النص المفهرس

صفحات 501-520

٥٠١
تسبيح الطعام والحصى في كفّه الشريف عَّه.
ونقله عنه الحافظ أبو الفضل في فتح الباري.
واعلم أن التسبيح من قبيل الألفاظ الدالة على معنى التنزيه. واللفظ يوجد
حقيقة ممن قام به اللفظ، فيكون في غير من قام به مجازًا، فالطعام والحصا
والشجر ونحو ذلك، كل منها متكلم باعتبار خلق الكلام فيها حقيقة، وهذا من
قبيل خرق العادة.
وفي قوله: ((ونحن نسمع تسبيحة)) تصريح بكرامة الصحابة بسماع هذا
التسبيح وفهمه وذلك ببركته عليه.
ومن ذلك تسليم الحجر عليه من له:
عليه، (و)من ثمّ (نقله عنه الحافظ أبو الفضل في فتح الباري،) في شرح حديث ابن مسعود.
(واعلم: أن التسبيح من قبيل الألفاظ الدالّة على معنى التنزيه، واللفظ يوجد حقيقة
ممّن قام به اللفظ،) وهو الحيوان الناطق، (فيكون في غير من قام به مجازًا) علاقته المشابهة
في النطق، (فالطعام والحصى والشجر ونحو ذلك، كل منها متكلّم، باعتبار خلق الكلام،)
أي: التلفّظ مع حياة حلّته أو بدونها يحتمل لأمرين، إذ لا تلازم بين الحياة والنطق (فيها حقيقة،
وهذا من قبيل خرق العادة،) إذ خلق اللَّه فيها النطق بما تنزهه به، لا أنه عبارة عن أحد كان
يسبّح حين أحضر الطعام أو الحصيات ونحوهما؛ لأنه خروج عن الظاهر بلا دليل، وخوارق
العادات لا تقاس بالمعهودات.
(وفي قوله: ونحن نسمع تسبيحه، تصريح بكرامة الصحابة بسماع هذا التسبيح
وفهمه،) مع أنه ليس بمعهود، (وذلك ببركته عَّه(،) حيث سرّى سرّه إليهم، وهي أعظم من
معجزة داود عليه السلام في تسبيح الجبال معه؛ لأنها لم تسبّح بيده، بخلاف نبيّنا، فسبحت
بيده ويد من أراده من أمّته، وتسبيح الطعام أعظم منهما، إذ لم يعهد مثله، والجبال قد وصفت
بالخضوع والخشوع، ومن فهم سليمن منطق الطير؛ لأنه ناطق في الجملة بخلاف الطعام، واللَّه
أعلم.
(ومن ذلك تسليم الحجر عليه عَّ له) قال ابن سيّد الناس: يحتمل أن يكون هذا
التسليم حقيقة، ويكون اللَّه أنطقه بذلك؛ كما خلق الحنين في الجذع، ويحتمل أن يكون
مضافًا إلى ملائكة يسكنون هناك من باب: ﴿واسأل القرية﴾ الآية، فيكون من مجاز الحذف،
وهو علم ظاهر من أعلام نبوّته على كلا التقريرين، انتهى. وبالأوّل جزم النووي، فقال في شرح
مسلم: سلامه حقيقة، وقيل في قوله تعالى: ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده﴾ الآية، أنه،

٥٠٢
تسبيح الطعام والحصى في كفّه الشريف عليّ.
خرج مسلم من حديث جابر بن سمرة قال: قال رسول الله عَّة: إني لأعرف حجرًا
بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن.
وقد اختلف في هذا الحجر، فقيل: هو في الحجر الأسود، وقيل: هو حجر
غيره بزقاق يعرف به بمكة، والناس يتبركون بلمسه، ويقولون: إنه هو الذي كان
يسلم على النبي عَّةِ متى اجتاز به.
وقد ذکر الإمام أبو عبد الله، محمد بن رشید - بضم الراء- في رحلته
حقيقة بتمييز يخلقه اللَّه تعالى، ونقله الأبي وأقرّه.
(خرّج مسلم من حديث جابر بن سمرة،) صحابي، بن صحابي، نزل الكوفة ومات بها
بعد سنة سبعين، (قال: قال رسول اللَّه عَ ل: ((إني لأعرف حجرًا بمكّة كان يسلّم عليّ،) أي:
يقول: السلام عليك يا رسول اللَّه، (قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن)))) استحضار لمشاهدته
حتى كأنّه يسمع سلامه الآن، قاله عياض، وتأكيده بأن، وتنكيره إشارة إلى أن له شأنًا خاصًّا به،
وأنه حجر ليس كسائر الحجارة، ولذا روى أنه الحجر الأسود، فلا يقال: لا فائدة في ذكر حجر
واحد، مع أنه كان لا يمرّ بحجر ولا شجر، إلاّ سلّم عليه.
(وقد اختلف في هذا الحجر، فقيل: هو في الحجر الأسود،) كما روي في بعض
المسندات، قاله في الروض والعيون، وقال في الإكمال، وفي غير مسلم: كانوا يرونه الحجر
الأسود، انتهى، فصرّحوا بأنه رواية، ولا ينافيه قوله: (إني لأعرفه الآن))، إذ الحجر الأسود يشاركه
في معرفته جميع الناس؛ لأن المراد: إني لأستحضر ذلك ولم أنسَه، حتى كأني أسمع سلامه
الآن؛ كما ذكره عياض.
(وقيل: هو حجر غيره بزقاق يعرف به،) أي: بزقاق الحجر (بمكّة،) وزقاق المرفق،
(والناس يتبركون بلمسه، ويقولون: إنه هو الذي كان يسلّم على النبيّ عَّهِ متى اجتاز
به،) ولكن الأوّل أصح؛ لأنه رواية، (وقد ذكر الإمام أبو عبد الله، محمّد بن رشيد، بضم
الراء،) مصغر رشد، نسبة لجدّه الأعلى، إذ هو محمّد بن عمر بن محمد بن عمر بن محمد بن
إدريس بن سعيد بن مسعود بن حسن بن محمد بن عمر بن رشيد الفهري، السبتي، ولد بها سنة
سبع وخمسين وستمائة، وكان إمامًا حافظًا، متضلّعًا من العلوم، عالي الإسناد، صحيح النقل،
أخذ عن خلق بالمغرب، والشام، والحجاز ضمنهم رحلته، وعاد إلى غرناطة فنشر بها العلم،
ومات بفاس سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة، (في رحلته) التي سمّاها ملء العيبة، وهي ستّ
مجلدات.

٥٠٣
تسبيح الطعام والحصى في كفّه الشريف عـ
مما ذكره في (شفاء الغرام)) عن علم الدين أحمد بن أبي بكر بن خليل قال:
أخبرني عمي سليلمن قال: أخبرني محمد بن إسمعيل بن أبي الصيف قال: أخبرني
أبو حفص الميانشي قال: أخبرني كل من لقيته بمكة أن هذا الحجر - يعني
المذكور - هو الذي كلم النبي عَ﴾.
وروى الترمذي والدارمي والحاكم وصححه، عن علي بن أبي طالب قال:
كنت أمشي مع النبي عَّه بمكة فخرجنا في بعض نواحيها، فما استقبله شجر ولا
حجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله.
(ممّا ذكره في شفاء الغرام) في تاريخ البلد الحرام، للحافظ تقي الدين، محمّد بن
أحمد الشريف الفاسي، (عن علم الدين أحمد بن أبي بكر بن خليل) العسقلاني، (قال:)
(أخبرني عمّي سليمن، قال: أخبرني محمّد بن إسماعيل) بن عبد اللَّه، (بن أبي الصيف،)
بصاد مهملة، اليمني، سمع بمكّة أبا نصر عبد الرحمن اليوسفي، والمبارك بن الطباخ وطبقتهما.
قال الذهبي: كان عارفًا بالمذهب وحصّل كثيرًا من الكتب، وله نكت على التنبيه،
مشتملة على فوائد، وجمع أربعين حديثًا عن أربعين شيخًا، من أربعين مدينة، سمع الكلّ بمكّة،
وكان على طريقة حسنه، وسيرة جميلة وخير، مات بمكّة في ذي الحجّة، سنة سبع، وقيل: ستّ
وستمائة.
(قال: أخبرني أبو حفص الميانشي،) نسبة إلى ميانش، قال في المراصد: بالفتح
وتشديد الثاني، أي: التحتانية، فألف، فنون مكسورة، وشين معجمة، قرية من قرى المهدية فيها
ماء عذب، إذا قصر الماء بالمهدية، استجلب منها.
(قال: أخبرني كل من لقيته بمكّة أن هذا الحجر، يعني المذكور) في كلام ابن رشيد
من أنه الحجر المبني في الجدار، المقابل لدار أبي بكر، المشهورة بسوق الليل، (هو الذي
كلّم النبيّ عَّةُ،) لكنّه وإن اشتهر لا يعادل الأوّل؛ لأنه رواية.
(وروى الترمذي،) وقال: حسن غريب، (والدارمي، والحاكم، وصححه عن عليّ بن
أبي طالب، قال: كنت أمشي مع النبيّ عَّه بمكّة، فخرجنا في بعض نواحيها،) وفي الشفاء
عن عليّ: فخرج إلى بعض نواحيها، (فما استقبله شجر ولا حجر، إلّ قال) له كلّ منهما:
(السلام عليك يا رسول اللَّه!) بأن خلق اللَّه فيه نطقًا، وإن لم يكن معه حياة؛ لأنه لا تلازم
بينهما كما سبق، لكن قال بعض الظاهر: أنه كان فيه حياة أيضًا، وهذا كما قاله ابن إسحق:
كان في بدء النبوّة تطمينًا لقلبه، وتبشيرًا له، بانقياد الخلق له بعد ذلك، وإجابتهم لدعوته.

