النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١
المقصد الرابع في معجزاته معَِّ الدالّة على ثبوت نبّته
والجمل، والنور المتوارث من آدم إلى جبهة أبيه عبد الله من الأزل، وما سوى
ذلك من المعجزات التي تداولتها الحملة، ونقلتها عن ألسنة الأول النقلة، مما لو
أعملنا أنفسنا في حصرها لفني المدى في ذكرها. ولو بالغ الأولون والآخرون في
إحصاء مناقبه لعجزوا عن استقصاء ما حباه الكريم به من مواهبه، ولكن الملم
بساحل بحرها مقصرًا عن حصر بعض فخرها، ولقد صح لمحبيه أن ينشدوا فيه:
وعلى تفنن واصفيه لنعته يفنى الزمان وفيه ما لم يوصف
وإنه لخليق بمن ينشد فيه قول الخنساء التي شهد لها النابغة الذبياني بأنها
أُشعر الناس وقد أُسلمت وصحبت:
فما بلغت كيف امرىء متناولاً من المجد إلا والذي نال أطول
ولا بلغ المهدون في القول مدحه ولو حذقوا إلا الذي فيه أفضل
والجمل،» ويأتي بيان ذلك كلّه، (والنور المتوارث من آدم إلى جبهة أبيه عبد اللَّه من
الأزل، وما سوى ذلك من المعجزات التي تداولتها الحملة) للأخبار، (ونقلتها عن ألسنة
الأوّل،) أي: المتقدّمين، (النقلة) المتأخّرون في تصانيفهم، (مما لو أعملنا أنفسنا في حصرها
لفني المدى،) أي: الغاية (في ذكرها،) أي لانتهى العمر وفرغ في عدتها ولم يحط بها (ولو
بلغ الأولون والآخرون في احصاء) أي: عدّ (مناقبه، لعجزوا عن استقصاء ما حباه،) بموحّدة:
أعطاه بلا عوض، (الكريم) سبحانه (به من مواهبه، ولكان الملمّ،) النازل (بساحل بحرها
مقصرًا،) أي: عاجزًا (عن حصر بعض فخرها:) مباهاتها، وقد صح لمحبيه) أمكنهم (أن) يقولوا
قولاً يقبل منهم ولا يكذبون فيه، كأن (ينشدوا فيه) قول ابن الفارض، (وعلى تفنّن:) تنوّع
(واصفيه) أي: إتيانهم بأنواع كثيرة، (لنعته يفنى) ينقضي (الزمان وفيه ما لم يوصف) أوصاف
كثيرة، ما عثروا على شىء منها حتى يذكروه، (وإنه لخليق،) جدير وحقيق (بمن ينشد فيه
قول الخنساء التي شهد لها النابغة الذبياني؛ بأنها أشعر الناس، وقد أسلمت وصحبت):
(فما بلغت كفّ امرىء متناولاً من المجد والذي نال أطول)
أجلّ وأعظم، (ولا بلغ المهدون في القول مدحه، ولو حذقوا،) بفتح الذال وكسرها من
بابي ضرب وتعب مهروا، وعلموا غوامض المدح ودقائقه، (إلاّ) الوصف (الذي) هو (فيه أفضل،)
أتمّ وأكمل من أوصافهم التي ذكروها.
ذكر عبد العظيم، ابن أبي الأصبع في كتابه الأشعار الرائقة: أن الأخطل وفد على معوية
يمتدحه، فقال له: إن كنت شبهتني بالحيّة والأسد والصقر، فلا حاجة لي به، وإن كنت قلت
كما قالت الخنساء، فهات، قال: وما قالت؟، فأنشد هذين البيتين، فقال الأخطل: والله لقد

٤٦٢
المقصد الرابع في معجزاته مَّ يِ الدالّة على ثبوت نبوّته
ولله در إمام العارفين سيدي محمد وفي فلقد كفى وشفى بقوله:
ما شئت قل فيه فأنت مصدق فالحب يقضي والمحاسن تشهد
ولقد أبدع الإمام الأديب شرف الدين الأبوصيري حيث قال:
دع ما ادعته النصارى في نبيهم واحكم بما شئت مدحًا فيه واحتكم
وانسب إلى قدره ما شئت من عظم
وانسب إلى ذاته ما شئت من شرف
فإن فضل رسول الله ليس له حد فيعرب عنه ناطق بفم
يعني أن المداح وإن انتهوا إلى أقصى الغايات والنهايات لا يصلون إلى
شاوه،
أحسنت، ولقد قلت فيك بيتين، ما هما بدون ما سمعت، وأنشد:
إذا متّ مات الجود والقطع الغنى فلم يبقَ إلاّ من قليل مصرد
وردت أكفّ الراغبين وأمسكوا عن الدين والدنيا بحلف مجرد
فقال: لحاك اللَّه ما زدت على أن نعيت إليّ نفسي، ولم تتعلّق للمرأة بغبار.
(ولله در إمام العارفين سيدي محمّد وفي، فلقد كفى وشفى بقوله: ما شئت) من
الصفات المتناهية في الكمال، (قل فيه) صفة بها، ولا تخشَ من ذكرها، (فأنت مصدّق) في
كل ما تقوله فيه، (فالحبّ) الذي أودعه اللَّه في قلوب العارفين (يقضي:) يحكم بذلك،
(والمحاسن) الظاهرة التي لا تخفى على أحد (تشهد) بحقيّة ما وصفته به، (ولقد أبدع:) أتى
بأمر بديع لم يسبق إليه، (الإمام الأديب شرف الدين الأبوصيري،) صوابه البوصيري؛ لأنه منسوب
إلى بوصير، كما مرّ كثيرًا، (حيث قال: دع:) اترك (ما ادعته النصارى) جمع نصران، كسكارى
جمع سكران، أو نسبة إلى قرية تسمّى ناصرة، وقيل: إنها قرية المسيح، أو الياء في نصراني للمبالغة،
سمّرا نصارى لنصرهم عيسى (في نبيّهم،) كقولهم: ابن اللَّه، وثالث ثلاثة؛ لنهي نبيّنا عَّه عن مثل
ذلك بقوله: ((لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى، وإنما أنا عبد، فقولوا: ((عبد الله ورسوله))، (و) بعد
ذلك (احكم:) اقصد (بما شئت مدحًا) ثنا: حسنًا (فيه واحتكم:) اختصم، أي: خاصم في إثبات
فضائله من شئت من الخصماء، (وانسب:) أعزّ (إلى ذاته:) حقيقته (ما شئت من شرف:) عزّ،
(وانسب إليّ قدره:) مبلغه (ما شئت من عظم:) تعظيم ورفعة، فقد وجدت للقول سعة؛ (فإن فضل
رسول اللَّه ليس له حدّ:) غاية يوقف عندها، (فيعرب) يبيّ منصوب بأن مضمرة، وجوبًا بعد فاء
السببيّة في جواب النفي، (عنه) متعلّق بيعرب (ناطق) فاعل (بفمٌ،) متعلّق بناطق على تقدير مضاف،
أي: بلسان فم إذ أوصافه لا تحصى، وفضائله لا تستقصى، (يعني أن المداح وإن انتهوا إلى
أقصى الغايات والنهايات لا يصلون إلى شأوه،) بفتح الشين المعجمة، وسكون الهمزة، وبالواو

