النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
النوع الثالث في سيرته عَّ في نكاحه
وعن صفوان بن سليم مرفوعًا: أتاني جبريل بقدر، فأكلت منها فأعطيت قوة
أربعين رجلاً في الجماع. رواه ابن سعد.
ولما كان عليه الصلاة والسلام ممن أقدر على القوة في الجماع وأعطي
الكثير منه، أبيح له من عدد الحرائر ما لم يبح لغيره.
الخصائص لا تثبت بالاحتمال، قال الحافظ ابن العراقي: بل بدليل صحيح، وقد قال في فتح
الباري، وأغرب ابن العربي، فقال: خصّ اللَّه نبيّه بساعة في كل يوم لا يكون لأزواجه فيها حقّ
يدخل فيها على جميعهنّ، فيفعل ما يريد، ثم يستقرّ عند من لها النوبة، وتلك الساعة بعد العصر،
فإن اشتغل عنها كانت بعد المغرب، ويحتاج إلى ثبوت ما ذكر مفصّلاً، انتهى.
(وعن صفوان بن سليم،) يضم السين المدني، أبي عبد اللَّه الزهري، مولاهم، تابعي،
صغير، ثقة، مفت، عابد، قيل: لم يضع جنبه الأرض أربعين سنة، حتى نقبت جبهته من السجود،
رمى بالقدر، وروى له الستّة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة، (مرفوعًا،) مرسلاً: ((أتاني جبريل
بقدر،) بكسر، فسكون: إناء يطبخ فيه مؤنّئة، (فأكلت منها) بإذن، إذ وضع الطعام إذن، وظاهره:
أنه من الجنّة، ولا مانع أن طعامها يخرج إلى الدنيا، لكنّه يسلب الخصوصية في حقّ غير نبيّنا،
(فأُعطيت قوّة،) أي: قدرة، (أربعين رجلاً) من رجال أهل الجنّة (في الجماع))،) قيّد به ليدلّ
على أن القوّة في غيره أولى، إذ هو محل العجز غالبًا، لا سيّما عند الكبر.
(رواه ابن سعد) برجال الصحيح، فقال: حدّثنا عبيد الله بن موسى، عن أسامة بن زيد، عر
صفوان بن سليم، فذكره، وهذا مرسل، وقد وصله أبو نعيم والديلمي، عن صفوان، عن عطاء بر
يسار، عن أبي هريرة رفعه، لكن فيه سفين بن وكيع ضعيف جدًّا، فلذا اقتصر المصنف على
رواية إرساله لصحة سندها، وقول الشارح قوله، وعن صفوان ... الخ، تقدّم أن هذا موضوع غلط
وسهو فاحش، فالمقتدم قريبًا في الفصل الثالث من ذا المقصد؛ أنه موضوع إنما هو حديث:
((أطعمني جبريل الهريسة أشدّ بها ظهري وأتقوّى بها على الصلاة))، فيه محمد بن الحجاج
اللخمي، هو الذي وضع هذا الحديث، فأمّا حديث ابن سعد، فذكره المصنّف في الفصل الأوّل
من هذا المقصد، بإسناده الذي ذكرته ليبيّ أنه صحيح، فالحاصل: أن حديث القدر صحيح
مرسلاً، ووصله ضعيف، ولم يعلم ما في القدور، وزعم أنه هريسة لا يصحّ؛ لأن أحاديث الهريسة
كلّها واهية، بل قال ابن ناصر: إنها موضوعة، وقال غيره: ضعيفة جدًا، والذهبي واهية، (ولمّا
كان عليه الصّلاة والسّلام ممن أقدر على القوّة في الجماع، وأعطى الكثير منه، أبيح له
من عدد الحرائر ما لم بيح لغيره،) وهو الزيادة على أربع.

٣٨٢
النوع الثالث في سيرته عَّ في نكاحه
قال ابن عباس: تزوجوا فإن أفضل هذه الأمة أكثرها نساء. يشير إليه عيد،
وقيد بهذه الأمة ليخرج مثل سليمن
عليه الصلاة والسلام فإنه كان أكثر نساء.
ووقع عند الطبراني عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: تزوجوا فإن خيرنا
أكثرنا نساء، قيل المعنى: خير أمة محمد عَّ له من كان أكثر نساء من غير ممن
تساوى معه فيما عدا ذلك من الفضائل.
قال الحافظ أبو الفضل العسقلاني: والذي يظهر أن مراد ابن عباس
بـ ((الخير)) وبـ ((الأمة)) أخصاء أصحابه، وكأنه أشار إلى أن ترك التزوج مرجوح، إذ
لو كان راجحًا ما آثر النبي عَّهِ غيره، وكان - مع كونه أخشى الناس لله تعالى
وأعلمهم به - يكثر التزوج لمصلحة تبليغ الأحكام التي لا يطلع عليها الرجال،
ولإظهار المعجزة البالغة في خرق العادة بكونه كان لا يجد ما يتمتع به من القوت
غالبًا، وإن وجد فكان يؤثر بأكثره، ويصوم
(قال ابن عباس: تزوّجوا، فإن أفضل هذه الأُمّة أكثرها نساء،) رواه البخاري عن
سعيد بن جبير، قال: قال لي ابن عباس: هل تزوّجت؟ قلت: لا، قال: فتزوّج، فإن خير هذه الأمّة
أكثرها نساء، (يشير) بقوله: أفضل أو خير، (إليه عَّهِ، وقيّد بهذه الأَقّة ليخرج مثل سليمن
عليه الصّلاة والسلام،) أي: مثله ممن أكثر من النساء، كأبيه داود، (فإنه كان أكثر نساء) من
المصطفى.
(ووقع عند الطبراني، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: تزوّجوا فإن خيرنا أكثرنا
نساء،) ولأجل هذه الرواية (قيل: المعنى) في الرواية التي قبلها، (خير أمّة محمّد عَِّ من كان
أكثر نساء من غيره ممن تساوى معه فيما عدا ذلك من الفضائل،) لا الإشارة إلى المصطفى.
(قال الحافظ أبو الفضل العسقلاني: والذي يظهر) خلاف هذا القيل، وإن مراد ابن
عباس بالخير النبيّ معَّهِ، وبالأمّة أخصّاء أصحابه، وكأنه أشار إلى أن ترك التزوّج مرجوح،
إذ لو كان راجحًا ما آثر النبيّ ◌َُّ غيره، وكان مع كونه أخشى الناس للَّه تعالى وأعلمهم
به،) كما صحّ في الحديث: (يكثر التزوّج لمصلحة تبليغ الأحكام التي لا يطّلع عليها
الرجال،) وقد جاء عن عائشة من ذلك الكثير الطيّب، (ولإظهار المعجزة البالغة في خرق
العادة بكونه كان لا يجد ما يتمتع به من القوت غالبًا، وإن وجد، فكان يؤثر بأكثره ويصوم

٣٨٣
النوع الثالث في سيرته عي في نكاحه
كثيرًا ويواصل، ومع ذلك فكان يدور على نسائه في الليلة الواحدة، ولا يطاق
ذلك إلا مع قوة البدن، وقوة البدن تابعة لما يقوم به من استعمال المقويات من
مأكول ومشروب، وهي عنده عليه الصلاة والسلام نادرة أو معدومة.
وقال بعض العلماء: لما كان الحر لفضله على العبد يستبيح من النساء أكثر
مما يستبيح العبد، وجب أن يكون النبي عَّ لفضله على جميع الأمة يستبيح من
النساء أكثر مما تستبيحه الأمة.
قالوا: ومن فوائد ذلك، زيادة التكليف في القيلم بهن مع تحمل أعباء
الرسالة، فيكون ذلك أعظم لمشاه وأكثر لأجره، ومنها: أن النكاح في حقه عبادة،
ومنها: نقل محاسنه الباطنة، وقد تزوج عليه الصلاة والسلام أم حبيبة بنت أبي ...
كثيرًا، ويواصل،) والصوم يضعف النكاح، بل هو له وجاء، (ومع ذلك، فكان يدور على نسائه
في الليلة،) أي: الساعة، (الواحدة،) ولم يرد خصوص الليلة لما تقدّم في حديث البخاري من
الليل والنهار، (ولا يطاق ذلك إلاّ مع قوّة البدن، وقوة البدن تابعة لما يقوم به من استعمال
المقويّات من مأكول ومشروب، وهي عنده عليه الصّلاة والسلام نادرة،) قليلة جدًا (أو
معدومة) أُصلاً.
(وقال بعض العلماء) في حكمة زيادته على أربع: (لمّا كان الحر لفضله على العبد
يستبيح من النساء أكثر مما يستبيح العبد، وجب أن يكون النبيّ عَ لفضله على جميع
الأمّة يستبيح من النساء أكثر مما تستبيحه الأمّة،) ولزيادة فضله على جميع الخلق لم يتقيّد
ما أبيح له بعدد، ولم يقصر ما يباح له على ضعف ما يباح للحرّ فقط، وإن قصر ما يباح للحرّ
على ضعف ما يباح للعبد عند جمع، وإلاَّ، فمذهب لملك يجوز للعبد الأربع، (قالوا: ومن فوائد
ذلك زيادة التكليف في القيام بهنّ مع تحمّل أعباء) بالفتح: أثقاب، (الرسالة، فيكون ذلك
أعظم لمشاقّه، وأكثر لأجره؛) لأن حبّ النساء يقتضي عادة الاشتغال بهنّ، بحيث يمنع من
القيام بالأعباء، فكونه يقوم بها على أبلغ وجه وأتّ غاية المشقّة، فلذا كثر أجره، لأنه على قدرة
المشقّة.
(ومنها: أن النكاح فى حقه عبادة) مطلقًا؛ كما قاله السبكي، وهو في حقّ غيره ليس
عبادة عندنا، بل مباح من المباحات، والعبادة عارضة له، قاله المصنّف في الخصائص، فنقله عن
غيره، عجب.
(ومنها: نقل محاسنه الباطنة، فقد تزوّج عليه الصّلاة والسّلام أم حبيبة بنت أبي
٦