٥٠٤
تسبيح الطعام والحصى في كفّه الشريف عَّة.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله عَّه: لما استقبلني جبريل
بالرسالة جعلت لا أمر بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله. رواه
البزار وأبو نعيم.
وعن جابر بن عبد الله قال: لم يكن النبي عَّهِ يمر بحجر ولا شجر إلا سجد
له. رواه.
ومن ذلك: تأمين أسكفة الباب وحوائط البيت على دعائه عليه الصلاة
والسلام، عن أبي أسيد الساعدي قال قال رسول الله عَّه للعباس بن عبد المطلب:
يا أبا الفضل،
(وعن عائشة رضي اللَّه تعالى عنها، قالت: قال رسول اللَّه عَّ: ((لما استقبلني
جبريل،) أي: نزل عليّ وأتاني (بالرسالة، جعلت،) أي: صرت (لا أمرّ بحجر ولا شجر، إلاّ
قال: السّلام عليك يا رسول الله)))) وأمر بقربه الحجر كيف ينكره البشر، (رواه البزار وأبو
نعيم،) وثبت حديث عائشة هنا في نسخ، وسقط في أخرى، ويأتي للمصنف قريبًا إعادته مع
حديث عليّ قبله في قوله: ومن ذلك كلام الشجر ولا تكرار؛ لأنه ساقهما هنا استدلالاً على
تسليم الحجر، وثقة على كلام الشجر.
(وعن جابر بن عبد اللَّه) رضي الله عنهما، (قال: لم يكن النبيّ عَّهِ) في ابتداء بعثته
(يمرّ بحجر ولا شجر إلاّ سجد له،) أي: انخفض حتى مسّ الأرض على هيئة السجود، تواضعًا
له تعظيمًا وتكريمًا؛ كما سجدت الملائكة لآدم، والسجود لغير اللَّه إنما يمتنع من البشر، (رواه)
بيض بعده، وقد رواه البيهقي في الدلائل عن جابر، بلفظه، ومثله لا يقال رأيًا، فيحتمل أنه سمعه
من النبيّ عَُّلّهِ؛ كحديث عائشة قبله، ويحتمل من غيره ممن شاهد ذلك، لا أنه من باب
الكشف؛ كما زعم بعض، إذ لا دخل له في الأحاديث، ولا أنه شاهد ذلك؛ لأنه في ابتداء بعثته،
ولم يكن جابر حينئذ معه، (ومن ذلك تأمين أسكفة،) بضم الهمزة والكاف، بينهما مهملة
ساكنة، ثم فاء ثقيلة مفتوحة، فهاء: عتبة (الباب) العليا، وقد تستعمل في السفلى، والجمع:
اسكفات، (وحوائط البيت:) جمع حائط، أي: جدرانه المحيطة بجوانبه ونواحيه، (على دعائه
عليه الصّلاة والسّلام، عن أبي أسيد)، بضمّ الهمزة وفتح المهملة، لملك بن ربيعة
(الساعدي)، مشهور بكنيته، شهد بدرًا وغيرها، ومات سنة ثلاثين، وقيل بعد ذلك، حتى قال
المدائني: مات سنة ستّين، قال: وهو آخر من مات من البدريّين.
(قال: قال رسول اللَّه ◌َّ للعباس بن عبد المطّلب: (يا أبا الفضل!) كنيته باسم أكبر

٥٠٥
تسبيح الطعام والحصى في كفّه الشريف عَـ
لا ترم منزلك أنت وبنوك غدًا حتى آتيكم، فإن لي فيكم حاجة. فانتظروه حتى
جاء بعد ما أضحى، فدخل عليهم فقال: السلام عليكم، فقالوا: وعليك السلام
ورحمة الله وبركاته، قال: كيف أصبحتم؟ قالوا: أصبحنا بخير بحمد الله تعالى،
فقال لهم: تقاربوا، فتقاربوا يزحف بعضهم إلى بعض، حتى إذا أمكنوه اشتمل
عليهم بملاءته فقال: يا رب، هذا عمي وصنو أبي، وهؤلاء أهل بيتي فاسترهم من
النار كستري إياهم بملاءتي هذه، قال: فأمنت أسكفة الباب وحوائط البيت فقالت:
آمين آمين آمين، رواه البيهقي في الدلائل وابن ماجه مختصرًا.
ومن ذلك كلامه
أولاده، (لا ترم،) بفتح الفوقية، وكسر الراء، قال ابن الأثير أي: لا تبرح، يقال: رام بريم إذا برح،
أي: زال من مكانه، وأكثر ما تستعمل في النفي (منزلك،) وأورده في النهاية: لا ترم من منزلك،
بزيادة من (أنت وبنوك غدًا،) وهم الفضل، وعبد اللَّه، وعبيد الله، وقتم، ومعبد، وعبد الرحمن؛
كما بيّته ابن السري في روايته، ذكره المصنّف في المقصد السابع، فإسقاط بعضهم معبدًا،
وعبد الرحمن تقصير، والاعتذار عنه؛ بأنه لعلّه بيان للحاضرين حينئذ، لا يصحّ المخالفة المروي
أن الحاضرين الستة المذكورون، وهم من أم الفضل، (حتى آتيكم، فإن لي فيكم حاجة»،)
منفعة أوصلها لكم، وجعلها له لشدّة رأفته بهم، أو أوحي إليك بذلك، فهي له، (فانتظروه حتى
جاء بعدما أضحى، فدخل عليهم، فقال: ((السّلام عليكم))، فقالوا: وعليك السلام ورحمة
اللَّه وبركاته، قال: ((كيف أصبحتم)؟، قالوا: أُصبحنا بخير بحمد اللَّه تعالى، فقال لهم:
(تقاربوا))، فتقاربوا، يزحف بعضهم إلى بعض، حتى إذا أمكنوه) من أنفسهم، بحيث اتّصلوا به،
(اشتمل:) استولى (عليهم،) وأحاط بهم وضّهم (بملاءته،) بضم الميم، ولام، وهمزة والمد،
وهي: الإزار والملحفة، وقيل: الملاءة الإزار له شقتان، فإن كان له شقة واحدة فريطة، براء وطاء
مهملتين، (فقال: ((يا رب هذا عمي وصنوَ أبي،) بكسر المهملة، أي: قرينة، ومثله في الشفقة
على، (وهؤلاء أهل بيتي،) أي: منهم، (فاسترهم من النار،) امنعهم من دخولها وارتكاب
ما يوجب عذابها، فهو مجاز عن ذلك؛ إذ الستر ما يمنع المستور ويحجبه، وشبّه بعد التجوز،
قوله: (كستري إياهم بملاءتي هذه))، قال: فأمّنت،) بفتح الهمزة، والميم الشديدة (أسكفة الباب
وحوائط البيت، فقالت: آمين آمين آمين،) ثلاثًا في نسخ، ومثله في ابن كثير والشامي.
وفي نسخ مرتين، ومثله في الشفاء، وهو إما على التوزيع، أي: قالت الأسكفة: آمين،
والحوائط: آمين، وإما أن كل واحد منهما كرّر آمين، تأكيدًا وتحقيقًا للمقال، إذ قد يغفل عن مثله.
(رواه البيهقي في الدلائل) النبوية مطولاً، (وابن ماجه مختصرًا، ومن ذلك كلامه

