النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ النوع الأول في عيشه عَّ في المأكل والمشرب فليستقىء. وفي الصحيحين من حديث ابن عباس قال: أتيت النبي عَِّ بدلو من ماء زمزم فشرب وهو قائم. وفي حديث علي عند البخاري: أنه شرب وهو قائم، ثم قال: إن ناسًا يكرون الشرب قائمًا، وإن رسول الله عَّ له صنع مثل ما صنعت. وكل هذه الأحاديث صحيحة ولا إشكال فيها ولا تعارض، وغلط من زعم أن فيها نسخًا، وكيف يصار للنسخ مع إمكان الجمع بين الأحاديث، والصواب: أن النهي محمول على كراهة التنزيه، وأما شربه عليه الصلاة والسلام قائمًا فلبيان الجواز. فإن قلت: كيف يكون ترك امتثال الأمر وشرب قائمًا، (فليستقىء،) بكسر القاف، وهمزة ساكنة، أي: يتكلف القيء، بما يحمله عليه. (وفي الصحيحين من حديث ابن عباس، قال: أتيت النبي عَّ بدلو من ماء زمزم) في حجة الوداع، (فشرب وهو قائم، وفي حديث علي عند البخاري، أنه،) أي: عليًا (شرب وهو قائم،) فضل وضوئه، وكان في رحبة الكوفة، (ثم قال: إن ناسًا يكرهون الشرب،) تنزيها لا تحريمًا، إذ لم يذهب إليه أحد إلاّ ابن حزم، ولا التفات إليه، قاله في المفهم (قائمًا) المناسب قيامًا، لأن الحال يجب أن تطابق صاحبها، ولذا قال الحافظ: كذا للأكثر، وكان المعنى يكرهون أن يشرب كل منهم قائمًا، وللكشميهني قيامًا، وهي واضحة، وللطيالسي أن يشربوا قيامًا، (وأن رسول اللَّه عَّ صنع مثل ما صنعت) من الشرب قائمًا، فلا وجه لكراهة أولئك الناس له، ولأحمد، عن علي أنه شرب قائمًا، فرأى الناس، كأنهم أنكروه، فقال: ما تنظرون أن أشرب قائمًا، فلقد رأيت رسول اللَّه عٍَّ يشرب قائمًا، وإن شربت قاعدًا، فقد رأيته يشرب قاعدًا، (وكل هذه الأحاديث صحيحة،) خلافًا لمن أشار إلى تضعيف أحاديث النهي، (ولا إشكال فيها ولا تعارض؛ وغلط من زعم أن فيها نسخًا، وكيف يصار للنسخ مع إمكان الجمع بين الأحاديث) والنسخ، إنما يكون لو ثبت التاريخ وأنّی له بذلك. (والصواب أن النهي محمول على كراهة التنزيه، وأما شربه عليه الصلاة والسلام قائمًا، فلبيان الجواز) أو لأنه لم يجد محلاً للقعود، لازدحام الناس على زمزم، أو ليرى الناس أنه غير صائم؛ أو لابتلال المحل، وأوضح ذلك بسؤال وجواب، فقال: (فإن قلت كيف يكون الشرب ٢٤٢ النوع الأول في عيشه عَّة في المأكل والمشرب الشرب قائمًا مکروها، وقد فعله. فالجواب: أن فعله عَِّ إذا كان بيانًا للجواز لم يكن مكروهًا، بل البيان صّلىالله واجب عليه عد. وأما قوله عليه الصلاة والسلام: فمن نسي فليستقىء فمحمول على الاستحباب والندب، فيستحب لمن شرب قائمًا أن يتقايأ لهذا الحديث الصحيح سواء كان ناسيًا أو لا، قاله النووي. قائمًا مكروهًا، وقد فعله عَّةٍ) إذ آحاد الأمة لا يليق بهم فعل المكروه، وإن جاز، (فالجواب إن فعله عَِّ إذا كان بيانًا للجواز، لم يكن مكروهًا) في حقه؛ (بل البيان واجب عليه،) لئلا تعتقد حرمته، فيناب عليه (عَّةِ) ثواب الواجب. قال النووي: وقد ثبت أنه توضأ مرة، وطاف على بعيره، مع أن الإِجماع على أن الوضوء ثلاثًا، والطواف ماشيًا أكمل، ونظائر هذا لا تنحصر، وكان ينبه على جواز الشيء مرة أو مرات، ويواظب على الأفضل، ولذا كان أكثر وضوئه ثلاثًا، وأكثر طوافه ماشيًا، وأكثر شربه جالسًا، وهذا واضح، فلا يتشكك فيه من له نسبة إلى علم. (وأما قوله عليه الصلاة والسلام: ((فمن نسي فليستقىء»، فمحمول على الاستحباب والندب،) عطف مساوٍ، (فيستحب لمن شرب قائمًا أن يتقيأ، لهذا الحديث الصحيح، سواء كان ناسيًا أو لا، قاله النووي) مجيبًا عن قوله: فمن نسي بما قدمته عنه، معللاً للندب، بأن الأمر إذا تعذر حمله على الوجوب حمل على الاستحباب، قال: وأما قول عياض: لا خلاف بين العلماء، إن من شرب ناسيًا ليس عليه أن يتقيأ، وأشار به إلى تضعيف الحديث، فلا يلتفت إليه، وكون العلماء لم يوجبوا الاستقاء لا يمنع استحبابه، فادعاء منعه مجازفة، فمن أين الإجماع على منع استحبابه، ورده الحافظ بأنه ليس في كلام عياض التعرض للاستحباب أصلاً، بل ونقل الاتفاق المذكور - إنما هو كلام المازري. وأما تضعيف عياض للأحاديث، فلم يجب النووي عنه، والإنصاف أن لا تدفع حجة العالم بالصدر، فأما إشارته إلى تضعيف حديث أنس؛ لكون قتادة مدلسًا، وقد عنعنه، فيجاب عنه بأنه صرح في نفس السند، بما يقتضي سماعه له من أنس، فإن فيه قلنا لأنس فالأكل. وأما تضعيف حديث أبي سعيد، بأن أبا عيسى غير مشهور، فهو قول سبقه إليه ابن المديني، لأنه لم يروٍ عنه إلاّ قتادة، لكن وثقه الطبري، وابن حبان، ومثل هذا يخرج في الشواهد، ودعواه اضطرابه، بأن قتادة تارة يرويه عن أنس، وتارة عن أبي عيسى، عن أبي سعيد الخدري، ٢٤٣ النوع الأول في عيشه عَّ في المأكل والمشرب وقال المالكية: لا بأس بالشرب قائمًا، واستدلوا أيضًا لذلك بحديث جبير بن مطعم قال: رأيت أبا بكر الصديق يشرب قائمًا. وبقول لملك أنه بلغه عن عمر بن الخطاب وعثمن وعلي رضي الله عنهم أنهم كانوا يشربون قيامًا. وأجابوا عن حديث أبي هريرة ((لا يشربن أحدكم قائمًا، فمن نسي فليستقىء) بأن عبد الحق قال: في إسناده عمر بن حمزة العمري، وهو ضعيف. انتهى. وقال المازري: مردودة بأن لقتادة فيه إسنادين، وهو حافظ. (وقال الملكية: لا بأس بالشرب قائمًا،) أي: بجوازه، وبه صرح ابن رشد من أئمتهم لصحة الأدلة، أقوى من أحاديث النهي، (واستدلوا أيضًا لذلك بحديث جبير بن مطعم،) الصحابي المشهور، القرشي، النوفلي، (قال: رأيت أبا بكر الصديق يشرب قائمًا،) وهو من أشد الناس بعدًا عن المكروه، (وبقول ملك أنه بلغه،) وبلاغاته ليست من الضعيف، لأنها تتبعت كلها، فوجدت موصولة (عن عمر بن الخطاب، وعثمن، وعلي رضي اللَّه عنهم، أنهم كانوا يشربون قيامًا،) فهذا يؤيد الجواز بلا كراهة، وقد صح: عليكم بسنّة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوًا عليها بالنواجذ، واقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر. قال صاحب المفهم: لم يذهب أحد إلى أن النهي في الحديث للتحريم، ولا التفات لابن حزم، وإنما حمل على الكراهة، والجمهور على عدمها، فمن السلف الخلفاء الأربعة، ثم ملك