٣٨٤
النوع الثالث في سيرته عَّة في نكاحه
سفين وكان أبوها في ذلك الوقت عدوه، وصفية وقد قتل أباها وعمها وزوجها،
فلو لم يطلعن من بواطن أحواله على أنه أكمل خلق الله لكانت الطباع البشرية
تقتضي نفرتهن منه وميلهن إلى آبائهن وقرابتهن، فكان في كثرة النساء عنده بيان
لمعجزاته ولمعرفة كماله باطنًا، كما عرف منه الرجال كماله الظاهر.
وقد رغب عليه الصلاة والسلام في النكاح. فروى أبو داود والنسائي من
حديث معقل بن يسار مرفوعًا: تزوّجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم.
وفي ابن ماجه عن أبي هريرة رفعه: انكحوا فإني مكاثر بكم الأمم.
سفين،) صخر بن حرب، (وكان أبوها في ذلك الوقت عدوّه) ويحاربه، (وصفيّة) بنت حيي،
(وقد قتل أباها وعمّها وزوجها) في غزاة خيبر، (فلو لم يطلعن من بواطن أحواله على أنه
أكمل خلق اللَّه لكانت الطباع البشرية تقتضي نفرتهنّ منه، وميلهنّ إلى آبائهن وقرابتهنّ،
فكان في كثرة النساء عنده بيان لمعجزاته،) أي: لمعرفتها، فيخبرن بها، فلا يفوت شىء منها
على الناس ظاهرة وباطنة، (ولمعرفة كماله باطنًا، كما عرف منه الرجال كماله ظاهرًا،) وهذه
حكم ونكات لا تتزاحم، بل كل من ظهر له شىء منها أبداه، (وقد رغّب) بالتثقيل (عليه
الصّلاة والسلام في النكاح، فروى أبو داود والنسائي،) كلاهما في النكاح (من حديث
معقل،) بفتح الميم، وسكون العين المهملة، وكسر القاف ولام، (ابن يسار) المزني ممن بايع
تحت الشجرة، وكنيته أبو علي على المشهور، وهو الذي ينسب إليه نهر معقل بالبصرة، مات
بعد الستّين (مرفوعًا).
قال معقل: جاء رجل إلى النبيّ عَ له، فقال: أصبت امرأة ذات حسب ومنصب ومال، إلاّ
أنها لا تلد، أفأتزوّجها؟ فنهاه، وقال: ((تزوّجوا الودود) المتحبّبة إلى زوجها، بنحو تلطّف في
الخطاب، وبشاشة، وأدب، وكثرة خدمة، (الولود) كثيرة الولادة، ويعرف في البكر بأقاربها، وفي
الشيّب بزوجها الأَوّل، فلا تعارض بينه وبين ندب نكاح البكر لأحاديث، قال الولي العراقي:
والحقّ أنه ليس المراد بالولود كثيرة الأولاد، بل من هي في مظنة الولادة، وهي الشابّة دون
العجوز التي انقطع نسلها، فالصفتان من واد واحد، (فإني مكاثر،) مغالب (بكم الأمم) السابقة
في الكثرة، تعليل للأمر بتزوّج جامعة الصفتين؛ لأن الولود إذا لم تكن ودودًا لا يرغب الرجل
فيها، والودود غير الولود، لا تحصل المقصود، وفيه استحاب النكاح، وفضل كثرة الأولاد، إذ
بها يحصل ما قصد من المكاثر.
(وفي ابن ماجه، عن أبي هريرة، رفعه: ((انكحوا، فإني مكاثر بكم الأمم))) السالفة،

٣٨٥
النوع الثالث في سيرته عَّة في نكاحه
وهو معنى ما اشتهر على الألسنة: تناكحوا تناسلوا؛ فإني مباه بكم الأمم،
ولم أقف عليه بهذا اللفظ.
وأرشد عليه الصلاة والسلام من لم يستطع الباءة إلى الصوم، لأن كثرته.
تقلل مادة النكاح، وتضعف ما يجده المرء من الحرارة القوية التي تبعثه على،
النكاح، وخص الشباب في قوله: (يا معشر الشباب)) لأن للشباب من شهوة التكائح
ما ليس لغيرهم.
(وهو معنى ما اشتهر على الألسنة: ((تناكحوا تناسلوا، فإني مياهٍ،) مغالب (بكم الأمم)، ولم.
أقف عليه بهذا اللفظ) تحوه لشيخه في المقاصد، فإنه ترجم بما اشتهر على الألسنة، وقال: جاء
معناه عن جماعة من الصحابة، وذكر حديثي معقل وأبي هريرة،، وحديث أنسٍ: كان عَّك يأمر
بالبالغة، وينهى عن التبثّل، ويقول: ((تزوّجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة))،
صحّحه الحاكم وابن حبان، التهى، وذا عجب، فقد أورده عياض، بلفظ: ((تناكحوا تناسلوا، أباهي
بكم الأمم يوم القيامة))، وقال مخرجه: أخرجه ابن مردويه في تفسيره، عن ابن عمر مرفوعًا بسند
ضعيف، انتهى، ولكن له شواهد، كما رأيت.
(وأرشد عليه الصّلاة والسلام من لم يستطع الباءة،) بالموحدة والهمزة المفتوحتين،
وتاء التأنيث، ممدودًا، وقد لا يهمز ولا يمدّ، وقد يهمز ويمدٌ من غيرها، قاله المصنف،، وفي.
التوشيح: بالهمز والمدّ، وقد يتركان، وقيل: الأول مؤن النكاح، والثاني: الوطء.
وفي المراد هنا القولان، أصحهما الثاني، والذي يظهر ترجيح الأول، وسياق الحديث يدلّ
عليه، ولقوله في الحديث الآخر: ((من كان ذا طول))) أخرجه الطبراني، انتهى (إلى الصوم)
قائلاً: فإنه له وجاء، بكسر الواو، وجيم ممدود، وقيل: بفتح الواو، ومقصور، واستبعد، أي :- قاطع
لشهوته وأصله وضّ الانثيين)، فإطلاقه على الصوم من مجاز المشابهة؛ لأن الوجاء قطع، وقطع
الشهوة إعدام له أيضًا، ثم أنه استشكل بأن الصوم يزيد الحرارة.
وأجاب العلماء: بأنه يثيرها في ابتدائه، فإذا دام سكنت، وإليه أشار بقوله: (لأن كثرته تقلّل
مادة النكاح، وتضعف ما يجده المرء من الحرارة القويّة التي تبعثه على النكاح،) وذلك
مشاهد في آخر رمضان غالبا، (وخصّ الشباب في قوله) عَّة،، كما رواه أحمد، والشيخان،
والأربعة من حديث ابن مسعود: ((يا معشر الشباب،) من استطاع متكم الباءة فليتزوج، فإنه أغضّ
للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع، فعليه بالصّوم، فإنّه له وجاء؟ (لأن للشباب من شهوة
النكاح ما ليس لغيرهم))،) كالشيوخ وإن كان المعنى معتبرًا إذا وجد السبب في الكهول والشيوخ

