النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ فراشه :ـ أدمًا حشوه الليف رواه الشيخان. وروى البيهقي من حديثها، قالت: دخلت على امرأة من الأنصار فرأت فراش رسول الله عَ قطيفة مثنية، فبعثت إلي بفراش حشوه الصوف، فدخل علي رسول الله عَّله فقال: ما هذا يا عائشة؟ قلت: يا رسول الله، فلانة الأنصارية دخلت فرأت فراشك فبعثت إلي بهذا، فقال: رديه يا عائشة فوالله لو شئت لأجرى الله معي جبال الذهب والفضة. فسكون: فراش خشن من صوف أو شعر، ولأبي الشيخ، عنها: كان فراشه قطيفة (أُدمًا،) بفتحتين: جمع أدمة أو أديم جلدًا مذبوغًا أو أحمرًا مطلق الجلد، (حشوه) بالفتح، أي: الأدم باعتبار لفظه وإن كان معناه جمعًا، فالجملة صفة لأدم، أو حالية من فراش: (الليف،) بالكسر للنخل واحده، أي: القطعة منه ليفة؛ كما في الصحاح، فما كان من غيره لا يسمّى ليفًا، فتعليل كونه من النخل بأنه الكثير، بل المعروف عندهم يفهم إطلاقه على غيره، وهو خلاف مقتضى الجوهري. قال بعض المحقّقين: الظاهر إن قولها إنما الخ ... قصر تعيين لما كان ينام عليه، والظاهر وقوعه جواب سائل أو قائل، (رواه الشيخان) وغيرهما، كالترمذي، وفيه: أن النوم على الفراش المحشو واتخاذه لا ينافي الزهد هبه من أدم أو غيره، حشوه ليف أو غيره؛ لأن عين الأدم والليف ليست شرطًا، بل لأنها المألوفة عندهم، فيلحق بها كل مألوف مباح، نعم الأولى لمن غلب الكسل وميل نفسه إلى الراحة والترفه أن لا يبالغ في حشو الفراش؛ لأنه سبب ظاهر في كثرة النوم والغفلة والبطء عن الخيرات والمهمات، بدليل حديث حفصة عند الترمذي: كان فراشه مسحًا تثنيه ثنيتين فينام عليه، فلمّا كان ذات ليلة، قلت: لو ثنيته أربع لكان أوطأ، فثنيناه، فلما أصبح قال: ((ما فرشتموه)، قلنا: هو فراشك إلاّ أنَّا ثنيناه بأربع، قلنا: هو أوطأ لك، قال: ((ردّه لحالته الأولى، فإنه منعتني وطأته صلاتي الليلة)). (وروى البيهقي،) وأبو الشيخ في كتاب الأخلاق النبوية، وابن سعد (من حديثها،) أي: عائشة، (قالت: دخلت علي امرأة من الأنصار، فرأت فراش رسول اللَّه مَّةٍ قطيفة،) وفي رواية: عباءة، (مثنية، فبعثت إليّ بفراش حشوه الصوف، فدخل علي رسول اللَّه عَ لَّهِ، فقال: «ما هذا يا عائشة)؟ قلت: يا رسول اللَّه فلانة الأنصارية،) مفاده أنها سمّتها له، فنسي الراوي اسمها أو أبهمها لغرضٍ، فعبّر عنها بفلانة، (دخلت فرأت فراشك، فبعثت إليّ بهذا، فقال: ((ردّيه يا عائشة، فواللَّه لو شئت لأجرى اللَّه معي جبال الذهب والفضّة))،) فاتخاذي لهذا ٣٦٢ فراشه طـ وعن عبد الله بن مسعود: نام رسول الله عَّ على حصير، فقام وقد أثر في جنبه. الحديث رواه ابن ماجه والترمذي وقال: حسن صحيح. والطبراني ولفظه: دخلت على النبي عَّ وهو في غرفة كأنها بيت حمام. وهو نائم على حصير، وقد أثر بجنبه فبكيت، فقال: ما يبكيك يا عبد الله؟ قلت: يا رسول الله كسرى وقيصر يطؤون على الخز والديباج، وأنت نائم على هذا الحصير قد أثر بجنبك، فقال: لا تبك يا عبد الله، فإن لهم الدنيا ولنا الآخرة. وقوله: كأنها بيت حمام - بتشديد الميم - أي أن فيهما من الحر الفراش ليس عجزًا عن غيره، بل اختيارًا لعدم الترفه، المشعر بالمباهاة وحظّ النفس، واتّباعًا لقوله تعالى: ﴿ولا تمدنّ عينيك إلى ما متّعنا به أزواجًا منهم﴾ الآية. وفي رواية ابن سعد، وأبي الشيخ، والحسن بن عرفة: فلم أردّه، وأعجبني أن يكون في بيتي، حتى قال ذلك ثلاث مرّات، فقال: ((رديه يا عائشة، فوالله)) الخ ... قالت: فرددته، وفيه: أنها لم تفهم تحتّمه بل فهمت أنه أراد إن شئت، ولذا لمّا صرّح بتحتمه ردته. (وعن عبد الله بن مسعود: نام رسول اللَّه عَِّ على حصير،) قال ابن بطال: هي ما صنع من سعف النخل، وشبهه قدر طول الرجل، فأكثر، قاله في الفتح، ولعلّ المراد بها الخصفة الآتية في حديث عمر، (فقام وقد أثّر في جنبه،) لأنه لم يكن عليه غير إزاره، (الحديث) تتمته: فبكيت، فقال: ((ما يبكيك))؟ قلت: كسرى وقيصر على الخزّ والديباج، وأنت نائم على هذا الحصير يا رسول اللَّه، بأبي وأُمّي لو كنت آذنتنا ففرشنا لك شيئًا يقيك منه، فقال: ((ما لي وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلاّ كراكب استظلّ تحت شجرة، ثم راح وتركها))، (رواه) بتمامه أحمد، و(وابن ماجه، والترمذي، وقال: حسن صحيح)، وكذا صححه الحاكم والضياء، (و) رواه (الطبراني، ولفظه) أي: الطبراني عن ابن مسعود: (دخلت على النبيّ عَّله، وهو في غرفة، كأنها بيت حمام) لشدّة حِرّها، (وهو نائم على حصير قد أثّر بجنبه، فبكيت) شفقة عليه، (فقال: ((ما يبكيك يا عبد اللَّه))؟ قلت: يا رسول اللَّه كسرى) ملك الفرس (وقيصر) ملك الروم (يطؤون)، يمشون (على الخز)، بخاء وزاي معجمتين (والديباج)، وأراد بالجمع ما فوق الواحد أو أراد: وقومهما، (وأنت نائم على هذا الحصير قد أثّر بجنبك،) وأنت يا رسول اللَّه وأفضل خلقه، وهما كافران، (فقال: ((فلا تبكِ يا عبد اللَّه، فإن لهم الدنيا) وهي فاينة، كأنها لم تكن، (ولنا الآخرة))،) وهي باقية، وهي الحيوان، ولنا في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، (وقوله: كأنها بيت حمام بتشديد الميم، أي: إن فيها من الحرّ ٣٦٣ فراشه عَبـ والكرب كما في بيت الحمام. وعن ابن عباس قال: حدثني عمر بن الخطاب قال: دخلت على رسول الله عَّهِ وهو على حصير، قال: فجلست، فإذا عليه إزاره وليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثر في جنبه، وإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع، وإذا إهاب معلق، فابتدرت عيناي، فقال: ما يبكيك يا ابن الخطاب، فقلت: يا نبي الله، وما لي لا أبكي وهذا الحصير قد أثر في جنبيك، وهذه خزائنك لا أرى فيها إلا ما أرى، وذاك كسرى وقيصر في الثمار والأنهار، وأنت نبي الله وصفوته، وهذه خزائنك. لا أرى فيها إلا ما أرى قال: يا ابن الخطاب، أما ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا. رواه ابن ماجه بإسناد صحيح. والكرب،) بفتح، فسكون: الحزن يأخذ بالنفس، عطف مسبّب على سبب، (كما في بيت الحمام) من ذلك. (وعن ابن عباس، قال: حدّثني عمر بن الخطّاب، قال: دخلت على رسول اللَّه عَّ له وهو على حصير، قال: فجلست، فإذا عليه إزاره، وليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثّر في جنبه، وإذا أنا بقبضة من شعير،) بفتح الشين، وتكسر (نحو الصاع، وإذا إهاب:) جلد لم يذبغ، أو مطلقًا دبغ، أو لم يدبغ، والمراد: جنس إهاب، فلا ينافي في رواية الصحيحين: إهب (معلّق، فابتدرت عيناي:) بادرت بإرسال الدمع مسرعة، (فقال: ((ما يبكيك يا ابن الخطّاب))؟ فقلت: يا نبيّ اللَّه، وما لي لا أبكي، وهذا الحصير قد أثّر في جنبيك، وهذه خزائنك،) أي: الأماكن المعدّة للادخار، (لا أرى فيها إلاَّ ما أرى) من شعير نحو صاع، (وذاك كسرى وقيصر في الثمار والأنهار، وأنت نبيّ اللَّه وصفوته:) مختاره، (وهذه خزائنك، لا أرى فيها إلاَّ ما أرى،) كرّره مبالغة في إظهار التأشّف، (قال: ((يا ابن الخطاب،) وفي رواية البخاري ومسلم: فوالله ما رأيت في بيته شيئًا يردّ البصر غير أهبة ثلاثة، فقلت: ادع اللَّه فليوسّع على أَمّتك، فإِن فارسًا والروم قد وسع عليهم وأعطوا الدنيا، وهم لا يعبدون اللَّه، فجلس عَِّ وكان متكئًا، فقال: (أوَ في هذا أنت يا ابن الخطّاب)، بهمزة استفهام، وواو عطف على مقدّر بعدها، قال الكرماني: أي: أنت يا ابن الخطاب، أي: أنت في شكّ؛ إن التوسّع في الدنيا مرغوب عنه، فقلت: يا رسول اللَّه! استغفر لي، أي: من اعتقادي أن تجمّل الدنيا مرغوب فيه، قال: ((أمّا ترضى أن تكون لنا الآخرة) الباقية (ولهم الدنيا) الفانية))، وجمع ضمير لهم على إرادتهما ومن تبعهما، أو كان على مثل حالهما بدليل رواية الشيخين، (رواه ابن ماجه بإسناد صحيح) بهذا اللفظ، (ورواه ٣٦٤ فراشه علية والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم ولفظه: قال عمر رضي الله عنه: استأذنت على رسول الله عَّ فدخلت عليه في مشربة، وإنه لمضطجع على خصفة وإن بعضه لعلى التراب، وتحت رأسه وسادة محشوة ليفًا، وإن فوق رأسه لإهاب عطين، وفي ناحية المشربة قرظ، فسلمت عليه وجلست فقلت: أنت نبي الله وصفوته، وكسرى وقيصر على سرر الذهب وفرش الديباج والحرير، فقال: أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الدنيا وهي وشيكة الانقطاع (الحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم،) ولا معنى لاستدراكه، فإنه بعض حديث المشربة الذي أخرجه الشيخان، غايته أن فيه بعض المغايرة في ألفاظ، والمعنى واحد، (ولفظه) أي: الحاكم، (قال عمر رضي اللَّه عنه: استأذنت على رسول اللَّه عَّ(،) فقلت لغلام له أسود، أي: رباح، براء مفتوحة، وموحدة خفيفة، النوبي استأذن لعمر، فأذن لي بعد ثلاث، (فدخلت عليه في مشربة،) بفتح الميم، وسكون المعجمة، وضمّ الراء وفتحها: غرفة يرقى عليها بعجلة؛ كما في الصحيح، بفتح المهملة والجيم، أي: درجة جلس فيها عٍَّ لما حلف لا يدخل على نسائه شهرًا، (وإنه لمضطجع على خصفة،) بفتحات: وعاء من خوص للتمر. وفي رواية الشيخين: وإنه لعلى حصير ما بينه وبين شىء، وفي أخرى: لهما، فإذا هو مضطجع على رمال ليس بينه وبينه فراش قد أثّر الرمال بجنبه، (وإن بعضه لعلى التراب، وتحت رأسه وسادة،) بكسر الواو ومخدّة، زاد في الصحيح: من أدم (محشوّة ليفًا، وإن فوق رأسه لإهاب، عطين) بالنصب اسم إن، وكتب بحذف الألف على لغة ربيعة، وجرى عليها كثير من المحدثين يكتبون المنصوب بصورة المرفوع اكتفاء بالنطق به، منصوبًا وعطين، أي: متغيرًا منثنا. قال القاموس: عطن الجلد، كفرح وانعطن وضع في الدباغ، وترك، فأفسد وأنتن أو نضج عليه الماء. وفي رواية للصحيحين: وعند رأسه أهب معلّقة، بفتح الهمز والهاء وضمهما جمع اهاب وفي رواية لهما غير أهبة ثلاثة بفتحتين جمع (وفي ناحية المشربة قرظ) بفتح القاف، والراء، والظاء .المعجمة: ورق السلم الذي يدبغ به. وفي رواية الشيخين: وإن عند رجليه قرظًا مصبوبًا، (فسلّمت عليه وجلست، فقلت: أنت نبيّ اللّه وصفوته، وكسرى وقيصر على سرر) بضمّتين: جمع سرير، (الذهب وفرش الديباج والحرير، فقال: أولئك قوم عجلت لهم طيّباتهم في الدنيا، وهي وشيكة) بمعجمة، وكاف قريبة (الانقطاع،) أي: الزوال، وفي نسخة: وسيلة بمهملة ولام، أي: طريق الانقطاع عن الآخرة، ٣٦٥ فراشه عَّ وإنا قوم أخرت لنا طيباتنا في آخرتنا. وعن عائشة رضي الله عنها، كان لرسول الله عَلَّهِ سرير مُرَمَّل بالتَّرْدي، وعليه كساء أسود، وقد حشوناه بالبردي، فدخل أبو بكر وعمر عليه فإذا النبي عَُّ نائم عليه، فلما رآهما استوى جالسًا، فنظرا فإذا أثر السرير في جنب رسول الله عٍَّ فقالا: يا رسول الله ما يؤذيك خشونة ما نرى من فراشك وسريرك، وهذا كسرى وقيصر على فرش الديباج والحرير فقال عليه الصلاة والسلام: لا تقولا هذا، فإن فراشي كسرى وقيصر في النار، وإن فراشي وسريري هذا عاقبته إلى الجنة. (وإنّا قوم أخّرت لنا طيباتنا في آخرتنا))،) إضافة الآخرة لهم؛ لأنهم المنتفعون بها، حتى كأنها منسوبة لهم، لا لغيرهم، وفي رواية للشيخين: ((أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا))، فقلت: استغفر لي يا رسول الله. قال النووي: في شرح مسلم: وهذا يحتجّ به من يفضّل الفقر على الغنى لما في مفهومه إن بمقدار ما يتعجّله من طيّبات الدنيا يفوته من ادخار الأجر له في الآخرة، وقد يتأوّله الآخرون؛ بأن المراد أن حظّ هؤلاء من النعيم ما تعجلّوه في الدنيا، ولا حظّ لهم في الآخرة لكفرهم. (وعن عائشة رضي اللَّه عنها: كان لرسول اللَّه عَ لِ سرير مرمّل،) بضمّ الميم، وفتح الراء، وشدّ الميم، (بالبردى،) بفتح، فسكون: نبات يعمل منه الحصر على لفظ المنسوب إلى البرد؛ كما في المصباح، فالمعنى: أن قوائم السرير موصولة، مغطّاة لما نسج من ذلك النبات، وفي حديث عمر في الصحيح: فإذا هو مضطجع على رمال حصير، قال المصنّف: بكسر الراء وتضمّ، أي: سرير مرمول بما يرمّل به الحصير، أي: ينسج، ورمال الحصير ضلوعه المتداخلة فيه، کالخيوط في الثوب، (وعلیه،) أي: السریر، (کساء أسود وقد حشوناه بالبردى، فدخل أبو بكر وعمر عليه، فإذا النبيّ عَُّلِّ نائمٍ عليه، فلمّا رآهما استوى جالسًا،) إكرامًا لهما، (فنظرا، فإذا أثر السرير في جنب رسول اللَّه عَّةٍ، فقالا: يا رسول اللَّه! ما يؤذيك،) بحذف همزة الاستفهام تخفيفًا، أي: أما يؤذيك (خشونة ما نرى من فراشك وسريرك، وهذا كسرى وقيصر،) أتى بالإشارة لتحقّق كونهما (على فرش