تمسكًا، بشربه من زمزم قائمًا، وكأنهم رأوه متأخرًا عن النهي، فإنه في حجة الوداع، فهو ناسخ، وحقق ذلك فعل خلفائه بخلاف النهي، ويبعد خفاؤه عليهم مع شدة ملازمتهم له، وتشديدهم في الدين، وهذا وإن لم يصلح دليلاً للنسخ، يصلح لترجيح أحد الحديثين انتهى .. وقال البيهقي في السنن: النهي عن الشرب قائمًا أما نهى تنزيه، أو تحريم، ثم نسخ بحدیث؛ أنه شرب من زمزم وهو قائم انتهى. (وأجابوا،) أي: الملكية، (عن حديث أبي هريرة: لا يشربن أحدكم قائمًا، فمن نسي، فليستقيء، بأن عبد الحق قال في إسناده عمر،) بضم العين، (ابن حمزة) بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب، (العمري،) المدني، (وهو ضعيف،) وإن روى له مسلم (انتهى). وكذا أعله به عياض، وأجاب في الفتح؛ بأنه مختلف في توثيقه، ومثله يخرج له مسلم في المتابعات، وقد تابعه الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عند أحمد، وابن حبان، فالحديث بمجموع طرقه صحيح، (وقال المازري:) في شرح مسلم: اختلف الناس في هذا، ٢٤٤ النوع الأول في عيشه عَّ في المأكل والمشرب قال بعض شيوخنا لعل النهي ينصرف لمن أتى أصحابه بماء فبادر لشربه قائمًا قبلهم استبدادًا، وخروجًا عن كون ساقي القوم آخرهم شربًا. وقال بعض الشيوخ: الأظهر أنه موقوف على أبي هريرة. قال: والأظهر لي أن أحاديث شربه قائمًا تدل على الجواز، وأحاديث النهي تحمل على الاستحباب والحث على ما هو أولى وأكمل، لأن في الشرب قائمًا ضرورًا ما، فكره من أجله، وفعله هو عَ لِّ لأمنه منه، قال: وعلى هذا الثاني يحمل قوله: فمن نسي فليستقىء، على أن ذلك يحرك خلطًا يكون القيء دواءه، ويؤيده قول النخعي: إنما نهى عن ذلك لداء البطن. انتهى. قال ابن القيم: وللشرب قائمًا آفات عديدة منها: أنه لا يحصل به الري التام، ولا يستقر في المعدة حتى يقسمه الكبد على الأعضاء وينزل بسرعة إلى المعدة فذهب الجمهور إلى الجواز، وكرهه قوم. (فقال بعض شيوخنا: لعل النهي ينصرف لمن أتى أصحابه، بماء، فبادر لشربه قائمًا قبلهم، استبدادًا وخروجًا عن كون ساقي القوم آخرهم شربًا،» كما ورد في الحديث، لا لذات الشرب قائمًا، قال: وأيضًا، فالأمر بالاستقاء لا خلاف بين أهل العلم، أنه ليس على أحد أن يستقيء، هذا أسقطه من المازري قبل قوله. (وقال بعض الشيوخ: الأظهر أنه موقوف على أبي هريرة،) لا مرفوع، فلا يعارض فعله عليه السلام، قال: وتضمن حديث أنس الأكل أيضًا، ولا خلاف في جواز الأكل قائمًا، هكذا في المازري قبل قوله، (قال: والأظهر لي أن أحاديث شربه قائمًا تدل على الجواز، وأحاديث النهي تحمل على الاستحباب، والحث على ما هو أولى وأكمل، لأن في الشرب قائمًا ضروراً ما) قليلاً في الجوف، (فكره من أجله، وفعله هو عَلّة لأمنه، منه) أي: من الضرر الحاصل لغيره، (قال: وعلى هذا الثاني يحمل قوله، فمن نسي،) كذا في نسخ، وفي أخرى شرب، والأولى هي لفظ الحديث السابق، (فليستقيء على أن ذلك يحرك خلطًا يكون القيء دواءه،) وعليه، فالنهي طبي إرشادي، (ويؤيده قول) إبراهيم، (النخعي، إنما نهي عن ذلك لداء البطن انتهى) كلام المازري. (قال ابن القيم: وللشرب قائمًا آفات عديدة، منها أنه لا يحصل به الري التام) ومنها أنه (لا يستقر في المعدة، حتى يقسمه الكبد على الأعضاء، ومنها أنه (ينزل بسرعة إلى المعدة، ٢٤٥ النوع الأول في عيشه عَّةٍ في المأكل والمشرب فيخشى منه أن يبرد حرارتها، ويسرع النفوذ إلى أسافل البدن بغير تدريج، وكل هذا يضر بالشرب قائمًا، فإذا فعله نادرًا لم يضره. وعند أحمد عن أبي هريرة أنه رأى رجلاً يشرب قائمًا، فقال له قه، فقال لم؟ قال: أيسرك أن يشرب معك الهر قال: لا، قال: قد شرب معك من هو شر منه: الشيطان. يتنفس في الشراب ثلاثًا وكان عَلَّ فيخشى منه أن يبرد حرارتها، و) منها أنه (يسرع النفوذ إلى أسافل البدن، بغير تدريج)، لعدم استقراره في المعدة، (وكل هذا يضر بالشرب،) أي: يضر بدن الشارب، بسبب الشرب، وفي نسخة بالشارب (قائمًا، فإذا فعله نادرًا لم يضره)،) وكذا الحاجة، قال، أعني ابن القيم: ولا يعترض على هذا بالعوائد، فإنها لها طبائع ثوان، وأحكام أخرى، وهي بمنزلة الخارج عن القياس عند الفقهاء انتهى. قال ابن العربي: وللمرء ثمانية أحوال، قائم ماش، مستند راكع، ساجد متكيء، قاعد مضطجع، كلها يمكن الشرب فيها، واهنئها، وأكثرها استعمالاً القعود، وأما القيام، فنهي عنه، لأذیته للبدن انتھی. وللحافظ ابن حجر: إذا رمت تشرب فاقعد تفز بسنة صفوة أهل الحجاز وقد صححوا شربه قائمًا ولكنه لبيان الجواز (وعند أحمد) برجال ثقات، (عن أبي هريرة أنه) لفظ أحمد، أن النبي عَِّ (رأى رجلاً يشرب قائمًا، فقال له قه،) بهاء السكت، أو هي ضمير، أي: قيء ما شربته، (فقال لم) وفي نسخ، كالفتح لمه بهاء السكت، وكلاهما صحيح، (قال: ((أيسرك أن يشرب معك الهر)»؟، قال: (لا، قال قد شرب معك من هو شر منه، الشيطان))،) بالرفع بدل من شر، أو خبرًا مبتدأ محذوف، وهذا أخبار عن خصوص هذا الرجل، ولا يلزم منه، إن كل من شرب قائمًا يشرب معه الشيطان، إذ لا سبيل إلى معرفة ذلك، قال الحافظ: هذا الحديث من رواية شعبة، عن أبي زياد الطحان، مولى الحسن بن علي، عن أبي هريرة، وأبو زياد لا يعرف اسمه، وقد وثقه يحيى بن معين، (وكان عَّ يتنفس في الشراب،) بمعنى الشرب مصدر، لا بمعنى المشروب، فتأمله، فإنه حسن، ومعنى فصيح لغة، فإنه يقال شرب شربًا وشرابًا لمعنى واحد، قاله في المفهم (ثلاثًا) من المرات، وللترمذي عن ابن عباس: كان إذا شرب تنفس مرتين، وإسناده ضعيف، كما في الفتح، لكن له ٢٤٦ النوع الأول في عيشه عَّ في المأكل والمشرب ويقول: إنه أروى وأمرأ وأبرأ. رواه مسلم. ومعنى تنفسه: إبانة القدح عن فيه، وتنفسه خارجه، ثم يعود إلى الشراب. وأخرجه الطبراني في الأوسط بسند حسن عن أبي هريرة: أن النبي معَّه. كان يشرب في ثلاثة أنفاس: إذا أدنى الإناء إلى فيه سمى الله تعالى، فإذا أخره عن فيه حمداً لله، يفعل ذلك ثلاثًا. شواهد وفعله في بعض الأحيان الجواز النقص عن ثلاث، وللترمذي بسند ضعيف أيضًا، كما قال الحافظ، عن ابن عباس: لا تشربا واحدة، كشرب البعير، ولكن