٤٦٣
المقصد الرابع في معجزاته عَ ◌ّ الدالّة على ثبوت نبوّته
إذ لا حدَّ له، ويحكى أنه رؤي الشيخ عمر بن الفارض السعدي في النوم فقيل له: لم لا
مدحت النبي عَِّ فقال:
أرى كل مدح في النبي مقصرًا وإن بالغ المثني عليه وأكثروا
إذا الله أثنى بالذي هو أهله عليه فما مقدار ما يمدح الورى
قال الشيخ بدر الدين الزركشي: ولهذاا لم يتعاط فحول الشعراء المتقدمين
- كأبي تمام والبحتري وابن الرومي - مدحه عَّهِ، وكان مدحه عندهم من أصعب ما
یحاولونه،
والهاء: غايته وأمده، (إذ لا حدّ له) حتى يصلوا إليه.
(ويحكى أنه رؤي الشيخ) شرف الدين، أبو القُسم، (عمر بن) عليّ، (الفارض،) كان
يكتب فروض النساء ابن مرشد (السعدي،) نسبة إلى بني سعد: قبيلة حليمة، الحموي الأصل،
المصري، ولد بالقاهرة في ذي القعدة سنة ستّ وسبعين وخمسمائة، وترجمه الرشد العطار في
معجمه، فقال الشيخ الفاضل، الأديب، حسن النظم، متوقّد الخاطر، كان يسلك طريق التصوّف،
وينتحل مذهب الشافعي، وأقام بمكّة مدة، وصحب جماعة من المشائخ، وترجمه أيضًا المنذري
وغيره، مات في ثالث جمادى الأولى، سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، (في النوم، فقيل له: لِمَ لا
مدحت النبيّ عَّهِ؟،) على سبيل الصراحة، وإلا فباطن كلامه مدح له؛ كذا قال بعض.
وقال آخر: يعتقد بعض العوام أن باطن كلامه مدح للنبيّ عٍَّ وغالب كلامه لا يصحّ أن
يراد به ذلك، (فقال: أرى كل مدح،) أي: مادح (في النبيّ،) أو هو باق على مصدريّته، وتجوّز
في إسناد (مقصرًا) إليه، (وإن بالغ المثني عليه، وأكثروا) بألف الإطلاق في المبالغة في الثناء
عليه، (إذا اللَّه أثنى بالذي هو أهله عليه،) بنحو قوله تعالى: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾، الآية،
(فما مقدار ما يمدح الورى؟،) الخلق، (قال الشيخ بدر الدين الزركشي: ولهذا لم يتعاط،
فحوّل الشعراء المتقدمين) نعت للشعراء؛ (كأبي تمام،) حبيب بن أوس الطائي، المشهور،
صاحب الحماسة، قال ابن خلكان: أصله من قرية جاسم قرب طبرية، وكان بجامع دمشق يسقي
الماء، ثم جالس الأدباء وأخذ عنهم، حتى قال الشعر، فأجاد وشاع ذكره، وسار شعره، وبلغ
المعتصم خبره، فحمله إليه، فقدم بغداد، فجالس الأدباء، وعاشر العلماء، وتقدم على شعراء وقته،
مات بالموصل سنة ثمان وعشرين ومائتين، وقيل بعد ذلك.
(والبحتري،) بضم الموحدة، وسكون الحاء المهملة، وضمّ الفوقية، أبو عبادة الوليد، بن
عبيد، الشاعر المشهور، نسبة إلى بحتر بن عقود الطائي؛ كما في التبصير.
(و) أبي العباس علي (بن الرومي مدحه عَّة، وكان مدحه عندهم من أصعب ما

٤٦٤
المقصد الرابع في معجزاته عَِّ الدالّة على ثبوت نبّته
فإن المعاني دون مرتبته، والأوصاف دون وصفه، وكل غلو في حقه تقصير، فيضيق
على البليغ مجال النظم، وعند التحقيق إذا اعتبرت جميع الأمداح التي فيها غلو بالنسبة
إلى من فرضت له وجدتها صادقة في حق النبي ◌َّةِ، حتى كان الشعراء على صفاته
يعتمدون وإلى مدحه كانوا يقصدون، وقد أشار الأبوصيري بقوله: ((دع ما ادعته
النصارى في نبيهم)) إلى ما أطرت النصارى به عيسى بن مريم من اتخاذه إلها.
قال النيسابوري: إنهم صحفوا في الإنجيل ((عيسى نبي وأنا ولدته)) فحرفوا
الأول بتقديم الباء وخففوا اللام في الثاني، فلعنة الله على الكافرين.
فإن قلت: هل ادعى أحد في نبينا عليه السلام ما ادعي في عيسى؟
أجيب: بأنهم قد كادوا أن يفعلوا نحو ذلك حين قالوا له عليه السلام: أفلا
يحاولونه، فإن المعاني) التي يتصوّرونها مادحة له (دون مرتبته،) أي: حقيقة صفاته الحميدة،
فإن وصفوه بها قصّروا في حقّه، (والأوصاف دون وصفه، وكل غلق بمعجمة، أي: كل وصف
تجاوز قائله فيه الحدّ المتعارف بين الناس، أو بمهملة، أي: ارتفاع في الوصف زائد على العادة،
(في حقه تقصير،) قليل بالنسبة لمقامه، (فيضيق على البليغ مجال النظم) بميم وجيم، أي:
العمل الذي يجول فكره فيه ليأخذ المعاني التي يستحسنها وتليق عنده، (وعند التحقيق إذا
اعتبرت جميع الأمداح التي فيها غلوّ،) بمعجمة ومهملة، (بالنسبة إلى من فرضت له، وجدتها
صادقة في حق النبيّ عَُّ حتى كان الشعراء) إذا حاولوا الثناء على أحد بأكمل الصفات،
وصفوه ببعض أوصاف، صفات المصطفى الممكن ثبوتها للممدوح، وكأنهم (على صفاته
يعتمدون،) لأنه غاية طاقتهم، (وإلى مدحه كانوا يقصدون، وقد أشار الأبوصيري بقوله: دع ما
ادّعته النصارى في نبيّهم،) ومنه أخذ الحلى قوله في بديعيته:
دع ما تقول النصارى في نبيّهم من التغالي وقل ما شئت واحتكم
(إلى ما أطرت النصارى به عيسى بن مريم من اتّخاذه إلهًا؛) كما قال تعالى: ﴿أأنت قلت
للناس اتخذوني وأُمّي الهين من دون اللَّه، قال: سبحانك﴾ الآية، (قال النيسابوري: إنهم صحفوا
في الإنجيل عيسى نبي،) بنون تليها موحدة، (وأنا ولدته،) بالتثقيل خلقت ولادته من مريم بلا
أب، (فحرّفوا الأوّل، بتقديم الباء) على النون، (وخفّفوا اللام في الثاني، فلعنة اللَّه على
الكافرين،) المحرفين للكلم عن مواضعه ((فإن قلت: هل ادّعى أحد في نبينا عليه السّلام ما
ادّعي في عيسى؟، أجيب: بأنهم قد كادوا،) قاربوا (أن يفعلوا نحو ذلك،) وما فعلوا (حين قالوا
له عليه السّلام) في قصة سجود الأشجار له والجمل والغنم: (أفلا) الهمزة داخلة على محذوف،

٤٦٥
المقصد الرابع في معجزاته عَّ الدالّة على ثبوت نبوّته
نسجد لك؟ فقال: لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد
لزوجها. فنهاهم عما عساه يبلغ بهم من العبادة.
وقد جاء في صفته في حديث ابن أبي هالة: ولا يقبل الثناء إلا من
مكافىء، أي: مقارب في مدحه غير مفرط فيه. وقال ابن قتيبة معناه؛ ألا أن يكون
ممن له عليه منة، فيكافئه الآخر، وغلطه ابن الأنباري: بأنه لا ينفك أحد من أنعام
رسول الله عَّةٍ، لأن الله بعثه رحمة للعالمين، فالثناء عليه فرض عليهم، لا يتم
الإسلام إلا به. قال: وإنما المعنى: لا يقبل الثناء إلا من رجل عرف حقيقة إسلامه.
ثم حاصل
أي: أنترك تعظيمك، فلا (نسجد لك،) أم نعظّمك، فنحن أحق بالسجود من الغنم وغيرها، (فقال:
(لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها)))، لما له عليها من الحقّ،
(فنهاهم عمّا،) أي: أمر، (عساه يبلغ،) يصل (بهم من العبادة) التي يتجاوز بها الحدّ، حتى يصيروا
كفرة أو فسقة، معتقدين أنه حقّ، وهو باطل، على نحو قوله تعالى: ﴿الذين ضلّ سعيهم في الحياة
الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا﴾ [السورة الآية] الآية،
نعم، روى ابن حبان عن ابن أبي أوفى، قال: لما قدم معاذ بن جبل من الشام، سجد
للنبيّ عَّه، فقال: ((ما هذا))؟، قال: يا رسول اللَّه! قدمت الشام، فرأيتهم يسجدون لبطارقته
وأساقفتهم، فأردت أن أفعل ذلك بك، قال: ((لا تفعل، فإني لو أمرت شيئًا أن يسجد لشىء،
لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، والذي نفسي بيده لا تؤدي المرأة حقّ ربها حتى تؤدّي حقّ
زوجها، ولو سألها نفسها، وهي على قتب لم تمنعه)).
(وقد جاء في صفته) عَّ. (في حديث) هند (بن أبي هالة) وصافه، (ولا يقبل الثناء إلاّ
من مكافىء») بالهمز، (أي: من مقارب في مدحه غير مفرط فيه، وقال) عبد اللَّه بن مسلم
(بن قتيبة) الدينوري: (معناه ألاّ يكون ممن له) عليه الصّلاة والسّلام (عليه منّة) سبقت له،
(فيكافئه الآخر،) فيقبله لسبق منته عليه، (وغّطه ابن الأنباري) بالفتح، نسبة إلى الأنبار بالعراق،
(بأنه لا ينفكّ أحد من أنعام رسول اللَّه عَّ؛ لأن اللَّه بعثه رحمة للعالمين،) فما من أحد إلاّ
وله عليه منّة، (فالثناء عليه فرض عليهم، لا يتمّ الإسلام إلاّ به،) لوجوب شكر النعم، (قال:
وإنما المعنى لا يقبل الثناء إلّ من رجل،) وصف طردي، والمراد: إنسان (عرف حقيقة
إسلامه،) وأجيب عن هذا التغليط؛ بأن القرينة قائمة على أن المراد نعمة حادثة خاصة، وقد
صرّح في بعض الروايات بقوله: إلّ عن يد، (ثم) للترتيب في الذكر أو للتراخي، (حاصل

