النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
المقصد الرابع في معجزاته معَِّ الدالّة على ثبوت نبوّته
وما سمع من الهواتف الصارخة بنعوته وأوصافه، وانتكاس الأصنام المعبودة
وخرورها لوجهها من غير دافع لها من أمكنتها، إلى سائر ما روي ونقل في الأخبار
المشهورة من ظهور العجائب في ولادته وأيام حضانته وبعدها إلى أن بعثه الله نبيًا.
ولم يكن له عَّ ما يستميل به القلوب من مال فيطمع فيه، ولا قوة فيقهر
بها الرجال، ولا أعوان على الرأي الذي أظهره، والدين الذي دعا إليه، وكانوا
يجتمعون على عبادة الأصنام، وتعظيم الأزلام، مقيمين على عادة الجاهلية في
العصبة والحمية، والتعادي والتباغي وسفك الدماء، وشن الغارات ولا تجمعهم ألفة
دين، ولا يمنعهم من سوء أفعالهم نظر في عاقبة، ولا خوف عقوبة ولا لائمة، فألف
طية بين قلوبهم وجمع كلمتهم، حتى اتفقت الآراء وتناصرت القلوب، وترادفت
الأيدي، فصاروا إِلّا، واحدًا في نصرته، وعنقًا واحدًا إلى
(وما سمع من الهواتف:) جمع هاتف من الهتف، وهو الصوت العالي مطلقًا، ثم خصّ بصوت
يسمع ممن لا يرى شخصه، ولذا خصّ عند العرب بالجنّ (الصارخة بنعوته وأوصافه) ، عطف
تفسیر، و کثر ذلك عند مبعثه
وللخرائطي كتاب الهواتف جمع فيه ذلك، (والتكاس الأصنام المعبودة وخرورها:)
سقوطها (لوجهها من غير دافع لها من أمكنتها إلى سائر؛) باقي (ما روي ونقل في الأخبار
المشهورة من ظهور العجائب في ولادته وأيّام حضانته) مما تقدّم بعضه، (وبعدها إلى أن
بعثه الله نبيًّا)، وبسط ذلك بطول، (و) الحال أنه (لم يكن له عَّ ما يستميل به القلوب من
مال) بيان لما، (فيطمع فيه، ولا قوّة، فيقهر بها الرجال، ولا أعوان على الرأي الذي أظهره
والدين الذي دعا، إليه) بل دعاهم وحده إلى ذلك، (وكانوا يجتمعون على عبادة الأصنام،
وتعظيم الأزلام) الأقداح التي كانوا يعملون بما تخرجه، (مقيمين على عادة الجاهلية في
العصبة والحمية، والتعادي، والتباغي، وسفك الدماء، وشنّ الغارات،) بحيث لا يقع بينهم
اختلاف ولا حروب، (ولا يمنعهم من سوء أفعالهم نظر في عاقبة، ولا خوف عقوبة، ولا لائمة)
بالمدّ والهمز: ملائمة، أي: حالة يلامون بها، (فَأَلّف عَُّلِّ بين قلوبهم وجمع كلمتهم حتى
اتّفقت الآراء، وتناصرت القلوب،) عاون بعضها بعضًا وقوّاه، والمراد أصحابها ونسبه إليها؛ لأنه
سبب لمعاونة صاحبه، (وترادفت الأيدي،) تتابعت في التعاون والتناصر على إظهار الحقّ،
(فصاروا إلبًا،) بكسر الهمزة، وفتحها لغة، وموحدة جمعًا، (واحدًا في نصرته، وعنقًا) بضمّة
وبضمتين جمعًا (واحدًا،) فهو كالرديف لما قبله، والمعنى: أنهم صاروا ناظرين متلفّتين (إلى

٤٢٢
المقصد الرابع في معجزاته معَِّ الدالّة على ثبوت نبوّته
طلعته، وهجروا بلادهم وأوطانهم، وجفوا قومهم وعشائرهم في محبته، وبذلوا
مهجهم وأرواحهم في نصرته، ونصبوا وجوههم لوقع السيوف في إعزاز كلمته،
بلا دنيا بسطها لهم، ولا أموال أفاضها عليهم، ولا غرض في العاجل أطمعهم في
نيله يحوونه، أو ملك أو شرف في الدنيا يحوزونه، بل كان من شأنه عَّ أن
يجعل الغني فقيرًا، والشريف أسوة الوضيع، فهل يلتئم مثل هذه الأمور، أو يتفق
مجموعها لأحد هذا سبيله، من قبل الاختيار العقلي والتدبير الفكري، لا والذي
بعثه بالحق، وسخر له هذه الأمور، ما يرتاب عاقل في شىء من ذلك، وإنما هو أمر
إلهي، وشىء غالب سماوي، ناقض للعادات، يعجز عن بلوغه قوى البشر، ولا يقدر
عليه إلا من له الخلق والأمر، تبارك الله رب العالمين.
طلعته،) ليذبّوا عنه ما يكره، ويعاونوه على ما يريد، (وهجروا بلادهم وأوطانهم، وجفوا قومهم
وعشائرهم في محبّته، وبذلوا مهجهم:) جمع مهجة: الدم أو دم القلب والروح؛ كما في
القاموس، فقوله: (وأرواحهم) تفسيري على الثالث (في نصرته، ونصبوا وجوههم،) جعلوها
كالهدف الذي ينصب (لوقع السيوف) والسهام والرماح، حيث نصحوا في محاربة أعدائه،
ووطّنوا أنفسهم على إصابة ذلك لوجوههم وصدورهم (في،) لأجل (إعزاز كلمته،) إعلاء دينه
وإظهاره، (بلا دنيا بسطها لهم، ولا أموال أفاضها عليهم، ولا غرض في العاجل،) أي: أمر
في الزمن الحاضر، (أطمعهم في نيله، يحوونه) فيرغبون بسببه، (أو ملك، أو شرف في الدنيا
يحوزونه،) بل ليس ثمَّ ما يحملهم على الجهاد معه، وإنما محض غرضهم إظهار الحق وإخماد
الباطل، وخصّ العاجل؛ لأنه أدعى للرغبة في معالجة النفس لحصوله، (بل كان من شأنه عَّه أن
يجعل الغنيّ فقيرًا،) يحمله على صرف أمواله في الجهاد ونحوه من أنواع القرب؛ كأبي بكر،
أو بأن يصيره كالفقراء في تهذيب النفس، وعدم الفخر، والإعراض عن الأسباب المشعرة بنحو
الكبر، (والشريف أسوة الوضيع، فهل يلتئم مثل هذه الأمور أو يتّفق مجموعها لأحد، هذا
سبيله من قبيل الاختيار العقلي والتدبير الفكري، لا والذي بعثه بالحقّ) جواب الاستفهام،
(وسخّر له هذه الأمور، ما يرتاب،) يشكّ (عاقل في شىء من ذلك، وإنما هو أمر إلهيّ،
وشىء غالب سماوي ناقض للعادات، يعجز عن بلوغه قوى البشر، ولا يقدر عليه إلاّ من له
الخلق) جميعًا (والأمر) كلّه، (تبارك) تعاظم (اللَّه ربّ) لملك (العالمين).
وبهذه الآية استدلّ سفين بن عيينه على أن القرءان غير مخلوق، أخرجه ابن أبي حاتم؛ لأن
الأمر هو الكلام، وقد عطفه على الخلق، فاقتضى أن يكون غيره؛ لأن العطف يقتضي المغايرة،
وسبقه إلى هذا الاستنباط محمد بن كعب القرظي، ذكره في الإكليل.