٣٨٦
النوع الثالث في سيرته علّ في نكاحه
وقد ظهر لك أن النكاح أعظم في الأجر والثواب من الصيام، فإنه عَّ لم يأمر
أولاً بالصيام إنما أمر به عند عدم الطول إلى النكاح، وإذا كان النكاح ينوى به
التناسل لتكثير هذه الأمة المحمدية فهو بلا شك أفضل.
قال عمر بن الخطاب: إني لأطأ النساء ومالي إليهن حاجة، رجاء أن
يُخرِجُ الله من ظهري من يكاثر به محمد عَّ الأمم يوم القيامة. ذكره ابن أبي جمرة.
وانظر كون نبينا عَّهِ - بالإجماع .- أعبد الناس، مع ما طبعت عليه بشريته
من حب الجماع، وكيف لم يخل بعبادته شيئًا، لأنه عليه الصلاة والسلام لم يكن
يأتيها إلا على مشروعيتها، وهذا هو غاية الكمال في البشرية، لأنه يرجع ما طبع
عليه تابعًا لما أمر به.
وقد روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: لا رهبانية في الإسلام. وهي
ترك النساء، ولو كان تركهن أفضل لشرع ذلك في ديننا، إذ هو خير الأديان.
أيضًا، (وقد ظهر لك أن النكاح أعظم في الأجر والثواب من الصيام، فإنه عَّ. لم يأمر أوّلاً
بالصيام، إنما أمر به عند عدم الطول إلى النكاح) والأمر للإباحة، وإن كان ظاهره الوجوب
لوروده في الكتاب والسنّة كثيرًا، للإباحة إذا أحللتم فاصطادوا، إذا قضيت الصلاة فانتشروا، فإن
طبن لكم عن شىء منه نفسًا فكلوه، وقوله لعَّله: ((سافروا تصحوا، وإنما يعتري النكاح الوجوب،
وباقي الأحكام لعارض، كما بيّ في الفروع وغيرها، (وإذا كان النكاح ينوى به التناسل لتكثير
هذه الأمّة المحمديّة، فهو بلا شكّ أفضل) لسعيه فيما أحبّه المصطفى، (قال عمر بن
الخطّاب: إني لأطأُ النساء وما لي إليهنّ حاجة، رجاء أن يخرج اللَّه من ظهري من يكاثر به
محمّد عَّ الأمم يوم القيامة، ذكره ابن أبي جمرة) بجيم وراء، (وأنظر كون نبيّا عَّه
بالإجماع أعبد الناس، مع ما طبعت عليه بشريّته من حبّ الجماع) تجده غاية في المعجزة،
(كيف، ولم يخل بعبادته شيئًا؛ لأنه عليه الصّلاة والسّلام لم يكن يأتيها إلاَّ على
مشروعيتها) فرضًا وكمالاً، (وهذا هو غاية الكمال في البشريّة؛ لأنه يرجع ما طبع عليه تابعًا
لما أُمر به،) كما قالت عائشة، ويقوم ثلثه، ثم يضطجع، فإن كانت له حاجة ألمّ بأهله، فجعل
الجماع تابعًا لقيامه وقدومه عليه.
(وقد روي عنه عليه الصّلاة والسلام، أنّه قال: ((لا رهبانية في الإسلام))،) كما تفعل
النصارى، (وهي ترك النساء،) والانعزال في الديور ونحوها، (ولو كان تركهنّ أفضل لشرع
ذلك في ديننا، إذ هو خير الأديان) نصّا وإجماعًا.

٣٨٧
النوع الثالث في سيرته عٍَّ في نكاحه
وقد قال سليمن عليه الصلاة والسلام: لأطوفن الليلة على مائة امرأة.
الحديث رواه البخاري.
(وقد قال سليمن عليه الصّلاة والسلام: لأطوفنّ الليلة على مائة امرأة،) وللحموي
والمستملي: لأطيفنّ: من طاف بالشىء وأطاف به لغتان، أي: دار حوله، وهو هنا كناية عن
الجماع، ففيه استعمال الكناية في لفظ يقبح ذكره، واللاّم جواب قسم محذوف، أي: واللَّه
لأطوفنّ، ويؤيّده قوله في آخره: لم يحنث؛ لأنه لا يكون إلاّ عن قسم لا بدّ له من مقسم، فإن
قال بذلك أحد، فالحديث حجّة له على أن شرع من قبلنا شرع لنا، إذا أورد تقريره على لسان
الشارع، وإن أتّفق على عدم الجواز أوّل، كان يقال: لعلّ التلفّظ باسم اللَّه وقع في الأصل، وإن
لم يقع في الحكاية، وذلك ليس بممتنع، فإن من قال: واللَّه لأطوفنّ يصدق أنه قال: لأُطوفنّ؛
لأن اللافظ بالمركب لافظ بالمفرد، كذا في فتح الباري: (الحديث رواه البخاري) في مواضع
عن أبي هريرة، عن النبيّ عَّ له، قال: ((قال سليمن بن داود: لأطوفنّ الليلة بماثة امرأة تلد كل امرأة
غلامًا يقاتل في سبيل اللَّه، فقال له الملك: قل إن شاء اللَّه، فلم يقلٍ، ونسي فأطاف بهنّ، ولم
تلد منهنّ إلاّ امرأة نصف إنسان))، قال النبيّ عَّله: ((لو قال إن شاء اللّه لم يحنث، وكان أرجى
لحاجته))، هكذا رواه البخاري في كتاب النكاح، وله في الجهاد على مائة امرأة أو تسعة وتسعين
بالشكّ، وله في الأيمان والنذور على تسعين امرأة، بفوقية قبل السين، وله في أحاديث الأنبياء
على سبعين امرأة بسين، بعدها موحدة، وقال: إن رواية تسعين أصحّ، أي: بفوقية قبل السين، وله
في التوحيد: على ستّين امرأة، وجمع الحافظ بأن الستّين كن حرائر، وما زاد عليها، كن سراري
أو بالعكس، والسبعون للمبالغة، وأمّا التسعون والمائة فكن دون المائة وفوق التسعين، فمن قال
تسعون ألغى الكسر، ومن قال: مائة جبره، ولذا وقع التردّد في رواية الجهاد، وقول بعض الشرّاح:
ليس في ذكر القليل نفي للكثير، وهو من مفهوم العدد، وليس حجّة عند الجمهور، وليس
بكاف في هذا المقام، وذلك أن مفهوم العدد معتبر عند كثيرين.
وفي رواية للبخاري: فقال عَّهِ: ((لو قالها لجاهدوا في سبيل اللَّه فرسانًا أجمعون، ثم
المراد أنه نسى أن يقولها بلسانه، وإلاّ، فلم يغفل عن التفويض إلى اللّه بقلبه، يقتضيه كمال
النبوّة.
وروى ابن عساكر، بسند ضعيف: أن سليمن كان له أربعمائة امرأة وستمائة سرية، فقال
يومًا: لأُطوفنّ الليلة على ألف، فتحمل كل واحدة منهن بفارس يجاهد في سبيل اللَّه، ولم
يستثنٍ، فلم تحمل واحدة منهن إلاّ امرأة واحدة جاءت بشقّ إنسان، فقال النبيّ عَّه: ((والذي
نفسي بيده، لو استثنى، فقال: إن شاء اللَّه لولد له ما قال فرسان، ولجاهدا في سبيل اللَّه))، ولا

٣٨٨
النوع الثالث في سيرته عليه في نكاحه
وهذه فيه معجزة لسليمن عليه الصلاة والسلام، إذ البشر عاجز عن الطواف
على مائة امرأة في ليلة واحدة، فأظهر الله تعالى قوته بأن أعطى سليمن القوة على
ذلك فكان فيها معجزة وإظهار قدرة الله تعالى وإبداء حكمة، ردًا على من ربط
الأشياء بالعوائد فيقول: لا يكون كذا إلا من كذا، ولا يتولد كذا إلا من كذا،
فألقى الله تعالى في صلب سليمن ماء مائة رجل.
يلزم من إخباره ◌َّه بذلك في حقّ سليطن في هذه القصّة أن يقع ذلك لكل من استثنى، بل هو
رجوى الوقوع وتركه يخشى عدم الوقوع، وبهذا يجاب عن قول موسى: ﴿ستجدني إن شاء الله
صابرا﴿[الكهف/٦٩] الآية، مع قول الخضر اله آخرًا: ذلك تأويل ما لم تستطع عليه صبرًا.
وحكى النقاش أن الشقّ المذكور هو الجدّ الذي ألقى على كرسيّه، والمعتمد أنه شيطان؛
تكما قاله غير واحد من المفسرين، والنّقّاش صاحب متاكير، انتهى.
(وهذه فيه معجزة السليمن عليه الصّلاة والسلام، إذ البشر عاجز عن الطواق على
مائة امرأة في ليلة واحدة، فأظهر اللّه تعالى قوّته،) أي: قوّة سليمن، وفي نسخة: قدرته، أي:
قدرة الله (بأن أعطى سليمن القوّة على ذلك، فكان فيها معجزة، وإظهار قدرة الله تعالي،
وإبداء حكمة ردًّا على من ربط الأشياء بالعوائد، فيقول: لا يكون كذا إلاّ من كذا، ولا يتولّد
كذا إلاّ من كذا، فألقى الله تعالى في صلب سليطن ماء مائة رجل.
.وأورد ابن الجوزي: من أين السليظن أن يخلق من مائة هذا العدد في البيئة لا جائز أنه
بوجي؛ لأنه ما وقع، ولا جائز أنه بوحي؛ لأنه ما وقع ولا جائز أن يكون الأمر بذلك إليه، لأن
الإرادة اللَّه، وأجاب بأنه من جنس التمني على اللّه، والسؤال أله أن يفعل، والقسم عليه، كقول
أنس بن النضر: والله لا تكسر ثنیتها، ويحتمل أن يكون لما أجاب اللّه دعوته أن یھت له ملكًا،
لا ينبغي لأحد من بعده، کان هذا عنده من جملة ذلك، فجزم به.
قال الحافظ: والأقرب الأول، ويحتمل أنه أوحى إليه بذلك مقيدًا بشرط الاستثناء، فنسي،
فلم يقع الفقد الشرط، ومن ثم سناغ اله الخلف أولاً.
ونقال القرطبي: لا يظنّ بسليطن أنه قطع بذالك على ربه، إلاّ من جهيل حال الأنبياء وآدابهم
مع الله.
وفي الفتح أيضًا قبل هذا قوله: تلد كل امرأة منهنّ غلامًا يقاتل في سبيل اللَّه، هذا قاله
على سبيل التمتّي للخير، وإنما جزم به؛ لأنه غلب عليه الرجاء، لكونه قصد به الخير، وأمر الآخر
لا الغرض الدنيا ..
قال بعض السلف: ليه ) في هذا الحديث على آفة التمتي والإعراض عن التفويض»

