النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
فص خاتمه علّ
الروضة وغيرها، وكتب أصحابنا طافحة بجوازه.
وروى أبو داود، وصححه ابن حبان، من حديث بريدة بن الحصيب أن
النبي عَّه قال للابس خاتم الحديد: ما لي أرى عليك حلية أهل النار، فطرحه
وقال: يا رسول الله، من أي شىء أتخذه؟ قال: اتخذه من ورق ولا تتمه مثقالاً.
وأخرجه أيضًا النسائي والترمذي وقال: غريب. وأخرجه أحمد وأبو يعلى في
مسنديهما والضياء في المختارة مما ليس في الصحيحين ورجاله رجال الصحيحين
إلا عبد الله بن مسلم المعروف بأبي طيبة، وهو محدث مشهور، وتصحيح ابن
حبان لحديثه دال على قبوله، فأقل أحواله أن يكون من درجة الحسن.
والأصل في النهي كونه للتحريم، ولأن الأصل في استعمال الفضة للرجال
التحريم، إلا ما رخص فيه، فإذا حد فيه حد وجب الوقوف عنده، وبقي ما
الروضة وغيرها) بجوازه، (وكتب أصحابنا طافحة) مملوءة (بجوازه) من طفح الإناء، إذا امتلأ
حتى فاض، والمراد: كثرة القول في كتبهم بالجواز المستوى.
(وروى أبو داود، وصححه ابن حبان من حديث بريدة،) بضم الموحدة، (ابن
الحصيب،) بضم الحاء، وفتح الصاد المهملتين، وإسكان التحتية وموحدة، قال الغساني:
وصحفه بعضهم، فقال: بفتح الخاء المعجمة، وتقدم (أن النبيّ عَُّلّ قال للابس خاتم الحديد:
«ما لي أرى عليك حلية أهل النار))؟) أي: ما يتزيّن به أهلها، (فطرحه، وقال: يا رسول اللّه!
من أي: شىء أتّخذه؟ قال: ((اتّخذه من ورق) فضّة، (ولا تتمّه مثقالاً)،) بكسر، فسكون درهم
وثلاثة أسباع درهم.
(وأخرجه أيضًا النسائي، والترمذي، وقال: غريب، وأخرجه أحمد، وأبو يعلى في
مسنديهما،) والبزار في مسنده، (والضياء في) الأحاديث (المختارة مما ليس في
الصحيحين،) وصرّح ابن تيمية والزركشي وغيرهما؛ بأن تصحيح الضياء أعلى من تصحيح
الحاكم، (ورجاله رجال الصحيح، إلاّ عبد الله بن مسلم) السلمي، المروزي، قاضيها
(المعروف بأبي طيبة،) بفتح الطاء المهملة، فتحتية ساكنة، (وهو محدّث مشهور،) قال في
التقريب: صدوق يهم من الثامنة، (وتصحيح ابن حبان لحديثه دالّ على قبوله))) وكذا الضياء،
(فأقلّ أحواله أن يكون من درجة الحسن،) فتقوم به الحجّة، (والأصل في النهي كونه
للتحريم، ولأن الأصل في استعمال الفضّة للرجال التحريم، إلا ما رخّص فيه، فإذا حدّ فيه
حدّ وجب الوقوف عنده،) فيجب نقصه عن مثقال، وإن قل النقص ليخرج عن النهي، (وبقي ما

٣٢٢
فص خاتمه معاه
عداه على الأصل. وقد قال ابن الرفعة في باب ما يكره لبسه من ((الكفاية)): وينبغي
أن ينقص وزنه عن مثقال. لأن رسول الله عَّه رأى رجلاً، وساق الحديث. وقوله
ينبغي، يصلح للوجوب وغيره، وحمله عليه أولى، لأنه ساق الحديث مساق
الاحتجاج لهذا الحكم، فلا يصرف النهي عن حقيقته إلا بصارف.
وظاهر صنيع ابن الملقن في شرح منهاج النووي يقتضيه، فإنه قال في زكاة
العقد: فرع في أبي داود وصحيح ابن حبان من حديث بريدة أنه عليه الصلاة
والسلام قال لذلك الرجل ... وذكر الحديث فساقه سوق الفروع التي لا خلاف
فيها بين الأصحاب، وظاهر ذلك تحريم المثقال.
وفي ((القوت)) للأذرعي: لم يتعرض أصحابنا لمقدار الخاتم ولعلهم اكتفوا
بالعرف، فما خرج عنه كان إسرافًا كما قالوا في الخلخال للمرأة ونحوه،
والصواب الضبط بما نص عليه في الحديث وليس في كلامهم ما يخالفه، هذا
لفظه. وهو يشير إلى هذا الحديث.
و کذا
عداه على الأصل،) فلو نقص في ميزان، وتمّ في آخر لم يجز على هذا القول، قاله شيخنا.
(وقد قال ابن الرفعة في باب: ما يكره لبسه من) كتاب (الكفاية، وينبغي أن ينقص
وزنه عن مثقال؛ لأن رسول اللَّه عَّ رأى رجلاً، وساق الحديث) المذكور، (وقوله: ينبغي،
يصلح للوجوب وغيره،) لاستعمالها في الأمرين (وحمله عليه،) أي: الوجوب (أولى؛ لأنه
ساق الحديث مساق،) أي: سوق (الاحتجاج لهذا الحكم، فلا يصرف النهي عن حقيقته إلا
بصارف، وظاهر صنيع ابن الملقن في شرح منهاج النووي يقتضيه، فإنه قال في زكاة العقد،
فرع في أبي داود، وصحيح ابن حبان من حديث بريدة: أنه عليه الصّلاة والسّلام قال لذلك
الرجل، وذكر الحديث،) أي: حديث بريدة، (فساقه سوق الفروع التي لا خلاف فيها بين
الأصحاب،) حيث لم يعزه لمعين، (وظاهر ذلك تحريم المثقال في الوقت للأذرعي،) بفتح
الهمزة والراء، وسكون الذال المعجمة، نسبة إلى أذرعات بكسر الراء: ناحية بالشام، (لم يتعرض
أصحابنا) الشافعية (لمقدار الخاتم، ولعلّهم اكتفوا بالعرف، فما خرج عنه كان إسرافًا؛ كما
قالوا في الخلخال،) بفتح الخاء (للمرأة ونحوه،) وهذا هو الذي اعتمده متأخّروا الشافعية
رمليهم والهيثمي، (والصواب الضبط بما نصّ عليه في الحديث، وليس في كلامهم ما
يخالفه هذا لفظه، وهو يشير إلى هذا الحديث،) أي: حديث بريده نجده ... الخ، (وكذا

٣٢٣
فص خاتمه
مشى عليه ابن العماد في التعقبات وعبارته: وإذا جاز لبس الخاتم شرطه أن لا يبلغ
به مثقالاً للحديث. انتھی.
لكن قال الحافظ العراقي في شرح الترمذي: إن النهي في قوله: ((ولا تتمة
مثقالاً) محمول على التنزيه، فيكره أن يبلغ به وزن مثقال. قال: وفي رواية أبي
داود، في رواية صاحب المعالم عنه؛ (ولا تتمة مثقالاً ولا قيمة مثقال)) وليست
هذه الزيادة في رواية اللؤلؤي. ومعنى هذه الزيادة أنه ربما وصل الخاتم بالنفاسة في
صنعته إلى أن يكون قيمة مثقال فهو داخل في النهي أيضًا على هذه الزيادة.
وقد أفتى السراج العبادي بأنه يجوز أن يبلغ به مثقالاً وأن ما زاد عليه حرام.
وأما خاتم الحديد، فأخرج أبو داود في سننه، والبيهقي في شعب الإيمان
والأدب وغيرهما من تصانيفه من طريقه،
مشى عليه ابن العماد في التعقبات، وعبارته: وإذا جاز لبس الخاتم، شرطه أن لا يبلغ به
مثقالاً للحديث، انتهى،) وحاصل تطويله: أن النهي للتحريم عند ابن الرفعة، والأذرعي، وابن
الملقن، وابن العماد.
(لكن قال الحافظ العراقي في شرح الترمذي: إن النهي في قوله: ((ولا تتمّه مثقالاً))،
محمول على التنزيه، فيكره أن يبلغ به وزن مثقال،) والصارف له عن التحريم لم يذكره.
(قال: وفي رواية أبي داود، في رواية صاحب المعالم،) هو الخطابي أحمد بن
محمد بن إبراهيم بن خطاب البستي، الحافظ، المشهور، والمعالم شرحه لأبي داود، سمّاه معالم
السنن، (عنه)) أي: عن أبي دواد بواسطة؛ لأنه رواها عن أبي سعيد بن الأعرابي، وأبي بكر بن
داسة، عن أبي داود، (ولا تتمّه مثقالاً ولا قيمة مثقال، وليست هذه الزيادة في رواية) أبي
عليّ، محمد بن أحمد (اللؤلؤيّ،) لسنن أبي داود، نسبة إلى بيع اللؤلؤ. (ومعنى هذه الزيادة: أنه
ربما وصل الخاتم بالنفاسة في صنعته إلى أن يكون قيمة مثقال،) وإن لم يبلغ وزنه، (فهو
داخلٍ في النهي أيضًا على هذه الزيادة، وقد أفتى السرّاج العبادي، بأنه يجوز أن يبلغ به
مثقالاً، وأن ما زاد عليه حرام،) ففي فتواه حمل النهي على التنزيه، والمعتمد من مذهب لملك
ندب الخاتم الفضّة، إن قصد اتّباع السنّة في لبسه، لا مباهاة أو زينة، وإنه يجوز كونه درهمين
لا أزید.
(وأمّا خاتم الحديد، فأخرج أبو داود في سننه،) وفي نسخة: في الخاتم من سننه،
(والبيهقي في شعب الإيمان، والأدب وغيرهما من تصانيفه من طريقه،) أي: أبي داود،