٤٢٣
المقصد الرابع في معجزاته مع تر الدالّة على ثبوت نبّته
ومن دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام أنه كان أميًا، لا يخط كتابًا بيده
ولا يقرؤه، ولد في قوم أميين، ونشأ بين أظهرهم في بلد ليس بها عالم يعرف
أخبار الماضين، ولم يخرج في سفر ضاربًا إلى عالم فيعكف عليه، فجاءهم
بأخبار التوراة والإنجيل والأمم الماضية، وقد كان ذهبت معالم تلك الكتب،
ودرست وحرفت عن مواضعها، ولم يبق من المتمسكين بها وأهل المعرفة
بصحيحها إلا القليل ثم حاج كا فريق من أهل الملل المخالفة له بما لو احتشد
وقال في فتح الباري: قوله تعالى: ﴿ألا له الخلق والأمر﴾ الآية، يخص به قوله
تعالى الله:) ﴿خالق كل شىء﴾ الآية، ولذا أعقبه البخاري بقوله: ﴿ألا له الخلق
والأمر﴾ الآية، وهذا الأثر وصله ابن أبي حاتم في كتاب الردّ على الجهمية، فقال: الخلق
هو المخلوق، والأمر هو الكلام، وسئل مرّة عن القرءان: أهو مخلوق؟، فقرأ الآية وقال:
ألا ترى كيف فرق بين الخلق والأمر، فالأمر كلامه، فلو كان مخلوقًا لم يفرّق، وسبق
ابن عيينة إلى ذلك محمّد بن كعب القرظي، وأحمد بن حنبل، وعبد السلام ابن عاصم
وطائفة، أخرجه ابن أبي حاتم، انتهى.
(ومن دلائل نبوّته) المستلزمة لرسالته، لاستحالة الكذب على النبيّ، وقد قال: ((أيّها الناس
إني رسول اللَّه إليكم جميعًا)، (عليه الصّلاة والسّلام أنه كان أُميًّا لا يخطّ كتابًا بيده،) صفة
لازمة، فالأميّ من لا يكتب نسبةٍ إلى الأم، لبقائه على الحالة التي ولد عليها، إذ الكتابة مكتسبة،
أو إلى أُمة العرب؛ لأن أكثرهم أُميّون. وقد قال عَلِّ: ((إنّ أُمّة أُميّة، لا نكتب ولا نحسب))، رواه
الشيخان وغيرهما، عن ابن عمر، (ولا يقرؤه،) لأن عادة من لا يحسن الكتابة لا يحسن القراءة،
(ولد في قوم أُميّين، ونشأ بين أظهرهم،) أي: بينهم، وأظهر زائد (في بلد ليس بها عالم
يعرف أخبار الماضين، ولم يخرج في سفر ضاربًا) بموحدة: قاصدًا (إلى عالِم، فيعكف،)
بكسر الكاف وضّها (عليه) ليتعلّم منه، (فجاءهم بأخبار التوراة والإنجيل والأمم الماضية،)
أي: ذكر لهم ذلك وعبّر عنه بجاء، أي: كأنه؛ لأنه هو الذي جاءهم إلى منازلهم حرصًا على
تبليغ الرسالة ما أمكنه، (وقد كان ذهبت معالم،) أي: آثار (تلك الكتب) التي تخبر بما دلّت
عليه، واستعمال معالم جمع معلم، هو الأثر يستدلّ به على الطريق في آثار الكتب مجاز،
(ودرست وحرّفت،) أي: بذلت (عن مواضعها) التي وضعها اللَّه عليه، (ولم يبقّ من
المستمسكين بها وأهل المعرفة بصحيحها إلّ القليل،) ولقّتهم لم يجتمع عَّ بأحد منهم
حتى يظنّ أنه أخذ عنهم، (ثم حاتجّ:) جادل (كل فريق من أهل الملل المخالفة له بما،) أي:
شىء، أي: ببراهين، (لو احتشد) بهمزة وصل، وسكون المهملة، وفوقية معجمة مفتوحتين،

٤٢٤
المقصد الرابع في معجزاته عَِّ الدالّة على ثبوت نبّته
له حذاق المتكلمين وجهابذة النقاد المتفننين لم يتهيأ له نقض ذلك. وهذا أدلّ
شىء على أنه أمر جاءه من عند الله تعالى.
ومن ذلك، القرءان العظيم، فقد تحدى بها فيه من الإعجاز، ودعاهم إلى
معارضته والإتيان بسورة من مثله، فنكلوا عنه وعجزوا عن الإتيان بشىء منه.
قال بعض العلماء: إن الذي أورده عليه الصلاة والسلام على العرب من
الكلام الذي أعجزهم عن الإتيان بمثله أعجب في الآية، وأوضح في الدلالة من
إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص،
فمهملة: اجتمع (له) أي: لردّه (حذاق المتكلّمين:) جمع حاذق، وهو العارف بغوامض صناعته
ودقائقها، (وجهابذة النقّاد،) أي: خبراؤهم، جمع جهبذ بالكسر: النقاد الخبير؛ كما في
القاموس، فجرّده المصنف عن بعض معناه؛ لإضافته إلى النقاد، إذ لا يضاف اسم لما به، اتّحد
معنى (المتفننين،) المتنوّعين في المعارف، يقال: رجل متفنّ، أي: ذو فنون، أي: أنواع (لم
يتهيأ،) يتيسّر (له نقض) إبطال (ذلك،) ولم يقل لهم مطابقة للجمع، نظرًا إلى تنزيلهم منزلة
الشخص الواحد، فأفرد، فإن قيل: ما السّر في نسبة المحاجّة للنبيّ عَّهِ، ونسبة اللَّه تعالى لقوم
إبراهيم في قوله: ﴿وحاجّه قوم﴾ الآية، فالجواب: أن إبراهيم لما كسر أصنامهم، نصبوا أنفسهم
لمحاجته، والمصطفى أتاهم بالحجج، فهو المحاجج لهم، وكل منهما حجّ المخالفین له،
(وهذا أُدلّ شیء على أنه أمر جاءه من عند الله تعالى،) لا صنع، لا حدّ فیه.
(ومن ذلك،) أي: دلائل نبّته، (القرءان العظيم،) أو من الذي حاجّهم به، وعجزوا عنه،
وهو أظهر لقوله: (فقد تحدّى) بحذف المفعول، أي: تحدّاهم به، والباء في (بما فيه من الإعجاز)
سببية لا صلة تحدّى؛ لأنه ما تحدّاهم بالإعجاز، بل طلب منهم المعارضة فقط، بدليل تفسيره
التحدّي بقوله: (ودعاهم إلى معارضته،) أي: طلبًا منهم، (والإتيان بسورة،) وجعل الباء صلة
يوهم أنه قال: ائتوا، بالإعجاز الذي فيه، مع أنه لم يقله، إنما قال: فآئتوا بسورة (من مثله) من للبيان،
أي: هي مثله في البلاغة، وحسن النظم، والإخبار عن الغيب، والسورة قطعة لها أوّل وآخر، أفلها
ثلاث آيات، (فنكلوا عنه،) أي: امتنعوا عن الإتيان بمثله، بمعنى: لم يحاولوا أن يأتوا بشىء يماثله،
لعلمهم أنهم لا يقدرون، (وعجزوا عن الإتيان بشىء منه،) عطف علّة على معلول.
(قال بعض العلماء: الذي أورده عليه الصّلاة والسلام على العرب من الكلام الذي
أعجزهم عن الإتيان بمثله، أعجب في الآية) العلامة، (وأوضح في الدلالة) على ما ادعاه من
الرسالة (من إحياء الموتى) لعيسى، (وإبراء الأكمه) الذي ولد ممسوح العين، (والأبرص) من

٤٢٥
المقصد الرابع في معجزاته عَِّ الدالّة على ثبوت نبوّته
لأنه أتى أهل البلاغة وأرباب الفصاحة ورؤساء البيان والمتقدمين في اللسن بكلام
مفهوم المعنى عندهم، وكان عجزهم عنه أعجب من عجز من شاهد المسيح عند
إحياء الموتى، لأنهم لم يكونوا يطمعون فيه، ولا في إبراء الأكمه والأبرص ولا
يتعاطون علمه، وقريش كانت تتعاطى الكلام الفصيح والبلاغة والخطابة،
به بياض في ظاهر البدن بفساد مزاج؛ كما في القاموس، فقول من قال: هو الذي بيده بياض،
مثال لا قيد، وخصًّا لأنهما داءا إعياء، وكان بعث عيسى في زمن الطب، فأبرأ في يوم خمسين
ألفًا بالدعاء بشرط الإيمان.
روى ابن عساكر عن وهب: كان دعاء عيسى الذي يدعو به للمرضى، والزمنى، والعميان،
والمجاني وغيرهم: اللَّهمّ أنت إله من في السماء، وإله من في الأرض، لا إله فيهما غيرك، وأنت
جبار من في السماء، وجبّار من في الأرض لا جبار فيهما غيرك، وأنت ملك من في السماء،
وملك من في الأرض، لا ملك فيهما غيرك، قدرتك في الأرض كقدرتك في السماء، وسلطانك
في الأرض كسلطانك في السماء، أسألك باسمك الكريم، ووجهك المنير، وملكك القديم، إنك
علی کل شىء قدير.
قال وهب: هذا للفزع والمجنون، يكتب ويسقى ماءه يبرأ إن شاء اللَّه تعالى (لأنه أتى
أهل البلاغة،) وهي ملكة يبلغ بها المتكلّم في تأدية المعاني حدًّا يؤذن بتوفية خاصة كل تركيب
حقها، وبقيّة علوم العرب الشعر، وهو كلام موزون مقفّى، مراد به الوزن والخبر، وهو معرفة
الأسماء، والإنساب، والأيام، إذ كانوا بمكان من ذلك، والكهانة، وهي معاناة الجنّ وادّعاء معرفة
الأسرار، فأنزل اللَّه القرءان الخارق لهذه الأربعة فصول، من أجل الفصاحة والإيجاز، والبلاغة
الخارجة عن نوعه.
(وأرباب الفصاحة ورؤساء:) جمع رئيس؛ كشريف وشرفاء، وزنًا ومعنى. (البيان)
الإفصاح مع ذكاء)، (والمتقدّمين في اللسن،) بفتح اللام والمهملة، ونون: الفصاحة، (بكلام)
متعلّق بقوله: أتى (مفهوم المعنى عندهم، وكان عجزهم عنه أعجب من عجز من شاهد
المسيح عند إحياء الموتى؛ لأنهم لم يكونوا يطمعون فيه،) هذا واضح.
وأمّا قوله: ( ولا في إبراء الأكمه والأبرص ولا يتعاطون علمه)، ففيه نظر، فقد ذكر
أهل التفسير: أن عيسى بعث في زمن الطب، ومن جملته تعاطى علم إبراء الأكمه والأبرص،
(وقريش كانت تتعاطى الكلام الفصيح، والبلاغة والخطابة،) بفتح الخاء المعجمة: إنشاء
الكلام في المحافل، جعل اللَّه لهم ذلك طبعًا وخلقة، فيأتون منه على البديهة بالعجب، ويدلّون
به إلى كل سبب، فيخطبون بديهًا في المقامات إلى آخر ما طول به في الشفاء في صفة