٥٠٦
تسبيح الطعام والحصى في كفّه الشريف علية.
للجبل وكلام الجبل له عَظّه، عن أنس قال: صعد النبي عَّهِ أحدًا وأبو بكر وعمر
وعثمن أحدًا، فرجف بهم، فضربه النبي عَِّ برجله وقال: اثبت أحد، فإنما عليك
نبي وصديق وشهيدان. رواه أحمد والبخاري والترمذي وأبو حاتم.
قال ابن المنير: قيل الحكمة في ذلك أنه لما رجف أراد الرسول عَّ له أن
يبين أن هذه الرجفة ليست من جنس رجفة الجبل بقوم موسى
للجبل) بقوله: (اثبت، اسكن)) ونحوهما، (وكلام الجبل) بقوله: ((اهبط)) الخ ... ، (له عَّلام))
وعدّ هذا من طاعات الجمادات له، من حيث أنه عٍَّ لما خاطبه، انقاد له حتى علم ما قال
واستقرّ بأمره، وبهذا يطابق الترجمة (عن أنس) بن لملك، (قال: صعد،) بكسر العين: علا
(النبي ◌َّ أُحدًا) بضمّتين، وقد يسكن ثانيه، وقيل: إنه ضرورة جبل بالمدينة، مرّ الكلام عليه
في المغازي، هكذا عدى، صعد بنفسه في رواية البخاري في مناقب أبي بكر وعثمن، وله في
فضل عمر: صعد النبي عَِّ إلى أَحد، فعداه إلى، وكلاهما جائر، ويعدى أيضًا بفي؛ كما في
اللغة، (وأبو بكر،) وفي مناقب عثمن وعمر: ومعه أبو بكر (وعمر وعثمن،) هكذا الرواية في
البخاري في المواضع الثلاثة، وفي غيره أيضًا، بتقديم أحدًا على قوله: وأبو بكر، فما في كثير من
نسخ المصنّف من تأخيرٍ قوله: أحدًا عن عثمن، خلاف الرواية، (فرجف،) بفتح الراء والجيم:
تحرّك واضطرّب (بهم) أحد، (فضربه عَِّ برجله،) تسميته ضربًا حقيقة، إذ الضرب إمساس
جسم جسمًا بعنف، وبعضهم قيّد الممسوس بكونه حيوانيًّا، فيكون مجازا تنزيل للجبل منزلة
الحيوان؛ لكونه صار يحسّ ويفهم ما يقوله المصطفى له، (وقال: ((اثبت) أمر من الثبات، لفظ
البخاري في مناقب الشيخين، ولفظه في مناقب عثمن: ((اسكن (أحد،) منادى حذفت أداته، أي:
يا أُحد، ونداؤه وخطابه يحتمل المجاز والحقيقة، لكن الظاهر الحقيقة، فحمله عليها أولى؛
كقوله: ((أحد جبل يحبنا ونحبه))، ويؤيّده ضربه برجله، قاله الحافظ والمصنّف، (فإنما عليك نبي
وصديق) أبو بكر، (وشهيدان)))) عمر وعثمن، وللبخاري في مناقب عمر: ((فما عليك إلاّ نبي أو
صدّيق أو شهيد))، وأو للتنويع، فقيل: أو بمعنى الواو، وقيل: تغيير الأسلوب للإشعار بمغايرة الحال؛
لأن صفتي النبوّة والصديقية كانتا حاصلتين بخلاف صفة الشهادة، فإنها لم تكن وقعت حينئذ،
قاله الحافظ، (رواه أحمد) في المسند، (والبخاري، والترمذي) كلاهما في المناقب، وكذا
النسائي، (وأبو حاتم،) وأبو داود في السنّة.
(قال ابن المنير: قيل الحكمة في) قوله عَّ (ذلك) القول (أنه لمّا رجف) بابه قتل،
(أراد الرسول عَّ أن يبين أن هذه الرجفة ليست من جنس رجفة الجبل بقوم موسى،) لما
أمره اللَّه أن يأتيه بسبعين من بني إسرائيل، فاختار من كل سبطة ستة، فزاد اثنان، فقال: ليتخلف

٥٠٧
تسبيح الطعام والحصى في كفّه الشريف عَ ◌ّ.
لما حرفوا الكلم، وإن تلك رجفة الغضب، وهذه هزة الطرب، ولهذا نص على
مقام النبوة والصديقية والشهادة التي توجب سرور ما اتصلت به لا رجفانه، فأقر
الجبل بذلك فاستقر، انتهى.
وأحد: جبل بالمدينة، وهو الذي قال فيه: أُحد جبل يحبنا ونحبه. رواه
البخاري ومسلم.
واختلف في المراد بذلك، فقيل: أراد به أهل المدينة،
منكم رجلان، فتشاجروا، فقال: إن لمن قعد أجر من خرج، فقعد كالب ويوشع، وذهب مع
الباقين، فلما دنوا من الجبل غشيه غمام، فدخله موسى بهم، وخرّوا سجّدًا، فسمعوه يكلّم
موسى، يأمره وينهاه، ثم انكشف الغمام، فقالوا: لن نؤمن لك حتى نرى اللَّه جهرة، فأخذتهم
الرجفة، أي: الصاعقة، أو رجفة الجبل، فصعقوا منها، أي: ماتوا.
(لما حرفوا الكلم، وإن تلك) الواقعة لقوم موسى، (رجفة الغضب) عليهم، (وهذه
هزة،) بكسر الهاء وشد الزاي: نشاط وارتياح (الطرب:) الفرح والخفة اللاحقة من السرور،
(ولهذا نصّ على مقام النبوة، والصديقية، والشهادة التي توجب سرور ما اتصلت به
لا رجفانه،) بفتحتين: اضطرابه الشديد، (فأقرّ،) أي: أثبت النبي عَِّ (الجبل بذلك) القول،
(فاستقر:) ثبت، (انتهى) كلام ابن المنير.
ويرد عليه أن كونه أراد بيان ذلك لا يظهر مع قوله: فإنما عليك؛ لأنه نهي عن تلك
الحالة، فلو كانت فرحًا لأقرّه وما نهاه، بل قد يقتضي ذلك زيادة فرحه، فتزداد هزّته.
والجواب: أنه أراد تسكينه خشية الضرر، لأصحابه، لئلاّ يتولّد منه ضرر، والذي يظهر لي
أنه أراد لومه على فعله؛ لأنه وإن كان فرحًا، لكن فيه ترك الأدب مع من علیه، ويدل لذلك
التعليل بقوله: ((فإنما عليك ... )) الخ، وقد قيل سبب تحرّكه مهابته عَّه، أو خوف الجبل من اللَّه،
أو أنه لزلزلة اتفقت عند صعودهم عليه.
(وأُحد جبل بالمدينة) على أقلّ من فرسخ منها؛ لأن بين أوّله وبين بابها المعروف بباب
البقيع ميلين وأربعة أسباع ميل، تزيد قليلاً؛ كما حرّره السمهودي، (وهو الذي قال فيه: «أُحد
جبل) خبر موطىء لقوله: (يحبنا ونحبه))) حقيقة؛ لأن جزاء من يُحِب أن يُخَب، وزاد في رواية
أحمد: ((وهو من جبال الجنّة)، (رواه البخاري ومسلم) عن أنس، والبخاري أيضًا عن سهل،
وفي رواية لهما أيضًا: أن أُحدًا، (واختلف في المراد بذلك، فقيل: أراد به أهل المدينة)

٥٠٨
تسبيح الطعام والحصى في كفّه الشريف عَّ.
كما قال تعالى: ﴿واسأل القرية﴾ أي أهلها، قاله الخطابي، وقال البغوي فيما
حكاه الحافظ المنذري: الأولى إجراؤه على ظاهره، ولا ينكر وصف الجمادات
بحب الأنبياء والأولياء، وأهل الطاعة، كما حنت الأسطوانة على مفارقته عَّ. حتى
سمع الناس حنينها إلى أن سكنها، وكما أخبر أن حجرًا كان يسلم عليه قبل
الوحي، فلا ينكر أن يكون جبل أحد وجميع أجزاء المدينة تحبه وتحن إلى لقائه
حال مفارقته إياها. انتهى.
وقال الحافظ المنذري: هذا الذي قاله البغوي جيد.
وعن ثمامة
الأنصار، لأنهم جيران أُحد، فهو من مجاز الحذف؛ (كما قال تعالى:) (﴿واسأل القرية﴾)
الآية، (أي: أهلها، قاله الخطابي).
قال الشاعر:
وما حبّ الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديارا
(وقال البغوي: فيما حكاه الحافظ المنذري الأولى إجراؤه على ظاهره)، من أنه حب حقيقي من
"الجبل، ورجحه النووي وغيره، (ولا ينكر وصف الجمادات) التي هي سبب دعوى المجاز؛ لعدم
عقلها (بحب، الأنبياء والأولياء وأهل الطاعة،) عطف عام على خاص، (كما حتّت الأسطوانة)
بضم الهمزة، والطاء، والنون، أصلية عند الخليل، فوزنها أفعواله، وزائدة عند بعضهم، والواو أصل،
فوزنها: افعلانة، والمراد بها: الجذع الذي حنّ له؛ كما يأتي (على مفارقته معَّه) لما تركها
وخطب على المنبر، فخار كما يخور الثور، (حتى سمع الناس حنينها إلى أن سكنها،) كما يأتي
تفصيله، (وكما أخبر أن حجرًا كان يسلم عليه) بمكة (قبل الوحي،) كما مرّ قريبًا، (فلا ينكر أن
يكون جبل أحد وجميع أجزاء المدينة تحبّه) حقيقة، (وتحن إلى لقائه حال مفارقته إياها،
انتھی).
(وقال الحافظ المنذري: وهذا الذي قاله البغوي جيّد؛) لأن فيه إبقاء اللفظ على
حقيقته الذي هو الأصل، ورفع توهم بقائه على حقيقته، وقد صحّحه النووي وغيره، فوضع اللّه
الحب في الجبل، كما وضعٍ التسبيح في الجبال مع داود، والخشية في الحجارة، حيث قال:
﴿وإن منها لما يهبط من خشية الله﴾ [البقرة/٧٤]، وقمت لذلك مزيدًا في غزوة أحد.
(وعن ثمامة،) بمثلّثة مضمومة، وميمين خفيفتين، ابن شراحيل اليماني، مقبول، من أواسط
التابعين، روى له أبو داود والترمذي والنسائي، وروايته له في الكبرى؛ كما في التقريب وغيره،