الديباج والحرير،) حتى كأنهما مشاهدان، يشار إليهما، (فقال عليه الصّلاة والسلام: ((لا تقولا هذا، فإن فراشي كسرى وقيصر في النار،) كناية عن عذابهما وحقارتهما بجعل النار ظرفًا لفراشهما، محيطة به، (وإن فراشي وسريري هذا عاقبته إلى الجنّة))،) لم يقل في الجنّة على نمط ما قبله، إشارة إلى تصرّفه فيها ٣٦٦ النوع الثالث في سيرته عَّه في نكاحه رواه ابن حبان في صحيحه. ويروى أنه عليه الصلاة والسلام ما عاب مضطجعًا قط، إن فرش له اضطجع، وإلا. اضطجع على الأرض. وتغطى عَّه باللحاف، قال عليه الصلاة والسلام: ما أتاني جبريل وأنا في لحاف امرأة منكن غير عائشة. النوع الثالث في سيرته علبة في نكاحه قد كان عَِّ يأخذ من الجماع بالأكمل، من كيف شاء، وذلك أبلغ في تعظيمه من مجرّد كون فراشه وسريره بها، (رواه ابن حبان في صحيحه) المسمّى بالأنواع والتقاسيم. (ويروى أنه عليه الصّلاة والسّلام ما عاب مضطجعًا قطّ،) أي: مكانًا يضطجع فيه، (إن فرش له اضطجع) على ما فرش له، (وإلاّ) يفرش له شىء (اضطجع على الأرض، وتغطّى عَّ. باللّحاف،) بزنة كتاب: كل ثوب يتغطّى به، والجمع لحف؛ كما في المصباح. (قال عليه الصّلاة والسلام،) كما رواه البخاري عن عائشة: اجتمع صواحبي إلى أُمّ سلمة، فقلن: واللَّه إن الناس يتحرّون لهداياهم يوم عائشة، وإنا نريد الخير، كما تريد عائشة، فمري رسول اللَّه عَِّ أن يأمر الناس، أن يهدوا إليه حيثما كان أو حيثما دار، فذكرت ذلك أُم سلمة له، قالت: فأعرض عنّي، فلمّا عاد إليّ ذكرت له ذلك، فأعرض عنّي، فلمّا كان في الثالثة ذكرت له، فقال: ((يا أَمّ سلمة، لا تؤذيني في عائشة، فوالله (ما أتاني جبريل) وفي رواية: منزّل عليّ الوحي، (وأنا في لحاف امرأة منكنّ غير عائشة))،) لمبالغتها في تنظيف ثيابها، أو لمكان والدها، وإنه لم يفارق النبيّ عَّه في أغلب أحواله، فسرى سرّه إلى ابنته مع مزيد حب المصطفى لها، وفيه فضلها على جميع نسائها، ويحتمل أن المراد غير خديجة؛ لأنها ماتت قبل ذلك، فلم تدخل في الخطاب بقوله: ((منكنّ))، قاله الحافظ، وجزم به السيوطي بما أبداه احتمالاً، ثم المصنف ذكر هذا الحديث دليلاً لقوله: تغطّى باللّحاف؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات، فكأنه قيل: أتاني وأنا متغطّ بلحاف عائشة، والمتبادر أنها معه فيه. النوع الثالث في سيرته عن في نكاحه (النوع الثالث في) بيان (سيرته،) طريقته التي كان يفعلها (عَّ في نكاحه،) حال من سيرة أو صفة لها، فلا يردّ منع تعلّق جرّ في جرّ متحدّي اللفظ، والمعنى: بعامل واحد، ثم المراد الوطء، وإن أطلق على العقد أيضًا؛ لقوله: (قد كان عٍَّ يأخذ من الجماع بالأكمل من) بيانية ٣٦٧ النوع الثالث في سيرته عَّةٍ في نكاحه ما تحفظ به الصحة، وتتم به اللذة وسرور النفس، ويحصل به مقاصده التي وضع لأجلها. فإن الجماع في الأصل وضع لثلاثة أشياء، هي مقاصده الأصلية. أحدها: حفظ النفس ودوام النوع الإنساني إلى أن تتكامل العدة التي قدر الله تعالى بروزها فيه إلى هذا العالم. الثاني: قضاء الوطر ونيل اللذة والتمتع بالنعمة، وهذه هي الفائدة التي في الجنة، إذ لا تناسل هناك، ولا احتقان يستفرغه الإنزال، وفضلاء الأطباء يرون أن الجماع من أحد أسباب الصحة. لكن لا ينبغي إخراج المني إلا في طلب النسل، وإخراج ما احتقن منه، للأكمل، كأنه قال: يأخذ بالأكمل من النكاح، وهو (ما،) أي: قدر (تحفظ به الصحة، وتتمّ به اللّة) الحاصلة بالجماع إعادة، فلا يقال اللذّة ليست محصورة في شىء، بحيث لا يمكن زيادة عليه، (و) يحصل بها (سرور النفس،) فهو عطف مسبّب على سبب، (ويحصل به مقاصده) جمع مقصد، وهو ما يراد من الشىء ويطلب، (التي وضع لأجلها،) أي: وضعه الشارع حيث أباحه، وهذا عطف على تحفّظ أعمّ مما قبله، إذ لم يذكر فيه دوام نوع الإنسان، (فإن الجماع في الأصل لثلاثة أشياء، هي مقاصده الأصلية). (أحدها: حفظ النفس،) بمنع الآفات عنها التي قد تفضي إلى الهلاك، (ودوام النوع الإنساني إلى أن تتكامل العدّة التي قدّر الله تعالى بروزها فيه إلى هذا العالم،) بتكوّنه ووجوده بعد أن لم يكن، فشمل السقط، ومن مات ببطن أُمّه. (الثاني: قضاء الوطر) صوابه؛ كما في زاد المعاد، الثاني: إخراج الماء الذي يضرّ احتباسه واحتقانه بجملة البدن، الثالث: قضاء الوطر، أي: الحاجة، أي: فعل المطلوب، (ونيل اللذّة والتمتّع بالنعمة، وهي هذه الفائدة التي في الجنّة، إذ لا تناسل هناك، ولا احتقان:) اجتماع منيّ في الصلب، (يستفرغه الإنزال) المضر بقاؤه بجملة البدن، (وفضلاء الأطباء يرون أن الجماع من أحد أسباب الصحّة،) كذا في نسخ؛ كزاد المعاد، بمن زائدة في الإثبات على قول الأخفش، إذ الجماع نفسه أحد أسباب الصحة، لا بعض سبب منها، اللَّهمّ إلاّ أن يقال أسباب الصحة كثيرة، وأحدها يحصل بإخراج الفضلات المضرّة بالبدن، والجماع بعض ذلك السبب، (لكن لا ينبغي،) لا يندب ندبًا مؤكّدًا (إخراج المني إلاّ في) أمرين: (طلب النسل) لتكثير الأمّة المحمديّة، (و) في (إخراج ما احتقن منه؛) لأنه من التداوي، وقد أمرنا به، ٣٦٨ النوع الثالث في سيرته عَّ في نكاحه فإنه إذا دام احتقانه أحدث أمراضًا رديئة، منها الوسواس والصرع والجنون وغير ذلك، وقد يبرىء استعماله من هذه الأمراض كثيرًا، فإنه إذا طال احتباسه فسد واستحال إلى كيفية سمية توجب أمراضًا رديئة. قال محمد بن زكريا: من ترك الجماع مدة طويلة ضعفت قوى أعضائه وانسدت مجاريها، وتقلص ذكره، قال ورأيت جماعة تركوه لنوع من التقشف فبردت أبدانهم وعسرت حركاتهم ووقعت عليهم كآبة بلا سبب، وقلت شهواتهم وهضمهم. أشار إليه في زاد المعاد. لا مجرد قضاء الشهوة واللذّة، وقول المصباح: معنى ينبغي، كذا يندب مؤكّدًا، لا يحسن تركه، أي: يذم تاركه، وإلاّ، فالمطلوب من حيث هو لا يحسن تركه، إذ لو حسن لطلب الترك، كالفعل، (فإنه إذا دام احتقاله أحدث أمراضًا رديئة، منها: الوسواس، والصرع، والجنون، وغير ذلك). هذا كلّه علّة لطلب إخراج المجتمع من المنيّ، (وقد يبرىء استعماله من هذه الأمراض كثيرًا،) أي: يمنع من وقوعها بدليل التعليل، بقوله: (فإنه إذا طال احتباسه فسد واستحال إلى كيفية سمية توجب أمراضًا رديئة،) بهمزة، وتقلب ياء، إذ هو بعد استحالته إلى السمية لا