٤٢٦
المقصد الرابع في معجزاته معَِّ الدالّة على ثبوت نبوّته
فدل على أن العجز عنه إنما كان ليصير علمًا على رسالته، وصحة نبوته، وهذه
حجة قاطعة وبرهان واضح.
وقال أبو سليمن الخطابي: وقد كان عٍَّ من عقلاء الرجال عند أهل زمانه،
بل هو أعقل خلق الله على الإطلاق. وقد قطع القول فيما أخبر به عن ربه تعالى
بأنهم لا يأتون بمثل ما تحداهم به فقال: ﴿فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا﴾ [البقرة/
٢٤] فلولا علمه بأن ذلك من عند الله علام الغيوب، وأنه لا يقع فيما أخبر عنه
خلف، وإلا لم يأذن له عقله أن يقطع القول في شىء، بأنه لا يكون وهو يكون.
انتھی.
وهذا من أحسن ما يكون في هذا المجال وأبدعه وأكمله وأبينه، فإنه نادى
عليهم بالعجز قبل المعارضة، وبالتقصير عن بلوغ الغرض في المناقضة،
بلاغتهم وفصاحتهم، (فدلّ على أن العجز عنه إنما كان ليصير علمًا على رسالته وصحة
نبوّته، وهذه حجّة قاطعة وبرهان واضح) وهو باقٍ دون غيره من المعجزات، ومنه تستنبط
الأحكام الشرعية والعلوم العقليّة، ولم تستنبط من معجز سواه، ولذا قيل: معجزات الأنبياء
انقرضت بانقراض أعصارهم، فلم يشاهدها إلاّ من حضرها، ومعجزة القرءان باقية إلى يوم القيامة.
(وقال أبو سليمن الخطابي) نسبة إلى جدّه إذ هو حمد، بفتح المهملة، وإسكان الميم
ومهملة، ابن محمّد بن إبراهيم بن الخطّاب، الحافظ، الفقيه، المشهور، (وقد كان عَلِ من
عقلاء الرجال عند أهل زمانه، بل هو أعقل خلق اللَّه على الإطلاق،) تعليل مقدّم لقوله: (وقد
قطع القول،) أي: إنه لكمال عقله لم يرتّب (فيما أخبر به عن ربّه تعالى؛ بأنهم لا يأتون بمثل
ما تحدّاهم به، فقال: ﴿فإن لم تفعلوا﴾) ما ذكر لعجزكم، (﴿ولن تفعلوا﴾) ذلك أبدًا لظهور
إعجازه، ولم يقلٍ: ولن تأتوا بسورة من مثله، لما فيه من الكناية والإيجاز، (فلولا علمه بأن ذلك
من عند اللّه علام الغيوب، وإنه لا يقع فيما أخبر عنه خلف، وإلا) صوابه إسقاطه، إذ جواب
لولا قوله: (لم يأذن له عقله أن يقطع القول في شىء؛ بأنه لا يكون وهو يكون،) يوجد ولا
يصحّ أن جواب لولا محذوف، أي: لم يقطع القول؛ لأنه يناكده ما بعد وإلا، (انتهى).
(وهذا من أحسن ما يكون في هذا المجال،) بالجيم، (وأبدعه، وأكمله، وأبينه، فإنه
نادى عليهم بالعجز قبل المعارضة،) حيث قال: ولن تفعلوا، فنفى قدرتهم في المستقبل، فلو
قدروا لحميتهم فعلوا، (وبالتقصير) منهم (عن بلوغ الغرض) لهم (في المناقضة،) هي لغة
التكلّم بما يتناقض معناه، والمعنى: أنه أخبر بعجزهم قبل ظهور المناقضة منهم في أقوالهم الدالّة

٤٢٧
المقصد الرابع في معجزاته ◌ِّ الدالّة على ثبوت نبوّته
صارخًا بهم على رؤوس الأشهاد، فلم يستطع أحد منهم الإلمام به مع توفر
الدواعي وتظاهر الاجتهاد، فقال ﴿وكان بما ألقى عليهم خبيرًا﴾: ﴿قل لئن
اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرءان لا يأتون بمثله ولو كان
بعضهم لبعض ظهيرًا﴾ [الإسراء/ ٨٨] فرضيت هممهم السرية وأنفسهم الشريفة
الأبية بسفك الدماء وهتك الحرم.
وقد ورد من الأخبار في قراءة النبي ◌َّه بعض ما نزل عليه على المشر کین الذین
على ذلك، (صارخًا بهم) صائحًا عليهم بعجزهم عن ذلك، (على رؤوس الأشهاد، فلم يستطع
أحد منهم الإلمام به،) أي: القرب منه، (مع توفّر الدواعي، وتظاهر الاجتهاد،) وهم في كل
هذا ناكصون عن معارضته، محجمون عن مماثلته، يخادعون أنفسهم بالتشغيب، والتكذيب،
والافتراء، يقولون: إن هذا إلا سحر يؤثر، وسحر مستمر، وإفك افتراه، وأساطير الأوّلين، والمباهتة،
والرضا بالدنية؛ كقولهم: قلوبنا غلف وفي أكّة مما تدعونا إليه، وفي آذاننا وقر، أي: صمم، ومن
بيننا وبينك حجاب، ولا تسمعوا لهذا القرءان، والغوا فيه لعلّكم تغلبوا، والادعاء مع العجز، لو
نشاء لقلنا مثل هذا، وهذه وقاحة لفرط عنادهم ومكابرة، فلو استطاعوه ما منعهم أن يشاؤوا، وقد
تحدّاهم وقرعهم بالعجز بضعًا وعشرين سنة، ثم قارعهم بالسيوف، فلم يقدروا مع استنكافهم أن
يغلبوا، خصوصًا في الفصاحة.
(فقال:) أي: أيضًا إذ ما قبله في: ﴿فأتوا بسورة من مثله﴾ الآية، فإن لم تفعلوا ولن
تفعلوا، (﴿وكان بما ألقى عليهم خبيرًا﴾) الآية، (﴿قل: لئن اجتمعت الإنس والجنّ على أن
يأتوا بمثل هذا القرءان﴾) في الفصاحة والبلاغة، (﴿لا يأتون بمثله﴾) جواب لقدر، ولذا لم يجزم
(﴿ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا﴾) معينًا، نزل ردًّا لقولهم: لو نشاء لقلنا مثل هذا، قال بعضهم:
التحدّي إنما وقع للإِنس دون الجنّ؛ لأنهم ليسوا من أهل اللسان العربي الذي جاء القرءان على
أساليبه، وإنما ذكروا في هذه الآية تعظيمًا لإعجازه؛ لأن للهيئة الاجتماعية من القوّة ما ليس
للأفراد، وإذا فرض اجتماع الثقلين، فيه وظاهر بعضهم بعضًا، وعجزوا عن المعارضة، كان الفريق
الواحد أعجز، وقال غيره: بل وقع للجنّ أيضًا، والملائكة منويّون في الآية، لأنهم لا يقدرون أيضًا
على الإتيان بمثله.
وقال الكرماني في غرائب التفسير: إنما اقتصر على الإنس والجنّ؛ لأنه معَِّ مبعوث إلى
الثقلين دون الملائكة، ذكره في الإتقان، (فرضيت هممهم السرية،) الشريفة، (وأنفسهم الشريفة
الأبيّة،) الممتنعة (بسفك الدماء وهتك الحرم،) عجزًا عن الإتيان بمثله، وعنادًا بعدم الإيمان.
(وقد ورد من الأخبار في قراءة النبيّ ◌َّله ما نزل عليه على المشركين الذين