٣٢٤
لفص خاتمه علّـ
والنسائي في كتاب الزينة من سننه، وابن حبان في صحيحه: أن رجلاً جاء إلى
النبي عَّه وعليه خاتم من شبه - وهو بفتح المعجمة والموحدة، وإسكانها وكسر
المعجمة، نوع من النحاس كانت الأصنام تتخذ منه، وسمي بذلك لشبهه بالذهب
لونًا - فقال: ما لي أجد منك ريح الأصنام، فطرحه ثم جاء وعليه خاتم من حديد،
فقال: ما لي أرى عليك حلية أهل النار فطرحه. وأخرجه الترمذي لكنه قال: من
صفر بدل من شبه، وهما بمعنى.
قال النووي في شرح المهذب: قال صاحب الإبانة: يكره الخاتم من .
(والنسائي في كتاب الزينة من سننه، وابن حبان في صحيحه)، المسمّى بالأنواع والتقاسيم، كلّهم من
حديث بريدة بن الحصيب: (أن رجلاً جاء إلى النبيّ عٍَّ وعليه خاتم من شبه، وهو بفتح
المعجمة والموحدة، وبإسكانها، وكسر المعجمة) التي هي الشين، فهما لغتان، (نوع من
النحاس كانت الأصنام تتّخذ منه، وسمّي بذلك لشبهه بالذهب لونًا، فقال: ((ما لي أجد،)
أشمّ (منك ريح الأصنام))؟) فضمن أجد معنى أشمّ، وأطلق على الأثر الذي يدر که منه ريحًا
مجازًا، (فطرحه، ثم جاء وعليه خاتم من حديد، فقال: ((ما لي أرى عليك حلية أهل النار))؟)
أي: زيّ الكفار، (فطرحه) وقال: من أي: شىء أتّخذه؟ قال: (اتّخذه من ورق ولا تتمّه مثقالاً)،
وهذا الحديث ذكره المصنف ثلاث مرّات؛ لاختلاف غرضه منه، فذكر مبدأ بحث الخاتم
مختصرًا استدلالاً على كون الخاتم من فضّة، وثانيها: استدلالاً على كونه لا يزيد على مثقال،
وثالثًا: هنا استدلالاً على كراهة كونه من حديد أو نحاس، فهو حديث واحد، والرجل الجائي
واحد بلا شكّ، وتجويز أنه غيره خطأ، وتصرّف فيه المصنّف بالاختصار أوّلاً، فلا يصحّ دعوى
أن الراوي لم يذكر خاتم النحاس لعدم سماعه من المصطفى؛ لأنها من عدم الوقوف على
الحدیث.
(وأخرجه الترمذي، لكنّه قال: من صفر) بضم الصاد المهملة، وإسكان الفاء وبالراء،
(بدل من شبّه، وهما بمعنى،) وهو نوع من جيّد النحاس، وروي عند ابن عدي، عن ابن عباس:
أراد عَِّ أن يكتب إلى الأعاجم يدعوهم إلى الله، فقال رجل: إنهم لا يقرؤون كتابًا إلا مختومًا،
فأمر أن يعمل له خاتم من حديد، فقال له جبريل: ((انبذه من اصبعك، فنبذه)، وأمر بخاتم من
نحاس، فقال له جبريل: ((انبذه، فنبذه))، وأمر بخاتم يصاغ له من ورق، فجعله في أصبعه، فأقرّه
جبريل.
(قال النووي في شرح المهذب: قال صاحب الإبانة) هو الفوراني (يكره الخاتم من

٣٢٥
فص خاتمه معَّة
حديد أو شبه، وتابعه صاحب البيان فقال: يكره الخاتم من حديد أو رصاص أو
نحاس لحديث بريدة.
وقال صاحب التتمة: لا يكره الخاتم من حديد أو رصاص لحديث
الصحيحين: أن رسول الله عٍَّ قال للذي خطب الواهبة نفسها: اطلب ولو خاتمًا
من حديد. قال: ولو كان فيه كراهة لم يأذن فيه.
وفي سنن أبي داود بإسناد جيد عن معيقيب الصحابي: كان خاتمه عليه
الصلاة والسلام من حديد ملوي عليه فضة.
والمختار: أنه لا يكره لهذين الحديثين.
وقال في شرح مسلم في الكلام على حديث المرأة لواهبة نفسها: وفي هذا
الحديث جواز اتخاذ خاتم الحديد، وفيه خلاف للسلف
حديد، أو شبه وتابعه صاحب البيان، فقال: يكره الخاتم من حديد، أو رصاص، أو نحاس؛
لحديث بريدة) المذكور، (وقال صاحب التتمة) هو المتولّي: (لا يكره الخاتم من حديد أو
رصاص؛ لحديث الصحيحين)) عن سهل بن سعد: (أن رسول اللَّه عَ له: قال للّذي خطب) لم
يسمّ (الواهبة نفسها) للنبيّ عَّه، وهي خولة بنت حكيم، أو أم شريك، أو غيرهما على ما تقدّم
في الزوجات، حيث قالت: جئت لأهب لك نفسي، فنظر عٍَّ إليها وصوّب، أي: خفض رأسه،
فلمّا طال مقامها، قال رجل: زوّجنيها إن لم يكن لك بها حاجة، قال: ((عندك شىء تصدّقها))؟
قال: لا شىء، قال: ((أنظر شيئًا)، فذهب، ثم رجع، فقال: والله ما وجدت شيئًا، قال: ((أطلب،)
وفي رواية: التمس، (ولو) كان المطلوب، أو الملتمس (خاتماً من حديد))،) فأصدقها إيّاه، أو فإنه
حسن أو جائز، فحذف كان، واسمها وجواب لو، (قال: ولو كان فيه كراهة لم يأذن فيه،)
فدلّ على جواز التختّم به بلا كراهة، وتعقّب بأنه لا يلزم منه جواز اللبس، فيحتمل أنه أراد
وجوده لتنتفع المرأة بقيمته.
(وفي سنن أبي داود بإسناد جيّد،) أي: مقبول، (عن معيقيب،) بضمّ الميم، وعين،
وقاف بعد كل تحتية، فموحّدة، ويقال بحذف الياء الثانية، تقدّم قريبًا وبعيدًا في الكتاب
(الصحابي: كان خاتمه عليه الصّلاة والسّلام من جديد ملويّ، عليه فضّة) وفي كتاب
الأحجار للتيفاشي: خاتم الفولاذ مطردة للشيطان، إذ ألوى عليه فضّة، (والمختار أنه لا يكره
لهذين الحديثين، وقال) النووي (في شرح مسلم، في الكلام على حديث المرأة لواهبة
نفسها، وفي هذا الحديث جواز اتّخاذ خاتم الحديد، وفيه خلاف للسلف) بالجواز