يخرج بصفة کونه منيًّا، هكذا قرّره شيخنا وهو وجیه. وقال في الشرح: يعني أن الجماع، كما يحفظ الصحّة قد يزيل الأمراض الناشئة من احتقان المني، ويحسن أن يكون قوله: إذا طال الخ ... علّة لقوله: أو إخراج المحتقن، فالأولى تقديمه على قوله: وقد ییریء. وقد زاد ابن القيم بعد قوله: ردية، ولذلك تدفعه الطبيعة إذا كثر عندها من غير جماع، وقال بعض السلف: ينبغي للرجل أن يتعاهد من نفسه ثلاثًا: أن لا يدع المشي، فإذا احتاج إليه يومًا قدر عليه، وأن لا يدع الأكل، فإن أمعاءه تضيق، وأن لا يدع الجمال، فإن البئر إذا لم تنزح ذهب ماؤها. (قال محمد بن زكريا،) أحد علماء الطب: (من ترك الجماع مدة طويلة، ضعفت قوى أعضائه، وانسدت مجاريها، وتقلّص ذكره:) انضمّ وانزوى؛ كما في القاموس، (قال: ورأيت جماعة تركوه لنوع من التقشف، فبردت،) بضم الراء، وفتحها (أبدانهم،) أي: سكنت حرارتها، (وعسرت حركاتهم، ووقعت عليهم كآبة:) غمّ وسوء حال، بفتح الكاف، وإسكان الهمزة، بزنة تمرة؛ كما في المصباح، وزاد القاموس: كآبة بالمدّ، (بلا سبب، وقلّت شهواتهم وهضمهم) للطعام، (أشار إليه،) يعني ذكره العلاّمة ابن القيّم (في زاد المعاد) في هدي خير العباد، قائلاً ٣٦٩ النوع الثالث في سيرته عية في نكاحه ومن منافعه: غض البصر، وكف الأنفس، والقدرة على العفة عن الحرام، وتحصيل ذلك للمرأة، فهو ينفع نفسه في دنياه وآخرته، وينفع المرأة، ولم يزل التفاخر بكثرته عادة معروفة، والتمادح به سيرة ماضية، ولذلك كان عَّم يتعاهده ويقول كما في حديث أنس عند الطبراني في الأوسط، والنسائي في سننه: حبب إلي من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة. أي لمناجاته فيها ربه تعالى، زاد الإمام أحمد في الزهد: وأصبر عن الطعام والشراب ولا فيه أيضًا: (ومن منافعه،) وإن لم يكن من مقاصده الأصلية (غضّ البصر) عن الحرام، (وكفّ الأنفس) عن الزنا ومقدّماته، (والقدرة على العفّة عن الحرام)، هذا كالتفسير لما قله، (و) من منافعه (تحصيل ذلك) المذكور (للمرأة، فهو ينفع نفسه في دنياه) بنيل اللذّة ودفع الأمراض، (وآخرته) بعدم استحقاق العقاب إن لم يعفِ عن الحرام، ونيل الثواب بقصده الحسن، (وينفع المرأة،) إلى هنا تمّ كلام الهدي، فكان الأولى تأخير قوله: أشار إليه في زاد المعاد إلى هنا، (ولم يزل التفاخر بكثرته عادة معروفة) بين الناس لا تنكر، (والتمادح به سيرة،) طريقة (ماضية) قديمة، أو نافذة مقرّرة من مضي الأمر إذا قضي وتقرّر، (ولذلك كان عٍَّ يتعاهده،) أي: يتردّد إليه ويكرره، (ويقول: كما في حديث أنس عند الطبراني في الأوسط، والنسائي في سننه،) والحاكم في مستدركه، وقال: على شرط مسلم، والبيهقي في السنن، قال الحافظ: وإسناده حسن، والإمام أحمد في كتاب الزهد، ووهم من عزاه لمسنده، كلّهم عن أنس: أن رسول اللَّه عَ لّه قال: ((حبّب) بالبناء للمفعول (إليّ من دنياكم النساء،) لنقل ما يضنّ من الشريعة مما يستحيا من ذكره بين الرجال، (والطيب؛) لأنه حظّ الملائكة، ولا غرض لهم في شىء من الدنيا سواه، فكأنه يقول: حبي لهاتين إنما هو لأجل غيري. قال الطيبي: جيء بالفعل مجهولاً، دلالة على أن ذلك لم يكن من جبلته وطبعه، وأنه مجبور على هذا الحبّ رحمة للعباد، ورفقًا بهم، بخلاف الصلاة، فمحبوبة له بذاتها، فلذا قال: (وجعلت قرّة عيني في الصلاة)))) ذات الرجوع والسجود، لأنها محل المناجاة، ومعدن المصافاة، وقيل: المراد صلاة اللَّه وملائكته عليه، ومنع بأن السياق يأباه، وقدم النساء للاهتمام بنشر الأحكام وتكثير سواد الإسلام، وأردف بالطيب؛ لأنه من أعظم الدواعي لجماعهنّ، مع حسنه بالذات، وكونه كالقوت للملائكة، وأفرد بالصلاة عنهما؛ لأن غيرهما بحسب المعنى، إذ ليس فيها تقاضي شهوة نفسانية، كما فيهما، وقرّة عينه، (أي: لمناجاته فيها ربّه تعالى(،) ولذا خصّها دون بقيّة أركان الدين. (زاد الإمام أحمد في الزهد) بعد قوله: والطّيب، («وأصبر عن الطعام والشراب، ولا ٣٧٠ النوع الثالث في سيرته عَّه في نكاحه أصبر عنهن. فمحبة النساء والنكاح من كمال الإنسان، وهذا خليل الله إبراهيم، إمام الحنفاء، كانت عنده سارة أجمل نساء العالمين، وأحب هاجر وتسرى بها. وروى سعد بن إبراهيم عن عامر بن سعد عن أبيه قال: كان الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام يزور هاجر في كل يوم من الشام على البراق شغفًا بها وقلة صبر عنها. وهذا داود عليه الصلاة والسلام كان عنده تسع وتسعون امرأة فأحب تلك المرأة أصبر عنهن)،) كذا نسب ابن القيّم والزركشي هذه الزيادة لكتاب الزهد، وتعقّبه السيوطي؛ بأنه مرّ على الزهد مرارًا، فلم يجدها فيه، لكن في زوائده لابنه عبد الله بن أحمد، عن أنس مرفوعًا: ((قرّة عيني في الصلاة، وحُبّب إليّ النساء والطيب، الجائع يشبع، والظمأن يروى، وأنا لا أشبع من النساء))، فلعلّه أراد هذه الطريق، قال بعضهم: في معنى هذا الحديث قولان، أحدهما: أنه زيادة في الابتلاء والتكليف حتى لا يلهو بما حبّب إليه من النساء عمّا كلّف به من أداء الرسالة، فيكون ذلك أعظم لأجره، وأكثر لمشاقه، والثاني: لتكون خلواته مع من يشاهدها من نسائه، فيزول عنه ما يرميه به المشركون؛ من أنه ساحر شاعر، فيكون تحبيبهن إليه لطفًا به، وعلى القولين، فهو فضيلة. وقال بعضهم: من بمعنى في؛ لأن هذه من الدين، لا من الدنيا، وإن كانت فيها، (فمحبّة النساء والنكاح من كمال الإنسان،) لدلالته على قوّة الجسم واعتداله، وهو من أخلاق الأنبياء، (وهذا خليل اللَّه إبراهيم، إمام الحنفاء) أفضل الخلق بعد المصطفى على الراجح، (كانت عنده سارة،) بالتشديد والتخفيف من النسوة المختلف في نبوتهنّ، (أجمل نساء العالمين، وأحب هاجر،) بالهاء، والألف، والجيم، ويقال: آجر (وتسرّى بها،) فولدت له إسمعيل. (وروى سعد بن إبراهيم) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، ولي قضاء المدينة، وكان ثقة، فاضلاً، عابدًا، مات سنة خمس وعشرين ومائة، وقيل: بعدها، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة، روى له الجميع، (عن عامر بن سعد،) ابن أبي وقاص الزهري، المدني، ثقة، مات سنة أربعمائة، (عن أبيه) سعد بن أبي وقاص، مالك أحد العشرة، (قال: كان الخليل إبراهيم عليه الصّلاة والسلام