اشربوا مثنى وثلاث، وسموا إذا أنتم شربتم، واحمدوا إذا أنتم رفعتم؛ قال الترمذي: فيه أنه لا بأس بالشرب في نفسين، وإن كان الأولى كون ثلاثًا. وقال العراقي: فيه الاقتصار على مرتين، إذا حصل الاكتفاء بهما، لكن ينبغي أن يزيد ثالثة، وإن اكتفى بمرتين، وأجاب الحافظ عن الحديثين؛ بأنهما ليسا نصًا في الاقتصار على مرتين، بل يحتمل أنه أراد مرتي التنفس الواقعتين أثناء الشرب، وأسقط الثالثة، لأنها بعد الشرب، فهي من ضرورة الواقع، (ويقول أنه،) وفي رواية هو (أروى،) وفي رواية أبي داود بدله أهنا، بالهمز، من الهن وهو خلوص الشيء عن النصب والنكد، (وأمرأ) بالهمز، أقمع للظماً، وأقوى على الهضم، (وأبرأ،) بالهمز من البراءة، أو البراء، أي: أكثر صحة للبدن. (رواه مسلم) من حديث أنس بهذا اللفظ، وبنحوه في الكتب الخمسة، وتسمح من عزاه للأئمة الستة باللفظ المذكور، (ومعنى تنفسه، إبانة القدح عن فيه؛) بأن يشرب، ثم يزيله عنه، (وَتنفسه خارجه))) أي: الإِناء الذي يشرب منه، (ثم يعود إلى الشراب،) أي: الشرب، ثم هكذا لا أنه كان يتنفس في جوف الإِناء، لأنه يغير الماء، أما لتغير الفم بمأكول، أو ترك سواك، أو لأن النفس يصعد ببخار المعدة، وزعم بعضهم أنه على ظاهره، وأنه فعله لبيان الجواز، ولكونه لا يستقذر منه شيء، لا يصح بدليل قوله في بقية الحديث: إنه أروى الخ ... ، فإن هذه الثلاثة إنما تحصل بالشرب في ثلاثة أنفاس، ولقوله في حديث آخر ابن القدح، عن فيك، ولا ريب أن هذا من مكارم الأخلاق والنظافة، وما كان يأمر بشيء منها، ثم لا يفعله؛ قاله في المفهم. (وأخرجه الطبراني في الأوسط بسند حسن، عن أبي هريرة؛ أن النبي صَّةٍ كان يشرب في ثلاثة أنفاس، إذا أُدنى) قرب (الإِناء إلى فيه سمي اللَّه تعالى، فإذا أُخره عن فيه حمدًا لله، يفعل ذلك ثلاثًا،) فهذا نص يدفع حمل الحديث الأول على ظاهره، ولا يعارضه ما لأبي الشيخ بسند ضعيف، عن زيد بن أرقم أنه عَّ كان شربه بنفس واحد، وللحاكم، وصححه عن أبي ٢٤٧ النوع الأول في عيشه عَّ في المأكل والمشرب وفي هذا الشرب حكم جمة وفوائد مهمة، نبه عليه الصلاة والسلام على مجامعها بقوله: إنه أروى وأمرأ وأبرأ، فأروى: من الري - بكسر الراء من غير همز- أشد ريًا وأبلغه وأنفعه. وأبرأ، أفعل من البرء - بالهمز - وهو الشفاء، أي يبرىء من شدة العطش ودائه لتردده على المعدة الملتهبة دفعات، فتسكن الدفعة الثانية ما عجزت الأولى عن تسكينه، والثالثة ما عجزت عنه الثانية. وأيضاً؛ فإنه أسلم لحرارة المعدة، وأبقى عليها من أن يهجم عليها البارد وهلة واحدة ونهلة واحدة، فإنه أسلم عاقبة وآمن غائلة من تناول جميع ما يروى دفعة واحدة، فإنه يخاف منه أن يطفىء الحرارة بشدة برده وكثرة كميته، أو بضعفها فيؤدي ذلك إلى فساد المعدة والكبد، وإلى أمراض رديئة، خصوصًا في سكان البلاد الحارة، وفي الأزمنة قتادة مرفوعًا: إذا شرب أحدكم، فليشرب بنفس واحد، لحمل هذين الحديثين، كما قاله العراقي على ترك التنفس في الإِناء؛ قال ابن القيم: للتسمية في الأول، والحمد في الآخر؛ تأثير عجيب في نفع الطعام والشراب، ودفع مضرته، قال الإِمام أحمد: إذا جمع الطعام أربعًا، فقد كمل إذا ذكر اللَّه في أوله، وحمد في آخره؛ وكثرت عليه الأيدي وكان من حل. وروى البزار، والطبراني عن ابن مسعود: كان عَّه إذا شرب تنفس في الإِناء ثلاثًا، يخمد اللَّه على كل نفس، ويشكره عند آخرهن، وروى عبد بن حميد عن ابن عباس: رأيت رسول اللَّه عٍَّ يشرب في ثلاثة أنفاس، فقلت تشرب الماء في ثلاثة أنفاس، فقال: ((هو الشفاء وأبرأ وأمرأ))، (وفي هذا الشرب حكم جمة، وفوائد مهمة، نبه عليه الصلاة والسلام على مجامعها، بقوله: ((إنه أروى وأمراً وأبرأ))، فأروى من الري، بكسر الراء من غير همز، أشد ريًا، أبلغه وأنفعه،) بمعنى أنه أقمع للظمأ، وأقوى على الهضم، وأقل أثرًا في برد المعدة وضعف الأعصاب. قال الحافظ: ويجوز أن يقرأ مهموز للمشاكلة، (وأبرأ، أفعل من البرء، بالهمز، وهو الشفاء،) أو من البراءة، كما في الفتح، (أي: يبرىء من شدة العطش، ودائه لتردده على المعدة الملتهبة دفعات،) فلا يحصل لها ضرر، (فتسكن الدفعة الثانية ما عجزت الأولى عن تسكينه، والثالثة ما عجزت عنه الثانية، وأيضًا، فإنه أسلم لحرارة المعدة وأبقى،) بموحدة، (عليها من أن يهجم عليها البارد وهلة،) بسكون الهاء، (واحدة ونهلة،) بالنون، (واحدة، فإنه أسلم عاقبة، وآمن)، بالمد، (غائلة)، بمعجمة، أي: شرًا (من تناول جميع ما يروي دفعة، فإنه يخاف منه أن يطفىء الحرارة الغريزية، بشدة برده وكثرة كميته، أو بضعفها فيؤدي ذلك إلى فساد المعدة والكبد، وإلى أمراض رديئة، خصوصًا في سكان البلاد الحارة، وفي الأزمنة الحارة، فإن ٢٤٨ النوع الأول في عيشه عَّةٍ في المأكل والمشرب الحارة، فإن الشرب فيهما وهلة واحدة مخوف عليهم جدًا منه. قوله: وأمرأ بالهمز، أفعل من مرىء الطعام والشراب في بدنه إذا دخله وخالطه بسهولة ولذة ونفع. وقال بعضهم: والمعنى أنه يصير هنيًا مريئًا. أي: سالمًا أو مبرئًا من مرض أو عطش أو أذى. ويؤخذ من ذلك: أنه أقمع للعطش وأقوى على الهضم. ومن آفات الشرب نهلة واحدة، أنه يخاف منه الشرق، بأن ينسد مجرى الشراب بكثرة الوارد عليه، فإذا تنفس رويدًا ثم شرب أمن من ذلك. وقد روى عبد الله بن المبارك والبيهقي وغيرهما عن النبي ◌َّه: إذا شرب أحدكم فليمص مصًا، ولا يعب عبًا فإنه يورث الكباد. الشرب فيهما وهلة واحدة مخوف عليهم، حدًا منه،) أي: الشرب. (قوله وأمراً،) بالميم، وكان الأولى، كما صنع الحافظ تقديمه على أبراً، بالباء، لأنه مقدم عليه، في لفظ الحديث، (بالهمز، أفعل من مرىء،) بضم الراء، وكسرها، (الطعام والشراب في بدنه،) أي: صار مريقًا، (إذا دخله وخالطه بسهولة، ولذة ونفع)، فهو لازم، فإن تعدى كمرأة الطعام، فالراء مفتوحة، كما في اللغة، (وقال بعضهم: والمعنى أنه يصير هنيئًا مريئًا، أي: سالمًا، أو مبرئًا من مرض، أو عطش، أو أذى،) ومنه: فكلوه هنيئًا، أي: عاقبته مريئًا، أي: في مذاقه، (ويؤخذ من ذلك أنه أقمع للعطش، وأقوى على الهضم؛ ومن آفات الشرب نهلة واحدة، إنه يخاف منه الشرق،) بفتح