذ ذاك) ثم انقطع التواتر بعد، (انتهى). قال الحافظ: والذي أقوله إنها كلّها مشتهرة عند الناس، وأمّا من حيث الرواية، فليست على حدّ سواء، وقد مرّت عبارته بتمامها في تسبيح الحصى. طاعة داجن البيوت له عليه. (ومن ذلك،) أي طاعات الحيوانات (داجن،) بدال مهملة، ثم جيم (البيوت) من دجن، إذا أقام بموضع تربى فيه ليسمن، ويقال: رجن، بالراء بدل الدال إذا أقام، (وهو ما ألفها من الحيوان، كالطير والشاة وغيرهما،) كالناقة، (روى قسم بن ثابت) السرقطي الأندلسي، الفقيه المالكي، المحدث المشارك، لأبيه، الحافظ، ثابت بن حزم في رحلته وشيوخه، الورع، الناسك، مجاب الدعوة، مات سنة اثنتين وثلاثمائة. (عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان عندنا) منزلنا الذي نسکنه (داجن، فإذا كان عندنا رسول اللَّه عَُّ قرّ) بالقاف المفتوحة، والراء الثقيلة، أي سكن، (وثبت مكانه،) أي وقف أو ربض فيه، لا يتحرّك أدبًا معه، (فلم يجىء، ولم يذهب، وإذا خرج رسول اللَّه عَظّ جاء وذهب) أي