٤٢٨
المقصد الرابع في معجزاته ◌َ ◌ّ الدالّة على ثبوت نبوّته
كانوا من أهل الفصاحة والبلاغة، وإقرارهم بإعجازه جمل كثيرة: فمن ذلك ما ورد
عن محمد بن كعب قال: حدثت أن عتبة بن ربيعة قال ذات يوم - وهو جالس في
نادي قريش، ورسول الله عَّ جالس وحده في المسجد - يا معشر قريش، ألا أقوم
إلى هذا فأعرض عليه أمورًا لعله يقبل منا بعضها ويكف عنا. قالوا: بلى يا أبا
الوليد، فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله عَّ لة. فذكر الحديث - فيما قاله عتبة
وفيما عرض عليه من المال وغير ذلك - فلما فرغ قال رسول الله عَظ له: أفرغت يا أبا
الوليد؟ قال: نعم، قال: فاسمع مني، قال: فافعل،
كانوا من أهل الفصاحة والبلاغة، وإقرارهم) بالجرّ عطف على قوله: الأخبار (بإعجازه
جمل كثيرة.
فاعل ورد، (فمن ذلك ما ورد عن محمّد بن كعب) بن سليم بن أسد، القرظي، المدني،
ثقة، عالم، روى له الستّة.
قال الحافظ: ولد سنة أربعين على الصحيح، ووهم من قال: ولد في عهد رسول اللَّه عَلَّهِ،
فقد قال البخاري: إن أباه كان ممّن لم يثبت من سبي قريظة، مات محمّد سنة عشرين ومائة،
وقيل: قبلها، (قال: حدّثت) بالبناء للمجهول، قال في النور: لا أعرف من حدّثه (أن عتبة بن
ربيعة) الكافر، المقتول ببدر، (قال ذات يوم، وهو جالس في نادي) مجلس (قريش،) الذي
يجلسون فيه يتحدّثون، (ورسول اللَّه عٍَّ جالس وحده في المسجد: يا معشر قريش! ألا أقوم
إلى هذا،) وفي رواية: إلى محمّد، (فأعرض عليه أمورًا، لعلّه أن يقبل مّا بعضها،) فنعطيه أيّها
شاء، (ويكفّ عنّا؟، قالوا: بلى يا أبا الوليد، فقام عتبة حتى جلس إلى رسول اللَّه عَلّه، فذكر
الحديث فيما قاله عتبة، وفيما عرض عليه من المال وغير ذلك،) ولفظه، فقال، أي: عتبة:
يا ابن أخي! إنك منّا، حيث قد علمت من السبطة في العشيرة، والمكان في النسب، وإنك قد
أتيت قومك بأمر عظيم، فرّقت به جماعتهم، وسفّهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم،
وكفرت من مضى من آبائهم، فاسمع، متّي أعرض عليك أمورًا تنظر فيها، لعلّك تقبل منّا بعضها،
فقال عَّةِ: ((قل يا أبا الوليد، أسمع))، قال: يا ابن أخي! إن كنت إنما جئت بهذا تطلب مالاً،
جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تطلب الشرف فينا، فنحن نسودك علينا
حتى لا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد ملكًا ملكّناك علينا، وإن كان هذا الأمر الذي يأتيك ربًا
قد غلب عليك، بذلنا أموالنا في طلب الطبّ حتى نبرئك أو نعذر، (فلما فرغ) من كلامه هذا،
(قال رسول اللَّه عَلّهِ: ((أفرغت يا أبا الوليد))؟، قال: نعم، قال: ((فاسمع مني))، قال: فافعل،

٤٢٩
المقصد الرابع في معجزاته عَ ◌ّم الدالّة على ثبوت نبوّته
فقال رسول الله عَّله: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم * حم تنزيل من الرحمن
الرحيم﴾ [فصلت / ١] ﴿كتاب فصلت آياته﴾ فمضى رسول الله عَّ، يقرؤها عليه،
فلما سمعها عتبة أنصت لها، وألقى يديه خلف ظهره معتمدًا عليهما يستمع منه،
حتى انتهى رسول الله عَّةٍ إلى السجدة فسجد فيها ثم قال: سمعت يا أبا الوليد؟
قال: سمعت قال، فأنت وذاك، فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف
بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فلما جلس إليهم قالوا: ما
وراءك يا أبا الوليد؟ قال: والله قد سمعت قولاً ما سمعت بمثله قط، والله ما هو
بالشعر ولا بالسحر ولا الكهانة، يا معشر قريش، أطيعوني، وخلوا بين هذا الرجل
وبين ما هو فيه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ. قال: فأجابني بشىء والله ما
هو بسحر ولا شعر ولا كهانة. قرأ: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم *
فقال رسول اللَّه عَلّ: ﴿بسم اللَّه الرحمن الرحيم﴾) ﴿حم * تنزيل من الرحمن الرحيم*﴾
الآية، مبتدأ خبره ﴿كتاب فصّلت آياته﴾)) الآية، بينت الأحكام، والقصص، والمواعظ، والأمثال،
وأساليب البلاغة، (فمضى رسول اللّه يقرؤها عليه،) أي: يقرأ بقيّة السورة، (فلما سمعها عتبة،
أنصت لها، وألقى يديه خلف ظهره، معتمدًا عليهما، يستمع منه، حتى انتهى رسول اللّه مَّالّ.
إلى السجدة، فسجد فيها، ثم قال: ((سمعت يا أبا الوليد)؟، قال: سمعت، قال: ((فأنت
وذاك)))) مرفوع وجوبًا عند الجمهور، نحو قولهم: أنت ورأيك، والنصب على أنه مفعول معه، أو
على أن ما قبل الواو جملة حذف ثاني جزأيها، (فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض:
نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به،) لشدّة تغيّره ممّا سمع، (فلما
جلس اليهم، قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال:) ورائي أني (واللَّه قد سمعت قولاً ما سمعت
بمثله قطّ، والله ما هو بالشعر،) وكان بعضهم قال: هو شعر لحسن نظمه وفصاحته، (ولا
بالسحر،) وكان قال بعضهم: هو سحر للطاقته، (ولا الكهانة،) وكان بعضهم قال ذلك فيه
لتحيّرهم فيه، كل ذلك من التحيّر والانقطاع، (يا معشر قريش! أطيعوني،) واجعلوها في (خلّوا
بين هذا الرجل وبين ما هو فيه،) فاعتزلوه، (فواللَّه ليكوننّ لقوله الذي سمعت نبأ،) فإن تصبه
العرب فقد كفيتموه، وإن يظهر على العرب، فملكه ملككم، وعزّه عزّ کم، و کنتم أسعد الناس به،
قالوا: سحرك يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأيي، فيه فاصنعوا ما بدا لكم، هذا بقيّة حديث
محمّد بن كعب عند ابن إسحق.
وزاد في رواية غيره: (قال) عتبة معلّلاً لقوله: ليكوننّ لقوله نبأ: (فأجابني بشىء، والله ما
هو بسحر، ولا شعر، ولا كهانة،) كما تزعمون، (قرأ: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾،) لا دلالة

٤٣٠
المقصد الرابع في معجزاته معَّ الدالّة على ثبوت نبوته
حم تنزيل من الرحمن الرحيم﴾ حتى بلغ: ﴿فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة
عادة وثمود﴾ [فصلت / ١٣] فأمسكت فمه وناشدته الرحم أن يكف، وقد علمتم
أن محمدًا إذا قال شيئًا لم يكذب فخفت أن ينزل بكم العذاب. رواه البيهقي
وغيره.
وفي حديث إسلام أبي ذر، ووصف أخاه أنيسًا فقال: والله ما سمعت بأشعر
من أخي أنيس، وقد ناقض اثني عشر شاعرًا في الجاهلية أنا أحدهم، إلى مكة وجاء إلى
أبو ذر بخبر النبي عَّ، قلت: فما يقول الناس؟ قال: يقولون شاعر، كاهن،
ساحر، لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم، ولقد وضعته على أقراء الشعر
فيه على أنها من السورة، للإجماع على ندب استفتاح القراءة في غير الصّلاة بالبسملة، ((حم * تنزيل من
الرحمن الرحيم﴾) الآية، (حتى بلغ: ﴿فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود﴾)
الآية، أي: خوّفتكم عذابًا يهلككم مثل الذي أهلكهم، (فأمسكت فمه، وناشدته الرحم أن
يكف، وقد علمتم أن محمّدًا إذا قال شيئًا لم يكذب،) فكيف يكذب على اللَّه، (فخفت أن
ینزل بكم العذاب، رواه البيهقي وغيره،) کابن إسحق: حدّثني زيد بن زياد، عن محمّد بن
كعب القرظي، فذكره.
وفي رواية: أن عتبة لم يرجع إليهم، وظنّوا إسلامه، فذهبوا له، فغضب وحلف لا يكلّم
محمّدًا أبدًا، وقال: قد علمتم أنه لا يكذب ... إلى آخره، فإن صحّا أمكن الجمع بينهما.
(وفي حديث إسلام أبي ذر الغفاري، (ووصف أخاه أنيسًا،) بالتصغير ابن جنادة، ين
سفين، بن عبيد، بن حرام، بن غفار الغفاري، أسنّ من أبي ذرّ، وأسلم على يده، وهاجرا معًا،
(فقال: والله ما سمعت بأشعر من أخي أنيس، قد ناقض اثني عشر شاعرًا في الجاهلية أنا
أحدهم،) أي: عارضهم في قصائدهم، فأتى بمثلها، وهذا يدلّ على فصاحته ومعرفته بالشعر
وقدرته عليه.
قال الجوهري: النقيضة في الشعر ما ينقض به، وقال المجد: أن يقول شاعر شعرًا،
فينقض عليه شاعر حتى يجيء بغير ما قال. (وإنه انطلق إلى مكّة) لحاجة له، (وجاء إلى أبو
ذرّ بخبر النبيّ عَ ليه)) فقال: رأيت رجلاً بمكّة، يزعم أن اللَّه أرسله، (قلت: فما يقول الناس)
فيه؟، (قال) أنيس: (يقول: شاعر، كاهن، ساحر،) أي: بعضهم يقول هذا وبعض هذا، وأبطله،
فقال: (لقد سمعت قول الكهنة، فما هو،) أي: النبيّ أو كلامه ملتبس (بقولهم، ولقد وضعته).
أي: قوله؛ كما هو لفظه في مسلم، (على أقراء،) بفتح الهمزة والمدّ (الشّعر،) أي:

٤٣١
المقصد الرابع في معجزاته معَِّ الدالّة على ثبوت نبوّته
فلم يلتئم، ولا يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر، وإنه لصادق وإنهم لكاذبون.
رواه مسلم والبيهقي.
وعن عكرمة في قصة الوليد بن المغيرة، وكان زعيم قريش في الفصاحة: أنه
قال للنبي عَُّله: اقرأ علي، فقرأ عليه: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي
القربى﴾ [النحل/ ٩٠] إلى آخر الآية. قال: أعد، فأعاد عَّهِ، فقال: والله إن له
الحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق
أنواعه وأنحائه.
وقال الزمخشري: إقراؤه قوافيه التي يختم بها كإقراء الطهر التي ينقطع الدم عندها،
واحدها قرء مثلث القاف، (فلم يلتئم) بالهمز من الملاءمة، أي: لم أرَه مناسبًا، ولا موافقًا لها
لفظًا ولا معنى، وأين الثريًّا من الثرى؟ (، ولا يلتئم) لا يتّفق (على لسان أحد بعدي؛ أنه) بفتح
الهمزة (شعر)) إذ ليس أحد أعلم به، ولا أقدر عليه مني، فلو أمكن فعلت، فحيث لم يتفق لي
لا يتّفق لغيري، والمراد: إبطال، كونه شعرًا بعدما أبطل كونه سحرًا وكهانة، ولذا عقبه بقوله:
(وإنه)) أي: النبيّ عَّهِ (لصادق) في قوله: (إنه من عند اللَّه))، (وإنهم،) أي: الكفّار (لكاذبون)
في جميع ما قالوه، (رواه مسلم) في الفضائل مطوّلاً جدًا. (والبيهقي) في الدلائل كذلك.
(وعن عكرمة،) مولى ابن عباس، فيما رواه البيهقي مرسلاً، (في قصّة الوليد بن
المغيرة،) بضم الميم، وكسر المعجمة، ابن عبد الله المخزومي، مات كافرا، (وكان زعيم) سيّد
(قريش في الفصاحة، أنه قال للنبيّ عَّه: اقرأ عليّ) شيئًا من القرءان لينتظر فيه، (فقرأ عليه:)
﴿إن الله يأمر بالعدل﴾ التوحيد أو الإنصاف ﴿والإحسان﴾ الآية، أداء الفرائض أو أن تعبد الله
كأنك تراه؛ كما في الحديث. ﴿وإيتاء﴾ إعطاء ﴿ذي القربى﴾، القرابة خصّة بالذكر اهتمامًا به
(إلى آخر الآية،) وخصّ هذه الآية لمناسبتها للطالب؛ لأنه من أقاربه، وفيها عظة له وتنبيه، وهو
من رؤساء عقلائهم، فرجا علـ
٣ بذلك لكمال رأفته ورحمته أن يهدي للإسلام.
(قال) الوليد: أعد قراءتك، (فأعاد عَّهِ) الآية (، فقال: واللَّه إن له لحلاوة،) أي: عذوبة
فصاحة، استعارة لما يستلذّه السمع، (وأن عليه لطلاوة،) مثلّث الطاء: حسنًا وبهجة وقبولاً،
وأكّدهما بالقسم، وإن، والجملة الاسمية، وقدم الخبر للحصر، إشارة إلى أنه لا يشبه غيره من
الكلام. (وإن أعلاه لمثمر،) أي: له ثمر طيّب كثير، استعارة تمثيلية، والمراد: أن أصله قوي
ليس من جنس كلام البشر، ومعانيه مفيدة، مرشدة لسعادة الدارين وحسن العاقبة، (وإن أسفله
لمغدق،) بلام التوكيد، وضمّ الميم، وسكون المعجمة، وكسر المهملة من الغدق، وهو كثرة

٤٣٢
المقصد الرابع في معجزاته عَّ الدالّة على ثبوت نبوّته
وما يقول هذا بشر، ثم قال لقومه: والله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا
أعلم برجزه ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا، والله إن
لقوله الذي يقول لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله وإنه ليعلو
ولا یعلی علیه.
وفي خبره الآخر: حين جمع قريشًا عند حضور الموسم وقال: إن وفود
العرب تردنا، فأجمعوا فيه رأيًا، لا يكذب بعضكم بعضًا،
الماء، وأراد بأسفله ما تضمّنه من المعاني، فهو تمثيلية أيضًا، شبّهه لفصاحته وبلاغته بشجرة
شربت عروقها ماء غزيرًا، فاهتزّت وربت، وأينعت ثمرتها، وكثرت، ويجوز كونها مكنية
وتخییلیة.
وفي رواية ابن إسحق: وإن أصله لعذق، يفتح المعجمة، وكسر المهملة، قال في الروض:
رواية ابن إسحق أفصح؛ لأنها استعارة تامة، آخر الكلام فيها يشبّه أوّله، وجناه، بفتح الجيم
والنون: الثمرة، (وما يقول هذا بشر؛) لأنه لا يشبه كلامهم بوجه من الوجوه، لحلاوة نظمه،
وبديع أسلوبه، وبلاغة معانيه، وجزالة مبانيه، يعني أنه ليس مفتري مختلفًا، وخصّ البشر، لأنهم
المعروفون بالبلاغة، وإلا فهو معجز للجنّ أيضًا، على أنه صرّح بذلك في قوله: (ثم قال لقومه:
واللَّه ما فيكم رجل أعلم بالأشعار منّي، ولا أعلم برجزه،) نوع من الشعر معروف، فهو
خاص على عام، ففيه حجّة لقول الجمهور: الرجز شعر، (ولا بأشعار الجنّ) متّي، (والله ما
يشبه الذي يقول شيئًا من هذا) المذكور، (واللَّه إن لقوله الذي يقول لحلاوة، وإن عليه
لطلاوة، وإنه لمثمر، أعلاه مغدق أسفله،) وأعاد ذلك للتأكيد ولشدّة اللذّة الحاصلة له بسماعه،
(وإنه ليعلو،) يرتفع على ما سواه، (ولا يعلى عليه) وبقيّة هذا عند البيهقي: وإنه ليحطم ما
تحته، (وفي خبره،) أي: الوليد، (الآخر حين جمع قريشًا،) يعني أشرافهم ورؤساءهم، (عند
حضور الموسم) للحجّ، (وقال: إن وفود العرب تردنا،) أي: تقدم عليكم، وقد سمعوا بأمر
صاحبكم، (فأجمعوا) بقطع الهمزة، وإسكان الجيم، وكسر الميم، (فيه رأيًا،) أي: اعزموا
وصمّموا عليه من أجمع المختص بالمعالي دون الأعيان، لا من جمع؛ لأنه مشترك بينهما.
قال تعالى: ﴿فجمع كيده﴾ الآية، ثم أتى الذي جمع مالاً وعدده، وأمّا قوله تعالى:
﴿فأجمعوا أمركم وشركاءكم﴾ الآية، فوقع الفعل على ﴿وشركاء كم﴾، بطريق العطف، ويغتفر
في التابع ما لا يغتفر في المتبوع أو تقديره؛ كما قيل: ﴿وأحضروا شركاءكم﴾ الآية، (لا
يكذب،) بضمّ الياء، وسكون الكاف، وخفّة الذال، أو بفتح الكاف وشدّ الذال المكسورة، من