الراء، مصدر شرق، بكسرها، أي: غص، (بأن ينسد مجرى الشراب بكثرة الوارد عليه،» فتكون الغصة، (فإذا تنفس رويدًا، ثم شرب أمن من ذلك؛) ومن آفاته إن في أول الشرب، يتصاعد البخار الدخاني، الذي يغشى الكبد والقلب، لورود البارد عليه، فإذا شرب دفعة وافق نزول الماء صعود البخار، فيتصادمان، ويتدافعان فتحدث أمراض رديئة، قاله ابن القيم. (وقد روى عبد اللَّه بن المبارك) الحنظلي، مؤلاهم المروزي، ثقة، ثبت، فقيه، عالم، جواد، مجاده جمعت فيه خصال الخير؛ مات سنة إحدى وثمانين ومائة وله ثلاث وستون سنة، وبذكره تستنزل الرحمة وتقدم، (والبيهقي وغيرهما،) كسعيد بن منصور، وابن السني في الطب، من حديث ابن أبي حسين مرسلاً، (عن النبي عَظ له: إذا شرب أحدكم، فليمص) بضم الميم، وفتحها، ومنهم من يقتصر عليه استحبابًا، (مصّنا،) مصدر مؤكد لما قبله، أي: ليأخذه في مهلة، ويشربه شربًا رقيقًا، (ولا يعب) بضم العين، (عبّا،) أي: لا يشرب بكثرة، من غير تنفس، (فإنه پورث الكباد). ٢٤٩ النع الأول في عيشه عَّةٍ في المأكل والمشرب والكباد : - بضم الكاف وتخفيف الباء- وجع الكبد. ولا معارضة بين التنفس هنا وبين النهي عن التنفس في الإناء الوارد في الحديث، لأن المنهي عنه التنفس داخل الإناء، فإنه ربما حصل للماء تغير من النفس، إما لكون المتنفس كان متغير الفم بمأكول بمأكول مثلاً، أو لبعد عهده بالسواك والمضمضة، أو لأن النفس يصعد ببخارالمعدة، وهنا التنفس خارج الإناء فلا تعارض، فلو لم يتنفس جاز الشرب بنفس واحد. وقيل يمنع مطلقًا لأنه شرب الشيطان. وكان عليه الصلاة والسلام إذا دعي لطعام وتبعه أحد أعلم به رب المنزل، وفي رواية؛ فإن الكباد، من العب، (والكباد، بضم الكاف، وتخفيف الباء، وجع الكبد،) لأن مجمع العروق عند الكبد، ومنه ينقسم إلى العروق، ويتولد منه السدد، فيقوي البلغم، فيورث كسلاً عن القيام والعبادة؛ وهذا من محاسن حكمته عليه الصلاة والسلام. قال ابن القيم: وقد علم بالتجربة أن هجوم الماء دفعة واحدة يؤلم الكبد، ويضعف حرارتها، بخلاف وروده بالتدريج، ألا ترى أن صب البارد على القدر، وهي تفور يضر، وبالتدريج لا، قال بعض: والكباد، كسحاب الشدة والضيق، ولا تصح إرادته هنا إلاّ بتكلف، (ولا معارضة بين التنفس هنا،) أي طلبه المستفاد، من ذا الحديث ومن الأحاديث السابقة من فعله معظهور، (وبين النهي عن التنفس في الإناء الوارد في الحديث،) الذي أخرجه الشيخان وغيرهما، عن أبي قتادة مرفوعًا: إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإِناء؛ زاد ابن ماجه من حديث أبي هريرة بسند حسن، فإذا أراد أن يعود، فلينح الإِناء، ثم ليعد إن كان يريد، (لأن المنهي عنه التنفس داخل الإِناء، فإنه ربما حصل للماء تغير من النفس؛ إما لكون المتنفس كان متغير الفم بمأكول مثلاً،) أو كثرة كلام، (أو لبعد عهده بالسواك والمضمضة، أو لأن النفس يصعد ببخار المعدة،) فتعافه النفوس، (وهنا التنفس خارج الإِناء، فلا تعارض،) وعلى هذا (فلو لم يتنفس، جاز الشرب بنفس واحد،) لانتفاء العلة، (وقيل يمنع مطلقًا، لأنه شرب الشيطان،) وقيل: لأنه من فعل البهائم، فمن فعله، فقد تمثل بهم. (وكان عليه الصلاة والسلام، إذا دعي لطعام وتبعه أحد، أعلم به رب المنزل،) كما في البخاري ومسلم وغيرهما، عن أبي مسعود الأنصاري، قال: كان من الأنصار رجل يقال له أبو شعيب، وكان له غلام لحام، فقال: إجعل لي طعامًا يكفي خمسة، فإني أريد أن أدعو رسول اللَّه عَّةٍ، وقد عرفت في وجهه الجوع، فدعا رسول اللَّه عَّه خامس خمسة، فتبعهم رجل، فقال النبي عَة: ((إنك دعوتني خامس خمسة، وهذا رجل قد تبعنا، فإن شئت أذنت له، ٢٥٠ النوع الأول في عيشه عَّ في المأكل والمشرب فيقول: إن هذا تبعنا فإن شئت رجع. وكان يكرر على أضيافه ويعرض عليهم الأكل مرارًا، وفي حديث أبي هريرة في قصة شرب اللبن، وقوله مرارًا: اشرب، فما زال يقول: اشرب حتى قال: والذي بعثك بالحق لا أجد له مسلكًا. رواه البخاري. وإن شئت تركته))، قال: بل أذنت له، وفي رواية اتبعنا بالتشديد، وفي رواية: لم يكن معنا حين دعوتنا، فإن أذنت له دخل، وفيٍ أخرى، وإن شئت أن يرجع رجع، وفي رواية، وإن شئت رجع، فقال: لا بل أذنت له يا رسول الله. قال الحافظ: ولم أقف على اسم هذا الرجل في شيء من طرق هذا الحديث، ولا اسم واحد من الأربعة، ولا اسم الغلام اللحام، (فيقول إن هذا تبعنا،) بفتح الفوقية، وكسر الموحدة، كما ضبطه المصنف، كغيره، أي: تبعنا من غير طلبه، (فإن شئت رجع،) ففيه أن من تطفل في الدعوة، كان لصاحبها الخيار في حرمانه، فإن دخل بلا إذن، فله إخراجه، وحرمة التطفل، ما لم يعلم رضا المالك به، لما بينهما من أنس وانبساط؛ وقيد بالدعوة الخاصة، أما العامة، كأن فتح الباب ليدخل من شاء، فلا تطفل، وفي سنن أبي داود بسند ضعيف، عن ابن عمر، رفعه: من دخل بغير دعوة، دخل سارقًا، وخرج مغيرًا. (وكان يكرر على أضيافه، ويعرض عليهم الأكل مرارًا، وفي حديث أبي هريرة) ما يؤيد ذلك، (في قصة شرب اللبن، وقوله مرارًا: ((إشربٍ))، فما زال يقول) عَّله: ((إشرب، حتى قال) أبو هريرة: (والذي بعثك بالحق، لا أجد له مسلكًا، رواه البخاري) مطولاً في كتاب الرقاق من صحيحه، أن أبا هريرة، كان يقول: والله الذي لا إله إلاَّ هو، إن كنت لأُعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع، ولقد قعدت يومًا على طريقهم الذي يخرجون منه، فمر أبو بكر، فسألته عن آية من كتاب الله، ما سألته إلاَّ ليشبعني، فمر ولم يفعل، ثم مر بي عمر، فسألته عن آية، ما سألته إلاَّ ليشبعني، فمر ولم يفعل، ثم مر بي أبو القسم عَّهِ، فتبسم حين رآني، وعرف ما في نفسي، وما في وجهي، ثم قال: ((أبا هريرة))، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: ((الحق))، فتبعته، فدخل، فاستأذن، فأذن لي، فدخل، فوجد لبنًا في قدح، فقال: من أين هذا اللبن؟