يزور هاجر في كل يوم من الشام على البراق،) بضمّ الموحدة (شغفًا بها،) زيادة حب (وقلّة صبر عنها،) وهذا موقوف صحابي، (وهذا داود عليه الصّلاة والسّلام) جعله ومن قبله وبعده لشهرتهم وشهرة اتّصافهم بما ذكر بمنزلة المحسوس المشاهد، فأشار إليهم، (كان عنده تسع وتسعون امرأة) على زهده وأكله من عمل يده، مع ما أُوتي من الملك، (فأحبّ تلك المرأة) التي كانت زوج رجل من بني إسرائيل؛ لأنه رآها، فأعجبته، فسأله تطليقها، فطلّقها ٣٧١ النوع الثالث في سيرته عَئية في نكاحه وتزوج بها فكمل المائة وهذا سليمن ابنه كان يطوف في الليلة على تسعين امرأة. تنبيه: وقع في الإحياء للغزالي، وتفسير آل عمران من الكشاف، وكثير من كتب الفقهاء: حبب إلي من دنياكم ثلاث. وقالوا: إنه عليه الصلاة والسلام قال ((ثلاث)) ولم يذكر إلا اثنتين: الطيب والنساء. ومنه قول الشاعر: إن الأحامرة الثلاثة أهلكت مالي وكنت بهن قدمًا مولعا الخمر والماء القراح وأطلي بالزعفران فلا أزال مولعا بطيب خاطره، (وتزوّج بها، فكمل المائة) بها، فولدت سليمن، (وهذا سليمن ابنه كان يطوف في الليلة على تسعين امرأة،) كما في رواية، وفي آخرى: سبعين، وأخرى: ستّين، وأُخرى: مائة، ويأتي بسطه قريبًا. تنبيه علم مما تقدّم إجمالاً؛ أنه لم يروّ لفظ ثلاث، و(وقع في الإحياء للغزالي) في موضعين، (وتفسير آل عمران من الكشاف،) عند قوله تعالى: ﴿فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنًا﴾ الآية، وتبعه البيضاوي، (وكثير من كتب الفقهاء،) والراغب، وابن عربي في الفصوص، ((حبّب إليّ من دنياكم ثلاث))، وقالوا: إنه عليه الصّلاة والسّلام، قال: ((ثلاث))، ولم يذكر إلاَّ اثنتين الطيب والنساء،) لتذهب النفس كل مذهب ممكن في تعيين ما يصلح جعله مثالاً للمتروك. وفي حديث ما يفيد أنه الطعام، روى أحمد عن عائشة: كان يعجب رسول اللَّه عَ لّم من الدنيا ثلاثة أشياء: النساء، والطيب، والطعام، فأصاب اثنتين، ولم يصب واحدة، أصاب النساء والطيب، ولم يصب الطعام، وإسناده صحيح؛ لكن فيه رجل لم يسم، (ومنه قول الشاعران: الأحامرة) بالحاء المهملة جمع احمر لا بمعجمة لأنه ليس جمعا لحمار (الثلاثة اهلكت مالي وكنت بهن قدما) بكسر، فسكون، (مولعًا) بضم، فسكون، ففتح، (الخمر) وهو أحمر، (والماء القراح) سمّاه أحمر مجازًا، إذ لا لون له، (وأطلى بالزعفران) والطلاء به ليس من الثلاثة، فهو مثل الآية والحديث، ولم يفهم من قال: لا شاهد فيه؛ لأنه على نهجه، إذ المراد التنظير على الطي، وأنه مستعمل في القرءان وشعر العرب، (فلا أزال مولعًا،) بفتح الواو، واللام الثقيلة، وفي صحاح الجوهري: وأهلك الرجال الأحمران: اللحم والخمر، فإذا قلت: الأحامرة دخل فيه الحلوق، وأنشد الأصمعي: ٣٧٢ النوع الثالث في سيرته عَّ في نكاحه وذكرها ابن فورك في جزء مفرد ووجهها وأطنب في ذلك، وهذا يسمى عندهم ((طيا)) وهو أن يذكر جمع ثم يؤتى ببعضه ويسكت عن ذكر باقيه لغرض للمتكلم، وأنشد الزمخشري علیه: كانت حنيفة أثلاثًا فثلثهم من العبيد وثلث من مواليها إن الأحامرة الثلاثة أهلكت مالي وكنت بهنّ قدمًا مولعا الراح واللحم السمينة والطلا بالزعفران فلن أزال مولعا انتهى، فلم يذكر الماء، (وذكرها،) أي: لفظه ثلاث: الإمام أبو بكر محمد بن الحسن (بن فورك،) بضمّ الفاء وإسكان الواو، الأصبهاني، الأصولي، النحوي، المتكلّم، الواعظ، صاحب التصانيف القريبة من مائة، مات مسمومًا سنة ستّ وأربعمائة، ودفن بنيسابور، وقبره بظاهرها يستسقى به، ويجاب الدعاء عنده (في جزء مفرد، ووجهها، وأطنب في ذلك،) فقال: الصّلاة طاعة المطيع في الدنيا لربه تعالى، فهي منها وقتًا ومحلاً، لا حكمًا واسمًا، والطيب والنساء في الدنيا وقتًا، وحكمًا، ومحلاًّ، ووصفًا، ولذا أفرد الصّلاة ليدلّ على أنها مخصوصة؛ بأنها في الدنيا، وهي وصلة إلى الآخرة، وبها تقرّ عينه وعين من يفعل مثله على التحقيق؛ لأنها اتّصال باللّه ومناجاة له، ووقوف بين يديه، وخشوع له وتقرّب إليه، ولهيبتها يرجو العبد التقريب، والتقديم، والنجاه، والإيناس، والرحمة والمنزلة، وإنما ذكر العبادة، وهو يريد المعبود، كما يقال الحجر من البيت؛ لا أنه متّصل به، والداخل فيه كالداخل في البيت، ولأن العبادة تذكر بالمعبود وتقرّب إلي، والشىء يضاف إلى الشىء إذا كان له به تعلّق وسبب؛ كحديث: ((سبقت رحمتي غضبي))، قالوا: معناه سبق المرحوم المغضوب عليه؛ لأن السبق في الرحمة والغضب لا يصحّ، لأنهما وصفان راجعان إلى الإرادة من صفات الذات، وكل ما وقع في التوسّط مما يراد به الآخرة، فليس من الدنيا، وما كان يراد به الدنيا، فهو في الدنيا، ولذا قال عَّةٍ: ((الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلاّ ما أُريد به وجه الله))، نقله عنه السخاوي، (وهذا یسمی عندهم طيًّا، وهو أن یذکر جمع، ثم يؤتي ببعضه، ویسكت عن ذكر باقيه، لغرض للمتكلّم) كإبهامه على السامع لعدم إرادة المتكلّم وقوف السامع عليه لنكنة، فإنه الطعام هنا، كما عند أحمد؛ كما مرّ، فطواه لخسّته، (وأنشد الزمخشري) شاهدًا (عليه) قول. جریر: (كانت حنيفة أثلاثًا فثلثهم من العبيد وثلث من مواليها) فصرخ بثلثين، وطوى ذكر الثالث؛ كأنه قيل: والثالث من الأخيار الذين ليسوا موالي ولا عبيدًا، ويحكى أن بعض بني حنيفة سئل من أي: الأثلاث هو من بيت جرير؟ فقال: من الثالث ٣٧٣ النوع الثالث في سيرته عَّة في نكاحه وفائدة الطي عندهم تكثير ذلك الشىء. لكن قال ابن القيم وغيره: من رواه ((حبب إلي من دنياكم ثلاث)) فقد وهم، ولم يقل عَّهِ: ثلاث، والصلاة ليست من أمور الدنيا حتى تضاف إليها، انتهى. نعم تضاف إليها لكونها ظرفًا لوقوعها فقط، فهي عبادة محضة. وقال شيخ الإسلام الحفاظ بن حجر في تخاريج الكشاف: إن لفظ ((ثلاث)) لم يقع في شىء من طرقه، وزيادته تفسد المعنى. وكذا قال شيخ الإسلام الولي ابن العراقي في أماليه، وعبارته: ليست هذه اللفظة وهي ((ثلاث)) في شىء من كتب الحديث، وهي مفسدة للمعنى، فإن الصلاة ليست من أمور الدنيا. و کذا صرح به الزركشي الملغى، ذكره الدماميني، وزعم بعض أنه لا شاهد في البيت؛ لأنه ذكرها، وجعلها أثلاثًا عبيدًا وموالي حلفاء، فبقي نفس القبيلة وصميمها، وهي مذكور أوّلاً، (وفائدة الطي عندهم تكثير ذلك الشىء) لتذهب النفس كل مذهب ممكن، قال بعض: بقي أن في لفظ ثلاث تغليب المؤنّث على المذكّر، عكس القاعدة لنكتة، وغير الأسلوب في الثالث فعبّر عنه بالفعل إشارة لمغايرته لما قبله، وفيه عطف الفعل على الاسم الجامد، والمعروف عطفه على المشتقّ؛ كما قال ابن ملك: واعطف على اسم شبّه فعل فعلاً وعكسًا استعمل نجده سهلاً (لكن) هذا التكلّف إنما يجيء لورود ثلاث ولم يرد، فقد (قال ابن القيّم وغيره: من رواه حبب إليّ من دنياكم ثلاث، فقد وهم، ولم يقل عَّ ثلاث،) كما قضى به سير كتب الحديث المشهورة، (والصّلاة ليست من أمور الدنيا حتى تضاف إليها، انتهى). (نعم تضاف إليها، لكونها ظرفًا لوقوعها فقط، فهي عبادة محصنة،) فلو ثبتت صحت إضافتها لذلك. (وقال شيخ الإسلام، الحافظ بن حجر في تخاريج) أحاديث (الكشاف: إن لفظ ثلاث لم يقع في شىء من طرقه، وزيادته تفسد المعنى؛) لأن الصلاة ليست من أمور الدنيا، (وكذا قال شيخ الإسلام الوليّ ابن العراقي،) الحافظ ابن الحافظ (في أماليه وعبارته: ليست هذه اللفظة، وهي ثلاث في شىء من كتب الحديث،) فليست مدرجة أيضًا؛ كما زعمه من لا إلمام له بالفن، فالمدرج الملحق بحديث من قول راوغ بلا ظهور فصل، (وهي مفسدة للمعنى، فإن الصّلاة ليست من أمور الدنيا، وكذا صرّح به الزركشي) في الأحاديث ٣٧٤ النوع الثالث في سيرته عَّه في نكاحه وغيره، كما حكاه شيخنا في المقاصد الحسنة وأقره. وقال ابن الحاج في المدخل: أنظر إلى حكمة قوله عليه الصلاة والسلام ((حبب)) ولم يقل: أحببت، وقال: ((من دنياكم)) فأضافها إليهم دونه عليه الصلاة والسلام، فدل على أن حبه كان خاصًا بمولاه تبارك وتعالى، وجعلت قره عيني في الصلاة، فكان عليه الصلاة والسلام بشريَّ الظاهر، ملكوتي الباطن. وكان عليه الصلاة والسلام لا يأتي إلى شىء من أحوال البشرية إلا تأنيسًا لأمته وتشريعًا لها، لا أنه محتاج إلى شىء من ذلك، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك﴾ [الأنعام/ ٥٠] المشتهرة له، فقال: لم يرد فيه لفظ ثلاث، وزيادته محيلة للمعنى، فإن الصلاة ليست من الدنيا، (وغيره؛) وكأنهم لم يعتبروا توجيه ابن فورك ومن وافقه بأنها منها وقتًا ومحلاً، ولا توجيه الزمخشري وغيره، بأنه من الطيّ؛ لأنه إنما يصار إليه لو وجدت، أما حيث لم توجد، فلا داعيه للتوجيه، بل ذكره والاعتناء به يوهم قاصر الباع في الحديث ورودها (كما حكاه،) أي: جميع ما نقله عن الحافظ، والولي، والزركشي (شيخنا) السخاوي (في المقاصد الحسنة، وأقرّه) قائلاً: ما رأيتها في شىء من طرق الحديث بعد مزيد التفتيش، وقال في جزء ألفه في هذا الحديث: يمكن أن تكون الصلاة من أمور الدنيا بالنظر إلى اللذّة الحاصلة لمديمها، كما قال في الإحياء: جعل الصلاة من جملة ملاذ الدنيا؛ لأن كل ما يدخل في الحسّ والمشاهدة، فهو من عالم الشهادة، وهو من الدنيا والتلذّذ بتحريك الجوارح بالسجود والرجوع، إنما يكون في الدنيا، فلذا أضافها إلیه، انتھی. (وقال ابن الحاج في المدخل: انظر) نظر تأمل وتدبّر (إلى حكمة قوله عليه الصّلاة والسلام: ((حبّب))، ولم يقل: أحببت، وقال: ((من دنياكم))، فأضافها إليهم دونه عليه الصّلاة والسّلام،) فلم يقل من دنياي، بل ولا من الدنيا، (فدلّ على أن حبّه كان خاصًّا بمولاه تبارك وتعالى،) وغاير، فقال: (وجعلت قرّة عيني) فرحها وسرورها (في الصّلاة، فكان عليه الصّلاة والسلام بشريّ الظاهر ملكوتي الباطن، وكان عليه الصّلاة والسّلام لا يأتي إلى شىء من الأحوال البشرية إلاَّ تأنيسًا لأُمّته، وتشريعًا لها؛) ليقتدى به، (لا أنّه محتاج إلى شىء من ذلك،) بحيث لو تركه لأضرّ به، ولذا كان يواصل الصوم، ويقول: (إني أطعم وأسقى))، (ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿قل لا أقول لكم عندي خزائن اللَّه﴾ الآية، التي يرزق منها، ﴿(ولا﴾ الآية، أني ﴿أعلم الغيب﴾ الآية، ما غاب عني ولم يوح إليّ، ﴿(ولا أقول لكم ٣٧٥ النوع الثالث في سيرته عَِّ في نكاحه فقال: ((لكم)) ولم يقل: إني ملك، فلم ينف الملكية عنه إلا بالنسبة إليهم، أعني في معانيه عليه الصلاة والسلام لا في ذاته الكريمة، إذ أنه يلحق بشريته ما يلحق البشر، ولهذا قال سيدي أبو الحسن الشاذلي: هو بشر ليس كالأبشار، كما أن الياقوت حجر ليس كالأحجار. وهذا منه - رحمه الله - على سبيل التقريب للفهوم، فدل على أنه عٍَّ كان ملكي الباطن، ومن كان ملكي الباطن ملك نفسه. انتهى. وهنا لطيفة: روى أنه عليه الصلاة والسلام لما قال: حبب إلي من دنياكم ثلاث النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة، قال أبو بكر الصديق: وأنا يا رسول الله حبب إلي من الدنيا: النظر إلى وجهك، وجمع المال للإنفاق عليك، والتوسل بقرابتك إليك. أني ملك﴾ [الأنعام: ٥٠] الآية،) من الملائكة، (فقال لكم ولم يقل إني ملك، فلم ينفٍ الملكية عنه إلاَّ بالنسبة إليهم، أعني) بكونه ملكًا (في معانيه عليه الصّلاة والسّلام، لا في ذاته الكريمة، إذ أنه عليه الصّلاة والسلام يلحق بشريّته ما يحلق البشر، ولهذا قال سيّدي الشيخ أبو الحسن) علي (الشاذلي،) بمعجمة ومهملة، (هو بشر ليس كالأبشار:) جمع بشر. قال المصباح: يطلق على الإنسان واحده وجمعه، لكن الغرب ثنوه ولم يجمعوه، انتهى، لكن في القاموس قد يثنّى ويجمع إبشارًا، (كما أن الياقوت) من الجواهر معرب، وأجوده الأحمر الرماني، نافع للوسواس والخفقان، وضعف القلب شربًا، ولجمود الدم تعليقًا، قاله القاموس، (حجر ليس كالأحجار، وهذا منه،) أي: الشاذلي (رحمه اللَّه على سبيل التقريب للفهوم:) جمع فهم؛ كفلس وفلوس، (فدلّ على أنه عٍَّ كان ملكي الباطن، ومن كان ملكي الباطن ملك نفسه،) فلا تغلب عليه بحبّ شىء من الدنيا، (انتهى) كلام المدخل. وهنا لطيفة (روي) مما لا يصح (أنه عليه الصّلاة والسّلام، لمّا قال: ((حبّب إلي من دنياكم ثلاث: النساء والطيب، وجعلت قرّة عيني في الصلاة))(. (قال أبو بكر الصدّيق: وأنا يا رسول اللَّه حبب إليّ من الدنيا،) لم يقل من دنياكم تأدّبًا، ولأنها يصح إضافتها إليهم؛ لأنهم ليسوا مثله في أنه ملكي الباطن، (النظر إلى وجهك،) ويروى: القعود بين يديك، (وجمع المال للإنفاق عليك،) حقيقة أو حكمًا؛ كصرف على نحو جيش، فإنه إنفاق عليه