٣٨٩
النوع الثالث في سيرته عملية في نكاحه
وكان اله ثلاثمائة زوجة وألف سرية وهذا لا يعطي تفضيل سليمن على نبينا
، إذ سيدنا محمد لم يعط إلا ماء أربعين رجلاً، ولم يكن له غير عشر السوق،
لأن مرتبة نبينا عليه الصلاة والسلام في الأفضلية لا يساويه فيها أحد، وسليمن
عليه السلام تمنى أن يكون ملكًا فأعطي ذلك، وأعطي هذه القوة في الجماع الكي
يتم له الملك على خرق العادة من كل الجهات اليمتاز بذلك. فكان نساؤه من
جنس ملكه الذي لا ينبغي لأحد من بعده كما طلب.
ونبينا محمد عَ ◌ّ لما خير بين أن يكون نبيًا عبدًا أو نبيًا ملكًا أبى ذلك،
واختار أن يكون نبيًا عبدًا، فأعطي من الخصوصية ذلك القدر الكونه اختار الفقر
والعبودية فأعطي الزائد وانخرقت له العادة في النوع الذي اختاره وهو الفقر
والعبودية، فكان عليه الصلاة والسلام يربط على بطنه الأحجار من شدة الجوع
والمجاهدة، وهو على حاله في الجماع لم ينقصه شیئا،
قال: ولذالك نسي الاستثناء اليمضي فيه القدر، (وكان له ثلاثمائة زوجة، وألف سرية) والله
أعلم بصحة هذا، فغاية ما روي: ألف، أخرج الحاكم في مستدركه من طريق أبي معشر،
عن محمد بن كعب، قال: بلغنا أنه كان السليطن ألف بيت من قوارير على الخشب، فيها
ثلاثمائة حرّة، وسبعمائة سرية، وكذا حكاه وهي في المبتدأ، كما في الفتح، فإن ورد ما
ذكره المصنف أمكن أن الروايات في عدد من أراد الطواف عليه، ولا ينافي أن تحته هذا
العدد، الكته الم يرد الطواف إلاّ على بعضه، «وهذا لا يعطي تفضيل سليمن على
نبينا ، إذ سيّدنا محمّد لم يعط إلا ماء أربعين رجلاً، ولم يكن له عشر السوة؛ لأن
مرتبة نبينا عليه الصلاة والسلام في الأفضلية لا يساويه فيها أحد) بالنصّ والإجماع،
(وسليمن عليه السلام تمتّى أن يكون ملكًا،) بقوله: وهب الي ملكًا لا ينبغي لأحد من
بعدي، (فأعطى ذلك، وأعطي هذه القوّة في الجماع لكي يتمّ اله الملك على خرق
العادة من كل الجهات ليمتاز بذلك، فكان نساؤه من جنسٍ ملكه الذي لا ينبغي،)
لا يكون (لأحد من بعده، كما طلب، ونبينا محمد علي لما خيّر بين أن يكون نبيًّا
عبدًا، أو نبيًّا ملكًا أبى ذلك،) أي: الملك، (واختار أن يكون نبيًا عبدًا، فأعطي من
الخصوصية ذلك القدر؛ الكونه اختار الفقر والعبودية، فأعطي الزائد، وانخرقت له العادة
في النوع الذي اختاره، وهو الفقر والعبودية، فكان عليه الصّلاة والسلام يربط على بطنه
الأحجار من شدة الجوع والمجاهدة وهو على حاله في الجماع، لم ينقصه شيئًا،

٣٩٠
النوع الرابع في نومه عليه الصلاة والسلام
والناس أبدًا إذا أخذهم الجوع والمجاهدة لا يستطيعون ذلك، فهو أبلغ في
المعجزة، قاله في بهجة النفوس، والله أعلم.
النوع الرابع
في نومه عليه الصلاة والسلام
كان عَّ ينام أوّل الليل
والناس أبدًا إذا أخذهم الجوع والمجاهدة لا يستطيعون ذلك، فهو أبلغ في المعجزة،
قاله) ابن أبي جمرة (في بهجة النفوس،) وتحليها بمعرفة ما لها وعليها، وهو اسم شرحه
على الأحاديث التي انتخبها من البخاري، وهو تكلّف لا حاجة إليه؛ لأن نبينا أعطى قوّة
أربعين رجلاً من أهل الجنّة، كما سبق في حديث طاوس، ومرّ في حديث زيد بن أرقم: أن
الرجل من أهل الدنيا، والحديث مصرّح بخلافه.
وقد قال المصنّف في الفصل الأوّل من ذا المقصد، والسيوطي بعدما ذكرا أثر مجاهد:
أعطي عَّهُ قوّة أربعين رجلاً، كل رجل من أهل الجنّة، وحديث: ((يعطى الرجل قوّة مائة في
الجنّة))، قالا: فيكون أُعطي قوّة أربعة آلاف، وبهذا يندفع ما استشكله بعضهم، فقال: كيف يؤتي
قوّة أربعين رجلاً فقط، وقد أعطي سليمن قوة مائة أو ألف على ما ورد في سليلمن، محمول على
رجال الدنيا، وفي نبيّنا على رجال الجنّة؛ كما ورد، وذلك أربعة آلاف، فقد زاد على سليمن
بكثير، (والله أعلم).
النوع الرابع
في نومه عليه الصَّلاة والسّلام
(النوع الرابع في) شأن، أو تعلّق (نومه عليه الصّلاة والسّلام،) فشمل قدره، ووقته،
وصفته من كونه على اليمين أو غيره، وما يرقد عليه، وما كان يفعله قبل النوم وبعده، وغير ذلك:
(كان ◌َّ ينام أوّل الليل) بعد صلاة العشاء وما يتّصل بها، فالأوّلية نسبية.
وفي الصحيح عن أبي برزة: كان عَّ يكره النوم قبل العشاء، والحديث بعدها.
وروى الشيخان، وابن ماجه عن عائشة: كان ينام أوّل الليل ويحيي آخره، وروى أحمد
والترمذي، وصحّحه الحاكم، عنها: كان لا ينام حتى يقرأ بني إسرائيل والزمر، وعن جابر: كان
لا ينام حتى يقرأ ﴿ألم تنزيل﴾ [السجدة/١] الآية، ﴿السجدة﴾ الآية، ﴿وتبارك الذي بيده الملك﴾ [الملك/'
١] الآية، أخرجه أحمد، والترمذي، والنسائي والحاكم.