٣٢٦
فص خاتمه عـ
حكاه القاضي، ولأصحابنا في كراهته وجهان أصحهما لا يكره لأن الحديث في
النهي عنه ضعيف. انتهى.
ولعل تضعيف النووي للحديث إنما هو بالنسبة إلى مقاومة حديث سهل بن
سعد في الصحيحين وغيرهما في قصة الواهبة نفسها لا مطلقًا، كيف وله في
شواهد عدة، إن لم ترفعه إلى درجة الصحة لم تدعه ينزل عن درجة الحسن.
وأما خاتم العقيق: فعن أنس أن رسول الله عَّه قال: تختموا بالعقيق، واليمين
أحق بالزينة. وفي سنده مجهول،
والكراهة، (حكاه القاضي) عياض في شرح مسلم، (ولأصحابنا) الشافعية (في كراهته وجهان،
أُصحهما: لا يكره؛ لأن الحديث في النهي عنه ضعيف، انتهى) كلام النووي، واعترض
تضعيفه للحديث بتصحيح ابن حبان والضياء وغيرهما له، فاعتذر عنه المصنّف، بأنه تضعيف
نسي لا حقيقي، فقال: (ولعلّ تضعيف النووي للحديث إنما هو بالنسبة إلى مقاومة حديث
سهل بن سعد في الصحيحين وغيرهما في قصة الواهبة نفسها لا مطلقًا،) فمعنى التضعيف
تقديم حديثهما عليه على القاعدة في تقديم مرّ، وفيهما عند التعارض على غيره وإن كان صحيحًا
أو حسنًا، (كيف) يتوهم أنه ضعفه مطلقًا، أي: حقيقة، (وله في ذلك شواهد عدّة، إن لم
ترفعه إلى درجة الصحّة لم تدعه ينزل عن درجة الحسن،) قال بعض فضلاء الشافعية: وهذا
الاعتذار جرى فيه على عادة أهل القرن العاشر من الاختصار لكلام النووي كيفما كان،
والإنصاف أن خبر النهي دليل صالح لكراهة التنزيه، وحديث الصحيحين بيان الجواز معها، فلا
معارضة، ولذا رجح المالكية كراهة الحديد ونحوه، وإنما يقدم خبر الشيخين عند تحقق
المعارضة.
(وأمّا خاتم العقيق،) كأمير خرز أحمر، يكون باليمن وبسواحل بحر رومية جنس كدر،
كماء يجري من اللحم المملح، فيه خطوط بيض خفيّة، من تختّم به سكنت روعته عند
الخصام، وانقطع عنه الدم من أي: موضع، ونحاتة جميع أصنافه تذهب حفر الأسنان، ومحروقه
يثبت متحرّكها الواحدة بهاء، والجمع عقائق، قاله القاموس.
(فعن أنس: أن رسول اللَّه عَ لّه، قال: ((تختّموا بالعقيق واليمين أحق بالزينة))،) وهذا
رواه ابن عساكر، (وفي سنده مجهول،) بل قال في اللسان: هو موضوع بلا ريب، لكن لا
أدري من وضعه، وقال في الميزان: فيه حسين بن إبراهيم البالي، راويه عن حميد، عن أنس
وحسین، لا يدري من هو، فلعلّه من وضعه.

٣٢٧
فص خاتمه طَ
وروي بلفظ فإنه ينفي الفقر.
وروى يعقوب بن إبراهيم عن عائشة مرفوعًا: تختموا بالعقيق فإنه مبارك.
ويعقوب متروك.
(وروي) عند ابن عليّ من طريق حسين المذكور، عن حميد، عن أنس، (بلفظ: («فإنه
ينفي الفقر))،) قيل: أراد به، اتّخذ خاتم فضّة من عقيق.
وقال ابن الأثير: يريد أنه إذا ذهب ماله، باع خاتمه فوجد به غنى، انتهى، ورد بزيادة
الديلمي عقب ينفي الفقر: ((واليمين أحق بالزينة)، ولحديث عليّ: ((تختّموا بالخواتيم العقيق، فإنه
لا يصيب أحدكم غمّ ما دام عليه))، رواه الديلمي، وفيه داود بن سليمن كذّبه ابن معين، فدل
السياق على أن المراد حقيقة التختّم، وهو جعله في الأصبع، ولذا قال بعضهم: الأشبه إن صح
الحديث أن يكون لخاصية فيه، كما أن النار لا تؤثر فيه ولا تغيّره، وأن من تختم به أمن
الطاعون وتيسّرت له أمور المعاش، ويقوّي قلبه، ويهابه الناس، ويسهّل عليه قضاء الحوائج.
قال السخاوي: وكل هذا ممكن في العقيق لو صح، وقد قال ابن عدي راويه: حديث
باطل، والحسين مجهول، ومن ثم حكم ابن الجوزي بوضعه، وأقرّه السيوطي في مختصره.
(وروى يعقوب بن إبراهيم) بن عبد اللَّه الأزدي، نزيل بغداد، له في الترمذي وابن ماجه،
يعني عن هشام بن عروة، عن أبيه، (عن عائشة،) كما رواه ابن عدي والبيهقي في الشعب من
طريقه، قال السخاوي: وتسمية أبيه إبراهيم تحريف على بعض رواته، وإنما هو الوليد؛ كما أخرجه
ابن عدي أيضًا (مرفوعًا: ((تختّموا بالعقيق، فإنه مبارك))،) أي: كثير الخير، والضمير للتختم، أو
نفس العقيق، أو المكان، والأوّل هو المتبادر؛ لأن البركة تتبع الفعل، إذ هو المحصل لها،
ويكفي في البركة نفي الفقر اللازم معه نفي الهم اللازم معه الصحة، (ويعقوب متروك،) بل
كذّبه أحمد، وأبو حاتم وغيرهما.
قال الزركشي: وروى تخيّموا بتحتية، أي: اسكنوا العقيق وأقيموا به، وقال حمزة بن
حسن الأصفهاني: الرواة يروونه تختّموا، وإنما هو تخيّموا، وهو اسم وادٍ بظاهر المدينة، قال ابن
الجوزي: وهذا بعيد، وقائله أحقّ أن ينسب إليه التصحيف، لما ذكرنا من طرق الحديث، انتهى،
لكن قال الحافظ: حمزة معذور، فإن أقرب طرق هذا الحديث، كما يقتضيه كلام ابن عدي:
رواية يعقوب المذكورة، وهذا الوصف يعينه، وقد ثبت لوادي العيق في حديث عمر عند البخاري
في الحجّ: سمعت النبيّ عَّه يقول بوادي العقيق: ((أتاني الليلة آت من ربّي، فقال: صلّ في هذا
الوادي المبارك)، انتهى.
وقال في زهر الفردوس: يؤيّد قول الأصبهاني ما خرّجه البخاري، بلفظ: ((أتاني جبريل،

٣٢٨
مَّ الله
فص خاتمه طي
وروى أبو بكر بن شعيب عن فاطمة رضي الله عنها مرفوعًا: من تختم
بالعقيق لم يزل يرى خيرًا. وهذا أيضًا لا يثبت.
وكذا ورد فيه أحاديث غير هذه، وكلها كما قال الحافظ بن رجب لا
تثبت، وقال العقيلي: لا يصح في التختم بالعقيق عن النبي عَّةٍ شىء.
وروى ابن فنجويه في كتاب الخواتيم له بإسناد ضعيف عن علي مرفوعًا:
من تختم بالياقوت الأصفر منع الطاعون، وإسناده ضعيف.
فقال: صلّ في هذا الوادي المبارك))، يعني العقيق، وقال عمرة في حجّة، وفي الفتح: روى
أحمد عن عائشة: ((تخيّموا بالعقيق، فإنه وادٍ مبارك))، وهو بمعجمة وتحتية، وأمر بالتخيم، أي؛
النزول به.
(وروى أبو بكر بن شعيب) عن الملك، عن الزهري، عن عمرو بن الشريد، (عن فاطمة
رضي اللَّه تعالى عنها، مرفوعًا: ((من تختّم بالعقيق لم يزل يرى خيرًا))،) أخرجه ابن حبان في
الضعفاء، وقال ابن شعيب: يروى عن ملك ما ليس من حديثه لا يحل الاحتجاج به، ولذا قال:
(وهذا أيضًا لا يثبت،) قال السخاوي: وهو عند الطبراني، وأبي نعيم وغيرهما من طرق سواه،
ومع ذلك فهو باطل، (وكذا ورد فيه أحاديث غير هذه؛) كحديث عمر: ((تختّموا بالعقيق، فإن
جبريل أتاني به من الجنّة، وقال: تختّم به وأمر أُمّتك أن تتختّم به))، رواه الديلمي، وهو موضوع،
وحديث عليّ: ((من تختّم بالعقيق ونقش فيه: وما توفيقي إلا باللّه، وفّقه اللَّه لكل خير، وأحبّه
الملكان الموكلان به))، وهذا كذب، قاله السخاوي، (وكلّها كما قال الحافظ ابن رجب: لا
تثبت،) وإن كثرت طرقها.
(وقال العقيلي: لا يصح التختّم بالعقيق عن النبيّ عَّ. شىء،) وما رواه المطرزي في
اليواقيت: أن إبراهيم الحربي سئل عنه، فقال: إنه صحيح، وقال: يروى أيضًا بالتحتيّة، أي:
اسكنوا العقيق وأقيموا به فغير معتمد، بل المعتمد بطلانه، قاله السخاوي.
قال السيوطي في مختصر الموضوعات: وأمثل ما ورد في هذا الباب حديث البخاري في
تاريخه: ((من تختّم بالعقيقِ لم يقضّ له إلاّ بالتي هي أحسن))، انتهى. فهذا أصل أصيل فيه.
(ورؤى) أبو عبد الله، الحسين بن محمد بن عبد اللّه (بن فنجويه)، بفتح الفاء، وسكون
النون، وضمّ الجيم، وسكون الواو، وفتح التحتية، آخره فوقية، روى السنن عن ابن السني، هكذا
يقرؤه المحدّثون كنظائره؛ لأنهم لا يحبون ويه، وأهل الأدب يفتحون الجيم والواو، ويسكنون
الياء. (في كتاب الخواتيم له، بإسناد ضعيف عن عليّ، مرفوعًا: ((من تختّم بالياقوت
الأصفر منع الطاعون))، وإسناده ضعيف،) تكرار بلا فائدة، وحديث («تختّموا بالزبرجد، فإنه يسر