، قال: أهداه لك فلان أو فلانة، قال أبا هريرة: الحق إلى أهل الصفة، فادعهم لي، قال: وأهل الصفة أضياف الإِسلام، لا يأوون على أهل، ولا مال، ولا على أحد إذا أتته صدقة، بعث بها إليهم، ولم يتناول منها شيئًا، وإذا أتته هدية أرسل إليهم، وأصاب منها، وأشركهم فيها، فساءني ذلك، فقلت: وما هذا اللبن في أهل الصفة، كنت أحق أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى، بها، فإذا جاء من أمرني، فكنت أنا أعطيهم، وما عسى أن يبلغني من ٢٥١ النوع الأول في عيشه عَّ في المأكل والمشرب وكان عليه الصلاة والسلام إذا أكل مع قوم كان آخرهم أكلاً. رواه البيهقي في الشعب عن جعفر بن محمد عن أبيه مرسلاً. وفي حديث ابن عمرو مرفوعًا عند ابن ماجه والبيهقي: إذا وضعت المائدة فلا يقوم الرجل وإن شبع حتى يفرغ القوم، فإن هذا اللبن، ولم يكن من طاعة اللَّه وطاعة رسوله بد، فدعوتهم، فأقبلوا، فاستأذنوا، فأذن لهم، وأخذوا مجالسهم من البيت، قال: ((أبا هريرة))، قلت: لبيك يا رسول اللَّه، قال: خذ، فأعطهم، فأخذت القدح، فجعلت أعطيه الرجل، فيشرب حتى يروى، ثم يرد القدح على، فأعطيه الرجل، فيشرب حتى يروى، ثم يرد علي القدح، فأعطيه الرجل، فيشرب حتى يروى، ثم يرد على القدح، حتى انتهيت إلى النبي عَّه، وقد روى القوم كلهم، فأخذ القدح، فوضعه على يده، فنظر إليَّ، فتبسم، فقال: أبا هريرة، قلت: لبيك يا رسول اللَّه، قال: ((بقيت أنا وأنت))، قلت: صدقت يا رسول اللَّه، قال: ((إقعد فاشرب))، فقعدت، فشربت، فقال: (إشرب))، فشربت، فما زال يقول: (إشرب))، حتى قلت: لا والذي بعثك بالحق، ما أجد له مسلكًا، قال: ((ناولني))، فأعطيته القدح، فحمد اللَّه، وشرب الفضلة. وفي رواية الإِمام أحمد حتى قرب من الفضلة، قال الحافظ: وفيها إشعار؛ بأنه بقي بعد شربه شيء، فإن كانت محفوظة، فلعله أعدها لمن بقي بالبيت من أهله عَظله، (وكان عليه الصلاة والسلام إذا أكل مع قوم) في منزله، أو غيره، (كان آخرهم أكلاً،) لئلا يخجلهم، فيقوموا قبل استيفاء حاجتهم. (رواه البيهقي في الشعب) للإيمان، (عن جعفر) الصادق، (بن محمد) بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبي عبد اللَّه، الفقيه، الإِمام، الصدوق، روى له مسلم، والأربعة، والبخاري في التاريخ، ومات سنة ثمان وأربعين ومائة، (عن أبيه مرسلاً) محمد الباقر، لأنه بقر العلم، أي: شقه، فعرف أصله وخفيه، ثقة، فاضل، مات سنة بضع عشرة ومائة. (وفي حديث ابن عمرو،) بفتح العين، (مرفوعًا عند ابن ماجه، والبيهقي،) وضعفه بقوله: أنا أبرأ من عهدته، (إذا وضعت المائدة، فلا يقوم الرجل،) أي: أحد الآكلين، لا صاحب الطعام فقط، أي: يندب أن لا يقوم، والمصنف اختصره فلفه عندهما، إذا وضعت المائدة، فليأكل الرجل مما يليه، ولا يأكل مما بين يدي جليسه، ولا من ذروة لقصعة، فإنما تأتيه البركة من أعلاها، ولا يقوم رجل حتى ترفع المائدة، ولا يرفع يده، (وإن شبع،) فالقيام مكروهًا، أو خلاف الأولى، قبل رفع المائدة، بل رفع اليد، وإن شبع كذلك، ولو لم يقم، كما هو صريح الحديث، خلاف ما يوهمه اختصار المصنف له، (حتى يفرغ القوم،) لفظه حتى يرفع لقوم وليقعد، (فإن ٢٥٢ النوع الأول في عيشه عَّ في المأكل والمشرب ذلك يخجل جليسه وعسى أن يكون له في الطعام حاجة. وكان عليه الصلاة والسلام إذا أكل عند قوم لم يخرج حتى يدعو لهم. فدعا في منزل عبد الله بن بسر فقال: اللَّهم بارك لهم فيما رزقتهم واغفر لهم وارحمهم رواه مسلم، ودعا في منزل سعد فقال: أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامکم الأبرار وصلت علیکم الملائکة. رواه أبو داود، ذلك) القيام (يخجل جليسه،) فيقوم لما جبلت عليه النفوس من كراهة نسبتها إلى الشره، وزيادة الأكل على غيرها، (وعسى أن يكون له في الطعام حاجة،) فيقوم قبل تمامها خجلاً، وذلك قد يؤذيه. (وكان عليه الصلاة والسلام إذا أكل عند قوم، لم يخرج حتى يدعو لهم، فدعا في منزل عبد الله بن بسر،) بضم الموحدة، وسكون المهملة، المازني، الحمصي له، ولأبويه ولأخويه عطية، والصماء صحبة، وروى هو عن النبي عَّه، وعن أبيه، وعن أخيه، وعن جماعة، مات بالشام، وقيل بحمص منها، سنة ثمان وثمانين، وهو ابن أربع وتسعين، وهو آخر من مات بالصحابة بالشام. وقال أبو نعيم وغيره: مات سنة ست وتسعين، وهو ابن مائة سنة، ويؤيده ما رواه البخاري في التاريخ الصغير، عن عبد الله بن بسر، أن النبي عٍَّ قال له: ((يعيش هذا الغلام قرنًا)»، فعاش مائة سنة، وتقدم هذا، (فقال: ((اللهم بارك لهم فيما رزقتهم، واغفر لهم وارحمهم))). (رواه مسلم) من حديثه، قال: نزل النبي عَّم على أبي، فقربنا له طعامًا، الحديث، وفيه، فقال أبي: ادع لنا، فقال: فذكره والنسائي، قال أبي لأمي: لو صنعت لرسول اللَّه عَّ الحديث، وفي أبي داود، وابن ماجه عنه: دخل علينا رسول اللَّه عَّه، فقدمنا له زبدًا وتمرًا وكان يحب الزبد والتمر، (ودعا في منزل سعد) بن عبادة لما أفطر عنده في رمضان، (فقال: ((أفطر عندكم الصائمون؛ وأكل طعامكم،) أي: وشرب شرابكم (الأبرار،) صائمين ومفطرين، فمفاد هذه الجملة أعم مما قبلها، (وصلت عليكم،) أي استغفرت لكم، (الملائكة) الموكلون بخصوص ذلك، إن ثبت، وإلاّ فالحفظة أو المعقبات، أو رافعوا الأعمال، أو الكل أو بعض غير ذلك، وفيه ندب الدعاء بذلك بناءً على أن الجملة دعائية، وهو أقرب من جعلها خبرية، وذلك مكافأة له على ضيافته إياه، (رواه أبو داود)) عن أنس، أن النبي عَّ جاء إلى سعد بن عبادة، فجاء بخبز وزيت، فأكل، ثم قال: إفطر الخ ... ولا يعارضه ما رواه ابن ماجه، وابن حبان، عن ابن الزبير، أفطر رسول اللَّهِ عَ ◌ِّ عند ٢٥٣ النوع الأول في عيشه عَُّ في المأكل والمشرب وسقاه آخر لبنًا فقال: اللَّهم أمتعه بشبابه، فمرت عليه ثمانون سنة لم ير شعرة بيضاء، رواه ابن السني. سعد بن معاذ، فقال: أفطر الخ، لأنهما قضيتان جرتا لسعد بن عبادة، ولسعد بن معاذ، أشار إلى ذلك النووي، (وسقاه آخر لبنّا،) هو عمرو بن الحمق، كما رواه الطبراني وغيره، وهو، بفتح العين، وأبوه، بفتح الحاء المهملة، وكسر الميم، وقاف، الخزاعي، الكعبي، قال أبو عمر: هاجر بعد الحديبية، وقيل: بل أسلم بعد حجة الوداع، والأول أصح، (فقال: ((اللهم أمتعه بشبابه، فمرت عليه ثمانون سنة، لم يرَ شعرة بيضاء)). قال في الإصابة: يعني أنه استكمل الثمانين، لا أنه عاش بعد ذلك ثمانين، قال