٤٣٣
المقصد الرابع في معجزاته عَّ الدالّة على ثبوت نبوّته
فقالوا: نقول إنه كاهن، قال: والله ما هو بكاهن ما هو بزمزمته ولا سجعه، قالوا: مجنون.
قال: ما هو بمجنون ولا بخنقه ولا بوسوسته، قالوا: فنقول شاعر، قال: وما
هو بشاعر، قد عرفنا الشعر كله. رجزه وهزجه وقريضه ومبسوطه ومقبوضه، ما هو
بشاعر. قالوا: فنقول ساحر، قال: ما هو بساحر، ولا نفثه ولا عقده، قالوا: فما
نقول: قال: فما أنتم قائلون من هذا شيئًا إلا وأنا أعرف أنه باطل،
أكدب وكذب، (بعضكم بعضًا) إذا اختلفتم، قالوا: فأنت أقم لنا رأيًا نقوله فيه، قال: بل أنتم،
فقولوا: أسمع، (فقالوا: نقول إنه كاهن،) يخبر عن المغيبات، ويدّعي معرفة الأسرار، وكانوا في
العرب كثيرًا؛ كشقّ وسطيح، وكان لهم كلام مشجع، فمنهم من له جني يخبره بالأخبار، ومنهم
من يدّعي معرفة ذلك بأسباب وأمور يأخذها من كلام سائله وفعله وحاله، ويقال له: عرّاف،
(قال: واللَّه ما هو بكاهن) لقد رأينا الكهّان، (ما هو بزمزمته،) أي: صوته الذي لا يفهم؛
كصوت الرعد، وذلك أصوات الكهنة، (ولا سجعه) الذي يسجعه وقت كهانته، (قالوا: مجنون)
اختلّ عقله، فاختلّ كلامه وفعله، (قال:) واللَّه (ما هو بمجنون،) لقد رأينا المجنون وعرفناه،
(ولا) هو (بخنقه،) بفتح النون، وكسرها، وإسكانها ثلاث لغات، ذكره المصنّف، (ولا
بوسوسته) ، بفتح الواو: مصدر شىء يلقى في القلب وفي السمت بصوت خفي يحدّث به
المرء نفسه، ولذا سمّي حديث النفس، أي: لا يشبه حاله، (قالوا: فنقول شاعر، قال: وما هو
بشاعر قد عرفنا الشعر كلّه رجزه وهزجه،) بفتح الهاء والزاي والجيم: أحد بحور الشعر، لكن
المنقول أن أسماءها منقولات للخليل بن أحمد، فهي منقولة من الهزج نوع مطرب من الأغاني،
ولو قيل: إنه اسم لضرب من الشعر كانت العرب تتغنّى به، كان أقرب وأنسب بقوله: (وقريضه)
لأنه ليس اسم بحر من بحور العروض، وهو لغة الشعر مطلقًا من قرض بمعنى قطع، أي: مقطوعة
فعيل بمعنى مفعول؛ لأن الشاعر يقتطع نوعًا من الكلام لغرض له، (ومبسوطه) أي: مطوّلات
قصائده المقابلة لما قبله فيتناول الطويل والبسيط وغيرهما، (ومقبوضه) مختصرًا وزانه المسمّى
في العروض بالمنهوك والمجزور وتكلّف من فسر مبسوطه ببحر البسيط، وإن زيادة الميم
لمشاكلة مقبوضة، (ما هو بشاعر) أعاده تأكيدًا، (قالوا: فنقول ساحر، قال: وما هو بساحر) لقد
رأينا السخّار وسحرهم فما هو بساحر، (ولا نفثه، ولا عقده،) بفتح فسكون، أو بضمّ ففتح:
جمع عقدة التي يعقدها في الخيط ينفخ فيها بشىء يقوله بلا ريق أو معه، (قالوا: فما نقول؟)
بالنون نحن، أو الفوقية، أي: أنت، (قال:) والله إن لقوله لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أصله
العذق، وإن فرعه لجناه، (فما أنتم قائلون من هذا شيئًا إلاّ وأنا أعرف أنه باطل،) ليس بمقبول
عندي ولا عند أحد من العقلاء الذين يعرفونه وقدم، الضمير لتقوية الحكم؛ لأنه يقدم لذلك، أو

٤٣٤
المقصد الرابع في معجزاته ◌ِّ الدالّة على ثبوت نبوّته
رواه ابن إسحق والبيهقي.
وأخرج أبو نعيم من طريق ابن إسحق بن يسار، قال حدثني إسحق بن يسار عن
رجل من بني سلمة قال فتيان بني سلمة قال عمرو بن الجموح لابنه: أخبرني ما سمعت
من كلام هذا الرجل، فقرأ عليه ﴿الحمد لله رب العالمين) إلى قوله: ﴿الصراط
المستقيم﴾ فقال: وما أحسن هذا وأجمله، أو كل كلامه مثل هذا قال: يا أبت وأحسن
من هذا.
وقال بعضهم بعض العلماء:
للحصر في نفسه بادّعاء أن غيره يجهل ذلك، وفيه بعده، وبقيّة خبره: وإن أقرب القول فيه أن
تقولوا ساحر جاء بقول هو سحر، يفرّق بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجه،
وبين المرء وعشيرته، فتفرّقوا عنه بذلك، فجعلوا يجلسون لسبل الناس حين قدموا الموسم، لا يمرّ
بهم أحد إلا حذّروه إيّاه، وذكروا لهم أمره، فصدرت العرب من ذلك الموسم بأمر
رسول اللَّه عَّةِ، فانتشر ذكره في بلاد العرب كلّها، (رواه) بتمامه هذا (ابن إسحق والبيهقي،)
یاسناد جيّد عن ابن عباس.
(وأخرج أبو نعيم من طريق) محمّد (بن إسحق بن يسار،) إمام المغازي، صدوق،
مدلس، (قال: حدّثني) أبي (إسحق بن يسار) المدني، ثقة من التابعين، (عن رجل من بني
سلمة،) بكسر اللام: بطن من الأنصار، (قال: لما أُسلم فتيان بني سلمة، قال عمرو،) بفتح
العين، (ابن الجموح،) بفتح الجيم، وخفّة الميم ابن زيد بن حرام بن كعب الأنصاري، السلمي،
من سادات الأنصار، استشهد بأحد، (لابنه) معاذ، شهد العقبة وبدرًا، وشارك في قتل أبي جهلٍ:
(أخبرني ما سمعت من كلام هذا الرجل؟،) وكان أسلم قبل أبيه، (فقرأ عليه:) ﴿الحمد لله
ربّ العالمين﴾ الآية، (إلى قوله: ﴿الصّراط المستقيم﴾ الآية، (فقال) عمرو لابنه: (وما أحسن
هذا وأجمله، أوَ كلّ كلامه مثل هذا؟، قال: يا أبتِ وأحسن من هذا،) قال ابن إسحق: كان
عمرو بن الجموح سيّدًا من سادات بني سلمة، وشريفًا من أشرافهم، وكان قد اتّخذ في داره
صنمًا من خشب يعظّمه، فلمّا أسلم فتيان بني سلمة منهم ابنه معاذ، ومعاذ بن جبل كانوا
يدخلون على صنمه فيطرحونه في بعض حصر بني سلمة، فيغدو عمرو، فيجده منكبًا لوجهه في
العذرة، فيأخذه ويغسله ويطيّبه، ويقول: لو أعلم من صنع بك هذا لأضربتّه، ففعلوا ذلك مرارًا، ثم
جاء بسيفه فعلّقه عليه، وقال: إن كان فيك خير فامتنع، فلما أمسى أخذوا كلبًا ميتًا، فربطوه في
عنقه، وأخذوا السيف، فأصبح، فوجده كذلك، فأبصر رشده وأسلم.
وقال ابن الكلبي: كان آخر الأنصار إِسلامًا، (وقال بعضهم:) وفي نسخة (بعض العلماء؛

٤٣٥
المقصد الرابع في معجزاته ◌ّ الدالّة على ثبوت نبوّته
إن هذا القرءان لو وجد مكتوبًا في مصحف في فلاة من أرض، ولم يعلم من
وضعه هناك لشهدت العقول السليمة أنه منزل من عند الله، وأن البشر لا قدرة لهم
على تأليف مثل ذلك، فكيف إذا جاء على يد أصدق الخلق وأبرهم وأتقاهم وقال:
إنه كلام الله، وتحدى الخلق كلهم أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا، فكيف يبقى
مع هذا شك. انتهى.
واعلم أن وجوه إعجاز القرءان لا تنحصر، لكن قال بعضهم: أنه قد اختلف
العلماء في إعجازه على ستة أوجه:
أحدها: أن وجه إعجازه هو الإيجاز والبلاغة،
(إن هذا القرءان لو وجد مكتوبًا في مصحف فى فلاة من الأرض، ولم يعلم من وضعه
هناك، لشهدت العقول السليمة أنّه منزّل من عند اللَّه، وأن البشر) وأولى الجنّ (لا قدرة لهم
على تأليف ذلك، فكيف إذا جاء على يد أصدق الخلق، وأبرّهم، وأتقاهم، و) قد(قال: إنه
كلام اللَّه وتحدّى الخلق كلّهم أن يأتوا بسورة من مثله، فعجزوا؛ فكيف يبقى مع هذا
شك؟، انتهى) كلام البعض.
(واعلم: أن وجوه،) أي: أنواع (إعجاز القرءان) التي يعلم بها إعجازه؛ وأنه لا يقدر عليه
بشر، (لا تنحصر) بعدد، وإن أفردها خلائق بالتصنيف، وقد قال في الشفاء، بعدما قال: إن
تحصيلها من جهة ضبط أنواعها أربعة، وبسطها، ثم زاد عليها جملة، قال: وإذا عرفت ما ذكره
من وجوه إعجاز القرءان، عرفت أنه لا يحصى عدد معجزاته بألف، ولا ألفين، ولا أكثر؛
لأنه عَلِّ قد تحدّى بسورة منه، فعجزوا عنها.
قال أهل العلم: وأقصر السور ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ الآية، فكل آية أو آيات منه بعددها منه
معجزة، ثم فيها نفسها معجزات على ما سبق.
(لكن قال بعضهم: إنه قد اختلف العلماء في) وجه (إعجازه على ستّة أوجه،) أي:
إنها جملة الوجوه التي حصل بها الإعجاز وليس المراد أن من قال بواحد نفي غيره.
(أحدها: أن وجه إعجازه) أي: جعل غيره عاجزًا عن معارضته والإتيان بمثله، (هو
الإيجاز:) قلّة اللفظ وكثرة المعاني، (والبلاغة) الخارقة عادة العرب بأن يكون في الحدّ الأعلى،
أو ما يقرب الإعجاز فيه من جهة البلاغة، لكن صعب عليهم تفصيلها، فصغوا فيه إلى حكم
الذوق، وقال: والتحقيق أن أجناس الكلام مختلفة، ومراتبها في درجات البيان متفاوتة، فمنها:
البليغ الوصيف الجزل، ومنها: الفصيح القريب السهل، ومنها الجائز الطلق الرسل، وهي أقسام