٣٢٩
فص خاتمه
وأما فص خاتمه عَّةٍ، فروى أنس أن النبي ◌ٍَّ اتخذ خاتمًا من فضة، فصه
منه. أخرجه البخاري وغيره.
وفي صحيح مسلم أن خاتمه معَِّ كان قصه حبشيًا.
قال: قال العلماء: يعنى حجرًا حبشيًا، أي فصًا من جزع أو عقيق، فإن
معدنهما بالحبشة واليمن. انتهى، فإن صح أنهم كانوا يعنون بالحبشي .
لا عسر))، فيه موضوع، قاله الحافظ، وحديث: ((تختّموا بالزمرد، فإنه ينفي الفقر))، رواه الديلمي،
ولا يصحّ، ويروى في الخاتم الذي فصّه من ياقوت أنه ينفي الفقر ولا يصحّ أيضًا، قاله السخاوي.
(وأما فصّ،) يتثليث الفاء، وهم الجوهري في جعله الكسر لحنًا؛ كما في القاموس. نعم،
قال ابن السكيت والفارابي: أنه رديء، (خاتمه عَّم،) فاختلف: هل كان منه أم من غيره؟ وإذا
أردت معرفة ذلك، (فروى أنس: أن النبيّ ◌َِّ اتّخذ خاتمًا من فضّة،) زاد أبو داود كلّه،
فحديث معيقيب: كان خاتمه من حديد ملويًّا عليه فضّة، يحمل على التعدّد جمعًا بين الروايتين،
قاله المصنف تبعًا للحافظ، (فصّه منه).
(أخرجه البخاري وغيره،) كأبي داود من رواية حميد عن أنس، قال العراقي: لم ينقل،
وكيف كانت صفة الخاتم أمربّعًا، أم مثلًّا، أو مدوّرًا؟ إلاّ أن التربيع أقرب إلى النقش فيه، وحميد
الراوي سئل عن ذلك، فلم یدر کیف کان، انتھی.
وقال ابن بطال: ليس كون نقش الخاتم ثلاثة أسطر أو سطرين أفضل من كونه سطرًا
واحدًا، قال الحافظ: قد يظهر أثر الخلاف في أنه إذا كان سطرًا واحدًا، يكون الفصّ مستطيلاً
لضرورة كثرة الأحرف، فإذا تعدّدت الأسطر أمكن كونه مربّعًا، أو مستديرًا، وكل منهما أولى من
المستطيل.
(وفي صحيح مسلم) والسنن من طريق ابن شهاب، عن أنس: (أن خاتمه معَّ) كان من
ورق، و(كان فصّه حبشيًّا، قال) النووي: (قال العلماء: يعني حجرًا حبشيًّا، أي: فصًّا من
جزع) بسكون الزاي: خرز يماني فيه بياض وسواد، يشبه به الأعين، (أو عقيق، فإن معدنهما
بالحبشة واليمن، انتهى،) وهذا أقرب مما قيل أن معدنهما من اليمن، وهي من الحبشة أو أن
لونه حبشي، أي: أحمر يميل إلى السواد أو صانعه حبشي، أو مصنوعًا كصنع الحبشة، هذا
عصارة ما في الزبر المتداولة، والوجه الذي لا محيّد عنه، ما قاله الجلاّل السيوطي وغيره، اعتمادًا
على ما في مفردات ابن البيطار، أن الحبشي نوع من الزبرجد، يكون ببلاد الحبش، لونه يميل إلى
الخضرة، من خواصه أنه ينقي العين، ويجلو ظلمة البصر، (فإن صحّ أنهم كانوا يعنون بالحبشي

٣٣٠
نقش خاتمه عليه الصلاة والسلام
العقيق فيكون له خاتمان: أحدهما فصه عقيق، والآخر فصه فضة، وفي شرح مسلم
للنووي حكاية أنه عَّةٍ كان له في وقت خاتم فصه منه، قال: وفي حديث آخر
فصه من عقيق، انتهى. لكن لم يرو عنه عليه الصلاة والسلام أنه لبس خاتمًا كله
عقیقًا.
[نقش خاتمه عليه الصلاة والسلام]
وأما نقش خاتمه عليه الصلاة والسلام، ففي صحيح مسلم عن أنس أن
رسول الله عَّ هِ صنع خاتماً
العقيق،) أو نحوه من الحجارة، (فيكون له خاتمان، أحدهما: فصّه عقيق) أو نحوه، (والآخر
فصّه فضّة،) فلا تعارض بين روايتي مسلم والبخاري، وبهذا جمع البيهقي، فقال في الشعب:
حديث كان فصّه حبشيًّا فيه دلالة على أنه كان له خاتمان، أحدهما فصّه حبشي، والآخر فصّه
منه، إن كان الزهري حفظ حديث من ورق، والأشبه بسائر الروايات أن الذي كان فصّه حبشيًّا
هو الذي اتّخذه من ذهب، ثم طرحه، والذي كان فصّه منه هو الفضّة، وفي حديث معيقيب:
كان خاتمه من حديد ملويّ، عليه فضّة، فرّما كان في يده، وليس في شىء من الأحاديث أنه
ظاهر بينهما، أي: لبسهما معًا، ووافقه على هذا الجميع: ابن العربي، والقرطبي، والنووي، قاله
الحافظ: وهو أظهر.
(وفي شرح مسلم للنووي حكاية) عن بعضهم، قال: قال ابن عبد البرّ: رواية فصّه منه
أصحّ، وقال غيره: كلاهما صحيح، و(أنه عٍَّ كان له في وقت خاتم فصّه منه، قال: وفي
حديث آخر فصّه من عقيق، انتهى) كلام النووي، وتعقّبه ابن جماعة؛ بأنه يحتاج إلى إثبات
ذلك، إذ لم يقل أحد أنه كان له خواتيم، ولا أنه اتّخذ ولا لبس غير واحد، وبأن العقيق يبعد أن
ينقش عليه، وردّ نفيه بأنه معارض بالروايات الكثيرة الظاهرة في التعدّد، وإلا تعارضت، وبأن
الاستبعاد لا يمنع الوقوع، (لكن لم يروَ عنه عليه الصّلاة والسّلام؛ أنه لبس خاتمًا، كلّه) تأكيد
لخاتمً (عقيقًا) نعت له، وهو استدراك لدفع توهّم أنه لما أمر بالعقيق، وإن لم يثبت أن خاتمه كلّه
عقيق، وأن اقتصاره على الفصّ؛ لأنه في مقابلة رواية فصّه منه، ومعناه كباقيه.
نقش خاتمه عليه الصّلاة والسّلام
(وأما نقش خاتمه عليه الصّلاة والسّلام، ففي صحيح مسلم) والبخاري، كلاهما (عن
أنس: أن رسول اللَّه عَ لَّه صنع خاتمًا،) أي: أمر بصنعه يعلى بن منبه؛ كما مرّ من رواية