٤٦٦
المقصد الرابع في معجزاته معَِّ الدالّة على ثبوت نبوّته
معجزاته وباهر آياته وكراماته كما نبه عليه القطب القسطلاني يرجع إلى ثلاثة
أقسام:
ماض: وجد قبل كونه، فقضى بمجده.
ومستقبل وقع بعد مواراته في لحده.
وكائن معه من حين حمله ووضعه إلى أن نقله الله إلى محل فضله وموطن
جمعه.
فأما القسم الماضي وهو ما كان قبل ظهوره إلى هذا الوجود، فقد ذكرت
منه جملة في المقصد الأول، كقصة الفيل وغير ذلك، مما هو تأسيس لنبوته
وإرهاص لرسالته،
معجزاته، و) حاصل (باهر): غالب (آياته)، من إضافة الصفة للموصوف، (و) حاصل (كراماته)،
فهما بالجرّ عطف على معجزاته؛ (كما نّه عليه القطب) قطب الدين أبو بكر محمّد بن
أحمد بن علي (القسطلاني) المصري، المولود بها سنة أربع عشرة وستمائة، وجمع بين العلم
والعمل وألّف في الحديث والتصوّف والتاريخ بمصر، ومات في محرم سنة ستّ وثمانين وستمائة
نسبة إلى قسطلينة من إقليم أفريقية؛ كما قاله هو رحمه اللَّه في تاريخ مصر، ولم يضبطه.
وقال القطب الحلبي: كأنه منسوب إلى قسطلينة، بضم القاف من أعمال أفريقية
بالمغرب، وقال غيره: بفتح القاف وشدّ اللام، (يرجع إلى ثلاثة أقسام: ماض: وجد قبل كونه،)
أي: وجوده، (فقضى بمجده،) حكم بشرفه وسيادته وعزّه، بمعنى: إنهم اعتقدوا ذلك حتى سمّی
جماعة أبنائهم محمّدًا رجاء أن يكون هو، والله أعلم حيث يجعل رسالاته.
(ومستقبل وقع بعد مواراته في لحده،) أي: بعد موته، (وكائن معه من حين حمله
ووضعه إلى أن نقله اللَّه إلى محل فضله وموطن جمعه:) المكان الذي تجتمع فيه الخلائق،
ولكن عدّه ما تقدم وجوده من المعجزات، وكذا ما قارن حمله إلى نبوّته، مبني على أن المعجزة
لا يشترط اقترانها بالتحدّي، والراجح كما مرّ ويأتي خلافه إلى أن ذلك لا يردّ عليه؛ لأنه جعل
مجموع الآيات والمعجزات والكرامات منقسمًا إلى ثلاثة أقسام، ولا يلزم من انقسام المجموع
وجود كل فرد منه في الأقسام الثلاثة.
(فأمّا القسم الماضي، وهو ما كان قبل ظهوره إلى هذا الوجود، فقد ذكرت منه جملة
في المقصد الأوّل؛ كقصة الفيل وغير ذلك ممّا هو تأسيس،) أي: اتّخاذ أصل (النبوّته،) يدلّ
عليها إذا ادّعاها، (وإرهاص لرسالته) من أرهص الحائط، جعل لها أصلاً، فهما متّحدان، والمراد:

٤٦٧
المقصد الرابع في معجزاته معَّ الدالّة على ثبوت نبوّته
قال الإمام فخر الدين الرازي: ومذهبنا: أنه يجوز تقديم المعجزة تأسيسًا وإرهاصًا،
قال: ولذلك قالوا: كانت الغمامة تظله، يعني في سفره قبل النبوة، خلافًا للمعتزلة
القائلين بأنه لا يجوز أن تكون المعجزة قبل الإرسال. انتهى.
وقد تقدم أوّل هذا المقصد: أن الذي عليه جمهور أئمة الأصول وغيرهم:
أن هذا ونحوه مما هو متقدم على الدعوى لا يسمى معجزة، بل تأسيسًا للرسالة
وكرامة للرسول عليه السلام.
وأما القسم الثاني: وهو ما وقع بعد وفاته عَِّ فكثير جدًا، إذ في كل حين
يقع لخواص أمته من خوارق العادات بسببه مما يدل على تعظيم قدره الكريم ما لا
يحصى كالاستغاثة به وغير ذلك مما يأتي في المقصد الأخير، في أثناء الكلام
على زيارة قبره المثير.
أن الخوارق التي ظهرت قبل وجوده أو في زمنه قبل بعثته مقدّمات لتصديقه في دعوى النبوّة؛
لأنها حققت عنده شرفه وأمانته.
(قال الإمام فخر الدين الرازي: ومذهبنا) معاشر أهل السنّة؛ (أنه يجوز تقديم المعجزة
تأسيسًا وإرهاصًا، قال: ولذلك قالوا،) أي: رووا أنه (كانت الغمامة) السحابة (تظلّه، يعني في
سفره قبل النبوّة،) كما ورد في أخبار صحاح، وزعم أنها لم تصحّ عند المحدثين باطل؛ كما
قاله الزركشي. (خلافًا للمعتزلة القائلين؛ بأنه لا يجوز أن تكون المعجزة قبل الإرسال، انتهى).
(وقد تقدّم أوّل هذا المقصد) وقبله في المقصد الأوّل، (أن الذي عليه جمهور أئمّة
الأصول وغيرهم، أن هذا ونحوه ممّا هو متقدّم على الدعوى) للنبوّة، (لا يسمّى معجزة)
لفقد شرط التحدّي الذي هو دعوى الرسالة، (بل تأسيسًا للرسالة، وكرامة للرسول عليه
السّلام،) والأنبياء قبل النبوّة لا يقصرون عن درجة الولاية.
(وأمّا القسم الثاني: وهو ما وقع بعد وفاته عَّهِ، فكثير جدًا إذ في كل حين يقع
لخواص أُمّته من خوارق العادات بسببه، مما يدلّ على تعظيم قدره الكريم ما لا يحصي؛
كالاستغاثة به) في الملمات، (وغير ذلك) كالتوسل به في نيل المرامات والإقسام به على ربّ
البريّات، (ممّا يأتي في المقصد الأخير في أثناء الكلام على زيارة قبره المنير،) فكرامات
الأولياء؛ كما نقل اليافعي من تتمّة معجزات النبيّ عَّه، لأنها تشهد للولي بالصدق المستلزم
لكمال دينه، المستلزم لحقيته، المستلزم لصدق نبيّه فيما أخبر به من الرسالة، فكانت الكرامة من
جملة المعجزات بهذا الاعتبار.

٤٦٨
المقصد الرابع في معجزاته معَّ الدالّة على ثبوت نبوّته
وأما القسم الثالث: وهو ما كان معه من حين ولادته إلى وفاته، فكالنور
الذي خرج معه حتى استضاء له قصور الشام وأسواقها، حتى ريئت له أعناق الإبل
ببصرى، ومسح الطائر على فؤاد أمه حتى لم تجد ألمًا لولادته، والطواف به في
الآفاق، إلى غير ذلك، وكانشقاق القمر عند اقتراحه عليه، وانضمام الشجرتين لما
دعاهما إليه، وكإطعام الجيش الكثير من النزر اليسير، في عدة من المواضع
واستيلاء الفجائع، وغير ذلك مما أمده الله به من المعجزات، وأكرمه به من
خوارق العادات، تأييدًا
(وأمّا القسم الثالث: وهو ما كان معه من حين ولادته إلى وفاته، فكالنور،) أي: مثل
النور، وقولهم: مثل كذا كناية عن كذا ومثله، فكأنه قال: فهو النور، وما أشبهه من الخوارق
(الذي خرج معه حتى استضاء) أي: أضاء (له قصور الشام وأسواقها) من إضاءة ذلك النور
وانتشاره، (حتى ريئت له أعناق الإبل ببصرى) بضمّ الموحدة، وسكون المهملة، وراء، فألف
مقصورة: مدينة بين المدينة ودمشق، وهي حوران.
وروى ابن سعد مرفوعًا: «رأت أمي حين وضعتني سطع منها نور أضاء له قصور بصرى))، وحكمته
الإشارة إلي ما يجيء به من النور الذي اهتدى بها الخلق، وتخصيص الشام إشارة إلى ما خصّها من
نوره؛ لأنه أسري به إليها. وخصّت بصرى؛ لأنها أول ما دخله ذلك النور المحمدي، إذ كانت أوّل ما
فتح من الشام، أو إشارة إلى أنه ينوّر البصائر، ويحيي القلوب الميّة، على أن ابن سعد قد روى عن ابن
عباس وغيره: أن آمنة قالت: لمّا فصل منّي، تعني النبيّ عَّله، خرج معه نور أضاء له ما بين المشرق
والمغرب (ومسح الطائر على فؤاد أمه حتى لم تجد ألما) وجعا (لولادته) وعه في هذا القسم، مع أنه قبل
الولادة؛ لأنه أراد بحينها أعمّ منها نفسها، أو ما قاربها، فدخل ما وجد زمن الحمل به، (والطواف به
في الآفاق:) مشارق الأرض ومغاربها وبحارها، ليعرفوه باسم، ونعته وصورته في جميع الأرض؛ كما
في حديث رواه الخطيب، (إلى غير ذلك) مما مرّ بعضه في المقصد الأوّل، (وكانشقاق القمر عند
اقتراحه،) أي: طلبهم منه تعنًّا (عليه،) وتحكمًا، واختيارًا، (وانضمام الشجرتين لما دعاهما إليه)
ليستتر بهما حين قضى حاجته، (وكإطعام الجيش الكثير من النزر،) بنون وزاي، (اليسير) صفة
كاشفة، إذ النزر: القليل (في عدة من المواضع،) يأتي بيان بعضها، (و) في أوقات (استيلاء) غلبة
وتتابع (الفجائع،) أي: الشدائد جمع فجيعة، حتى كأنها أحاطت بجميع أجساد الصحابة رضي اللّه
عنهم، (وغير ذلك ممَّا أمّده الله به من المعجزات، وأكرمه به من خوارق العادات، تأييدًا:) تقوية
(لإقامة حجّته، وتمهيدًا لهداية محجّته:) طريقه الواضحة، (وتأبيدًا،) بموحدة