أبو عمر: سكن الشام، ثم الكوفة، ثم كان ممن قام على عثمن مع أهلها، وشهد مع على حروبه، ثم قدم مصر، ولأهلها عنه حديث، فروى الطبراني، وابن قائع من طريق عميرة بن عبد اللّه المعافري، عن أبيه، أنه سمع عمرو بن الحمق يقول: سمعت رسول اللَّه عٍَّ ذكر فتنة يكون أسلم الناس، أو خير الناس فيها الجند الغربي، قال عمرو، فلذلك قدمت عليكم، وقتل بالموصل سنة خمسين أو إحدى، وبعث برأسه إلى مطوية، وهو أول رأس أهدى في الإِسلام انتهى. باختصار (رواه ابن السني) وغيره، بإسناد فيه ضعف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ٢٥٤ النوع الثاني في لباسه وفراشه النوع الثاني في لباسه وفراشه قال البخاري: باب من كان النبي عليه الصلاة والسلام يتجوز من اللباس. يعني يتوسع فلا يضيق بالاقتصار على صنف بعينه، أو لا يضيق بطلب النفس الغالي، بل يستعمل ما تيسر. وقال القاضي عياض: كان عليه الصلاة والسلام قد اقتصر منه على ما تدعوه ضرورته إلیه، وزهد فيما سواه، بسم الله الرحمن الرحيم (النوع الثاني في لباسه) بالكسر ما يلبسه (عَّهُ وفراشه) أي: بيانهما وصفتهما، والفراش ما یفرش، فهو بمعنى مفروش؛ ككتاب بمعنى مكتوب. (قال البخاري:) أثناء كتاب اللباس من صحيحه: (باب ما كان النبي عَّ- يتجوَّز،) بالجيم من التجوَّز (من اللباس) والبسط، (يعني: يتوسَّع) تفسير ليتجوَّز، (فلا يضيق بالاقتصار على صنف يعينه،) وللكشميهني يتحرى، بحاء مهملة، بعدها راء، كذا في الفرع، وقال في الفتح: وتبعه العيني بالجيم والزاي، أي: المفتوحة المشدَّدة، بعدها ألف. قال العيني: وما أظنه صحيحًا، إلا بالحاء والراء، قاله المصنَّف، (أو) معنى يتجوَّز: (لا يضيق بطلب النفيس الغالي،) كذا في نسخ، كالفتح بالواو، إشارة إلى تفسير يتجوّز بأحد أمرين، وفي بعض نسخ المصنّف: بالواو على أنه تفسير للتوسع بمجموعهما، (بل يستعمل ما تيسّر) بلا كلفة، ولذا أورد البخاري في الباب حديث عمر في جلوس النبيَّ عَّله في المشربة لما حلف لا يدخل على نسائه شهرًا، وفيه: فدخلت فإذا النبيَّ عَُّ على حصير قد أثر في جنبه، وتحت رأسه مرفقه من أدم، حشوها ليف، وإذا أُهُبّ معلقة وقرظ، وحديث أم سلمة: استيقظ النبيَّ عَّهِ، وهو يقول: ((لا إله إلاَّ اللَّه، ماذا أنزل الليلة من الفتنة، ماذا أنزل من الحزائن، من يوقظ صواحبات الحجرات، كم من كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة))، ففيه التحذير من لبس رقيق الثياب الواصفة للجسد، وهو وجه إدخاله في هذه الترجمة. وروى أبو نعيم، وابن عدي، عن عبادة بن الصَّامت: صلّى بنا رسول اللَّه عَّةٍ في شملة أراد أن يتوشّح بها فضاقت، فعقدها في عنقه هكذا، وأشار سفين إلى قفاه ليس له غيرها. (وقال القاضي عياض) في الشفاء: (كان عليه الصّلاة والسّلام قد اقتصر منه على ما تدعو ضرورته إليه، وزهد،) ماضي معطوف على اقتصر، (فيما سواه،) أي: ما سوى مقدار ٢٥٥ النوع الثاني في لباسه وفراشه فكان يلبس ما وجده، فيلبس - في غالب أحواله - الشملة والكساء الخشن والأردية والأزر، ويقسم على من حضره أقبية الديباج المخوّصة بالذهب، ويرفع لمن لم يحضر، إذ المباهاة في الملابس والتزين بها ليست من خصال الشرف والجلالة، وإنما هي من سمات النساء، الضرورة. وفي نسخة من الشفاء: وزهده مصدر مضاف للضمير، مرفوع عطفًا على ضرورته، أو مجرور عطفًا على مجرور إلى، بدون إعادة جار، والنسخ الأوّل أوضح، (فكان يلبس ما وجده) حاضرًا عنده بلا تكلّف، (فيلبس في غالب أحواله الشملة، بفتح المعجمة، وسكون الميم، ما يشتمل به من الأكسية التي يلتحف بها؛ كما في الفتح، وقيل: يختص بِمَّالَّهُ هدب. وقال ابن دريد: كساء يؤتزر به، وهي البردة، وتسمية العوام ما يلف على الرأس شملة اصطلاح حادث، (والكساء) قريب من البرد (الخشن،) بفتح، فكسر، ضد اللين والرقيق (والأردية:) جمع رداء، (والأزر) جمع إزار، ولفظ الشفاء بدل هذين، والبرد الغليظ، وهو بضمّ أوّله: ثوب فيه خطوط ومطلق الثوب، وليس هذا عجز عن فاهر الملابس، بل لعدم ميله لها؛ كما أفاده بقوله: (ويقسم على من حضره))) أي: حضر عنده، كما هو لفظ الشفاء، (أقبية:) جمع قباء، وهو المخيط من اللباس. (الديباج) نوع معروف من الحرير، (المخوّصة) بضم الميم، وفتح المعجمة، وشدّ الواو، فصاد مهملة وهاء، المزينة. (بالذهب،) أي: المنسوخة بأعلام مر ذهب، كالخوص، وقيل: المكفوف، أو المطوّق، أو المزرر بالذهب، (ويرفع،) أي: يدخر (لمن لم يحضر) القسمة إلى أن يحضر فيعطيها له، إشارة لقصة مخرمة التي رواها البخاري وغيره، عن مسور بن مخرمة، قال: قال لي أبي: بلغني أنه عَّهِ جاءته أقبية فأذهب بنا إليه، فذهبنا فوجدناه في منزله، فقال: ادعه لي، فأعظمت ذلك، فقال: يا بني إنه ليس بجبار، فدعوته عَّهِ، فخرج ومعه قباء من ديباج مزرّر بالذهب، فقال: ((يا مخرمة! خبأت لك هذا))، وجعل عَّةٍ يريه محاسنه، ثم أعطاه له فنظر إليه، فقال: ((رضي مخرمة))، فأعطاه إياه، وجزم الداودي أن قوله: (رضي مخرمة)، من كلام النبيّ عَّه، ورجح الحافظ أنه من كلام مخرمة، (إذ المباهاة) تعليل لاقتصاره على ما تدعو ضرورته إليه، أي: لأن إظهار الفخر (في الملابس:) جمع ملبس، بفتح الميم والباء، وهو واللباس بمعنى، وأصل المباهاة: المفاخرة، فنزل إظهارها والعجب بها، (والتزين بها،) أي: إظهار الزينة في الملابس متزر ذلك، (ليست من خصال الشرف والجلالة) العظمة، (وإنما هي من سمات النساء،) ومن في حكمهنّ كالأطفال، وأكثر من يتباهى بذلك محدث ٢٥٦ النوع الثاني في لباسه وفراشه والمحمود نقاوة الثوب، والتوسط في جنسه، وكونه لبس مثله، غير مسقط المروءة جنسه. انتهى. وقد روى أبو نعيم في الحلية عن ابن عمر مرفوعًا: أن من كرامة المؤمن على الله نقاء ثوبه ورضاه باليسير. وله أيضًا من حديث جابر: أن النبي عَِّ رأى رجلاً وسخة ثيابه فقال: أما وجد هذا شيئًا ينقي به ثيابه؟ فقد كانت سيرته عَّ في ملبسه أتم وأنفع للبدن وأخفه عليه، فإن لم تكن عمامته بالكبيرة التي تؤذي حملها وتضعفه وتجعله عرضة النعمة ومن لا قدر له، (والمحمود) عند الله وعند الناس، (نقاوة،) بفتح النون وضتها، أي: نظافة (الثوب،) أي: كونه نقيًّا من الوسخ والنجاسة، (والتوسّط في جنسه،) فلا يكون عليًّا جدًّا ولا خسيسًا، (وكونه ليس،) بضم، فسكون (مثله،) أي: مما تلبسه أمثاله، (غير مسقط المروءة جنسه،) أي: لا يعد مسقطًا لمروءة أمثاله، فينبغي أن يوافق أمثاله في لباسهم، ولا يخالفهم، فيوقع الناس في الفتنة، وبقيّة كلام عياض مما لا يؤدّي إلى الشهر في الطرفين، (انتهى،) أي: غاية التعظيم وغاية الخسة، فيكون بين بين، وخير الأمور أوساطها. قال النووي: كانوا يكرهون الشهرتين: الثياب الجياد والثياب الرذلة، إذ الأبصار تمتدّ إليهما جميعًا، وبهذا ورد الحديث. (وقد روى أبو نعيم في الحلية،) والطبراني في الكبير، (عن ابن عمر بن الخطّاب، (مرفوعًا: ((إن من كرامة المؤمن على اللّه،) أي: نفاسته وعزّته، أي: من حسن حاله الذي يثيبه عليه ويصبر به مقرّبًا عنده، (نقاء ثوبه،) نطافته ونزاهته عن الأدناس، (ورضاه) بالقصر (باليسير))،) من ملبس ومأكل ومشرب، أو من الدنيا، ودخل زائر على أبي الحسن العروضي، فوجده عريانًا، فقال: نحن إذا غسلنا ثيابنا نكون كما قال أبو الطيب: قوم إذا غسلوا ثياب جمالهم لبسوا البيوت وزرّروا الأبوابا (وله أيضًا من حديث جابر: إن النبيّ عَِّ رأى رجلاً وسخة ثيابه، فقال: ((أما وجد،) وفي نسخة: أما رأى (هذا شيئًا ينقّي به ثيابه))؟) استفهام توبيخي على وسخ ثوبه، ولم يخاطبه لئلا يكسر خاطره، وإشارة إلى أن الحكم لا يختصّ به، (فقد كانت سيرته عَّدٍ في ملبسه أتمّ) اسم تفضيل، وكذا (وأنفع للبدن وأخفّه عليه،) والمفضل عليه محذوف، أي: مما جرت العادة بلبسه، (فإن لم تكن عمامته بالكبيرة التي يؤذي حملها) حاملها، (وتضعفه، وتجعله عرضة للآفات؛) كصداع ومرض ٢٥٧ النوع الثاني في لباسه وفراشه للآفات، كما يشاهد من حال أصحابها، ولا بالصغيرة التي تقصر عن وقاية الرأس الحرّ والبرد، بل وسطًا بين ذلك، وكان يدخلها تحت حنكه، فإنها تقي العنق من الحر والبرد، وهو أثبت لها عند ركوب الخيل والإبل، والكر والفر، وكذلك الأردية والأرز أخف على البدن من غيرها. وقد أطنب ابن الحاج في المدخل في الاستدلال الاستحباب التحنيك، ثم قال: وإذا كانت العمامة من باب المباح فلا بد فيها من فعل سنن تتعلق بها، من عين وزكام، (كما يشاهد من حال أصحابها، ولا بالصغيرة التي تقصر عن وقاية،) بكسر الواو وفتحها، لغة حفظ (الرأس من الحر والبرد، بل) كانت (وسطًا بين ذلك،) المذكور من الكبر والصغر. قال الحافظ في فتاويه: لا يحضرني في طول عمامة النبيّ عَّ قدر محدود، وقد سئل عنه الحافظ عبد الغني، فلم يذكر شيئًا، وقال السيوطي: لم يثبت في مقدارها حديث، وفي خبر ما يدلّ على أنها عشرة أذرع، والظاهر أنها كانت نحو العشرة أو فوقها بيسير. وقال السخاوي في فتاويه: رأيت من نسب لعائشة أن عمامته في السفر بيضاء، وفي الحضر سوداء، وكل منهما سبعة أذرع، وهذا شىء ما علمته، وقال مكي: لم يتحرّر، كما قال بعض الحفاظ في طولها وعرضها شىء، وما للطبراني أن طولها سبعة أذرع، ولغيره عن عائشة أنه سبعة في عرض ذراع، وأنها كانت في السفر بيضاء، وفي الحضر سوداء من صوف، وأن عذبتها في السفر من غيرها، وفي الحضر منها لا أصل له. وفي تصحيح المصابيح لابن الجزري: تتبعت الكتب وتطلبت من السير والتواريخ، لأقف على قدر عمامته عَّله، فلم أقف على شىء، حتى أخبرني من أثق به؛ أنه وقف على شىء من كلام النووي، ذكر فيه أنه كان له عمامة قصيرة ستة أذرع، وعمامة طويلة اثنا عشر ذراعًا، (وكان يدخلها،) أي: بعضها (تحت حنكه، فإنها،) أي: الهيئة المذكورة أو العمامة بهذه الهيئة، وفي نسخة: فإنه، أي: هذا الفعل باعتبار أثره الذي ترتّب منه، وهو كون العمامة تحت الحنك، (تقي العنق:) الوصلة بين الرأس والجسد، (الحرّ والبرد،) ففي هذا الفعل نفع له حتى لا يكون عربًا دونهما، وهو أثبت لها عند ركوب الخيل والإبل والكرّ والفرّ، وكذلك الأردية والأزر أخف على البدن من غيرها)؛ كالجوخ والفراء والمضربات. (وقد أطنب ابن الحاج في المدخل في الاستدلال لاستحباب التحنيك، ثم قال: إذا كانت العمامة،) أي: لبسها (من باب المباح، فلا بدّ فيها من فعل سنن تتعلق بها من ٢٥٨ النوع الثاني في لباسه وفراشه تناولها باليمين والتسمية والذكر الوارد، إن كانت مما لبس جديدًا، وامتثال السنة في صفة التعميم، من فعل التحنيك والعذبة. وتصغير العمامة يعني سبعة أذرع نحوها، يخرجون منها التحنيك والعذبة، فإن زاد في العمامة قليلاً لأجل حر أو برد فيسامح فيه. ثم قال بعد أن ذكر قوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [الحشر/٧]، فعليك بأن تتسرول قاعدًا وتتعمم قائمًا. انتهى. ولم يكن عَّ يطول أكمامه ويوسعها، بل كان كم قميصه إلى الرسغ، وهو منتهى الكف عند المفصل، لا يجاوز اليد فيشق تناولها باليمين)؛ لأنه ◌َّ كان يحبّ التيمن في شأنه كلّه، (والتسمية) إذ هي ثوب، والتسمية عند لبسه مستحبة، (والذكر الوارد إن كانت مما لبس جديدًا،) روى أبو داود، وأحمد، والترمذي، وحسّنه الحاكم وصحّحه، عن أبي سعيد الخدري، قال: كان رسول اللَّه عَلِّ إذا استجدّ ثوبًا سمّاه باسمه عمامة أو قميصًا أو رداء، ثم يقول: ((اللَّهمّ لك الحمد كما كسوتنيه، اسألك من خيره وخير ما صنع له، وأعوذ بك من شره وشرّ ما صنع له)). وروى أحمد، وأبو يعلى، عن عليّ: سمعت رسول اللَّه يقول إذا لبس ثوبًا جديدًا: (الحمد الله الذي رزقني من الرياش)، أي: الحمال، ((ما أتجمّل به في الناس وأُواري به عورتي)). وللطبراني عن جابر: كان عَّةٍ إذا لبس ثوبًا جديدًا، قال: ((الحمد لله الذي وارى عورتي وحملني في عباده))، والمراد العورة اللغوية، أي: النقص، كأنه قال: ورزقني ما أزيل به النقص عني وأحصل به الكمال، (وامتثال السنّة في صفة التعميم من فعل التحنيك، والعذبة وتصغير العمامة، يعني) كونها (سبعة أذرع ونحوها يخرجون منها التحنيك والعذبة، فإن زاد في العمامة قليلاً لأجل حرّ أو برد فيسامح فيه،) وأما كثيرًا لا لذلك فبدعة مكروهة، مخالفة للسنة، وسرف وتضييع للمال، قاله ابن الحاج، لكن قال ابن عبد السلام: إذا كان ذلك شعارًا للعلماء، فيستحب ليعرفوا