٥٠٩
تسبيح الطعام والحصى في كفّه الشريف عَد.
عن عثمن بن عفان أن رسول الله عَّله كان على ثبير مكة، ومعه أبو بكر وعمر
وأنا، فتحرك الجبل حتى تساقطت حجارته بالحضيض، فركضه برجله وقال:
اسكن ثبير، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان. خرجه النسائي والترمذي
والدار قطني.
والحضيض: القرار من الأرض عند منقطع الجبل.
وركضه برجله: أي ضربه بها.
وعن أبي هريرة أن رسول الله عَّه كان على حراء هو وأبو بكر وعمر
وعثمن وعلي وطلحة والزبير، فتحركت الصخرة، فقال عَّه: اسكن حراء، فما
عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد.
ووهم من زعم أنه ثمامة بن أثال الصحابي؛ لأنه لا حديث له في الكتب الستّة.
(عن عثمان بن عفّان: أن رسول اللَّه عَّ كان على ثبير،) بمثلثة مفتوحة، وموحدة
مكسورة، وتحتية ساكنة وراء مهملة: جبل بالمزدلفة على يسار الذاهب إلى منى (مكّة،) احترز
عن غيره، فإن ثبير متعدد، (ومعه أبو بكر، وعمر، وأنا،) أي: عثمن الراوي، (فتحرّك الجبل)
تحرّكًا قويًّا (حتى تساقطت حجارته بالحضيض،) بمهملة وضادين معجمتين، بينهما تحتية
ساكنة، (فركضه) ضربه عَّله (برجله، وقال: ((اسكن ثبير،) منادى بحذف الأداة، (فإنما عليك
نبي، وصديق، وشهيدان))، خرّجه النسائي، والترمذي، والدارقطني).
(والحضيض: القرار من الأرض عند منقطع الجبل)؛ كما قيّد به الصحاح ومختاره، وأسقط
القاموس عند منقطع الجبل، وهو بفتح الطاء حيث ينتهي إليه، طرفه اسم معنى، أي: مصدر
ميمي، أمّا بكسر الطاء فالشىء نفسه اسم عين، (وركضه برجله، أي: ضربه بها،) يقال: ركض
البعير إذا ضربه برجله، وأصل الركض تحريك الرجل، ومنه: اركض برجلك؛ كما في الصحاح.
(وعن أبي هريرة: أن رسول اللَّه عَظّ كان على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان
وعليّ وطلحة والزبير، فتحرّكت الصخرة) التي هي موضع وقوفهم، أو سمّى الجبل بتمامه
صخرة، (فقال عَِّ: (اسكن حراء،) منادى بحذف الأداة، (فما عليك إلا نبي، أو صديق، أو
شهيد)،) وهم من بعد الصديق، فإن كلاًّ قتل شهيدًا؛ كما مرّ مفصّلاً في الكتاب، وعبّر بأو،
بتقدير: فما كل أحد ممّن عليك، وإلاَّ حد الدائر لا يخرج عن الثلاثة، ولا يقتضي وصف كل
واحد بالثلاثة إذ وصف النبوة قاصر على المصطفى، ولعلّ حكمة أو هنا الإشارة إلى أن الأمر
بالسكون يكفي فيه كل واحد بانفراده لشرف كل، وجمع فيما مرّ بالواو، لبيان الواقع.

٥١٠
تسبيح الطعام والحصى في كفّه الشريف عَّة
وفي رواية: وسعد بن أبي وقاص، ولم يذكر عليًا. خرجهما مسلم وانفرد
بذلك.
وخرجه الترمذي في مناقب عثمن، ولم يذكر ((سعدًا)) وقال: ((اهدأ)) مكان
(اسکن) وقال: حديث صحيح.
وخرجه الترمذي أيضًا عن سعيد بن زيد وذكر أنه كان عليه العشرة إلا أبا
عبيدة. وقال: اثبت حراء.
وكذا رواه الخلعي عنه بنحوه، ولم يذكر أبا عبيدة بن الجراح. ورواه أيضًا
إسحق البغدادي في ما رواه الكبار عن الصغار، والآباء عن الأبناء، ولله در .
(وفي رواية: وسعد بن أبي وقّاص،) ملك الزهري، وسعد لم يستشهد، بل مات بقصره
بالعقيق قرب المدينة، فحمل على رقاب الرجال، ودفن بالبقيع، فلا يبعد أنه استشهد بسبب غير
القتل، (ولم يذكر عليًّا) معهم في هذه الرواية، وإن كان شهيدًا؛ فالمتحصل من الروايتين ذكر
سعد وعلي معًا، (خرّجهما) أي: الروايتين عن أبي هريرة (مسلم، والفرد بذلك) المذكور منهما
عن البخاري.
(وخرّجه الترمذي في مناقب عثمن، ولم يذكر سعدًا،) بل عليًّا، فرجحت رواية مسلم
الأولى على الثانية، (وقال: ((اهدأ)،) حراء بالهمزة والجزم بالأمر، (مكان: ((اسكن)،) وهو بمعناه،
قال الجوهري: هدأ: سکن، (وقال: حديث صحيح، وخرّجه الترمذي أيضًا عن سعيد بن زيد،
وذكر أنه كان عليه العشرة،) فعدّ نفسه فيهم ولم يقتل، فيحمل على أنه استشهد بغير القتل،
(إلاّ أبا عبيدة) بن الجرّاح، (وقال: أثبت حراء))) أمكان اسكن أو اهداً.
(وكذا رواه الخلعي،) بكسر، ففتح، نسبة إلى الخلع؛ لأنه كان يبيعها لملوك مصر أبو
الحسن، علي بن الحسين، الموصلي الأصل، المصري المولود بها في محرم، سنة خمس
وأربعماية، الفقيه الصالح، له كرامات وتصانيف، أعلى أهل مصر إسنادًا، جمع له أحمد بن
الحسين الشيرازي عشرين جزأ، خرّجها عنه، وسمّاها الخلعيّات، ومات في سنة اثنتين وتسعين
وأربعمائة، وتقدّم ذلك أيضًا (عنه)،) عن سعيد بن زيد (بنحوه،) بنحو رواية الترمذي، (ولم يذكر
أبا عبيدة بن الجرّاح) أيضًا، كما لم يذكره الترمذي، (ورواه أيضًا إسحق) بن إبراهيم بن يونس
المنجنيقي، أبو يعقوب الورّاق (البغدادي،) نزيل مصر، ثقة حافظ، مات سنة أربع وثلاثمائة،
وعنه النسائي (في) كتاب (ما رواه الكبار عن الصغار،) والأصل فيه رواية النبيّ معَّه عنٍ تميم
خبر الجساسة، (والآباء عن الأبناء،) وهو نوع مهم من فوائده، أمن انقلاب السند، (ولله در