٤٦٩
المقصد الرابع في معجزاته عَ ◌ِّ الدالّة على ثبوت نبوّته
لإقامة حجته، وتمهيدًا لهداية محجته، وتأبيدًا لسيادته في كل أمة، وتسديدًا لمن
اذكر بعد أمة، مما تتبعه يخرج عن مقصود الاختصار، إذ هو باب فسيح المجال
منيع المنال، لكني أنبه من ذلك على نبذة يسيرة، وأنوه في أثنائها بجملة خطيرة.
فأقول وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.
أما معجزة انشقاق القمر، فقد قال تعالى في كتابه العزيز: ﴿اقتربت الساعة
وانشق القمر﴾ [القمر/ ١]،
(لسيادته في كل أُمّة:) جماعة من الناس، سواء كانت من أتباعه، أم لا؛ لأن غير أتباعه وإن
أنكروا رسالته، فذلك عناد واستكبار، لأن براهين رسالته قطيعة لا تنكر فهم، وإن أنكروها
بألسنتهم، فقلوبهم تعترف لها قهرًا عليهم؛ كما قال تعالى: ﴿فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين
بآيات الله يجحدون﴾ الآية، (وتسديدًا،) بسين مهملة، تقوية وتنبيهًا (لمن اذّكر بعد أمة:)
جماعة من الزمان، أي: مدّة طويلة، أي: لمن تذكر بعد غفلته عن اتّباع الحقّ مدة طويلة،
الاستغراقه في سهوات نفسه، (مما تتّبعه، يخرج) هذا الكتاب (عن مقصود الاختصار، إذ هو
باب فسيح،) واسع (المجال،) بجيم، (منيع،) ممتنع (المنال،) بالنون، أي: ما يراد حصوله
منه على الوجه التامّ، ممنوع لا يمكن الوصول إليه، (لكني أنته من ذلك على نبذة،) بضمّ النون
(يسيرة، وأنوّه:) أعظّم (في أثنائها بجملة خطيرة،) بمعجمة، فمهملة مرتفعة القدر والمنزلة،
(فأقول، وما توفيقي) قدرتي على ذلك وغيره من الطاعات، (إلّ بالله، عليه توكّلت وإليه
أنيب،) أرجع اقتباس لطيف.
(وأما معجزة انشقاق القمر،) أي: أمّا الدليل على ثبوت المعجزة التي هي انشقاق القمر،
(فقد قال اللَّه تعالى في كتابه العزيز:) ﴿اقتربت الساعة﴾ الآية، قربت ودنت القيامة، ﴿وانشقّ
القمر﴾ الآية، بالفعل آية للمصطفى، وقدم اقتراب الساعة عليها تخويفًا لمنكري ذلك، وإثباتًا له،
وتقريرًا في نفوس المؤمنين لها إذ فيها تشقّق السموات، فالقادر على ذلك الفعّال لما يريد، كيف
لا يقدر على شقّ القمر.
وقد روى ابن مردويه عن ابن مسعود: قال الله تعالى: ﴿اقتربت الساعة وانشقّ القمر﴾
الآية، يقول: كما شققت القمر، كذلك أقيم الساعة، وقيل: اقتربت أُخصّ من قربت، فيدلّ على
المبالغة في القرب؛ لأن افتعل يدلّ على اعتمال ومشقّة في تحصيل الفعل، فهو أخصّ مما يدلّ
على القرب بلا قيد، والمعنى: صارت قريبة من بعثته عَّةٍ؛ كما في حديث: (بعثت أنا والساعة،
كهاتين)، وأشار بأصبعيه الوسطى والسباب؛ لأن التفاوت بينهما مقدار سبع، وبعثه عَّةٍ في الألف

٤٧٠
المقصد الرابع في معجزاته معَّ الدالّة على ثبوت نبوّله
والمراد وقوع انشقاقه بالفعل، ويؤيد قوله تعالى بعد ذلك: ﴿وإن يروا آية يعرضوا
ويقولوا سحر مستمر﴾ [القمر/٢] فإن ذلك ظاهر في أن المراد بقوله: ﴿انشق﴾
وقوع انشقاقه، لأن الكفار لا يقولون ذلك يوم القيامة، فإذا تبين أن قولهم ذلك إنما
هو في الدنيا تبين وقوع الانشقاق وأنه المراد بالآية التي زعموا أنها سحر، وسيأتي
ذلك صريحًا في حديث ابن مسعود وغيره.
السابعة على المشهور عند المحدثين وغيرهم، وإنما كانت الساعة قريبة؛ لأن عمر الدنيا سبعة
آلاف سنة، و کسور على المشهور، وقيل أكثر من ذلك.
وروى البيهقي في شعبة والديلمي، عن ابن عباس رفعه، قال: ((اقتربت تدعى في التوراة
المبيضة، تبيّض وجه صاحبها يوم تسودّ الوجوه)).
(والمراد: وقوع انشقاقه بالفعل) عند الجمهور فلقتين في زمن النبيّ عَّه، كما يأتي
في الأحاديث لا الوعد به يوم القيامة؛ كما قال بعض أهل العلم من القدماء؛ وأنه من التعبير
بالماضي عن المستقبل؛ كما قال تعالى: ﴿أتى أمر الله﴾ الآية، أي: سيأتي. ونكتة ذلك:
إرادة المبالغة في تحقيق وقوع ذلك، فنزل الواقع، وما ذهب إليه الجمهور أصحّ؛ كما قال
الحافظ وغيره، (ويؤيّده قوله تعالى بعد ذلك،) يتلوه: ﴿وإن يروا﴾ الآية، أي: كفار قريش،
﴿آية﴾ الآية، أي: معجزة له عَّله، ﴿يعرضوا ويقولوا﴾ الآية، هذا ﴿سحر مستمر﴾، قوي
من المرّة، وهي القوّة، أو دائم مطرد، فيدلّ على أنهم رأوا قبله آيات أخرى مترادفة،
ومعجزات متتابعة حتى قالوا ذلك، أو مستبشع من استمرّ، إذا اشتدّت مرارته، أو مارّ، ذاهب
لا يبقى، (فإن ذلك ظاهر في أن المراد بقوله ﴿الشق﴾) الآية، (وقوع انشقاقه؛ لأن
الكفار لا يقولون ذلك) ، أي: سحر مستمر فيما ظهر على يد النبيّ من الآيات (يوم
القيامة،) لظهور الأمر واتّضاحه، (فإذا تبيّن أن قولهم ذلك إنما هو في الدنيا، تبين وقوع
الانشقاق) بالفعل، (وأنه المراد بالآية التي زعموا أنها سحر، وسيأتي ذلك صريحًا في
حديث ابن مسعود وغيره؛) كحذيفة، وجبير بن مطعم، وابن عباس.
وفي الدلائل لأبي نعيم، عن ابن عباس: انشقّ القمر ليلة أربع عشرة نصفًا على الصفا،
ونصفًا على المروة، قدر ما بين العصر إلى اللّيل، ويؤيّده أيضًا؛ كما في البيضاوي: أنه قرىء
وقد انشقّ القمر، أي: وقد حصل من آيات اقتراب الساعة انشقاق القمر.
وقال الحليمي: من الناس من يقول المراد سينشقّ، فإن كان كذلك فقد وقع في عصرنا،
فشاهدت الهلال ببخارى في الليلة الثانية، منشقًّا نصفين، عرض كل واحد منهما، كعرض القمر