٣٣١
نقش خاتمه عليه الصلاة والسلام
من ورق نقش فيه: محمد رسول الله عٍَّ. وقال للناس: إني اتخذت خاتماً من
فضة ونقشت فيه: محمد رسول الله، فلا ينقش أحد على نقشه.
قال الترمذي: معنى قوله: ((لا تنقشوا عليه) نهي أن ينقش أحد على خاتمه:
محمد رسول الله.
وفي رواية للنسائي: اتخذ خاتمًا من ورق فصه حبشي، ونقش فيه: محمد
رسول الله.
وفي رواية البخاري
الدارقطني وغيره، وما روي أن معاذًا بعث إليه بخاتم من اليمن من ورق، فصّه حبشي، كتب
عليه محمّد رسول اللَّه لم يثبت، ومع ذلك هو أقرب للصواب مما روي: أنه قدم على
النبيّ مَّة، فقال: امن كل شىء من معاذ حتى خاتمه، وهو غلط؛ لأن معاذًا لم يقدم من اليمن
إلا بعد وفاة المصطفى، ومثله لا يعادل ما في الصحيحين، فلا يقال: إنه معارض لرواية أن معاذًا
بعث به، أو قدم به عليه، (من ورق،) وفي رواية للبخاري: اتّخذ خاتمًا من ورق، (نقش فيه
محمّد رسول اللَّه، وقال للناس: ((إني اتّخذت خاتماً من فضّة))،) ولفظ البخاري: من ورق،
(ونقشت فيه محمّد رسول اللَّه، فلا ينقش) بالجزم على النهي، وفي رواية: ينقشن بنون
التوكيد الثقيلة، (أحد على نقشه،) حال من الفاعل؛ لأنه نكرة في سياق النفي، أو صفة مصدر
محذوف، أي: نقشًا كائنًا على نقشه، ومماثلاً له، قاله الطيبي.
وقال الزين العراقي: هل قصد به اسمه فقط، فرسول اللَّه صفة لمحمّد لا حبر له ويكون كما
لو، كتب محمّد بن عبد الله؛ كما نقش ابن عمر على خاتمه عبد اللَّه بن عمر، فيكون المبتدأ
محذوفًا؛ أي مالكه أو صاحبه محمّد رسول اللَّه، وكأنه رمز به إلى صاحبه؛ كما مرّ في كتب
الحديث إلى صاحب تلك الرواية بكتابة اسمه عليها، أو أراد به الآتيان بإحدى كلمتي الشهادة
علي أنه مبتدأ أو خبر، وعليه: فهل أريد بعض القرءان فيكون فيه حجّة على جواز ذلك؟ ويدلّ على
أنه أريد إحدى كلمة الشهادة الحديث، الواردة في نقش كلمتي الشهادة على الخاتم.
(قال الترمذي: معنى قوله: لا تنقشوا عليه، نهى أن ينقش أحد على خاتمه محمّد
رسول اللَّه؛) لأنه كان يختم به للملوك، فلو نقش غيره مثله لأدّى إلى الإلباس والفساد، وما روي
أن معاذًا نقش على خاتمه محمّد رسول اللّه لم يثبت، وعلى فرض الثبوت، فهو قبل النهي، أو
خصوصية لمعاذ؟
(وفي رواية للنسائي) عن أنس: (اتّخذ خاتماً من ورق، فصّه حبشي، ونقش فيه محمّد
رسول الله) وهذه الرواية صحيحة، ترد رواية؛ أن معاذًا بعثه من اليمن (وفي رواية البخاري.

٣٣٢
نقش خاتمه عليه الصلاة والسلام
والترمذي وكان نقش الخاتم ثلاثة أسطر: محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر.
قال في فتح الباري: ظاهره أنه لم يكن فيه زيادة عى ذلك، وأنه كان على
هذا الترتيب، لكن لم تكن كتابته على الترتيب العادي، فإن ضرورة الاحتياج إلى
أن يختم به تقتضي أن تكون الأحرف المنقوشة مقلوبة ليخرج الختم مستويًا، وأما
قول بعض الشيوخ أن كتابته كانت من فوق يعني الجلالة أعلى الأسطر الثلاث،
ومحمد أسفلها، فلم أر التصريح بذلك في شىء من الأحاديث، بل رواية
الاسماعيلي يخالف ظاهرها ذلك، فإنه قال: محمد سطر، والسطر الثاني .
والترمذي،) كلاهما في اللباس، عن أنس: أن أبا بكر لما استخلف، كتب له مقادير الزكاة،
(وكان نقش الخاتم ثلاثة أسطر، محمد سطر، ورسول،) بالتنوين وعدمه على الحكاية (سطر،
واللَّه) برفعه وجرّه حكاية (سطر).
(قال في فتح الباري: ظاهره أنه لم يكن فيه زيادة على ذلك،) وروى ابن سعد هذا
الحديث من مرسل ابن سيرين، وقال: فيه بسم اللَّه، محمد رسول اللّه، قال الحافظ: ولم يتابع
على هذه الزيادة، قال: وأما ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر، عن عبد اللَّه بن محمّد بن عقيل؛ أنّه
أخرج له خاتمًا، وزعم أنه عَِّ كان يلبسه فيه تمثال أسد، قال معمر: فغسله بعض أصحابنا،
فشربه، ففيه مع إرساله ضعف؛ لأن ابن عقيل مختلف فيه الاحتجاج به، إذا انفرد بفرض ثبوته
لعلّه لبسه مرة قبل النهي.
وأخرج أبو الشيخ في الأخلاق النبوية من رواية عرعرة بن البرند، بكسر الموحدة والراء،
بعدها نون، عن عزرة، بفتح المهملة، وسكون الزاي، بعدها راء، ابن ثابت عن ثمامة، عن أنس،
قال: كان فصّ خاتم رسول اللَّه عٍَّ حبشًّا، مكتوبًا عليه لا إله إلاّ اللَّه، محمد رسول اللَّه،
وعرعرة ضعّفه ابن المديني، وزيادته هذه شاذّة، انتهى.
(و)ظاهره: (أنه كان على هذا الترتيب، لكن لم تكن كتابته على الترتيب العادي،
فإن ضرورة الاحتياج إلى أن يختم به، تقتضي أن تكون الأحرف المنقوشة مقلوبة ليخرج
الختم مستويًا،) قال بعضهم: قد يقال هذا تعويل على العادة، وأحواله عَّ له خارجة عن طورها،
بل في تاريخ ابن كثير عن بعضهم: أن كتابته كانت مستقيمة، وكانت تطبع كتابته مستقيمة،
(وأمّا قول بعض الشيوخ،) يعني الأسنوي: (أن كتابته كانت من) أسفل إلى (فوق، يعني
الجلالة أعلى الأسطر الثلاثة، ومحمّد أسفلها،) وأنه يقرأ من أسفل، (فلم أرَ التصريح بذلك
في شىء من الأحاديث، بل رواية الإسمعيلي يخالف ظاهرها ذلك، فإنه قال: محمّد سطر،