٣٩١
النوع الرابع في نومه عليه الصلاة والسلام
ويستيقظ في أوّل النصف الثاني، فيقوم فيستاك ويتوضأ، ولم يكن يأخذ من النوم
فوق القدر المحتاج، ولا يمنع نفسه من القدر المحتاج إليه منه، وكان ينام على
جانبه الأيمن، ذاكر الله تعالى حتى تغلبه عيناه، غير ممتلىء البطن من
.
وعن العرباض بن سارية: كان عَّ يقرأ المسبحات قبل أن يرقد، وقال: ((إن فيهن آية
أفضل من ألف آية))، رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وحسنه، والنسائي، ورواه ابن الضريس، عن
يحيى بن أبي كثير مرسلاً، وزاد: قال يحيى: فنراها الآية التي في آخر الحشر.
وقال ابن كثير: الآية هي قوله تعالى: ﴿هو الأَوّل، والآخر، والظاهر، والباطن، وهو بكل
شىء عليم﴾ الآية، والمسبحات ستّ: الحديد، والحشر، والصفّ، والجمعة، والتغابن، وسبّح
اسم ربك الأعلى.
(ويستيقظ في أوّل النصف الثاني) غالبًا، وفي الصحيحين وغيرهما، عن عائشة: كان
يقوم إذا سمع الصارخ، قال الحافظ: أي: الديك، ووقع في مسند الطيالسي في هذا الحديث:
والصارخ الديك، والصرخة الصيحة الشديدة، وجرت العادة أن الديك يصيح عند نصف الليل
غالبًا، قاله محمد بن نصر.
قال ابن التين: وهو موافق لقول ابن عباس: نصف الليل أو قبله بقليل أو بعده، وقال ابن
بطال: الصارخ يصرخ عند ثلث الليل، فكان يتحرّى الوقت الذي ينادي فيه: هل من سائل كذا؟
والمراد بالدوام: قيامه كل ليلة في ذلك الوقت، لا الدوام المطلق.
وفي البخاري عن أنس: كان لا تشاء أن تراه من الليل مصليًّا إلاّ رأيته، ولا نائمًا إلاّ رأيته،
قال الحافظ: أي: إن صلاته ونومه كان يختلف بالليل، ولا يرتّب وقتًا معينًا، بل يحسب ما تيسّر
له القيام، ولا يعارضه حديث عائشة؛ لأنها أخبرت عمّا اطّلعت عليه، فإن صلاة الليل كانت تقع
منه غالبًا في البيت، وخبر أنس محمول على ما وراء ذلك، انتهى.
وحاصله: أن كلاًّ من عائشة وأنس أخبر بما اطّلع عليه، (فيقوم، فيستاك) كما روى أحمد
عن ابن عمر: كان لا ينام إلاّ والسواك عند رأسه، فإذا استيقظ بدأ بالسواك، ولابن عساكر عن
أبي هريرة: كان لا ينام حتى يستنّ، (ويتوضّأ،) كما في حديث ابن عباس وغيره، (ولم يكن
يأخذ من النوم فوق القدر المحتاج) إليه منه، (ولا يمنع نفسه من القدر المحتاج إليه منه،)
فتنازع فيه الأمران، (وكان ينام على جنبه الأيمن،) وفي نسخة: جانبه، وهما بمعنى على مفاد
قول المجد: الجنب الجانب، والجنبة محركة شقّ الإنسان وغيره، أو الجاني بمعنى الجنب،
مجازًا على مقتضى قول المصباح: الجانب الناحية، ويكون بمعنى الجنب أيضًا؛ لأنه ناحية من
الشخص، (ذاكر اللَّه تعالى حتى تغلبه عيناه؛) بأن يأخذه النوم، (غير ممتلىء البطن من

٣٩٢
النوع الرابع في نومه عليه الصلاة والسلام
الطعام والشراب، لأنه عليه الصلاة والسلام كان يحب التيامن في شأنه كله،
وليرشد أمته، لأنه في الاضطجاع على الشق الأيمن سرًّا، وهو أن القلب معلق في.
الجانب الأيسر، فإذا نام الرجل على الجانب الأيسر استثقل نومًا، لأنه يكون في
دعة واستراحة فيثقل تومه، فإذا تام على الشق الأيمن فإنه يقلق ولا يستغرق في
النوم لقائق القلب، وطالبه مستقره، وميله إليه.
قالوا: وكثرة النوم على الجانب الأيسر - وإن كان أهنا - مضر بالقلب بسبب
ميل الأعضاء إليه، فتنصب المواد فيه.
وأما قول القاضي عياض في الشفاء: وكان نومه عليه على جانبه الأيمن استظهارًا
على قلة النوم .. الخ، ففيه شىء، لأنه عليه الصلاة والسلام لا ينام قلبه، فسواء كان
نومه ..
الطعام والشراب) لضرره بالبدن، وتثقيله النوم، وعلّل نومه على الأيمن، بقوله: (لأنه عليه الصّلاة
والسلام كان يحبّ، التيامن في شأنه كلّه،) ومن جملته النوم، (وليرشد أُمّته،) تعليل ثان
إرشادي لنفع البدن، لا لأنه عبادة؛ (لأن في الاضطجاع على الشقّ الأيمن سرًّا وهو أن القلب
معلّق في الجانب الأيسر، فإذا نام الرجل) الإنسان رجلاً أو امرأة (على الجانب الأيسر
استثقل نومًا،) أي: طال نومه، لعدم مشقّة تقتضي استيقاظه، فالسين للتأكيد، لا الطلب وثومًا.
تمييز؛ (لأنه يكون في دعة،) أي: راحة، فالعطف في (واستراحة) تفسيري، والسين للتأكيد،
(فيثقل نومه، فإذا نام على الشقّ الأيمن،، فإنه يقلق،) بفتح اللام: يضطرب (ولا يستغرق في
التوم،) عطف مسبب على سبب (لقلق القلب:) اضطرابه (وطلبه مستقرّه، وهيانه إليه، قالوا:
وكثرة النوم على الجانب الأيسر، وإن كان أهناً مضرّ بالقلب، بسبب ميل الأعضاء إليه،
فتنصبّ المواد فيه،) أو إليه، وهو أولى ليصدق باتصبابها؛ بمجاوره، فتؤذيه.
قال الولي العراقي: اعتدت النوم على الأيمن، فصرت إذا فعلت ذلك كنت في دعة وراحة
واستغراق، وإذا نمت على الأيسر حصل عندي قلق، لذلك، وعدم استغراق في النوم، فالأولى.
تعليل الاضطجاع على الأيمن بتشريفه، وتكريمه وإيثاره على الأيسر، انتهى. وكونه أولى في
التعليل لا يمنع الأوّل، فإن هذا نادر، وسببه اعتياده.
(وأما قول القاضي عياض في الشفاء: وكان نومه على على جانبه الأيمن، استظهارًا،
على قلّة النوم؛) لأنه على الأيسر أهناً، لهدو القلب وما يتعلّق به من الأعضاء الباطنة، (إلى،
آخره، ففيه شىء، لأنه عليه الصّلاة والسّلام لا ينام قلبه، فسواء،)، بفاء التفريبع» (كان نومه.

٣٩٣
النوع الرابع في نومه عليه الصلاة والسلام
على الجانب الأيمن أو الأيسر فهذا الحكم ثابت له، وما علله به إنما يستقيم في
حق من يتام قلبه، وحينئذٍ فالأحسن تعليله بحب التيامن، أو بقصد التعليم، كما
مر.
وأراد النوم، النوم على الظهر، ولا يضر الاستلقاء عليه للراحة من غير نوم،
وأرداً منه أن ينام متبطحًا على وجهه، وفي سنن ابن ماجه أنه عَّهُ مر برجل في
المسجد متبطئا
على الجانب الأيمن أو الأيسر، فهذا الحكم ثابت له، وما علّله به إنما يستقيم في حقّ من
ينام قلبه،) هذا مبني على أن معنى قوله استظهارًا، استدلالاً على قلة النوم، بكونه على الأيمن،
فتوهم كثرته الو نام على الأيسر، فينافي أن قلبه لا ينام، والجواب: أن معنى استظهارًا، طلبًا القلّة
النوم؛ بسبب كونه على الأيمن، فعلى بمعنى اللام، فلا يردّ عليه تعليل المصنّف؛ لأن غايته الو ئام
على اليسار، علم بقلبه طول زمن النوم، لكن لا يسهل الانتباه عليه؛ لاسترخاء أعضائه، بسبب
النوم على اليسار المقتضى الراحة القلب، وقد قال شارح الشفاء: استظهارًا، أي: الستعانة استفعال
من الظهر بمعنى التقوية والاستقامة؛ لأن قوّة البدن واستمساكه بظهره، فكانت عادته النوم على
الأيمن.
وزعم أنه حالة امتهان، الاتكائه على الجانب الذي ينام عليه الا وجه اله، فالنوم راحة معين
على العبادة، كالاتكاء على أعضاء السجود. (وحينئذ، فالأحسن تعليله بحب التيامن، أو بقصد
"التعليم؛ كما منّ إذ هو لا يحتاج للاستظهار القوّة روحه، ويقظة قلبه، فيغلب ذلك على نومه.
بورد بأن القوي إذا تقوّى كان أشدّ قوّة، والنوم الطبيعي في الخلق، (وأراد النوم النوم
على الظهر، ولا يضرّ الاستلقاء عليه) على الظهر، (للراحة من غير انوم،) وقد فعله النبيّ عَـ
روى الشيخان وغيرهما، عن عبدالله بن زيد المازني: أنه أبصر رسول اللَّه عَ لّم مستلقيًا
في المسجد، واضعًا إحدى رجليه على الأخرى، ولا يعارضه ما في مسلم، عن جابر: نهى ◌َّ
أن يضع الرجال إحدى رجليه على الأخرى، وهو مستلق على ظهره؛ لأن محله إذا ظهرت عورته
بذالك بضيق إزار ونحوه، فإن أمن ذلك، فلا حاجة الدعوى نسخ النهي بفعله، وزعم أنه
مخصوص به، ردّ بأن عمر وعثمن كانا يستلقيان، رواه البخاري والحميدي والإسمعيلي، وزاد أبا
بكر الصديق رضي اللَّه عنهم، (وأرداً منه أن ينام متبطّخاعلى وجهه،) فيكره للرجل والمرأة،
كالاستلقاء اللمرأة.
(وفي سنن ابن ماجه)) والبخاري في الأدب المفرد، عن أبي أمامة: (أنه عَلِّ مرّ برجل
في المسجد متبطحًا) حال سوغ مجيئه من النكرة، وصفها بقوله: في المسجد، وفي نسخة:

٣٩٤
النوع الرابع في نومه عليه الصلاة والسلام
على وجهه فضربه برجله وقال: قم، أو اقعد، فإنها نومة جهنمية.
وكان عليه الصلاة والسلام ينام على النطع تارة، وعلى الفراش تارة، وعلى
الحصير تارة، وعلى الأرض تارة. وكان فراشه أُدمًا حشوه ليف.
و کان له مسح ينام عليه.
وكان عَّ إذا أخذ مضجعه وضع كفه تحت خده الأيمن وقال: رب قني
عذابك يوم تبعث عبادك.
منبطح بالجرّ، صفة لرجل (على وجهه،) وفي الأدب: لوجهه، (فضربه برجله،) هذا هو الثابت
في ابن ماجه، والبخاري في الأدب؛ فما في نسخ على وجهه، يدلّ برجله لا عبرة بها، كيف
وفي الحديث: ((اجتنبوا الوجوه لا تضربوها))، (وقال: ((قم أو اقعد،) تخيير لا شكّ، (فإنها نومه
جهنمية))،) أي: تشبه حال أهل جهنّم، كما قال تعالى: ﴿يوم يسحبون في النار على وجوههم﴾
الآية، فكره ذلك لما فيه من التشبّه بهم؛ كخاتم الحديد، (وكان عليه الصّلاة والسّلام،) كما
علم من مجموع الأحاديث: (ينام على الفراش تارة، وعلى النطع تارة،) بفتح النون، وكسرها،
مع فتح الطاء وسكونها: ما اتّخذ من جلد، والجمع: أنطاع ونطوع، (وعلى الحصير تارة،) كما
في حديث عمر، (وعلى الأرض تارة) أخرى، (وكان فراشه،) كما في الصحيحين والترمذي
عن عائشة، قالت: إنما كان فراش رسول اللَّه عَِّ الذي ينام عليه (أُدمًا،) بفتحتين جلدًا مدبوغًا أو
أحمر أو مطلق الجلد، جمع أديم، وصف به المفرد؛ لأنه أجزاء من الجلد مجتمعة، فهو نظيره،
قوله تعالى: ﴿من نطفة أمشاج﴾ الآية، فوصف المفرد بالجمع إذ أمشاج أخلاط جمع مشيج،
(حشوه ليف) من النخل، (وكان) كما رواه الترمذي عن حفصة، (له مسح) بكسر، فسكون:
فراش خشن غليظ، (ينام عليه) من شعر أو صوف، وتقدّم هذا في فراشه، (وكان،) كما رواه
أحمد والترمذي عن البراء، واللفظ له، وأحمد وأبو داود عن حفصة، وأحمد وابن ماجه عن ابن
مسعود: كان (عَِّ إذا أخذ مضجعه)،) بفتح الميم والجيم، وحكي كسره، أي: استقرّ فيه لينام،
ولفظ ابن مسعود وحفصة: إذا أوى إلى فراشه (وضع كفّه) اليمنى؛ كما في حديث البراء، وابن
مسعود، فسقط من قلم المصنّف (تحت خدّه الأيمن،) أي: وضع راحته تحت شقّ وجهه
الأيمن، قال الأزهري: الكفّ: الراحة مع الأصابع، سميت به لكفّها الأذى عن البدن، (وقال:
ربّ،) أي: مالكي (قني عذابك يوم تبعث،) أي: تحيي (عبادك) يوم القيامة، فلا تبعثني كريه
المنظر على وجهي غبرة ترقها قترة، أو ترسل من بعث بمعنى أرسل، أي: لا ترسلني مع من
ترسلهم إلى النار.

٣٩٥
النوع الرابع في نومه عليه الصلاة والسلام
وفي رواية: يوم تجمع عبادك.
وقال أبو قتادة: كان عليه الصلاة والسلام إذا عرَّس بليل اضطجع على شقه
الأيمن، وإذا عرس قبيل الصبح نصب ذراعه ووضع رأسه على كفه.
وقال ابن عباس: كان عليه الصلاة والسلام إذا نام نفخ.
زاد في رواية حفصة: ثلاث مرّات، وذكر هذا مع عصمته، تواضعًا للَّه وإجلالاً له، وتعليمًا
الأُمّته أن يقولوا ذلك عند النوم؛ لاحتماله أنه آخر العمر، فيكون خاتمة عملهم ذكر اللَّه مع
الاعتراف بالتقصير الموجب للفوز والرضا.
(وفي رواية) للترمذي من طريق أخرى عن البراء مثله، وقال: (يوم تجمع) بدل تبعث
(عبادك،) وفي رواية ابن مسعود: يوم تبعث، أو قال: تجمع، بالشكّ، (وقال أبو قتادة) الحرث
أو النعمن الخزرجي، فارس المصطفى: (كان عليه الصّلاة والسّلام إذا عرس) بشدّ الراء، وعين
وسين مهملات، أي: نزل وهو مسافر للاستراحة (بليل،) أي: في زمن ممتدّ منه لقوله: بعد قبيل
الصبح، قال أبو زيد: عرس تعريسًا: نزل، أيّ وقت كان من ليل أو نهار، فقوله: بليل، ليس
تصريحًا بما علم ضمنًا من عرس، إلاّ على قول الأكثر: التعريس نزول المسافر بالليل للنوم
والاستراحة، (اضطجع) نام (على شقّه) بالكسر: جانبه، (الأيمن) لاعتماده على الإنتباه، وعدم
فوات الصبح لبعده، (وزاد عرس قبيل الصبح،) أي: قبل دخول وقته، (نصب ذراعه) اليمنى،
(ووضع رأسه على كفّه،) وفي رواية أحمد وغيره: ووضع رأسه على كفّه اليمنى، وأقام ساعده،
وذلك لأنه أعون على الانتباه لئلاّ ينام طويلاً، فيفوته الصبح، فهو تشريع وتعليم لأمّته، لئلاّ يثقل
نومهم، فيفوتهم أوّل الوقت، وفيه: أن من قارب وقت الصلاة ينبغي أن يتجنّب الاستغراق في
النوم، فينام على صفة تقتضي سرعة يقظته، محافظة على الصّلاة لأوّل وقتها.
(وقال ابن عباس: كان عليه الصّلاة والسّلام إذا نام نفخ،) من النفخ وهو إرسال الهواء
من الفم بقوّة، والمراد هنا: ما يخرج من النائم حين استغراقه في نومه، وبيّ به أن النفخ يعتري
بعض النائمين دون بعض، وأنه ليس بمذموم ولا مستهجن، ولفظ الترمذي عن ابن عباس: أنه عَّ.
نام حتى نفخ، وكان إذا نام نفخ، فأتاه بلال فآذنه بالصّلاة، فقام وصلّى ولم يتوضّأ، أي: لأن
نومه لا ينقض وضوءه مطلقًا ليقظة قلبه، فلو خرج منه حدث لا أحسّ به، وأما رواية أنه توضّأ،
فأمّا للتجديد أو وجود ناقض، وفي البخاري عن ابن عباس: نامَ عَّهِ حتى نفخ، وكنّا نعرفه إذا
نام بنفخه، وعن عائشة: نام عَّ حتى استثقل ورأيته ينفخ، ولأحمد عنها: ما نام قبل العشاء، ولا
سمر بعدها.