٤٧١
المقصد الرابع في معجزاته عَِّ الدالّة على ثبوت نبوّته
واعلم أن القمر لم ينشق لغير نبينا معَّله، وهو من أمهات معجزاته عليه
السلام. وقد أجمع المفسرون وأهل السنة على وقوعه لأجله عَّله، فإن كفار قريش
لما كذبوه ولم يصدقوه طلبوا منه آية تدل على صدقه في دعواه، فأعطاه الله هذه
الآية العظيمة، التي لا قدرة للبشر على إيجادها، دلالة على صدقه عليه السلام في
دعواه الوحدانية الله تعالى، وأنه منفرد بالربوبية، وأن هذه الآلهة التي يعبدونها باطلة
لا تنقطع ولا تضر، وأن العبادة إنما تكون لله وحده لا شريك له.
ليلة أربع أو خمس، ثم اتّصلا، فصار في شكل أترجة إلى أن غاب، وأخبرني بعض من أثق به؛
أنه شاهد ذلك ليلة أخرى، نقله البيهقي.
قال الحافظ: ولقد عجبت من البيهقي كيف أقرّ هذا مع إيراده حديث ابن مسعود،
المصرّح بأن المراد بقوله تعالى: ﴿وانشقّ القمر﴾ الآية، أن ذلك وقع في زمن النبيّ عَّله، فإنه
ساقه هكذا عن ابن مسعود في هذه الآية، قال: انشقّ على عهد رسول اللَّه عَّ له، ثمّ ساق حديث
ابن مسعود: لقد مضت آية الدخان والروم، والبطش، وانشقاق القمر، انتهى.
(واعلم: أن القمر لم ينشقّ لغير نبيّا عَّ له) لمّا طلب الكفّار آية. وأخرج عبد بن حميد،
وابن مردويه، والحاكم، وصححه البيهقي في الدلائل، عن ابن مسعود، قال: رأيت القمر منشقًّا
بشقّتين مرّتين بمكة قبل مخرج النبيّ عَّهِ شقّة على أبي قبيش، وشقّة على السويداء، والمراد
بمخرجه: هجرته إلى المدينة؛ كما في رواية عبد الرزّاق، لا بعثته، (وهو من أُمّهات معجزاته عليه
السّلام،) أي: معجزاته التي هي كالأمهات لغيرها مما دونها، (وقد أجمع المفسّرون وأهل
السّة على وقوعه لأجله عَّ،) حكاه القاضي عياض مؤيّدًا له بأن اللَّه أخبر بوقوعه بلفظ
الماضي، وإعراض الكفرة عن آياته، واعترض بأن الحسن البصري، قال: المراد سينشقّ، نقله عنه
النسفي وأبو الليث، ولعلّه لم يصحّ عنه، أو شذّ به على تكذيبه، فلا يعتدّ به في خرق إجماعهم،
(فإن كفّار قريش لما كذبوه ولم يصدّقوه،) أي: واستمرّوا على تكذيبه، فلم يرجعوا عمّا هم
فيه من الغيّ والضلال، بل زادوا طغيانًا، (طلبوا منه آية) ، هي انشقاق القمر، كما يأتي أن الوليد
ومن معه قالوا للنبيّ عَّله: إن كنت صادقًا فشقّ لنا القمر، والأحاديث تفسّر ببعضها، وخير ما
فشرته بالوارد، فليس المراد مطلق آية (تدل على صدقه في دعواه) جواب لما، (فأعطاه الله
تعالى هذه الآية العظيمة التي لا قدرة للبشر على إيجادها دلالة على صدقه عليه السّلام
في دعواه الوحدانية للّه تعالى، وأنه منفرد بالربوبية، وأن هذه الآلهة) بزعمهم (التي
يعبدونها باطلة لا تنقطع ولا تضرّ نفسها، فضلاً عن غيرها، (وأن العبادة إنما تكون لله وحده لا
شريك له.

٤٧٢
المقصد الرابع في معجزاته معَّمِ الدالّة على ثبوت نبوّته
قال الخطابي: انشقاق القمر آية عظيمة، لا يكاد يعدلها شىء من آيات
الأنبياء، وذلك أنه ظهر في ملكوت السموات خارجًا عن جملة طباع ما في هذا
العالم المركب من الطبائع، فليس مما يطمع في الوصول إليه بحيلة، فلذلك صار
البرهان به أظهر. انتهى.
وقال ابن عبد البر: قد روى هذا الحديث - يعني حديث انشقاق القمر-
جماعة كثيرة من الصحابة، وروى ذلك عنهم أمثالهم من التابعين، ثم نقله عنهم
الجم الغفير إلى أن انتهى إلينا. وتأيد بالآية الكريمة. انتهى.
وقال العلامة بن السبكي في شرحه لمختصر ابن الحاجب، والصحيح عندي
أن انشقاق القمر متواتر، منصوص عليه في القرءان، مروي في الصحيحين وغيرهما
من طرق من حديث شعبة عن سليمان بن مهران
(قال الخطابي: انشقاق القمر آية عظيمة، لا يكاد يعدلها شىء من آيات الأنبياء،)
ولذا اختصّ بها سيّدهم، (وذلك أنه ظهر في ملكوت السموات، خارجًا عن جملة طباع ما
في هذا العالم المركّب من الطبائع، فليس مما يطمع في الوصول إليه بحيلة، فلذلك صار
البرهان:) الدليل الواضح (به أظهر) من غيره، (انتهى).
(وقال ابن عبد البر أبو عمر الذي ساد أهل الزمان في الحفظ والاتقان: (قد روى هذا
الحديث، يعني حديث انشقاق القمر، جماعة كثيرة من الصحابة، وروى ذلك عنهم أمثالهم
من التابعين، ثم نقله عنهم الجمّ الغفير،) المفيد للعلم (إلى أن انتهى،) وصل (إلينا، وتأيّد
بالآية الكريمة،) فلم يبقّ لاستبعد من استبعد وقوعه عذر، (انتهى) ما أراده من كلام ابن عبد البرّ.
(وقال العلامة،) قاضي القضاة أبو بكر، عبد الوهّاب، (ابن) الإمام علي، بن عبد الكافي،
بن تمام الأنصاري (السبكي،) ولد بمصر سنة تسع وعشرين وسبعمائة، ولازم الاشتغال بالفنون
على أبيه وغيره، حتى مهر وهو شاب، وصنّف كتبًا نفيسة، اشتهرت في حياته، وألّف وهو في
حدود العشرين، ومات سابع الحجّة، سنة إحدى وسبعين وسبعمائة، (في شرحه لمختصر ابن
الحاجب) في الأصول، (والصحيح عندي: أن انشقاق القمر متواتر، منصوص عليه في
القرءان مروي في الصحيحين وغيرهما، من طرق، من حديث شعبة) بن الحجاج بن الولد
العتكي، مولاهم الواسطي، ثم البصري، ثقة، حافظ، متقن، كان الثوري يقول: هو أمير المؤمنين
في الحديث، وكان عابدًا مات سنة ستّين ومائة، (عن سليمن بن مهران) الأسدي، الكاهلي،
الكوفي، الأعمش، ثقة، حافظ، ورع، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين وهي تصحيف، فليس في