٥١١
تسبيح الطعام والحصى في كفّه الشريف
القائل:
ومال حراء تحته فرحًا به فلولا مقال ((اسكن)) تضعضع وانقضى
وحراء وثبير: جبلان متقابلان معروفان بمكة.
واختلاف الروايات يحمل على أنها قضايا تكررت. قاله الطبري وغيره.
لكن صحح الحافظ بن حجر: أنه ((أحد)) قال: ولولا اتحاد المخرج لجوزت
تعدد القصة، ثم ظهر لي أن الاختلاف فيه من سعيدٍ، فإني وجدته في مسند
الحرث بن أبي أسامة عن روح بن عبادة فقال فيه: (أَحد)) بالشك. وقد أخرجه
أحمد من حديث بريدة بلفظ حراء وإسناده صحيح. وأخرجه أبو يعلى من حديث
سهل بن سعد بلفظ ((أحد)) وإسناده صحيح فقوى احتمال تعدد القصة.
القائل: ومال حراء تحته) بالمدّ، وفي نسخة: ومال حراء من تحته، فحرا بالقصر وبالصرف
عليهما، وتقدّم أن لغاته جمعت في بيت:
حرا وقبا ذكر وأنثهما معًا ومدّ أو اقصر واصرفن وامنع الصرفا
(فرحاً به، فلولا مقال،) أي: قول النبيّ عٍَّ له: ((اسكن))، تضعضع:) انهدم حتى
الأرض، (وانقضی) ذهبت آثاره فلم يبقّ منه شىء،
(وحراء وثبير جبلان متقابلان،) أي: أحدهما مقابل الآخر في الجملة، لا بقيد التحاذي،
وهو الاستواء في المقابلة، فلا ينافي أن حراء أقرب إلى مكّة من ثبير، (معروفان بمكّة، واختلاف
الروايات يحمل على أنها قضايا،) وقائع (تكرّرت، قاله الطبري وغيره،) فيكون وقف على كل
من أحد وحراء وثبير، وتحرّك كل وخاطبهم بذلك جمعاً بين الروايات؛ لصحة جميعها.
(لكن صححٍ الحافظ ابن حجر) في أوّل كلامه، ثم رجع عنه في آخره؛ (أنه أُحد،)
حيث (قال:) صعد أحدًا، ولمسلم، وأبي يعلى من وجه آخر حراء، والأول أصح، (ولولا اتحاد
المخرج،) وهو أنس، (لجوّزت تعدّد القصة، ثم ظهر لي أن الاختلاف فيه من سعيد) بن
أبي عروبة، راوي الحديث عن قتادة، عن أنس، (فإني وجدته في مسند الحرث بن أبي
أسامة، عن روح بن عبادة) بن العلاء بن حسان البصري، ثقة من رجالهم، عن سعيد بن أبي
عروبة، (فقال فيه: أُحد وحراء بالشك، وقد أخرجه أحمد من حديث بريدة) بن الخصيب
الصحابي، (بلفظ حراء، وإسناده صحيح، وأخرجه أبو يعلى من حديث سهل بن سعد بلفظ
أحد، وإسناده صحيح، فقوّى احتمال تعدّد القصّة،) إذ لا وجه لإعمال بعض الروايات، وطرح
بعضها مع صحة جميعها.

٥١٢
تسبيح الطعام والحصى في كفّه الشريف عَـ
وأخرج مسلم من حديث أبي هريرة ما يؤيد تعدد القصة، فذكر أنه كان
على حراء ومعه الجماعة المذكورون هنا وزاد معهم غيرهم.
ولما طلبته عليه الصلاة والسلام قريش قال له ثبير: اهبط يا رسول الله إني
أخاف أن يقتلوك على ظهري فيعذبني الله تعالى، فقال له حراء: إلي يا رسول الله
رواه في ((الشفاء» وهو حديث مروي في الهجرة من السير.
وحراء مقابل لثبير، والوادي بينهما، وهو على يسار السالك إلى منى، وحراء
قبلي قبير مما يلي شمال الشمس.
وهذه الواقعة غير واقعة ثور في خبر الهجرة. هذا هو الظاهر والله أعلم.
(وأخرج مسلم من حديث أبي هريرة ما يؤيد تعدد القصة، فذكر أنه كان على حراء،
ومعه الجماعة المذكورون هنا) في حديث أنس، وهم العمران وعثمان، (وزاد معهم غيرهم،)
وهم علي وطلحة والزبير، وقد سبق لفظه قريباً.
ولما ذكر أحاديث تكليم المصطفى عَّة للجبال ذكر حديث تكليم الجبل له، فقال:
(ولما طلبته عليه الصَّلاة والسَّلام قريش)، حين خرج مهاجراً، وأرسلوا خلفه من يطلبه، وقد صعد
ثبيراً، (قال له ثبير: اهبط يا رسول الله،) انزل من فوقي، واذهب إلى مكان آخر تختفي به عنهم،
(إني أخاف أن يقتلوك على ظهري، فيعذّبني اللَّه تعالى،) بالنصب عطفاً على يقتلوك، فإنما خاف
العذاب بسبب قتله، لأنه لو لم یذ کر له ذلك مع علمه بأنه لا مكان فيه يستره، كان غشا منه، يستحق
به العذاب، أو لأنه لو قتل على ظهره، غضب اللَّه على المكان الذي يقع فيه مثل هذا الأمر العظيم،
كما غضب على أرض ثمود، فلا يرد كيف يعذب بذنب غيره، ولا تزر وازرة وزر أخرى،
وتوجيهه بأن خوفه بمعنى حزنه وتأسفه عليه، نحو ذلك مما لا وجه له، (فقال له حراء: إليّ)
بشدّ الياء المفتوحة، أي: اثتِ، أو هو اسم فعل بمعنى أقبل، (يا رسول اللَّه) ألهمه اللَّه تعالى أن
يقدره على أن ينشق ويستتر في جوفه، ونحو ذلك مما تقع به سلامته، فلم يذهب إليه لسبق
تعبّده به، فخاف أن يطلبوه فيه، (رواه،) أي: ذكره (في الشفاء) بلا اسناد بلفظ وقد روى انه
حين طلبته قريش فذكره (وهو حديث مروي في الهجرة من السير) بلا إسناد، ولم يخرجه في
مناهل الصفاء، (وحراء مقابل:) مواجه (لثبير، والوادي بينهما وهو على يسار السالك إلى
منى، وحراء قبلى ثبير، ممَّا يلي شمال الشمس، وهذه الواقعة غير واقعة ثور في خبر
الهجرة؛) فكأنها كانت قبل توجّهه إلى غار ثور الذي اختفي فيه، (هذا هو الظاهر، واللّه
أعلم،) لكن مقتضى قوله في حديث الصحيح: أن النبيّ عَّهِ والصّدّيق وعدا الدليل غار ثور؛

٥١٣
كلام الشجر له وسلامها عليه وطواعيتها له وشهادتها له بالرسالة :
قال السهيلي في حديث الهجرة: وأحسب في الحديث أن ثورًا ناداه أيضًا
إلي يا رسول الله، لما قال له ثبير: اهبط عني.
[كلام الشجر له وسلامها عليه وطواعيتها له وشهادتها له بالرسالة عليال.]
ومن ذلك كلام الشجر له وسلامها عليه وطواعيتها له، وشهادتها له
بالرسالة معَّهِ.
أخرج البزار وأبو نعيم من حديث عائشة قالت: قال رسول الله عَُّله: لما
أوحي إلي جعلت لا أمر بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله.
أنهما لم يخرجا من مكة قاصدين سواه.
(قال السهيلي في حديث الهجرة، وأحسب:) أظن (في الحديث أن ثورًا ناداه أيضًا:
إليّ يا رسول اللَّه، لما قال له ثبير: اهبط عني،) فيكون ناداه كل من ثور وحراء، واللَّه أعلم
بصحته، (ومن ذلك كلام الشجر له،) وهو ما قام على ساق وما عداه نبات، وقد يطلق على
بعضه شجر، كاليقطين والحنطة، (وسلامها عليه،) أي: الشجر، وهو اسم جنس، يذكر ضمير،
ويؤنّث عطف خاص على عام، (وطواعيتها:) انقيادها (له) بغير الكلام؛ لأن مجيئها بشقّها
للأرض ليس من الكلام، فهو مباين، وإن حمل على الطواعية بالكلام وغيره، كان عطف عام،
والأول أولى. (وشهادتها له بالرسالة) خاص على عام (عَّة)، وهذا كتسليم الحجر، وحنين
الجذع، ونبع الماء من خصائصه على الأنبياء والمرسلين، كما في الأنموذج.
(أخرج البزار وأبو نعيم من حديث عائشة، قالت: قال رسول اللَّه عَِّ: ((لمّا أوحي
إليّ،) وفي رواية لما استقبلني جبريل بالرسالة، (جعلت،) بفتح الجيم مبني للفاعل، أي: صرت،
ويحتمل ضمها مبني للمفعول، أي: جعلني اللَّه، (لا أمرّ بحجر ولا شجر إلاّ قال: السّلام
عليك يا رسول اللَّه)،) ففيه كلامها له وشهادتها له بالرسالة.
وروي أبو نعيم في الدلائل عن برة، قالت: لما أراد كرامة نبيه كان يمضي إلى الشعاب
وبطون الأودية، فلا يمر بشجر ولا حجر، إلّ قال: السلام عليك يا رسول اللَّه، وكان يرد عليهم
وعليكم السلام.
قال الدلجي: لعلّه ردّ عليها السّلام مكافأة لا وجوباً، إذ ليست مكلفة، انتهى. والتوقف فيه
باحتياجه لنقل قصور، فقد علمته رواية، وردّه بأن السلام شرع تحية موجبة للرد في حق البشر؛
لأنه أمان وليست من أهله ساقط، فالمكافأة لغير الأهل.