٣٣٣
نقش خاتمه عليه الصلاة والسلام
رسول، والسطر الثالث: الله.
وعن ابن عمر أنه عَّةٍ كان يلبس خاتمه في يمينه، فلا قبض صار في يد
أبي بكر في يمينه، فلما قبض صار في يد عمر في يمينه، ثم صار في يد عثمن في
يمينه، ثم ذهب يوم الدار عليه: ((لا إله إلا الله)). رواه بركة بن محمد الحلبي، كما
حكاه ابن رجب في كتاب الخواتيم، ثم قال: وهي رواية ساقطة جدًا، فإن بركة
مذكور بالكذب، وفي لفظه ما يدل على بطلانه، وهو قوله: ذهب يوم الدار عليه:
لا إله إلا الله، فإنه إنما سقط في بئر أريس قبل يوم الدار، وقد عاش عثمن بعده
مدة واتخذ له خاتمًا عوضه، وإنما كان نقشه، محمد رسول الله لا كلمة الإخلاص.
والسطر الثاني رسول، والسطر الثالث: اللَّه،) فلا تقبل دعوى الأسنوي، خصوصًا مع قوله في
حفظي، فلم ينقله فصلاً عن كونه رواية، وإن تبعه ابن رجب، حيث قال ما لفظه: وردّ أن أوّل
الأسطر كان اللَّه، ثم الثاني رسول، ثم الثالث محمّد، انتهى، فعليه بيان قوله وردّ، وتأیید ابن
جماعة لذلك، بأنه أليق بكمال أدبه ردّ بأن الأليق اتّباع التنزيل، وهو فيه محمّد رسول اللَّه،
والتقديم اللفظي أقوى من الخطّي.
(وعن ابن عمر: أنه عٍَّ كان يلبس خاتمّه في يمينه، فلما قبض صار في يد أبي بكر
في يمينه، فلما قبض صار في يد عمر في يمينه، ثم صارٍ في يد عثمن في يمينه، ثم ذهب
يوم الدار،) أي: يوم قتل عثمن في داره، (عليه لا إله إلاّ اللَّه، رواه بركة بن محمد الحلبي؛
كما حكاه ابن رجب في كتاب الخواتيم، ثم قال: وهي رواية ساقطة جدًا، فإن بركة
مذكوره) أي: مرمي (بالكذب) في الحديث، (وفي لفظه) هنا (ما يدلّ على بطلانه، وهو
قوله: ذهب يوم الدار عليه لا إله إلاّ اللَّه، فإنه إنما سقط في بئر أريس قبل الدار، وقد عاش
عثمن بعد مدّة، واتّخذ له خاتمًا عوضه، وإنما كان نقشه،) أي: الخاتم الذي اتّخذه، (محمّد
رسول اللَّه، لا كلمة الإخلاص،) كما أخرجه أبو داود، والنسائي في حديث ابن عمر، بلفظ:
فاتّخذ عثمن خاتمًا، ونقش فيه محمّد رسول اللَّه، فكان يختم به، وله شاهد في طبقات ابن
سعد، من مرسل عليّ بن الحسين، وكذا كان نقش الخاتم النبوي؛ كما في الصحيحين وغيرهما،
فلا عبرة بهذه الرواية، كرواية: إنه كان فيه كلمتا الشهادة معًا، ورواية ابن سعد، عن أبي العالية
أن نقشه صدق اللَّه، ثم ألحق الخلفاء محمد رسول اللّه، وفي الإكليل للحاكم، مرفوعًا: («اتّخذ
آدم خاتمً، ونقش فيه: لا إله إلاّ اللَّه، محمّد رسول اللّه)). وفي نوادر الأصول: أن نقش خاتم
موسى: لكل أجل كتاب، وفي الطبراني، مرفوعًا: ((كان فصّ خاتم سليمن سماويًّا، ألقى فيه،
فأخذه، فوضعه في خاتمه، فكان نقشه: أنا اللَّه لا إله إلاّ أنا، محمد عبدي ورسولی)).

٣٣٤
نقش خاتمه عليه الصلاة والسلام
تنبيه: قال شيخ الإسلام الشرف المناوي: وتحصل السنة بلبس الخاتم
مطلقًا، ولو مستعارًا أو مستأجرًا، لكن الأوفق للسنة الملك، والاستدامة على ذلك،
ويجوز تعداد الخواتيم اتخاذًّا، وأما الاستعمال فمفهوم كلام الرافعي عدم الجواز،
وبه صرح المحب الطبري فقال: المتجه أنه لا يجوز للرجل أن يلبس خاتمين من
فضة في يديه أو في إحداهما، لأن استعمال الفضة حرام ما وردت به الرخصة،
ولم ترد إلا في خاتم واحد، لكن ذكر الخوارزمي في الكافي أنه يجوز له أن
يلبس زوجًا في يد وفرادى في الأخرى، فإن
تنبيه
(قال شيخ الإسلام)، قاضي القضاة بمصر، (الشرف)، أي: شرف الدين، يحيى بن محمّد
(المناوي،) بضم الميم، ولد سنة ثمان وتسعين وسبعمائة، ولازم الولي العراقي، وتخرّج به في
الفقه والأصول، وسمع الحديث عليه وعلى الشرف بن كوكب، وتصدّى للإقراء والإفتاء وتخرّج
به الأعيان، وولي تدريس الشافعي، وله تصانيف وتوفي ليلة الاثنين ثاني عشر جمادى الآخرة،
سنة إحدى وسبعين وثمانمائة، ورثاه تلميذه الحافظ السيوطي، بعدما قال: إنه آخر علماء الشافعية
ومحقّقیھم، بقوله:
قلت لمّامات شيخ الـ ـعصر حقًّا باتفاق
حين صار الأمر ما بين جهول وفساق
أيها الدين لك الويل إلى يوم التلاق
(وتحصل السنّة بلبس الخاتم مطقًا)، وبيته بقوله: (ولو مستعارًا أو مستأجرًا)، إذ المدار
على اللبس، فلا فرق بين ملك الذات والمنفعة، ويحتمل أن معنى الإطلاق، سواء كان في اليمنى
أو اليسرى، وقوّاه شيخنا في التقرير؛ بأن التأسيس خير من التوكيد، (لكن الأوفق للسنّة الملك
والاستدامة على ذلك؛) لأنه ظاهر الأحاديث، (ويجوز تعداد الخواتيم اتّخاذًا، وأمّا
الاستعمال فمفهوم كلام الرافعي: عدم الجواز؛) لأنه لم يأتِ في رواية؛ أنه عَّ لبس خاتمين
معًا؛ كما مرّ عن البيهقي.
(وبه صرّح المحب الطبري، فقال المتجه: أنه لا يجوز للرجل أن يلبس خاتمين من
فضّة في يديه، أو في إحداهما؛ لأن استعمال الفضّة حرام ما وردت به الرخصة، ولم ترد إلاّ
في خاتم واحد، لكن ذكر الخوارزمي،) بضمّ الخاء المعجمة، وكسر الراء، وسكون الزاي
(في الكافي؛ أنه يجوز له أن يلبس زوجًا،) أي: خاتمين (في يد، وفرادى في الأخرى، فإن

٣٣٥
نقش خاتمه عليه الصلاة والسلام
لبس في كل واحدة زوجًا فقال الصيدلاني في الفتاوى لا يجوز. وقال الدارمي في
الاستذكار يكره للرجل لبس فوق خاتمين، فاقتصاره على الكراهة يدل على عدم
الحرمة، فإذا تقرر ذلك فالمسألة ذات خلاف، والذي يظهر كلام المحب الطبري،
فإن تسامحنا اعتمدنا على ما أفتى به الصيدلاني. انتهى.
ويجوز التختم في اليمين واليسار، واختلف الناس في أفضلهما، فقيل:
اليسار، وهو نص الإمام أحمد، وفي رواية صالح قال: التختم في اليسار أحب
إلي، وهو مذهب الإمام لملك، ويروى أنه كان يلبس في يساره، وكذلك الإمام
الشافعي. وفي صحيح مسلم عن أنس قال: كان خاتم النبي ◌َّ في هذه وأشار
إلى الخنصر من يده اليسرى. وفي سنن أبي داود عن ابن عمر أنه عَّ كان
يتختم في يساره وروى إسماعيل بن مسلم عن السليطي
لبس في كل واحدة زوجًا، فقال الصيدلاني في الفتاوي: لا يجوز، وقال الدارمي في
الاستذكار: يكره للرجل لبس فوق خاتمين، فاقتصاره على الكراهة يدل على عدم الحرمة،
فإذا تقرّر ذلك، فالمسألة ذات خلاف، والذي يظهر كلام المحب الطبري،) وهو مذهب
ملك، ولو كان وزن المتعدد درهمين، (فإن تسامحنا اعتمدنا على ما أفتى به الصيدلاني،
انتهى،) والمعتمد عند الشافعية: جواز التعدّد اتّخاذًا ولبسًا، بشرط أن لا يعدّ سرفًا، (ويجوز
التختّم في اليمين واليسار،) وتحصل السنّة بكل منهما، (واختلف الناس في أفضلهما،
فقيل: اليسار، وهو نصّ الإمام أحمد في رواية صالح، قال: التختم في اليسار أحبّ إليّ،
وهو مذهب الإمام لملك، ويروى أنه كان يلبسه في يساره، وكذلك الإمام الشافعي).
(وفي صحيح مسلم عن أنس، قال: كان خاتم النبيّ عَّ في هذه، وأشار إلى
الخنصر من يده اليسرى،) فهذا حجّة الأئمة الثلاثة ومن وافقهم لصحّته.
قال النووي: أجمعوا على أن السنّة للرجل جعله في خنصره، وحكمته أنه أبعد عن
الامتهان فيما يتعاطى باليد، وأنه لا يشغل اليد عمّا تزوله بخلاف غير الخنصر، انتهى.
(وفي سنن أبي داود، عن ابن عمر: أنه عَّ كان يتختّم في يساره،) فهذا من أدلّتهم
أيضًا، (وروى إسمعيل بن مسلم، عن السليطي،) بفتح السين المهملة، وكسر اللام، وسكون
التحتية وطاء، نسبة إلى جدّه الأعلى، إذ هو محمّد بن أحمد، بن محمّد، بن محمّد، بن
إبراهيم، بن عبدة، بن قطر، بن سليط التميمي، السليطي، النيسابوري، كان شيخًا صالحًا؛ كذا في
اللباب، فشرح به الشارح ما هنا، ولا يصحّ، إذ هذا الشيخ لم يرو عنه إسمعيل بن مسلم، ولا هو