٤٧٣
المقصد الرابع في معجزاته عَ ◌ّ الدالّة على ثبوت نبّته
عن إبراهيم عن أبي معمر عن ابن مسعود، ثم قال: وله طرق أخرى شتى، بحيث
لا یمتری في تواتره. انتھی.
وقد جاءت أحاديث الانشقاق في روايات صحيحة عن جماعة من الصحابة
منهم: أنس، وابن مسعود، وابن عباس، وعلي، وحذيفة، وجبير بن مطعم، وابن
عمر، وغيرهم. فأما أنس وابن عباس فلم يحضرا ذلك، لأنه كان بمكة قبل الهجرة
بنحو خمس سنين، وكان ابن عباس إذ ذاك لم يولد، وأما أنس فكان ابن أربع أو
خمس سنين بالمدينة، وأما غيرهما فيمكن أن يكون شاهد ذلك.
ففي الصحيحين: من حديث أنس رضي الله عنه: أن أهل مكة سألوا
رسول الله عَ لِ أن یریھم آیة،
رجال الكتب السّة شعبة بن سليمان، فصحّف النساخ عن بابن، والحديث في الصحيحين عن
شعبة وسفين، أي: ابن عيينة عن الأعمش، وهو سليمن بن مهران، بكسر الميم، (عن إبراهيم) بن
سويد النخعي، ثقة، (عن أبي معمر،) بفتح الميم، وسكون العين، عبد الله بن سخبرة، بفتح
المهملة، وسكون، المعجمة وفتح الموحدة، الأزدي، الكوفي، ثقة من كبار التابعين، مات في
إمارة عبيد الله بن زياد.
قال الحافظ: هذا هو المحفوظ، ووقع عند ابن مردويه، وأبي نعيم، عن إبراهيم عن علقمة:
والمحفوظ المشهور عن أبي معمر، (عن ابن مسعود،) وأخرجه مسلم من طريق أخرى عن
شعبة، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عمر، وقد علّقه البخاري عن مجاهد، عن أبي معمر،
عن ابن مسعود، فاللَّه أعلم هل عند مجاهد فيه إسنادان، أو قول من قال ابن عمر، وهم من أبي
معمر، (ثم قال: وله طرق أخرى شتى بحيث لا يمتري في تواتره، انتهى وقد جاءت أحاديث الانشقاق
في روايات صحيحة، عن جماعة من الصحابة، منهم: أنس) بن لملك، (وابن
مسعود) عبد اللَّه، (وابن عبّاس، وعليّ) بن أبي طالب، (وحذيفة) بن اليمان، (وجبير بن مطعم)
النوفلي، (وابن عمر بن الخطاب (وغيرهم، فأمّا أنس وابن عباس، فلم يحضرا ذلك؛ لأنه،)
أي: الانشقاق، (كان بمكة قبل الهجرة بنحو خمس سنين، وكان ابن عباس إذ ذاك لم يولد،)
إذ ولادته قبلها بثلاث سنين بالشعب، على الصحيح المحفوظ.
(وأمّا أنس، فكان ابن أربع أو خمس سنين بالمدينة،) فحديثهما مرسل صحابي، (وأمّا
غیرهما، فیمکن أن یکون شاهد ذلك،) فحدّث عمّا شاهد، ويمكن أن یکون حمله عن غيره،
والأظهر الأوّل، (ففي الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه: أن أهل مكة،) أي: كفّار
قريش، وتأتي رواية تسميتهم، (سألوا رسول اللَّه عَّ﴾. أن يريهم آية) معجزة، تشهد لما ادعاه من

٤٧٤
المقصد الرابع في معجزاته عَِّ الدالّة على ثبوت نبوّته
فأراهم انشقاق القمر شقتين، حتى رأوا حراء بينهما، وقوله: شقتين - بكسر الشين
المعجمة - أي نصفين.
ومن حديث ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله عَ ليه فرقتين،
فرقة فوقة الجبل، وفرقة دونه فقال رسول الله عَ ليه اشهدوا.
وفي الترمذي من حديث ابن عمر، في قوله تعالى: ﴿اقتربت الساعة
نبوّته، (فأراهم انشقاق القمر شقّتين، حتى رأوا حراء،) بكسر المهملة، وراء خفيفة، مذكر
مصروف على الصحيح، وحكى فتح حائه، والقصر، وتأنيثه على إرادة البقعة، فيمنع صرفه جبل
بينه وبين مكة ثلاثة أميال على يسار الذاهب إلى منى، (بينهما،) أي: بين الشقّتين، (وقوله:
شقّتين، بكسر الشين المعجمة، أي: نصفين،) كما ضبطه في الفتح والمصابيح، واليونينية
والناصرية، وضبطه في الفرع، بفتح الشين مصحّحًا عليه، ذكره المصنّف.
(و) في الصحيحين (من حديث ابن مسعود، قال: انشقّ القمر على عهد
رسول اللَّه عَّله،) أي: في زمنه وأيامه، (فرقتين،) بكسر الفاء وسكون الراء، بمعنى قطعتين،
والمراد: نصفين، وانتصابه على المصدر من معنى انشقّ، كقعد جلوسًا أو بتقدير: وافترق فرقتين،
(فرقة) بالنصب، يدلّ (فوق الجبل، وفرقة دونه،) أي: في مقابلته، منفصلاً عنه، لا تحته؛ كما
قيل، (فقال رسول اللَّه عَّةٍ: ((شهدوا)،) قال الحافظ: أي: اضبطوا هذا القدر بالمشاهدة،
والجبل: حراء؛ كما في الحديث قبله، لكن روى عبد الرزاق والبيهقي من طريقه، عن ابن
مسعود: رأيت القمر منشقًّا شقّتين، شقّة على أبي قبيس، وشقّة على السويداء، والسويداء بالمدّ
والتصغير ناحية خارج مكّة عندها جبل، وقوله: على أبي قبيس، يحتمل أنه رآه كذلك، وهو
بمنى، كأن يكون على مكان مرتفع، بحيث رأى طرف جبل أبي قبيش، ويحتمل أن القمر استمرّ
منشقًا حتى رجع ابن مسعود من منى إلى مكّة فرآه كذلك، وفيه بعده، والذي يقتضيه غالب
الروايات، أن الانشقاق كان قرب غروبه، ويؤيّد إسنادهم الرؤية إلى جهة الجبل، ويحتمل أن
الانشقاق وقع أوّل طلوع، فإن في بعض الروايات أن ذلك كان ليلة البدر، والتعبير بأبي قبيس من
تغيير بعض الرواة؛ لأن الغرض ثبوت رؤيته منشقًّا إحدى الشقّتين على جبل، والأخرى على جبل
آخر، ولا يغاير ذلك قول الراوي الآخر: رأيت الجبل بينهما، أي: بين الفرقتين؛ لأنه إذا ذهبت
فرقة عن يمين الجبل، وفرقة عن يساره، مثلاً صدق أنه بينهما، وأي جبل آخر كان من جهة يمينه
أو يساره صدق أنها عليه أيضًا، انتهى.
(وفي الترمذي من حديث ابن عمر) بن الخطّاب، (في قوله تعالى:) ﴿اقتربت الساعة

٤٧٥
المقصد الرابع في معجزاته معِّ الدالّة على ثبوت نبوّته
٤٣، انشق فلقتين: فلقة
وانشق القمر﴾ قال: قد كان ذلك على عهد رسول الله على
دون الجبل، وفلقة خلف الجبل، فقال رسول الله عَ له: اشهدوا.
وعند الإمام أحمد، من حديث جبير بن مطعم قال: انشق القمر على عهد
رسول الله عَّةٍ فصار فرقتين، فرقة على هذا الجبل، وفرقة على هذا الجبل، فقالوا:
سحرنا محمد، فقالوا: إن كان سحرنا فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس.
وعن عبد الله بن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله عَّ له، فقال
كفار قريش: هذا سحر ابن أبي كبشة،
وانشقّ القمر﴾ الآية، (قال: قد كان ذلك على عهد رسول اللَّه عَ لَه) أي: زمنه، ذكره ردًّا
على من يقول: سيكون يوم القيامة، (انشقّ فلقتين،) باللام: (فلقة دون الجبل،) أي: في
مقابلته، (وفلقة خلف الجبل،) أي: فوقه؛ كما في الحديث قبله (فقال رسول اللَّه عَائفيه:
((اشهدوا))) على نبوّتي ومعجزتي، وقوع ما طلبوه؛ لأنهم أهل بهتان وجحد، هذا ظاهر السياق،
ويحتمل: اشهدوا على ذلك لتخبروا به، لأنها آية ليلية أتت وقت غفلة.
(وعند الإمام أحمد من حديث جبير،) بضم الجيم، مصغر (ابن مطعم، قال: الشقّ
القمر على عهد رسول اللَّه عَه، فصار فرقتين،) بالراء، أي: نصفين، وصرّح في هذا بناصب
فرقتين، (فرقة على هذا الجبل، وفرقة على هذا الجبل،) فيه ما سبق قريبًا عن الحافظ،
(فقالوا،) أي: الكفار: (سحرنا محمّد، فقالوا،) وفي بعض طرق حديث ابن مسعود: فقال رجل
منهم، ويقال أنه أبو جهل، فلموافقتهم له عبّر جبير، بقالوا: (إن كان سحرنا) محمّد، (فإنه لا
يستطيع أن يسحر الناس).
وفي رواية مسروق عن ابن مسعود، فقال كفار قريش: سحركم ابن أبي كبشة، فقال رجل
منهم: إن محمّدًا إن كان سحر القمر، فإنه لا يبلغ سحره أن يسحر الأرض كلّها، فسلوا من
يأتيكم من بلد آخر هل رأوه، فأتوا، فسألوا، فأخبروهم أنهم رأوا مثل ذلك، رواه البيهقي في
الدلائل.
(وعن عبد الله بن مسعود، قال: انشقّ القمر على عهد رسول اللَّه عَّه، فقال كفار
قريش: هذا سحر ابن أبي كبشة،) بفتح الكاف، وإسكان الموحدة، ومعجمة مفتوحة، قيل:
أحد أجداده لأَمّه، قالوه عداوة وتحقيرًا بنسبته إلى غير نسبه المشهور؛ لأن عادة العرب إِذا
انتقصت، نسبت إلى جد غامض، وقيل غير ذلك؛ كما مرّ في جدّته.