٥١٤
كلام الشجر له وسلامها عليه وطواعيتها له وشهادتها له بالرسالة مـ
وخرج الإمام أحمد عن أبي سفين طلحة بن نافع عن جابر، قال: جاء جبريل
إلى رسول الله عَِّ ذات يوم وهو جالس حزين، قد خضب بالدماء، ضرّبه بعض أهل
مكة، فقال له: مالك؟ فقال رسول الله عَُّله: فعل بي هؤلاء وفعلوا، فقال له جبريل:
أتحب أن أريك آية؟ فقال: نعم. فنظر إلى شجرة من وراء الوادي فقال: ادع تلك
الشجرة فدعاها، قال فجاءت تمشي حتى قامت بین یدیه، فقال: مرها
(وخرج الإمام أحمد عن أبي سفين، طلحة بن نافع) الواسطي، أبي سفين الإسكاف،
نزل مكّة، صدوق من التابعين، (عن جابر بن عبد الله، (قال: جاء جبريل إلى رسول اللَّه عَّاّ.
ذات يوم،) أي: في ساعة من يوم، (وهو جالس حزين،) مغموم على قومه؛ أن يحلّ بهم العذاب
إذ كذّبوه، لا لحظ نفسه؛ لأنه كان لا يغضب لها، بل إذا انتهكت حرمات اللَّه، وإلى هذا أشار
القاضي عياض، بقوله في الشفاء: وحزنه لتكذيب قومه، وطلبه الآية لهم لا له، أي: لأنه على
يقين من أمره، عالم بقدرة ربه، ثم هذا لفظ جابر عند أحمد.
وفي حديث أنس عند الدارمي وغيره: أن جبريل قال للنبيّ، ورآه حزيناً، وهو ما أورده في
الشفاء، وهو جملة حاليّة، أي: وقد رآه محزوناً لعدم طاعة قومه له في أوّل البعثة، إذ عرض نفسه
على القبائل، (قد خضب بالدماء،) لأنه (ضرّ به بعض أهل مكة) لما صدع بأمر الله، فاجتمعوا
عليه وأخذوه، وقالوا: أنت جعلت الآلهة إلهاً واحداً، فما دنا منهم أحد إلاّ وأبو بكر يدفعهم عنه،
وهو يقول: أتقتلون رجلاً أن يقول ربّي اللَّه؛ كما مرّ في المقصد الأوّل، (فقال له ملك:) أي:
شىء عرض لك حتى جلست حزيناً؟، (فقال رسول اللَّه عَّله: ((فعل بي هؤلاء) الكفار، (وفعلوا)
بتكرير الفعل، إشارة إلى تكرر أذاهم، وكثرة أنواعه من غير حصر، لا أنه مرتين فقط، فهو على حد
كرتين، ورب ارجعون، ولا يقال حذف المفعول يؤذن بالعموم، لأنا نقول العموم، ولو في نوع
فقط، بخلاف تكرار الفعل، وفي حديث علي عند البزار: أخذته قريش، فهذا يجوّه، وهذا يتلتّبه.
وفي حديث عمرو بن العاصي: ما رأيت قريشاً أرادوا قتل النبي عَّةٍ إلّ يوم أغروا به،
وهم في ظل الكعبة، وهو يصلّي عند المقام، (فقال له جبريل: أتحبّ أن أريك آية؟،)
معجزة تزيل حزنك؛ لأن الجماد إذا أَطاع دعوته، دلّ ذلك على أن الناس تطيعه بعد، لكن
تأخير ذلك لحكم خفية، أو آية تدل من نظر إليها، أو علمها على صدقك، ويزول بها
حزنك، (فقال: ((نعم)،) أحب ذلك ليزول حزني، وأعلم أن اللَّه سينصرني، ويلين قلوب
قومي لإجابة دعوتي، (فنظر إلى شجرة من وراء الوادي) الذي كان فيه مع جبريل،
(فقال) جبريل: (ادع تلك الشجرة،) أي: مرها أن تأتي إليك، ولم يأمرها هو، إشارة إلى أن
المعجزة له لا لجبريل، (فدعاها قال فجاءت تمشي حتى قامت بين يديه فقال) جبريل: (مرها

٥١٥
كلام الشجر له وسلامها عليه وطواعيتها له وشهادتها له بالرسالة عَ فيه.
فلترجع إلى مكانها، فأمرها فرجعت إلى مكانها، فقال عَلِّ: حسبي حسبي، ورواه
الدارمي من حديث أنس.
وعن علي قال: كنت مع النبي عَّه بمكة، فخرجنا في بعض نواحيها، فما
استقبله جبل ولا شجر إلا وهو يقول: السلام عليك يا رسول الله، رواه الترمذي
وقال حديث حسن غريب.
وخرج الحاكم في مستدركه بإسناد جيد عن ابن عمر قال: كنا مع
النبي عَّ في سفر فأقبل أعرابي، فلما دنا منه قال له رسول الله عَّ له: أين تريد؟
قال: إلى أهلي،
فلترجع إلى مكانها) الذي كانت فيه، (فأمرها، فرجعت إلى مكانها) كما كانت، (فقال.
((حسبي حسبي،) ذلك دليلاً على تصديقهم لي، وإن أنكروا عناداً فلا أحزن)).
وفي حديث عمر عند البيهقي، فقال: (لا أبالي من كذّبني بعد هذا من قومي))، ولعلّه ظهر
ذلك لقومه، بحيث رأوه، فلا عذر لهم في عدم تصديقه؛ لأنه بعد رؤية الآيات البينات عناد
محض، (ورواه الدارمي من حديث أنس) بنحوه، وأخرجه البيهقي من حديث عمر بنحوه أيضاً،
وهي قصة واحدة، اختلفت الطرق فيها ببعض التغيير والزيادة، هذا هو الأصل وتجويز التعدد
بعید.
(وعن عليّ، قال: كنت) أمشي (مع النبي عَّ بمكّة) في ابتداء النبوّة، (فخرجنا في
بعض نواحيها فما استقبله،) أي: لم يقع في مقابلته (جبل ولا شجر،) فنسب الاستقبال لهما،
إشارة إلى إدراكهما، حتى كأنهما توجّها لمقابلته، وإلا فكان الظاهر: فما استقبل جبلاً ولا شجراً
(إلاّ وهو يقول: السلام عليك يا رسول اللَّه،) لما في المصباح: كل شىء جعلته تلقاء وجهك،
فقد استقبلته واستقبلت الشىء واجهته، فهو مستقبل بالفتح اسم مفعول، (رواه الترمذي، وقال:
حديث حسن غريب) من جهة تفرد راويه، فلا ينافي قوله حسن.
ورواه أيضاً الدارمي والحاكم وصححه، كما قدمه المصنف في ترجمة تسليم الحجر،
وأعاده هنا في ترجمة تسليم الشجر، فلا تكرار لاختلاف المراد من سوقه، وكذا كرّر حديث
عائشة المذكور أوّل هذه الترجمة في المحلّين لذلك، فلا تكرار.
(وخرّج الحاكم في مستدركه) على الصحيحين (بإسناد جيد،) أي: مقبول، (عن ابن
عمر بن الخطاب، (قال: كنا مع النبي عَدٍ في سفر فأقبل أعرابي، فلمّا دنا:) قرب (منه،
قال له رسول اللَّه عَظ ◌ّم: ((أين تريد)»؟») أي: تقصد بمسيرك أيّ مكان، (قال: إلى أهلي،) أي:

٥١٦
كلام الشجر له وسلامها عليه وطواعيتها له وشهادتها له بالرسالة مـ
قال: هل لك إلى خير، قال: وما هو؟ قال: تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك
له، وأن محمدًا عبده ورسوله، قال: هل لك من شاهد على ما تقول؟ قال
رسول الله عٍَّ: هذه الشجرة فدعاها رسول الله عَّةٍ وهي على شاطىء الوادي
فأقبلت تخد الأرض خدًا، فقامت بين يديه فاستشهدها ثلاثًا فشهدت، ثم رجعت
إلى منبتها، الحديث. ورواه الدارمي
إلى المكان الذي فيه أهلي، ليطابق الجواب السؤال، وحذف مكان للعلم به، إذ لا بدّ لأهله
من مكان، أو لعدم تعلّق غرضه بخصوص المكان، إذ مراده الذهاب إلى أهله في أي: مكان
كانوا، أو لأنهم كانوا نزالة رحالة، لا مكان لهم، وعدّاه يإلى، والإرادة متعدّية بنفسه لتضمّنه معنى
التوجّه، وقدّم سؤاله تأنيساً له، وإزالة لما في نفسه من مهابته؛ لأنه كان مهيباً لمن رآه، توطئة
لقوله: (قال: ((هل لك) غرض في الوصول (إلى خير) مما أنت فيه أدلك عليه))، فلك خبر مبتدأ
محذوف، (قال: وما هو) الخير الذي دعوتني له؟، (قال: ((تشهد أن لا إله إلاّ اللَّه وحده،) حال
لازمة، أي: متوحداً، منزهاً عن شريك في ذاته وصفاته، وفي كونه معبوداً بحق، (لا شريك له،)
تأكيد لوحدانيّته بعد تأكيد، (وأن محمّدًا عبده ورسوله)،) قدّم العبودية تنزيهاً لنفسه عن الإطراء
في مدحه، ولم يقل وأني عبده ورسوله لاحتمال أن الأعرابي كان يعرف شهرته بذلك، ولا
يعرف عينه، (قال: هل لك من شاهد:) آية ومعجزة، لا أحد الشهود، (على ما تقول) من
الرسالة؟، (قال رسول اللَّه عَّل: ((هذه الشجرة) شاهدي))، وفي رواية قال: ((هذه السمرة))، بفتح
المهملة وضم الميم وراء مفتوحة: شجرة عظيمة ذات شوك من الطلح، وأشار إليها لقربها منه
وجمعها سمر، بفتح السين، وضم الميم، وسكونها، كما في اللغة لا بفتح الميم؛ كما وقع
لبعض، (فدعاها رسول اللَّه عَّةٍ وهي على شاطىء)) بمعجمة وألف، ومهملة وهمزة: جانب
(الوادي) الأرض المتّسعة المستوية، من ودى بمعنى سال، لما فيها من المياه السائلة، (فأقبلت
تخذّ الأرض،) جملة حالية أو مستأنفة (خدًّا، فقامت بين يديه،) محاذية له قريباً منه،
(فاستشهدها ثلاثاً،) أي: قال لها ثلاث مرات، وطلب منها أن تشهد له؛ بأنه رسول اللَّه، والتثليث
للتأكيد، ليقوى ذلك في قلب الأعرابي، (فشهدت) له بأنه رسول اللَّه ثلاثاً، وتركه لعلمه من
السياق، (ثم رجعت إلى منبتها،) بفتح الموحدة قياساً، وكسرها سماعاً.
قال المجد: المنبت كمجلس: موضع النبات شاذّ، والقياس كمقعد؛ لأن قياس اسم
المكان من يفعل، أن يكون على مفعل بالفتح؛ كمدخل ومخرج ومقعد، (الحديث) بقيته،
ورجع الأعرابي إلى قومه، وقال: يا رسول اللَّه إن يتبعوني آتك بهم، وإلا رجعت إليك وكنت
معك، (ورواه الدارمي) والبزار، والبيهقي وأبو القسم البغوي، ومن طريقه المتقدّم أخرجه في

٥١٧
كلام الشجر له وسلامها عليه وطواعيتها له وشهادتها له بالرسالة علي
أيضًا بنحوه.
وقوله: تخذّ الأرض - بضم الخاء المعجمة وتشديد الدال المهملة - أي تشق
الأرض.
وعن بريدة: سأل أعرابي النبي عَّةٍ آية، فقال له: قل لتلك الشجرة
رسول الله عَّ يدعوك، قال: فمالت الشجرة عن يمنيها وشمالها، وبين يديها
وخلفها، فتقطعت عروقها
الشفاء، (أيضاً بنحوه،) وفيه معجزات خلق اللَّه في الجماد إدراكاً، ونطقاً وحركة إرادية،
تجيء بها وتذهب، وقد وقعت على سبيل التحدي، فحد المعجزة منطبق على كل واحدة
منها، (وقوله: تخذّ الأرض، بضم الخاء المعجمة، وتشديد الدال، المهملة، أي: تشق
الأرض) لتسعى بعروقها التي في جوف الأرض، ولولا ذلك لم تتحرّم.
(وعن بريدة) علم منقول من تصغير بردة، قال أبو علي الطوسي: اسمه عامر وبريدة، لقب
ابن الحصيب، بمهملتين مصغّر، وصحف من قال بخاء معجمة الأسلمي.
قال ابن السكن: أسلم حين مرّ به عَّ مهاجراً بالغميم، وأقام بموضعه حتى مضت بدر
وأُحد، وقيل: أسلم بعد بدر، وسكن البصرة لمّا فتحت، وفي الصحيحين عنه أنه غزا مع
النبيّ عَلُ ست عشرة غزوة، ومناقبه مشهورة، وأخباره كثيرة، وكان غزا خراسان زمن عثمن، ثم
تحوّل إلى مرو، فسكنها إلى أن مات سنة ثلاث وستين؛ كما في الإصابة، وتقدّم بعض ترجمته
في الهجرة وغيرها.
(سأل أعرابي) بعد أن أسلم، كما في نفس رواية البزار وأبي نعيم (النبي عَّه آية:) علامة
ومعجزة تقوي إسلامه، (فقال له: ((قل لتلك الشجرة،) مشير السمرة، كانت ثمة يحتمل أنها
المذكورة في الحديث قبله وأنها غيرها، (رسول اللَّه عَ لّ يدعوك))،) بكسر الكاف، يطلب منك
المجيء إليه والحركة نحوه، (قال) بريدة: فدعاها، (فمالت،) فالفاء فصيحة، ويحتمل أنها بمجرد
سماعها قول المصطفى عَ له، جاءت لتحصيل قصده بدون دعاء الأعرابي لها، وهذا أبلغ في
المعجزة، لكن المتبادر الأوّل.
(الشجرة عن يمينها وشمالها، وبين يديها وخلفها)، أي: مالت ميلاً شديداً، وتحرّكت في
جهاتها الأربع لتخلص عروقها من الأرض، وتتمكن من الحركة نحو المصطفى، ولعلّ حكمة
ذلك إظهار أنه خلق فيها قوّة وإدراك لفعل ذلك، وإن أمكن وصولها إليه بتعلق الإرادة بذلك بلا
سبب يحال عليه، (فتقّطعت عروقها) على ظاهره أو معناه: تخلّصت وتعلّقت، وهذا

٥١٨
كلام الشجر له وسلامها عليه وطواعيتها له وشهادتها له بالرسالة معد له.
ثم جاءت تخذّ الأرض تجر عروقها مغيرة حتى وقفت بين يدي رسول الله عَّه فقالت:
السلام عليك يا رسول الله، فقال الأعرابي: مرها فلترجع إلى منبتها، فرجعت فدلت
عروقها في ذلك الموضع فاستقرت. فقال الأعربي: ائذن لي أن أسجد لك، قال: لو أمرت
أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها. رواه البزار في الشفاء.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء أعرابي إلى النبي عَِّ فقال: بم أعرف
هو الظاهر لقوله: (ثم جاءت تخذّ الأرض، تجرّ عروقها،) ولو تقطعت حقيقة، فسدت ولم
تبقَ ثابتة بحالها، وقيل: هي معجزة أخرى، مخالفة للعادة ببقائها بعد تقطع عروقها التي هي
سبب حياتها، والجملتان حالان مترادفتان أو متداخلتان، والثانية مؤكّدة للأولى، ولذا لم
تعطف عليها، (مغيرة،) بضم الميم وكسر المعجمة وسكون التحتية، أي: مسرعة في
مشيها، قال تعالى: ﴿فالمغيرات صبحاً﴾ الآية، فهو اسم فاعل من أغار، وروي بياء موحدة،
مشدّدة مكسورة، وراء خفيفة، اسم فاعل، يقال غبر: أثار الغبار، وروى مغبرّة، بضم،
فسكون، ففتح الموحدة الخفيفة، والراء الثقيلة، اسم فاعل أيضاً، لأنه لازم، أي: اشتدّ
غبارها أو علاها الغبار، وهو حال، إما من ضمير تجرّ، أي: تجرّ العروق في حال غبرة، أو
من العروق، أي: في حال كون العروق مغبرّة، (حتى وقفت بين يدي رسول اللَّه عَ لَّم»)
قريبة منه، مواجهة له، (فقالت: السلام عليك يا رسول اللَّه) فجمعت الطاعة والشهادة
بالرسالة والتوقير، (قال الأعرابي: مرها،) بضم الميم، مخفف اؤمرها، (فلترجع إلى منبتها،)
بكسر الموحدة وفتحها، كما مر فأمرها
(فرجعت) لمحلّها، (فدلّت عروقها،) أدخلتها (في ذلك الموضع) الذي هو أصلها،
(فاستقرّت) فيه، وفي الشفاء: فاستوت، أي: انتصبت قائمة من غير ميل، (فقال الأعرابي:
ائذن،) بكسر الهمزة، وسكون التحتية، وأصله ائذن بهمزتين، والأولى وصل، والثانية فاء الكلمة،
فلما اجتمع همزتان، ثانيتهما ساكنة، وجب إبدالها ياء على القاعدة في ذلك؛ كما في الألفية
وغيرها، خلاف قول بعض، بكسر الهمزة الأولى وسكون الثانية، ويجوز إبدالها ياء، (لي أن
أُسجد لك،) فأبى عَّه وقال: ((لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد،) أي: لو جاز أمر مخلوق
بالسجود لمثله، (لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها))؛) لوجوب طاعته عليها، وحقوقه الموجبة
للتعظيم والخضوع، وفي شرعنا يمتنع السجود والركوع لغير الله تعالى، قيل: وكان جائزًا في
الشرائع السابقة بقصد التعظيم لا العبادة؛ كما قال تعالى: ﴿وخرّوا له سجداً﴾ الآية، إن كان
الضمير ليوسف، وسجدت الملائكة لآدم، وكان ذلك تحية ملوكهم، ولذا طلبه الأعرابي، فنهاه،
وعوّضنا عن تلك التحية بالسلام والمصافحة، (رواه البزار) في مسنده، وأبو نعيم في الدلائل،