٣٩٦
النوع الرابع في نومه عليه الصلاة والسلام
وعن حذيفة كان عليه الصلاة والسلام إذا أوى إلى فراشه قال: باسمك
اللَّهم أموت وأحيا.
وقالت عائشة: كان يجمع كفيه فينفث فيهما ويقرأ: ﴿قل هو الله أحد﴾،
و﴿قل أعوذ برب الفلق﴾، و﴿قل أعوذ برب الناس﴾ ثم يمسح بهما ما استطاع
من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده. يصنع ذلك ثلاث
مرات.
(وعن حذيفة) ابن اليمان فيما رواه أحمد، والبخاري، والترمذي، وأبو داود: (كان عليه
الصّلاة والسّلام إذا أوى) بهمزة، وواو مفتوحتين، مقصور على الأفصح (إلى فراشه،) أي:
دخل فيه،» (قال:) بعد وضع يده اليمنى تحت خدّه الأيمن ((باسمك اللّهمّ،) أي: على ذكري.
لاسمك، مع اعتقادي، لعظمة مدلوله، وتفرّده باللملك والألوهيّة، (أموت وأحياء)) أي: تميتني
وتحييني، أو الاسم بمعنى المسمى، وهو ذاته تعالى، فالمعنى: أموت وأحيا متبركًا باسمك
ومتمسّكًا به، أو باسمك المميت والمحيي، أو أراد بالموت: النوم تشبيهًا بجامع زوال العقل.
والحركة، وبالحياة اليقظة.
وبقية حديث حذيفة هذا عند الجماعة: وإذا استيقظ قال: ((الحمد لله الذي أحيانا بعدما
أماتنا، وإليه النشور))، (وقالت عائشة) فيما رواه مالك وأحمد، والشيخان،، وأبو داود، والترمذي ..
(كان) عَّله إذا أوى إلى فراشه كل ليلة (يجمع) لفظها جمع بالماضي (كفّيه)، أي: ضمّ إحداهما
للأخرى، (فينفث) الرواية للترمذي: فنفث ماضيًا ولغيره، ثم تغث فيها، أي: ينفخ نقخًا لطيقًا
بلا ريق على ما يلوح من ظواهر الأحاديث، وإن اختلف أهل اللغة في أن النقث بريق أو بدونه)»
وذلك مخالفة لليهود؛ لأنهم يقرؤون ولا ينفثون، (ويقرأ: ﴿قل هو الله أحد﴾ الآية)، و﴿قل أعوذ
بربّ الفلق﴾ الآية، و﴿قل أعوذ برب الناس﴾ الآية، أي: السور الثلاث بكمالها، والرواية: وقراً
بالماضي، وفي رواية: فقرأ بالفاء، بمعنى الواو لا للترتيب، فتقديم النفث على القراءة وعكسه
سيّان، حيث كانا بعدد جمع الكفّين، وزعم بعض أن الأولى تقديم القراءة على النفث، وأن معنى،
رواية الفاء: فأراد النفث فيهما،، قرأ فنفث خلاف ظاهر الحديث، بل تقديم النفث على القراءة
المخالفة السحرة؛ لأنهم ينفثون بعد القراءة، كما جزم به بعضهم، (ثم يمسح) الرواية: مسح (بهما.
ما استطاع) مسحه، فالعائد محذوف (من جسده،) أي: ما تصل إليه يده من بدنه، وظاهره، أن.
المسح فوق الثوب، (يبدأ بهما على رأسه) فصلله؛ لأنه بيان الجملة مسح، أو بدل منه أو
استئناف، (ووجهه وما أقبل من جسده يصنع ذلك) الجمع والنفث والقراءة (ثلاث مرّات،) لأنه
أكمل وإن حصل أصل السنّة بمرّة واحدة، كما تفيده رواية أخرى، وعبّرت بيصنع دون يفعل أو

٣٩٧
النوع الرابع في نومه عليه الصلاة والسلام.
وقال أنس: كان عليه الصلاة والسلام إذا أوى إلى فراشه قال: الحمد للة
الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا، وكم ممن لا كافي له ولا مؤوي. روى ذلك
الترمادي.
وقد كان عليه الصلاة والسلام: تنام عيناه،
يعمل ونحوهما؛ لبيان، أن فعله ذلك في غاية الجودة لكثرة فوائده، إذ الصنع إجادة الفعل على أن
في رواية يفعل، (وقال أنس) عند مسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسائي: (كان عليه الصّلاة
والسلام إذا أوى إلى فراشه،)، أي: دخل فيه، قال البيضاوي: أوى جاء لازمًا ومتعديًّا، والأكثر
في المتعلّي المدّ، (قال: ((الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا) ذكرهما؛ لأن الحياة لا تتمّ بدونهما
كالنوم، فالثلاثة من واد والحد، فذكره يستدعي، ذكرهما،، ولأن النوم فرع الشبع، والري وفراغ
المخاطر من المهمّات، (وكفانا،)، دفع عنّا شرّ خلقه، (وآواتا) في كن نسكن فيه، يقينا الحرّ
والبرد، وتنحرس فيه متاعنا، ننحجب به عيالنا)، وهو بالمدّ؛ لقوله: مؤرو، ويجوز القصر، وعلّل
الحمد مبيّنًا لسببه الحامل عليه، إذ لا يعرف قدر النعمة إلاّ يضدها، بقوله: (فكم مم لا كافي.
له، ولا مؤوي))،) اسم فاعل من آوى بالمدّ، وفي نسخة: ولا مأوى) أي: وليس له مكان يأوي.
إليه من أوى بالقصر، لكن الرواية بالأول، أي: كثير لا راحم له،، ولا عاطف عليه، أو لا يعرف،
كافيه)، ولا مؤويه، أو لا كافي، ولا مؤوي على الوجه الأكمل، فلا ينافي أنه تعالى كاف لجميع
خلقه،، ومؤولهم على تحو: وإن الكافرين لا مولى لهم ..
(روى ذلك): المذكور من الأحاديث التي، أولها: ((وكان فراشه))، كلّه (الترمذي): ورواها
غيره، أيضًا، وبعضها في الصحيح،، كما رأيت.
وروى البخاري وغيره، عن حذيفة ومسلم، عن البراء: كان عَّه إذا استيقظ قال:
(«الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور)، وأبو داود عن عائشة: كان إذا استيقظ من
الّليلل، قال: ((لا إله إلّ أنت سبحانك اللَّهم وبحمدك، أستغفرك الذتبي، وأسألك رحمتك، اللّهمّ
زهني علمًا، ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، وهب في من لدنك رحمة، إنك أنت الوهاب)).
وروى أحمد وابن ماجه، عن ربيعة بن كعب أنه سمع رسول اللَّه عَه إذا قام من الليل
يصلّي، يقول: ((الحمد لله ربّ العالمين القوي)، ثم يقول: ((سبحان، اللَّه وبحمده، القوي)، وأمّا: ما.
كان، يقوله إذا أصبح وإذا أمسى، فكثير ألّف فيه تأليف كثيرة)» ساق، منه الشامي هنا جملة
صالحة.
(وقد كان عليه العّلاة والسّلام تنام عيناه)، بالتثنية، وفي نسخة بالإقراد على أنه مقره
مضاف يعمّ، وهما روايتان في البخاري، (ولا ينام قلبه،) ليعي الوحي الذي، يأتيه،، بل هو دائم.

٣٩٨
النوع الرابع في نومه عليه الصلاة والسلام
ولا ينام قلبه، رواه البخاري من حديث عائشة، قاله لها عليه الصلاة والسلام لما
قالت له: أتنام قبل أن توتر.
وإنما كان عليه الصلاة والسلام لا ينام قلبه لأن القلب إذا قويت فيه الحياة
لا ينام إذا نام البدن، وكمال هذه الحالة كان لنبينا عَّه، ولمن
اليقظة، لايعتريه غفلة، ولا يتطرّق إليه شائبة نوم، لمنعه من إشراق الأنوار الإلهية، الموجبة لفيض
المطالب السنيّة، ولذا كانت رؤياه وحيًا، ولا تنتقض طهارته بالنوم، وكذا الأنبياء؛ لقوله :
((إنّا معشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا))، رواه ابن سعد عن عطاء مرسلاً.
(رواه البخاري) بمعناه (من حديث عائشة، قاله لها عليه الصّلاة والسّلام لما قالت له:
أننام قبل أن توتر؟) بهمزة الاستفهام الاستخباري، لتسأل عن حكمه لأمره أبا هريرة بالوتر قبل
النوم، فكأنها قالت: ما سبب نومك قبله، وقد أمرت به قبل النوم، فأجابها بما حاصله: إن ذلك
لمن يخاف فواته بالنوم، وأنا آمن من ذلك، ولفظ عائشة: ما كان رسول اللَّهَلَّه يزيد في
رمضان، ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة يصلّي أربعًا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم
يصلّي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلّي ثلاثًا، قالت عائشة: قلت: يا رسول اللَّه!
أتنام قبل أن توتر؟ فقال: ((يا عائشة، إن عينيَّ تنامان ولا ينام قلبي))، رواه الشيخان، وأبو داود،
والترمذي، والنسائي، وأخرجه الحاكم عن أنس، قال: كانت تنام عيناه، ولا ينام قلبه.
(وإنما كان عليه الصّلاة والسّلام لا ينام قلبه؛ لأن القلب إذا قويت فيه الحياة لا ينام،)
لا تحصل له الغشية التي تغطّيه عن المعرفة، (إذا نام البدن،) إذ النوم غشية ثقيلة، تهجم على
القلب، تغطّيه عن المعرفة بالأشياء، ولذا قيل: هو آفة؛ لأن النوم أخو الموت، وقيل: النوم مزيل
للقوّة والعقل؛ كما في المصباح، فنوم البدن والعين مجاز؛ لأنه إنما يرد على القلب الضعيف،
لا القوي شبه ما يحصل للين والبدن، مما يمنعهما من الإحساس بالغشية، المانعة للقلب عن
المعرفة، وأطلق عليه اسمه واشتّق منه الفعل، (وكمال هذه الحالة،) وهي يقظته وعدم قيام
الغشية به، (كان النبيّا عَّله)) ولباقي الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام، فهو من خصائصه على
الأُمم، لا على الأنبياء بنصّ حديث، والفرق بيننا وبينهم أن النوم يتضمّن أمرين: راحة البدن، وهو
الذي شاركونا فيه، والثاني: غفلة القلب، وقلوبهم مستيقظة إذا ناموا، سليمة من أضغاث الأحلام،
مشتغلة في تلقف الوحي والتفكر في المصالح، على مثل حال غيرهم إذا كان يقظانًا، ولذا
كانت رؤياهم وحيّا، ولا ينقض النوم وضوءهم.
(ولمنٍ) الواو للاستئناف، فهو من عطف الجمل، واللام متعلّقة بمحذوف، أي: يحصل
لمن (أحيا اللَّه قلبه بمحبته واتّباع رسوله من ذلك) الحال، الذي كماله للمصطفى (جزء