٤٧٦
المقصد الرابع في معجزاته مَ ◌ّ الدالّة على ثبوت نبوّته
قال: فقالوا انظروا ما يأتيكم به السفار، فإن محمدًا لا يستطيع أن يسحر الناس
كلهم. قال: فجاء السفار فأخبروهم بذلك، رواه أبو داود الطيالسي.
ورواه البيهقي بلفظ: انشق القمر بمكة فقالوا: سحركم ابن أبي كبشة، فسلوا
السفار، فإن كانوا رأوا ما رأيتم فقد صدق فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس كلها
وإن لم يكونوا رأوا ما رأيتم فهو سحر، فسألوا السفار وقد قدموا من كل وجه
فقالوا: رأيناه.
وعند أبي نعيم في الدلائل من وجه ضعيف عن ابن عباس قال: اجتمع
المشركون إلى رسول الله عَ ليه منهم الوليد بن المغيرة وأبو جهل والعاصي بن وائل،
والأسود بن المطلب، والنضر بن الحرث ونظراؤهم فقالوا للنبي عَّله: إن كنت
صادقًا فشق لنا القمر فرقتين، فسأل ربه فانشق.
(قال) ابن مسعود: (فقالوا) كفار قريش: (انظروا ما يأتيكم به السفّار، فإنّ محمّدًا
لا يستطيع أن يسحر الناس كلّهم، قال: فجاء السفار، فأخبروهم بذلك،) أي: رؤية القمر
منشقًّا، (رواه أبو داود،) سليمن بن داود، بن الجارود، (الطيالسي) البصري، الثقة، الحافظ،
مات سنة أربع ومائتين.
(ورواه البيهقي) عن ابن مسعود، (بلفظ: انشقّ القمر بمكّة، فقالوا: سحركم ابن أبي
كبشة، فسلوا السفار، فإن كانوا رأوا ما رأيتم فقد صدق، فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس
كلّهم، وإن لم يكونوا رأوا ما رأيتم، فهو سحر، فسألوا السفار، وقد قدموا من كل وجه،
فقالوا: رأيناه) زاد في رواية: فقال الكفار: هذا سحر مستمرّ.
(وعند أبي نعيم،) أحمد بن عبد الله، الأصبهاني، الحافظ، (في الدلائل) للنبوّة (من
وجه) إسناد (ضعيف، عن ابن عباس قال: اجتمع المشركون إلى رسول اللَّهِ عَّةٍ، منهم
الوليد بن المغيرة) المخزومي، الكافر، الميّت على كفره الذي أنزل الله تعالى في ذمّه: ﴿ولا
تطع كل حلاّف مهين﴾ الآية، و﴿ذرني ومن خلقت وحيدًا﴾ الآية، (وأبو جهل،) فرعون هذه
الأمّة المقتول ببدر، (والعاصي بن وائل) السهمي، أحد المستهزئين، (والأسود بن المطّلب)
أحدهم، (والنضر بن الحرث،) المقتول عقب بدر، (ونظراؤهم) أشباههم في التوغل في الكفر
والعناد (فقالوا للنبي عَّه: إن كنت صادقًا) في أنك رسول اللَّه، (فشقّ لنا القمر فرقتين)
نصفين، (فسأل ربّه فانشقّ،) وفي رواية ابن الجوزي في الوفاء: فقال لهم: ((إن فعلت تؤمنوا))؟،
قالوا: نعم، فسأل ربّه أن يعطيه ما قالوا، فانشقّ القمر فرقتين، ورسول اللَّه عَ لآه ينادي: ((يا فلان
یا فلان، اشهدوا)).

٤٧٧
المقصد الرابع في معجزاته مع الدالّة على ثبوت نبوّته
وعند البخاري مختصرًا من حديث ابن عباس بلفظ: إن القمر انشق على
عهد رسول الله عَّله، وابن عباس وإن كان لم يشاهد القصة كما قدمته، ففي بعض
طرقه أنه حمل الحديث عن ابن مسعود.
وعند مسلم من حديث سعيد عن قتادة بلفظ فأراهم انشقاق القمر مرتين.
وكذا في مصنف عبد الرزاق عن معمر بلفظ مرتين أيضًا.
واتفق الشيخان عليه من رواية شعبة عن قتادة بلفظ: فرقتين، كما في
حدیث جبیر عند أحمد.
(وعند البخاري مختصرًا من حديث ابن عباس، بلفظ: إن القمر انشقّ على عهد
رسول اللَّه عَّة،) ورواه عنه أبو نعيم، وزاد: فلقتين.
قال ابن مسعود: لقد رأيت جبل حراء من بين فلقتي القمر، وهذا يوافق الرواية الأولى في
ذ کر حراء.
(وابن عباس وإن لم يشاهد القصّة؛ كما قدّمته،) لأنها كانت قبل ولادته، (ففي بعض
طرقه؛ أنه حمل الحديث عن ابن مسعود،) أي: ما يشعر بذلك؛ كما عبّر به الحافظ، وهي
رواية أبي نعيم المذكورة من قول ابن عباس، قال ابن مسعود: لقد ... الخ.
(وعند مسلم من حديث سعيد،) بفتح المهملة، وكسر العين، فیاء، فدال مهملة، آخره ابن
أبي عروبة مهران اليشكري، مولاهم، أحد الأعلام، وما يوجد في غالب نسخ المصنف شعبة
مخالف للواقع، فرواية شعبة، لفظها فرقتين، لم يختلف عليه رواته فيها، ولما في مسلم؛ فالذي فيه
عن سعيد، (عن قتادة) بن دعامة، عن أنس (بلفظ:) إن أهل مكّة سألوا رسول اللَّه عَله، أن يريهم
آية، (فأراهم انشقاق القمر مرّتين،) بدل قوله في الرواية الأولى: شقّتين، (وكذا في مصنّف
عبد الرزّاق، عن معمر،) عن قتادة، عن أنس (بلفظ: مرّتين أيضًا،) وكذا أخرجه الإمامان أحمد
وإسحق، عن عبد الرزّاق، وكذا ورد من حديث شيبان عن قتادة، أشار له مسلم في الصحيح.
(واتّفق الشيخان) البخاري ومسلم، (عليه من رواية شعبة، عن قتادة،) عن أنس (بلفظ:
فرقتين).
قال البيهقي: قد حفظ ثلاثة من أصحاب قتادة عنه مرّتين، يعني: سعيدًا، شيبان ومعمرًا.
قال الحافظ: لكن اختلف عن كل منهم في هذه اللفظة، ولم يختلف على شعبة
وهو أحفظهم، ولم يقع في شىء من طرق حديث ابن مسعود، بلفظ: مرّتين، إنما فيه فرقتين
أو فلقتين، بالراء أو باللام؛ (كما في حديث جبير بن مطعم: فرقتين، بالراء، (عند أحمد،

٤٧٨
المقصد الرابع في معجزاته معَِّ الدالّة على ثبوت نبوّته
وفي حديث ابن عمر فلقتين - باللام - كما قدمته، وفي لفظ في حديث
جبير: فانشق باثنتين، وفي رواية عن ابن عباس عند أبي نعيم في الدلائل: فصار
قمرين. ووقع في نظم السيرة للحافظ أبي الفضل العراقي: وانشقّ القمر مرّتين
بالإجماع
قال الحافظ بن حجر: وأظن قوله: ((بالإجماع)) يتعلق بـ ((انشق)) لا بـ ((مرتين)،
فإني لا أعلم من جزم من علماء الحديث بتعدد الانشقاق في زمنه عليه.
وفي حديث ابن عمر: فلقتين باللام؛ كما قدّمته) من رواية الترمذي.
(وفي لفظ في حديث جبير) بن مطعم: (فانشقّ) القمر (باثنتين،) أي: بصيرورته ثنتين
من الشقّ أو الباء زائدة، (وفي رواية عن ابن عباس، عند أبي نعيم في الدلائل: فصار قمرين،)
وفي لفظ: شقّتين، وعند الطبري من حديثه: حتى رأوا شقّتيه.
(ووقع في نظم السيرة للحافظ أبي الفضل العراقي: والشقّ القمر مرّتين بالإجماع،)
فظاهره تعلّق بالإجماع، بقوله: مرّتين، على ظاهر رواية مسلم وغيره، لكن (قال الحافظ ابن
حجر في الفتح، ما ملخّصه: (وأُظنّ قوله بالإجماع يتعلّق بالشقّ لا بمرّتين، فإني لا أعلم من
جزم من علماء الحديث بتعدّد الانشقاق في زمنه عَّله،) وعبارة الحافظ في الفتح.
ووقع في نظم السيرة لشيخنا الحافظ أبي الفضل: وانشقّ مرّتين بالإجماع، ولا أعرف من
جزم من علماء الحديث بتعدّد الانشقاق في زمنه عَّة، ولم يتعرّض لذلك أحد من شرّاح
الصحيحين، وتكلّم ابن القيّم على هذه الرواية، فقال: المرّات يراد بها الأفعال تارة، ويراد بها
الأعيان أُخرى، والأوّل أكثر.
ومن الثاني: انشقّ القمر مرّتين، وقد خفي هذا على بعض الناس، فادّعى أن انشقاق القمر
وقع مرّتين، وهذا مما يعلم أهل الحديث والسير أنه غلط، فإنه لم يقع إلاّ مرّة واحدة، وقد وقع
للعماد بن كثير في الرواية التي فيها مرّتين نظر، ولعلّ قائلها أراد فرقتين، قلت: وهذا الذي لا
يتّجه غيره جمعًا بين الروايات، ثم راجعت نظم شيخنا فوجدته يحتمل التأويل المذكور، ولفظه:
فصـار فرقتين فرقة علت وفرقة للطود منه نزلت
وذاك مرتين بالإجماع والنصّ والتواتر السماعي
فجمع بين فرقتين ومرّتين، فيمكن أن يتعلّق قوله بالإجماع بأصل الانشقاق لا بالتعدّد، مع
أن في نقل الإجماع في نفس الانشقاق نظرًا يأتي بيانه، انتهى.
فعن النظم جوابان، أوّلهما: تأويل مرّة بفرقتين، ولا ينافيه الجمع بينهما؛ لأنه إشارة
للروايتين، أي: إن رواية مرتين محمولة على رواية فرقتين، كما أشار إليه ابن كثير، ومراده: بما