حكمًا، (والتوسّل بقرابتك إليك،) مصدر مضاف لمفعوله، أي: بقرابتي ٣٧٦ النوع الثالث في سيرته معَّة في نكاحه وقال عمر: وأنا يا رسول الله حبب إلي من الدنيا ثلاث: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقيام بأمر الله، وقال عثمن: وأنا يا رسول الله حبب إلي من الدنيا ثلاث إشباع الجائع وإرواء الظمآن وكسوة العاري، وقال علي بن أبي طالب: وأنا يا رسول الله حبب إليه من الدنيا ثلاث الصوم في الصيف، وإقراء الضيف والضرب بين يديك السيف. قال الطبري: رواه الجندي. كذا قال والعهدة عليه. وعن أنس أن رسول الله عَُّلّ قال: فضلت على الناس بأربع بالسماحة والشجاعة لك؛ لأنه يلتقي معه في مرّة بن كعب، أو لفاعله، أي: بقرابتك الموجودين؛ كعلي والعباس وفاطمة، وجزم شيخنا بالأوّل، مع أنه قال في تقريره: الثاني أظهر، ويذكر أنه قال بدل هذا: والصّلاة عليك. (وقال عمر) الفاروق: (وأنا يا رسول اللَّه! حبّب إليّ من الدنيا ثلاث: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والقيام بأمر اللَّه،) ويروى: وإقامة حدود اللَّه. (وقال عثمن: وأنا يا رسول اللَّه! حبّب إليّ من الدنيا ثلاث: إشباع الجائع، وإرواء الظمآن، وكسوة العاري،) ويروى: إطعام الطعام، وإنشاء السلام، والصلاة بالليل والناس نيام. (وقال عليّ بن أبي طالب: وأنا يا رسول اللَّه! حبّب إليّ من الدنيا ثلاث: الصوم في الصيف، وإقراء الضيف،) لم يذكر القاموس، ولا المصباح إقراء المزيد لطعام الضيف بل قرى، فإن ثبت فهو لغة، لكن نقله أبو محمد النيسابوري بلفظ: قرى، بالكسر والقصر، (والضرب بين يديك بالسيف). (قال الطبري:) محب الدين المكي، (رواه الجندي) بفتحتين، (كذا قال: والعهدة عليه،) وزاد بعضهم فيه: فنزل جبريل، فقال: وأنا حبّب إليّ من الدنيا ثلاث: النزول على النبيّين، وتبليغ الرسالة للمرسلين، والحمد لله ربّ العالمين، أي: الثناء على اللَّه، ثم عرج، ثم رجع فقال: يقول اللَّه: وهو حبّب إليه من عباده ثلاث: لسان ذاكر، وقلب شاكر، وجسم على بلائه صابر، وفي لفظ: وإذا النداء من قبل اللَّه؛ إن اللَّه يحب من دنياكم ثلاثًا، فذكرها، ويحتمل أن الخطاب للخلفاء الأربعة أو لجميع الناس أو الأُمة. (وعن أنس: أن رسول اللَّه عَ لّهِ، قال: ((فضّلت على الناس بأربع،) خصّها باعتبار ما فيها من النهاية التي لا ينتهي إليها أحد غيره، ولا باعتبار مجرّد الوصف (بالسماحة،) وفي رواية: بالسخاء، أي: الجود؛ لأنه كان أجود من الريح المرسلة، (والشجاعة،) خلق غضبى بين إفراط ٣٧٧ النوع الثالث في سيرته عَّ في نكاحه وكثرة الجماع وشدة البطش. رواه الطبراني. وقال أنس: كان رسول الله عَّهِ يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار، وهن إحدى عشرة، قال: قلت لأنس: أو كان يطيقه؟ قال: كنا نتحدث أنه أعطي قوة ثلاثين رواه البخاري من طريق قتادة. قال ابن خزيمة: تفرد بذلك معاذ بن هشام عن أبيه. يسمّى تهوّرًا، وتفريط يسمّى جبنًا، (وكثرة الجماع،) لكمال قوّته وصحّة ذكورته، (وشدّة البطش) فيما ينبغي على ما ينبعي، وقدم السخاء لجموم منافعه، وثنى بالشجاعة؛ لأنه نبيّ الجهاد ﴿يا أيّها النبي جاهد الكفار﴾ الآية، فكلّفه وهو فرد جهاد الكلّ، ولا يكلّف اللَّه نفسًا إلاَّ وسعها، وثلث الجماع؛ لأن قوّته معجزة في حقّه، وربع بشدّة البطش؛ لأنه من لوازم القوة وساغ له مدح نفسه لأنه مأمون الخطا ولذا جاز له الحكم لنفسه (رواه الطبراني) في الأوسط برجال ثقات قاله الحافظان العراقي والهيثمي وتعقبا بأن ابن الجوزي والذهبي والحافظ ضعفوه لأن فيه سعيد بن بشير، رواية عن قتادة، عن أنس وسعيد ضعيف. (وقال أنس: كان رسول اللَّه ◌َّ يدور على نسائه في الساعة الواحدة،) أي: في قدر من الزمان، لا ما اصطلح عليه الفلكيون (من الليل والنهار،) الواو بمعنى أو جزم به الكرماني، ويحتمل أنها على بابها، بأن تكون تلك الساعة جزء من آخر أحدهما، وجزء من أول الآخر، قاله الحافظ، قال بعضهم: نعم يحتمل ذلك، لكنّه تخلّف بعيد جدًا، (وهنّ إحدى عشرة،) تسع زوجات ومارية ورحانة، (قال) قتادة: (قلت لأنس) مستفهمًا: (أو) بفتح الواو، (كان يطيقه،) أي: مباشرة المذكورات في الساعة الواحدة، (قال: كنّا) معشر الصحابة (نتحدّث أنه أُعطي،) بضمّ الهمزة، وكسر الطاء، وفتح الياء (قوة ثلاثين) رجلاً، (رواه البخاري من طريق) هشام عن (قتادة) ابن دعامة. (قال ابن خزيمة) محمّد بن إسحق بن خزيمة بن المغيرة بن صالح السلمي، النيسابوري، الحافظ، الكبير، المعروف عند المحدّثين بإمام الأئمّة، قال ابن حبان: ما رأيت من يحسن صناعة السنن، ويحفظ ألفاظها الصحاح وزيادتها، حتى كان السنن كلّها نصب عينيه، إلاّ ابن خزيمة. وقال الدارقطني: كان إمامًا ثبتًا، معدوم النظير، ومصنّفاته تزيد على مائة وأربعين سوى المسائل والرسائل أكثر من مائة جزء، مات في ذي القعدة سنة إحدى عشرة وثلاثمائة عن نحو تسعين سنة، (تفرّد بذلك معاذ بن هشام) الدستوائي، بفتح الدال، وسكون السين المهملتين، وفتح الفوقائية؛ كما في الكواكب والتقريب، والذي في اللّب بضمّها، ثم مدّ، نسبة إلى دستواء بلد بالأهواز البصري، وقد سكن اليمن، صدوق ربما وهم، مات سنة مائتين، (عن أبيه) هشام بن عبد اللَّه سنبر، بمهملة، ثم نون، ثم موحدة وزن جعفر أبي بكر البصري، ثبت رمى بالقدر، مات ٣٧٨ النوع الثالث في سيرته عَّة في نكاحه ورواه سعيد بن أبي عروبة وغيره عن قتادة فقالوا: تسع نسوة، انتهى. وكذا رواه البخاري من طريق سعيد بن أبي عروبة أيضًا بلفظ وله يومئذ تسع نسوة. وجمع بينهما ابن حبان في صحيحه بأن حمل ذلك على حالتين، لكنه وهم في قوله: إن الأولى كانت في أول قدومه المدينة، حيث كان عنده تسع نسوة، والحالة الثانية في آخر الأمر، حيث اجتمع عنده إحدى عشرة امرأة. وموضع الوهم منه: أنه عَّ لما قدم المدينة لم يكن تحته سوى سودة ثم دخل على عائشة بالمدينة، ثم تزوج أم سلمة وحفصة وزينب بنت خزيمة في السنة الرابعة، سنة أربع وخمسين ومائة، وله ثمان وسبعون سنة، روى له الجميع، (ورواه سعيد بن أبي عروبة،) مهران اليشكري، البصري، ثقة، حافظ، له تصانيف، كثير التدليس، واختلط، وكان من أثبت الناس في قتادة، مات سنة ستّ، وقيل: سبع وخمسين ومائة، روى له الستّة (وغيره،) كشعبة