٥١٩
كلام الشجر له وسلامها عليه وطواعيتها له وشهادتها له بالرسالة منـ
أنك رسول الله؟ قال: إن دعوت هذا العذق من هذه النخلة، أتشهد أني رسول الله؟ قال:
نعم فجعل ينزل من النخلة حتى سقط إلى النبي عَّله، ثم قال: ارجع فعاد، فأسلم
الآعرابي، رواه الترمذي وصححه.
وفي حديث يعلى ابن مره الثقفي: ثم سرنا نزلنا منزلاً، فنام النبي عَّةِ فجاءت
شجرة تشق الأرض حتى غشيته
ونقله (في الشفاء) بلا عزو بزيادة، وقال: ائذن لي أقبل يديك ورجليك، فأذن.
(وعن ابن عباس رضي اللَّه عنهما، قال: جاء أعرابي) من بني عامر، كما في رواية
البيهقي، (إلى النبي ◌َّةٍ، فقال: تمّ أعرف أنك رسول اللَّه؟،) كأنه لما علم بدعائه الناس
للتصديق برسالته، ولاحت عليه علامات السعادة، قصد استكشاف أمره بعلامة يستدلّ بها، ليتيقن
صدقه معَّه، وتكون تلك العلامة حجة له على غيره، ولعلّها تكون سبباً لهداية غيره بها (قال: ((إن
دعوت) أمرت، وفي رواية: أرأيت إن دعوت، (هذا العذق) بمهملة مكسورة، فمعجمة ساكنة،
فقاف: العرجون جامع الشماريخ، (من هذه النخلة) لنخلة كانت عنده، وأمّا العذق بفتح العين،
فالنخلة نفسها، وقيل: تطلق بكسرها على النخلة أيضاً، لكنه لا يفسر به هنا؛ لقوله: من هذه، وفي
الكلام حذف، فأجابني: (أتشهد أني رسول اللّه))؟،) أي: أتؤمن بي وبما أرسلت به وتقر بذلك،
(قال: نعم)؛ كما في الرواية، فسقط من قلم المصنف أو نساخه، (فجعل،) أي: شرع، وصار
العذق (ينزل من النخلة) شيئاً فشيئاً (حتى سقط) على الأرض بقعر النخلة، فأقبل وهو يسجد
ويرفع، حتى انتهى (إلى النبيّ عَّه، ثم قالٍ) له: ((ارجع)، فعاد) إلى مكانه الذي كان فيه،
(فأسلم الأعرابي،) زاد في رواية، وقال: واللَّه لا أكذّبك بشيء تقوله بعدها أبداً، أشهد أنك
رسول اللَّه، وآمن، (رواه الترمذي وصححه،) فقال: هذا حديث صحيح، وكذا رواه البخاري في
التاريخ، وأبو يعلى وابن حبان، والبيهقي.
(وفي حديث يعلى،) بزنة يرضى علم منقول من المضارع، (ابن مرّة) بن وهب بن جابر
(الثقفي،) وأمه سيابة، بكسر السين المهملة، كما في التقريب، وقال التلمساني: بفتحها وتخفيف
التحتانية، ثم موحدة، وإليها ينسب أيضاً شهد الحديبية وما بعدها، قال أبو عمر: كان من أفاضل
الصحابة، روى عن النبيّ عَّه أن يقطع أعناب ثقيف، فقطعها وهو غير يعلى العامري، وقيل: هما
واحد، اختلف في نسبه، فقيل: الثقفي، وقيل: العامري، قال يعلى: كنت مع النبيّ عَّهُ في مسير،
فذكر الحديث إلى أن قال: (ثم سرنا حتى نزلنا منزلاً، فنام النبيّ عَّةِ، فجاءت شجرة) في رواية
طلحة أو سمرة بالشكّ من الرازي في الشجرة، وهما نوعان من شجر البرية ذات شوك يسمّى العضاه،

٥٢٠
كلام الشجر له وسلامها عليه وطواعیتها له وشهادتها له بالرسالة
ثم رجعت إلى مكانها، فلما استيقظ رسول الله عَّهه ذكرت له، فقال: شجرة
أستأذنت ربها في أن تسلم علي فأذن لها. الحديث رواه البغوي في شرح السنة.
وفي حديث جابر بن عبد الله الأنصاري: سرنا مع رسول الله عَظّ حتى نزلنا
واديًا أفيح، فذهب رسول الله عٍَّ يقضي حاجته، فاتبعته بإداوة من ماء، فنظر
رسول الله عٍَّ فلم ير شيئًا يستتر به، فإذا شجرتان في شاطىء الوادي فانطلق
رسول الله عَّةٍ إلى إحداهما فأخذ بغصن من أغصانها فقال: انقادي علي بإذن الله
تعالى فانقادت معه كالبعير المخشوش
(تشقّ الأرض حتى غشيته،) وفي رواية: طافت به، أي دارت حوله، (ثم رجعت إلى مكانها،)
موضعها الذي هي نابته فيه، (فلما استيقظ) انتبه (رسول اللَّه عَُّ، ذكرت له) ذلك، (فقال:
((شجرة استأذنت ربّها في أن تسلّم عليّ، فأذن لها)))) فيه إشعار بعلمه، مجيئها قبل إخبار يعلى له
به، ولعلّه علم ذلك في نومه؛ لأنه كان يوحى، إليه فيه فتكون الشجرة حين زارته سلّمت عليه، وعلم
بها، فحصلت مقصودها، (الحديث رواه البغوي)، الإمام الفقيه، الحافظ أبو محمّد، الحسين بن
مسعود، بن محمد، صاحب المصنفات، المبارك له فيها القصد الصالح، فإنّه كان من العلماء
الربّانيين، ذا تعبّد ونسك وقناعة باليسير، مات بمرو، سنة ستّ عشرة وخمسمائة عن ثمانين سنة، (في
شرح السنّة،) أحد تصانيفه، وهو حديث طويل، رواه الإمام أحمد، والطبراني، والبيهقي.
(وفي حديث جابر بن عبد اللَّه الأنصاري: سرنا مع رسول اللَّه عَّه) في غزاة (حتى
نزلنا وادياً أفيح،) بفتح الهمزة، وسكون الفاء، وفتح التحتية، وبالحاء المهملة، أي: واسعاً،
(فذهب رسول اللَّه عٍَّ يقضي حاجته،) كناية عن التغوّط، أي: لأجل ذلك، (فاتّبعته بإداوة،)
بالكسر مطهّرة، جمعها إِداوي، بفتح الواو (من ماء، فنظر رسول اللَّه عَّةٍ، فلم يرّ شيئاً يستتر
به) من الناس، (فإذا شجرتان) فاجأتاه بلا ترقّب، وفي رواية: بشجرتين، بزيادة الباء (في شاطىء
الوادي،) بالهمز: جانبه، (فانطلق:) توجّه (رسول اللَّه عَّ إلى إحداهما) حتى قرب منها،
(فأخذ بغصن من أغصانها،) أي: أمسكه بيده، (فقال: ((انقادي:) طاوعيني، أو ميلي (عليّ،)
لتكوني ساترة لي (بإذن اللّه تعالى))،) تيسيره وتسهيله لا بقوّة جذبي، (فانقادت معه:) طاوعته
ومالت حتى سترته، كما أراد، وإنما أمسك غصنها ولم يكتف بمجرد دعوتها، كما في الحديث
قبله؛ لأن ذلك كان لإظهار معجزة، حتى يسلم الإعرابي، وهنا لم يقصد ذلك، (كالبعير
المخشوش،) بمعجمات اسم مفعول، أي: الذي وضع في أنفه خشاش بالكسر، أي: عود من
خشب لينقاد بسهولة، فإن كان مفتولاً من وبر ونحوه فخزام، ومن نحاس فبرّة، قاله الخطابي وبه
علم موقع المخشوش دون المخزوم؛ لأن الغصن من جنس العود، وهو تشبيه في السرعة