٤٣٦
المقصد الرابع في معجزاته معَّةِ الدالّة على ثبوت نبّته
مثل قوله: ﴿ولكم في القصاص حياة﴾ [البقرة/ ١٧٩] فجمع في كلمتين عدد
حروفهما عشرة أحرف معاني كلام كثير.
وحكى أبو عبيد: أن أعرابيًّا سمع رجلاً يقرأ: ﴿فاصدع بما تؤمر﴾ [الحجر/
٩٤] فسجد وقال: سجدت الفصاحة هذا الكلام.
الكلام الفاضل، فالأوّل أعلاها، والثاني: أوسطها، والثالث: أدناها وأقربها، فجاءت بلاغة القرءان
من كل قسم من هذه الثلاثة، فانتظم لها بذلك نمط يجمع صفة الفخامة والعذوبة، وأطال في
بيان ذلك نقله في الإتقان، ثم قال: اختلف في تفاوت القرءان في مراتب الفصاحة بعد اتّفاقهم
على أنّه في أعلى مراتب البلاغة، بحيث لا يوجد في التراكيب ما هو أشدّ تناسبًا، ولا اعتدالاً في
إفادة المعنى منه، فاختار القاضي المنع، وإن كل كلمة فيه موصوفة بالذروة العليا، وإن كان
بعض الناس أحسن إحساساً له من بعض. واختار أبو نصر القشيري وغيره التفاوت، وأن فيه
الأفصح والفصيح، وإليه نحا العز بن عبد السلام وأورد: لِمَ لَمْ يأتِ القرءان جميعه بالأفصح،
وأجاب غيره، بأنه لو جاء على ذلك لكان على غير النمط المعتاد في كلام العرب من الجمع
بين الأفصح والفصيح، فلا تتمّ الحجّة في الإعجاز، فجاء على نمطهم المعتاد ليتمّ ظهور العجز
عن معارضته، ولا يقولوا مثلاً: أتيتنا بما لا قدرة لنا على جنسه؛ كما لا يصحّ للبصير أن يقول
للأعمى: غلبتك بنظري؛ لأنه يقول له: إنما تتمّ لك الغلبة لو كنت قادرًا على النظر وكان نظرك
أقوى من نظري، فأما إذ فقد أصل النظر؛ فكيف يصحّ معنى المعارضة، انتهى. والرصيف بفتح
الراء وكسر المهملة وبالفاء: الشديد المضموم، والجزل، بفتح الجيم، وسكون الزاي، فلام:
القوي الشديد الرونق، (مثل قوله: ﴿ولكم في القصاص حياة﴾ الآية، أي: بقاء عظيم، (فجمع
في كلمتين) هما المبتدأ والخبر؛ لأنهم لا يعتبرون جزء الكلمة، وأمّا قوله: ﴿ولكم﴾ فخبر آخر
الحياة، أو أحدهما خبرًا، والآخر صلة له، (عدد حروفهما عشرة أحرف،) بحذف ألف أل، والياء
في قوله: في؛ لأنهم إنما يعدّون ما ينطقون به لا ما يكتب، والعرب لم تكن تعرف الكتابة،
(معاني کلام کثیر).
(وحكى أبو عبيد) القُسم بن سلام البغدادي، أحد الأعلام، مرّ بعض ترجمته: (أن أُعرابيًّا
سمع رجلاً يقرأ: ﴿فاصدع بما تؤمر﴾، الآية، جهر به من صدع بالحجّة إذا تكلّم جهارًا، أو
افرق به بين الحقّ والباطل، وأصله: الإبانة والتمييز، وما مصدرية أو موصولة، والعائد محذوف،
أي: بما تؤمر به من الشرائع؛ كما في البيضاوي (فسجد) الأعرابي لما أدهشه من بلاغته، (وقال:
سجدت لفصاحة هذا الكلام،) إذ ليست آية سجدة، وإنما هزّه العجب لفصاحته، حتى ذلّ ومرغ
وجهه في التراب، وكان هذا معروفًا في مثله، حتى قال بعضهم للشعر: سجدات، وليس المعنى:

٤٣٧
المقصد الرابع في معجزاته عَِّ الدالّة على ثبوت نبوّته
وسمع آخر رجلاً يقرأ: ﴿فلما استيأسوا منه خلصوا نجيًا﴾ [يوسف/ ٨٠] فقال:
أشهد أن مخلوقًا لا يقدر على مثل هذا الكلام.
وحكى الأصمعي: أنه رأى جارية خماسية أو سداسية وهي تقول: استغفر الله
من ذنوبي كلها، فقلت لها: مم تستغفرين ولم يجر عليك قلم؟ فقالت:
استغفر الله لذنبي كله قتلت إنسانًا بغير حله
مثل غزال ناعم في دله انتصف الليل ولم أصله
فقلت لها: قاتلك الله ما أفصحك،
سجدت للَّه لأجل فصاحته؛ كما وهم، (وسمع) أعرابيّ (آخر رجلاً يقرأ: ﴿فلما استيأسوا
منه﴾) الآية، يئسوا من يوسف، وزيدت السين والتاء للمبالغة في اليأس، ﴿خلصوا﴾: اعتزلوا
﴿نجيًّا﴾ الآية، مصدر يصلح للواحد وغيره، أي: يناجي بعضهم بعضًا، (فقال: أشهد أن
مخلوقًا لا يقدر على مثل هذا الكلام؛) لإعجاز بلاغته وخروجها عن طوق البشر، فإِنّك لو
وزنت قولك: لما لم يطعهم يوسف، ولم يجبهم، ذهبوا وتشاوروا فيما بينهم فيما يقولون بعد
هذا، وكيف يرجعون لأبيهم، عرفت بالذوق أن لا مناسبة بينهما.
(وحكى الأصمعي،) بفتح الهمزة والميم، بينهما مهملة ساكنة، ثم مهملة نسبة إلى جدّه،
فإنه عبد الملك بن قريب بالتصغير، ابن عبد الملك بن علي بن أصمع، أبو سعيد الباهلي،
البصري، صدوق سنّي، روى له أبو داود والترمذي، مات سنة ستّ عشرة، وقيل: سنة عشر
ومائتين، وقد قارب تسعين: (أنه رأى جارية:) أي: صغيرة السنّ، (خماسية، أو سداسية،) بلغت
خمسًا أو سنًّا، (وهي تقول: أستغفر اللَّه من ذنوبي كلّها،) قال الأصمعي: (فقلت لها: مَّ
تستغفرين، ولم يجرِ عليك قلم؟،) إذ لم تبلغي الحلم، (فقالت:)
أستغفر اللَّه لذنبي كلّه قتلت إنسانًا بغير حلّه
بالكسر، أي: بلا سبب يبيح قتله، (مثل غزال) صفة إنسانًا، (ناعم في دلّه،) أي: تدلّله
وتكشره في مشيته، (انتصف الليل ولم أصله،) إخبار عن ذنب آخر، أي: لم أتهجّد فيه، ثم
يحتمل أن المراد بإنسانًا نفسها، أي: قتلت نفسي بعدم فعل الطاعات لانتصاف الليل وما صلّيت،
ويحتمل غيرها، والقتل له حقيقي أو مجازي عن هجرها له ونحوه، أي: كدت أقتله، وهذا أظهر، إذ
قتلها الحقيقي أو بالعشق بعيد لصغرها جدًّا، (فقلت لها: قاتلك اللَّه ما أفصحك؟،) تعجب من
فصاحتها، مبالغًا في تعجّبه، فإنها تقال لمن أتى بأمر بديع غريب، وليس المراد حقيقة لدعاء، بل
شدة الاستحسان، كأنه ممن يستحق أن يحسد ويدّعى عليه، (فقالت: أو تعد) بالفوقية للمعلوم،