٣٣٦
نقش خاتمه عليه الصلاة والسلام
قال: أتيت النبي عَّهِ في ليلة قمراء، وكأني أنظر إلى عكن بطنه، وكأنها القباطي
وإلى وبيص خاتمه في يساره. وإسمعيل هذا قال البخاري: تركه ابن المبارك، وربما
روى عنه. وقد ذكر بعض الحفاظ - كما أفاده الحافظ بن رجب - أن التختم في
اليسار مروي عن عامة الصحابة والتابعين.
ورجحت طائفة التختم في اليمين، وهو قول ابن عباس، وعبد الله بن جعفر،
وروى حماد بن سلمة قال: رأيت ابن أبي رافع يتختم في يمينه فسألته عن ذلك
فقال: رأيت عبد الله بن جعفر يتختم في يمينه، وقال: كان النبي عَّ يتختم في
کینه،
بصحابي، فحمله عليه ينابذ قوله: (قال: أتيت النبيّ عٍَّ في ليلة قمراء) ذات قمر، (وكأني
أنظر إلى عكن،) بضم ففتح: جمع عكنة: طيّات (بطنه) من السمن، (وكأنها القباطى،) بضم
القاف: جمع قبطي وقبطية، بضمها: ثوب من كتاب رقيق يعمل بمصر، نسبة إلى القبط بالكسر
على غير قياس، فرقًا بين الثوب والإنسان، (وإلى وبيص) بفتح الواو، وكسر الموحدة، وسكون
التحتية، ومهملة: بريق ولمعان، (خاتمه في يساره، وإسمعيل هذا).
(قال البخاري: تركه ابن المبارك) عبد الله، (وربما) قليلاً، (روى عنه) وضعّفه منجبر
بشواهده، (وقد ذكر بعض الحفّاظ؛ كما أفاده الحافظ بن رجب: أن التختّم في اليسار
مروي عن عامّة الصحابة والتابعين،) فهو القوي، وعورض هذا بقول الحافظ تبعًا لشيخه العراقي،
وردّ تختّمه في اليمنى من رواية تسعة من الصحابة، وفي اليسرى من رواية ثلاثة، وردّ بأن
العراقي نفسه نقل التختّم في اليسار عن الخلفاء الأربعة، وابن عمر وعمرو بن حريث، فهؤلاء
ستّة على أن أصل المعارضة ساقط؛ لأن معنى كونه مرويًّا عن عامّتهم؛ أنهم قائلون بأفضليته على
اليمين، لا أنهم نقلوه عن النبيّ عَّلة، (ورجحت طائفة التختّم في اليمين، وهو قول ابن عباس،
وعبد الله بن جعفر) رضي اللَّه عنهم.
(وروى حماد بن سلمة،) بن دينار البصري، الثقة، العابد، روى له مسلم والأربعة، وما
يقع في نسخ من زيادة أبي قبل سلمة خطأ، فليس لهم من يسمّى بذلك، (قال: رأيت ابن أبي
رافع،) بالراء، قال في التقريب: عبد الرحمن بن أبي رافع شيخ لحماد بن سلمة، مقبول من
الرابعة، روى له الأربعة، انتهى.
وقال البخاري: في حديثه مناكير، (يتختّم في يمينه، فسألته عن ذلك، فقال: رأيت
عبد الله بن جعفر) بن أبي طالب (يتختّم في يمينه).

٣٣٧
نقش خاتمة عليه الصلاة والسلام
رواه أحمد والنسائي وابن ماجه والترمذي وقال: قال محمد - يعني البخاري - هذا
أصح شيء روي عن النبي عَّ في هذا الباب.
وفي الشمائل للترمذي عن جابر أنه عٍَّ كان يتختم في يمينه. وهذا فيه
ضعف، لحال عبد الله بن ميمون.
ويروى من حديث عباد بن صهيب عن جعفر بن محمد عن أبيه عن
جابر بن عبد الله قال: قبض رسول الله عَةٍ والخاتم في يمينه، وعباد بن صهيب
متروك.
زاد في رواية لأبي الشيخ: وقبض والخاتم في يمينه.
(وقال) عبد الله بن جعفر: (كان النبيّ عَِّ يتختّم في يمينه، رواه أحمد، والنسائي،
وابن ماجه، والترمذي؛) كذا في نسخة صحيحة، كالمروي عن الجماعة المذكورين، وما يقع
في غالب النسخ من إسقاط قوله: فسألته، إلى قوله: كان سقط من الناسخ، ويلزم منه أن الحديث
مرسل، إذ عبد الرحمن تابعي صغير، وهو خلاف الواقع؛ فإنه حدث به عن ابن جعفر موصولاً،
كما رأيت، زاد في رواية: ويقول الزينة أحقّ باليمين من الشمال.
(وقال) الترمذي: (قال محمد - يعني البخاري -: هذا أصح شيء روي عن
النبيّ عَّهِ في هذا الباب)، أي: باب تختّمه باليمين، ولا يلزم منه الصحة الحقيقية، فلا ينافي
قوله في ابن أبي رافع: له منا کیر.
(وفي الشمائل للترمذي:) حدّثنا زياد بن يحيى، عن عبد الله بن ميمون، عن جعفر بن
محمّد، عن أبيه، (عن جابر: أنّه عَّم كان يتختّم في يمينه، وهذا فيه ضعف لحال
عبد الله بن ميمون) بن داود القدح، المخزومي، المكي، قال البخاري: ذاهب الحديث، وقال أبو
حاتم: متروك، وقال أبو زرعة: واهٍ، وابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به.
(ويروى من حديث عباد،) بفتح المهملة، والموحدة الثقيلة، (ابن صهيب، عن جعفر)
الصادق (بن محمّد) الباقر، (عن أبيه) محمّد بن عليّ بن الحسين، (عن جابر بن عبد الله،
قال: قبض:) مات (رسول اللَّه عَّه والخاتم في يمينه، وعباد بن صهيب متروك،) قاله البخاري،
وأبو حاتم، والنسائي.
وقال ابن المديني: ذهب حديثه، وقال ابن حبان: يروى المناكير عن المشاهير حتى
يشهد المبتدىء في الصناعة أنها موضوعة، وقال الإمام أحمد: كان بصاحب كذب، وقال أبو
داود: هو صدوق فيما قد روي، وجمع الحافظ في أماليه: بأنه كان لا يتعمد الكذب، بل يقع