عند أحمد، (عن قتادة، فقالوا: تسع نسوة، انتهى، وكذا رواه البخاري من طريق سعيد بن أبي عروبة أيضًا، بلفظ:) كان يطوف على نسائه في الليلة الواحدة، (وله يومئذ تسع نسوة،) كل واحدة منهن تسع مرات في طلق؛ كذا ذكره البقاعي في تفسيره. (وجمع بينهما ابن حبان في صحيحه: بأن حمل ذلك على حالتين، لكنه وهم في قوله: إن) الحالة (الأولى كانت في أوّل قدومه المدينة، حيث كان عنده تسع نسوة،) ويجعل الأولى صفة للحالة، سقط قول شيخنا: لعلّ ابن حبان قدم رواية التسع على رواية إحدى عشرة، وإلاَّ فالموافق أن يقول بدل الأول الثانية؛ لأنه نشأ من فهم أن الأولى صفة للرواية، وإنما هو صفة للحالة، بدليل التصريح بقوله: (والحالة الثانية في آخر الأمر، حيث اجتمع عنده إحدى عشرة امرأة، وموضع الوهم منه أنه عَّ لما قدم المدينة لم يكن تحته سوى سودة) بنت زمعة، (ثم دخل على عائشة بالمدينة،) قال العلاّمة حسين الكفوي في شرح البخاري: ويمكن توجيه كلام ابن حبان بأن تجعل الأولى في قوله: أوّل قدومه عبارة عن الزمان الممتد إلى آخر أمره عليه الصّلاة والسّلام، لا أنه اجتمع عنده تسع نسوة حين قدم المدينة، هذا غاية ما يمكن في إصلاح كلامه، انتهى. (ثم تزوّج أم سلمة، وحفصة، وزينب بنت خزيمة،) المعروفة بأم المساكين لحبها لهم، (في السنة الرابعة،) ومكثت بنت خزيمة عنده شهرين أو ثلاثة وماتت، قاله ابن عبد البرّ وغيره، ٣٧٩ النوع الثالث في سيرته عَّة في نكاحه ثم زينب بنت جحش في الخامسة، ثم جويرية في السادسة، ثم صفية وأم حبيبة وميمونة في السابعة، هؤلاء جميع في السادسة، ثم صفية وأم حبيبة وميمونة في السابعة، هؤلاء جميع من دخل بهن من الزوجات بعد الهجرة على المشهور ... لكن تحمل رواية هشام على أنه ضم مارية وريحانة إليهن وأطلق عليهن لفظ ((نسائه)) تغليبًا. وعن طاووس ومجاهد: أعطي عَّ قوة أربعين رجلاً في الجماع. رواه ابن سعد. وعند أحمد والنسائي، وصححه الحاكم من حديث زيد بن أرقم رفعه: إن الرجل من أهل الجنة ليعطى قوة مائة في فلم تجتمع مع بقية التسع، فالمراد من ذكرها مجرّد الردّ على ابن حبان بتعداد من دخل بهنّ، فلا ينافي موتها قبل تمام التسع. (ثم زينب بنت جحش في الخامسة، ثم جويرية في السادسة، ثم صفية، وأُمّ حبيبة، وميمونة في السابعة، هؤلاء جميع من دخل بهنّ من الزوجات بعد الهجرة،) وخديجة ماتت قبلها، ولم يجمع معها غيرها، (على المشهور) زاد الحافظ، واختلف في ريحانة، وكانت من سبي بني قريظة، فجزم ابن إسحق، بأنه عرض عليها أن يتزوّجها، ويضرب عليها الحجاب، فاختارت البقاء في ملكه، والأكثر على أنها ماتت قبله في سنة عشر، وكذا ماتت زينب بنت خزيمة بعد دخولها عليه بشهرين أو ثلاثة، قاله ابن عبد البرّ، فعلى هذا لم يجتمع عنده من الزوجات أكثر من تسع، مع أن سودة كانت وهبت يومها لعائشة، فرجحّت رواية سعيد، (لكن تحمل رواية هشام) التي تفرّد بها ابنه معاذ عنه، (على أنه ضمّ مارية وريحانة إليهنّ، وأطلق عليهن لفظ نسائه تغليبًا) لكثرة النساء، ولذا ضعف استدلال ابن التين؛ لقول ملك بلزوم الظهار من الإماء، بإطلاقه على الجميع، لفظ نسائه بأنه للتغليب، فلا حجّة فيه. (وعن طاووس ومجاهد) مرسلاً: (أُعطي ◌َّةٍ قوّة أربعين رجلاً في الجماع، رواه ابن سعد،) ولا ينافيه رواية الصحيح السابقة: قوّة ثلاثين؛ لجواز أنهم تحدّثوا بذلك قبل بلوغهم الزيادة، ووقع عند الإسمعيلي من رواية أبي موسى، عن معاذ بن هشام: أربعين بدل ثلاثين، قال الحافظ: وهي شاذّة من هذا الوجه. (وعند أحمد، والنسائي، وصححه الحاكم من حديث زيد بن أرقم، رفعه) أي: قال: قال ◌َّلة: ((إن الرجل من أهل الجنّة ليعطى قوّة مائة) في رواية الطبراني: مائة، رجل (في ٣٨٠ النوع الثالث في سيرته عَّة في نكاحه الأكل والشرب والجماع والشهوة. فإن قلت: وطء المرأة في يوم الأخرى ممنوع، والقسم وإن لم يكن واجبًا عليه على القول المرجوح لكنه عليه الصلاة والسلام التزمه تطيبًا لنفوسهن. أجيب: باحتمال إذن صاحبة اليوم له، أو أنه في يوم لم يثبت فيه قسم بعد، كيوم قدومه من سفر، أو في اليوم الذي بعد كمال الدورة، لأنه يستأنف القسم فيما بعد، أو أنه من خصائصه عَّله، وقد اختص في باب النساء بأشياء، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. الأكل والشرب والجماع والشهوة))،) عطف سبب على مسبّب؛ لأن الجماع يتسبّب عن الشهوة، وخصّها لأن ما عداها راجع إليها، إذ الملبس والمسكن من الشهوة، ولا يردّ أن كثرة الأكل والشرب في الدنيا مجمع على ذمها؛ لأنه لما ينشأ عنها من فتور، وتوان، وتثاقل عن العبادة، ومن أمراض؛ كتخمة وقولنج، وأهل الجنّة مأمونون من ذلك كلّه، إذ كل ما فيها لا يشبه شيئًا ممّا في الدنيا، إلاّ في مجرد الاسم، ألا ترى إلى أنه زاد في رواية الطبراني في الكبير برجال ثقات: حاجة أحدهم عرق يفيض من جلده، فإذا بطنه قد ضمر. (فإن قلت: وطء المرأة في يوم الأخرى ممنوع) حرام، (والقسم وإن لم يكن واجبًا عليه، على القول المرجوح) عند الشافعية وكثيرين، وهو الراجح عند المالكية وطائفة، (لكنه عليه الصّلاة والسّلام التزمه تطييبًا لنفوسهنّ، أَجيب باحتمال إذن صاحبة اليوم،) أي: النوبة؛ كما عبّر به الفتح، فعبّر به المصنّف؛ لأنه يطلق على مطلق الزمن، كيوم حنين (له،) كما استأذنهن أن يمرض في بيت عائشة، (أو) باحتمال (أنه في يوم لم يثبت فيه قسم بعد، كيوم قدومه من سفر)؛ لأنه كان إذا سافر أقرع بينهن، فسافر بمن يخرج سهمها، فإذا انصرف استأنف، (أو) باحتمال أن دورانه (في اليوم الذي بعد كمال الدورة؛ لأنه يستأنف القسم فيما بعد). قال الحافظ: وهذا الاحتمال كالأول أليق بحديث عائشة، والاحتمال، الثاني أخصّ من الثالث، ويحتمل أن ذلك كان يقع قبل وجوب القسم، ثم ترك بعدها، (أو أنه،) أي: الدوران في ساعة (من خصائصه عَّله) مع وجوب القسم عليه، وفيه: أن الخصائص لا تثبت بالاحتمال، بل بدليل صحيح، وهذه كلّها تكلّفات ظاهرة، والحديث حجّة بينة للقائلين؛ بأن من خصائصه عدم وجوب القسم، وإليه أشار البخاري في كتاب النكاح. (وقد اختصّ في باب النساء بأشياء، كما سيأتي إن شاء اللَّه) في المقصد الرابع، فلا مانع أن تلك الساعة من جملة ما اختصّ به في بابهنّ، مع وجوب القسم عليه، وقد علمت أن