٤٣٨
المقصد الرابع في معجزاته عَِّ الدالّة على ثبوت نبوّته
فقالت: أو تعد هذا فصاحة بعد قوله تعالى: ﴿وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه
فإذا خفت عليه فألقيه فى اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك
وجاعلوه من المرسلين﴾ [القصص/ ٧] فجمع في آية واحدة بين أمرين ونهيين
وخبرين وبشارتين.
وحكى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يومًا نائمًا في المسجد، فإذا
برجل على رأسه، يتشهد شهادة الحق، فأعلمه أنه من بطارقة الروم،
والتحتية للمجهول، وفتح همزة الاستفهام، والواو العاطفة، والهمزة مقدّمة من تأخير، أو داخلة
على مقدر معطوف عليه، على الخلاف الشهير، أي: أتعجب وتعد (هذا) الكلام (فصاحة؟،)
أي: فصيحًا، (بعد قوله تعالى،) أي: مع فصاحة القرءان، لا يعد غيره فصيحًا لسامعه، فإنه أُزري
بكل فصاحة فصيرها كالعدم، ﴿وأوحينا﴾ الآية، وحي إلهام أو منام، ﴿إِلى أُم موسى﴾ الآية،
ولم يشعر بولادته غير أَخته، ﴿أن أرضعيه، فإذا خفت عليه، فألقيه في اليمّ﴾ الآية، البحر،
أي: النيل ﴿ولا تخافي﴾ الآية، ((غرقه)، ﴿ولا تحزني﴾ الآية، لفراقه، ﴿إِنّا رادوه إليك،
وجاعلوه من المرسلين﴾، الآية، فأرضعته ثلاثة أشهر، لا يبكي، وخافت عليه، فوضعته في
تابوت مطلى بالقار من داخل، ممهّد له، وألقته في بحر النيل ليلاً، (فجمع في آية واحدة بين
أمرين:) أرضعيه وألقيه، (ونهيين،) ولا تخافي ولا تحزني، (وخبرين) ﴿وأوحينا إلى أُمّ موسى أن
أرضعيه وإنّا رادوه إليك﴾، (وبشارتين) ﴿إِنّا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين) الآية، وهذا
أولى من جعل الخبرين: أوحينا وخفت؛ لأن أوحينا وحده ليس هو المقصود بالإخبارية، وخفت،
وإن كان خبرًا في الأصل لكنه، باقترانه بأداة الشرط خرج عن كونه خبرًا، ولا يضرّ كون إنّا رادوه
إليك خبرا وبشارة؛ لاختلاف الجهة فيهما، ثم المراد بالفصاحة هنا البلاغة، لأنها تطلق عليها؛
كما قال عبد القاهر.
قال في الشفاء: فهذا، أي: الجمع بين ما ذكر في آية واحدة، نوع من إعجازه، منفرد
بذاته، غير مضاف لغيره على التحقيق والصحيح.
(وحكي أن عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه كان يومًا نائمًا في المسجد) النبوي،
(فإذا) فجائية - (برجل) - بباء الملابسة، (على رأسه)، أي: منتصف القامة بجانب رأس
عمر، وهو حقيقة عرفية في مثله، (يتشهد شهادة الحقّ،) أي: ينطق بالشهادة، فاستخبره،
(فأعلمه،) كما في الشفاء، فسقط من الناسخ لفظ: فاستخبره، وفي نسخة: خبره؛ (أنه من
بطارقة الروم:) جمع بطريق؛ ككبريت، القائد من قوّاد الروم، تحت يده عشرة آلاف رجل؛ كما
في القاموس.

٤٣٩
المقصد الرابع في معجزاته عنِّ الدالّة على ثبوت نبوّته
ممن يحسن كلام العرب وغيرها، وأنه سمع رجلاً من أسرى المسلمين يقرأ آية من
كتابكم فتأملتها فإذا قد جمع الله فيها ما أنزل الله على عيسى ابن مريم من أحوال
الدنيا والآخرة. وهي قوله تعالى: ﴿ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه﴾
[النور/ ٥٢] الآية.
وقد رام قوم من أهل الزيغ والإلحاد، أوتوا طرفًا من البلاغة، وحظًا من
البيان، أن يضعوا شيئًا يلبسون به، فلما وجده مكان النجم من يد المتناول، مالوا
إلى السور القصار، كسورة الكوثر والنصر وأشباههما، لوقوع الشبهة على الجهال
فيما قل عدد
وقال الجواليقي: لما سمعت العرب أن البطارقة أهل رئاسة، وصفوا الرئيس به يريدون
المدح، قال أبو ذؤيب:
هم رجعوا بالعرج والقوم شهد هوازف يخدوها حماة بطارق
(ممن يحسن كلام العرب وغيرها،) من عبرانيّة وسريانيّة وروميّة، وهذا توطئة؛ لأنه يفهم
القرءان والإنجيل، ويقدر على النظر في معانيهما، ولذا قال: (وإنه سمع رجلاً من أسرى
المسلمين، يقرأ آية من كتابكم) أيّها المسلمون، يعني القرءان، (فتأملتها،) نظرت بفكري في
معناها، (فإذا هي قد جمع فيها ما أنزل اللَّه على عيسى ابن مريم من أحوال الدنيا والآخرة،)
بيان لما، أي: من الأحوال التي تلزم العبد في الدنيا التي هو سبب النجاة والفوز في الآخرة،
(وهي قوله تعالى ﴿ومن يطع الله ورسوله) الآية، فيما يأمرانه، أو في الفرائض والسنن،
﴿ويخش الله﴾ الآية، يخفه فيما صدر عنه من الذنوب، ﴿ويتّقه﴾ الآية، يجتنب ما يوجب
عقوبته، فيما بقي من عمره، (الآية،) ﴿أي: فأولئك هم الفائزون﴾ الآية، بالنعيم المقيم، أبو
سعادة الدارين، وذلك لأنها آمرة بجميع الطاعات، وباجتناب جميع المعاصي، والمبادر إلى
التوبة، والفوز بالمطلوب، (وقد رام قوم من أهل الزيغ:) الميل عن الحق إلى الباطل،
(والإلحاد:) الطعن في الدين، (أوتوا طرفًا من البلاغة، وحظًا) نصيبًا (من البيان أن يضعوا
شيئًا يلبسون،) بفتح أوله، وسكون اللام، وفتح الباء وكسرها، وبضمّ أوّله، وفتح اللام وشدّ الباء،
مكسورة من التلبيس شدّد مبالغة: يخلطون (به، فلما وجده مكان النجم من يد المتناول،)
أي: بعيدًا لا يتخيّل الوصول إليه، كما لا يتخيّل أحد أن يتناول نجمًا بيده من محلّه، (مالوا
إلى السور القصار؛ كسورة الكوثر والنصر وأشباههما، لوقوع،) أي: دخول (الشبهة على
الجهّال،) القاصرة عقولهم عن تمييز الحسن من القبيح، ولو قال: لإيقاع كان أوليّ؛ لأن الغرض
منه فعله وتزويجه ما يقول، (فيما قلّ عدد حروفه؛ لأن العجز إنما يقع في التأليف والاتّصال،

٤٤٠
المقصد الرابع في معجزاته عَِّ الدالّة على ثبوت نبوّته
حروفه، لأن العجز إنما يقع في التأليف والاتصال.
وممن رام ذلك من العرب بالتشبث بالسور القصار، مسيلمة الكذاب فقال:
يا ضفدع نقي كم تنقين، أعلاك في الماء وأسفلك في الطين، لا الماء تكدرين،
ولا الشراب تمنعين. فلما سمع أبو بكر رضي الله عنه هذا قال: إنه لكلام لم يخرج
من إل.
قال ابن الأثير: أي من ربوبية، و((الإل)) بالكسر هو الله تعالى. وقيل: الإل
هو الأصل الجيد، أي لم يجىء من الأصل الذي جاء منه القرءان.
ولما سمع مسيلمة الكذاب - لعنه الله - و ((النازعات)) قال: والزارعات زرعًا
والحاصدات حصدًا والذاريات قمحًا، والطاحنات طحنًا، والحافرات حفرًا،
والثاردات ثردًا، واللاقمات لقمًا، لقد فضلتم على أهل الوبر وما سبقكم أهل المدر.
إلى غير ذلك من الهذيان، مما ذكرت في الوفود من المقصد الثاني بعضه والله
أعلم.
وممّن رام ذلك من العرب بالتشبّث:) التعلّق (بالسور القصار: مسيلمة) بضمّ الميم، وكسر
اللام، تصغير مسلمة، ففتح لامه خطأ من بني حنيفة (الكذّاب، فقال: يا ضفدع نقّي كم
تنقين،) أي: تصوّتين (أعلاك في الماء، وأسفلك في الطين، لا الماء تكدرين، ولا الشراب
تمنعين، فلما سمع أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه هذا) الكلام، (قال: إنه لكلام لم يخرج من
((إلّ،) بكسر الهمزة، وتثقيل اللام.
(قال ابن الأثير) في النهاية: (أي: من ربوبية، والإلّ، بالكسر هو اللَّه تعالى، وقيل:
الإلّ هو الأصل الجيّد، أي: لم يجيء من الأصل الذي جاء منه القرءان، ولما سمع
مسيلمة الكذّاب - لعنه الله - ﴿والنازعات) غرقًا﴾ الآية، (قال: والزارعات)، وفي نسخة:
والمبذرات، لكن إنما يقال: بذر لا أبذر (زرعًا، والحاصدات حصدًا، والزاريات،) بذال معجمة
من ذروت الشىء طيّرته وأذهبته، (قمحًا، والطاحنات طحنًا، والحافرات حفرًا، والثاردات
ثردًا،) بمثلّثة، (واللاّقمات لقمًا، لقد فضّلتم على أهل الوبر،) بفتحتين: صوف الإبل والأرانب
ونحوها، جمعه: أوبار، (وما سبقكم أهل المدر،) بفتحتين: قطع الطين اليابس، أو العلك الذي
لا رمل فيه، والمدن والحضر؛ كما في القاموس، (إلى غير ذلك من الهذيان،) التكلّم بغير
معقول، (ممّا ذكرت في الوفود من المقصد الثاني بعضه، واللَّه أعلم).
(وقال آخر: ألم تر كيف فعل ربّك بالحبلى، أخرج من بطنها نسمة تسعى من بين