٣٣٨
نقش خاتمه عليه الصلاة والسلام
وروى البزار في مسنده من حديث عبيد بن القسم عن هشام بن عروة عن
أبيه عن عائشة أن النبي عَّة. كان يتختم في يمينه، وقبض والخاتم في يمينه. وعبيد
هذا كذاب.
قال الحافظ بن رجب: وقد جاء التصريح بأن تختمه عليه الصلاة والسلام
في يساره كان آخر الأمرين في حديث رواه سليمن بن محمد عن عبد الله بن
عطاء عن نافع عن ابن عمر أن النبي عَّه كان يتختم في يمينه ثم إنه حول إلى
يساره.
ذلك في روايته من غلطه وغفلته، ولذا تركوه.
(وروى البزار في مسنده من حديث عبيد بن القسم،) الأسدي، الكوفي، يقال: هو ابن
أخت سفين الثوري، (عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أن النبيّ عَّه كان يتختّم
في يمينه، وقبض والخاتم في يمينه، وعبيد هذا كذّاب،) كذّبه ابن معين، واتّهمه أبو داود
بالوضع، ثم عجب من المصنف رحمه اللَّه تعالى في سوقه هذه الأحاديث الضعيفة جدًا، والتي
لا تخلو من مقال، احتجاجًا للقول: بأن التختّم في اليمين أفضل الموهم أنه ليس في
الصحيحين، وقد روى البخاري والترمذي، عن ابن عمر: كان عٌَّ يتخّم في يمينه، ورواه مسلم:
والنسائي عن أنس، فهذا هو الذي يقاوم حديث مسلم: كان خاتمة في هذه، وأشار إلى الخنصر
من يده اليسرى؛ كما مرّ، ولذا اختلف الأئمة في أيّهما أفضل.
(قال الحافظ بن رجب: وقد جاء التصريح بأن تختّمه عليه الصّلاة والسّلام في
يساره، كان آخر الأمرين، رواه سليمن بن محمّد،) بن يحيى، بن عروة، بن الزبيرِ الأسدي، أو
هو الأنصاري، الحرثي، المدني، وكلاهما مقبول ومن طبقة واحدة، (عن عبد اللَّه بن عطاء)
الطائفي، الكوفي، صدوق يخطىء ويدلس، (عن نافع، عن ابن عمر: أن النبيّ عٍَّ كان يتختّم
في يمينه، ثم إنه حوّله إلى يساره،) أخرجه ابن عدي، وأبو الشيخ، واعتمد ذلك البغوي في
شرح السنّة، وجمع بها بين الأخبار، وتعقّبه الطبري، بأن ظاهره النسخ، وليس بمراد.
وقال الحافظ: لو صحّ هذا لكان قاطعًا للنزاع، لكن سنده ضعيف، انتھی. وله شاهد عند
ابن عساكر، عن عائشة إسناد ضعيف أيضًا. وجمع البيهقي بين أحاديث تختّمه في يمينه،
وأحاديث تختّمه في يساره: بأن الذي لبسه في يمينه خاتم الذهب، ثم نبذه؛ كما في حديث ابن
عمر، والذي في يساره خاتم الفضة، قال: وأما رواية الزهري عن أنس: أن الذي في يمينه خاتم
الفضّة، فكأنها خطأ، فقد تقدّم أن الزهري وهم في الخاتم الذي طرحه النبيّ عَّه، فقال: إنه

٣٣٩
نقش خاتمه عليه الصلاة والسلام
وقال وكيع: التختم في اليمين ليس بسنة.
ونص الإمام أحمد: أنه يكره التختم في السبابة والوسطى. وروي عن علي
أنه قال: نهاني رسول الله عَّه أن أتختم في هذه وأومأ إلى السبابة والوسطى والله
أعلم.
وفي اللباب: وكان عليه الصلاة والسلام يتختم، وربما خرج وفي خاتمه خيط
مربوط يستذكر به الشىء، ورواه ابن عدي بسند ضعيف من حديث واثلة بلفظ:
كان مَِّ إذا أراد حاجة أوثق
فضّة، وأن الذي في روايات غيره أنه ذهب، وعلى هذا فالذي كان لبسه في يمينه هو الذهب،
انتھی ملخّصًا.
(وقال وكيع: التختّم في اليمين ليس بسنّة) وإنما فعله لبيان الجواز، فلا يردّ عليه
الأحاديث، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عن اختلاف الأحاديث، فقال: لا يثبت هذا ولا
هذا، ولكن في يمينه أكثر. قال الحافظ: ويظهر لي أن ذلك يختلف باختلاف القصد، فإن قصد
للتزيّن به، فاليمين أفضل، وإن كان للتختّم، فاليسار أولى؛ لأنه يكون كالمودع فيها، ويحصل
تناوله منها باليمين، وكذا وضعه فيها، ويترجّح اليمين مطلقًا؛ بأن اليسار آلة الاستنجاء، فيصان
الخاتم إذا كان في اليمين عن أن تصيبه النجاسة. ويترجّح في التختّم في اليسار بالتناول،
وجنحت طائفة إلى استواء الأمرين، وجمعوا بذلك بين مختلف الأحاديث.
(ونصّ الإمام أحمد؛ أنه يكره التختّم في السبابة والوسطى) لمخالفة السنّة، (وروى)
في التعبير بها شىء؛ لأنها للضعيف، وهذا صحيح، رواه مسلم، وأبو داود، والترمذي (عن عليّ،
أنّه قال: نهائي رسول اللَّه عَّ أن أتختم في هذه) أو هذه، (وأومأ إلى السبابة
وقال ابن جماعة في الصحيحين تعيين الخنصر، بل في مسلم، وأبي داود:
والوسطى).
النهي عن لبسه في السبابة والوسطى، ولم يثبت في الإبهام والبنصر منها شىء عن النبيّ عََّه،
ولا عن صحبه، فثبت ندبه في الخنصر فقط، انتهى، (والله أعلم) بالحقّ من ذلك.
(وفي اللباب: وكان عليه الصّلاة والسلام يتختّم،) كما دلّت عليه الأحاديث الكثيرة
صراحة، وما في بعضها مما يدلّ على عدم لبسه، فقال البيهقي: إنها مخالفة للإثبات وللأحاديث
الصحيحة، (وربما خرج وفي خاتمه خيط مربوط، يستذكر به الشىء؛) كما رواه الدارقطني
وضعّفه عن رافع بن خديج: رأيت في يد النبيّ عٍَّ خيطًا، فقالت: ما هذا؟، قال: ((استذكر به)،
(ورواه ابن عدي بسند ضعيف من حديث واثلة،) بمثلثة، (بلفظ: كان عَّ إذا أراد حاجة أوثق

٣٤٠
السراويل
في خاتمه خيطًا.
وروى أبو يعلى عن ابن عمر كان إذا أشفق عن الحاجة أن ينساها ربط في
أصبعه خيطًا ليذكرها. وكذا هو في رابع الخليعات. لكن فيه سالم بن عبد الأعلى
أبو الفيض، رماه ابن حبان بالوضع بل اتهمه أبو حاتم بهذا الحديث.
[السراويل]
وأما السراويل
في خاتمه خيطًا) ليذكرها به.
(وروى أبو يعلى) وابن سعد وغيرهما، (عن ابن عمر: كان إذا أشفق عن الحاجة أن
ينساها ربط في أصبعه خيطًا ليذكرها.) وفي رواية ابن سعد: ربط في خنصره أو في حلقة
خاتمه الخيط، والذكر والنسيان من اللَّه، لكن ربط الخيط سبب من الأسباب؛ لأنه نصب العين،
فإذا رآه ذكر ما نسي، فهذا سبب موضوع، دبّره اللَّه لعباده كسائر الأسباب، كحوز الأشياء
بالأبواب والأقفال ونحوهما، وأهل اليقين، وهم الأنبياء لا تضرّهم الأسباب بل يتعيّن فعلها عليهم
للتشريع والنسيان؛ كما قال بعض العارفين من كمال العرفان؛ لأن اللَّه نزّه نفسه عنه، وجعله من
حقيقة العبد، (وكذا هو في رابع الخليعات،) بكسر الخاء وفتح اللام، وهي عشرون جزاً
جمعها أحمد بن الحسن الشيرازي، وسمّاها الخليعات، خرجها عن أبي الحسن، عليّ بن
الحسين، الموصلي، الخلعي، نسبة إلى بيع الخلع؛ لأنه كان يبيعها لملوك مصر، وبها ولد سنة
خمس وأربعمائة، وكان فقيهًا، شافعيًا، صالحًا، له كرامات وتصانيف، وروايات متّسعة، وكان
أعلى أهل مصر إسنادًا، وولي القضاء بها يومًا واحدًا، ثم استعفى واختفى بالقرافة، ومات بمصر
سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة، (لكن فيه سالم بن عبد الأعلى أبو الفيض).
راويه عن نافع، عن ابن عمر، (رماه ابن حبان بالوضع، بل اتّهمه أبو حاتم بهذا
الحديث،) فقال ابنه: سألت أبي عنه، فقال: إنه باطل وسالم ضعيف، وهذا منه.
قال الدارقطني: إنه تفرّد به، وروى ابن شاهين في الناسخ له النهي عنه، وكذا فعله، ثم
قال: وجميع أسانيده، يعني في الطرفين منكرة، ولا أعلم شيئًا منها صحيحًا.
السراويل
(وأمّا السراويل) قال ابن سيّده: فارسي معرب، يذكر ويؤنث، ولم يعرف أبو حاتم
السجستاني التذكير، والأشهر عدم صرفه، قاله الحافظ، والتأنيث أكثر، ففي القاموس فارسية
معربة، وقد تذكّر، جمعها سراويلات أو جمع سروال أو سرويل بكسرهن، وليس في الكلام