فيسألوا ويطاعوا، وتبعه السبكي واستنبطه من قوله تعالى: ﴿يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين﴾ الآية، (ثم قال بعد أن ذكر قوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ الآية، فعليك بأن تتسرول قاعدًا وتتعمّم قائمًا، انتهى) كلام ابن الحاج. وقضيته: أن المصطفى كان يفعل ذلك وعهدته عليه، وذكر البرهان الناجي - بالنون - أن التعممّ قاعدًا والتسوول قائمًا يورثان الفقر والنسيان، (ولم يكن عَّة يطوّل أكمامه ويوسعها، بل كان كمّ قميصه) عَّةٍ (إلى الرسغ) بزنة قفل، بصاد وسين، لغتان صحيحتان، وبالصاد رواه الترمذي وأبو داود، وبالسين وغيرهما. (وهو منتهى الكف عند المفصل لا يجاوز اليد، فيشق ٢٥٩ النوع الثاني في لباسه وفراشه على لابسه ويممنعه سرعة الحركة والبطش، ولا يقصره علية عن هذا فتبرز للحر. والبرد، وقد روي عن أسماء بنت يزيد قالت: كان كم قميص رسول الله عَّ ألى الرسغ رواه الترمذي. وكان ذيل قميصه وردائه إلى أنصاف الساقين، لم يتجاوز الكعبين، فيؤذي الماشي ويجعله كالمقيد، ولم يقصر عن عضلة ساقيه، على لابسه ويمنعه سرعة الحركة والبطش، ولا يقصره عٍَّ عن هذا فيبرز للحر والبرد،) فجعله إلى الرسغ وسط، وخير الأمور أوساطها، ولا يعارضه رواية أسفل من الرسغ لاحتمال تعدد القميص، أو المراد التقريب لا التحديد، والاختلاف بحسب أحوال الكم، فحال جِدَّته وعقب غسله يكون أطول لعدم تثنيه وتجعده، وإذا بعد عن ذلك تثنى وقصر، ولا يعارضه أيضًا ما رواه الحاكم وصححه، وأبو الشيخ، عن ابن عباس: أن رسول اللَّه عَلِّ لبس قميصًا، وكان فوق الكعبين، وكان كمّه إلى الأصابع؛ لأن الرسغ مخصوص بقميص السفر، أمّا في الحضر، فكان يلبس قميصًا من قطن فوق الكعبين وكتّاه مع الأصابع، كما جمع بينهما بذلك بعضهم، نقله السيوطي قائلاً: ويؤيده ما أخرجه سعيد بن منصور، والبيهقي عن عليّ؛ أنه كان يلبس القميص، ثم يمد الكم، حتى إذا بلغ الأصابع قطع ما فضل، ويقول: لا فضل للكمين على الأصابع، انتهى. (وقد روي عن أسماء،) بفتح الهمزة ممدودًا، (بنت يزيد) ابن السكن الأنصارية، تكنى أُمّ سلمة، ويقال: أُمّ عامر، صحابية لها أحاديث روى لها الأربعة، وهي بنت عمة معاذ، وقتلت يوم اليرموك تسعة بعمود خبائها، (قالت: كان كمّ قميص رسول اللَّه عَّلة إلى الرسغ، رواه الترمذي) في الشمائل مقيّدًا بالقميص، ورواه في الجامع: كان كمّ يدّ رسول اللّه، قال الزين العراقي: فيحتمل حمله عليه ويحتمل العموم، انتهى، وقد قال الترمذي أنه حسن غريب، مع أن فيه شهر بن حوشب مختلف فيه، ورواه أبو داود أيضًا، والبيهقي في الشعب، وله شاهد عنده من حديث أنس، وابن عباس، فانجبرت رواية شهر، ولذا حسّنها الترمذي، (وكان ذيل قميصه وردائه إلى أنصاف الساقين؛) كما رواه الترمذي عن سلمة: كان عثمن يأتزر إلى أنصاف ساقيه، وقال: كانت إزرة صاحبي - يعني النبيّ ◌َّه - والمراد بالجمع: ما فوق الواحد، بدليل إضافته إلى المثنى قبل، وجمع أنصاف إشارة إلى التوسعة. (لم يتجاوز الكعبين، فيؤذي الماشي ويجعله كالمقيّد، ولم يقصر عن عضلة ساقيه،) بعين مهملة، وضاد معجمة، قال في القاموس: محركة، وكسفينة كل عصبة معها لحم غليظ. قال الحافظ العراقي: وهي هنا اللحمة المجتمعة أسفل من الركبة من مؤخر الساق، ٢٦٠ النوع الثاني في لباسه وفراشه فيتأذى بالحر والبرد. أشار إليه في زاد المعاد. وأخرج الترمذي عن الأشعث بن سليم قال: سمعت عمتي تحدث عن عمها قال: بينا أنا أمشي في المدينة إذا إنسان خلفي يقول: ارفع إزارك فإنه أتقى وأبقى، فإذا هو رسول الله عَّله، فقلت: يا رسول الله إنما هي (فيتأذّى بالحر والبرد، أشار إليه) ابن القيم (في زاد المعاد) في هدي خير العباد، (وأخرج الترمذي) والنسائي، (عن الأشعث،) بشين معجمة ومثله، (ابن سليم) المحاربي، الكوفي، ثقة، روى له الستّة، مات سنة خمس وعشرين ومائة، (قال: سمعت عمتي) اسمها رهم، بضم الراء وسكون الهاء، بنت الأسود بن حنظلة، لا تعرف من الثالثة، روى لها النسائي والترمذي في الشمائل؛ كما في التقريب، (تحدّث عن عمّها) عبيد بن خالد، ويقال: ابن خلف المحاربي، ويقال: عبيد، بفتح أوّله، ويقال: عبيدة بفتح العين وزيادة هاء، وذكره ابن عبد البر، بضم أوّله وبالهاء، صحابي يعد في الكوفيين، له حديث في إسبال الإزار، رواه الترمذي في الشمائل، والنسائي، ولم يسمّ في رواية الترمذي، ووقع في التجريد أنه عمّ أبي الأشعث المحاربي، ذكره في الإصابة، قال: بعض والأصح ما في نسخ من الشمائل عن عمّ أبيه، إذ عمّها ابن حنظلة لا ابن خالد، ولذا قال المصنّف على الشمائل: وقع في تهذيب الكمال عن عمّ أبيه، وحينئذ رجع الضمير المجرور إلى أشعث، وعم عمة الشخص عمّ أبيه، (قال: بينا أنا أمشي في المدينة إذا إنسان خلفي،) أي: في أثناء أوقات مشي وجود إنسان، فبينا ظرف لهذا الفعل المقدّر، وإذا مفعوله بمعنى الوقت، فلا يلزم تقديم معمول المضاف، وإذا للمفاجأة، وكثيرًا ما يذكره في جواب بينا، خلافًا لقول ابن الأثير الأفصح في جواب بينا وبينما، أن لا يكون فيه إذ وإذا، فإنه نوزع بوقوعه كثيرًا في الأحاديث الصحيحة، وتقديم المسند إليه للتخصيص أو للتقوى، (يقول:) خبر إنسان المخصص بالوصف، ((ارفع إزارك) على عادته في نصح أصحابه، فعن النعمن بن بشير: سمعت رسول اللَّه عَّةٍ يقول: ((أنذرتكم النار حتى إن رجلاً لو كان بالسوق لسمعه من مقامي هذا، حتى وقعت خميصة له كانت على عاتقه))، رواه البخاري، (فإنه،) أي: الرفع، (أتقى) بفوقية، أي: أقرب لسلوك التقوى لبعد عن الكبر والخيلاء، أو للتنزه عن القاذورات، ويؤيّده رواية أنقى، بالنون من النقاء، أي: أنظف، فإن جرّ الإزار على الأرض ربما تعلّق به نجاسة فتلوّثه، كذا فسّره، جمع وتوقّف فيه بعضهم؛ بأنه لا يعرف له أصلاً، وإنما هو إسناد مجازي؛ لأنه سبب لكون فاعله أتقى، (وأبقى))،) بموحدة: أكثر بقاء ودوامًا، وفيه إِرشاد اللابس مَّ اله إلى الرفق بما يلبسه وحفظه وتعهده؛ لأن إهماله تضييع وإسراف، (فإذا هو رسول الله عَلَيـ فقلت: يا رسول اللَّه إنما هي،) أي الإزار تؤنث وتذكر فلا حاجة إلى أنه أنّثه باعتبار الخبر، وهو