٤٧٩
المقصد الرابع في معجزاته عَّةِ الدالّة على ثبوت نبّته
ولعل قائل ((مرتين)) أراد: فرقتين. وهذا الذي لا يتجه غيره جميعًا بين
الروايات.
وقد وقع في رواية البخاري من حديث ابن مسعود: ونحن بمنى، وهذا لا
يعارض قول أنس: إن ذلك كان بمكة، لأنه لم يصرح بأنه عَِّ كان ليلتئذٍ بمكة.
فالمراد أن الانشقاق كان وهم بمكة قبل أن يهاجروا إلى المدينة والله أعلم.
يأتي ما جلبه المصنّف بقوله: وقد أنكر ... الخ.
الجواب: أنه أراد إجماع من يعتدّ به، أمّا هؤلاء، فلا عبرة بخلافهم، وذكر الحافظ برهان
الدين الحلبي في النور: إنه كاتب شيخه العراقي بكلام ابن القيّم، فلم يرد له جوابًا بالكلية.
(ولعلّ قائل مرّتين أراد به فرقتين،) كما قال ابن كثير، (وهذا) كما قال الحافظ: (الذي
لا يتّجه غيره جمعًا بين الروايات) فإنها إذا كثرت ودلّت على شىء وخالفها، رواية أخرى ترد
إليها إذا أمكن دفعًا للتعارض على القاعدة، (وقد وقع في رواية البخاري من حديث ابن
مسعود:) انشقّ القمر، (ونحن) مع النبيّ ◌َّه (بمنى،) وفي رواية مسلم: بينما نحن مع
النبيّ عَِّ بمنى إذ انغلق القمر، (وهذا لا يعارض قول أنس: أن ذلك كان بمكّة؛ لأنه))) أي:
أنشا، (لم يصرّح بأنه عليه السّلام كان ليلتئذٍ بمكّة، فالمراد: أن الانشقاق كان وهم بمكة
قبل أن يهاجروا إلى المدينة، واللَّه أعلم).
زاد الحافظ: وعلی تقدیر تصریحه فمنی من جملة مگّة، فلا تعارض، وقد وقع عند ابن
مردويه بيان المراد، فأخرج من وجه آخر عن ابن مسعود، قال: انشقّ القمر على عهد
رسول اللَّه عَّ له ونحن بمكّة قبل أن يصير إلى المدينة، فوضح أن مراده بذكر مكة، الإشارة إلى
أن ذلك وقع قبل الهجرة، ويجوز أن يقع وهم ليلتئذ بمنى، ثم قال: والجمع بين قول ابن مسعود
تارة بمنى، وتارة بمكّة. إما باعتبار التعدّد إن ثبت، وإمّا بالحمل على أنه كان بمنى ومن بها
لا ينافي أنه بمكّة؛ لأن من كان بمنى كان بمكّة من غير عكس، ويؤيّده أن الرواية التي فيها بمنى،
قال فيها: ونحن بمنى، والتي فيها بمكّة لم يقل فيها، ونحن إنما قال: انشقّ بمكّة، أي: إنه كان
وهم بمكّة قبل أن يهاجروا إلى المدينة، وبهذا يندفع دعوى الداودي أن بين الخبرين تضادًّا،
انتھی.
وقال بعضهم: الذي تحرّر في الجمع بين روايات منى ومكّة، وأن حراء كان بين الفلقتين،
وإن إحداهما كانت فوق الجبل والأخرى دونه، أن يقال: إنه تباعد ما بين الفلقتين جدًّا،
ليكون أظهر في دفع الإنكار، فإنه لو تقارب لقالوا: إنه من غلط الحسّ، فلما أشهدهم عَّه على
ذلك، أشار مرّة إلى فلقة منه، وقال: ((شهد يا فلان ويا فلان))، ثم أراهم مرّة أخرى فلقة أُخرى،

٤٨٠
المقصد الرابع في معجزاته عَِّ الدالّة على ثبوت نبوّته
وقد أنكر هذه المعجزة جماعة من المبتدعة، كجمهور الفلاسفة، متمسكين
بأن الأجرام العلوية لملاستها لا يتهيأ فيها الانخراق والالتئام، وكذا قالوه في فتح
أبواب السماء ليلة الإسراء، إلى غير ذلك.
وجواب هؤلاء: إن كانوا كفارًا أن يناظروا أولاً على ثبوت دين الإسلام، فإذا
تمت اشتركوا مع غيرهم ممن أنكر ذلك من المسلمين، ومتى سلّم المسلم بعض
ذلك دون بعض لزم التناقض. لا سبيل له إلى إنكار ما ثبت في القرءان من
الانخراق والالتئام في يوم القيامة، وإذا ثبت هذا استلزم أيضًا وقوع ذلك معجزة
صَلى الله
لنبي الله عَّهُ.
وقال: ((اشهدوا)، وكذا هذا كان ليلاً بمكّة، والقمر في وسط السماء بحذاء حراء، وبحذاء غيره
من الجبال والأماكن البعيدة، فلا تعدّد في الشقّ، ولا تدافع بين الروايات، ولا يطعن في شىء
منها. وهذا إن شاء اللَّه مما لا ينبغي العدول عنه، فإن القول بأن المرّات في الأعيان لا صحّة له
لغة ولا استعمالاً، فلو قطع إنسان بطيخة قطعتين دفعة واحدة، وقال: قطعتها مرّتين، كذّبه من
سمعه واستهزأ به، فعليك بالنظر الحديد، وأن تطرح من جبل فكره على التقليد.
(وقد أنكر هذه المعجزة جماعة من المبتدعة؛ كجمهور الفلاسفة، متمسكين بأن
الأجرام العلوية لملاستها، لا يتهيّأ،) لا يمكن (فيها الانخراق والالتئام، وكذا قالوه في فتح
أبواب السماء ليلة الإسراء إلى،) أي: مع (غير ذلك) من إنكارهم ما يكون يوم القيامة من
تكوير الشمس وغير ذلك، (وجواب هؤلاء إن كانوا كفّارا أن يناظروا أوّلاً على ثبوت دين
الإسلام، فإذا تمت) المناظرة، وثبت عندهم دين الإسلام، (اشتركوا مع غيرهم ممن أنكر ذلك
من المسلمين،) فيناظروا ثانيًا بإقامة الحجّة على إثبات الانشقاق؛ كما حكي: أن أبا بكر بن
الطيّب لما أرسله صاحب الدولة لملك الروم بقسطنطينية، وإنه أجلّ علماء الإسلام، أحضر بعض
بطارقته، فقال له: تزعمون أن القمر انشقّ لنبيّكم، فهل للقمر قرابة منكم حتى ترونه دون
غيركم؟، فقال: وهل بينكم وبين المائدة إخوة ونسب، إذ رأيتموها، ولم ترها اليهود، ويونان،
والمجوس الذين أنكروها، وهم في جواركم؟، فأفحم ولم يحر جوابًا، والقصّة طويلة في الشرح،
(ومتى سلم المسلم بعض ذلك دون بعض لزم التناقض، ولا سبيل له إلى إنكار ما ثبت،
في القرءان من الانخراق والالتئام في يوم القيامة؛) لأنه كفر، (وإذا ثبت هذا؛ استلزم أيضًا
وقوع ذلك معجزة لنبيّ اللَّه عَّهُ))) يردّ عليه أن مجرّد ثبوت ذلك في القيامة إنما يستلزم جواز
وقوعه، والجواز لا يستلزم الوقوع، فالمناسب أن يقول: استلزم جواز وقوع ذلك معجزة؛ كما عبّر
به الحافظ في الفتح.