٣٩٩
النوع الرابع في نومه عليه الصلاة والسلام
أحيا الله قلبه بمحبته واتباع رسوله من ذلك جزء، بحسب نصيبه منها، فمستيقظ
القلب وغافله، كمستيقظ البدن ونائمه، وإلى هذا الذي ذكرته أشار صاحب
المعارف العلية والحقائق السنية سيدي علي بن سيدي محمد وفي بقوله:
عيني تنام لكن قلبي والله ما ينام
وكيف ينام عاشق مسبي في الحب مستهام
ناظر إلى وجه الحب شاخص على الدوام
أتاه بالمعنى مرسوم أن تفنى الرسوم
فقام بالحي القيوم يا سعد من يقوم
وقد جمع العلماء بين هذا الحديث وبين حديث نومه عَّ في الوادي ...
بحسب نصيبه منها،) أي: محبته عليه الصّلاة والسّلام، (فمستيقظ القلب؛) بأن لم تقم به تلك
الحالة التي تمنع من الإدراك، (وغافله؛) بأن غاب عنه ولم يتذكّره، (كمستيقظ البدن،) عائد
المستيقظ القلب، (ونائمه) لغافله، لكن ولو شاركوا الأنبياء في جزء ما من ذلك ليسوا كهم؛
لانتقاض وضوءهم، ورؤياهم ليست وحيًا بإجماع، (وإلى هذا الذي ذكرته أشار صاحب
المعارف العلية والحقائق السنية) الشريفة (سيدي علي بن سيدي محمّد، وفي بقوله:
عينيّ تنام، لكن قلبي واللَّه ما ينام، وكيف ينام) استفهام إنكاري بتقدير أن شخصًا أنكر عليه،
(عاشق) محبّ، مفرط في الحبّ، (مسبى،) مأخوذ عن نفسه، مستول عليه محبوبه، حتى كأنه
معه لا حركة له ولا شعور، فهو كالأسير مع آسره (في الحبّ) بضمّ الحاء المحبّة، وكسرها
المحبوب، (مستهام) هائم، أي: متحيّر بسبب الحبّ كالهائم الذي لا يدري أين يتوجّه، (ناظر
إلى وجه الحبّ،) وفي نسخة: المحبوب، (شاخص على الدوام،) أي: فاتح عينيه، ينظر إلى
وجه حبيبه، لا يقتر عن ذلك أصلاً، (أتاه بالمعنى مرسوم،) مكتوب من محبوبه، (أن تفنى)
تمحى (الرسوم:) الآثار المتعلّقة بالغير، إشارة إلى مقام الجمع عندهم، وهو أن لا ينظر إلى غير
اللَّه في أمر ما، والمراد: أتاه إلهام وتوفيق إلهي منه تعالى؛ بأن يقطع التعلّق بالخلق، ويقبل على
اللَّه سرًا وعلانية، (فقام بالحيّ القيّوم،) القائم بتدبير الخلق وحفظه، (يا سعد من يقوم).
بأوامره (وقد جمع العلماء بين هذا الحديث وبين حديث نوم عَّ في الوادي،)
حيث كانوا قافلين من سفر اختلف في تعيينه، ففي مسلم عن ابن مسعود: أقبل عَّه من
الحديبية ليلاً، فنزل، فقال: ((من يكلؤنا)؟ فقال بلال: أنا ... الحديث.
وفي الموطأ، عن زيد بن أسلم مرسلاً: عرس معَِّ ليلة بطريق مكّة، ووكّل بلالاً،

٤٫٠٠
النوع الرابع في نومه عليه الصلاة والسلام
عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس وحميت حتى أيقظه عمر رضي الله عنه
التکبیر.
ولعبد الرزاق، عن عطاء بن يسار: أن ذلك كان بطريق تبوك، وللبيهقي نحوه عن عقبة بن عامر،
ولأبي داود: كان ذلك في غزوة جيش الأمراء، وتعقّبه ابن عبد البر: بأنها مؤتة، ولم يشهدها
النبيّ عَّة، وهو كما قال الكم، يحتمل أن المراد بها غيرها، ذكره الحافظ (عن صلاة الصبح،)
وسبب الجمع إشكال أحد الحديثين بالآخر، إذ مقتضى عدم نوم القلب إدراكه كل ما يحتاج
إليه، فلا يغيب عن علمه وقت الصبح، فكيف نام (حتى طلعت الشمس وحميت، حتى أيقظه
عمر رضي اللّه عنه بالتكبير،) كما أخرجه البخاري ومسلم عن عمران بن حصين، قال: كنّا في
سفر مع النبيّ ة وإنّا أسرينا، حتى إذا كتا في آخر الليل وقعنا وقعة، ولا وقعة عند المسافر
أحلى منها، فما أيقظنا إلاّ حرّ الشمس، وكان أول من استيقظ فلان - يعني أبا بكر، كما عند
إذا
البخاري في علامات النبوة، ثم فلان، ثم فلان، ثم عمر بن الخطاب الرابع، وكان النبيّ
تنام لم يوقظ حتى يكون هو يستيقظ، الأنا لا ندري ما يحدث اله في نومه، فلما استيقظ عمر،
ورأى ما أصاب الناس، وكان رجلاً جليدًا، فكبر ورفع صوته بالتكبير، حتى استيقظ بصوته
النبيّ معَ له، فشكوا إليه الذي أصابهم، فقال: ((لا ضير ولا تضير، ارتحلو))، فارتحل، فسار غير
بعید، ثم نزل فدعا بالوضوء، فتوضًا ونودي بالصّلاة، فصلّى بالناس ... الحديث.
وزاد الطبراني: فقلنا: يا رسول اللَّه! أنعيدها من الغد الوقتها؟ قال: ((نهانا اللَّه عن الربا ويقبله
منّا)).
وفي رواية ابن عبد البرّ: ((لا ينهاكم الله عن الربا، ويقبله منكم)).
قال الحافظ: اختلف هل كان نومهم عن صلاة الصبح مرة أو أكثر، فجزم الأصيلي أن
القصّة واحدة، وتعقّبه عياض؛ بأن قصّة أبي قتادة مغايرة القصّة عمران، وهو كما قال: ففي قصة
أبي قتادة؛ أن أبا بكر وعمر لم يكونا مع النبيّ، وأنّه أول من استيقظ عمله، وقصّة عمران؛ إنهما
كانا معه، وأول من استيقظ أبو بكر، ولم يستيقظ النبيّ عَ له حتى أيقظه عمر بالتكبير، بوفي
القصّتين غير ذلك من وجوه المغايرات، ومع ذلك فالجمع ممكن، ولا سيما مع ما في مسلم
وغيره: أن عبدالله بن رباح، راوي الحديث عن أبي قتادة؛ ذكر أن عمران سمعه وهو يحدّث،
فقال: أنظر كيف تحدّث، فإني كنت شاهد القصّة، فما أنكر عليه من الحديث شيئًا، لكن
المدعي التعدّد أن يقول: يحتمل أن عمران حضر القصّتين، فحدث بإحداهما، وصدّق عبد الله بن
رياح لما حدث عن أبي قتادة بالأخرى، ويدلّ على التعدّد اختلاف المواطن، كما قدّمنا، وحاول
ابن عبد البرّ الجمع بأن زمان رجوعهم من خيبر قريب من زمان رجوعهم من الحديبية، واسم